ملف حيفا لنا لعدد أيار حول الفن السابع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ

٤٥ يوما نحو اتجاه جديد في السينما المصرية

إعداد محمود الغيطاني

هل ثمة تجاه ما- ربما يكون قويا و عاصفا- يحاول التشكّل داخل رحم السينما المصرية، و من ثم محاولة التكريس لنفسه كي يصبح مستقرا بالشكل الذي يسمح له في نهاية الأمر بتحديد ملامحه وإيضاحها في مواجهة غيره من الاتجاهات الفنية الأخرى؟
ربما كان هذا التساؤل الهام ضروريا ومن ثم لابد من وروده إلى أذهاننا حين مشاهدة فيلم "45يوم" للمخرج "أحمد يسري"، بل أعتقد أنه لابد ستجول في رؤوسنا العديد من الأفلام الأخرى التي سيشكل ورودها إلى الذهن ما يشبه التيار الجديد الذي يحاول أن يكون له مكانا وسط غيره من التيارات السينمائية المختلفة؛ ولذلك تذكرت مباشرة فيلم "خيانة مشروعة" للمخرج "خالد يوسف" 2007 ، وسرعان ما ورد إلى ذهني فيلما آخر "ملاكي إسكندرية" للمخرجة "ساندرا نشأت"2005 ، كذلك فيلم "فتح عينيك" للمخرج "عثمان أبو لبن"2005 ، هذه الأفلام التي لم يكن الرابط بينها جميعا سوى الإثارة والجريمة الاجتماعية والغموض، وعدم قدرة المشاهد على الوصول لأي يقين سوى في المشهد الأخير من الفيلم؛ ومن ثم يكون السيناريو المكتوب هو المتحكم الوحيد والمحرك الأساس لأحداث الفيلم والمشاهد، والممثل جميعا، وهذا يستدعي بالضرورة كتابة سيناريو شديد الإحكام يستطيع من خلاله السيناريست الإمساك بجميع الخيوط الدرامية وكأنه يمسك بين يديه خيوط عرائس الماريونيت ليحركها كيفما شاء بمهارة يحسد عليها، وان كان في حقيقة الأمر لا يحرك سوى المشاهدين المتخبطين منذ بداية الفيلم حتى نهايته.
كما أننا لابد سنلاحظ رابط آخر بين هذه الأفلام وهو، أن كاتب هذه الأفلام جميعا- 45 يوم، ملاكي إسكندرية، فتح عينيك- هو السيناريست "محمد حفظي" الذي تدل كتابته لهذه الأفلام- إذا ما تأملنا الأمر- وإذا ما أضفنا إلى هذه الأفلام الثلاثة فيلما رابعا من تأليفه أيضا- فيلم "تيتو" للمخرج "طارق العريان"2004 – بالرغم من أن فيلم "تيتو" ينحو أكثر باتجاه أفلام الحركة.
نقول إذا ما تأملنا ذلك سيتضح أن هذا الاتجاه يكاد يكون نهجا خاصا بالسيناريست "محمد حفظي"- المتأثر بالسينما الأمريكية- بدأه عام2004 بفيلمه "تيتو" ومازال مستمرا معه حتى اليوم، وربما بدأ يتأثر به غيره من كتّاب السيناريو والمخرجين فرأينا "خيانة مشروعة" للمخرج "خالد يوسف"2007 .
ولكن، ربما كان هناك سؤالا هاما لابد أن يفرض نفسه فرضا، وبالتالي نحاول تأمله للإجابة عليه وهو، هل من الممكن اعتبار أربعة أو خمسة أفلام تتناول نفس التيمة- الغموض- ونفس طريقة بناء السيناريو وإحكامه، هل من الممكن اعتبار هذه الأفلام ممثلة لاتجاه جديد بالفعل في السينما المصرية؟ وهل تعد هذه الأفلام القليلة ظاهرة جديدة بدأت تطل برأسها كي ننتبه لها؟ وهل يستطيع هذا العدد القليل من الأفلام التكريس لنفسه ومن ثم حفر خندقا جديدا داخل السينما المصرية مواجها في ذلك التيار الهادر لسينما المضحكين والهلس والتفاهة التي يمثلها مجموعة ضخمة من نجوم السيناريو المتهافت مثل "بلال فضل، أحمد عبد الله، سامح سر الختم، أحمد البيه"، كذلك مجموعة من الفنانين المستفزين- أكثر تهافتا وإسفافا من كتاب السيناريو- مثل الزعيم الأكبر "محمد سعد، محمد هنيدي، عبلة كامل، سعد الصغير" الذي انضم إليهم مؤخرا؟
ربما كانت الإجابة على مثل هذه التساؤلات الهامة في حاجة إلى تأمل ما حدث في السينما المصرية حتى تشكّل فيها ومن ثم استقر تيار أفلام التفاهة والسطحية الممثلة لأفلام "محمد هنيدي" منذ عام1998 وفيلمه "صعيد في الجامعة الأمريكية" حتى اليوم و الفيلم الأكثر استفزازا "عليا الطرب بالـ3" لمخرجه "أحمد البدري"2007 .
نستطيع دائما التأكيد أن أي تيار في أي مجال لا يتم التكريس له ومن ثم استقراره إلا من خلال التراكم، هذا التراكم الذي يؤدي يوما بعد آخر إلى وضوح الرؤية ومميزات هذا الاتجاه وأيضا سلبياته، وبالتالي يكون الكم هو المحرك الأساس لهذا الاتجاه الذي يرسخ كشئ جديد استطاع أن يصنع لنفسه كيانا ووجودا معترفا به من الجميع- سواء كنا نتفق أو نختلف مع هذا الكيان الجديد الذي تم تشكيله- ولعل هذا ما حدث تماما مع موجة أفلام المضحكين الجدد، فبدأ الأمر بفيلم "صعيد في الجامعة الأمريكية" للمخرج "سعيد حامد"1998 الذي استطاع كسر حاجز الإيرادات لأول مرة في تاريخ السينما المصرية ووصل بها إلى27 مليونا من الجنيهات، وبالرغم من أننا تلقينا الفيلم كشئ غريب- نتوء/ظاهرة- مرت مرور الكرام في السينما المصرية، وبالرغم من أن الفيلم أثار غضب الكثير من النقاد الجادين على مخرج متميز كنا نأمل منه الكثير، إلا أن الطفرة النوعية في الإيرادات التي حققها الفيلم جعلت البعض من صنّاع السينما المصرية- منتجين و كتّاب سيناريو ومخرجين- يحاولون تكرار التجربة مرة أخرى علّها تنجح وتحقق لهم المزيد من المكاسب المادية، وبالتالي وقع في هذا الشرك العديد من المخرجين الجادين مثل "شريف عرفة"، "محمد النجار" وكأن التيار الهادر للسطحية قد جرف أمامه بعض هؤلاء الذين كنا نعلق عليهم الكثير من الآمال لجديتهم، إلا أنهم لضعفهم أمام هذا التيار انساقوا خلفه، ثم لم يلبث أن ظهر لنا "علاء ولي الدين" بأفلامه التي قدمها وغيره من النجوم الجدد الذين أرادوا حذو ذات الطريق الذي سار فيه "محمد هنيدي" فكان "محمد سعد"، "عبلة كامل"، "أحمد حلمي"- في بعض أفلامه مثل 55 إسعاف- بل و"عادل إمام" الذي كان أكثرهم سطحية وتهافتا في أفلامه الأخيرة- وكأنه يخشى أن يسحب هؤلاء الشباب البساط من تحت قدميه- حتى وصلنا إلى الكارثة الكبرى "سعد الصغير" في "عليا الطرب بالـ3" 2007 .
ولعلنا إذا ما تأملنا بهدوء مثل هذا التراكم الكبير الذي حدث على مدار تسع سنوات لتأكدنا من صدق ما سبق أن ذهبنا إليه، وهو أن ظهور أحد الأفلام الذي يجذب الأنظار يجعل البعض يحاول تكرار التجربة مرة ثانية وثالثة، ومن ثم أدى ذلك إلى تراكم الكثير من الأفلام التي شكلت هذا الاتجاه الذي، أصبح فيما بعد اتجاها قويا داخل السينما المصرية- بالرغم من سطحيته وابتذاله- إلا انه نجح ببراعة في حفر مجرى عميق له ليكرس لنفسه ومن ثم تتضح خصائصه.
ولهذا إذا ما تأملنا ما يدور الآن مع أفلام الإثارة والغموض والتشويق التي بدأت في التراكم داخل السينما المصرية لوجدنا أنها تكاد تشكل لنفسها تيارا واتجاها يحاول التكريس لنفسه بهذا التراكم، ولكن هل سيستمر هذا الاتجاه؟ وهل سيصبح اتجاها قويا داخل السينما المصرية؟
علّ الوقت وحده هو الذي يستطيع الإجابة على مثل هذا التساؤل بما سيتم تقديمه من أفلام أخرى تتفق أو تختلف مع هذا الاتجاه.
وربما لذلك تأملنا فيلم المخرج "أحمد يسري" "45 يوم" في تجربته الإخراجية الأولى للسينما الروائية الطويلة لنلاحظ تقديمه أسرة نموذجية مكونة من الأب "عز"(عزت أبو عوف)، والأم "سوزي"(غادة عبد الرازق)، والابن "أحمد"(أحمد الفيشاوي)، والابنة "نهال"(ماريانا) لنعرف أن الأب يعمل طيارا مدنيا، وقد بدأ الفيلم بجريمة قتل بشعة يقتل فيها الأب والأم معا ومن ثم يتم اتهام الابن بقتل والديه ليحيرنا الفيلم منذ بدايته حول الدافع القوي الذي يجعل ابنا من أسرة مرفهة ومثقفة بالإضافة لكونه طالبا في الجامعة الأمريكية يقدم على مثل هذه الجريمة البشعة، وبذلك يتعمد السيناريست "محمد حفظي" متعاونا مع المخرج "أحمد يسري" في جذب انتباه المشاهد منذ المشهد الأول ويجعله في حالة تحفز وتساؤل وقلق دائم حتى نهاية الفيلم.
ولعل السيناريست "محمد حفظي" قد برع في جعل أحداث الفيلم تسير أيضا كما تمت في الواقع بمعنى عدم استباق الحدث، ومن ثم كنا دائما كمشاهدين غير قادرين على معرفة الحقيقة إلا من خلال ما يقدمه لنا السيناريو الذي تم عرضه من خلال الفلاش باك flash back ، ومن ثم كان هذا التكنيك في بناء السيناريو مانعا للمشاهد في القدرة على التخمين أو استباق الحدث، حتى ولو قمنا بمحاولة التخمين سيقوم السيناريو فيما بعد بتكذيب كل ما توصلنا إليه وبالتالي تصير جميع تخميناتنا لا علاقة لها بالحقيقة.
فرأينا الابن "أحمد"(أحمد الفيشاوي) يلتزم الصمت التام والهدوء القاتل أثناء محاكمته، بل و يصر على عدم التصريح بأي شئ أو حتى محاولة الدفاع عن نفسه بإنكار التهمة الموجهة إليه مما يجعل هيئة المحلفين بالحكم عليه بالإعدام بعد إيداعه مصحة نفسية لمدة "45 يوم" للتأكد من سلامة قواه العقلية.
وهنا يقدم لنا السيناريست "محمد حفظي" خطا دراميا آخر موازي يتمثل في الدكتور "راهب"(هشام سليم) الذي سيتولى متابعة الحالة العقلية "لأحمد"(أحمد الفيشاوي)، والذي سيتم تأجيل أجازته "45 يوم" من أجل متابعة الحالة ووضع تقريره مما يؤدي إلى المساهمة في زيادة الصدع/الخلاف بينه و بين زوجته "سلمى"(شيرين الطحان) التي وعدها أكثر من مرة بالذهاب في أجازة إلى اليونان، إلا أن كل مرة يتم تأجيل أجازته نظرا لظروف عمله؛ ولذلك نراها تقول بسخرية( الأجازة تأجلت وبقالك خمس سنين بتقول حنروح اليونان) ومن ثم نعرف فيما بعد أنهما يعيشان في بيت واحد وكأنهما ضيفان أو شخصان يقيمان في أحد الفنادق وبالتالي يلتقيان دائما بالمصادفة لعدة دقائق ثم لا يلبثا أن يفترقا كل إلى عمله وعالمه الخاص، بل نراه في إحدى هذه اللقاءات يسألها عن طعام أعدته بدلا من الطعام الجاهز الذي يتناوله دائما فترد عليه مستنكرة( طبيخ؟ انت اتجننت؟) مما يؤدي به إلى الشعور بالوحدة الدائمة التي يتغلب عليها بالذهاب إلى البارات واحتساء الكثير من الخمور، ربما لمحاولة الخروج من حالة الوحدة القاسية التي يشعر بها.
إلا أننا نلاحظ اهتمام الدكتور "راهب"(هشام سليم) بعمله، ربما لأنه السبيل الوحيد أمامه للبقاء حيا والشعور بأهميته في حياته الوحيدة القاسية؛ فنراه يحاول دائما اكتساب ثقة "أحمد"(أحمد الفيشاوي) الذي يصر على التزام الصمت وعدم التصريح بأي شئ عن حياته أو الجريمة التي تمت، إلا انه بمرور الوقت يستطيع اكتساب ثقته ومن ثم يبدأ "أحمد" الحديث معه عن نفسه وعن أسرته منذ صغره و كيف كانت معاملة أبيه "عز"(عزت أبو عوف) الذي نراه يتعامل معه بقسوة وصرامة غير معهودة أو مبررة، مما يجعلنا نتساءل طوال الفيلم حتى المشاهد الأخيرة( لم يتعامل الأب مع ابنه بمثل هذه القسوة في حين انه يتعامل مع الابنة بمنتهى الرقة والحنان؟)، فنراه في أحد المشاهد بينما الأم أعدت الطفلين للذهاب إلى مدرستيهما تسرع الابنة إلى أبيها لتقبله خارجة إلى مدرستها وحينما يحاول الابن تقبيل والده وتوديعه نرى الأب يسرع بوضع يده أمامه كحائط صد ليقول بقسوة وجهامة( قلت لك مليون مرة قبل كدا الرجالة مابيبوسوش بعض) مما يجعل الابن يرتد في حالة خزي بينما تقف الأم متأملة الموقف بحسرة صامتة لا حول لها ولا قوة.