آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: أحب الشام

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    افتراضي أحب الشام

    في ظل هذه الأيام العصيبة .. وفي ظل موج الفتن الطاحنة ... ربما يجب أن نلوذ بالحب والتعاطف وننشد السلام، ونهتف للأمان ... فمن هي الشام ... لنتابع هذه القراءات..


    من يحتفل بدمشق يحتفل بالشام كلها باعتبارها تستعيد ذاكرة الإبداع والفكر والتاريخ العريق، فهي مهد الحضارات وملتقى الديانات... لهذا كلّه لا غرو أن يطلق على دمشق اسم الشام لأنها تختزل ذلك كله في إطار رمزي رائع...
    فكل من يمدُّ عينيه إلى فجر التقدم البشري الحضاري يوقن بأن أول حضارة زراعية نشأت في الشام وفق ما تدل عليه كهوف يبرود؛ وما عبَّرت عنه الآثار المكتشفة في تدمر وإيبلا وغيرهما... أما الارتقاء الحضاري الثقافي فلا يمكن أن يتخطى الأبجدية السورية الأولى التي ظهرت في (جبيل) في اثنين وعشرين حرفاً وهي التي عرفت لدى اليونان باسمها العربي (ألف باء)، على حين كانت الأبجدية الأوغارتية التي ظهرت في (رأس شمرا) باللاذقية ثلاثين حرفاً، وهي أقدم أبجدية مكتوبة وصلت إلينا، علماً أن هناك التقاءً كبيراً بين الكتابة الهيروغليفية التي عُثر عليها في مناجم الفيروز بمصر وبين أبجدية (جبيل)، علماً أن أبجدية أوغاريت كتبت بالحروف المسمارية، وهي الحروف التي ظهرت نماذج منها على نحو مشابه في اليمن...
    وإذا كانت الكتابة في بداية البشرية تصويراً للغة المعبرة عن الأفكار والمشاعر كما هي عليه في رسوم (وادي الملوك) بأُقصر مصر، والألواح السومرية القديمة فإننا نوقن بأن حضارة كل منهما قد امتدت إلى اللغة العربية والكتابة العربية فشكّلت الهوية الواحدة، فضلاً عن العادات والتقاليد التي تشابهت بين الشعوب التي سكنت الجزيرة العربية السفلى والعليا وبين وادي الرافدين ووادي النيل والساحل السوري...
    ومن ثم تشكلت ثقافة عربية واحدة منذ فجر التاريخ، فلسفة وفكراً وعقائد، وفناً أدبياً ومعمارياً، رسماً ونحتاً...
    وإذا كانت المؤلفات شرقاً وغرباً قد عُنيت بالأشكال الحضارية الثقافية والمعمارية والفنية والأدبية والاجتماعية و... ما يشي بعشق هذه البلاد التي حباها الله من النعم ما لم تحزه أي بلاد أخرى، فضلاً عن جمال الطبيعة وتنوعها وغناها بالموارد الكثيرة فوق الأرض وتحتها فإن الشام بكل مكوناتها الطبيعية والحضارية تمثل فلسفة متجذرة بعيدة الإيحاء والدلائل... إنها موطن الحكمة والإبداع والجمال؛ وموطن الثقافة الأصيلة منذ خلقها الله، وهيأها لتكون دمشق تاجها الأثيري كونها أقدم مدينة مأهولة في التاريخ... وبلاد الشام اليوم ـ ولاسيما دمشق ـ ستظل حارسة وحاملة لهذه الثقافة الحضارية التي أسسها الأجداد الكنعانيون والآراميون والآشوريون، والسومريون والكلدانيون والفينيقيون والفراعنة وأوربا والعرب المسلمون مروراً بالعرب المسيحيين الذين نقلوا المسيحية السمحة إلى أوروبا، إذ كانت بلاد الشام مهدها في فلسطين، وطريقها إلى العالم غرباً وشرقاً، بعد أن استقرت بها على يد (بولس) الرسول.
    لقد كانت بلاد الشام الموطن الأول لتأسيس المدن وتطوير الزراعة والصناعة والعمارة، والعناية بعلوم الطب والفلك والحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية حتى قال أحد المستشرقين فيها: "إن لكل إنسان في العالم وطنين وطنه الأصلي وسورية" باعتبارها مهد التفاعل الحضاري في هذا الوجود المزنَّر بالعطاء.
    إن الوعي الإنساني، وقراءة المكتشفات الأثرية أثبتا ـ دون مراء ـ أن الأساطير القديمة الناظمة للحياة وُلدت في بلاد الشام، إذ طوّر الآراميون كل ما ورثوه من السومريين، ولاسيما حين ظهرت (نصوص أدبية وعلمية وفلسفية وتجارية منقوشة على الأحجار)([1])؛ دون أن نغفل الإشارة إلى شريعة (حمورابي) التي عُدَّت أصلاً لكثير من التشريعات والقوانين، والوصايا والحكم و...
    أما دخول أبناء بلاد الشام في الإسلام من سيناء حتى جبال طوروس فلم يتجاوز سبع سنوات([2])، ما يشي بالتقبل الحضاري الثقافي الديني الاجتماعي لكل ما أتى به الإسلام وتوافق مع ما كان موجوداً لديهم، على الرغم من أن بلادهم كانت خاضعة للرومان لزمن طويل فإذا كانت الفلسفة الرواقية قد عنيت بالأمور الإلهية والإنسانية وأسست لمفهوم محبة الحكمة وطبقتها في الحياة على مبادئ الفضيلة والنظر في وحدة الإنسان أدركنا سبب تقبل أبناء بلاد الشام لمبادئ الإسلام وقيمه، فضلاً عن أن انتشار الديانة المسيحية فيها كان سبباً آخر لفهم طبيعة الإسلام وأهدافه. ولا مراء بعد ذلك أن نرى الإسلام يصهر في بوتقته حياة أبناء بلاد الشام وثقافتهم في إطار موحد جامع لمبادئه وما ورثوه، ولاسيما حين غدت دمشق عاصمة لحضارة عريقة مدّت ظلها إلى أصقاع كثيرة شرقاً وغرباً، وحملت إلى أبنائها في زمن قصير كل أسباب النهوض والارتقاء والتقدم؛ علماً أن القبائل التي كانت تسكن فيها منذ فجر التاريخ كانت قبائل عربية، مهما اختلفت الأسماء، ثم تركزت فيها هذه القبائل قُبيل الإسلام بأسمائها العربية مثل (الأنباط والتدمريين، وكندة، ولخم، وتنوخ، والغساسنة، والمناذرة، وتغلب وبكر، وكلب، وجذام و.....).
    علماً أن المبدأ الذي اعتمد عليه الإسلام في نشر دعوته قوله تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن[(النحل: 125)، وقوله تعالى: ]لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي[ (البقرة: 256).


    وكان الشعراء العرب الجاهليون يتوافدون إلى دمشق كونها جامعة للثقافة الموحدة، إذ التقى النابغة الذبياني وحسان بن ثابت وعلقمة الفحل، وآخرون غير مرة يتناشدون الشعر في مجالس أمراء الغساسنة، وحسان هو القائل في الغساسنة([3]):

    لله در عصابة نادمتهم

    يوماً بجلَّق في الزمان الأول

    يسقون من ورد البريص عليهم

    بردى يصفّق بالرحيق السلسل



    ولعلّ المقام يضيق بنا لو أردنا الإفاضة في الحديث عن مكانة دمشق في إطار الثقافة الموحدة لغة وأدباً وفلسفة وفناً وتاريخاً وعمارة و... فقد ظلت قبلة العشاق والرواد من كل جنس ولون، وأصبحت مثار محاكاة وتشبّهٍ على عدد من الصُّعُد والمستويات، إذا تجاهلنا المجد التاريخي لوحدة الأمة وتحررها، وفق ما أسسه (نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس) في الحروب الصليبية. فإذا كانت مكة منارة الدين الإسلامي فإن دمشق منارة ثقافة العروبة والوحدة.
    فبلاد الشام ولاسيما دمشق ظلت المكان الذي التقت فيه الذات الوطنية بالقومية بالثقافة الجامعة قديماً وحديثاً، فهي رمز لمجد الشرق وعزّته كما قال فيها أحمد شوقي: "وعز الشرق أوّله دمشق"... فهي الدنيا التي صَفَت لكل من سكنها أو وفِدَ إليها، كالصنوبري الذي زارها فقال فيها:

    صَفَت دمشق لساكنيها
    ...................
    فلست ترى بغير دمشق دنيا

    ولم يتبدل حال دمشق مع الأدباء والكتّاب والمثقفين فما زالت تستقبلهم من كل حَدب وصوب، يأتونها لينهلوا من زادها الفكري والأدبي والحضاري ما وسعهم الجهد إلى ذلك، وتخرجهم في جامعتها (جامعة دمشق) التي تعدّ أوّل جامعة تنتصر للغة العربية باعتبارها وعاء الثقافة والفكر والأدب والعلم والقانون فجعلتها لغة التدريس في معهدي الطب والحقوق عام (1919م) وهو العام الذي أُسس فيها أوّل مجمع للغة العربية في الوطن العربي...

    وفرشت دمشق وجامعتها مدارج الرقي لوحدة الثقافة العربية وتنوعها وانفتاحها على ثقافة الآخر، حتى أنتجت أجيالاً من المبدعين الذين غدوا مدارس أدبية وفنية وفكرية وثقافية و... ويكفي أن نشير إلى عدد منهم مثل (عمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وعبد السلام العجيلي، وعبد المعين الملوحي، وحسيب كيالي، وداود الأنطاكي و...).
    أما أبناء دمشق فقد بادلوها عطاءً بعطاء، وحباً بحب، فكانوا نجوماً تزهو بهم مثل (شفيق جبري، وسعيد الأفغاني، ومحمد المبارك، والزركلي، ومحمد البزم، ومحمد كرد علي، وحسني سبح، و....).
    ومن مناّ يذكر دمشق دون أن يذكر شاعرها الأشهر (نزار قباني) وهو القائل فيها:


    ودمشق تعطي للعروبة شكلها

    ........................... وبأرضها تتشكل الأحقاب

    والدهر يبدأ من دمشق وعندها

    ............................. تبقى اللغات وتحفظ الأنساب



    ([1](انظر النشرة الثقافية التي تصدرها الجمعية الآشورية في لبنان ـ السنة الثالثة ـ العدد 17-18 ـ نيسان ـ تموز ـ1981م.

    ([2]( انظر لبنان في التاريخ ـ فيليب حتي ـ دار الثقافة ـ بيروت ـ 1959م ـ ص292.

    ([3])ديوان حسان بن ثابت ـ تحقيق سيد حنفي حسنين ـ ص122-123.


    ---


    قراءات من كتاب الجيب (20) بعنوان ( أحب الشام) للكاتبة (ناديا خوست) ، صدر عن اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2008م
    التعديل الأخير تم بواسطة سالم ; 06-13-2011 الساعة 12:23 PM
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك