آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: لمحة في مسيرة جبران خليل جبران

  1. #1

    افتراضي لمحة في مسيرة جبران خليل جبران

    • وقف الصبي جبران فوق سطح الباخرة ينظر إلى جموع المودعين وهم يلوحون بمناديلهم ويذرفون الدموع, وهو لا يدري أنه يودع –إلى الأبد- الجبل الذي احتضن طفولته وصباه..
    كانت كل معلوماته عن هذا الرحيل المفاجئ, أن هناك في القارة البعيدة – التي يتحول فيها المعدمون إلى أصحاب ملايين- رزقا كبيراً ينظر الأسرة التي عضها الفقر بأنيابه..
    وذاب الصبي في خضم هذا الفوج الذي يدفعه الأمل نحو غد يلمع أفقه بريق الذهب!
    واستقرت الأسرة المهاجرة في مدينة (بوسطن) الأمريكية, وانغمست في الصراع المحموم من أجل البقاء فاشغل الأخ الأكبر بالتجارة, ولكن الكساد كان يطارده, فاضطرت شقيقتاه إلى الاستعانة على الحياة بالتطريز..
    وكانت أحلام الفتى تختلف عن أحلام أخواته الكبار.. كان كوكبه يدور في فلك آخر غير فلكهم, فلم تتمكن عجلة الحياة المادية من أن تسحقه أثناء دورانها المسعور, إذ حمل معه إلى المهجر قلب الفنان, وعقل المفكر, وحكمة الفيلسوف.. ولم يخلع عنه في مقامه الجديد حسه المرهف الذي صقلته شعاب الجبل, وأظلته أغصان أرز لبنان, وروته عيون الماء التي تفيض بالشفافية والصفاء.
    • ودفعه إرهاف حسه إلى النضج المبكر, فعرف الحب ولما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.. وفتح قلبه على مصراعيه لأول امرأة دخلت حياته... وكان تعطشه للحب كبيراً مثل قلبه, جارفاً مثل عواطفه وأحلامه, فارتمى بكل كيانه في لجة المغامرة دون أن يحس بالري , وألقى به تهوره المراهق في مخادع الزوجات, ليطفئ ظمأه من كؤوس الآخرين..
    ويستيقظ الفنان التشكيلي في أعماق الفتى القادم من لبنان, يلح عليه أن يذهب إلى كعبة الفن, ثم يعود بعد قليل, ليرى أفراد أسرته يتساقطون واحداً بعد الآخر, فتموت أخته صريعة مرض السل, ويلحق بها أخوه بنفس الداء , ثم تتبعهما أمه بعد ذلك بوقت قصير..
    ويتحرك في داخله فنان آخر يجسد الإحساس في الكلمة, ويلون المشاعر بالإيقاع, ويزركشه بالقافية... ويكشف الفتى انشطار مواهبه إلى شطرين .. شطر يحتله الفنان الرسام, وشطر يحتله الفنان الشاعر, ويستسلم لهذا التمزق اللذيذ دون مقاومة.. ويمضى متنقلاً بين الرسم والشعر, مثلما كان يتنقل بين أذرع الحسناوات!
    • ويتعرف الفنان الشاعر على مارى هاسكل صاحبة إحدى المدارس في بوسطن فيقع في غرامها, وتأسر قلبه مواهبها الروحية والعقلية ...ولكن نداء خفياً كان يلح عليه قائلا: (ليست هذه المرأة هي التي أشتهى )! فترك العش الهادئ وراح ينشد المتعة في مخدع (ميشيليه) المعلمة في نفس المدرسة, والتي أحبها بعنف لم يكن يقل عن حبه لمارى هاسكل...!
    ويعانى الشاب من تمزق آخر بين روحه وجسده, وبين عواطفه ورغباته . ويرى أن أحدهما لا يغنى عن الآخر.
    ويجد الشاب في (مارى هاسكل ) راعية روحية لمواهبه, وصديقة تتفانى في حبه, وتمهد له طريق المجد .. فهي التي ترسله – مرة أخرى إلى باريس, ليكمل دراسته للفن على نفقتها الخاصة. فما أن يستقر في باريس, حتى تلحق به (ميشيليه), وتبقى إلى جواره, آملة في أن تنتهي علاقتهما بالزواج.. ثم تتبين أنه من فصيلة الفراشات, يوثر التنقل من زهرة إلى زهرة, حيث يتوافر الشهد والرحيق.
    • وذهب الشاب إلى المثال الفرنسي الكبير أوجست رودان ليتتلمذ على يديه, واستطاع رودان أن ينفذ إلى أعماقه وأن يكتشف الخيط الرفيع الذي يربطه بالفنان والشاعر والكاتب الإنجليزي وليم بليك فيرشده إليه, وينصحه بتعقب خطاه.. فيصبح وليم بليك – منذ ذلك اليوم – مثله الأعلى فيما يؤلف من شعر أو يصور من لوحات..
    ويستيقظ العرفان بالجميل في ضمير الفنان العربي, فيذهب إلى راعيته يعرض عليها الزواج, ولكنها تقول له إنها تفضل صداقة دائمة على زواج مهتز!
    وتتقاذف الفنان طبيعته القلقة المترددة, ومزاجه الذي يتأرجح بين الأضداد.. ويتذبذب فنه وشعره بين الكفر والإيمان, والتمرد والرضا, فيقفز به من حضيض الإلحاد إلى قمة التصوف, ومن دروب الكراهية إلى رحاب الحب الكبير, للبشرية جمعاء!
    غير أن التناقض في شخصية الفنان كان بمثابة القنطرة التي التقت فوتها روح الشرق والغرب في فنه, إذا استطاع – بنشأته الشرقية وبتقاليده العربية الأصيلة- أن يحدث التوازن مع ثقافته الغربية وأصالته الشرقية.
    اسمه (جبران خليل جبران) (1883- 1931).. أحد العباقرة الذين أنجبهم الشرق, وإن يكن تألق في الغرب.. وظل طول حياته وفياً لشرقيته وعروبته, إلى أن مات تاركاً وراءه عدة كتب ودواوين باللغتين العربية والإنجليزية, كان هو الذي يصورها بريشته, فيجعل من القصيدة لوحة , ومن اللوحة قطعة من الشعر!
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  2. #2

    افتراضي



    عبقري غمس ريشته في دماء روحه
    فـ مزج بين الألم والحب ..بين القدر والنبوءات ..
    وبذلك رسم لوحات وكلمات تفجر في النفوس البياض
    و طاقات كامنة من الجمال والسمو.
    فـ كم من مبدع بدأ وانتهى .. وهو ما زال رغم رحيله يصنع الإبداع
    من خلال كتبه ورسوماته المنذورة لكل قارئ ومتذوق مرهف
    يقدر قيمة الكلمة والفن الراقِ

    فـ جبران وإن غادر الارض سيظل في القلوب رمزا ادبياً وثقافياً
    عظيماً تحتفي بمسيرته كل اللغات .

    أخي الفاضل / سالم

    أن كلمة شكراً قليلة في حقك وحق تلك اللمحة الجزلة..
    فـ ها هنا الوفاء يحتفي .. بالحكمة والعبقرية وبالإنسان
    جبران خليل جبران

    :
    :

    أطيب التحايا





    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  3. #3
    أميرةُ الياسمين الصورة الرمزية عشتار
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,374

    افتراضي

    جبران خليل جبران ... أديب الشرق الذي نما في الغرب

    قراءة مميزة وجانب غير مطروق في حياة ونشوء حالة جبران خليل جبران

    أمتعتنا أيها الياسمين.

    لك جزيل الشكر
    أنا المسكُ وعبق الرياحين وعُطر الورد ونَبض العُود
    إذا ما اشتدّ شوقه لعينيك وكفّيك..!

  4. #4
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,297

    افتراضي


    جبران خليل جبران ..نبوءة متفردة
    وتشظي في الحياة أملت بالاستقرار ..
    غير أن ضبابية عالمها ... وتفردها بالحلم سيرت حياته
    ربما إلى غير ما يأمل ..


    جبران سطور حكمة ..
    وعالم متفرد الذات ..
    بين أدبه وفنه الجميل

    وبين ماري وميشيل ومي
    تاهت حقيقة جبران ..


    شكراً سالم الياسمين

    أرق التحايا
    أحاول فهم هذا العالم

  5. #5

    افتراضي

    عشتار
    عقيلة
    منى العلي

    سعدت بحضور عطركم ...

    أشاطركم الرأي بأن جبران أديب قلّ نظيره
    شكرا مروركم الأنيق
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك