آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: قصة للكاتبة السورية هيفاء بيطار

  1. #1
    Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    اللاذقية
    المشاركات
    45

    افتراضي قصة للكاتبة السورية هيفاء بيطار

    الفول يغلب كل المأكولات اللذيذة

    لم تستطع أن تتخذ قرارها، رغم أنه أمهلها أسبوعاً "آخر بناء على طلبها. كانت متدثرة بمعطفها طويل العمر الذي تحسه موجوداً منذ الأزل، وقد تقوست كتفاها من البرد، وتنكس رأسها بينهما، وتساءلت: عجباً" لماذا لا يدفئون مقاهي البحر جيداً"؟ إنها ملجؤها الوحيد، تقصدها دوماً" كلما واجهتها محنة، ضحكت ساخرة من نفسها: ما أكثر المحن التي واجهتك يا روضة.
    تنهدت بعمق معترفة بأنها -وفي كل مرة- تحس بصفاء ذهني ويتبدد توترها بعد أن تجلس ساعات في مقاهي البحر، فما بالها هذه المرة يزداد ذهنها "تغيماً" كلما مر الوقت، رغم أن نظرها يداعب أمواج البحر منذ أكثر من ساعة، ويطلب بالحاح مشورته، لكنها أحست أن البحر يخاصمها، ولا يريدها صديقة. ترى لماذا؟ إنها لم تخنه يوماً"، ولم تفضل عليه أحداً"، ظل حبها له أصيلاً"، لم يعرف الفتور ولا الخيانة.
    أغمضت عينيها إعياء" وهي تعي الواقع المر والبشع للكلمتين الأخيرتين، طافت صورتها بذهنها فاترة وبعيدة ضحكت ساخرة وهي تحس أن صورة الخطيب الأول مرتسمة في عينها اليمنى، وصورة الخطيب الثاني مرتسمة في عينها اليسرى.
    تنهدت بعمق، وفتحت عينيها، فضاعت صورة الخطيبين، توقف نظرها عند الموج الذي يعلو ويتحول لزبد ويتلاشى على صخور الشاطئ، أوه هكذا الزمن، إنه مجرد زبد، وتساءلت ساخرة بمرارة: ماذا بقي من الخطيبين، ومن الحب، والألم والحلم والخيبة، والانتظار، والمفاجآت و... مجرد زبد، وما حياة الإنسان سوى موجة تنتهي بزبد.
    كانت تتآمل بإعجاب رجلاً" في مايوه السباحة يقوم بتمرينات رياضة رشيقة غير آبه بالبرد القاسي، ويقف على صخرة ممتدة كاللسان في البحر.
    أحست بخجل وهي منكمشة ومتقوقعة في معطفها، وتساءلت: عجباً كيف لا يبرد؟ أعجبها لونه البرونزي وتناسق عضلاته، كانت نظرتها تغازله وهي تقول: يا لك من رجل جميل، وخطر لها لو تسأله مداعبة: أيهما أحب إلى قلبه المرأة أم الرياضة؟! لكن مزاجها العابث أزعجها وارتفع صوت من داخلها يؤنبها قائلاً: ما بك عابثة هكذا! ولا مبالية، لكأنك ناسية أنه سيأتي بعد قليل ليسمع جوابك النهائي.
    تململت في معطفها السميك قائلة بتعب: لكني لم أتخذ القرار بعد، لم أستطع أن أتخذه، لم تفدني المدة الزائدة التي طلبتها للتفكير، يا إلهي كيف يتخذ الإنسان قراره، وأعقبت بعد لحظة -المصيري-
    حاولت أن تساعد نفسها وأن تزيح الضباب من خيالها: لا بأس يا روضة لنتابع القصة منذ بدايتها، أهم شيء الإمساك بطرف الخيط، بلحظة البداية، هكذا يمكنك الوصول إلى حل.
    أشعلت سيجارة، ونفثت الدخان، لكأنها تقول: أية بداية؟! وما الذي جمعها به ليكون لهذا الشيء بداية ونهاية؟! لقد عرفته منذ شهر، كوسيط يساعدها لتتوظف في المصرف، ومن المرة الأولى التي وقع نظره فيها عليها، بعد أن قدمها له زوج صديقتها الذي يعمل عنده، سألها: ألست متزوجة؟
    ردت بآلية مدارية امتعاضها: لا.
    قال: عجباً، وجه بهذا الجمال والنضارة، وليست متزوجة!
    امتصت امتعاضها، ولعنت سلطة ماله ونفوذه اللذين يعطيانه الحق في التدخل بحياتها بوقاحة، هي صاحبة الحاجة، في تلك اللحظة وعت بعمق ذل الحاجة. لكنه وعدها أنه سيوظفها في المصرف بإشارة منه.
    وضحك كاشفاً عن لثة مهترئة، تساقطت أغلب أسنانها، قائلاً:
    -وسنعفيك من دفع الإتاوات.
    لقد حاولت على مدى سنوات أن توفق إلى وظيفة لكن دون جدوى، عادت صورة لثته المتورمة وقد تساقطت أغلب أسنانها تعكر خيالها، تساءلت: لماذا لا يصلح أسنانه؟ كانت أسنانه المتبقية كبيرة، أحستها أكثر صلابة من الأسنان العادية، بدت لها أسناناً من حجارة بينها أنفاق كبيرة يمكن أن يمر فيما بينها قطار، ضحكت: كم هو كريه، رجل مترهل: بدين قدرت أن وزنه أكثر من مئة وخمسين كيلو غراماً، وكانت كرشه من الانتفاخ لدرجة أحست أنها تتسع لثلاثة أطفال على الأقل بعمر السنة! ضحكت مجدداً ماذا لو يعرف كيف تفكر به؟
    في اليوم الثاني حين راجعته مصطحبة أوراقها الرسمية، طلب لها القهوة وسألها ببساطة وهو يشعل سيجارة إن كانت تقبله زوجاً لها؟ ولم ينتظر ردها، أخذ ينفث الدخان دون أن ينظر إليها حتى، ويحكي لها عن تعاسته مع زوجته التي تكبره بسبع سنوات، وعن وحدته بعد أن زوج أولاده وعن إعجابه الشديد بها، وكيف دخلت قلبه مباشرة ودون اسئذان، ودت لو تقاطعه مصححة: الأفضل لو تقول إنني دخلت كرشك دون استئذان!
    سمعت صوتاً ناحلاً يقاطعه ويسأل: لكن ما الذي أعجبك بي أنت لم ترني سوى دقائق؟!
    ضحك كاشفاً عن لثته وأسنانه الحجرية، والأنفاق بينها، أحست بغثيان شديد يخبط معدتها، وكادت تتقيأ القهوة التي شربتها قال:
    رجل في عمري خبير في الحياة وفي النساء، يعرف الصنف من أول نظرة ردت بقرف: الصنف؟!
    قال: صنف النساء، أعرفه جيداً، لقد عرفت نساءً أكثر من عدد شعرات رأسك، أوه لا تنظري إلي الآن، كنت فيما مضى وسيماً وكريماً ما الذي تريده المرأة أكثر من ذلك!.
    سألته: ولم لم تتزوج من قبل وأنت في ...
    قاطعها: آه مراراً راودتني الفكرة، لكني كنت أخشى والدي رحمه الله كان يلزمني بزوجتي ابنة عمتي، وتردد قائلاً، لا أخفيك، هناك مصالح كثيرة في زواجي منها، انها شريكتي في كل مشاريعي التجارية.
    لم تستطع أن تتخيل أن هرقلاً ذا النفوذ، يخاف من والده، ضحكت ساخرة وسألته: والآن ألم تعد تخاف؟
    قال باسماً: الآن رحمه الله.
    أخذ يحدثها عن أملاكه وثرواته، وأكد لها انه مستعد لكل شروطها، وان مقدمها سيكون الشاليه الفخمة التي يملكها، ومؤخرها تحدده هي، ولو طلبت الملايين يوافق، وأخرج دفتر شيكاته من جيبه وتنهد نافخاً كرشه بالهواء قائلاً: اطلبي.
    أحست بدهشة جعلتها خرساء، هل ما يمر أمامها حقيقة أم خيال. من هذا الرجل الذي يعرض عليها ملايينه لتتزوجه، آه إنها عاجزة عن فهمه، ما الذي يجده فيها؟ وما هي سوى فتاة بلا حظ، في الرابعة والثلاثين من عمرها، فقيرة ومسكينة، كل طموحها أن تتوظف، وجدت نفسها تسأله: ترى ما الذي أعجبك بي؟ قال مؤكداً: أنت فتاة أحلامي.
    انفجرت بنوبة من الضحك مترافقة بغثيان، أيعقل أن تكون أحلام رجل في السبعين، فتاة في الرابعة والثلاثين، متدفقة أنوثة وحيوية، أيعقل أن تكون شهيته للحياة متفتحة لهذه الدرجة، أطرقت وهي تتساءل بخجل: ترى هل يقدر كهل مترهل مثله أن يضاجع امرأة؟! عجباً كيف يلح على الزواج من فتاة في عمر أحفاده أنقذها من تفكيرها وأعادها إلى أرض الواقع اللاواقعية قائلاً: أرجوك فكري، لا تنسي أنني أريدك في الحلال. عاد الغثيان أقوى من الأول، حال سماعها كلمة حلال، ولم تحس باشمئزاز حاد ومباغت كما أحست وهو يقول كلمة حلال.
    غادرت مكتبه وذهنها محاصر، ومشلول تحت تأثير هذه الكلمة، وبدت لها تلك الزيجات -الحلال- التي تربط بين رجال أثرياء وكهول وفتيات فقيرات، هي العهر مجسداً، لكنها تصير حلالاً بورقة !! بمجرد ورقة!
    انتفض جسدها كأنه يعاني من ثقل أغلال حقيقية... أوه لا هذا هو الحرام عينه.
    لكنها وجدت نفسها أسيرة عرضه، في ذلك المساء كانت أنظارها مصوبة صوب بسام، أخيها الصغير الأحب إلى قلبها، طفل التاسعة المحروم من ألف شيء وشيء، وجدت نفسها تجلسه في حضنها وتدفن رأسها في صدره وتتحسس عظام قفصه الصدري وتسأله وهي تقاوم ارتجاف صوتها المؤذن بالبكاء: -بسام، احك، احك لي عن أي شيء.
    ضحك قائلاً: ماذا سأقول؟
    قالت: أي شيء، احك لي قصة.
    رد ضاحكاً: أنت من تحكي لي القصص.
    قالت وهي تلصقه بها أكثر وتتشممه: احك أنت، أخبرني ماذا تريد أن تصير في المستقبل.
    قال: طبيباً.
    ضحكت قائلة: كل الأولاد يحبون أن يصيروا إما أطباء أو مهندسين إنها رغبات الأهل وليست رغباتهم.
    كانت تسمع صوته فيما رأسها مدفون في صدره، وذراعاها تطوقان خصره، قالت وهي تخاطبه وكأنها تحدث نفسها: لكن الطبيب يحتاج إلى عيادة، والعيادة تكلف الملايين يا بسام.
    قال: سأعمل وأشتري عيادة.
    ضحكت، ضحكت طويلاً، ناهية ضحكتها بنوبة بكاء صامت، دون أن ترتجف عضلة في جسمها، فقط دموع حارة، كاوية، يا للوعة، نار اللوعة حارقة..
    في حضن الصغير يتيم الأب أرادت أن تفكر بزواجها من الكهل الثري، الرجل المهترئ العتيق صاحب الملايين، كان الجواب دموعاً حارقه، وفي اليومين التاليين لعرضه، أحست أن ما سمعته منه مجرد تخريف أو ترهات، لكنه فاجأها بصندوق من الهدايا، وتوسل إليها أن تسمح له بمقابلة أخيها الأكبر وأمها، ليطلبها رسمياً "للزواج لكنها، وجدت نفسها ترجوه وهي غارقة في دوار الحيرة أن يسمح لها بأن تعرفه أكثر. قالت له متوترة: نحن نجهل بعضنا تماماً".
    قال ستعرفينني بعد الزواج، أنا طيب وكريم، اسألي عني في السوق، أنا.
    قاطعته: أعرف بأنك أغنى تاجر في المدينة، وبأنك بنيت جامعاً كتبرع.
    ابتسم راق له جوابها، كان قد تبرع ببناء جامع، مقدماً أحسن قطعة أرض بين أملاكه لتشييد الجامع.
    قال مختالاً من السرور: المهم أن يرضى الله عني.
    أرادت أن تسأله: هل تعتقد أن الله يرضى عن زواجي منك؟
    لكنها سكتت، كان صندوقاً مليئاً بالفاكهة والحلوى وأنواع اللحوم ينتظرها في سيارته الفارهة، التي لم تر بفخامتها أبداً، وحين جلست في المقعد الخلفي ليوصلها السائق إلى بيتها احتاجت لعدة محاولات لتتمكن من إغلاق باب السيارة الحديدي الفخم، كانت غارقة في المقعد الوثير، ورائحة الجلد الطبيعي الذي يغلف المقاعد تغمرها.
    في ذهول وحدتها حاولت أن تفكر فيه، لكنها أبداً لم تستطع أن تختلي به في خيالها بأوضاع عاطفية، كل مرة كان خيالها يفر هارباً من صورهما، تقزز فظيع تحسه، وهي تتخيله عارياً بكرشه المتورمة ولثته المهترئة وبقايا أسنانه الحجرية. تذكرت حين كانت صغيرة كيف كانت تقول بقوة: تفوه، على كل شيء تقرفه، عاودتها هذه الكلمة الطفولية مجدداً بعد نسيان سنوات، تفو عليه رجلاً مهترئاً... لكن حين تفكر بحياتها وحياة أسرتها، تحس أنها مبهورة الأنفاس، ستمسهم عصا سحرية بالتأكيد بزواجها من الكرش العارم ولن تحل مشاكلهم المادية فحسب بل سيصيرون من أصحاب الملايين، وتذكرت كيف قال لها إنه مستعد لدفع نصف أملاكه مقابل لحظات سعيدة معها وإنه سيعيش على الأكثر بضع سنوات ثم سيغادر إلى قبره، وكل ما يتمناه أن يعوض ويستمتع ما باستطاعة رجل في السبعين أن يستمتع به!
    وهي لحسن الحظ، أو لسوئه، جسدت له المتع كلها، فلم لا توافق؟
    ستعيش معه سنوات، سترث الملايين، وسيموت -ضحكت: ما الحياة سوى فيلم- لكن أوه كيف ستتزوج رجلاً مهترئاً في السبعين مقرفاً هكذا!! وتساءلت كيف تستطيع الفتيات الزواج برجال كهول يكبروهن كثيراً؟! ترى الأ يقرفن؟ وأكدت لنفسها أن الخيانات الزوجية تعشش حتماً في هذه الزيجات.
    أمام البهجة التي عمت البيت بصندوق الهدايا، تراخت، أحست أن عقلها قابل أن يعجز ويتأقلم مع الواقع وأن عليها أن تفكر به جدياً كزوج، فكرت أن تستشير أمها وصديقاتها، لكنها أحست أن الموضوع يعنيها تحديداً ولن تفيدها نصائح المقربين.
    وجدت أن الحل الأمثل أن تعاشره قليلاً، أن تتعرف إليه عساها تستسيغه عساها تتآلف مع أنفاق أسنانه، وترهل كرشه وكهولته، أسعده اقتراحها أن يتعرفا ببعضهما عن كثب، لكنها وقعت بذهول أكبر وهي تتفرج عن كثب على شخصيته، كم هو هزيل وتافه وغبي، حكى لها عن عشيقاته اللاتي حولتهن حبوب منع الحمل إلى مجنونات من العصبية، وحكى لها عن أملاكه الواسعة التي ورثها عن والده، واستفاض في وصف كرمه وعن حقائب الهدايا التي أحضرها للجيران والأهل حين سافر إلى الحج . حاولت جاهدة وهي تصغي اليه أن تجد شيئاً من الظرف في حديثه، شيئاً من المعنى الجميل، لكن ما أحسته بعد أسبوع من الضغط على أعصابها في الاستماع إليه أنه أبله حقيقي دون مبالغة، وتساءلت بعمق روحها: كيف تتجمع الأموال في أيدي بلهاء من أمثاله؟ وأثارها هذا السؤال لدرجة تمنت لو تكتب للصحف ولأصحاب الفكر ليفسروا لها كيف تتجمع الأموال في أيدي بلهاء وحمير؟!
    بعد أسبوع كان متلهفاً لمعرفة جوابها، ورغم تضاعف اشمئزازها منه، الا أنها لم تستطع أن تجزم بشأنهما، طلبت أسبوعاً آخر للتفكير، هذه المرة من دون أن يلتقيا، ولماذا تلقاه، وقد اكتشفته أبله. السؤال المحدد الآن: هل تقبل عرضه أم لا.
    الأسبوع الثاني كان أشد ألماً، سمته أسبوع إنعاش الآلام القديمة أو أسبوع المواجهة مع الذات، تذكرت أحلامها المجهضة، والآمال التي لم يتحقق منها شيء، لتعترف أنها ما عادت صغيرة، وأن فتاة في الرابعة والثلاثين تعتبر عانساً وعليها أن تركض وتلهث لتلحق بقطار الزواج. والخطيب الأول فسخت خطوبتها عنه رغم الحب المديد سنوات الجامعة، لأن الفقر كان من القوة والإلحاح لدرجة لم يقبل أن يتنحى أبداً ليترك لهما ثقباً يتنفسان منه ويعيشان بالحد الأدنى من الكرامة البشرية. تخرجا من الجامعة، هي تبحث عن وظيفة لم تجدها، وهو تنتظره الجندية والجيوب الخاوية، اختنق الحب ذوى رويداً رويداً حتى تحول إلى وردة لاأمل باعادتها إلى الحياة. الخطيب الثاني شاب جامعي، له امتياز أنه حصل على وظيفة وهي بدورها تمكنت من العمل براتب هزيل عند محام، كسكرتيرة، وقبلت على مضض أن تكون خادمة تكنس الأرض وتمسحها، وتقدم القهوة والشاي لزبائنه، كانا يختنقان من ذل الحاجة وهما يوفران أقصى ما يستطيعان من رواتبهما ليتزوجا. لا تنكر أنها أحبته، بقوة يأسها أحبته، خلقت مشاعر حبها له، كمن يود عامداً أن يخلق شيئاً جميلاً في حياته، وتمكنا بعد ثلاث سنوات من الخطوبة من استئجار بيت صغير في أطراف المدينة وشراء براد وغسالة، وعدة كراسي بالقروض التي غرقا فيها، كان يمكن أن يتزوجها لولا أنها صحت ذات يوم على فضيحة زلزلت الحارة، بل المدينة التي يعيشان فيها، إذا اكتشفت أنه على علاقة مع أرملة تكبره بتسع سنوات ومنذ ثلاث سنوات، وأنها حملت، وقصدا طبيباً نسائياً ليجري لها عملية الإجهاض في عيادته الخاصة، وفي العيادة وفي ظل التوتر والخوف والممنوعات انثقب رحم الأرملة، وغابت في صدمة خطيرة وتطلب الإختلاط نقلها إلى المشفى لإسعافها، حين واجهته مذهولة وسألته بصوت ميت في الألم: أكنت تخونني ثلاث سنوات؟
    قال ببرود وهو ينظر نظرة قاسية: أنا رجل، واحتاج للجنس، ولا يمكنني أن أقيم علاقة مع خطيبتي قبل الزواج.
    وحين همت أن تصرخ أو ترد عليه، تخثرت الكلمات على شفتيها.
    حاولوا تعزيتها: الحمد لله لم تتزوجيه، الله نجاك منه، رجل خائن لا يستحقك...
    لكنها وجدت نفسها وحيدة في الرابعة والثلاثين تجر خيبات مرة لا تعرف كيف تتحرر من آثارها الجانبية...
    تمطت في جلستها الأبدية، كان الرجل الرياضي قد أنهى تدريباته، وألقى بجسده في بحر كانون، وأخذ يسبح بنشاط، وجدت نفسها تقارنه بالخطيب السبعيني وتضحك متسائلة: ماذا لو أجمع بين رجل يملك شباب هذا الرجل الرياضي وثروة ذلك الكهل؟ ترى ماذا عساي أقول له، هل أطلب إليه أن يمهلني أسبوعاً آخر، وتخيلت نفسها تطلب إليه أن يمدد لها مدة التفكير أسبوعا بعد أسبوع حتى يموت.
    ضحكت بصوت عال، إذ راقت لها الفكرة، وتخيلتها وقد تحولت إلى فيلم سينمائي كوميدي، لم تنتبه له يقف قبالتها يجر كرسياً مفسحاً مجالاً لكرشه بالتنفس دون أن يصطدم بحرف الطاولة. قال بصوتٍ أثار قرفها:
    حبيبتي وصلت قبلي. ونظر في ساعته، تأملت بقع الشيخوخة البنية تفرش ظهر يده المجعد، نظرت إليه من خلال نظارتها الشمسية: يا إلهي كم هو كهل ومهترئ، كبتت ضحكتها الساخرة وهي تتساءل: كيف يرغب هذا الرجل بالزواج من صبية مثلي؟ أتراه مجنوناً، أم خرفاً، أم أن سلطة المال تعطيه الإحساس أن كل شيء يمكن أن يحققه.
    صفق بيديه، فهرع نادلان وقفا بإجلال أمام غباء حضرته، قال لهما: أحضرا كل ما عندكما من مقبلات فاخرة، انحنيا بطاعة، فانصرفا مهرولين، كانت تحس بجوع، فالبحر يفتح شهيتها للطعام دوماً، أدارت وجهها صوب البحر باحثة عن الرجل الرياضي، كان قد غدا نقطة تتحرك بعيداً بين أمواج البحر، تنهدت عميقاً، أوه ليتها معه، ليتها تملك الجرأة لتقذف بنفسها في الماء المثلج وتسبح بعيداً، لتصل إلى دنيا من سعادة لا تحتاج إلى وساطات أو انكسارات! آه ماذا عساني أقول له، من حقه أن يعرف الرد، هل أتزوجه أم لا؟ ترى كيف يقرر البشر؟!
    سمعت صوته يسال مستعجلاً الجواب: إيه، ألم تقرر حبيبتي بعد؟
    ضحكت وقالت: حقاً ستعطيني كل ما أطلبه؟
    قال جربيني، اطلبي، فألبي.
    تساءلت: ماذا عساني أمثل له؟ هل أنا الشباب الذي ضاع منه، هل يود أن يتمرد متأخراً على سلطة والده، إنه ينتظر الجواب، يا إلهي. لم تحس أن النعم واللا متصادقتان ومتماثلتان كما تحسهما الآن، إنها تستطيع أن تقول له حالاً نعم، وبنفس الوقت تقول لا، في الحالتين، هي هي، مندهشة خائبة، لم تقرر، وهو ينتظر الجواب. خطر لها لو تقسم ورقة نصفين، وتكتب في الأول نعم، وفي الأخر لا. وستجري القرعة، وعلى ضوئها تقرر حياتها.
    أسرع النادلان يملآن الطاولة بثلاثين صحناً من أشهر المقبلات، ربت على يدها لتهم بالأكل، أقشعر بدنها، أمسكت السكين، صدمتها برودة المعدن، تأملته يلتهم الطعام كوحش صائم منذ أيام، وأصابعه تنتقل بخفة بين الصحون. تطاير رذاذ الطعام من فجوات أسنانه، مد يده إلى صحن الحمص وقد فرش صحنه بالصنوبر واللحم المفروم، وقال لها: كلي، كلي... وغرف من الصحن لقمة كبيرة ودسها في فمه، تجمعت مفرزات بيضاء على زاويتي فمه، كان معدن السكين البارد يبث طاقات شيطانية في راحة يدها، تخيلت أنها تقرب النصل من كرشه وتضغط، ستثقب كرشه الهائلة وسيتدفق منها المال، أوراق نقدية لا تعد ولا تحصى.
    كانت تبتسم بوجهه ببلاهة، عليها أن تقول نعم أو لا، تململت متسائلة: يا إلهي ليس من السهل أن يرفض الإنسان الملايين، وماذا لو احتملته مقابل مستقبلي ومستقبل أخوتي! بحثت بعينها عن السباح، أحست بخيبة كونه اختفى، أين هو؟ لكأنه سيساعدها على اتخاذ قرارها. تنهدت متعبة، متعبة حتى النخاع، بحثت في المكان الواسع حولها عن معين يساعدها على اتخاذ قرارها، فلم تجد من بعيد خارج المقهى كان بائع الفول المسلوق يدفء يديه فوق البخار المتصاعد من القدر. رتب حول القدر المعدني علباً بلاستيكية من الملح والفلفل وملح الليمون، والسماق، أمكنها أن تميز أن بائع الفول يغني، وأن قبعته الصوفية المهترئة تتمايل طرباً مع صوته، أحسته يملك البحر والصخور والدنيا كلها، فجأة انتفضت واقفة، حملت حقيبة يدها وفرت كالهاربة وهي تقول بصوت عالٍ للكهل المنهمك بابتلاع الطعام: لا، لا، لن أتزوجك. صعدت درجات المقهى قافزة بقوة عجيبة أحستها تتفجر في ساقيها، أسرعت إلى بائع الفول، أعطته عشر ليرات، فملأ لها صحناً ورقياً من الفول المسلوق، ورش فوقه الأبيض والعنابي والأصفر، وكانت تحس بسعادة من نوع خاص، تشبه سعادتها حين كانت تتماثل للشفاء بعد هجمة مرض حادة، آه، يا للسعادة إنها لا تزال قادرة على الابتسام على الغناء، ومن بعيد بدا لها الرجل الكهل كجذع شجرة ضخم مقطوع وملقى بإهمال...
    ضحكت وهي تحس بسعادة من سريان دفء الفول إلى راحتها، تذوقت طعمه اللذيذ، غمزت الكرش الهائلة وثلاثين صحناً من المازوات وهي تقول بصوت ضاحك مفعماً بالحيوية: الفول يغلب.
    الصور المرفقة  

  2. #2

    افتراضي

    قصة معبرة عن واقع يحدث يوميا

    ولكن للأسف الفول لا يغلب دوما


    سعدنا بهذا النقل الجميل للكاتبة هيفاء بيطار

    اختيار جيد بنفنشي الشام
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  3. #3
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي

    [align=center]

    قصة جميلة ..
    نقلت الحس الإنساني البسيط في تناغم

    شكراً هذا النقل للكاتبة


    أرق التحايا

    [/align]
    أحاول فهم هذا العالم

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك