آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

طريق الياسمين » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: عقيلة >> عملاق استرجاع الملفات بدون منازع Recover My Files 2019 » الكاتب: منجد العزوزي » آخر مشاركة: منجد العزوزي >> صفحة بيضاء » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> ترانيم المساء ،، تباركها تحايا من عبق الروح » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> مجرد ثرثرة روح » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> أنا ........ ! » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> اقتباسات / نصوص .. تشي بنا » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: منى عجاجي >> من الحنايا » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: منى عجاجي >> سطورٌ مِن كِتاب » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: منى عجاجي >> نافذة اغتراب » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: عقيلة >>
+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المسرحية في الأدب العربي الحديث

  1. #1
    Administrator
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    595

    افتراضي المسرحية في الأدب العربي الحديث

    المقدمة

    المسرح بشكله الحالي وبتقاناته وجمالياته المعاصرة وبشروطه (الخشبة -النص - الممثّل - الإخراج - الأزياء - الديكور - الموسيقا - الصوت- المتلقّي...إلخ) جنس وافد منذ منتصف القرن الماضي، وقدتناولته دراسات مختلفة، أو تناولت أجزاء منه أو موضوعات خاصة، كفنّ التمثيل وفنّ الإخراج والديكور والعرض وزمن العرض واللغة والحوار والشخصية، ويمكن العودة إلى المعاجم المسرحية في هذه الأمور.‏

    إنّ هذه الدراسة لاتتناول المسرح، فله دارسوه وعارفوه والمختصون به، ولكنّها تتناول المسرحية أو النّص المسرحي بصفته نصًّا قابلاً للعرض على الخشبة، ولذلك فإننا هنا نفصل بين مصطلحي "المسرحية" و"المسرح" فإذا صدفنا عن الثاني فإن المصطلح الأول ـ"المسرحيةـ" هو مجال اهتمامنا سواء كانت شعرية أم نثرية، ثم إننا نفصل في هذه الدراسة بين المسرحية المكتوبة بالفصحى وبين المسرحية المكتوبة بلهجة عامية، وينصبّ اهتمامنا على الأولى دون الثانية، وإن نضطّر في بعض المراحل التاريخية لأن نذكرها لدورها في تطور كتابة النص المسرحي.‏

    وينبغي لنا- هنا- أن نفرّق بين المسرحية والمسرح والنص الدرامي والشعر المسرحي والمسرح الشعري، فالمسرحية نعني بها النص المسرحي القابل لأن يُمثّل، ونعني بالمسرح النص المسرحي ممثّلاً على خشبة ومعروضاً على جمهور بتقانة المسرح وشروطه، ونعني بالنص الدرامي النص الذي ليس من الضرورة أنه قابل لأن يمثّل، أما الشعر المسرحي فهو النص المكتوب شعراً، ولكنّ الغنائية فيه تهيمن على الحوار والصراع والبناء الدرامي، والمسرح الشعري نعني به النص المكتوب شعراً، وهو قابل للتمثيل لأن البناء الدرامي فيه يهيمن على العناصر الغنائية ويسيّرها لمصلحة التمثيل.‏

    وثمة قضية أخرى لابدّ من التنبيه عليها قبل الدخول في الدراسة، وهي تتعلّق بمصطلح "المسرحية"، فقد مرّ هذا المصطلح بتطورات، فأطلق عليه اسم "الرواية" حتى وقت متأخر "أعمال أحمد شوقي"، ولتفريق هذا المصطلح عن الرواية السردية أضيفت في البدايات كلمة "تشخيصية" أو "تمثيلية"، فأصبح المصطلح من كلمتين "رواية تشخيصية" أو "رواية تمثيلية"، بل إن رواد المسرح كالنقاش والقباني وسواهما أدركوا هذه القضية، فأضافوا عدّة صفات إلى العنوان ليشتمل على ماتحته، فقد أضاف أبو خليل القباني -مثلاً- إلى عنوانه رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم وقوت القلوب" عبارة "وهي تاريخية غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول"، وفعل الرواد مثل هذا الفعل، ثمّ استُخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية والمسرح، وفي بيروت مسرح قديم تحوّل إلى دار للسينما، وظلّ يُطلق عليه " التياترو الكبير"، ويُطلق المغاربة على خشبة المسرح "الركح" وهو الساحة، والمهمّ في ذلك كلّه أننا نُطلق في هذه الدراسة مصطلح "المسرحية" على النّص توحيداً للمصطلح في الدراسة.‏

    أما المنهج الذي ارتأيناه فهو المنهج التحليلي، وخاصة في دراسة النصوص والتنظير، ولكننا لم نهمل المنهج التاريخي (التطوري) لبيان تطور المسرحية العربية، وكان لابدّ من العودة إلى مصادر ومراجع مختلفة، وقد عاد المؤلف إلى دوريات مختلفة لأنها الأغنى في دراسة الأدب الحديث والمعاصر، وحاول أن يتوقف طويلاً عند التحليل ليبيّن أهمية كلّ مرحلة على حدة.‏

    يتألف هذا الكتاب من تمهيد وخمسة فصول، فقد كان لابدّ في التمهيد من الوقوف عند أشكال ماقبل المسرح في التراث العربي لربط الحاضر بالماضي، وإن ثمّة إجماع تقريبي على أن المسرحية جنس وافد، ولكنّ مادعا إلى هذا التمهيد هو أن المسرح اليوم يعود في عمليات التأصيل والتأسيس إلى هذه الأشكال للاستفادة منها، وكان الفصل الأول بعنوان "البدايات والريادة"، توقفت فيه عند ثلاثة أعلام كان لهم دور فعّال في تأسيس المسرح العربي في بيروت ودمشق والقاهرة، وحلّلت مسرحية مثالاًً على هذه المرحلة، وكان الفصل الثاني بعنوان "المسرحية الشعرية والتقليدية" بيّنت فيه إخفاق الشعر المسرحي" وأسبابه، وتوقفت في الفصل الثالث عند "المسرحية الشعرية المعاصرة"، وتحدثت عن تقاناتها وخصائصها وعيوبها، وكان لابدّ من التوقف في الفصل الرابع عند المسرحية في أدب توفيق الحكيم، وهو مؤسس المسرحية النثرية بجدارة، أما الفصل الأخير فقد توقفت فيه عند المسرحية المعاصرة في سورية، ويمكننا أن نسحب هذا الفصل مثلاً على تطور المسرحية المعاصرة في مصر ولبنان والعراق.‏

    هذا أهم مايمكننا أن نُدلي به في هذه المقدمة تاركين المقدّمة لفصول الكتاب يحدّثنا عن محتواه، والله من وراء القصد.‏

    خلـيل الـموسـى‏

    دمشــق 1/9/1996‏

  2. #2
    Administrator
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    595

    افتراضي

    التمهيد

    ماقبل المسرحية والمسرح :‏

    إنّ قضية المسرحية والمسرح بمفهومها المعاصر في المجتمع العربي قبل مسرح مارون النقّاش قضية إشكالية لايمكننا البتُّ فيها بتّاً نهائيّاً، ولايمكننا الوصول إلى حلّ يقيني، فالأدب العربي شعراً ونثراً -عرف كثيراً من النصوص القابلة لأن تتحوّل إلى مسرحيات ناجحة، وعرف المجتمع العربي أشكالاً وأنواعاً من الفرجة بنصّ أو من دون نصّ، يمكننا أن نُطلق عليها مصطلح "ما قبل المسرحية والمسرح".‏

    ولابدَّ قبل الدخول في استعراض هذه الأشكال من أن نتوقف عند آراء الدارسين حول هذه القضية فثمة رأيان متناقضان تناقضاً تاماً حول وجود المسرح في المجتمع العربي قبل منتصف القرن الماضي، ويذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن الثقافة العربية لم تعرف المسرح قبل مارون النقاش، ويضعون بين يديك الأسباب التي حالت دون ذلك، وثمة رأي آخر يذهب أصحابه إلى أنّ العرب قد عرفوا أنواعاً من الفرجة ويقدّمون مشاهد من ذلك.‏

    أما أصحاب الرأي الأول فهم ينظرون إلى المسرح بتقنياته الغربية، ويؤكدون شروط وجود المسرح بعناصره الاربعة:المسرحية (النص)- الخشبة-الممثل-المتفرج،وهو بهذه غير معروف في المجتمع العربي قبل مسرحية "البخيل" لمارون النقاش، ويبيّن هؤلاء الأسباب التي حالت دون وجوده، وهي كثيرة، وأهمها:‏

    1- حياة الترحال التي كانت تعيشها شعوب المنطقة، في حين يتطلّب المسرح متفرّجاً مستقراً، ولم يعرف العرب الاستقرار في مدن في الجاهلية، وشخصية العربي ذائبة في القبلية، والمسرح يشترط الاستقرار أولاً والشخصية المتميّزة ثانياً، وهذا السبب اجتماعي.‏

    2- تحريم الإسلام تصوير الوجوه البشرية على حدّ زعم أصحاب هذه النظرية، وهي نظرية فيها أخذ وردّ، ولكنها من وجهة نظرنا قابلة للنقاش، خاصة أن المجتمع العربي يدين معظمه بالإسلام، ومع ذلك فإنّ المسرح والسينما والتلفاز وسائل تعتمد على التصوير، ولانجد أصواتاً في المجتمع العربي تعارض هذه الوسائل وتحّرمها لاعتمادها على التصوير، والإقبال عليها شعبيّاً في كل بقاع الوطن العربي دليل على ذلك.‏

    3- عدم مشاركة المرأة في التمثيل، والمسرح يتطلّب ذلك، وقد كانت الأعراف والتقاليد تقف عائقاً إزاء هذا الشرط، ولكنّ هذا الشرط هو الآخر قابل للنقاش، فالمسرح الغربي لم يكن يعرف مشاركة المرأة في جميع عصوره، وقام الرجل بالأدوار النسائية إلى وقت متأخر في القرن الخامس عشر، ومع ذلك استمر المسرح، وعندنا أمثلة على رجال قاموا بأدوار نسائية على المسرح ونجحوا فيها.‏

    4- عدم ملاءمة المجتمع العربي للصراعات الأربعة على حدّ ماجاء في أبحاث محمد عزيزة، فهو يذهب إلى أن الصراع أساس المسرح، والصراع يحتاج إلى مجتمعات معقّدة، والمجتمع العربي ليس منها على رأيه، وهذه الصراعات في المسرح الإغريقي هي:‏

    - الصراع العمودي: وهو ينجم عن تمرّد الفرد ضد النظام العلوي (إرادة الآلهة)، ويضرب مثالاً على ذلك بـ "برمثيوس"، وهو يلتقي في هذا الصراع مع الذين يذهبون إلى أن وثنية العرب في العصر الجاهلي كانت ساذجة لم ينجم عنها مسرح كما عند اليونان، أو الذين يذهبون إلى أن الإسلام دين التوحيد فرفض قبول أوترجمة المسرح لتعدّد الآلهة فيه.‏

    - الصراع الأفقي: وهو ينجم عن تمرد الإنسان ضد قوانين المجتمع، ويضرب مثالاً على ذلك بـ "أنتيغونا".‏

    - الصراع الديناميكي: وهو ينجم عن رفض الإنسان لاستسلامه للمصير المقرر سلفاً (الفرس- اسخيلوس).‏

    - الصراع الداخلي: وهو ينجم عن انقسام الذات الإنسانية إلى ذاتين متضادتين متصارعتين، بحيث يصبح الإنسان الواحد هو البطل والبطل المضاد، وهو الضحية والجلاّد معاً، ويضرب مثالاًً على ذلك بـ "أوديب- سوفوكليس".‏

    ويلخّص أدونيس آراء أصحاب هذه الاتجاه، فينكر وجود المسرح في المجتمع العربي القديم والمعاصر معاً، ويقدّم عدة اختلافات وهوى تفصل بين هذا المجتمع والمسرح الحقيقي، وأهمّها من وجهة نظره أنّ عالم المسرح هو عالم الإشكال، وقد نشأ العربي ضمن ثقافة دينية البنية لا إشكال فيها، وإن ثقافة الانسان العربي هي ثقافة الايمان لا التساؤل، والمسرح قلق كيان وقلق مصير.وهذا يعني أن الانسان -مسرحياً-مركز الكون، غيرأن الله، لا الانسان، هو مركز الكون بحسب الثقافة التي نشأ فيها العربي -تاريخياً- والمسرح مدني، والعربي -من وجهة نظره- لم يؤسّس مدينة، أما المدينة التي أنشأها فقد كانت تنويعاً على الخيمة وثأراً منها في الوقت ذاته: أي أنها كانت قصراً وجارية وحديقة، ولم تكن وليدة وعي تنظيمي -حضاري، بل يمكن القول -على حدّ عبارته- إنّ المدينة العربية المدنيّة، لم تنشأ حتى الآن"1"، وهو يضيف إلى ذلك أنّ اللغة العربية هي لغة بيان وفصاحة، أو لغة وحي وإنشاء وتمجيد، واللغة المسرحية هي لغة التوتر والتناقض والقلق والصراع: إنها لغة- الحركة"2".‏

    وأسهل ردّ على اتهام هؤلاء للغة العربية بأنها لغة بيان وفصاحة لاتصلح للمسرحية والمسرح لفقدانها التوتر والتناقض والقلق والصراع -وخاصة أن هذا الرأي يطالعنا به بعض المشتغلين بالمسرح عندنا- هو أنّ هولاء المتهمين يحاولون إخفاء عجزهم باتهام اللغة -فصيحة أوسواها- واللغة كائن معجمي في اللغات، يأتي المبدع -شاعراًأو روائياً أو مسرحياً- فيتعامل معها، فإذا كان خلاّقاً نطقت اللغة بدلالات ليست في مفرداتها، لأن اللغة سياق وعلاقات لامفردات، وإن كان دخيلاً على الآداب والمسرح عجز عن التعامل مع اللغة سياقاً، ولنا أدلة على ذلك في نهضة الأجناس النثرية في مطلع عصر النهضة (مقالة -خطابة -ترجمة)، فغدت اللغة مرنة طيّعة على أيدي أديب إسحق وجبران خليل جبران وغيرهما، ولنا في تجربة الشعر الحديث والمعاصر، وخاصة عند السياب وخليل حاوي وأمل دنقل وأدونيس ومحمود درويش وسواهم أمثلة على ذلك أيضاً، فقد استطاعوا في بعض أعمالهم أن يرتفعوا إلى الخلق الفني،ولنا في بعض أعمال المسرحيين الكبار من أمثال توفيق الحكيم أدلة أخرى على قدرة اللغة العربية التي تلاءمت مع المقالة والخاطرة والرواية والشعر أن تتلاءم مع المسرح والمسرحية إذا كان المؤلف خلاّقاً، وإذا كان بعض علماء اللغة ضد التجديد فإنّ في اللغات الأخرى أمثالاً لهم، ولم يعب في يوم من الأيام مسرحي فرنسي أو انكليزي أو ياباني لغته ويتهمها بالعجز إلاّ حاول أن يجد حلاً لذلك، فالرمزية الشعرية الفرنسية اتهمت اللغة بحلّتها حينذاك بأنها عاجزة عن نقل التجربة التي يعيشها هؤلاء الشعراء، ولكنهم وجدوا الحلّ في السياق، فلماذا لايقدّم المتّهمون عندنا حلولاً؟ هل يريدون منّا مثلاً أن نكتب بلغات أخرى؟ ثم من قال لهم إن اللغة العربية تفتقد التوتر والتناقض والقلق والصراع؟‏

    5- سوء ترجمة كتاب "فنّ الشعر" لأرسطو في العصر العباسي، وهو الكتاب النقدي الهام الذي ظلّ ولايزال مرتكزاً لفنّي المأساة والملحمة، وكان بعض المترجمين من السريان يجهل اللغة العربية، أوليس ضليعاً في اللغة اليونانية، فلما توقف متى بن يونس عند مصطلح "التراجيديا" لم يجد ما يقابله في اللغة العربية، فنظر إلى السياق، فوجده يقوم على الحديث عن النبلاء، فانصرف إلى ترجمته بـ"المديح""3"، ولما توقّف عند مصطلح الكوميديا" ترجمه بـ "الهجاء"، وخاصة أنّ أرسطو يعرّف التراجيديا بأنها فنّ جميل يمتاز بالنبل وتمجيد البطولة، في حين تستهدف الكوميديا نقد المثالب والعيوب، فخلط المترجمون بين المسرح الشعري والشعر الغنائي، ثم أوغل ابن رشد في تلخيص كتاب أرسطو في الخطأ ذاته حين راح يطبّق المأساة على شعر المديح العربي في فصول هذا الكتاب، "4" ثم سار على نهجه حازم القرطاجي وسواه، ولذلك فإنّ هذا الخطأ الفاحش صرفهم عن ترجمة المسرح الإغريقي ظناً منهم أن ماعندهم من شعر يوازي ماعند الآخرين أو يماثله أو يتفوّق عليه، فانصرفوا عن ترجمة الأعمال المسرحية الخالدة التي درسها أرسطو في كتابه، من أمثال "أوديب ملكاً" و "الإلياذة" و"الأوديسة"، وكان على العرب أن ينتظروا إلى بداية النهضة لمعرفة هذا الفن الجميل، وعندي أن هذا السبب وجيه.‏

    أما أصحاب الرأي الثاني الذين يرون بعض التجليات المسرحية بأشكالها الاحتفالية في التراث العربي فهم ينظرون إلى المسرح من خلال هذه الأشكال، ولايشترطون وجود العناصر الأربعة (المسرحية -الخشبة- الممثل -المتفرج) معاً، فهم -مثلاً- لايشترطون وجود النص أو الخشبة، ويقتصرون على الممثل والمتفرج"5"، أو على أحد هذه العناصر دون الأخرى، ومع أن دراستنا تقوم على المسرحية لاعلى المسرح، فإن ذلك لايمنع من أن نستعرض أهمّ مايراه أصحاب هذا الرأي من الأشكال الاحتفالية التي تمثل مرحلة "ماقبل المسرحية والمسرح"، وهي كثيرة ولكنّ أهمّها:‏

    1- أسواق العرب في الجاهلية، وأهمّها ماكان يحدث في سوق عكاظ من حضور بعض القبائل للفرجة والاستماع إلى شعرائهم ينشدون قصائدهم وتشجيعهم ضدّ شعراء القبائل الأخرى، وكان النابغة الذبياني -كما تروي كتب الأدب- يُدير ذلك العرض وينهيه بالحكم على هذا الشاعر أو ذاك"6".‏

    2- خروج الخليفة بدءاً من عصر الرشيد للصلاة يوم الجمعة بأعظم مظاهر للخلافة، يتقدّم الموكب فرقة من المشاة تحمل الرايات، وفرقة الموسيقا والفرسان، ثم يظهر بعد ذلك أرباب الدولة، ويهلّ الخليفة، وهو يرتدي طيلساناً أسود ممتطياً جواداً من خيرة الجياد العربية، ويتبعه رجال الدولة والحرّاس، وهذا الموكب هو عرض مسرحي"7" يتوافر فيه العرض (الممثل) والمتفرج، ولكنه يظلّ بلانصّ، وخشبته هي الشارع أو الساحة أو غيرهما.‏

    3- عاشوراء ونصوص التعزية: هي عروض تراجيدية تعيد على المتفرجين الذين يشتركون في الاحتفال، وهم من الطائفة الشيعية، تمثيل ماجرى عام 680م في كربلاء بين جنود الحسين بن علي (ر) وجنود يزيد بن معاوية، حين استشهد الحسين وقُطع رأسه ومثّل بجثته، وهذا العرض من أهمّ العروض الاحتفالية القريبة من المسرح. يبدأ الاحتفال في العاشر من محرّم وينتهي في نهاية الشهر، ويرتدي فيه الممثلون والمتفرجون ثياب الحداد، وتكون المشاهد تراجيدية فعلية، ولذلك من الصعب إيجاد ممثّل يؤدي دور شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، ليس لأنه يضرب بالحجارة وترمى عليه القاذورات في أثناء العرض، ولكن لأنه يبقى ملعوناً إلى فترة عند أهل القرية"8"، وتتحول في هذا العرض شخصيتا الحسين ويزيد إلى شخصيتين تراجيديتين، تمثّل الأولى الشخصية الخيرة، وتقابلها الشخصية الثانية، ويذهب أحد الدارسين إلى أن عروض التعزية هي العروض الدرامية الوحيدة للشخصية التراجيدية في الأدب العربي الوسيط"9"، ولكنّ أدونيس يرى أنها احتفال خطبة أو شكل من أشكال الصلاة، ولكنها ليست مسرحاً"10".‏

    4- المقامات: يرى الدكتور إبراهيم حمادة أنّ أصول مسرح الظلّ تعود إلى فنّ المقامة"11"، ويربط لندا و"12"، وعبد الحميد يونس"13" وعلي الراعي"14" بين المقامة وفنّ المسرحية وعدّوا المقامة لوناً مسرحياً وأنها في أصلها أدب تمثيلي، ويذهب الدكتور قطاية إلى أن أهمّ مافي المقامة أن أبا الفتح الإسكندري بطل مقامات الهمداني هو ممثل حقيقي في المقامات، فهو يقوم في كل مقامة بدور مختلف عن الآخر، وهو إما أن يكون متسولاً أو أعمى أو مهرجاً أو شيخاً أو شاباً أو غير ذلك، ويمكننا اعتباره ممثّلاً كوميدياً"15"، وقد استطاع الطيّب الصديقي أن يقدّم هذه الشخصية في مسرحيته "بديع الزمان الهمذاني"، فنالت إعجاب الجميع، وقد قدّمها معتمداً على العناصر التقنية المعاصرة في المسرح الأوروبي، وعلينا ألاّ ننسى أن أستاذه (جان فيلار) في المسرح القومي الشعبي بباريس نصحه: "عند عودتك إلى بلادك يجب أن تنسى كلّ مارأيته هنا، ولا تعد سوى التقنية""16" وتوقف الدكتور علي علقلة عرسان عند شخصيات المقامات، وخاصة عند شخصية أبي زيد السروجي المتقلّب في أدواره فهو واعظ يلبس لبوس الدين، لكنه يتصرف في الوقت نفسه تصرفاً شائناً، وهو ينهى عن الفحشاء والمنكر ليغرق في دنان الخمر، وهو يتقلّب في قوالب الانتساب، وكان يتزيا أحياناً بزيّ امرأة في المقامة البغدادية، وهو محتال كبير متنوّع الاهتمامات والتجربة والثقافة"17".‏

    5- مسرح خيال الظلّ: ويسمى أيضاً طيف الخيال"18" (أراكوز)، وهذا المسرح أقرب ماينتمي إلى المقامة، فالتشابه بينهما في اللغة والفكاهة وأحوال الشخصيات وارد، ولغة مسرح خيال الظلّ لاتختلف كثيراً عن لغة المقامة، ويبدو تأثير لغة المقامة واضحاً في بنية البابة من حيث التعلّق بالصنعة، ولكنّ لغة البابة تميل إلى السوقية في ألفاظها ومعانيها، وخاصة إذا وضعنا في الحسبان أن البابة تقدّم للمتفرجين من العامة في حين تقدّم المقامة للمتعلمين للقراءة، وهذا يعني أن البابة أقرب إلى روح الشعب من جهة وأقرب إلى الكوميديا من جهة أخرى، وإن كان عنصر الفكاهة وارداً في الفنين معاً، ولكنه في المقامة أرقى لغة وأخلاقاً، وتقابل شخصية أراكوز شخصية أبي الفتح الإسكندري في مقامات الهمذاني وشخصية أبي زيد السروجي في مقامات الحريري.‏

    وأهم من برز في تأليف البابات محمد بن دانيال (1248- 1311م)، وهو طبيب مصري قد‍ّم ثلاث بابات لخيال الظلّ بالشعر والنثر المصنوع المقفى، وقد كتبت هذه البابات بهدف عرضها في خيال الظل، وهي "طيف الخيال -غريب وعجيب- المتيّم"، وهي أقرب أشكال (ماقبل المسرحية والمسرح" إلى المسرحية والمسرح، فشخصياتها كوميدية، وهدفها تقديم التسلية والضحك، وينتابها غير قليل من ألفاظ البذاءة، وتتوافر الشروط الأربعة فيها بنوع ما: النص -الخشبة- الممثل- المتفرج، وقد ذهب لنداو إلى أن خيال الظلّ مهّد الطريق أمام المسرح والسينما"19"P .‏

    وإذا عدنا إلى النص، في المقامات والبابات وجدناه متوافراً سواء أكان للهمذاني أم للحريري أم لابن دانيال أم لسواهم، وهذا مايهمّنا في هذه الدراسة، وهي نصوص وضعت لغرض ما، فالمقامة وضعت للتعليم لاللفرجة، وهذه قضية تختلف بين المسرحية والمقامة، وإن كانت المسرحية عند أرسطو للتطهير، ولكنّ التطهير فيها يكون من خلال الفرجة والعرض على الخشبة، والتطهير اقتراب من التعليم، ولكن البابة وضعت للفرجة، وهذا مايجعلها أقرب إلى المسرحية من المقامة، وليس معنى ذلك أن البابة مسرحية خالصة، فقد ظلّ فيها من فنّ المقامة الكثير،كطغيان السرد والصناعة اللغوية، ولذلك كان على المسرح أن ينتظر حتى منتصف القرن الماضي رائداً كمارون النقاش.‏



    هوامش التمهيد:‏

    1- فاتحة لنهايات القرن (دار العودة) بيروت -ط1- 1980- ص ص160-163.‏

    2- نفسه- ص ص174- 175.‏

    3- فن الشعر مع الترجمة القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد -تر. عبد الرحمن بدوي. بيروت (دار الثقافة)- د.ت- ص85و 89و 108و 109....إلخ.‏

    4- نفسه -ص ص215- 217 وص ص 224- 231.‏

    5- بوتيتسيفا، تمارا ألكساندر وفنا -ألف عام وعام على المسرح العربي -تر. توفيق المؤذن -بيروت (دار الفارابي) -ط1- 1981 -ص31.‏

    6- الأغاني (نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب) -11/6.‏

    7- الراعي، د. علي -المسرح في الوطن العربي -الكويت (سلسلة عالم المعرفة -25) -ك2 1980- ص19.‏

    8- قطاية، د سلمان-المسرح العربي من أين وإلى أين -دمشق(اتحاد الكتاب العرب)-1972ص ص 55-57،وألف عام وعام على المسرح العربي -ص47، وعرسان، علي عقلة- الظواهر المسرحية عند العرب- دمشق (اتحاد الكتّاب العرب) -ط3- 1985- ص ص660-663.‏

    9- لنداو، يعقوب م. -دراسات في المسرح والسينما عند العرب. تر. أحمد المغازي -القاهرة (الهيئة المصرية العامة للكتاب) 1972 -ص46.‏

    10- فاتحة لنهايات القرن -ص164.‏

    11- خيال الظلّ وتمثيليات ابن دانيال -القاهرة (المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة) -1960- ص ص119- 124.‏

    12- دراسات في المسرح والسينما -ص39.‏

    13- خيال الظلّ في القاهرة (الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر) -(سلسلة المكتبة الثقافية- 138) -آب 1965-ص ص60-65.‏

    14- فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني -القاهرة (دار الهلال) -العدد 148- سبتمبر 1971 -الفصل الأول.‏

    15- المسرح العربي- ص55.‏

    16- نفسه -ص85.‏

    17- الظواهر المسرحية عند العرب -ص ص446- 447.‏

    18- نوع من التشخيص المسرحي تؤديه الظلال التي يلقى بها على ستارة شفافة مرئية أمام المتفرجين.‏

    19- دراسات في المسرح- ص66. وانظر حول هذا الموضوع: كمال الدين، محمد -العرب والمسرح- (سلسلة كتاب الهلال -293)- مايو 1975، وحجازي، حسين سليم -خيال الظلّ وأصل المسرح العربي.. دمشق (منشورات وزارة الثقافة) 1994، والمسرح العربي بين النقل والتأصيل (عدة مؤلفين) -كتاب العربي 218- الكويت 1988، والحايك، منذر -خيال الظلّ بين التراث والمعاصرة -الموقف الأدبي -ع 283- 284- 1994م، والعلبي، أحمد- أول مؤلف مسرحي في الأدب العربي -خيال الظلّ -دراسات عربية -ع11- أيلول 1966. إلخ.‏
    الشهباء

  3. #3
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2003
    المشاركات
    28

    افتراضي

    مشكووووووووووور يا خي درب الياسمين على هذاه المسرحية الطيب و ارجو منك المزيد و المزيد [S]11[/S] [S]11[/S]

    [S]12[/S] [S]12[/S]



    [S]13[/S] [S]13[/S]

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك