آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: حالة سديم

  1. #1
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي حالة سديم

    كله ضجيج ..

    لا أسمع شيئاً .. كله دويٌ مريب ..مرتج .. لا مفهوم .. عبثاً أحاول إدراكه !

    وَلـدَاي حولي يضحكان ويعبثان ..

    و أنا كنخلة تمتد طولاً ولا تعي ما يساق حول جذعها المسكين !

    كلمات الجريدة تتشابك مع بعضها .. تتداخل الحروف .. ولا أدري أي نقطة طارت لتكبل يدي وتصمني بالجمود !

    أرفع عينيّ لشاشة التلفاز .. كأن هذه المذيعة تتحدث بلغة أخرى ..

    أعيد رفع الصوت لنبرته الأعلى .. علني أسمع ما تقول ..أو يصيب عقلي شيء من فِقِه

    فألحق بالخبر الفائت ..دون فائدة ..

    أنظر لطفليّ يصمان آذانهما .. فأبتسم ببلاهة .. يبكيان خوفاً .. فأضحك !

    زوجتي تهرع لهما .. تنظر لي بتأنيب ..

    هكذا فعلت بطفليك !

    أبتسم ببلاهتي المعهودة .. تحنق أكثر .. تمسك بالريموت وتخفض حجم الصوت ..

    أخطفه منها .. و أعيد رفعه تماماً مبتسماً متحدياً ..

    لستُ إلا لحن بمنتهى النشوزية إن صح التعبير .. يمكن أن يؤخذ مني بعض المقاطع الرائعة

    وبعضها التي تتهم بالبغض الغريب الذي لا أدري كيف اجتمع أو تآلف فيّ .

    تغضب نسرين .. تمسك بطفليها أو طفلينا .. وتأخذهما لحجرة مجاورة متمتمة :

    أنت لا تطاق !

    أضحك .. تماماً ,, ضحكة مهرج لا يعرف الضحك إلا بلون التمثيل

    أضحك .. صوتاً .. دون تلمس الحقيقة في داخلي .. و أهرب تماماً من كل شيء

    أعرف أن ضحكاتي التافهة والسخيفة .. ليست إلا ستار آخر أخفي به تهتك روحي

    و حياتي المهترئة !

    أنا لا أطاق .. تماماً هذا ما أريد قوله لنفسي .. أنا لا أطاق .. داخلي ألف أفعى تتربص بي

    حولي يكاد ينعدم الأكسجين الذي أتنفسه .. أتمسك بتلابيب الحياة و أنا مجرد مومياء لا تدري كيف رمت الكفن وعادت تدعي الحياة ..

    أنا لا أطاق .. أنا نفسي لا أطيقني .. ولا أطيق هذا الموج الذي يأخذني ساعات وربما أيام ..

    ويعود ساكناً هادئاً تماماً .. بل أكثر .. خامداً كأني واحة هدوء وفرح !

    لم أغضب .. لم أبكِ ..

    أجيد تماماً الهروب من كل انفعالاتي التي تبديني ضعيفاً .. لا أريد أن أسلم نفسي لحالة إنسانية ..أود فقط معانقة تلبس الشيطان في عقلي .. والذي يدفعني لأبدو شريراً أكثر مما أتمنى !

    أتلذذ بتعذيب من حولي .. لا رغبة في ذلك .. و إنما إدماناً لحالة العقاب التي أجلد بها روحي

    كلما ضاق بي النفس ..

    أعرف جيداً أنني كلما آلمتهم .. آلمتني أكثر .. وهذا ما يمتعني ..

    يروقني تماماً انتقامي من ذلك الجميل الساذج الذي كنته .

    تعود نسرين .. بصينية الشاي !

    تصر أن تكون صالحة .. و أصر أن أكون الوحش الذي لن تأسره لحظات الطيبة ..

    لن تكوني الجميلة في قصر الوحش أبداً .

    تسكب الشاي .. أجد تسرب روحي خلال ذلك الشلال الصغير المنسكب .. أحملق

    فيه جيداً .. تطّرد وتيرة الاستياء ويطغى شبحي الأسود ..

    تضيق عينيّ .. أصرخ وصوتي مكبوت تماماً .. توقفي .. لا تفعلي هذا بي

    لا تسمع .. هي جيداً تتجاهل صوتي .. وتصرّ على تعذيبي بثوبٍ ملائكي !

    أطرق الطاولة بعنف .. تندفع روحي مع قطرات الشاي المتناثرة حول يدها ..

    تنظر لي ببلاهة تامة .. بلاهة تمتص غضبي وتعيدني لذلك الوحش الذي تنفرج شفتيه عن ابتسامة متشفية .

    برق في أنحاء حدقتها شيء غريب .. شيء يشبه الخوف .. لمرة أولى أرى أحداً يرتكب أمامي هذه الجريمة .. عدا مريم ومحمد .. طفلي الصغيرين .. اللذان قطعاً يرهبون كل كبير!

    أبتسم .. أمد يدي أتلمس كفها .. بحنان

    و أعود أرفع يدي تماما لتلمس خريطة أعرفها جيداً .. أكاد أدرك تفاصيل وجهها الدقيقة والناعمة .. ولا أعيها تماماً

    أقرب عيني من وجهها .. أداعب وجنتيها ..

    أدرك أنها تنتفض .. هي الآن خالية الذاكرة تماماً من وجهي .. تكاد تجزم أنها لم تعرفني قبلاً

    و أكاد أجزم أن لي بها سابق معرفة !

    عينيها .. دقائق شفتيها .. تعبران مساحة من ذاكرتي ..

    أنزل عند عنقها .. أضحك .. فاصل الحياة والموت ..

    أطبق كفي عليه تماماً .. فتطبق جفنيها بخوف

    أهمس لها .. أخائفة .. فتصر على تعذيبي بصمتها المستفز .. تصر على إشعال حرائق في جليدي الأصم بطيبتها المعهودة .

    أود لو أنها تصرخ .. أود لو أنها تكون شريرة للحظات .. كي أنتقم من كل الشر الذي أحاط بي وحطمني فيها ..

    صمتها غريب .. انهارت عنده يداي المتعلقة بحبائل نجاة ..

    نهضت وخرجت بصمت .. دون أدنى تعليق !

    وددتُ لو أنها بكت ...

    فقط لو بكت .. لعل دموعها تستطيع تطهير جرحي النازف تحت أكوام الجراثيم فتقضي على استفحال حالتي التي بدت مستعصية !

    داخلي بركانٌ لا يهدأ ... دوامةٌ لا يجرفها التيار ،، ولا تستكين ..

    والهواء حولي مشحونٌ بالثقل .. ولا فضاء يمكن أن يتسع قليلاً لاحتواء قدمي ..

    لم أعدْ أطيقُ هذا الاختناق .. حياتي المهترئة تَعِبت من الفواصل .. ولابد لها من نقطة انتهاء !

    لا أذكرُ شيئاً بعد .. لم تعدْ الذاكرة تحمل إلا بضع لوحاتٍ ممزقة للذات ..

    كيف امتدت يدي ؟ كيف اعتراني النشاط ،، وانتفضت فيّ الشياطين لترقصَ على أشلائي

    من أينَ أتى الحبل وتساقطت أفكاري الشيطانية تحتَ يدي بجدارة ؟

    الحبلُ المعلقُ بالمروحة ..ملتفٌ على عنقي بنعومةٍ .. يداعبه بحنانٍ ويعطي الأمل

    لروحي بالانعتاق !

    لحظاتٌ فاصلة .. لحظاتٌ يا غايتي المثلى بالتحرر ..

    و أعودُ محلقاً ..

    فُتح الباب .. تدلفُ منه مريم بسرعة .. تتشبثُ برجلي .. تحتضنهما وتشدُ عليهما بذراعيها

    قائلة : بابا .. لا تذهبْ ... بابا .. لا تروح .. بابا .. لن تذهب الجنة !

    الدخان العالق بعينيّ اختفى فجأة ..وانحسرت الضبابية عند صوتِ بريئة أرعبتها فكرةُ الموت..

    ساقيّ بين ذراعيها تحتميان ... تشداني لعالم الأحياء .. تقفان بي على أرضٍ تكاد أن تكون صَلبة !



    كُشف لبصري .. كان محمد يتشبث بأمه باكياً ... و أمهُ الحيرى أرهقها الجنون الضاج حولي ..

    و أطفأ وهج الحياة في عينيها ..

    شعرت بخشونة الحبل حول عنقي ...يكاد يجرحُ جلدي .. يكاد يخنقني .. فتحته بعصبية

    ومددتُ يدي لصغيرةٍ حنون .. أدركتْ جريمتي رغم طفولتها من خلال رسوم الكارتون ..

    احتضنتها .. مسحتُ لآلئ عينيها قائلا : بابا .. لا تخافي .. إن الله يحبكِ ..لذا لن أرتكب

    أفظع جريمة !

    ملأ الهواء رئتي لأول مرة بعد هدوئها و تسربت لشفتي نسرين ابتسامةٌ ذابلة !




    أحاول فهم هذا العالم

  2. #2

    افتراضي

    [FONT=Traditional Arabic][SIZE=4]

    توأم الروح كم أنتِ مدهشة
    القصة مؤثرة جدا.. تركت في نفسي بالغ الآثر
    بفكرتها وبناءها المنسجم والمتماسك مع الشخصيات والأحداث
    التي تجسد نفسية رجل متلبس بذاكرة سديمية متشظية بحوار داخلي
    يجلد الذات ومن حولها
    بقسوة وسادية تجرده من الرحمة والأمل حتى الموت ..

    دمتِ متألقة..

    :

    أطيب التحايا

    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  3. #3
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي



    توأم الروح

    مروركِ يربك حروفي
    إذ به شهادةٌ أعتز بها دوماً
    ودوماً أرجو أن يرتقي حرفي لها


    كل الشكر لعبق هطولك


    أرق التحايا
    أحاول فهم هذا العالم

  4. #4

    افتراضي

    غوص رائع في ذات نفس بشرية تتصارع وتتداخل في متاهات اليأس والقنوط
    وصف متأني .. ( وربما قاد للإطالة ) حول شخصية البطل الحائرة القلقة المسترسلة في قنوط وسوداوية .. ( ينقص أن نعرف شيئاً أو تلميحاً عن الأسباب) ...

    عرض الفكرة جميل .. والتسلسل في العبارات واضح
    لكن عاطفة الكاتبة تغلب على الصياغة ... هناك رقة في الكلمات رغم الحزن والأسى الذي يكتنف العبارات ...

    شخصية ..الزوجة غير واضحة تماماً .. أو هي مبهمة ( ربما لو كان لها موقف إيجابي .... أو معبر بطريقة ما ) ..

    لربما العنوان غير مناسب تماماً .. لروح النص ..

    (
    ولو كنت سأكتب لبدلت الكلمات التالية:
    (تصمني) .. يفضل أن تكون تسمني

    صوت التلفاز عبرت عنه ( نبرته الأعلى) .. مع أن كلمة نبرة تستعمل للشيء الحي كتعبير لأن النبرة يمكن أن يتحكم بها الكائن الحي ..
    بينما التلفاز والجمادات لها صوت إما منخفض أو مرتفع ..

    وأما كلمة ( النشوزية) .. فلازم نقول ( النشازية)
    لأننا لو رددنا الفعل لأصله .. فنقول نشوز ..... وهو فعل غير لائق .. أو شيئا من هذا القبيل
    وأما نشاز .... هو الفعل الخارج عن المألوف والمعتاد ، كأن نقول ( عزف نشاز) أي مختلف ..

    --

    وبقي أن اشكرك لفكرة النص الجميلة ..
    ولتجسيدك دور الطفولة الفاعل في قرار الأب الذي كان له دور البطولة وتغيير مسار الحياة والتفكير لبطل القصة عبر صغيرته مريم ..

    شكرا ..
    وننتظر المزيد من جميل القصص القصيرة
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  5. #5
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي



    أخي الكريم / سالم


    أشكر لك جداً النقد الذي طرحته في نقاط ما لعلها غابت عني
    بالنسبة لمصطلح النبرة هي المرة الأولى التي أعلمها
    ولعل مصطلح النشازية أدق من النشوزية ،،

    الوصم ة اختيرت لأنها أكبر من السمة

    بالنسبة لشخصة الزوجة كان يجب أن يطالها نوع من الابهام في ظل التركيز على
    شخصية الزوج ،،الذي هو مشغول بنفسه عن كل شيء


    شكراً جزيلاً لا يقف عند حد لرأيك وتوجيهك الذي أعتز به


    أرق التحايا
    أحاول فهم هذا العالم

  6. #6
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    1

    افتراضي

    القصة أكثر من رائعة

  7. #7
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جمال جديد مشاهدة المشاركة
    القصة أكثر من رائعة

    شكراً جزيلاً مرورك و رأيك


    أرق التحايا
    أحاول فهم هذا العالم

  8. #8
    Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    اللاذقية
    المشاركات
    45

    افتراضي

    اختي الكريمة
    سرني ان اتعرف بقلمك ومايكتب
    لعلني لا استطيع ان انقدك كما فعل الاخ سالم ولا ان امدحك كما فعلت الاخت منى لكنني اعلم ان القلم لا يجود الا في يد كاتب محترف يغوص الى نفس الانسان فيصور مايتقصاه في داخلها من حالات ووجدانيات
    امتعني كلا مك ...ننتظر جديدك
    الصور المرفقة  

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك