آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: حلم

  1. #1
    Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    اللاذقية
    المشاركات
    45

    افتراضي حلم

    حلم
    كسر بيضتين في زبدية صغيرة وخفقهما بشوكة كانت في يده وراح يخفق كثيرا وكأنه ينتقم من البيض الذي اعتاد أن يأكله صباح مساء .تناول مقلاة قديمة مكسورة اليد ووضعها على الغاز وحاول أن يجمع ماتبقى من السمن في قعر العلبة المعدنية ووضعه في المقلاة ثم تلاها بالبيض.وسرعان ماامتلئ المكان برائحة البيض المقلي التي نفرت منها حواسه وتأفف منها انفه لتكرار انبعاثها في المكان .تناول لقمته الأولى وهو يفكر بفخذ دجاج مقلي وبعض البطاطا المقلية المقرمشة إلى جانبه كتلك التي تظهر في الإعلانات التلفزيونية لإحدى المطاعم الشهيرة.لطالما كان يمر من أمام هذه المطاعم ويتخيل انه يستطيع أن يرتادها في يوم من الأيام إلا انه كان يكتفي بالنظر للناس الذين يزورونها وكيف يلتهمون الطعام بنهم شديد ثم يسائل نفسه :ألهذا الحد يأخذهم الطعم الشهي حتى أنهم يغلقون أعينهم أثناء بلعهم للقمة الأولى ؟تراني سأستطيع يوما أن أكون واحدا منهم ؟ثم لا ينتظر إجابة من نفسه فينكب على عمله ويجمع ماتراكم من قمامة أمام المكان فيزيلها ويرميها داخل سيارة القمامة ثم يقف على حافة الشاحنة الصغيرة ويعطي سائقها إشارة بالسير قدما.
    تناول لقمته الثانية وراح يفكر بالقرض الذي استلفه منذ شهر لدفع ماتراكم عليه من أجرة الغرفة التي يسكنها ..من أين سيسدد هذا الدين وكيف سيحتمل راتبه الصغير أعباء إضافية فهو بالكاد يسد حاجاته الضرورية وفي كل يوم يزداد سعر السلع والحاجيات الأساسية التي تتطلبها الحياة الكريمة أو حتى الأقل من الكريمة بدرجة أو درجتين ,فاليوم ازداد سعر أنبوبة الغاز وبالأمس ازداد سعر السكر ولا تزال تعرفة الكهرباء والماء في صعود مستمر بالرغم من انه استغنى عن مشاهدة التلفاز منذ فترة حتى انه بدأ يستمع إلى المذياع بدلا من ذلك و استعان بغطائه الصوفي القديم المرقع ليلجم ثورة برده في الليل..حتى لا يضطر إلى استخدام مدفأة كهربائية .الشيء الوحيد الذي لم يستطع الاستغناء عنه هو الاستحمام في نهاية كل يوم بعد أن تنتهي جولته على حاويات القمامة المرصوفة بعناية في ذلك الشارع الراقي وسط المدينة .وحده الاستحمام كان يعيده إلى ثوب إنسانيته التي فقدها أو بدأ بفقدان الجزء الأكبر منها .وكأن الماء لا يغسل عنه الأوساخ فحسب وإنما يغسل معه أحقادا تولدت لا إراديا في داخله ضد أولئك الذين ابتلعوا الدنيا ومافيها بجشعهم وطمعهم ولا يزالون يقترون بفتاتهم على المساكين من أمثاله.
    حاول أن يأكل ماتبقى من البيض إلا انه رمى اللقمة قبل أن تصل إلى فمه وحمد الله على النعمة . أدار المذياع بتثاقل ..اخفض الصوت لدرجة يصعب معها سماعه بوضوح ..وضع أبريق الشاي على النار ثم أرخى جسده المتعب على أريكة رقيقة وأسند ظهره المنحني إلى جدار الغرفة الرمادي .وراح يفكر :ماذا لو اشتريت ورقة يانصيب ؟نعم ماذا لو ؟صحيح أن هذا الإصدار هو إصدار رأس السنة أي إن سعر البطاقة الواحدة هو 600 ليرة إلا أنني سأكتفي بشراء نصف بطاقة.وسأستغني بقية الشهر عن الشاي أو حتى عن السجائر .نعم سأستغني عن السجائر فهي كما يقولون مضرة للجسم وتسبب أمراضا خطيرة وكذلك الشاي إنها ترفع الضغط ولطالما نصحني جارنا الطبيب أن اخفف منها فهي تمتص الحديد من الجسم وهذا ماسبب لي فقر الدم .
    إذن سأشتري نصف بطاقة يانصيب وستفوز بالطبع ولو بمبلغ زهيد سيكون عونا لي في معركتي الدائمة من اجل الحياة .وان كان المبلغ وفيرا فإنني قد أغير مسكني هذا واستأجر ذلك المنزل في نهاية الزقاق فهو كبير وجميل وفيه شرفة تطل على الشارع العام ,أو قد اشتريه من يعلم ؟!وعندها قد استطيع أن أخطب نوال .....آه يانوال كم أنت جميلة ...في كل يوم جديد أراك تزدادين جمالا وبهاء...تراك تشعرين بأقدامي المرتجفة كلما ناديتني لأزيل أكياس القمامة من أمام دارتكم؟وهل وصلك نبض قلبي المضطرب عندما يتسلل بعض من عطرك إلى حنايا جسدي النحيل ؟قريبا يانوال سأربح الجائزة وستكونين لي وسآخذك إلى ذلك المطعم الفاخر حيث يقدمون الدجاج المقلي وستحبينه بالتأكيد .
    دبت قشعريرة جميلة في أوصاله المرتجفة لكنه بقي يكلم نفسه لساعات وساعات ويخطط لصرف المبلغ المرتقب إلى أن غط في نوم عميق .
    في صباح اليوم التالي ..استيقظ فرحا نشيطا على غير عادته لبس ثياب العمل ووضع قبعته الصوفية على رأسه الأصلع ..شذب شاربيه قليلا ثم انطلق إلى الشارع .كانت عيناه تلمعان بالأمل والرجاء وعند ناصية الشارع كان يقف بائع أوراق اليانصيب هرع إليه واشترى نصف بطاقة وراح يقبلها وكأنه كان يعلم مسبقا أنها الورقة المنشودة
    مر نهاره ببطء شديد ..لم يشعر يوما بتثاقل الوقت كما فعل اليوم ,وكأن الوقت يهرول في المكان أو أن الساعة نائمة
    ألم تصبح الساعة العاشرة بعد ؟ينظر إلى الساعة بحقد ويعنفها أن سيري بسرعة اكبر فما عدت أطيق انتظار نتائج السحب
    ذرع الغرفة جيئة وذهابا مئة مرة ومرة. وعندما بدأ السحب جلس أمام التلفاز يرقب النتائج بشغف .جوائز الأرقام المنتهية ...جوائز الأرقام الكاملة وفي كل مرة كانت عيناه تتنقل بين الورقة وبين التلفاز كان يقول لنفسه ربما ستربح في الدورة القادمة ..ربما بالتي تليها ..أوربما بالتالية
    لكن الأرقام كانت غير مطابقة لأرقام ورقته
    لم يفارقه الأمل...اقترب أكثر من الشاشة حاول أن يمعن أكثر في الأرقام وكأنه يأمرها بان تعيد ترتيبها ...ولكن عبثا
    دارت عجلات الدواليب الأخيرة ....وعلى تلك العجلات كان قلبه ينازع
    وعينه على الورقة
    سقطت الورقة
    هوت الورقة من يده شهيدة فأرقامها لم تكن مرصوفة كتلك التي كانت تصطف في التلفاز...خابت آماله وخبت أحلامه المزهرة كوجه نوال الباسم ..تلاشت كل الأفكار الجميلة التي حلم بها لكنها لاتزال تنام في مخيلته كعطر نوال .سقط على الأرض باكيا... منكسرا... ثم باسما أشعل سيجارة ووضع أبريق الشاي على النار
    ثم اسند ظهره على الجدار وراح يدخن ..وبدأت رائحة البيض المقلي تدغدغ أنفه ساخرة متهكمة.




    بقلم هنا غانم

  2. #2
    أميرةُ الياسمين الصورة الرمزية عشتار
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,374

    افتراضي

    حلم مسكين لرجل أهكته الحياة ..

    عندي ملاحظتان:

    - ذكرت أنه يعمل في شارع راقي يجمع القمامة ... (حاويات القمامة المرصوفة بعناية في ذلك الشارع الراقي وسط المدينة )

    ثم ذكرت بإيحاء أنه يسكن في نفس الشاعر وهو زقاق قد أغير مسكني هذا واستأجر ذلك المنزل في نهاية الزقاق فهو كبير وجميل وفيه شرفة تطل على الشارع العام ,أو قد اشتريه من يعلم ؟!وعندها قد استطيع أن أخطب نوال .....آه يانوال كم أنت جميلة ...في كل يوم جديد أراك تزدادين جمالا وبهاء...تراك تشعرين بأقدامي المرتجفة كلما ناديتني لأزيل أكياس القمامة من أمام دارتكم؟ )


    - موضوع التلفاز: ( استغنى عن مشاهدة التلفاز منذ فترة حتى انه بدأ يستمع إلى المذياع بدلا من ذلك )

    ثم تفاجأنا (وعندما بدأ السحب جلس أمام التلفاز يرقب النتائج بشغف )

    وشكرا لجهودك وقلمك
    أنا المسكُ وعبق الرياحين وعُطر الورد ونَبض العُود
    إذا ما اشتدّ شوقه لعينيك وكفّيك..!

  3. #3
    Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    اللاذقية
    المشاركات
    45

    افتراضي

    عزيزتي عشتار شكرا لمرورك الكريم
    بالنسبة لملاحظتك الاولى لم اجد شيئا يعطي فكرة للقارئ انه يسكن في نفس الحي الذي يعمل فيه كل مافي الامر انه يعمل في شارع راق حيث تسكن نوال اما هو فيسكن في حي اخر ولكنه رغب في ان يترك الغرفة التي يستأجرها والانتقال الى مكان اوسع هو في نفس زقاقه لكنه واسع ويطل على الشارع العام (ليس بالضرورة ان يكون نفس شارع نوال)لكن حلمه في ذلك لم يتحقق
    بالنسبة للملاحظة الثانية انا لم اقل انه باع التلفاز او تخلص منه ثم انها الوسيلة الوحيدة ليتعرف على نتائج السحب دون ان ينتظر اكثر .خاصة انه كان في حالة ترقب للوقت واعتقد ان جلسة امام التلفاز لن تضيره شيئا ..أليس كذلك؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

  4. #4

    افتراضي

    [align=center]




    أختي الكريمة : بنفشى الشام
    قصة رائعة اجدتِ فيها وببراعة طرح معاناة شاب
    يحيط به البؤس ويتغلل في كل اركانه
    لكنه يظل إنسان من حقه أن يحلم ويطمح
    وأن يحقق حلمه المشروع والعيش بمستوى افضل.
    كما وتمكنتِ باسلوب جميل وغير مباشر من اثارة نقطة هامة
    تسيطر على كثير من البشر الا وهي الاعتماد على الحظ
    لينقلهم من واقعهم البائس لحياة الرفاهية والترف
    متجاهلين أن الطموح والارتقاء يحتاج إلى الهمة والعمل
    والاحلام كي تتحقق لابد أن تتوفر لصاحبها العزيمة
    والاصرار على تذليل الصعاب وتخطي الفشل .






    سلمت لغتك ..
    ودمتِ في خير وألق





    :





    أطيب التحايا
    [/align]
    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  5. #5
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,297

    افتراضي

    [align=center]
    حلمُ ..
    و واقعنا أكثر قسوة من غفوة الحلم !

    هنا ..
    أجدتِ في خلق حالة توصيفية لمعاناة إنسان
    قد لا يأبه به أحد
    وبالمقابل تطرقتِ لفكرة هامة : الاعتماد على الحظ
    في تغيير الواقع ..ومن ثم الاستسلام للواقع

    جميلة .. وجمالها في انتقالها للواقع مجدداً

    سلم قلمكِ


    أرق التحايا

    [/align]
    أحاول فهم هذا العالم

  6. #6
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    المشاركات
    176

    افتراضي

    بنفشي الشام

    الوصف رائع , ينم عن قاصة مبدعة ..
    هكذا نحلم , ولكن ليس كل الأحلام تتحقق ..
    وعلينا أن نحلم حتى أخر نفس في إعمارنا ..
    شكراً على ما قدمت من إبداع ..
    نبيل مصيلحي

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك