كانَتْ هُناكَ فيلا جَميلَةٌ , كانَ يوجَدُ علَي مَقْرِبَةٍ مِنْها مَنْزِلٌ صَغيرٌ , كانَ يُقيمُ فيهِ شابٌّ بَسيطٌ .
كانَ كُلَّ يَوْمٍ يَمُرُّ علَي الفيلَّا ويَتَأَمَّلَها ويَدورُ حَوْلَها , وكانَ يَرْمي للْكَلْبِ قِطْعَةَ لَحْمٍ صَغيرَةٍ , بَيْنَما كانَ الكَلْبُ يَأْخُذُ قِطْعَةَ اللَّحْمِ دونَ أنْ يَسْأَلَهُ لِماذَا رَمَيْتَ لي هَذِهِ القِطْعَةِ منْ الَّلحْمِ ؟ .
كانَ الكَلْبُ يَقومُ بإِهْدائِها لِكَلْبٍ مُحْتاجٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمِ , ويَأْخُذُ ما يَفيضُ عِنْدَهُ منْ طَعامٍ .
خَرَجَ أَصْحابُ الفيلَّا لِقَضاءِ أُسْبوعٍ في أَحَدَ المُتَنَزَّهاتِ .
عَلِمَ الشَابُّ بِذلِكَ , فَجَاءَ إلَي المَنْزِلِ مُتَخَفِّياً لَيْلاً , وفي احْدَي يَدَيْهِ مِصْباحٌ , وفي يَدِهِ الأُخْرَي مُسَدَّساً , وكانَتْ مَعَهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ كَبيرَةٌ .
كانَ الكَلْبُ نائِماً فَسَمِعَ صَوْتاً غَريباً داخِلَ الفيلَّا , فَهَبَّ منْ نَوْمِهِ , وأَسْرَعَ إلَي الداخِلِ يَبْحَثُ عنْ أيِّ شَيْءٍ غَريبٍ داخِلَ الفيلَّا , شَمَّ الكَلْبُ رائِحَةَ اللَّحْمِ فَظَلَّ يَتَتَبَّعُها حتَّي وَصَلَ إِلَيْها ,
رأَي الكَلْبُ اللِّصَّ , ولمَّا رآهُ اللِّصُّ رمَي إِلَيْهِ قِطْعَةَ اللَّحْمِ التي كانَتْ في يَدِهِ وقالَ لَهُ : عَزيزي الكَلْبُ , لَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ بِأَشْهَى طَعَامٍ تُحِبُّه إنَّهُ لَحْمٌ لَذيذٌ .
قالَ لهُ الكَلْبُ : لِماذا جِئْتَ هُنا أيُّها اللِّصُّ ؟ .
قالَ اللِّصُّ : أَتَقولُ علَيَّ لِصَّاً ؟ إنَّني صَديقُكَ أيُّها الكَلْبُ , أَلَمْ أَتْرُكْ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ قِطْعَةَ لَحْمٍ لَذيذِةٍ, وهَذَا دَليلٌ علَي الحُبِّ والمَوَدَّةِ ؟ .
قالَ الكَلْبُ : ولَكِنِّي لمْ أَكُنْ أَأْكُلُها , كُنْتَ أَقومُ بِإِعْطائِها لِكَلْبٍ آَخَرَ .
قالَ اللِّصُّ : ولِماذا ؟ قالَ الكَلْبُ : لأّنِّي أَعْلَمُ نَواياكَ الخَبيثةَ , فَلَوْ أَكَلْتُ هَذَا اللَّحْمَ الذي تُرْسِلُهُ لي سَتَصيرُ بَيْنَنا مَوَدَّةٌ , ولنْ أَمْنَعَكَ منْ دُخولِ الفِيلَّا في أَيِّ وَقْتٍ .
قالَ لَهُ اللِّصُّ وقَدْ أَصابَهُ الذُهولُ منْ كَلامِهِ : ماذا تُريدُ إِذَنْ أَيُّها الكَلْبُ ؟
قالَ الكَلْبُ : أنْ تَخْرُجَ منْ هذَا المَكانِ حَالًا , وَمرْحَباً بكَ صَديقاً خارِجَ هَذِهِ الفيلَّا .
قالَ اللِّصُّ : هَذا مُسْتحيلٌ أَيُّها الكَلْبُ العَزيزُ , أَلا تَعْلَمْ أنَّ في يَدي مُسَدَّساً بهِ كاتِمٌ للْصَوْتِ
وبِطَلْقَةٍ واحِدَةٍ أَسْتَطيعُ أَنْ أَقْضي عَلَيْكَ .
قالَ الكَلْبُ : أَلا تَعْلَمَ أَنِّي أَنا المَسْئولُ عنْ حِراسَةِ هَذَا المَكانِ , وقَدْ تَرَكَهُ أَصْحابُهُ أَمانَةً في عُنُقي ؟ قالَ اللِّصُّ : أَعْلَمُ ذَلِكَ يا صَديقي الكَلْبُ .
قالَ الكَلْبُ : يَجِبْ أَنْ تَعْلَمَ أَيْضاً أنَّ المَوْتَ عِنْدي أَهْوَنُ منْ أنْ تَصِلَ إلَي مُرادِكَ ..
قالَ اللِّصُّ : ولَكِنَّني جَهَزَّتُ لَكَ هَدايا قَيِّمَةً أَعْدَدْتُها لَكَ بَعْدَ أنْ أَنْتَهي مِنْ سَرِقَةِ الفيلَّا .
قالَ الكَلْبُ : مَهْما أَعْطَيْتَني فَلَنْ أَخونَ أَمانَتِي .
قالَ اللِّصُّ : ولَكِنْ يا صَديقي الكَلْبُ , احْذَرْني واحْذَر غَضَبي عَلَيْكَ وعَلي أَوْلادِكَ .
قالَ الكَلْبُ : مَهْما هَدَّدْتَني فَلَنْ تُخيفَنِي , ولَنْ أَتَراجَعَ عنْ حِمايَةِ المَكانِ حتَّي أَلْفَظَ آَخِرَ أَنْفاسي , قالَ اللِّصُّ : ولَكِنَّني سَأَسْرِقُ الفيلَّا مَهْما فَعَلْتَ أَيُّها الكَلْبُ .
صَمَتَ الكَلْبُ ولَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ , ثمَّ قالَ في نَفْسِهِ سَأُعَلِّمُهُ دَرْساً لنْ يَنْساهُ أَبَداً .
ثُمَّ قالَ الكَلْبُ للِّصِّ : أَيُّها اللِّصُّ إنْ تَقْتُلَني فَلَنْ أَكْسَبَ شَيْئاً وسَتَسْرِقَ الفيلَّا , ولِهَذَا فَكَّرْتُ ثمَّ اقْتَنَعْتُ بِأَنْ أُساعِدَكَ , وأَحْصُلُ مِنْكَ علَي الهَدِّيَةِ الثَمينَةِ , و لِهَذا سَأَدُلُّكَ علَي المَكانِ الذي يَضَعُ فيهِ صاحِبُ الفيلَّا الأَمْوالَ والمُجَوْهَراتِ .
إنَّ المَكانَ الَّذي توجَدُ فيهِ الآنَ لا يوجَدُ فيهِ شَيْءٌ تَسْرِقُهُ , هيَّا اتْبَعْني .
سارَ اللِّصُّ خَلْفَ الكَلْبِ .
وأَخَذَ الكَلْبُ اللِّصَّ منْ حُجْرَةٍ إلَي حُجْرَةٍ حتَّي دَخَلَ حُجْرَةً ضَيِّقَةً .
وقالَ للِّصِّ: الخَزينَةُ توجَدُ هُنا .
ودَخَلَ اللِّصُّ مُسْرِعاً لِيَقومَ بِفَتْحِ الخَزينَةِ , بَيْنَما تَسَلَّل الكَلْبُ إلَي خارِجِ الغُرْفَةِ , وقامَ بِغَلْقِ البابِ علَي الفَوْرِ منْ الخارِجِ , ثمَّ قامَ بِتَشْغيلِ صِفارَةَ الإِنْذارِ .
حاوَلَ اللِّصُّ الهَربَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ لأّنَّ البابَ كانَ مُغْلَقاً منْ الخارِجِ .
حاوَلَ اللِّصُّ أنْ يُطْلِقَ النارَ عَلَيْهِ لِيَقومَ بِتَحْطيمِ القِفْلِ , ولَكِنَّهُ كانَ مُصَّفَحاً ضِدَّ الرَصاصِ .
نادَي اللِّصُّ علَي الكَلْبِ وقالَ : لِماذا غَدَرْتَ بي أَيُّها الكَلْبُ .
قالَ لَهُ الكَلْبُ : أَنا لَمْ أَغْدُرْ بِكَ أَيُّها السارِقُ , إِنَّ الغَدْرَ بِأَمْثالِكَ واجِبٌ وشَرَفٌ
قامَ الكَلْبِ بالاتِّصالِ بالشُرْطَةِ علَي الفَوْرِ .
سَمِعَ الجيرانُ والمَارَّةُ صِفَّارَة الإِنْذارِ , فاتَّجَهوا جَميعاً إلَي الفيلَّا , وحَكَي لَهُمْ الكَلْبُ ما حَدَثَ منْ اللِّصِّ وفَتَحَ لَهُمْ البابَ .
قَبَضُوا عَلَيْهِ وهُنا قالَ اللِّصُّ لِلْكَلْبِ : لَمْ يَخْدَعْني أَحَدٌ غَيْرُكَ أَيُّها الكَلْبُ , فَقالَ الكَلْبُ : لَقَدْ حَذَّرْتُكَ ولَكِنَّكَ لَمْ تَتَراجَعَ عنْ السَرِقَةِ , وهَذا جَزَاؤكَ .
واسْتَطاعَ الكَلْبُ بِحِيلَتِهِ وذَكائِهِ أنْ يُؤَدِّي أَمانَتَهُ دونَ أَنْ يُصابَ بِأَذَي .
عادَ أَصْحابُ المَنْزِلِ بَعْدَ أنْ قَضَوْا أُسْبوعاً خارِجَهُ , وعَلِموا ما حَدَثَ , فَفَرِحوا كثَيراً بِما فَعَلَهُ الكَلْبُ ونالَ عِنْدَهُمْ مَكَانَةً كَبيرَةً .