لامية الغجر
ــــــــــــــــــــــــ


أعيا العروبةَ طُولُ السعيِ مِن وإلى - مُذ ألفِ عامٍ ولا جدوى ولا أمَلا

كراكضٍ فوق سَيْرِ السَّيْرِ ليس لهُ - من وجهةٍ فَهْوَ لم يركضْ ولن يصِلا

أيّانَ تُصعِدُ في رَكْبِ الحياةِ ولم - تأخذ لها آلتَيْها، العلمَ والعَمَلا

كأنها جهلَت ما جاء في المثَلِ ال - معلومِ أنَّ عَدُوَّ المرءِ ما جهِلا

وأين منها ولم تَسْلُكْ كما أُمِرَتْ - سبيلاً اختَطَّهُ المولى لها ذُلُلا

بل صارَ مِن دِينها أَن صارَ دَيْدَنُها - أَن تؤثِرَ الرِّسْلَ لا أَن تَأثُرَ الرُّسُلا

ثرثارةٌ أنشَدَتْ أمجادَها رَجَزاً - والمجدُ يُدرِكُهُ نُشّادُهُ رَمَلا

فَخّارَةٌ بَرِمَ الفَخّارُ لو نَسَبوا - لِطِينِها بُرَمَ الفَخّارِ والقُلَلا

تمشي كما سَرَطانُ الماءِ مائلةً - ولا تَرى أَن تَرى في مشيِها مَيَلا

وقد تطيرُ ولكن في المنامِ ولَلْ - أحلامُ أفشَلُ ما قد يمنعُ الفَشَلا

تَزْهَى على الأُمَمِ الأُخرى فتلك ولا - بناتُ وَردانَ في زهوٍ ولا الجُعَلا

دارت على كعبِها في دارِ كعبتها - لم تَدْرِ كيف تُداري أمرَها الجَلَلا

ولا تزالُ على أطلالِ نهضَتِها - تعاتبُ النُّؤيَ أو تَستنهِضُ الطَّلَلا

ويحاً لها كلُّ ما ناءَت به أَفَلا - أوْحَى لها أنَّ نَوْءَ السَّعْدِ قد أَفَلا!

بارَتْ سَوابقَ بارَتْ دونَ غايتها - وأُردِيَتْ مُذ تَرَدَّتْ هذهِ العُقُلا

وكيف مَن رَكَّبَ الصاروخَ يسبقُهُ - شأوَ الكواكبِ شاوٍ يركبُ الجَمَلا

هِيَ العُلا درجاتٌ والأنامُ على - أقدارهم مَن عَلا منهم ومَن سَفُلا

فالحُرُّ لا يبتغي أن يبتغي نَفَقاً - والعبدُ لا يرتقي أن يرتقي جَبَلا

فَخَلِّ عنكَ حديثَ الشنفرى طَرَفاً - وارْدُدْ على الطُّغَرائي رأيَهُ الخَطِلا

قد كان عُرْبٌ ولكن أصبحوا غَجَراً - وكان مجدٌ ولكن لم يَعُدْ أثِلا

وكان عُرْفٌ ولم يؤخَذْ بجيِّدِهِ - وكان دِينٌ فما خَلَّوْهُ معتدِلا

تطوَّرَ الناسُ جِدّاً عن طبيعتهم - ولم يَعُدْ كائنٌ منهم كما جُبِلا

كم طَيَّروا ماعِزاً نحو السماءِ وكم - مِن إبرَةٍ أَوْلَجوا في سَمِّها إبِلا

ما تبتغي من حياةٍ لا حياءَ بها - وليس شيئاً سِوى الممنوع مبتذَلا

أوطانُنا رجعتْ في جاهلِيَّتِها - في كلِّ زاويةٍ منها تَرى هُبَلا

أعجازُ أسيادِها الحامين سُدَّتَها - مُخَتَّماتٌ بختمِ السادةِ النُّبَلا

ما عادَ في أرضِنا العَرْباءِ من عَرَبٍ - إلاّ عُصَيَّةَ أو ذكوانَ أو رَعِلا

مشايخُ الدينِ شَخّوا في عُروبتنا - وفرَّقونا وبَثّوا بيننا الجَدَلا

وأحدَثوا في كثيرٍ من تَحَدُّثِهِم - فاقبِضْ ولا شيءَ إلاّ النَّتْنَ والبَلَلا

الشيخُ طبعاً له بالغيبِ خِبْرَتُهُ - يَستشرِفُ الرزقَ والأحداثَ والأجَلا

وعندهُ من مُريدِيهِ ملائكةٌ - تُبَلِّغُ الوحيَ عنهُ فَوْرَ ما نَزَلا

ما مَسَّ عَذراءَ إلاّ أَنجبَتْ ولداً - ما قال عوراءَ إلاّ أُرسِلَتْ مَثَلا

والشيخُ لَحْمُهُ مسمومٌ فكُن حذِراً - لا تَنقُدَنَّهُ مهما قالَ أو فَعَلا

إن قَصَّرَ الثوبَ أو أرخى عمامتهُ - أو شَمَّرَ الذَّقْنَ أو خَلاّهُ منسدِلا

نَعَمْ بهِ عِلَلٌ لكن أليسَ إذا - كان الهواءُ عليلاً يُبرئُ العِلَلا

عجبتُ من مسلمينا في تعنُّتهم - على الخصومِ فلا عطفاً ولا بَدَلا

وكلَّما أمَريكا -وَهْيَ كافرةٌ- - قالت: ألَسْتُ، يقولُ المسلمونَ: بَلى

صوفيَّةٌ شيعةٌ جاميَّةٌ سَلَفٌ - يا قومُ إنّا مَلِلْنا هذهِ المِلَلا

يكفِّرونكَ إن تَعْلَقْ بواحدةٍ - ويقتلونك إمّا رُحْتَ مُعْتزِلا

لولا كرامةُ هذا الدِّينِ قلتُ لكم - مُقارِناً عصرَنا والأعصُرَ الأُوَلا

على فُجُورِ أبي جَهْلٍ وَبِغْضَتِهِ - لَوْ مَرَّ مِن ههنا أشبعتُهُ قُبَلا

وفي الصَّدارةِ مِثْلِيُّونَ مُذ خُلِقوا - يُصَدِّرونَ لنا الأخلاقَ والمُثُلا

الحاكمونَ وأقصى هَمِّ واحدِهِمْ - ما حاكَ في الصدرِ ممّا حاكَكَ الكَفَلا

المُسْرِجونَ على الغِزلانِ لَيْلَهُمُ - يكابِدونَ صَلِيلَ الحِلْيِ والغَزَلا

مرابطونَ على أحلى الثغورِ ولا - يخشونَ في الله إلاّ الأعْيُنَ النُّجُلا

رِماحُهُمْ مُصلَتاتٌ للوَغى أبَداً - ما جُرِّدَ البِيضُ إلاّ جَرَّدوا الأَسَلا

سِهامُهُمْ رَهْنُ أقواسٍ مُوَتَّرَةٍ - في سرعةِ القذفِ قد فاقوا بني ثُعَلا

خلائفُ الله والمستأمَنونَ على - إمائهِ وخصوصاً مَن وُهِبْنَ حَلا

تَرى الخليفةَ يُحْيِي لَيْلَهُ جُنُباً - فَرْطَ التُّقى ويُداجي رَبَّهُ ثَمِلا

والشعبُ قادوهُ أو قادوا عليهِ وما - خَلَّوْا لَهُ دُبُراً ما قُدَّ أو قُبُلا

لا يسرِقونَ طعامَ البائسينَ ولو - طَوَى دَنيئُهُمُ عامينِ ما أكَلا

ولا يُبالونَ حتى أنَّ زاهدَهُمْ - لو زادَ مِليارُهُ ضِعْفَيْنِ ما حَفَلا

ولا يُدانونَ فقراً أَن يُلِمَّ بنا - ولا يُدانونَ مهما لِصُّهُمْ نَدَلا

ومِن أمانتِهِمْ فينا إذا أخَذَ ال - مَوْلى أمانَتَهُمْ ولْنَفْتَرِضْ جَدَلا

يُوَرِّثونَ رعاياهُمْ لِوارِثِهِمْ - ويَرْحَلونَ ويبقى الشعبُ مُرْتَحَلا

تباركت دولةُ الإسلامِ واتّسعَتْ - أقطارُها وغَدَتْ في عهدِهِمْ دُوَلا

والنصرُ منذُ احتلالِ القُدسِ قيلَ لنا - على الطريقِ وحتى الآنَ ما وَصَلا

ونحنُ (في غَمرةٍ ساهونَ) يَعْلِفُنا ال - تُجّارُ حتى يزيدَ العُمْلَةَ العُمَلا

تسوقُنا لحقولِ الرُّخْصِ جاهدَةً - رُعاتُنا إن يكن سُوقُ اللُّحومِ غَلا

فأَضعَفَ الرَّعْيُ فينا الرأيَ من جهةٍ - وضاعَفَ الشحمَ في الأكفالِ والرَّبَلا

عصائبٌ من غَزايا الوَهْنِ مُعضِلَةٌ - ما أَفلَتَتْ عَصَباً مِنّا ولا عَضَلا

وعَشَّشَتْ كلُّ أمراضِ الزمانِ بِنا - خَلا [التَّوَحُّدَ] فالتكوينُ منهُ خَلا

نمشي حُفاةً على أرضٍ نُقَدِّسُها - لأنَّ حاكِمَنا من تُرْبِها عُمِلا

نُكَرِّمُ النَّعْلَ عنها أو نُكَرِّمُها - كَيْ لا يدوسَ عليها الشعبُ منتَعِلا

حكامُنا كلهم دونَ البلوغِ فما - تكادُ تَلْمَحُ فيما بينهم رَجُلا

الجَدْيُ والحَمَلُ البُرجانِ ما عَرَفا - في محفِلِ القومِ إلا الجَدْيَ والحَمَلا

إن كان ثَمَّتَ عَقْلٌ كان مُفْتَرَضاً - وإن يكن من ضميرٍ كان منفصِلا

شَبّوا وشابوا ولم تَنْضُجْ مَدارِكُهُمُ - وما استَوى واحدٌ منهم وما نَبُلا

هذي التماثيل لم تعط الحياةَ ولن - والمرتجي الخير منها أرتج الأملا

فاضحَكْ أوِ ابكِ فَكِلْتا الحالتينِ لها - عذرٌ أكنتَ حزينَ النفسِ أم جَذِلا

وجنةٍ فازَ فيها الكافرونَ وما - مِن مؤمنٍ يرتجي في ظِلِّها نُزُلا

أنهارُها من دَمٍ تجري فلا لَبَناً - في قاعِهِنَّ ولا خمراً ولا عَسَلا

وحُورها العِينُ سِيقَتْ وهْيَ ضارعةٌ - وسُوِّقَتْ مثلما وِلدانُها خَوَلا

لا كهفَ يأوي إليه الأبرياءُ ولا - الباغونَ يَبغونَ عن إيذائهِمْ حِوَلا

هذا الثريدُ من الأجسادِ ما اختلَجَت - له الضمائرُ أو ما أسخَنَ المُقَلا

الدُّورُ تَرْكَعُ والكِلابُ تَكْرَعُ وال - ناجونَ يقتسمونَ اليُتْمَ والثَّكَلا

مَن يطفئُ الشامَ من نارِ المجوسِ فقد - أَوْرَتْ بهِ الياسمينَ الغَضَّ فاشتَعَلا

تَدَخُّلٌ خارجيٌّ مِن خوارجَ هُمْ - ذَوُوا دَخائلَ في أوساطِنا دُخَلا

مَن يُنجِدُ الشامَ من إيرانَ تَحشُدُ في - بلادِنا شِلَلاً عاثَت بها شَلَلا

هم أشغلوا المرشد الأعلى يرى لهم - وأقعدوا الله لا رأياً ولا شغلا

مَن يدركُ الشام مِن ماني وعودتهِ - إذ قَصَّرَ السيفُ عن أن يَسبِقَ العَذَلا

عَمائمٌ نَكثَت في دِيننا ولِحىً - تَنَزَّهَ الدِّينُ عن غاياتِها وعَلا

مَن ينقذُ الشامَ من عبدِ المغيرةِ أو - من بابِكَ الخُرَّمِيَّ الناقمَ النَّغِلا

ليس الطريقُ إلى الأقصى يَمُرُّ بنا - ولا الحسينُ لَدَيْنا ويلَكم قُتِلا

مَن يطلقُ الشامَ من أسْرِ ابنِ زانيةٍ - نامَ ابنَ عِرْسٍ بها واستيقظَ ابنَ جَلا

قُمْ في مَراقِدِ قُمْ واصرُخْ بمن وَلِجَ ال - سردابَ يَزجُرُ عَنّا هذه الهَمَلا

مَن يَقمَعُ الثورةَ العمياءَ صَدَّرَها - ثِيرانُ مَزْدَكَ تدعو الفتنةَ الجَفَلى

مَن يمنعُ الحرَمَيْنِ اليومَ من ضَرَمٍ - يشب في الهَرَمَيْنِ اليابِسَ الجَزِلا

مَن يَصرِفُ الناسَ عن تكرارِها خطأً - كانت تَخَطَّتْهُ مِن صِفِّينَ مفتعَلا

مَن للأعاريبِ من سَيْلٍ يُدحرجُها - إلى الجحيمِ وهل بَعد الجحيمِ إلى

هيهاتَ والبغيُ فينا طَرَّ شاربُهُ - وناشئُ الخوفِ فينا وجهُهُ بَقَلا

مِليارُ إسلامنا زرعٌ ولا ثَمَرٌ - إلاّ أكارِعَ كالحرفِ المكرَّرِ [لا]

رؤوسُنا كلُّها تحت الترابِ كما - لو أنَّ أوطانَنا مزروعةٌ بَصَلا

حالٌ لَعَمْرُكَ في تحليلها عِبَرٌ - تستنزفُ الجَمَّ من عينيكَ والوَشَلا

يا ليت زوجةَ نوحٍ كانتِ احتملَت - ثُوماً وما نَسَلَتْ ساماً وما نَسَلا

العُرْبُ كالتُّرْبِ أعداداً وفائدةً - غَصَّت به الأرضُ لكن قيمةً ضَؤلا

إذا اضطُرِرْتَ فخذ جزءاً من الألْفِ مِن - جزءٍ من الألْفِ واطرَحْ منهُ ما فَضَلا

تقاسموا الموت بالقسطاس بينهمُ - عدواً وأعداؤهم قد حازت النفلا

يا حبذا الدَّمُ في شِريانِ أُمَّتِنا - عَساهُ يَحْمَرُّ يوماً وجهُها خَجَلا

وما عسى والوُلاةُ استفرَغوا دَمَها - وأفرَغوا النفطَ في شِريانِها بَدَلا

زَماتَةُ الرأي في الأَعرابِ مَنْقَبَةٌ - لأجلِها تُستثارُ الخَيْلُ والخُيَلا

لا يرجعُ العربيُّ القُحُّ عن خَطَأٍ - حتى ولو زُحَلٌ عن أُفْقِهِ زَحَلا

الوالِهينَ قلوباً والِعِينَ خُصًى - والمُنزَفينَ كَلالاً نازفينَ كُلى

يُحْيُونَ ذكرى صلاحِ الدينِ في زمنٍ - يَحْيَوْنَ فيه حياةَ الهُونِ والكَسَلا

مشروطةٌ بصلاحِ (الدينِ) عودةُ أيّـ - ـامٍ خَلَتْ لصلاح الدينِ يا جُهَلا

أنا وهذا الذي يدعونهُ وطَناً - كمُعْجَبٍ بفتاةٍ كافأتهُ قِلى

أحَبَّها وأحَبَّت غيرَهُ رَجُلاً - أحَبَّ أُخرى أحَبَّت غيرَهُ رَجُلا

تنتابُني نُوَبٌ قد أُزجِيَتْ قِبَلي - لا قُوَّةً لي بأدناها ولا قِبَلا

لو كلُّ شخصٍ يسمّى حَسْبَ واقعِهِ - لأصبحَ اسمي إذاً شَيبانَ أو ذُهَلا

يا أُمَّةً يَتَهَجّى الأمْنَ مؤمنُها - جهلاً ويَخطُبُ فيها الخَطْبُ مُرتَجِلا

فرسانُها عن صُهى أفراسِهِمْ نَزَلوا - وأسرَجوا الحظَّ كَيْما يَلحَقوا الأمَلا

هذا التمني بعيدٌ أو تشايعه - عَسّالةٌ تنتضي العَسّالةَ الذُّبُلا

يسر إما رآها المجد واجفةً - تردي الأصائل في بطحائها أصُلا

إلى متى وقدِ انماطَ اللثامُ وقد - مُدَّتْ نُطوعٌ ومُدَّتْ فوقهنَّ طُلى

فاسْموا إلى غايةٍ مُثْلى بكلِّ فَتىً - إذا هُوَ انكَلَّ في الهيجاءِ ما نَكَلا

تبسَّمَت أمُّهُ في الطُّلْقِ ساعةَ إذ - لم يَستهِلَّ بُكاءً إنما صَهَلا

وأَجْمِعوا أمرَكم أن لا يُشَذَّ بكم - إلى عواقبِ حَلٍّ يُعْقِبُ الحَلَلا

وثَبِّبوا ما تبقى منكمُ وثبوا - وجَنِّبوا العَزمَةَ الأهواءَ والنِّحَلا

لعله الموتُ أقصى ما يهددنا - فإن يكن حان ميعاداً فحيَّهَلا

لا يطهرُ المجدُ مهما ازدانَ مَظهَرُهُ - ما لم يكن بدم الأحرار مغتسِلا

وإن من دخل التاريخ منتقباً - لسوف يخرج منه مثلما دخلا

والرأيُ ما لم يُحَطْ بالدِينِ غايتُهُ - أن يَنقُضَ الحَبْلَ أو أن يُجهِضَ الحَبَلا

خَلّوا الشبابَ يُسَوّي-لا أبا لكمُ - ما دمتمُ قد عَجَزتم- ذلك الخَلَلا

أو فاعلموا أنما دعوى عُروبتكم - لا ناقةً لكمُ فيها ولا جَمَلا

••• •••