النقد الفني وأصوله الجمالية
إن الأصل في النقد الفني أن يكون مدخلا للتذوق والاستجابة للقيم الجمالية المتوافرة في العمل، وهو أيضا أداة الحكم التي نعرف من خلالها فيما إذا كان الفنان قد أجاد وكون شخصيته الفريدة، وأصبح له عطاء، أم أنه ما زال ينقل من هذا وذاك ولم يبلور شخصيته بعد.
والذين يتصدون للنقد يفترض فيهم أن يكونوا على درجة عالية من التذوق بحيث يجيدون التنقيب عن الاتجاهات الأصيلة وكسفها وتشجيعها خدمة للحركة الفنية وتطورها. وهم لكي يجيدوا النقد الفني لا بد لهم من إلمام عريض بتاريخ الفن في مختلف العصور لا من زاوية حفظ التواريخ والأسماء وترديدها، ولكن من زاوية تذوق مدارسه وفنانيه واتجاهاتهم، أي معرفة الحركات التي قامت وأسباب قيامها، وتلك التي اندثرت وأسباب اندثارها .
وفي ضوء الثقافة العريضة يستطيعون رؤية الحاضر بعين تزن بدقة، لأنها تنظر وهي محملة بتجارب السلف فيكون للنظرة قيمتها إذا قورنت بنظرة الناقد ذي الرأي العابر الذي يطبق مزاجه الخاص دون استناد لأدلة أو حجج أو معرفة كافية بالتجارب الفنية في هذا المضمار.
والناقد قاض أو حكم لديه معرفة بالأصول ويحاول تطبيقها. وتظهر هنا مشكلة هذا القاضي: هل المقصود أن يطبق قواعد مستمدة من الماضي على عمل أنتج في الحاضر؟
وهل الماضي مشابه للحاضر حتى يستقيم هذا التطبيق؟ أم أنه يستشعر صفات إبداعية في أعمال الحاضر التي ينقدها بصرف النظر عن مدى ارتباطها بالماضي، ويكشف النقاب عنها ويوجه الأنظار لرؤيتها وتذوقها؟ وهل الناقد يحدد نظرته على أساس أن الماضي يحمل وجهة النظر الصائبة وحينئذ لا بد للحاضر أن يرددها كما يرددها المستقبل؟
لو كانت قيم الماضي هي نفسها قيم الحاضر والمستقبل لما حدث تقدم.
وحينئذ فإن الناقد لا بد له من الإلمام بالماضي لا ليطلب تكراره، ولكن ليعينه على فهم الحاضر والمستقبل.
إن النقد الفني إذاً اكتشاف للقيم الجديدة التي عبر عنها الفنان المعاصر، وإبرازها للملأ لتذوقها، ومعرفة قدرها، والعيش بها.
والناقد له نظرة مستقبلية أي أنه يتكهن في القيمة المعروضة أمامه إمكانات للنمو والازدهار في المستقبل وهو حين يشير بها في وقت يكون الناس في غفلة عنها يقدم صرحاً للموهبة والعطاء يحتاج إلى من يسانده وهو في مهده قبل أن تفترسه وحشية الظروف القاسية فتبتلعه، وحينئذ تخسر المدينة موهبة، وتفقد عطاء.
إن كل صغار الفنانين يتصلون في حياتهم ببعض الفنانين الذين اشتهروا وعرفهم المجتمع وسلّم بكفاءاتهم وبعض هؤلاء الكبار يتوسمون في الصغار امكانية معينة فيشجعونهم لإبراز هذه الامكانية والنمو بها.
والرؤية الفنية النقدية مرتبطة بالرائي فعلى قدر ثقافته يرى، ومن البديهي أن الأعمال الفنية ذات المستوى المرتفع ليست في متناول الجمهور العادي، فهي تحتاج لعقلية رائدة غير عادية لرؤيتها وفك طلاسمها والمتعة بها.
وبنفس الوقت فإن المغالاة في النقد أي بالمدح المكثف قد يؤدي إلى أضرار، وقد يخدع الفنانين ويشعرهم أنهم وصلوا ، وبعضهم يصاب الوهم ويظن نفسه فناناً وهو لا زال في طور التجارب... وحينئذ يقلل من الاجتهاد، كما أن الهدم المستمر يثبط الهمم، ويقلل المغامرة ، ولذلك فإن هناك حاجة إلى نقد متزن لا مغالاة فيه ولا هدم.