جاَعَ القِطِّ جوعاً شَديداً , فَذَهَبَ إلَي مَجْرَي مائِّي فَوَجَدَ أَسْماكاً هائلِةً تَقْفِزُ علَي الشَطِّ , فَرِحَ القِطُّ فَرَحاً شَديداً , وقَالَ هَذَا رِزْقٌ ساقَهُ اللهُ إلَّي .
تَناوَلَ القِطُّ وَجْبَةً كَبيرةً منْ السَمَكِ حتَّي امْتَلأَتْ بَطْنُهُ بالطَعامِ , فَشَعَرَ بالخُمولِ والكَسَلِ , اتَّجَهَ القِطُّ إلَي مَخْزَنٍ مَليءٍ بالقَمْحِ حَوْلَهُ فَوَجَدَ أنَّ المَكانَ هادِئٌ وجَميلٌ وتَمُرُّ بهِ نَسَماتُ هَوَاءٍ جَميلَةٍ , فَرَقَدَ لِيَسْتَريحَ فَنامَ نَوْماً عَميقاً .
مَرَّتْ مَجْموعَةٌ منْ الفِئْرانِ علَي القِطِّ , فَوَجدوهُ نائِماً نَوْماً عَميقاً , قامَ بَعْضُهُمْ بالقَفْزِ حَوْلَهُ اسْتِهْزاءً بهِ وهُمْ يَقولُونَ : نَمْ أيُّها القِطُّ , فإنَّ نَوْمَكَ راحَةٌ , ولَكِنَّ كَبيرَهُمْ قالَ لَهُمْ أَيُّها الأَصْدقاءُ لِماذا تَلْعَبونَ وتَمْرَحونَ في مَكانٍ فيهِ هَلاكُكُمْ ؟ تَخَيَّلوا أنَّ القِطَّ اسْتَيْقَظَ فَجْأَةً ؟ سَوْفَ يَحْمَدُ اللهَ لأنَّهُ وَجَدَ صَيْدَاً سَهْلاً جَميلاً بِجِوارِهِ دونَ عَناءٍ أَوْ تَعَبٍ .
انْصَرَفَ الفِئْرانُ في هُدوءٍ , ولَكِنَّ فَأْراً صَغيراً مِنْهُمْ ظَلَّ واقِفاً بِدونِ تَحَرُّكٍ وقَالَ : وَلَكِنِّي سَأَنْتَظِرُ هُنا , قالوا لَهُ كَيْفَ سَتَنْتَظِرُ هُنا بِجِوارِ القِطِّ ؟
قالَ الفَأْرُ : إنَّ القِطَّ مُسْتَغْرِقٌ في نَوْمٍ طويلٍ , وسَوْفَ أَدْخُلُ إلَي هَذا المَخْزِنَ المَليءِ بالحبوبِ لِأَقومَ بالُتِهامِ بَعْضِ الحُبوبِ اليانِعَةِ , قالوا لَهُ : كَيْفَ يا صَديقي هَلْ هَذَا مَعْقولٌ ؟ سَتَكونُ الجاني علَي نَفْسِكَ , لا بُدَّ منْ البُعْدِ عنْ هَذا المَكانِ فَوْراً . ردَّ الفَأْرُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وإِعْجابٍ بالنَفْسِ , قائِلاً لنْ يَسْتَطيعَ الدُخولَ في داخِلِ المَخْزِنَ , إنَّ الثُقْبَ الموجودَ في البابِ لا يَسْمَحُ إلَّا بِدِخولِ الفِئْرانِ فَقَطْ إنَّه أَضْيَقُ بِكَثيرٍ ممَّا يتَصَوَّرُ القِطُّ , حاوَلوا إِقْناعَهُ ولَكِنَّهُ قالَ لَهُمْ : أَرْجوكُمْ دَعوني , أَنا حُرٌّ , أَنا أَعْرِفُ الأَصْلَحَ لي كَثيراً . فَتَركوه وانْصَرَفوا .
دخَلَ الفَأرُ إلي داخِلِ المَخْزِنَ , فَوَجَدَ أَجْمَلَ الحُبوبِ وأَحْلاها , ظَلَّ يَلْعَبُ وَيْقِفزُ فَوْقَ الحبوبِ وهُو سَعيدٌ بِهَذَا الخَيْرِ الكَثيرِ , وقالَ لِماذا آَكُلُ الآَنَ ؟ .
لَسْتُ جَوْعاناً سَوْفَ أَسْتريحُ بُرْهَةً حتيَّ أَشْعُرَ بالجوعِ , ثُمَّ أَقومَ وأَلْتَهِمُ أَجْمَلَ حُبوبٍ رَأَتْها عَيْني , اسْتَرْخي الفَأْرُ علَي حَبَّاتِ القَمْحِ , فَدَخَلَ في نَوْمٍ عَميقٍ .
اسْتَيْقَظَ القِطُّ وشَمَّ رائِحَةَ الفِئْرانِ حَوْلَهُ , والْتَفَتَ يَميناً ويَساراً فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً , نَظَرَ منْ ثُقْبِ المَخْزِنَ المَوْجودِ بِجِوارِه فَوَجَدَ فَأْراً ثَميناً مُسْتَلْقِياً علَي ظَهْرِهِ , حاوَلَ القِطُّ الدُخولَ منْ الثُقْبِ المَوْجودِ بالبابِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ , قالَ لا حيلَةَ لي بِالدُخولِ فالثُقْبُ صَغيرٌ جِدَّاً , انْصَرَفَ الِقطُّ وقالَ : أَنا لَسْتُ جائِعاً الآنَ , سَوْفَ أَذْهَبُ إلَي أَصْدِقائي , ثمَّ أَعودُ ثانِيَةً لِلْبَحْثِ عنْ طَعَامٍ .
ذَهَبَ القِطُّ إلَي أَصْدِقائِهِ ثُمَّ عادَ ثانِيَةً , فَبَدَأَ يَشْعُرُ بالجوعِ .
اسْتَيْقَظَ الفَأْرُ فَوَجَدَ نَفْسَهَ جائِعاً , نَظَرَ منْ ثُقْبِ البابِ فَلَمْ يَجِدْ القِطَّ , قَالَ : سَوْفَ آَكُلُ الآنَ باطْمِئْنانٍ , وظَلَّ يَلْتَهِمُ في الحُبوبِ الجَميلَةِ بِنَهَمٍ وهُوَ سَعيدٌ بِها .
نَظَرَ القِطُّ منْ ثُقْبِ البابِ فَوَجَدَ الفَأْرَ داخِلِ المَخْزِنَ , قالَ ظَنَنْتُكَ أَيُّها الفَأْرَ قَدْ خَرَجْتَ , ولَكِنْ طالَما أنَّكَ لمْ تَزَلْ داخِلَ المَخْزِنَ فأَنْتَ منْ نَصيبي .
انْتَهي الفَأْرُ منْ تَنَاوُلِ الحُبوبِ حتَّي شَبِعَ , واتَّجَهَ للْخَروجِ , وأَثْناءَ خُرُوجِهِ منْ البابِ فوجِئَ بالقِطِّ أَمامَهُ , تَعَجَّبَ الفَأْرُ وقالَ كَيْفَ رَجِعَ ؟
ولَكِنْ سُرْعانَ ما عادَ الفَأْرُ إلَي داخِلِ المَخْزِنَ ولمْ يَسْتَطِعْ القِطُّ الدُخولَ خَلْفَهُ .
ظَلَّ القِطُّ يُفَكِرُّ ويَقولُ : ماذا أَفْعَلُ ؟ ثُمَّ قالَ سَأُفَكِّرَ في حيلَةٍ .
ذَهبَ بَعيداً ثمَّ عادَ وعَلَيْهِ مَلابِسَ أَرْنَبٍ , ثُمَّ اتَّجَهَ إلَي المَخْزِنَ ونادَي علَي الفَأْرِ وقالَ مَرْحَباً بكَ يا صَديقي الفَأْرُ , أنْتَ تَعْلَمُ أَنَّني لا أَسْتَطيعُ الدُخولَ إلَي المَخْزِنَ , إِنَّني جائِعٌ جِدَّاً , أُريدُ أنْ تُحْضِرَ لي بَعْضَ الحُبوبِ منْ المَخْزِنَ لِآكُلَها ,.
قالَ الفَأرُ : ولَكِنْ إنَّ هُناكَ قِطَّاً في هذَا المَكانِ , قالَ الأَرْنَبُ : لَقَدْ انْصَرَفَ القِطُّ لأَّنَّهُ يَئِسَ منْ اصْطِيادِكَ , كانَ القِطُّ يَنْظُرُ إلَي الأَرْضِ حتَّي لا يَعْرِفُهُ الفَأْرُ منْ نَظَراتِ عَيْنَيِهِ .
اطْمَأَّن الفأر , وخَرَجَ وَمَعُه كِمِيَّةً منْ الحُبوبِ لِيتَنَاوَلَها الأَرْنَبُ .
قَدَّمَ الفَأْرُ الحُبوبَ إَلي الأَرْنَبِ , ولَكِنَّه أُصيبَ بِصَدْمَةٍ كَبيرَةٍ , لَقَدْ وَجَدَ القِطَّ قَدْ خَلَعَ جِلْدَ الأَرْنَبِ , وقَالَ لهُ القِطُّ : حِبيبي وصَديقي الفَأْرُ , أنْتَ الآن طَعامٌ لَذيذٌ لي صَرَخَ الفَأْرُ وقالَ : أنْقِذوني .... أَنْقِذوني ,.كان القِطُّ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ويَتَأَمَّلَ ضَعْفَهُ وهُوَ يَضْحَكُ له
سَمِعَ إخْوَتُهٌ صَوْتَهُ مِنْ بَعيدٍ فَجَاءوا مُسْرِعينَ , ولَكِنَّهُمْ وَجَدوهُ بَيْنَ يَدَيْ القِطِّ .
نَظَر أَحَدُ الفِئْرانِ للْمَكانِ , ثُمَّ جَري سَريعاً وتَسَلَّقَ الحائِطَ بِدونِ أنْ يَشْعُرَ القِطُّ ثمَّ حَرَّكَ حَجَراً كانَ مُعَلَّقاً بِأَعْلَي المَخْزِنَ .
وقَع َالحَجَرُ علَي رَأْسِ القِطِّ , صَرَخَ القِطُّ , ثُمَّ أُلْقَي علَي الأَرْضِ مُغْماً عَلَيْهِ , واسْتَطَاعَ الفَأْرُ أَنْ يَهْرَبَ .
اتَّجَهَ الفأرُ إلَي إِخْوَتِهِ , وفَرِحوا بِنَجاتهِ كَثيراً , وطَلَبوا منْهُ العَوْدَةَ مَعَهُمْ , والبُعْدُ عنْ المَكَانِ بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أنْ يَفيقَ القِطُّ , ولَكِنَّ الفَأْرَ قالَ : لنْ أَبْعدَ عنْ المَكانِ إنَّ القِطَّ الآنَ مُلْقاً علَي الأَرْضِ ولنْ يَفيقَ الآنَ , قالوا وما يُدْريكَ ؟ ولِماذَا نَضَعُ أَنْفُسَنَا مَوْضِعَ الخَطَرِ ؟ , قالَ الفَأْرُ سَوْفَ أَذْهَبُ إلَي المَخْزِنَ وأَعودُ بِبَعْضِ الحُبوبِ لِكَيْ تَكْفينا للْعَشَاءِ , إنَّها حُبوبٌ فاخِرَةٌ , يَئِسوا منْ إِقْناعِهِ فَتَرَكوهُ وانْصَرَفوا .
دَخَلَ الفأرُ المَخْزِنَ وهُوَ سَعيدٌ وبَدَأَ يَأَكُلُ ويَجْمَعُ الحُبوبَ ليِعَودَ بِها إلَي الأَصْدقاءِ .
مَرَّ علَي القِطِّ وهُوَ مُلْقاً علَي الأَرْضِ . فَتَرَكَهُ ودَخَلَ المَخْزِنَ
عَلِمَ أَصْدِقاءُ القِطِّ بِما حَدَثَ لَهُ فَجَاءوا وأَسْعَفوهُ , فَأَفَاقَ منْ غَيْبوبَتِهِ .
انْصَرَفَ الأَصَدْقاءُ وتَرَكوا القِطَّ .
تَذَكَّرَ القِطًّ ما حَدَثَ , وقالَ لا بُدَّ أنَّ الفَأْرَ قدْ هَرَبَ ولَكِنَّهُ قالَ سَأَتَأَكَّدُ منْ ذَلِكَ فَرُبَّما دَخَلَ المَخْزِنَ ثانِيَةً وَرُبَّما وَجَدْتُ فَأْراً غَيْرَهُ .
نَظَرَ منْ ثُقْبِ البابِ فَوَجَدَ الفَأْرَ يَسْتَعِدُّ للخُروجِ , ولَكِنَّهُ لمْ يَشْعُرْ بالقِطِّ بَعْدُ .
عادَ القِطُّ إلَي مَكَانِهِ السابِقُ وادَّعَي بأنَّهُ ما زالَ مُلْقًا علَي الأَرْضِ .
خَرَجَ الفَأْرُ منْ المَخْزِنَ ومَعَهُ حَبٌّ كثير , و بَعْدَ أنْ خَرَجَ وجد القط مُلْقاً علَي الأَرْضِ , مرَّ عَلَيْهِ , ونَظَرَ إِلَيْهِ باشْمِئْزازٍ وقالَ , أيَّها القِطُّ لنْ تَخْدَعَني مَرَّةً ثانِيَةً .
لمْ يَكَدْ الفَأْرُ يُكْمِلَ حَديثَهُ , حتَّي هَبَّ القِطُّ وقَبَضَ عَلَيْهِ بِرِجْلَيْهِ , وقالَ : جِئْتَ بِرِجْلِكَ أيُّها الفَأْرُ , صاحَ الفَأْرُ أَنْقِذوني أَنْقِذوني .
جاءَ إِخْوَتُه مُسْرِعينَ . وجَدوهُ بَيْنَ قَدَمَيْ القِطِّ .
رآهُمْ القِطُّ منْ بَعيدٍ فَقَالَ لَهُمْ , لنْ أَتْرُكَ لَكَ فُرْصَةً ثانِيَةً للنَّجاةِ , شَعَرَ الفَأْرُ بالنَدَمِ وقالَ لَيْتَنِي سَمِعْتُ كلامَ أَصْدقائي وإِخْوَتِي .