الحِمارُ و القِرْدُ
كانَتْ القُرودُ تَعيشُ في مِنْطَقَةٍ جَبَلِيَّةٍ مَليئَةٍ بِأَشْجارِ المّوْزِ والنَخيلِ وغَيْرِها منْ مُخْتَلَفِ أَنْواعِ الفاكِهَةِ , وكانَ يوجَدُ بِجِوَارِ هَذِهِ المِنْطَقَةِ مِنْطَقَةٌ أُخْرَي جَبَلِيٍّة تَعيشُ فيها قَبيلَةُ الحَميرِ , وكانَ بَيْنَهُما مَجْرَي مائي ضَيِّقُ يُمْكِنُ لِلْقُرودِ أَنْ تَجْتَازَهُ بِالَقٍفزِ , أَمَّا الحَميرُ فَكَانَتْ لا تَسْتَطيعُ عمَلَ ذَلِكَ .
كانَ بِإِمْكانِ الحَميرِ أنْ تَقومَ بِنَقْلِ التُرابِ لِرَدْمِ جُزْءٍ مِنْ العَيْنِ المائِيَّةِ لِكَيْ يَسْتَطيعُوا العُبوَر إلَي القُرودِ ولَكِنْ تَرْفُضُ ذَلِكَ لِأَّن الحَميرُ لا تُحِبُّ أَنْ تَلْعَبَ مَعَ اْلقُرُودِ لِأَنَّها تَعْلَمُ أَنَّ القُرودَ تُحِبُّ القفز والعَبَثَ كثيرا بَيْنَما الحَميرُ تُحِبُّ الهُدوءَ والسَكينَةَ .
كانَ القِرْدُ مَيْمونُ أَذْكَي القُرودِ في هَذِهِ المِنْطَقَةِ , وأَصْغَرُهُمْ سِنَّاً . كانَ يُحِبُّ الَلِعبَ والقَفْزَ كَثيراً , كانَ مَعْروفاً بِالِحيَلِ والخِدَعِ التي تَجْلِبُ الضَحِكَ والمَرَحَ بَيْنَ الأَصْدِقاءِ .
وبَيْنَما كانَ يَلْعَبُ هُوَ وَزُمَلاؤهُ ذاتَ يَومٍ , رَأَوْا في الناحِيَةِ الأُخْرَى التي يَسْكُنُ فيها الحَميرُ حِماراً جَميلاً وَقَوِيَّاً , يَحْمِلُ فَوقَ ظَهْرِهِ الكَثيرَ مِنْ الأَحْمالِ, فقَالَ مَيْمونُ ما رَأْيُكُمْ أَنْ أَجْعَلَ منْ هَذا الحِمَارِ أُضْحوكَةً لَكُمْ ؟ قالوا : كَيْفَ ؟
قالَ : سَوْفَ أُريكُمْ ذَكائِي وحِيَلِي .
و اتَّفَقَ هُوَ ومَجْمُوعَةً مِنْ أَصْدِقائِهِ علَي أَنْ يَقوم بِعَمَلِ حيلَةٍ معَ هَذا الحِمارِ لِكَيْ يَجْعَلَهُ أُضْحوكَةً لِلْقُرودِ .
واسْتَطاعَ مَيْمونُ أَنْ يَقْطَعَ فَرْعَ شَجَرَةٍ كَبيرٍ ومَتينٍ لِيَعْبُرَ عَلَيْهِ إلَي المِنْطَقَةِ التي تَعيشُ فيها الحَميرُ .
ذَهَبَ القِرْدُ إلَي الحِمارِ وهُوَ يَعْرُجُ باِحْدَي قَدَمَيْهِ, وقالَ لَهُ : إِنَّني قَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ يا صَديقي الحِمارُ في أَمْرٍ مُهِمٍّ , وكُلِّي رَجَاءٌ وثِقَةٌ فيكَ .
قالَ لَهُ الحِمارُ : علَي الرَحْبِ والسَعَةِ يا صَديقِي القِرْدُ .,
فَقَال القِرْدُ : كَمَا تَري يا صَديقي , إِنَّ قَدَمِي قَدْ أُصيبَتْ . وأَنا لَمْ أَعُدْ قادِراً علَي القَفْزِ لِكَيْ أَجْني ثِمارَ المَوْزِ والفاكِهَةِ منْ الأَشْجَارِ وغَيْرُ قادِرٍ علَي حَمْلِها علَي ظَهْري .
إنَّ أَبي وأُمِّي قَدْ كَبُرا في السِنِّ وأَصْبَحا غَيْرَ قادِرَيْنِ علَي جَنْيِ الثِمارِ .
إنَّكَ يا عَزيزي الحِماَرُ سَوْفَ تُقَدِّمُ عَمَلًا طَيِّباً وجَميلًا لَنْ أَنْساهُ لَكْ أَبْداً .
وكُلُّ ما أَرْجوهُ مِنْكَ عَزيزي الحِمارُ أنْ تَحْمِلَني فَوْقَ ظَهْرِكَ وتَسيرَ بي بَيْنَ أَشْجارِ الفاكِهَةِ لِكَيْ أَسْتَطيعَ جَنْيَ الثِمارِ بِسُهولَةٍ ويُسْرٍ .
قالَ الحِمارُ : ولَكِنْ لِماذا لَمْ تَذْهَبْ لِأَصْدِقائِكَ منْ القُرودِ لِيَحْمِلوكَ علَي ظُهورِهِمْ ؟ قال القرد : أَنْتَ تَعْرِفُ يا صَديقي أَنَّهُم ضِعافُ الِبنْيَةِ ,وأَيْضًا هُمْ قِصاروا القَامَةِ .
إِنَّكَ يا صَديقي قَوِيٌّ وتَسْتَطيعُ حَمْلي وحَمْلَ سَلَّتي وهِيَ مَمْلوءَةً بالفاكِهَةِ فَوْقَ ظَهْرِكَ بِسُهولَةٍ دونَ تَعَبٍ .
لَقَدْ قيلَ عَنْكَ إنَّكَ حَمارٌ طَيِّبٌ ولَطيفٌ ومُخْلِصٌ , ولهذَا جِئْتُ إِلَيْكَ وكُلِّي أَمَلٌ أنْ تَسْتَجيبَ لِطَلَبي .
قالَ الحِمارُ : لا تَقْلَقْ يا صَديقِي القِرْدُ سَوْفَ آتي مَعَكَ وأُساعِدَكَ .
ولكن كيف استطيع عبور العين المائية إنها عميقة وربما غرقت ؟
قالَ القِرْدُ : إنَّ هُناكَ في نِهايَةِ العَيْنِ مَكانٌ ضَيِّقٌ جِدَّاُ سَوْفَ أَدُلُّكَ عَلَيْهِ , تَسْتَطيعُ أَنْ تَقْفِزَ بِسُهولَةٍ لِتَعْبُرَ إلَي الضَفَّةِ الأُخْرَي , والتي نَسْكُنُ فيها, والَملِيئَةُ بِأَشْجَارِ الفاكِهَةِ .
وذَهَبا إلَي هُناكَ واسْتَطاع الحِمارُ أَنْ يَقْفِزَ بِسُهولَةٍ ويُسْرٍ لِيَعْبُرَ إلَي الضَفَّةِ الثانِيَةِ . وانْطَلَقَ الحِمَارُ يَحْمِلُ القِرْدَ فَوْقَ ظَهْرِهِ , والقِرْدُ يَجْني الثِمارَ ويَضَعُها في السَلَّةِ , حتَّي كادَتْ أنْ تَمْتَلِئَ .
كانَ للْحِمَارِ صَديقٌ مُخْلِصٌ لمْ يَعْرِفْ ما حَدَثَ .
وحينمَا سَأَلَ عَنْهُ قالَ لهُ البَعْضُ : لَقَدْ ذَهَبَ الحِمارُ معَ القِرْدِ لِيُساعِدَهُ في جني الثمار .
و اسْتَطَاعَ صَديقَهُ أنْ يَعْبُرَ إلَي الضَفَّةِ الأُخْرَي , ثمَّ ظلَّ يَبْحَثُ عنْ صَديقِهِ في مَكانِ القُرودِ , وحينَمَا اقْترَبَ منْ الحِمارِ لَمْ يَدْري الحِمَاُر بِه فَقَدْ كانَ مَشْغولًا بِحَمْلِ القِرْدِ فوَقْ ظَهْرِهِ .
وَجَدَ الصَديقُ مَجْموعَةً منْ القُرودِ تَتَغامَزُ علَي الحِمَارِ , وتَقُومُ بِتَصْويرِهِ بِكاميرَاتِ الجَوَّالِ لِكَيْ تَنْشُرَها عَلي صَفَحاتِ التَوَاصُلِ الاجْتِماعِيِّ .
كانَ القِرْدُ يَقِفً علَي ظَهْرِ الحِمَارِ وهُوَ يَرْقُصُ مُسْتَهْزِئاً بالحِمَارِ , دونَ أنْ يَدْري الحمارُ بِأَيِّ شَيْءٍ .
حَزِنَ الحِمارُ مِنْ ما حَدَثَ , ونادَي لِصَديقِهِ الحِمارِ . وقالَ لَهُ قُمْ بِإِنْزالِ القِرْدِ فَوْرًا , فأَنا أُريدُ أَنْ أُحَدِّثَكَ في أَمْرٍ هامٍ .
تَعَجَّبَ الحِمارُ قائِلاً : كَيْفَ جِئْتَ إلَي هُنا ولِماذَا ؟ .
هَمَسَ في أُذُنَيْهِ وحَكَي لَهُ ما حَدَثَ , ثُمَّ قالَ لهُ صَديقُهُ : إنَّ القِرْدَ قدْ جاءَ بِكَ هُنا لِكَيْ يَخْدَعَكَ , ويَهَزْأَ بِكَ ويَنْشُرَ صُورَتَكَ علَي صَفَحاتِ التَوَاصُلِ الاجْتِماعِيِّ , قالَ الحِمارُ ولَكِنِّي سَأُلَقِّنُه دَرْساً لنْ يَنْساهُ أَبَداً .
طَلَبَ الحِمارُ منْ صَديقِهِ أنْ يَذْهَبَ ويَأْتي بِعَدَدٍ منْ الأَصْدِقاءِ منْ الحًميرِ الصَغيرَةِ السِنِّ السَريعَةِ الحَرَكَةِ القَوِيِّةِ الجِسْمِ , لَكِنْ دونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِمْ أَحَدٌ .
وعَلي الفَوْرِ اتَّجَهَ صَدُيقُه , وجاءَ بِهِمْ .واخْتَبَأَ خَلْفَ بَعْضِ الأَشْجارِ حتَّي يُشيرَ إِلَيْهِ الحِمَارُ .
كانَ الحِمارُ قَدْ جَلَسَ مَعَ القِرْدِ بِحُجَّةِ أنَّهُ قدْ أصَابَهُ التَعَبُ .
تَناوَلَ الحِمارُ بَعْضاَ منْ ثِمارِ المَوْرِ التي جَناها القِرْدُ , وطَلَبَ منْ القَرْدِ أنْ يَحْكي لَهُ بَعْضَ الحِكاياتِ المُسَلِّيَةِ حتَي يَسْتَريحَ .
حينَمَا رأَي الحِمَارُ أنَّ أَصْدِقاءَهُ قدْ وَصَلُوا , ولمْ يَراهُمْ أَحَدٌ منْ القِرَدَةِ طَلَبَ منْ القِرْدِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ إلي العَيْنِ المائِيَّةِ لِيَشْرَبَ فَقَدْ عَطِشَ عَطَشاً شَديدًا , وبَعْدَ أنْ يَرْوِي ظَمَأَهُ يَعودُ ويُكْمِلُ معَ الَقْرِد جَنْيَ الثِمَارِ . اسْتَجابَ القِرْدُ لِكلامِ الحِمارِ .
أَشارَ الحِمارُ إلَي أَصْدِقائِه دُونَ أنْ يَشْعُرَ القِرْدُ , فَسَاروا خَلْفَهُ .
وبِمُجَرَّدِ أنْ وصَلَ الحِمارُ إلَي العَيْنِ المائِيَّةِ , اقْتَربَ لِكَيْ يَشْرَبَ , ثُمَّ قامَ بِدَفْعِ القِرْدِ من فَوْقِ ظَهْرِهِ إلَي الماءِ .
صرَخَ القِرْدُ : أَنْقِذوني أَنْقِذوني سَوْفَ أَغْرِقُ .
أَسْرَعَ أَصْحابُ القِرْدِ الذينَ كانوا يُتابِعونَهُ , وكانوا علَي مَقْرُبَةٍ مِنْهُ لِإِنْقاذِ الِقْرِد , ولكن ونزلوا جميعا في العين ومعهم بعض العوامات المائية وأنقذوا القرد .
قامَ أَحَدُ أَصْدِقاءِ الحِمارِ بِتَصْويرِ القِرْدِ هُوَ وأَصْحَابَهُ وهُمْ في الماءِ .
خَرَجَ القِرْدُ وأَصْحابُه إلَي خارِجِ العَيْنِ المائِيَّةِ , فَوجَدوا الحِمَارَ وأَصْدِقاءَهُ يَنْتَظِرونَهُمْ , فَتَجَمَّعوا حَوْلَ القُروِد وأَشْبَعُوهُمْ ضَرْباً . وتَمَّ التِقَاطُ بَعْضُ الُصَوِر لَهُمْ .
عادَت الحَميُر إلَي مَسْكَنِها في لَمْحِ البَصَرِ قَبْلَ أَنْ تَشْعُرَ بِذلِكَ القُرودُ .
نُشِرَتْ صُوَرُ القرودِ علَي صَفَحَاتِ التَواصُلِ الاجْتِماعِيِّ .
أَصْبَحَتْ الُقرودُ أُضْحُوكَةً لِلْجَميعِ .
عادَ الحِمارُ إلَي مَكانِهِ وأَقْسَمَ أَنْ لا يَأْمَنْ بَعْدَ ذَلِكَ لِقِرْدٍ أَبَداً .
وأَصْبَحَ القِرْدُ كُلَّما رأَي الحِمارُ في الضَفَّةِ المُجاوِرَةِ لَهُ يَتَذَكَّرُ ما فَعَلَهُ , ويَشعُرُ بالخَجَلِ منْ الحِمارِ .