آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 14

الموضوع: مصطلح الأيديولوجيا ... ممكن مساعده

  1. #1

    افتراضي مصطلح الأيديولوجيا ... ممكن مساعده

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    ممكن مساعده بليز الي يعرف معلومه عن الايديولوجيا يقولهالوحتي معلومه صغيره
    ابيه يوم الجمعه
    جعلها انشاءالله من موازين حسناتكم

  2. #2
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,297

    افتراضي


    أختي الكريمة / توتو الحلوة
    أهلاً بك ..

    الايدلوجيا
    أيديولوجيا، علم الأفكار:
    وموضوعه دراسة الأفكار والمعاني وخصائصها وقوانينها وعلاقتها بالعلامات التي تعبّر عنها والبحث عن أصولها بوجه خاص كما صوره وابتكره <دستوت دوتراسي>وقد يطلق هذا الاسم على التحليل والمناقشة لأفكار مجردة لا تطابق الواقع. والإيديولوجيون هم القائلون بالإيديولوجيا وخاصة في علم السياسة والاقتصاد


    الايدلوجيا :
    تعني مجموعة من الافكار التي تحدد اتجاها فكريا معينا . ويقال ان اول من استخدمها المفكر الفرنسي الشهير ديستت دي تريسي في اواخر القرن الثامن عشر و كان يريد من خلالها تعريف " علم الافكار .


    الايدلوجيا :

    النسق أو الطريق التي يمكن من خلالها معالجة فكرة معينة
    أو الرؤى المختلفة .

    الايدلوجيا : من قاموس المصطلحات الفلسفية السوفيتية

    هي نسق من الأفكار والآراء السياسية أو القانونية أو الأخلاقية والجمالية والدينية
    والفلسفية ..


    أو هي باختصار الطريقة التي يتم بها معالجة هذه الأفكار .



    أتمنى أن تجدي فيما أتيت ما يخدمك

    أرق التحايا
    أحاول فهم هذا العالم

  3. #3

    افتراضي

    [S]5[/S]مشكور اخوي يعطيك العافيه



    ولكن اي احد يدخل يقول معلومه لوحتي بسيطه [S]11[/S]

  4. #4

    افتراضي

    ممكن مثال عن الايديولوجيا

  5. #5

    افتراضي


    في علم نفس الأيديولوجيا(مقتطفات من دراسة)
    · عموميات
    ليست الأيديولوجيا نظاماًً من الأفكار المجردة بلا روح، يتعامل معها حاملها بحيادية وبرود بل هي أفكار مشحونة انفعالياً تحتوي كل منها على "قيمة عاطفية" معينة، و"المناصر" – وهو في اصطلاحي هنا نصير الأيديولوجيا المقتنع المخلص- يعطي الأشياء والأحداث والوقائع قيمة عاطفية محددة. ووضع الأيديولوجي العاطفي هذا على صحته العامة لا يعني أن شدة الانفعال العاطفي متساوية في أطوار حياة أيديولوجيا معينة فهي تختلف في الشدة الانفعالية "الحماس" بين طور وآخر كما سنذكر بعد قليل.
    هناك علاقة بين العاطفة والأيديولوجيا لا تنفصم فلا يمكن في اعتقادي تصور أيديولوجيا تقوم على أساس "عقلي بارد" شأن العلم و الفلسفة أيضاًً إلى حد ما. أستعمل مصطلح "العاطفة" ومشتقاته بالمعنى الذي استعملته في كتابات قديمة(1) والعاطفة هناك هي تحرر انفعال كان محبوساً بسبب الأزمة الاستلابية وقد تحرر نتيجة حدوث ثغرة في جدار الاستلاب.
    الاستلاب بالتعريف هناك هو حالة من القناعة الذاتية بالدونية في سلم القيم التراتبي في المجتمع: دونية أخلاقية (شعور بالذنب)، دونية عنصرية (الانتماء إلى تركيب بيولوجي أدنى)، دونية جمالية- طبقية (وضع القبيح-الفقير)، دونية تغلبية (القناعة بصفرية القوة في التغالب الاجتماعي وحتمية الهزيمة) والفرد في ظل هذه القناعة يعيش من الناحية النفسية في "حالة" مؤلمة هي حالة "الأزمة الاستلابية"(بعد قليل يأتي شرح مصطلح "الحالة"). العاطفة في الموضع المذكور (كعواطف "الحب" و "الفرح" و"الحزن" و "الغضب" و"الاحتقار" و "الفخر" و "الشماتة") فسرت بأنها "حالة" موائمة نتجت عن انفراج أو اختراق في جدار الحالة المأزومة التي أسميت "الأزمة الاستلابية".
    في عاطفة "الحب" يعيش الفرد الانتقال إلى حالة "الجميل المحبوب،من الطبقة الأعلى" من الأزمة الاستلابية التي هي حالة "القبيح المنبوذ من الطبقة الأدنى".
    وفي عاطفة "الغضب" يعيش الفرد حالة المظلوم الذي من حقه أن ينتقم: وهي خروج من حالة مأزومة هي حالة المذنب.
    وفي "الحزن" يعيش الفرد حالة المظلوم الذي يستحق أن يعطف عليه وهي خروج من الحالة المأزومة التي هي حالة الآثم الذي يستحق التأثيم.
    وفي "الفرح" يعيش الفرد حالة "المتغلب القوي" وهي خروج من الحالة المأزومة التي هي حالة صفري القوة المطلق الضعف الذي لا يمكن أن يفعل أو يحقق شيئاً.
    وفي "الشماتة" يعيش الفرد حالة اختلال توازن القوة بينه وبين مرجع المقارنة الذي كان يبدو كلي القدرة عند تغير وضع الأخير باتجاه الضعف وبالذات في النقطة التي ينفضح فيها ضعفه. وفي "الفخر" يحس الفرد أنه في حالة العنصر ا
    لأعلى أو السيد. ولعلنا نجد العاطفة النقيضة في تغير الوضع العنصري الذي يسمح للشاعر الجاهلي مثلاً (أو الإسلامي الذي لم يزل يتبنى هذه القيمة الجاهلية كالفرزدق وجرير) بالهجاء القائم على أساس فضح "لؤم" الخصم أي في معنى هذه الكلمة الأصلي دناءة نسبه العنصري.


    وفي كل هذه العواطف نميز في النظرية التحليلية ما يلي:
    - مفهوم "الحالة" وهي عندي موقف تخيلي معيوش في كل مستويات الوعي من اللاشعور إلى الشعور يتألف من الفرد في محيط الجماعة المعيارية التي ينسب الفرد نفسه إليها ويهمه موقفها منه. وهي في التحليل لا تكون متطابقة مع الموقف الآني الحقيقي بل هي (على ما هو مألوف عند العصابيين) تتعلق بتماه مع وضع سابق مختزن يتم رؤية الوضع القائم فعلاً على أساس أنه هو نفسه هذا المخزون في الذاكرة. والحالات قسمان: الموائم وهو الحالة العاطفية منها المأزوم وهو حالة "الأزمة الاستلابية".
    -ونعرف "الدوافع العاطفية" على أنها دوافع للعيش في حالة عاطفية-وهذه هي الدوافع العاطفية الموجبة: وللخروج من الحالة المأزومة-وهذه هي الدوافع العاطفية السالبة.
    -والعاطفة هي في التعريف العام "الشعور بإمكانية الانتقال من الحالة المأزومة إلى الحالة العاطفية".
    -والحالة المأزومة تتميز بوجود الفرد التخيلي في وضع أدنى منظوراً إليه من وجهة نظر الجماعة المعيارية التي ذكرناها(وضع القبيح:المنبوذ: الآثم: عديم القوة المحكوم عليه بالهزيمة في أي صراع: عديم القدرة على إنجاز شيء..إلى آخره) أما الحالة العاطفية(الموائمة) فتتميز على العكس في وضع تخيلي للفرد إزاء الجماعة المعيارية تعترف له فيه الجماعة بمساواته معها في وضع الأعلى النقيض لما سبق في الحالة المأزومة (فهي هنا تنظر إليه على أنه جميل محبوب قوي فاضل محترم أخلاقياً إلى آخره)
    ووجود الدوافع العاطفية عند الفرد أعبر عنه بأنه "حاجة إلى العاطفة" وهذه الحاجة إلى العاطفة تقوم الأيديولوجيا بنقلها من حيز فردي إلى حيز جماعي. والدافع العاطفي يتجلى جسدياً في طاقة محركة تنطلق مع انطلاق العاطفة فيحس الفرد بالانفراج لتحرر هذه الطاقة التي كانت الأزمة الاستلابية تحبسها. تتعامل الأيديولوجيا خصوصاً مع "الدوافع العاطفية" للفرد وهي تقوم "بالبرهنة" على "أحقية" مواضيع معينة (يتماهى الفرد معها ويعد الموقف منها يكافئ الموقف منه هو بالذات) بالاحترام والحب والتزكية الأخلاقية وعلى أحقية مواضيع أخرى (يماهيها الفرد مع الخصوم ويعد الموقف منها موقفاً من الخصوم أنفسهم) بتقييمات معاكسة أي بالاحتقار والتأثيم والكراهية، وبهذا المعنى تشكل الأيديولوجيا بلا ريب خزان "البراهين" الذي تمتح منه شريحة اجتماعية معينة لتبرير وضعها وجعله مقبولاً في سلم القيم التراتبي العام.
    وتهتم الأيديولوجيا أساساً بوقائع اجتماعية حساسة يدور حولها الصراع الاجتماعي و"المواضيع الحساسة" هي المواضيع القابلة للتغير والانفعال العاطفي الذي يشحن الموقف الأيديولوجي من هذه المواضيع التي هي قابلة للتغير يكون إما سلبياً(ضد التغير) أو إيجابياً(مع التغير).
    هذه المواضيع الحساسة هي التي تكون عادة مشحونة عاطفياًً فهي "محبوبة" أو "مبغوضة" أو "محتقرة" أو "سارة" أو "محزنة" أو "مثيرة للغضب" أو "مثيرة للفخر"..إلى آخره. والشحنة العاطفية هي الطاقة المحركة التي تتحرر في الحالة العاطفية كما ذكرت.
    ولا بد هنا في ختام هذه الملاحظات النظرية العامة عن سيكولوجيا الأيديولوجيا من ملاحظتين:
    أولاً لا يعني هذا التحليل أن الأيديولوجيا في كل ما تقوله وتدعو إليه هي مجرد ضلال أو هذيان مرضي إذ يمكن أن يكون فيها قسط يزيد أو ينقص من الحقيقة والمواءمة الصادقة مع الأخلاق.
    ثانياًً: ليس كل ادعاء يلبس شكل الأيديولوجيا (أي مثلاً شكل التبرير الأخلاقي) هو أيديولوجيا حقيقية فالأيديولوجيا الحقيقية تتميز بإيمان المناصر الحقيقي الصادق بها ولكن عندنا ادعاءات للسياسيين في العصر الحديث تكذبها التجربة اليومية وهي لا تنم عن قناعة بل هؤلاء ممن طلق أصلاً المبادئ والقناعات منذ قرر احتراف السياسة فتصريحاته الأخلاقية الزائفة التي يعرف هو قبل غيره أنها ادعاءات بالاقتناع وليس اقتناعاً حقيقياً لا نسميها أيديولوجيا بل هي انتحال للأيديولوجيا وهذه حال الغالبية الساحقة من محترفي السياسة في الغرب والشرق ولا أكاد أعرف من السياسيين الحديثين من لا ينطبق عليه هذا الحكم إلا حفنة قليلة منهم مثلاًًًً في اعتقادي المهاتما غاندي.
    فإذا قال السيد جورج بوش مثلاً إن حكومته تمثل "الخير" فهذا ادعاء هو أول من يعرف أنه مجرد كذب لا تكذبه تجربة شعوب فيتنام وفلسطين وهيروشيما فحسب بل يكذبه أولاً أحرار الولايات المتحدة أنفسهم وتكذبه منظمات المجتمع المدني الأمريكي قبل غيرها (ومثال آخر على ذلك الموقف المتناقض من مجازر مخيم جنين بين منظمة "الهيومان رايتس ووتش" الأمريكية والسيد كولن باول الذي قال إنه لا دليل على مجازر :وهو يعني أن سياسة حكومته أنها لن تقر بوجود مجازر! والانفصام بين السياسة والأخلاق الذي يعد عند هؤلاء بديهية ويعدون من يدعو إلى الأخلاق في السياسة طفلاً غريراً ساذجاً هي التي تهدد بحق في أن تقود البشرية إلى كارثة قاضية على العالم) وادعاؤه هذا لا يؤخذ على أنه قناعة إلا إذا سمينا قانون الغاب "خيراً" وعددناه هو المعيار للخير!
    · المناصر في وضع الثبات ثم بعد التغير:
    لنتكلم أولاً عن المناصر المستقر في قناعاته بأيديولوجيا معينة:
    إن الأيديولوجيات الاجتماعية في مجتمع مختلف الأيديولوجيات لا تخوض مع الأيديولوجيات الأخرى "حوار الطرشان" مبدئياً فثمة قيم عامة متفق عليها يتم التنازع فقط على "تعيينها" أي تجسيدها بواقعة عينية ملموسة.
    فلا خلاف بين الرأسمالي والاشتراكي على أن "العدل" كقيمة مجردة مطلوب وأنه شيء إيجابي وعلى أن "الظلم" كقيمة مجردة مرفوض وأنه شيء سلبي ولكن الخلاف ، بل التناقض بينهما هو على "التعيين" لهاتين القيمتين.
    فوجود نظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هو العدل عند مناصر الأيديولوجيا الرأسمالية المقتنع وهو الظلم عند الاشتراكي المقتنع.
    وتقوم كل من الأيديولوجيتين "بالبرهان" على صحة التعيين الذي تبنته. وبنقض براهين الخصم و"إثبات" خطئها بطرق مختلفة – ليست جميعها طبعاً طرقاً بحثية أكاديمية بل لا تكاد تشغل هذه الطرق قيمة تذكر بالقياس للطرق الانفعالية الحدسية المستندة إلى ذكر وقائع عادة ما تكون ناقصة وإلى البراهين اللفظية وإلى آخر الطرق غير المستندة إلى "البراهين" بحصر المعنى أي الاستنتاجية المنطقية أو الاستقرائية التجريبية.
    لنفترض المناصر في الوضع الأيديولوجي المستقر أ-1. إن هذا الاستقرار يتضمن من الناحية النفسية مجموعة م1 من المواضيع الثابتة المشحونة انفعالياً وهي تخص كل المواضيع الحساسة التي تشكل مدار الصراع على الوضع الإيجابي في بنية التراتب الاجتماعي المتعدد المستويات : أعدد في العادة أربعة مستويات هي المستوى الأخلاقي والمستوى الجمالي – الطبقي والمستوى العنصري والمستوى التغلبي.
    لنفترض الآن أن الفرد تغيرت قناعاته الأيديولوجية وأصبح في الوضع أ-2. لا شك أن هذا التغير سيغير من طبيعة الشحنة الانفعالية لمواضيع حساسة تراتبياً وستتألف المجموعة الجديدة من المواضيع الحساسة المشحونة انفعالياً م2 من عناصر جديدة كلياً لم تكن مشحونة سابقاً – أي كانت محايدة انفعالياً ومن عناصر مشحونة من المجموعة السابقة تغيرت إشارة شحنتها من موجب إلى سالب وبالعكس، ومن عناصر مشحونة من المجموعة السابقة احتفظت باتجاه شحنتها.
    ليس "الوضع المستقر" أ-1 وضعاً ابتدائياً إلا بالنسبة لما بعده وإلا فهو أيضاً وضع له تاريخ وأوضاع سبقته والناس الذين يجدون أنفسهم ظاهرياً في الوضع نفسه كثيراً ما يكون لهم تاريخ مختلف من التغير الأيديولوجي.
    تحت مظلة الأيديولوجيا الواحدة يوجد أناس حافظوا على اتجاه شحن قديمة لموضوعات شحنت في وضعهم السابق ولم تتصادم مع الغطاء الواسع للوضع الأيديولوجي الجديد كاليساري الذي انقلب لبرالياً من ناحية دفاعه عن الحريات السياسية والنظام الانتخابي الحر ولكنه ظل محافظاً على تعلقه العاطفي الإيجابي بفكرة الملكية العامة لوسائل الإنتاج فهو يوجد في الموقع الأيديولوجي الذي يوجد فيه لبرالي يدافع أيضاً عن الحريات السياسية والنظام الانتخابي الحر ولكنه جاء من موقع نصير للنظام الرأسمالي الذي يبغض فكرة الملكية العامة لوسائل الإنتاج.
    كنت في قبل قليل قد أشرت قد تحدثت عن حاجة الفرد إلى العاطفة وهذه الحاجة هي التي تجعله لا يتخلى عن التثبيتات العاطفية القديمة بتلقائية فلا بد من تغير المجموعة الكبيرة من التثبيتات أي من الشحن الانفعالية من نوع واتجاه معين لكل واقعة على حدة من وقائع المجتمع الحساسة التي يستخدم الفرد الأيديولوجيا لتبرر موقفه العاطفي منها. وبقاء تثبيتات قديمة لم تدخل في صراع مع الموقع الجديد لأنها غير مرتبطة بما تغير من مواقف علاوة على الاستمرار التلقائي لمفاهيم وعادات قديمة لعدم الشعور بالتناقض ولأنها ليست وقائع حساسة لا بد للمناصر من اتخاذ موقف حاسم منهاأو – أخيراً – لأن الفرد مقتنع بها عن وعي يفسر اختلاف الأفراد الذين من المفترض أنهم يشغلون نفس الموقع الأيديولوجي بين بعضهم في التفاصيل.
    كنا نرى عندنا يساريين يؤيدون بحماس فكرة تحرير المرأة ويساريين آخرين حافظوا على شكل من العلاقة مع المرأة هو بالنسبة للأيديولوجيا الحديثة لتحرير المرأة لا يمكن تصور أن يتبناه يساري إذ هو عند هذه الأيديولوجيا متخلف ومتحجر والاختلاف بين اليساريين في هذه النقطة يمكن تفسيره على ضوء ما تقدم.
    ومن ذلك أيضاً الاختلافات التي لاحظتها بين اليساريين في موقفهم من الكادحين فليس كلهم –كما ينتظر من الاتجاه اليساري- يحترمون الفقراء ولا يحتقرونهم وهذا ما يتبدى خصوصاً في الساحة الفلسطينية فقد لاحظت أن عدداًً كبيراً من المحازبين في اليسار الفلسطيني لا يختلف موقفهم الاحتقاري من الكادحين عن موقف الأيديولوجيا المسيطرة الذي يميزه الإيمان العميق بأن الفقرسبب مبرر للاحتقاروهذا بخلاف المفترض في الأيديولوجيا اليسارية التي تقوم على فكرة مناصرة الكادحين والعداء للتفاوت الطبقي. ومن ملاحظاتي أيضاً على هؤلاء أنهم نادراً ما كان عندهم مقدرة على الزهد في مغريات الحياة المترفة البرجوازية (انعدام المقدرة على الزهد عندنا في الساحة الفلسطينية كان سمة مشتركة بين "المناضلين" يميناً ويساراً!) وليس هنا العجب بالذات بل العجب هو أنهم كما يبدو لا يعرفون حتى أن هذا يتناقض مع يساريتهم المفترضة.
    ولو درسنا هذه الحالة بتأمل لأمكن لنا أن نعيدها جزئياً على الأقل لتاريخ تغير تلك الشريحة أيديولوجياً وانتقالها إلى الموقع اليساري، فقد كان اليسار في النصف الثاني من الستينات موضة عالمية من جهة فلم يكن تبنيه إذاً نتيجة لتبن حقيقي عميق لنظرية الصراع الطبقي العتيدة ومن جهة أخرى فقد كان ما يجذب هؤلاء خصوصاً عندنا هو تجارب ما دعي آنذاك بحركات التحرير الوطني التي كانت تقودها حركات يسارية كما في الصين وفيتنام ولم تكن التجارب التي أرادوا تقليدها تجارب حركات يسارية تهتم أساساًً بمسألة الصراع الطبقي.
    ولذلك ولفهم الموقع الأيديولوجي الحقيقي للفرد بتفاصيله لا بد من أخذ مجمل "تعييناته" النفسية للمواضيع بعين الاعتبار.
    · تعيينات أيديولوجيا التأصيل:
    ويمكن أن نأخذ مثالاً آخر على اختلاف التعيينات بين المنتمين ظاهرياً إلى الخيمة الأيديولوجية نفسها من تلك الأيديولوجيا التي تدافع عن الهوية أي أننا نفترض الآن وجود هذه الأيديولوجيا في موضع الأيديولوجيا المستقرة الابتدائية أ-1 وتتميز هذه الأيديولوجيا بشحن جميع الوقائع المؤثرة في مسألة الحفاظ على الهوية أو زوال الهوية بشحنة انفعالية إيجابية لما يعزز هذا الحفاظ وسلبية لما يهدده.
    والمشاهد في الواقع أن الشرائح والأفراد المنحازين لهذا المعسكر الأيديولوجي مختلفون في التفاصيل وهذا أمر متوقع كما رأينا قبل قليل. منهم من انطلق في اتجاهه هذا من منطلق ديني.
    كاتب هذه السطور يؤمن بأن الدين ليس أيديولوجيا بل هو يؤمن بان الدين عقيدة صحيحة موحاة من الله عز وجل ولكن البشر يؤولونها ويستخدمونها استخدامات تصيب وتخطئ مقاصد الشارع وحين تدخل الشريعة باب التأويل وتختلط بأفكار موروثة من التاريخ وأخرى ناتجة عن الصراعات الاجتماعية بين شرائح مختلفة فعندها تلبس الأيديولوجيا ثوب الدين وعند هذه النقطة ينطبق على هذه الأيديولوجيا ما انطبق على غيرها من أيديولوجيات من قوانين سيكولوجية.
    ومنهم من انطلق من منطلق الخوف من الجديد ومنهم من انطلق من قناعة بأساسيات البنية الثقافية المحلية وأنها خير من البدائل المهددة لها. وهناك في هذا المعسكر فروق بين المواضيع الحساسة وتلك المحايدة وفي اتجاه شحن بعض الوقائع أيضاً.
    مثلاً لا يعتبر استيراد التكنولوجيا موضوعاً حساساً عند التيار الديني بل هو ذو شحنة إيجابية على الأغلب على حين يكون هذا الموضوع محايداًًًًً أو سلبياًً عند من ينطلقون في دفاعهم عن الهوية من منظور كراهية التجديد فحسب وقد يكون بالنسبة لبعض المثقفين الذين درسوا بعناية التجربة الغربية ومخاطر التكنولوجيا الحديثة على الطبيعة والإنسان مشحوناً بشحنة سلبية.
    · العواطف في الأيديولوجيا العربية المعاصرة
    -من أين يأتي الحماس؟
    حين يستقر النظام الاجتماعي لفترة طويلة، وتعمل آلته بصورة منتظمة، تفقد الأيديولوجيا المسيطرة عنصر الحماس عند المناصرين، بل يصاب حتى بعض الأيديولوجيات غير المسيطرة بعدوى "الركود العاطفي" كما رأينا مثلاً حالة الشيوعية الأوروبية التي تحولت إلى أيديولوجيا إصلاحية ضعيفة الإشعاع لا يتمتع أنصارها بذلك الحماس المتأجج للشيوعيين في بلاد أخرى، فما أبعد الفارق في الحماس مثلاً بين الشيوعيين الفرنسيين في الستينات من القرن العشرين الميلادي و حماس زملائهم في الفترة نفسها في فيتنام أو الصين أو أفريقيا و آسيا وأمريكا اللاتينية.
    ولو أحببت أن أرجع إلى "النظرية العامة للعاطفة" فسأقول إن العاطفة تظهر وتتأجج في نقاط التحول في الحالة الاستلابية: حين تبرز ثغرة في جدار "الحالة المأزومة" من هنا فإن العاطفة تميز طبيعياً وضع التحول. وفي الحقيقة إن لحظات الانعطاف في الحالة الاستلابية من الحالة المأزومة إلى الحالة الملائمة أي الحالة العاطفية وبالعكس تترافق مع انفعالات تكون من نوع مريح وهي انفعالات العاطفة أو نوع مؤلم وهي انفعالات الأزمة الاستلابية. وأمثل على ذلك لإيضاح هذه الفكرة بيوم إعلان نتائج الامتحانات بالنسبة للطالب فهو من الناحية الانفعالية ليس يوماً عادياً ففيه نقطة انعطاف في الحالة فإن نجح كان الانعطاف إلى حالة ملائمة وظهرت عاطفة الفرح وإن لم ينجح كان الانعطاف إلى حالة غير ملائمة وهي وفقاً لتحليلي حالة الأزمة الاستلابية التغلبية التي نعبر عنها بلغتنا العادية بأزمة في الثقة بالنفس أوبالقدرات الذاتية.
    ولا تنبثق عاطفة الفرح بعد النجاح في المدرسة كل يوم بل تنبثق في لحظة إعلان النجاح أو في لحظة تقديم الامتحان بشكل جيد، أما بعد ذلك فيتم الانتقال إلى الحالة الجديدة بانشغالاتها الخاصة، وربما بأزمات تعتري هذه الحالة من نوع آخر.
    الأيديولوجيا تؤجج الحماس (وهو اسم آخر للعاطفة) في نقاط التحول الاجتماعي، وهذا الحماس يدفع الأفراد إلى بناء الحالة المطلوبة (الطوبى الأيديولوجيا) والدفاع عنها في وجه أعداء نشوئها واستمرارها. وفي أوضاع التحول يكون خطر الارتداد للمرحلة السابقة كبيراً وشعور الأفراد بهذا الخطر يكون أيضاً كبيراً لأن ذكريات المرحلة السابقة لم تزل في الأذهان ومن هنا تعمل المؤسسات الأيديولوجيا بجهود مضاعفة في هذا الوضع للدفاع عن الجديد ومهاجمة القديم.
    والزمن كما نعلم هو عدو الحماس، فإذا حدث التغيير واستقر تضاءل الحماس من جهة لأنه لم يبق خطر على الجديد ومن جهة أخرى لخفوت الذكريات عن القديم ومن جهة ثالثة لظهور أزمات جديدة خاصة بالوضع الجديد وقد تبعث الحنين للماضي
    · في عواطف الأيديولوجيا العربية الحديثة:
    "الحب" اللبرالي لأوروبا:
    كان آلبرت حوراني قد سمى ما يسمى عادة عصر النهضة "العصر اللبرالي" في كتابه المشهور "الفكر العربي في العصر اللبرالي" الذي ترجمت دار النهار عنوانه "الفكر العربي في عصر النهضة" وفي الحقيقة تعد تسمية حوراني أدق من ناحية إظهار طابع الأيديولوجيا العربية التي هيمنت على ذلك العصر فهي أيديولوجيا معجبة باللبرالية الغربية من جهة وتريد استيراد النظام اللبرالي السياسي وتطبيقه في بلادنا من جهة أخرى، ثم هناك الجهة الثالثة التي قلما يجري الحديث عنها: إن اللبرالية العربية عتمت على الجانب العدواني والعنصري الاستعماري في الأيديولوجيا اللبرالية الغربية بحيث تحولت التجربة اللبرالية الغربية إلى "جمال خالص" في كل أبعادها وإلى "خير خالص" بالتداعي.
    حين نقول "العصر اللبرالي" إذاً فإننا نصف هذا العصر وصفاً أدق من هذا الوصف العام غير الدقيق والمشحون مع ذلك بقيمة إيجابية: "عصر النهضة".
    "الجميل جمالاً خالصاً": هكذا يجب أن يكون المحبوب! ولنرى كيف يصف حوراني الشيخ رفاعة الطهطاوي رائد اللبرالية العربية: "كان يقيم في فرنسا أبان احتلال الجزائر فكتب عن هذا الحدث في كتابه عن باريس. غير أنه لم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسي، ذلك أن فرنسا و أوروبا لم تسعيان، في نظره وراء القوة السياسية والتوسع، بل وراء العلم والتقدم المادي" (2)
    وإذا كان الطهطاوي لم ير الطابع العنصري للأيديولوجيا اللبرالية الفرنسية آنذاك مع أننا نراه الآن واضحاً كل الوضوح ومر على واقعة الاحتلال الفرنسي للجزائر مرور الكرام أو المغفلين، فإننا قد نعذره لحداثة تجربته بأوروبا وإن كنا في الحقيقة يمكن لنا أن نتكلم كثيراً عن السبب الذي جعل الطهطاوي لا يستنتج نتائج تذكر من تجربة مصر مع الحملة الفرنسية التي كانت حديثة العهد. نحن مع الطهطاوي إذاً لا نقول بعد: "الحب أعمى"! ولكنه بالفعل أسس لهذا العمى أو هو على الأقل لم يضع أي عائق في سبيله.
    عمى الحب الحقيقي الذي لا يمكن الدفاع عنه بحال سنراه مع اللبراليين اللاحقين الذين شهدوا استعمار بلادهم بأم أعينهم وشهدوا تقاسم البلاد الشقيقة بين بريطانيا وفرنسا، ثم شهدوا فضح البلاشفة لاتفاقية سايكس بيكو ونقض الحلفاء لعهودهم، ومع ذلك ظلت أوروبا عندهم "منبعاً للخير والجمال". إن غفلة كتاب اللبرالية العربية في النصف الأول من القرن العشرين عن الطابع العنصري للبرالية الغربية والطابع الوحشي للاستعمار لعجيبة حقاً: حتى العقاد الذي لا يوضع عادة بلا تحفظ في عداد "المغربين" ذكر لكرومر حسنات حتى بعد جريمة دنشواي! وأخذ موقفاً شديد التحفظ من مصطفى كامل وحزبه الوطني. أما الشيخ محمد عبده فعاد عن مواقف أستاذه الأفغاني المعادية للاستعمار والداعية للوحدة ليتحالف مع الإنكليز ضد الخديوي عباس الثاني وأما غفلة كاتبين كبيرين من العصر اللبرالي هما طه حسين وتوفيق الحكيم فتلفت النظر مثلاً لا نكاد نجد حتى في رواية عودة الروح التي يفترض فيها أنها عن ثورة 1919 ضد الإنكليز نقداً عميقاً شاملاً للظاهرة الاستعمارية فكل ما فيها كان حديثاً عن وحدة المصريين وراء "المعبود" والذي نطق باسم المصريين، وهذه نقطة أراها في غاية الدلالة، لم يكن واحداً منهم بل كان آثارياً فرنسياً تنبأ لهم بأنهم سيتحولون إلى شعب صناعي متوحد لا يعرف شغب المطالب الطبقية وصراع الطبقات.
    وحين غزت إيطاليا ليبيا وقامت في مصر حركة مساندة لها وقف لطفي السيد ضد هذه الحركة معتبراً أنه ليس من مصلحة مصر الوقوف مع ليبيا والدولة العثمانية ضد إيطاليا.
    الإعجاب اللاهب بفرنسا سيتردد في مؤلفات الحكيم اللاحقة من "زهرة العمر" إلى "عصفور من الشرق" إلى "مصر بين العهدين" وفرنسا التي وصفها شوقي حين قصفت دمشق بقوله:
    وللمستعمرين وإن ألانوا.. قلوب كالحجارة لا ترق!
    لم تظهر صورتها هذه عند كتاب العصر اللبرالي العربي الكبار بل ظلت دوماً "بلد النور والحضارة".
    وهذه الغفلة عن الطابع العرقي للأيديولوجيا السائدة في الغرب في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، هذه الأيديولوجيا التي كانت تتغلل حتى في قطاع الدراسات التاريخية والأدبية (كما رأينا في نظريات رينان التي كانت سائدة ومصادقاً عليها من قبل الباحثين العرب أيضاً) استمرت حتى الآن في ذلك القطاع المتصل بالثقافة الأوروبية إما اتصالاً مؤسسياً عبر التعاون مع مؤسسات ثقافية أوروبية و إما اتصالاً فكرياً محضاً عبر العب من معين الكتابات الأوروبية مباشرة أو عن طريق الترجمة.
    يقال عندنا في وصف لوضع شبيه "كالأيتام على مأدبة اللئام" ولأجل مزيد من الدقة في الشبه سأقول إن وضع هؤلاء المثقفين العرب لا يشبه وضع أي أيتام كانوا ولكنه يشبه وضع الأيتام على مأدبة أناس يحتقرونهم ولكن هؤلاء الأيتام يتخيلون أنفسهم مدعوين أصيلين ومشاركين في المائدة بل هم جزء من أهل البيت!
    فالعرب لا يكاد يعترف بنتاجاتهم في الغرب مهما أظهروا الحماس والولاء للمدارس الفكرية والفنية الغربية وهم لا يعترف بهم هناك إلا في حالة خاصة لا تشرف هؤلاء المثقفين هي حين يدعون للشهادة ضد ثقافتهم المحلية! في الأوساط الثقافية الغربية السائدة المثقف العربي الوحيد المقبول هو المثقف الذي يقوم بدور "الشاهد على أهله" بأنهم دونيون، متخلفون، مضطهدون للنساء إلى آخره.
    وهكذا مثلاً نجد رواجاً لترجمة كتب الكاتبات العربيات اللواتي يهجين المجتمع المحلي ويغمزن من قناة قوانين الشريعة وليت هذه الكتب تترجم بنصوصها الأصلية فهي تحور وتوضع لها العناوين الجديدة ويعاد ترتيب فصولها كما جرى لكتاب الدكتورة نوال السعداوي "الوجه العاري للمرأة العربية" الذي أصبح في الترجمة الإنكليزية "الوجه المخفي لحواء"!
    تحدثت الأستاذة "جنين عبوشي دلال" أستاذة الأدب المقارن والدراسات شرق الأوسطية في جامعة نيويورك عن ما جرى لترجمة هذا الكتاب في بحث نشرت مختصره في ملحق التايمز الأدبي في 24-4-1998 ونشرته بالعربية في الآداب البيروتية بعنوان "الثقافة العالمية- المعولمة وسياسات الترجمة".
    تقول الأستاذة عبوشي دلال: "العنوان العربي الأصلي لThe Hidden Face of Eve هو في الواقع "الوجه العاري للمرأة العربية" وقد صدر الكتاب عام 1977 (وسيكون محالاً بالطبع أن يربط كتاب يصدر بالإنجليزية المرأة العربية بالعري، وكأن كل الكتب عن النساء العربيات لا بد أن تتضمن عناوينها شيئاً عن "الحجاب") وتبدأ الترجمة الإنجليزية بفصل عن ختان الإناث، وهو فصل لا وجود له في الأصل العربي. كما أضيفت إلى هذا الفصل عناوين فرعية اخترعها المترجم أو الناشر، مثل "النصف المشوه" (أو المجذوع) The Mutilated Half وراحت الترجمة الإنجليزية تضيف فصولاً وتشطب فصولاً وتعيد ترتيب فصول بأكملها من الأصل العربي دون أي تفسير على الإطلاق. بل ثمة اثنا عشر فصلاً يمكن أن تقوض من التصورات السائدة في الغرب عن النساء العربيات قد شطبت برمتها من الترجمة" وتضيف الأستاذة عبوشي دلال: "ليس ثمة من يريد أن يسم شيئاً عن دفاع السعداوي عن الإسلام ولا شيئاً من تعليقاتها الاشتراكية أو آرائها في النساء العربيات حين لا تعزز هذه الآراء التنميطات الغربية عنهن" وفي البحث المذكور تعرض لنا الباحثة وضعاً رائجاً هو "التأليف من أجل الترجمة" فحتى حين يكتب الكاتب عمله بلغته الأم نجد في النص ما يدلنا على أنه كتبه وعينه على المترجم الغربي ويظهر هذا بوضوح مثلاً في شرح أشياء لا يلزم شرحها للقارئ المحلي بينما شرحها ضروري للقارئ الغربي وفي المقابل تذكر استشهادات غربية بلا شرح على حين كان القارئ المحلي بحاجة إلى شرحها. وباختصار أغلب المترجمات عن الأدب العربي ليست وظيفتها تغيير الأفكار النمطية الغربية عن العرب بل تثبيتها وتأكيدها واحتقار العرب كما كان يتجلى في عدم المبالاة بذكر الأكاذيب والمعلومات المغلوطة عنهم على اعتبار أنهم غير موجودين للتصحيح وغير مهمين لمراعاة شعورهم فإنه يتجلى بشكله الاستلابي عند الكاتب الذي يكتب من أجل الترجمة، لذلك يصل الاستهتار ببعض هؤلاء إلى الكذب في بديهيات الشريعة، مثلاً من بديهيات الشريعة كما فعل الطاهر بن جلون في عمله المترجم "طفل الرمال" L,enfant de sable فالراوي بعد أن ينجب عدة بنات يعلن مولودته السابعة صبياً ويسميها أحمد مفسراً ذلك هكذا "أنتم لا تدركون يا أصدقائي وشركائي أن ديننا لا يرحم رجلاً بلا وريث. إنه يحرمه الميراث لصالح إخوته في حين لا تحصل البنات إلا على ثلث الميراث فقط" وتعلق جنين عبوشي على هذا الافتراء الذي يزعم أن الأب إن مات لا يرثه من الأبناء إلا من كان عنده أبناء ذكور وأن البنات يرثن الثلث والأبناء الثلثين بالقول: "وبكلمة أخرى يخبرنا الراوي أن قرار الأب إعلان مولودته السابعة صبياً يحصل بفضلها الأب على حصته من الإرث لكن الشرع الإسلامي في الحقيقة ومن الناحيتين النظرية والعملية لا يحرم رجلاً أنجب البنات دون الأبناء من الإرث بل يعطيه الحصة التي ينالها أخوته سواء بسواء في حين يعطي البنات نصف حق الذكور (لا ثلثه!) فكيف ترانا نصف ادعاء الراوي في هذا السياق؟ أنقول أنه شرع إسلامي متخيل fictionalized؟"
    ولعل القارئ يذكر هنا بالمناسبة النسخ الحرفي الذي يقوم به كتاب مسلسلاتنا وأفلامنا لوقائع اجتماعية غربية لا توجد في الشريعة عندنا من نوع أن الميراث تحدده حصراً وصية المتوفي!
    من الواجب في هذا السياق ذكر تيار هامشي في الغرب يتألف من عدد من الفاعلين الثقافيين النقديين الذين يناضلون في سبيل تغيير القاعدة العنصرية الاستعمارية التاريخية التي لا تزال لها تأثير مهم في الثقافة الغربية ولا شك أن هذا التيار يجب العمل معه وتشجيعه لأننا في النهاية نريد كرة أرضية يتفاهم بشرها على أرضية إنسانية عادلة ولسنا مع حروب استعمارية أو حضارية تستمر إلى ما لا نهاية أو إلى فناء البشرية!
    العصر اللبرالي العربي أغفل كما قلت هذا الوجه السلبي المؤثر للبرالية الغربية وقد ركز على هذا الطابع في عصر المد القومي واليساري ولكن الآن مع العصر الجديد عاد المثقف الحداثي العربي إلى إغفال العنصرية الغربية والولاء غير النقدي للثقافة الغربية السائدة وتفضيلها على الثقافة الشعبية المحلية وقسم لا بأس به من اليسار العربي تحول من الولاء للمركز السوفياتي إلى الولاء للمركز الأمريكي على حين بقي قسم آخر على نظرته النقدية للثقافة الغربية السائدة وتحالفه مع الثقافة الغربية المعارضة للعنصرية والنزعة الاستعمارية والمؤيدة لعلاقات عادلة بين الشمال والجنوب.
    ولنعد إلى تحليل علاقة الحب بين اللبرالية العربية واللبرالية الغربية الذي يصل إلى حب للغرب بكل ما فيه، بخيره وشره وحلوه ومره وفقاً لتعبير شهير لطه حسين.
    لا بد لظهور عاطفة الحب من "الشعور بإمكانية الاندماج بالمحبوب"، وهو الاندماج المتضمن بمعناه اللاشعوري الانتقال إلى الحالة المأمولة التي يعيش فيها المحبوب،إذ المحبوب كما افترضت سابقاً هو "ممثل" لهذه الحالة أو هو يشخصها.
    والحال أن "إمكانية الاندماج" توصل اللبرالي إليها "استيهامياً" (إذا استعرنا هذا المصطلح من أدبيات التحليل النفسي) عبر تقاليد الصفات المظهرية للمحبوب وتقمصها (كما وجدنا عند الحكيم في إعجابه الكبير الذي يحرص على وصفه لنا بالموسيقى الكلاسيكية الغربية وحرصه الدائم على الاستماع إليها ولو عبر الدخول إلى غرفة الجار الأوروبي بغير إذنه!-راجع "عدالة وفن"-) ثم عبر تكبير الإيجابية الموهمة بقبول المحبوب للمشروع الدمجي للعاشق وتصغير أو إسكات الإشارات المعاكسة كما جرى في حالة الواقعة العنصرية التي تعامل معها المثقف العربي المعجب بالغرب اللبرالي بإحدى طريقتين:إما بأوالية نفسية(ميكانيزم) تذكرنا بأوالية دفاعية موصوفة في أدبيات التحليل النفسي اعتباراً من آنا فرويد هي "أوالية الإنكار" أي إخفاء الواقع وإنكار وجوده، وإما بأوالية أخرى هي الحياد الذي تخرج فيه الذات نفسها من الموضع المؤلم عبر الانقسام إلى قسمين: قسم منبوذ هو العائش التجربة المؤلمة وقسم محايد يراقب (ويتماهى بهذا مع الأعلى النابذ الذي حكم بالدونية على الذات الأصلية وهو المرجع الاستلابي)
    وهذه الأوالية الأخيرة لا بد في اعتقادنا من افتراض وجودها إذا أردنا أن نفسر كيف تعامل كتاب كبار مثل المازني وأحمد أمين وغيرهما مع "نظرية علمية" كانت من مسلمات العصر اللبرالي العربي لأنها كانت من مسلمات العصر اللبرالي الغربي وهي النظرية التي ترى في الثقافة بنية فوقية تعبر عن بنية تحتية هي الوراثة البيولوجية(العرق) وهذه النظرية كانت سائدة ومنطوقها الملموس يقول إن العرق الآري يمتلك بطبيعته البيولوجية خواص ثقافية لا يمكن لأعراق أخرى وفي حالنا "العرق السامي" أن يمتلكها.
    هكذا وجدت الصفات الفنية لشعر ابن الرومي تفسيرها في كونه رومياً أي آرياً عند المازني في دراسته عن ابن الرومي!وهكذا تحدث أحمد أمين في الجزء الرابع من "ظهر الإسلام" عن الفرق بين الأدب الصوفي العربي والأدب الصوفي الفارسي:الساميون أقوياء الحس ضعاف الخيال أما الآريون فواسعو الخيال وهم أقدر على تصوير خلجات النفوس على حين الساميون أقدر على تشبيه ظواهر الأشياء!
    العاشق لا ينسب "جمال" أو "رقي" المحبوب إلى صفة واحدة أو صفات محددة فيه بل ينسبها إلى كل ما فيه من صفات مميزة عن بقية البشر حتى لو كانت هذه الصفة أنه يرتدي القبعة وهذا تفسير لجوء أتاتورك إلى إلغاء الطربوش وتقرير القبعة مكانها! ويفسر لماذا كانت هناك مساعي محمومة من بعض "النهضويين" العرب لإلغاء الأحرف العربية وإحلال اللاتينية مكانها ولماذا يستاء المثقف العربي من المميزات الخاصة للموسيقى العربية التي تميزها عن الغربية كعدم وجود التوافق الهارموني واعتمادها على الصوت البشري ويستاء من فقدان التماثيل والتصوير للحيوانات وغياب المسرح في التراث إلى آخره..ولإزالة التمايز يجب استيراد كل صفات الآخر كما استورد الخديوي عباس الأوبرا وكما تحمس طه حسين (وهو كفيف) لاستيراد فن الباليه (المتناقض بالمناسبة بصورة واضحة مع المقرر للثياب المقبولة شرعاً!)
    الصفات التي جعلت المحبوب "جميلاً راقياً" هي الصفات التي ينفرد بها عن بقية الخلق ،ورؤية العاشق هذه لا تتعلق طبعاً بالمكونات الفعلية لهذا المحبوب العتيد فهي تتعلق بما أدركه العاشق وهو إدراك مجتزأ فيه أخطاء وأوهام والمحلل الثقافي يستطيع إن شاء أن يرى الحجم الكبير من المعلومات الخاطئة عن الغرب وثقافته الذي كان موجوداً عند المنبهرين العرب.
    هوامش
    (1) نشر جزء مختصر شامل منها بعنوان "النظرية العامة للعاطفة" في كتاب مشترك مع الدكتور حسين شاويش ، ونشرت الكتاب دار الكنوز الأدبية في بيروت عام 1995 بعنوان"حول الحب والاستلاب – دراسات في التحليل النفسي للشخصية المستلبة". وقد حالت ظروف المنفى القسري دون تصحيح مسودات الطبع ودون الموافقة على النسخة النهائية التي جاءت على طريقة الجيل العربي الحديث الشكلي:أنيقة حافلة بالأخطاء ورفضت الدار توزيع التصحيحات التي دققها الأخ حسين مما حد من مقدرة القارئ على قراءة هذا الكتاب الذي كان في تقديري محاولة عربية جيدة لابتكار نقد سيكولوجي للاستلاب. والابتكار في الكتاب برأيي لم يأت من وجهة النظر الأيديولوجية التي تغيرت عندنا جذرياً منذ ذلك الحين بل من فكرتين:"النظرية العامة للعاطفة" التي ذكرتها هنا، ومن دعوة الدكتور حسين الطليعية التي لم أرها في مرجع آخر لمعالجة سلوكية للاستلاب.
    (2)ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939، دار النهار للنشر، ترجمة كريم عزقول، بيروت، ط3، 1977، ص106.

    -----------------

    وهذه بعض الاراء المنقولة عن مفهوم الأيديولوجيا

    - - - -

    ان معنى او مفهوم الايديولوجيا من اعقد واغنى المفاهيم الاجتماعية، يعتبر كارل مانهايم ان هناك صنفين من الايديولوجيا: المفهوم الخاص والمفهوم الشامل.
    فالايديولوجيا.بمعناها الخاص هي منظومة الافكار التي تتجلى في كتابات مؤلف ما ، تعكس نظرته لنفسه وللاخرين، بشكل مدرك او بشكل غير مدرك . اما الايديولوجيا بمعناها العام فهي منظومة الافكار العامة السائدة في المجتمع.

    - - - -
    الايديولوجية كلمة كثيرة الاستخدام والمعاني وقد تعني معان متعددة في آن معا
    وهي كلمة فرنسية الاصل استعارها الفلاسفة الألمان ثم قدموها مصطلحا جديدا محملا بدلالات جديدة
    وقد دخل المصطلح لغتنا وأدبياتنا العربية مع بداية الثلاثينات من هذا القرن إلا أن أهم من قدم تصورا واضحا له في خطاب المثقف العربي والتيارات الفكرية السائدة في العالم العربي هو الباحث المغربي عبدالله العروي
    وكذلك درسه عدد آخر من الباحثين والكتاب من أمثال زكي نجيب محمود ورضوان السيد وعبدالواحد علواني وفؤاد زكريا وعبدالله الغذامي وآخرين....
    ولم يكن المثقف العربي قادرا على الفكاك من البنية اللفظية للمصطلح لأن الجهود التعريفية العامة غائبة في الثقافة العربية لذلك تجد أن البعض يرصد لهذه الكلمة ظلا سلبيا يحولها إلى تهمة بينما يتبناها آخرون على أنها تدل على التزام مبدأي
    تماما كحال مصطلح العلمانية الذي يعتبره البعض شتيمة يوجهها لمن يعادي الدين
    بينما يدعي مدعو العلمانية أنها تعني النظر إلى الحياة والدين على أنها ظواهر موضوعية ويفتخرون بانتمائهم إلى هذا التصنيف.
    مصطلحات مواربة تحتاج إلى مساحة أوفر وأكثر حماسا

    - - - - -

    إن مفهوم الإيديولوجيا تزامن ظهورة مع مجموعه تزاحم الأفكار الفلسفيه الحديثه في ألمانيا وروسيا فترة أربعينات القرن قبل الماضي
    أي فترة صبا أفكار كارل ماركس وشارل اورييه و فريدريك وكان حاصل وزبده مفكرين هذه الحقبه نشوء الرأسماليه والفكر الشيوعي
    وقد ذكرت المقدمه للوصول الى لب الإيديولوحيا والتي يترجمها البعض الفكرانيه ويراها العلمانيون مذهب او طريق فكري
    فهي تطلق على مجموعه منظمة من الأفكار تشكل رؤيه متماسكة متعلقه بالواقع بشكل فلسفي وسياسي إذاً ليست نابعه
    من عمق الثقافه بل هي مفروضه من طبقه لا تنفذ معتقداتها بل تنفذها على طبقه أخرى
    وهي أي الإيديولوجيا وكما وصلتنا على أنها منطق يوجه ويبسط العلاقات الإجتماعيه والسياسيه للأفراد
    وتعمل على تحليل وربط المعتقدات والأساطير التي تؤمن بها جماعه معينه وتحولها او تعكسها كمصالح واهتمامات من كافه النواحي
    بإختصار هي محاوله لربط كافة نواحي المجتمع وروحانياته بعنوان واحد عريض لترسيخه لمذهب فكري
    وهي لا تختلف من حيث المعنى بل تحتلف من حيث التوجه في الإصطلاح
    كل ماذكرت ليس ما يهمني ما يهمني التالي

    إن موضوع الإيديولوجيا جاء بعد سقوط الفكر الشيوعي وإنحلال مفاهيمه وثبات فسادها في كثير من الأماكن
    لذلك كان لابد من منطق أخر يفرض نفسه كمذهب فكري يراعي جوانب الحياة كافه بيحث يشمل
    الحياة اليومية والحاجات الإنسانيه والامور الروحيه فيحقق بذلك انضمام أكبر عدد لمؤيدي هذا الفكر وينطلق نحو
    تحقيق الأهداف التي سببت ظهور هذا الفكر وهي ماسبقها (الرأسماليه والشيوعيه )

    الأيديولوجيا لا تقدم أي شيئ جديد لذا كثير عليها اسم فلسفه فهي فقط ستار منمق لفكر فاشل
    يخدم مصالح للمصيطرين

    - - - - -
    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  6. #6

    افتراضي

    الأيديولوجيا والسلطة: النص، والواقع، وكبار المفسرين


    خضر محجز
    khadmeh@yahoo.com
    الحوار المتمدن - العدد: 1996 - 2007 / 8 / 3


    الأيديولوجيا(Ideology) إطار عقائدي يتضمن برنامج عمل. فالمصطلح يشير إلى أمرين, أولهما: ضرورة وجود معرفة, أو حزمة أفكار, يفترض أنها محررة من نير الأحكام المسبقة, ومطهرة من تأثيرات سلطة ما. وثانيهما: رفض الاكتفاء بالجانب النظري المعرفي للفكرة. فالأيديولوجيا لا تتحقق إلا بتطلع مستمر وسعي دؤوب, من أجل ممارسة دور حاسم في تعيين طابع الحياة المجتمعية, و تقرير الفعل السياسي لدى الإنسان. وعلى هذا, فالأيديولوجيا مرتبطة بالفرد داخل مجموعة, تؤثر على الفرد وتحكم علاقته بالمجتمع, بوصفها إطاراً عقائدياً, أو رؤية للعالم, تتحدد من خلالها المبادئ الأخلاقية التي تحكم سلوك الفرد الذي يعتنقها.
    إن تمسك الأيديولوجيا بحزمة الأفكار المعرفية, و إصرارها على تطبيقها في الواقع المجتمعي و الفردي, أدى إلى التعارض الصريح, في كثير من الأحيان, بينها و بين الواقع: فالأيديولوجيا حينما تحقق إنجازاً في مجال المعرفة النظرية, ثم تسعى ـ بسبب من طبيعتها ـ إلى النزول إلى معترك الحياة اليومي، لتغيير المجتمع, تتخلى في أغلب الأحيان, تحت وطأة الواقع, عن هذا الإنجاز الذي يصعب تطبيقه. و إن حدوث مثل هذا التناقض القسري, عند التطبيق هو الذي حمَل مصطلح الأيديولوجيا كل هذه المحمولات السلبية تاريخياً: حيث تخلت عن الإنجاز النظري, ثم أخفقت في تحقيق إنجاز عملي(1).
    وتختلف الأيديولوجيا عن العقيدة في كون العقيدة تعني: إطاراً من الأفكار, لا يشترط التحقق العملي لتحقيق ماهيته. فالعقيدة الإسلامية (الأصول) مثلاً تفترض توفر مجموعة تصورات غيبية سماعية لدى معتنقها, فإذا توفرت هذه التصورات تحققت العقيدة, بغض النظر عن السلوك العملي.
    أما إذا تحدثنا عن الإسلام كديانة متكاملة, فإننا سوف نتمكن حينئذ من إطلاق المصطلح (أيديولوجيا) لوصفه؛ لأن الإسلام لم يكتفِ بمجموعة التصورات العقائدية ـ التي تقابلها (في الأيديولوجيا) المعرفة النظرية ـ بل إنه يصر على النزول إلى أرض الواقع لإحداث التغيير, ورسم سلوك الأفراد وفق تصورات مسبقة ترتبط بمنظومة الشرائع(الفروع). كما ينطبق مثل هنا القول ـ إلى حد ما ـ على اللاهوت المسيحي؛ باعتباره يصر على الربط بين العقيدة والسلوك.
    وعلى هذا, يمكن اعتبار الأحزاب الإسلامية أحزابا أيديولوجيةً؛ لأنها تصر على إعادة صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي وفق أفكارها, خلافاً للطرق الصوفية التي لا يمكن نسبتها إلى الأيديولوجيا, بل إلى العقيدة, أو المعرفة النظرية الساكنة.
    والأيديولوجيا تعطي كبار الأيديولوجيين سلطة. وهذه السلطة المعطاة، من ثم، هي التي تحتكر تفسير الأيديولوجيا. وغني عن القول إن هذا التفسير سوف يكون متأثرا بمصالح هذه الطبقة الجديدة، من المفسرين الأيديولوجيين، ويعطيهم بالتالي سلطة أخرى، هي سلطة المعرفة، التي تنتج بدورها أيديولوجيا: فتفسير الأيديولوجيا هو بذاته أيديولوجيا...وهكذا يتم الأمر، وفق علاقة جدلية، تعيد إنتاج أدوات بقائها وتحكمها.
    وهناك وجه آخر للعلاقة السابقة، يربط الأيديولوجيا بالمعرفة، ويربط السلطة بالقوة. والعلاقة هنا هي جدلية كذلك، تتحدد بالجمع والربط بين طرفي العلاقة، لا بالفصل والتمييز بينهما. يقول ميشيل فوكو: "فالقوة تنتج نوعاً من المعرفة، وتؤدي إلى تراكم المعلومات والمعارف، واستخدام كل ذلك من أجل مزيد من ممارسة القوة. وبالمقابل فإن المعرفة ـ بحد ذاتها ـ قوة؛ حيث لا يمكن الفصل بين نشأة المعارف وبين ممارسة القوة"(2).
    والسلطة ليست مصلحة فقط، لأنها في الأصل نزعة. أما الأيديولوجيا، فليست مجرد معرفة، لأنها، بالإضافة إلى ذلك، مؤسسة: كونها تشكيلاً حزبياً يحتاج إلى المفسرين، حتى وهي في الهامش. وهي كذلك مؤسسة، بصورة أكثر وضوحاً، عندما تدخل في علاقات السلطة، بطريق المهادنة أو المشاركة، كما هو حال الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان. وإذا كانت الأيديولوجيا تأنف من وصف نفسها بالمؤسسة؛ فإن السلطة كذلك تأنف من الاعتراف بأنها ترجع إلى تأثير النزعة. لكن كل هذا لا يغير من حقيقة أن السلطة هي، في جوهرها، نزعة إنسانية، وأن الأيديولوجيا مؤسسة تقوم على التنظيم، الذي يضع الحدود بين المسموح والممنوع. "وإنها لحقيقة: أن النزعة تشفي غليلها في مؤسسة... ففي الزواج تقضي الشهوة الجنسية حاجتها، وفي الملكية [تقضي حاجة] الجشع. إن المؤسسة ـ وهي مثال أفعال ـ هي منظومة مجسدة سلفاً لإرضاء ممكن للحاجات... وهي منظومة وسائل، ولكن هذه الوسائل منحرفة: غير مباشرة: هي لا ترضي النزعة من دون أن تقسرها في الوقت عينه... هذا هو الفرق بين الغريزة والمؤسسة"(3).
    ولأن الغريزة مطلقة ومخلوقة مع الإنسان، ولأن المؤسسة خُلقت للتوفيق ـ قدر الإمكان ـ بين الغرائز المتعارضة للبشر، فقد كان لا بد للمؤسسة من أن تحدّ من إطلاق الغرائز، بغية تدجينها وإرضائها بما هو متوفر مؤسسياً. فالمؤسسة ـ اعتماداً على سلطتها ـ تمنح الغرائز شيئاً من المتنفس القانوني، حتى لا يحدث الانفجار. لكن المجتمعات تصادف دائماً من لا يقتنع بهذا الإشباع الجزئي، سعيا وراء قدر من الإشباع لا تسمح به المؤسسة. ومن هنا تنشأ طبقة من الخارجين على المؤسسة، وهم الأقل ذكاءً، وطبقة من المحتالين عليها، وهم الذين يكتشفون أن أفضل طريقة للخروج على القوانين، هي أن يتحولوا هم أنفسهم إلى مؤسسة: أي إلى مفسرين للأيديولوجيا، ليمتلكوا سلطة القوة من خلال المعرفة، تمهيداً لإشباع أكبر لنزعاتهم المكبوتة، خصوصاً نزعة السلطة: "فمهما أمكن للقواعد العامة أن تفرض من إكراه، على الانفعالات البشرية، فهي في الواقع إبداعات هذه الانفعالات، وهي وسيلة، فقط، أشد مكرا وأكثر رهافة، لإرضائها. ليس ثمة شيء أشد تيقظاً وأكثر إبداعاً من انفعالاتنا"(4).
    من هذا المدخل يمكن الولوج إلى رصد طرائق التعامل مع الواقع، لدى الحركات الإسلامية، في مرحلتي الضعف والتمكين ـ أو حين تكون في المعارضة، ثم حين تصبح في الحكم ـ حيث نلاحظ غلبة لغة الحوار على الخطاب الإعلامي لهذه الحركات، في مرحلة المعارضة. وغير مستغرب عندئذ سماعها تطالب بترسيخ مفاهيم (الديموقراطية) و(احترام الرأي الآخر) والدعوة إلى (شفافية الممارسات السلطوية) ورفض تكفير الناس أو الدعوة إلى قتلهم بسبب آرائهم، على اعتبار أن الإسلام ـ في هذه المرحلة ـ يدعو إلى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). كما أن صوت منظري هذه الحركات يتصاعد، في هذه المرحلة، مطالباً بإسناد المناصب العليا في الدولة إلى أهل الخبرة.
    أما في مرحلة التمكين ـ أو حين تتولى الحركات الإسلامية السلطة ـ فسوف نلاحظ صعود طبقة من المفسرين الأيديولوجيين، الذين يفضل بعضهم البقاء في الظل وإصدار الأوامر من وراء حجاب، منعزلين بذواتهم (المتسامية) عن الواقع، ومكلفين غيرهم من صغار التلاميذ مغبة حمل هذه الأفكار، وفرضها على الآخرين، مع هجران تام لأغلب مصطلحات المرحلة السابقة، لصالح مصطلحات أخرى بديلة، تسوغ ممارسات مضادة، تقدم أهل الثقة على أهل الخبرة، بحيث لن ترى هذه الحركات مانعاً من أن تضرب برغبة الناخب ـ الذي أوصلها إلى السلطة ـ عرض الحائط، وما ذاك إلا لفعل الأيديولوجيا، التي رأت، مسبقا،ً أن فكرتها الكاملة عن أسلوب الحياة، الذي ينبغي على الناخبين اتباعه، يجب أن تكون هي السائدة. ولذا فإنها لن تجد بأساً عندئذ في سلب الناخب رأيه، بأثر رجعي، وتسليط من رفضه في الانتخابات، سيفاً مصلتاً على رقابهم، بسلطة الحزب، وبسلطة تفسير الأيديولوجيا، ولسان حالهم يقول: أنتم لا تعرفون مصلحتكم خيراً منا. ولن يكون من المفاجئ عندئذ أن نكتشف كم هو قاس ومحموم وثأري، هذا السيف المصلت بقوة الحزب الأيديولوجي، كونه متسلحاً بسلطة الإله الواحد، الحاكم من خلال النظرية، ثم كونه منطلقاً من عقدة النقص، وراغباً في معاقبة من لم ينتخبوه، من (الجاهلين) و(المنافقين) و(الغوغاء) و (العامة) و (الدهماء).
    في مثل هذه الحالة، سوف يستحيل على حماة الأيديولوجيا ـ من المحاربين القدماء، وحراس التفسيرات ـ التسويق لرؤيتهم الشاملة، مما يؤدي إلى سقوط الأيديولوجيا عند أول امتحان انتخابي قادم. وهذا هو ما يدفعهم ـ في الغالب ـ للانقلاب على النظام الديموقراطي. وهذا هو ـ في الغالب ـ الذي منعهم، حتى الآن، من تحديد موقف واضح من الديموقراطية(5).
    لقد حمل مصطلح الأيديولوجيا دائماً حكماً قيمياً بالسلب، نتيجة ما فعله الأيديولوجيون السياسيون، في كل تجربة حكم، لأن شروط الحياة اليومية لا تستجيب، في الغالب، للأحكام المسبقة، حيث تتميز الأولى بالدينامية، بينما تسيطر النزعة الدوغمائية على الثانية، بضجيجها، ووحشيتها، وزهدها في كل ما هو إنساني.
    لقد سقطت الأيديولوجيا الماركسية، بكل نزعتها الإنسانية، في مجال التطبيق الواقعي حين وصلت إلى السلطة، في الوقت الذي تصاعدت فيه نجاحاتها على المستوى الفلسفي والجمالي وتفسير الظواهر. ولربما لو اكتفت بالبقاء في المعارضة، لحققت نجاحات أكبر, ولصعدت من حربها على استغوال الشركات الرأسمالية, ورقابتها على أجهزة الدولة، ولدفعتها إلى مزيد من الإصلاحات الإنسانية. ولسوف تسقط الأيديولوجيا الإسلامية، في كل موقع تصل فيه إلى السلطة، بسبب من إصرار طبقة المفسرين فيها على التنكر لعلاقات القوى التاريخية، لصالح تطبيق نصوص بعينها، مع أن هناك متسعاً لنصوص أخرى، أكثر قدرة على الاستجابة لهذه العلاقات، التي هي في الأصل دنيوية ومن فعل البشر.
    إن الإسلام هو من عند الله, لكن الأيديولوجيا الإسلامية هي من صنع كبار المفسرين، وشتان بين ما جاء من السماء: دينامياً صالحاً لكل زمان، وبين ما اختلط بنزعات البشر وشهواتهم وعلاقات القوة، في عالمهم الذي مضى ـ ثم جاء كبار المفسرين ليحولوه إلى دين، باعتباره التفسير الأوحد رغم أن عالمه قد ذهب ـ ولعل إصرار المفسرين على ضرورة إحياء منصب الخلافة، يمثل علامة دالة على كيفية تحويل الواقعة التاريخية إلى نص مقدس، متناسين أن هذا المنصب كان قد تم ابتداعه، للمحافظة على وحدة المجتمع، قبل أن يتحول إلى منصب أبدي، تحتكره عائلة بعينها، ولا تتورع عن انتهاك القوانين، التي جاءت بها إلى السلطة، ثم لا تتورع عن خلق مجموعة من المفسرين الأيديولوجيين، الذين يسوغون للجمهور الصبر عليها، وتحريم الثورة على انقلابها المتعمد على سلطة القانون. ومع مرور الزمن, واصفرار الأوراق، اكتسبت هذه التفسيرات القديمة قدسية، أتاحت توريثها لمفسرين جدد، يلبسون ربطات العنق، والحلل الحريرية من (كريستيان ديور) بينما يقبع في دواخلهم حفاة عراة عالة يتطاولون في البنيان، ويرغبون في استرقاق المئات من الجواري الروميات، ذوات البشرة الشقراء.
    الهوامش:
    1ـ انظر المصادر التالية: ياكوب باريون. ما الأيديولوجيا. ترجمة: أسعد رزوق. عرض ومناقشة: سعيد المصري. فصول. المجلد الخامس. العدد الثالث: إبريل ـ مايو/ يونيو. 1985. ص165ـ 166. كريستوفر بتلر. التفكيك والتفسير والأيديولوجيا ودراسات أخرى. ترجمة وتقديم: نهاد صليحة. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2000. ص67 ـ 68.
    2ـ انظر: ثائر ديب مترجم هومي. ك. بابا. موقع الثقافة. ط1. القاهرة. المجلس الأعلى للثقافة. المشروع القومي للترجمة. 2004. هامش صفحة78.
    3ـ جيل دولوز. التجريبية والذاتية:بحث في الطبيعة البشرية وفقاً لهيوم. ترجمة: أسامة الحاج. ط1. بيروت. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. 1999. ص57.
    4ـ نفس المصدر. ص52.
    5ـ فور ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في الجزائر، حاملة معها أنباء الفوز الساحق للإسلاميين، صرح الشيخ عبد القادر حشاني ـ الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ الإسلامية ـ بأن: لا ديموقراطية بعد اليوم.


    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  7. #7

    افتراضي

    الأيديولوجيا والسلطة: النص، والواقع، وكبار المفسرين


    خضر محجز
    khadmeh@yahoo.com
    الحوار المتمدن - العدد: 1996 - 2007 / 8 / 3


    الأيديولوجيا(Ideology) إطار عقائدي يتضمن برنامج عمل. فالمصطلح يشير إلى أمرين, أولهما: ضرورة وجود معرفة, أو حزمة أفكار, يفترض أنها محررة من نير الأحكام المسبقة, ومطهرة من تأثيرات سلطة ما. وثانيهما: رفض الاكتفاء بالجانب النظري المعرفي للفكرة. فالأيديولوجيا لا تتحقق إلا بتطلع مستمر وسعي دؤوب, من أجل ممارسة دور حاسم في تعيين طابع الحياة المجتمعية, و تقرير الفعل السياسي لدى الإنسان. وعلى هذا, فالأيديولوجيا مرتبطة بالفرد داخل مجموعة, تؤثر على الفرد وتحكم علاقته بالمجتمع, بوصفها إطاراً عقائدياً, أو رؤية للعالم, تتحدد من خلالها المبادئ الأخلاقية التي تحكم سلوك الفرد الذي يعتنقها.
    إن تمسك الأيديولوجيا بحزمة الأفكار المعرفية, و إصرارها على تطبيقها في الواقع المجتمعي و الفردي, أدى إلى التعارض الصريح, في كثير من الأحيان, بينها و بين الواقع: فالأيديولوجيا حينما تحقق إنجازاً في مجال المعرفة النظرية, ثم تسعى ـ بسبب من طبيعتها ـ إلى النزول إلى معترك الحياة اليومي، لتغيير المجتمع, تتخلى في أغلب الأحيان, تحت وطأة الواقع, عن هذا الإنجاز الذي يصعب تطبيقه. و إن حدوث مثل هذا التناقض القسري, عند التطبيق هو الذي حمَل مصطلح الأيديولوجيا كل هذه المحمولات السلبية تاريخياً: حيث تخلت عن الإنجاز النظري, ثم أخفقت في تحقيق إنجاز عملي(1).
    وتختلف الأيديولوجيا عن العقيدة في كون العقيدة تعني: إطاراً من الأفكار, لا يشترط التحقق العملي لتحقيق ماهيته. فالعقيدة الإسلامية (الأصول) مثلاً تفترض توفر مجموعة تصورات غيبية سماعية لدى معتنقها, فإذا توفرت هذه التصورات تحققت العقيدة, بغض النظر عن السلوك العملي.
    أما إذا تحدثنا عن الإسلام كديانة متكاملة, فإننا سوف نتمكن حينئذ من إطلاق المصطلح (أيديولوجيا) لوصفه؛ لأن الإسلام لم يكتفِ بمجموعة التصورات العقائدية ـ التي تقابلها (في الأيديولوجيا) المعرفة النظرية ـ بل إنه يصر على النزول إلى أرض الواقع لإحداث التغيير, ورسم سلوك الأفراد وفق تصورات مسبقة ترتبط بمنظومة الشرائع(الفروع). كما ينطبق مثل هنا القول ـ إلى حد ما ـ على اللاهوت المسيحي؛ باعتباره يصر على الربط بين العقيدة والسلوك.
    وعلى هذا, يمكن اعتبار الأحزاب الإسلامية أحزابا أيديولوجيةً؛ لأنها تصر على إعادة صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي وفق أفكارها, خلافاً للطرق الصوفية التي لا يمكن نسبتها إلى الأيديولوجيا, بل إلى العقيدة, أو المعرفة النظرية الساكنة.
    والأيديولوجيا تعطي كبار الأيديولوجيين سلطة. وهذه السلطة المعطاة، من ثم، هي التي تحتكر تفسير الأيديولوجيا. وغني عن القول إن هذا التفسير سوف يكون متأثرا بمصالح هذه الطبقة الجديدة، من المفسرين الأيديولوجيين، ويعطيهم بالتالي سلطة أخرى، هي سلطة المعرفة، التي تنتج بدورها أيديولوجيا: فتفسير الأيديولوجيا هو بذاته أيديولوجيا...وهكذا يتم الأمر، وفق علاقة جدلية، تعيد إنتاج أدوات بقائها وتحكمها.
    وهناك وجه آخر للعلاقة السابقة، يربط الأيديولوجيا بالمعرفة، ويربط السلطة بالقوة. والعلاقة هنا هي جدلية كذلك، تتحدد بالجمع والربط بين طرفي العلاقة، لا بالفصل والتمييز بينهما. يقول ميشيل فوكو: "فالقوة تنتج نوعاً من المعرفة، وتؤدي إلى تراكم المعلومات والمعارف، واستخدام كل ذلك من أجل مزيد من ممارسة القوة. وبالمقابل فإن المعرفة ـ بحد ذاتها ـ قوة؛ حيث لا يمكن الفصل بين نشأة المعارف وبين ممارسة القوة"(2).
    والسلطة ليست مصلحة فقط، لأنها في الأصل نزعة. أما الأيديولوجيا، فليست مجرد معرفة، لأنها، بالإضافة إلى ذلك، مؤسسة: كونها تشكيلاً حزبياً يحتاج إلى المفسرين، حتى وهي في الهامش. وهي كذلك مؤسسة، بصورة أكثر وضوحاً، عندما تدخل في علاقات السلطة، بطريق المهادنة أو المشاركة، كما هو حال الأحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان. وإذا كانت الأيديولوجيا تأنف من وصف نفسها بالمؤسسة؛ فإن السلطة كذلك تأنف من الاعتراف بأنها ترجع إلى تأثير النزعة. لكن كل هذا لا يغير من حقيقة أن السلطة هي، في جوهرها، نزعة إنسانية، وأن الأيديولوجيا مؤسسة تقوم على التنظيم، الذي يضع الحدود بين المسموح والممنوع. "وإنها لحقيقة: أن النزعة تشفي غليلها في مؤسسة... ففي الزواج تقضي الشهوة الجنسية حاجتها، وفي الملكية [تقضي حاجة] الجشع. إن المؤسسة ـ وهي مثال أفعال ـ هي منظومة مجسدة سلفاً لإرضاء ممكن للحاجات... وهي منظومة وسائل، ولكن هذه الوسائل منحرفة: غير مباشرة: هي لا ترضي النزعة من دون أن تقسرها في الوقت عينه... هذا هو الفرق بين الغريزة والمؤسسة"(3).
    ولأن الغريزة مطلقة ومخلوقة مع الإنسان، ولأن المؤسسة خُلقت للتوفيق ـ قدر الإمكان ـ بين الغرائز المتعارضة للبشر، فقد كان لا بد للمؤسسة من أن تحدّ من إطلاق الغرائز، بغية تدجينها وإرضائها بما هو متوفر مؤسسياً. فالمؤسسة ـ اعتماداً على سلطتها ـ تمنح الغرائز شيئاً من المتنفس القانوني، حتى لا يحدث الانفجار. لكن المجتمعات تصادف دائماً من لا يقتنع بهذا الإشباع الجزئي، سعيا وراء قدر من الإشباع لا تسمح به المؤسسة. ومن هنا تنشأ طبقة من الخارجين على المؤسسة، وهم الأقل ذكاءً، وطبقة من المحتالين عليها، وهم الذين يكتشفون أن أفضل طريقة للخروج على القوانين، هي أن يتحولوا هم أنفسهم إلى مؤسسة: أي إلى مفسرين للأيديولوجيا، ليمتلكوا سلطة القوة من خلال المعرفة، تمهيداً لإشباع أكبر لنزعاتهم المكبوتة، خصوصاً نزعة السلطة: "فمهما أمكن للقواعد العامة أن تفرض من إكراه، على الانفعالات البشرية، فهي في الواقع إبداعات هذه الانفعالات، وهي وسيلة، فقط، أشد مكرا وأكثر رهافة، لإرضائها. ليس ثمة شيء أشد تيقظاً وأكثر إبداعاً من انفعالاتنا"(4).
    من هذا المدخل يمكن الولوج إلى رصد طرائق التعامل مع الواقع، لدى الحركات الإسلامية، في مرحلتي الضعف والتمكين ـ أو حين تكون في المعارضة، ثم حين تصبح في الحكم ـ حيث نلاحظ غلبة لغة الحوار على الخطاب الإعلامي لهذه الحركات، في مرحلة المعارضة. وغير مستغرب عندئذ سماعها تطالب بترسيخ مفاهيم (الديموقراطية) و(احترام الرأي الآخر) والدعوة إلى (شفافية الممارسات السلطوية) ورفض تكفير الناس أو الدعوة إلى قتلهم بسبب آرائهم، على اعتبار أن الإسلام ـ في هذه المرحلة ـ يدعو إلى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). كما أن صوت منظري هذه الحركات يتصاعد، في هذه المرحلة، مطالباً بإسناد المناصب العليا في الدولة إلى أهل الخبرة.
    أما في مرحلة التمكين ـ أو حين تتولى الحركات الإسلامية السلطة ـ فسوف نلاحظ صعود طبقة من المفسرين الأيديولوجيين، الذين يفضل بعضهم البقاء في الظل وإصدار الأوامر من وراء حجاب، منعزلين بذواتهم (المتسامية) عن الواقع، ومكلفين غيرهم من صغار التلاميذ مغبة حمل هذه الأفكار، وفرضها على الآخرين، مع هجران تام لأغلب مصطلحات المرحلة السابقة، لصالح مصطلحات أخرى بديلة، تسوغ ممارسات مضادة، تقدم أهل الثقة على أهل الخبرة، بحيث لن ترى هذه الحركات مانعاً من أن تضرب برغبة الناخب ـ الذي أوصلها إلى السلطة ـ عرض الحائط، وما ذاك إلا لفعل الأيديولوجيا، التي رأت، مسبقا،ً أن فكرتها الكاملة عن أسلوب الحياة، الذي ينبغي على الناخبين اتباعه، يجب أن تكون هي السائدة. ولذا فإنها لن تجد بأساً عندئذ في سلب الناخب رأيه، بأثر رجعي، وتسليط من رفضه في الانتخابات، سيفاً مصلتاً على رقابهم، بسلطة الحزب، وبسلطة تفسير الأيديولوجيا، ولسان حالهم يقول: أنتم لا تعرفون مصلحتكم خيراً منا. ولن يكون من المفاجئ عندئذ أن نكتشف كم هو قاس ومحموم وثأري، هذا السيف المصلت بقوة الحزب الأيديولوجي، كونه متسلحاً بسلطة الإله الواحد، الحاكم من خلال النظرية، ثم كونه منطلقاً من عقدة النقص، وراغباً في معاقبة من لم ينتخبوه، من (الجاهلين) و(المنافقين) و(الغوغاء) و (العامة) و (الدهماء).
    في مثل هذه الحالة، سوف يستحيل على حماة الأيديولوجيا ـ من المحاربين القدماء، وحراس التفسيرات ـ التسويق لرؤيتهم الشاملة، مما يؤدي إلى سقوط الأيديولوجيا عند أول امتحان انتخابي قادم. وهذا هو ما يدفعهم ـ في الغالب ـ للانقلاب على النظام الديموقراطي. وهذا هو ـ في الغالب ـ الذي منعهم، حتى الآن، من تحديد موقف واضح من الديموقراطية(5).
    لقد حمل مصطلح الأيديولوجيا دائماً حكماً قيمياً بالسلب، نتيجة ما فعله الأيديولوجيون السياسيون، في كل تجربة حكم، لأن شروط الحياة اليومية لا تستجيب، في الغالب، للأحكام المسبقة، حيث تتميز الأولى بالدينامية، بينما تسيطر النزعة الدوغمائية على الثانية، بضجيجها، ووحشيتها، وزهدها في كل ما هو إنساني.
    لقد سقطت الأيديولوجيا الماركسية، بكل نزعتها الإنسانية، في مجال التطبيق الواقعي حين وصلت إلى السلطة، في الوقت الذي تصاعدت فيه نجاحاتها على المستوى الفلسفي والجمالي وتفسير الظواهر. ولربما لو اكتفت بالبقاء في المعارضة، لحققت نجاحات أكبر, ولصعدت من حربها على استغوال الشركات الرأسمالية, ورقابتها على أجهزة الدولة، ولدفعتها إلى مزيد من الإصلاحات الإنسانية. ولسوف تسقط الأيديولوجيا الإسلامية، في كل موقع تصل فيه إلى السلطة، بسبب من إصرار طبقة المفسرين فيها على التنكر لعلاقات القوى التاريخية، لصالح تطبيق نصوص بعينها، مع أن هناك متسعاً لنصوص أخرى، أكثر قدرة على الاستجابة لهذه العلاقات، التي هي في الأصل دنيوية ومن فعل البشر.
    إن الإسلام هو من عند الله, لكن الأيديولوجيا الإسلامية هي من صنع كبار المفسرين، وشتان بين ما جاء من السماء: دينامياً صالحاً لكل زمان، وبين ما اختلط بنزعات البشر وشهواتهم وعلاقات القوة، في عالمهم الذي مضى ـ ثم جاء كبار المفسرين ليحولوه إلى دين، باعتباره التفسير الأوحد رغم أن عالمه قد ذهب ـ ولعل إصرار المفسرين على ضرورة إحياء منصب الخلافة، يمثل علامة دالة على كيفية تحويل الواقعة التاريخية إلى نص مقدس، متناسين أن هذا المنصب كان قد تم ابتداعه، للمحافظة على وحدة المجتمع، قبل أن يتحول إلى منصب أبدي، تحتكره عائلة بعينها، ولا تتورع عن انتهاك القوانين، التي جاءت بها إلى السلطة، ثم لا تتورع عن خلق مجموعة من المفسرين الأيديولوجيين، الذين يسوغون للجمهور الصبر عليها، وتحريم الثورة على انقلابها المتعمد على سلطة القانون. ومع مرور الزمن, واصفرار الأوراق، اكتسبت هذه التفسيرات القديمة قدسية، أتاحت توريثها لمفسرين جدد، يلبسون ربطات العنق، والحلل الحريرية من (كريستيان ديور) بينما يقبع في دواخلهم حفاة عراة عالة يتطاولون في البنيان، ويرغبون في استرقاق المئات من الجواري الروميات، ذوات البشرة الشقراء.
    الهوامش:
    1ـ انظر المصادر التالية: ياكوب باريون. ما الأيديولوجيا. ترجمة: أسعد رزوق. عرض ومناقشة: سعيد المصري. فصول. المجلد الخامس. العدد الثالث: إبريل ـ مايو/ يونيو. 1985. ص165ـ 166. كريستوفر بتلر. التفكيك والتفسير والأيديولوجيا ودراسات أخرى. ترجمة وتقديم: نهاد صليحة. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2000. ص67 ـ 68.
    2ـ انظر: ثائر ديب مترجم هومي. ك. بابا. موقع الثقافة. ط1. القاهرة. المجلس الأعلى للثقافة. المشروع القومي للترجمة. 2004. هامش صفحة78.
    3ـ جيل دولوز. التجريبية والذاتية:بحث في الطبيعة البشرية وفقاً لهيوم. ترجمة: أسامة الحاج. ط1. بيروت. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. 1999. ص57.
    4ـ نفس المصدر. ص52.
    5ـ فور ظهور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في الجزائر، حاملة معها أنباء الفوز الساحق للإسلاميين، صرح الشيخ عبد القادر حشاني ـ الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ الإسلامية ـ بأن: لا ديموقراطية بعد اليوم.


    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  8. #8

    افتراضي

    العقل العربي وقداسة الايديولوجيا
    * رضوان جودت زيادة
    إذا كانت الايديولوجيا كما عرَّفها ماركس مجموعة أوهام تعتم العقل وتحجبه عن إدراك الواقع والحقيقة، فإن العقل يتحول مع الايديولوجيا إلى مفهوم مسبق يجب تحديده وتأطيره وفقاً لما ترتأي الايديولوجيا وتريد، إذ يتحول العقل وفقاً لذلك إلى مجرد أداة تستجيب دائماً لرغبات الايديولوجيا الفائزة التي لا تفتر ولا تني عن الولوج في الصراع مع الخصم، ويتوجب على العقل عند ذلك أن يخوض معها الصراع لتحقيق النصر والظفر.
    لقد اكتشف العرب "العقل" متأخرين لكنهم ـ برغم ذلك ـ لم يفوّتوا عليهم فرصة توظيفه في التجاذب الايديولوجي، لقد تحول "العقل" في الايديولوجيا العربية المعاصرة إلى رهان، إن كسبناه حققنا النهضة والتقدم والحداثة، وإن خسرناه كان علينا مواجهة مصيرنا المعتم الذي ينتظرنا وفقاً لذلك.
    يعتبر أحدهم أن "العقل العربي هو قضيتنا الحضارية الأولى، ذلك لأنها القضية التي تتوقف عليها مواجهتنا لجميع قضايانا المصيرية، فعقلنا هو الذي يقرر مصيرنا" وهكذا، فالعقل في هذا الخطاب يحتل منزلة المحولة السحرية التي تستطيع ـ ما إن نملك سرّها ـ أن تنقلنا من التخلف إلى الحداثة، ومن الرجعية إلى التقدم.
    لقد اختصر العرب نهضتهم في عقلهم وتركبت ثنائية جديدة قوامها العقل والتقدم، فما إن يتحرر العقل حتى يتحقق التقدم، وما دام تحرير العقل عملية مؤجلة فإن التقدم معلّق، وهكذا تختزل القضية في متوالية ترابطية مبسطة، ولسنا في حاجة إلى التفكير في شروط أخرى للتقدم ما دامت الايديولوجيا قد اختطت لنا الطريق إلى هذا الأمل الذي يكمن في "العقل".
    لكن ما السبيل إلى اكتشاف هذا العقل والتمثل به كي نحقق ما نطمح إليه؟ هنا تتكاثر الأجوبة بحكم تكاثر الايديولوجيات، فالايديولوجيا التقدمية العلمية ترى أن النموذج الاشتراكي وحده يؤدي إلى تكوين عقل قومي علمي بنائي، كما يعبر حامد خليل في كتابه (أزمة العقل العربي)؛ أحد رواد هذه الايديولوجيا، أما النموذج الرأسمالي فإنه يكون عقلاً غير علمي وغير قومي وغير بنائي، وإذا توقفنا لحظة للتساؤل عن ما خلفه النموذج الاشتراكي على صعيد العقل، هنا تجيب الايديولوجيا ـ في لغة فيها الجزم مع الحسم ـ : "إن العقل الاشتراكي ليس قادراً على التغيير بحكم بنيته الداخلية، وإنما بسبب الحصار المضروب عليه من قبل القوى الرأسمالية والبرجوازية والرجعية التي ألبت الجماهير عليه" وبذلك يصبح العقل الاشتراكي منفرداً ووحيداً مع نفسه، إذ تآلب الجميع ضده وتخلت الجماهير التي يتكلم باسمها عنه فما الذي بقي له، وهل يعلن إفلاسه ونهايته؟
    هنا تثور الايديولوجيا مرة أخرى لتؤكد أن العقل الاشتراكي يمثل المخرج الوحيد للأزمة التي يعيشها العقل العربي، وكل خطأ أو انحراف ليس ناتجاً حتماً عن تركيبته وبنيته، إذ هو مبرأ عن الأخطاء، وإنما يمكن إعادته ـ في يسر وسهولة ـ إلى عوامل خارجية وقوى التحكم الرأسمالية والرجعية التي تتربص بهذا العقل، وهكذا يظهر مدى هيمنة الايديولوجيا على العقل وتلبسها به بدلاً من أن يكون العقل حاكماً للايديولوجيا وموجهاً لها.
    وطبيعيٌ بعد ذلك أن ترفض هذه الايديولوجيا أية قراءة أخرى للعقل لا تنسجم مع رؤيتها ولا تتطابق مع مسلماتها، وهذا ما لمسناه مع موجة النقد الشديد الذي وجهته هذه الايديولوجيا لقراءة الجابري للعقل في (نقد العقل العربي)، إلا أن الايديولوجيا الماركسية ليست بدعاً من بين الايديولوجيات العربية التي راهنت على العقل باعتباره محرك التغيير وأداته، بل إن الايديولوجيا الاسلامية تعيد ما أصاب الأمة من تشرذم، وتشتت، وتقوقع على الذات، وضياع للهوية، وافتقاد الدور الريادي على الصعيد العالمي إلى واقع العقل العربي لأنه الملام والمسؤول كما أكد لنا عبد الرحمن الطريري في كتابه (العقل العربي وإعادة التشكيل)، ونحن بدورنا نتساءل: أكلُّ هذا على العقل العربي أن يتحمله وأن يحمل مسؤوليته؟ وهكذا يغيب أي سياق سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي لتفسير الأزمات المعقدة والمتشابكة ويحضر فقط العقل العربي بوصفه علة الأزمة ومعلولها.
    وما دامت الأزمة قد اختصرت إلى هذه الرؤية فحلولها تختصر أيضاً، وبالطريقة نفسها؛ بالاعتماد على تغيير أو إعادة تشكيل العقل العربي حسب تعبيره، وإعادة التشكيل هذه تقتضي منا تنقية هذا العقل من كل الرواسب والشوائب التي علقت به خلال تاريخه، ثم نعيد تنضيده وفق ما تريد الايديولوجيا، وعليه، فالعقل هنا يجب أن يكون متوافقاً مع المنهج الاسلامي، فبعده عنه سبب كل هذا التخلف والتردي والتراجع.
    ولا تكتفي هذه الايديولوجيا بذلك، بل تحاول أن ترسم أسساً وتصوراً وملامحاً للعقل العربي، وذلك بعد عملية إعادة التشكيل المطلوبة، عليه "أن يميز بين الحقوق والواجبات، وأن يحول من حياة الترف والدعة والسكون إلى حياة الجد والنشاط والحيوية، وعليه أن يكتسب خاصية العمل الجماعي، وأن يكون دقيقاً في تعامله مع غيره" وهكذا تسقط هذه الايديولوجيا صفاتها الخلقية على العقل المطلوب دون مراعاة لهذا الانتقال من الواقع إلى العقل إلى المنهج، مما يعكس غياباً للوعي، واختلاطاً في الرؤية والنظر معاً، إذ كيف ننتقل من المستوى الاجتماعي والتجريبي إلى المستوى المعرفي واأبستمولوجي، من دون أن ندرك أن القفز ليس بهذه السهولة بل إنه غير ممكن عملياً قبل عملية إعادة تقعيد نظري للمعطيات المعرفية الموجودة، ثم العمل على ربطها مع الواقع القائم، غير أن الايديولوجيا تبدو قادرة على تجاوز كل ذلك برغم ادعائها أنها تتبنى المنهج العلمي، فما وجدناه لدى الايديولوجيا الماركسية أو الاسلامية شبيه ومتقارب من حيث الرهان على العقل كعصا سحرية قادرة على إخراجنا مما نحن فيه، ونقلنا إلى ما نريد أن نكون عليه دون مراعاة أو تحرج معرفي قائم على اعتبار أن العقل رهين ومشروط بظروفه التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيشها ويتشكل وفقها، ووفق تأثيراته بها.
    الخروج من وحل الايديولوجيا وتجاوز المسبقات النظرية، هذا ما حلمت الدراسات المعرفية بتحقيقه، وعلى رأسها دراسة الجابري ـ المشهورة ـ في نقد العقل العربي، إنه يقرر بداية أن استخدامه للفظة (عقل) بديلاً من (فكر) هو تجنبٌ للايديولوجيا، وابتعادٌ عنها، إذ أن ما يهتم به ليس الأفكار بذاتها بل الأداة المنتجة لهذه الأفكار، فهو يحصر اهتمامه في المجال الأبستمولوجي وحده، إلا أننا لو أردنا أن نكشف المسافة الكائنة بين ما يعبر عنه وبين ما يقوم به خلال تحليلاته وآرائه لوجدنا أن الجابري لم يكن مختلفاً عن غيره من الايديولوجيات في الرهان على العقل والإيمان به لتحقيق سحر التغيير، بل إنه يكاد يكون الأكثر تعلقاً بهذا السحر، ذلك أنه يعتبر أن أهم عوامل تعثر نهضتنا العربية المستمر إلى الآن قائم على أنها لم تنجز عملية نقد العقل المطلوبة "وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟" كما عبر عن ذلك في مفتتح مشروعه السابق الذكر، وهكذا فالنهضة المرتقبة علينا أن نطلبها من العقل ولا شيء سواه، منه ومعه تتحقق، من دونه ومن غيره لا شيء يتم أو يتحقق، نقد العقل مبتدأ النهضة، والعقل الناهض خبرها، وهكذا تؤجل النهضةـ حسب هذا الخطاب ـ إلى حين حسم قضية نقد العقل، وإلى حين انتهاء عملية النقد والتفكيك والتشريح تبقى النهضة معلقة، وبعد ذلك يكون ما تبقى من العقل بعد إخضاعه إلى هذه العمليات جميعاً قادراً على القيام بالنهضة، وحمل أعبائها، وتحقيق شروطها.
    إن العقل وفق ما تطلبه الايديولوجيا مشروطٌ بشروطها، ومتحققٌ فقط بأصولها، عليه ألا يخرج عما تحدده وتؤطره، ومطلوبٌ منه أن يتقيد ليس بفضائها العام فحسب، بل بتفاصيلها أيضاً، وإذا كانت الايديولوجيا العربية بكل تلويناتها قد راهنت على العقل بوصفه مفتاح التغيير، فإن رهانها هذا لم يكن على العقل باطلاق بقدر ما كان على العقل المؤطر بالايديولوجيا، وبالتالي، فخطاب الايديولوجيا للنهضة من خلال العقل هو خطابٌ مراوغ، لأنه لا يبتغي تحقيق النهضة بقدر ما يشترط تحققها بتحقيق ما يبتغيه منها، لذلك نستطيع القول إن الخطاب الايديولوجي هو خطاب مضادٌ للحقيقة لأنه لا يروم المعرفة بقدر ما يبتغي السياسة، والسياسة هنا ليست بما هي علمٌ له أصوله وقواعده، وإنما بما هي كسبٌ للأنصار والجماهير، وتبخيس للخصم والآخر، وهذا بدوره يؤكد لنا أن العقل العربي هو عقلٌ مصادرٌ، ومشروط، ومحكوم بمسبقات نظرية محددة سلفاً، لذلك حق لبرهان غليون أن يقول "لقد تحول مفهوم العقل حسب حاجات الصراع الايديولوجي، فأصبح شعاراً بقصد الانتماء إلى معسكر ضد آخر، ونزع شرعية الكلام عن الخصم" وبذلك يصبح العقل محط تجاذب كل التيارات الايديولوجية، كلٌّ يدّعي وصلاً له ونسباً إليه، مما نزع عن العقل مفهومه الاعتباري بوصفه معيار الوعي بالذات والواقع، وحوّله إلى أداة الصراع في السياسة، وهذا ما أدى أيضاً إلى الغاء وظيفته التي عليه أن يؤديها في المجتمع بوصفه شرطاً من شروط التغير الاجتماعي، ونسقاً مهماً من أنساق الفعل السياسي والتعاطي الاجتماعي والاقتصادي، ورافداً رئيسياً يقيس مدى الوعي بالتغيرات التي تحيط بالذات على المستوى الداخلي والخارجي، وعلى مستوى التغيرات الدولية، والثورات المعرفية التي تحتاج وجوده في كل لحظة من لحظات تحولها.
    إن العقل والايديولوجيا متضادان في غايتهما ووظيفتهما، وهذا ما جعلنا نقرر فصل المقال فيما بين العقل والايديولوجيا من انفصال، ودفعنا أيضاً إلى عدم الاستبشار بكثرة الحديث عن العقل على اعتبار أنه دليل وعي، ولحظة نهوض، إذ على الرغم من أن الجميع يتحدث عن العقل، ويترنم به، ويتوسل إليه، إلا أنهم إذ يتحدثون عن العقل فلكي يتحدثوا عن عقل الايديولوجيا، وليطالبوا الجميع بالتطابق والتماهي معه، فالصراع على العقل لدى العرب كان بمثابة وجهٍ جديد من المعارك الكثيرة التي خاضوها حول التراث والتنوير والهوية، فكل مفهوم كان بمثابة ذخيرة ايديولوجية لجبه الآخر ولجمه، والنتيجة كانت خسارة العرب لجميع معاركهم مع المفهوم، لأنهم في الأصل لم يخوضوها من أجله، وإنما من أجل قداسة الايديولوجيا المنزهة، بذلك تكون "لعنة" النهضة التي رافقت العرب خلال تاريخهم المتطاول، ولم تحل عليهم، بعيدةً أن تتحقق لديهم دون أن يتم أفول شمس الايديولوجيا، وبزوغ نور العقل.



    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  9. #9

    افتراضي

    البنى الأيديولوجية في الخطاب
    اصدر May 20, 2006 7:16:00 AM

    غونتر كريس

    ترجمة : عادل الثـامري

    النص و الخطاب :

    لقد أُستُعمِلَ مصطلحا " النص " و " الخطاب " في النقاشات الحديثة حول بنية اللغة فيما وراء مستوى الجملة دون تمييز حاد بينهما . و عموماً توجهت النقاشات ذات الأساس أو الهدف الإجتماعي إلى استعمال مصطلح الخطاب ( , Corsaro 1980 ) ، في حين اتجهت تلك النقاشات ذات الأساس أو الهدف اللغوي إلى استعمال مصطلح " النص " ( , VanDijk 1978 ) ، و عندما تكون مادية اللغة و شكلها و بنيتها هي الموضوع يتجه التأكيد ليكون نصيّاً ، و حيث يكون محتوى اللغة و وظيفتها و دلالتها الاجتماعية هي الموضوع ، تتجه الدراسة للخطاب . أقول " تتجه " لأن المسألة ليست قاطعة ، وهنالك مقترحات مثل مقترح فان دايك [VanDijk ] ( , 1978 1981 ) لتأسيس تمييز بين المصطلحين لا يتصادف مع التمييز المخطط آنفاً .

    في هذا المقال ، يُرسم التمييز بشكل ثابت و على أسس نظرية بحيث يكون لكل مصطلح حقله المرجعي الخاص المحدد و المميز جداً . إن الخطاب صنف ينتمي إلى و يؤخذ من المجال الاجتماعي ، والنص صنف ينتمي إلى و يؤخذ من المجال اللغوي و العلاقة بين الإثنين علاقة تجسد ، فالخطاب يجد تعبيره في النص : على أي حال ، هذه العلاقة ليست علاقة مباشرة مطلقاً ، فقد يكون النص الواحد تعبيرا أو تجسيداً لعدد من الخطابات المتنافسة و المتعارضة أحياناً .

    إنّ مدرك الخطاب هنا هو " لنمط التحدث " ، وهو مدرك يحاول أن يمسك بالتبصر البدهي المشار إليه في تعبيرات مثل " الخطاب القانوني " و " الخطاب العنصري " و " الخطاب الطبي " . وتوجد مناقشته النظرية الأكثر وضوحاً في بعض الأعمال الفلسفية الفرنسية ، مثلا فوكو ( , , 1970 1971 , 1980, ) . و هذه تشير جوهرياً إلى حقيقة أن المؤسسات الاجتماعية تنتج طرقاً أو أنماطاً خاصة من التحدّث عن حقول معينة من الحياة الإجتماعية التي ترتبط بمكان وطبيعة المؤسسة . أي بواسطة علاقاتها بحقول معينة من الحياة الإجتماعية ذات الأهمية الخاصة للمؤسسة الإجتماعية ستنتج مجموعة من العبارات حول الحقل الذي سيعرف و يوصف و يحدد و يعين ما هو ممكن ما هو غير ممكن قوله بخصوصه و كيف تم الحديث عنه . لذا ، ستكون لمسائل مثل الجنس أو السلطة أو العنصر أو المهنة أو العلم أو العائلة مثلاً خطابات خاصة تقترن بها ( , Muecke , 1983 ) . الخطاب بهذا المعنى ليس محايداً فيما يخص اللغة ، فالأشكال التركيبية سترتبط بالضرورة بخطابات معينة و قد استكشف هذا الارتباط من قبل كريس وهودج( Kress and Hodge)(1978) ففي خطابات القوة و السلطة مثلاً ، تعين العاملية الاجتماعية بطرق خاصة ، وسيعبر عن هذه من خلال أشكال تعدي خاصة ( Transitivity Forms ) أو أن أشكال صيغ محددة ستعبر بشكل منتظم عن علاقات القوة . وبهذه الطريقة ، فإن خطاباً ما و لنقل الخطاب الجنسي سيبدي سمات لغوية خاصة جداً تعبر عن السببية أو العاملية و القوة و الجنس و كذلك السمات اللغوية التي تفيد في تبئير أو موضعة جوانب معينة من الخطاب .

    على أية حال ، رغم أن أي خطاب معين خاص جداً فيما يتعلق بالعبارات الممكنة ضمن شروطه و بالنسبة لسمات لغوية معينة ، فإنه ليس نصّاً . إن هذه الجوانب الخاصة من خطاب ما في تعبيراتها في النص تؤسس عاملاً منظماً و محدداً للنص . إنّ جزءاً من مجال السمات اللغوية التي تؤلف النصّ يتحدد و ينتخب بواسطة خصائص الخطاب . ونتيجة ذلك ، يشير حضور أي سمة لغوية في نص ما دائماً إلى جانب ما من الخطاب الذي يعد النص تعبيراً عنه . إن انتظامية سمات الخطاب تؤمن أيضاً انتظامية اختيار جميع السمات اللغوية للنص . والعامل الثاني لتحديد و تأسيس أي نص يؤخذ من صنف " النوع " . إن حضور مجال من السمات اللغوية لا يحدد بذاته شكل النص ، حيث يتحدد ذلك بالسمات الشكلية لأنواع معينة ، وفي نقطة معينة من التأريخ و عند مجموعة اجتماعية معينة تتوفر بعض الأنواع للتعبير عن خطابات معينة . لكل شكل نوعي امكانيات و حدود خاصة هي جزء موجود في ذلك النوع . من هنا ، يحمل تعبير خطاب ما ضمن نوع خاص معه معانٍ و قابليات و حدود ذلك النوع . على سبيل المثال ، لم يكن الشكل النوعي " افتتاحية " موجوداً قبل ظهور الصحف بشكلها الحالي في أواسط القرن التاسع عشر . ولكن ما إن وجد ، منح هذا النوع حالاً الخطاب الذي يقدمه معنى أبعد من المعنى الذي تعبر عنه السمات اللغوية للنص . إن له نتيجة صيغية ( modal ) [ إنظر : Kress& Hodge 1978 ] تؤثر بالطريقة التي يُقرأ بها النص . لذا فإن تعبير الخطاب الجنسي في النوع افتتاحية سيحمل صيغية مختلفة عن تعبيره في قصة قصيرة . إن شكل نص ما هو بالنتيجة عامل لربط السمات اللغوية المحددة بواسطة النص و الجوانب الشكلية للنوع معاً . ويتضح من هذا أن العلاقة بين النص و الخطاب ليست علاقة مباشرة كلياً . ويمكن القول أن العلاقة بين الخطاب و النص هي علاقة انبثاق فالخطاب يظهر في النصوص و من خلالها ، الخطاب ليس ببساطة تجمعاً للنصوص و انما ، من جهة ، البنية : " التجريدية " لتجمع ما و هو من جهة أخرى متأثر و مبهم بواسطة تأثير النوع ، فضلاً عن ذلك ، قد يكون نص ما نتيجة تعبير عدد من الخطابات المختلفة و غالباً المتعارضة . ومن هنا فإن نصّاً ما هو بالكاد " من قطعة واحدة " طبقاً للسمات اللغوية التي يحتويها أو للخطابات التي يعبر عنها .

    اللغة و الآيديولوجيا :

    تعد الآيديولوجيا إحدى التصنيفات الأقل استقراراً في النقاشات الفلسفية و الاجتماعية للقرن التاسع عشر و تتراوح معانيه من معاني " نظام الأفكار " أو " رؤية العالم " إلى المعاني الأكثر معارضة مثل " الوعي الزائف " أو " أفكار الطبقة الحاكمة المهيمنة " و قد يكون من غير المجدي أو غير المشجع تقديم مثل هذا المصطلح لاعتبارات نظريات اللغة ، وعلى أية حال ، هناك أسباب قوية جداً للقيام بذلك . إن أية نظرية للغة جديّة فيما يخص الوظيفة و النتيجة الاجتماعية للغة لا تستطيع أن تتوافق مع الأصناف اللا اجتماعية مثل " رؤية العالم " ، بل ينبغي لها أن تركّز و بصورة حرّة على علاقات اللغة بالشرط المادي لاستعمالاتها و لمستعمليها . وهنا من الضروري قبول الصنف " أيديولوجيا " على إنه المصطلح الذي يغطي الاهتمامات بأشكال المعرفة و علاقتها بالبنية الطبقية و الصراع الطبقي و المصالح الطبقية و أنماط الإنتاج و البنية الاجتماعية و كذلك بأشكال المعرفة في ممارسات اجتماعية معينة . فالآيديولوجيا تهتم و على حد سواء بالأشكال المهيمنة و المتعارضة من المعرفة في مجتمع ما و بالستراتيجيات التكييفية و بالمعرفة المستقاة من الأوضاع التاريخية و الاجتماعية لمستعمليها ( Manheim , 1955 : Parkin , 1971 , Sumner , 1975 , ص 6 - 4 ) .

    تجد الأيديولوجيات ، بالمعنى المعروض في أعلاه تمفصلها الأوضح باللغة ( رغم أهمية الإصرار على أن الأيديولوجيات تجد تمفصلها في مدى واسع من الممارسات الاجتماعية المختلفة ) لذا فإن الطريقة القوية لدراسة البنية الأيديولوجية تتم عبر دراسة اللغة و بالعكس فإن أشكال اللغة تبيّن بواسطة تحليل الأيديولوجيات العاملة في مجتمعات معينة . و الارتباط بين اللغة و الأيديولوجيا يوجد على عدة مستويات : على المستوى الفردي و على المستوى التركيبي النحوي ( أنظر مثلا : أعمال هاليداي في كتاب كريس 1976 و كتاب Kress& Hodge ( 1978 ) ، فولوشينوف 1973 ، وورف 1957 )) . لا يوجد هذا الارتباط و لا يمكن أن يكون في اللسانيات السوسيرية و كما يقول أنجلتون :

    لا يمكن للغة أن تكون بالنسبة لسوسير كما هي بالنسبة لفولوشينوف أو باختين مكاناً للكفاح الأيديولوجي . إن إدراكاً مثل هذا ينطوي بالضبط على إزاحة و إعادة تمفصل الاختلاف اللغوي الشكلي على مستوى ممارسات نظرية أخرى إذا ما أعلمنا المعجم أن معاكس الرأسمالية هو الكليانية سنحتاج إلى أكثر من كتاب (( درس في اللسانيات العامة )) لتبيان ذلك التشكيل المميز الخاص ( 1980 , ص 165) .


    إن العلاقة بين اللغة و الأيديولوجيا تعتمد على نوع الخطاب ، و أي شكل لغوي لا يمتلك ، عند النظر إليه بمعزل عن غيره أي معنى محدد ، وكذلك لا يمتلك أي دلالة أو وظيفة أيديولوجية . و لأن الأشكال اللغوية عادة ما تظهر في نص ما و من ثم في شكل انتظامي كما هي علاقة نظام المعنى المضمنة في خطاب معين ، فإننا نعزي الدلالة الأيديولوجية إليها . ومجموعة العبارات المعرّفة و المحدّدة التي تؤسس خطاباً ما هي بذاتها معبّرة أيديولوجياً معينة و تنتظم بواسطتها . إذن فالأيديولوجيا و الخطاب هما جانبان لنفس الظاهرة التي ينظر إليها من موقفين مختلفين .

    خلاصة القول ، عن الترتيب المنظم للمحتوى في الخطاب المعتمد على التصنيف المسبق لهذه المادة في منظومة أيديولوجية و مستقى منها يقود إلى الاختيار المنتظم للتصنيفات و السمات اللغوية في نص ما . ومن هنا ، فحضور سمة لغوية في نص ما هو دائما علامة حضور مصطلح واحد من منظومة استطرادية أو أيديولوجيا تظهر في سياق الحضور المواكب لمصطلحات أخرى من تلك المنظومة . و من ثم لا تظهر سمة لغوية أو صنفاً لغوياً بمفرده مطلقاً - إنه يظهر دائماً بوصفه ممثلا لمنظومة من المصطلحات اللغوية التي تجسد بذاتها منظومات استطرادية و أيديولوجية . إن المصطلح اللغوي في خطاب و في نص يأخذ معنى معين من موضعه في منظومة مصطلحات لغوية أخرى أي أن المنظومة تمنح معنى محدد لمصطلحات فيها .

    يمكن " قراءة " الدلالة الأيديولوجية من العناصر اللغوية في نص ما : تظهر السمة اللغوية بوصفها علامة مصطلح في منظومة أيديولوجية و لهذا المصطلح معنى محدد دقيق مأخوذ من موضعه في منظومة مصطلحات أخرى . و على أية حال ، يمكن للنصوص فيما وراء ذلك أيضاً أن تُقرأ لمحتوياتها الأيديولوجية بسبب الطبيعة الأيقونية للأشكال اللغوية ، في الوقت الذي ترتبط فيه أغلب الأشكال الفردية بعلاقة عرفية بمرجعياتها في العالم ( مع إستثناءات مثل المعاني الصوتية ، فإن أغلب أو ربّما كل الأشكال و العمليات التركيبية تمتلك علاقة " تعبيرية " بمرجعياتها . مثلاً في العلاقة بين الجمل المبنية للمعلوم و الجمل المبنية للمجهول - يعبر التحول في التوكيد " المؤشر بالموضع الأول " من الفاعل إلى المفعول [ في الإنكليزية ] عن الدلالة النسبية المعطاة من المتكلم أو الكاتب إلى الكيانات ذات الصلة - على سبيل المثال ، في جملة :

    The Chairman has advised me that-

    ( المدير قد نصحني بأن - )

    تحتل كلمة المدير ( Chairman ) الموضع الأول و بذلك تمتلك التوكيد الذي يحمله هذا الأمر ، وفي الجملة المبنية للمجهول المكافئة لها :

    I have been advised by the chairman that-

    ( لقد نُصحت من المدير بأن - )

    يكون التوكيد على الضمير " I " ، لذا فإن شكل الجملة في كل نوع يساهم في المعنى : تؤشر العلاقة ( الفعلية أو المفهومة ) بين الجمل المبنية للمعلوم و المبنية للمجهول بصورة مشابهة معنى محدد .

    إنّ غياب الفاعل في العدد من الجمل المبنية للمجهول ( مثلا :

    ( I have been advised that -

    هو مثال آخر عن تعبيرية الأشكال و العمليات التركيبية و تعمل كل المنظومة التركيبية للغة بنفس الطريقة . لذا فالشكل التركيبي لا يؤشر مجرد الحضور السابق لاختيار أيديولوجي معين فقط ، بل انه يؤشر أو يعبّر عن معنى أو محتوى ذلك الاختيار الأيديولوجي . وفي الوقت الذي يمتلك فيه شكل لغوي واحد مجالاً واسعاً من المعاني الممكنة ( أي ليس واضحاً من الجملة المبنية للمجهول المنعزلة بالضبط سبب توكيد ذلك الشيء ) ، عندما يظهر ذلك الشيء في سياق الاختيار المنتظم لكل حقل الأشكال اللغوية الموجودة في نص ما ، فإن معنى كل شكل يصبح محدداً جداً .

    يعبّر عن المحتوى الأيديولوجي في الأشكال اللغوية بطريقتين :

    الأولى ، علاقة الاختيارات المحددة أيديولوجيا من المتكلم أو الكاتب - بعبارة أخرى ، بوصفها مؤشراً للفعالية الأيديولوجية . وثانياً التعبير عن المحتوى الأيديولوجي المعبّر عنه بشكل لغوي في سياق أشكال أخرى في نص ما . يصبح المحتوى مجدداً بسبب الحضور المواكب للأشكال الأخرى في نص ما و الذي يضيق و يحدد معنى كل شكل لغوي . ثمة حاجة للقول هنا إن انتخاب أو اختيار شكل لغوي قد لا تكون عملية " حيّة " بالنسبة للمتكلم المفرد . إذا كانت الخطابات هي تنظيمات المواد الأيديولوجية في أشكال استطرادية ، و إذا ما تواجدت هذه الخطابات في خزين مؤسس مسبقاً من الخطابات في مجموعة اجتماعية ، فإن المتكلم المفرد لا يخلق ، في الحقيقة ، الخطاب بل انه ببساطة سيعيد إنتاج الخطاب الذي تعلّمه أو تعلمته سابقاً . على أية حال ، ما دام الخطاب و النص تصنيفين متمايزين ، وما دام الخطاب ينبغي له أن يتجسد في نوع معين ، من الممكن للمتحدّث أن يستعمل قواعداً استطرادية مؤسسة و يمنحها تطبيقاً جديداً نسبياً في النص ، في الواقع ، ما دامت لا توجد علاقة تشاكلية مباشرة بين الوحدة الاجتماعية " خطاب " و الوحدة اللغوية " نص " ، فقد يكون نص ما مكاناً لعدد من الخطابات المتناقضة و المنفصلة في الأغلب . ومن هنا ، يمكن لمستعملي اللغة أن يمارسوا إبداعيـتهم في النص و ليس في الخطاب ، وفي الوقت الذي تكون فيه الخطابات ثابتة نسبياً ، تكون النصوص غير مستقرة و غير قابلة للتنبؤ نسبياً و عدم قابلية التنبؤ هذه هي سبب رئيس في عملية التعبير اللغوي .

    المصدر :

    Gunther Kress (1985) " The Ideological Structures in Discourse ". in Teun Nan Dijk ( ed )

    Handbook of Discourse Analysis Vol.4.

    London: Academic Press.

    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  10. #10

    افتراضي

    بول ريكور

    ترجمة: د.محمد سبيلا


    أقترح القيام بمعالجة لثلاث استعمالات -مشروعة كلها- لمفهوم الإيديولوجيا، في مقابلتها لثلاث مستويات متدرجة في العمق.

    الإيديولوجيا كتشويه وإخفاء


    سأنطلق من استعمال كلمة “إيديولوجيا” التي أصبحت شعبية بفضل كتابات ماركس، في فترة المخطوطات الاقتصادية السياسية لسنة 1843-1844م، وخاصة الإيديولوجيا الألمانية. (...) وقد كان نابليون هو الذي اتهم هؤلاء الإيديولوجيين العزل، بأنهم كانوا بمثابة تهديد للنظام الاجتماعي، وهو ما تولدت عنه الدلالة القدحية لِلَّفظ، (...) ومن الواجب أن نشير أن ماركس الشاب، كان قد حاول أن يقدم لنا ما يعنيه بالإيديولوجيا من خلال تشبيه، فقد استخدم تشبيه قلب الصورة في غرفة سوداء، وهي منطلق فن التصوير. ومن ثمة فإن الوظيفة الأولى المسندة للإيديولوجيا، هي إنتاج صورة معكوسة للواقع.



    ماذا يعني هذا التشبيه؟ إننا نعثر لدى ماركس على تطبيق له وعلى استعمال معمم. التطبيق المضبوط يأتي من فوير باخ، وقد رأى ماركس في هذا القلب نموذجاً لأشكال القلب الأخرى ذات الطابع الإيديولوجي. وبهذا المعنى، فإن نقد الدين لدى فوير باخ هو المثال النموذجي والباراديغم، لتأويل التشبيه المجازي المتعلق بالصورة المعكوسة، في الغرفة السوداء لآلة التصوير. وما هو خاص بماركس في إعادة تناول فوير باخ، هو العلاقة التي يقيمها ماركس بين التمثلات وواقع الحياة، الذي يدعوه ممارسة.



    وبذلك ننتقل من المعنى الضيق إلى المعنى العام لكلمة إيديولوجيا. وحسب هذا المعنى فإن هناك أولاً الحياة الواقعية للناس، إنها ممارستهم؛ ثم هناك انعكاس هذه الحياة في خيالهم، وتلك هي الإيديولوجيا. وهكذا تصبح الإيديولوجيا هي العملية العامة، التي يتم فيها تشويه وتحريف عملية الحياة الواقعية أو الممارسة، بواسطة التمثلات المتخيلة، التي يكونها الناس عنها. (...) وإذا كانت الإيديولوجيا صورة مشوهة وقلباً، وإخفاء للحياة الواقعية، فإنه يتعين إعادة وضع الإنسان، الذي يسير على رأسه، ليمشي على رجليه، مع الابتداء بهيجل، وإنزال الأفكار من سماء المتخيل إلى أرض الممارسة. (...) لماذا لا يتعين الاقتصار على هذا المفهوم الأول للإيديولوجيا؟ إن مجاز القلب يخفي بدوره ثغرة خطيرة. إذا قبلنا أن الحياة الواقعية -الممارسة- تسبق حقًّا وفعلاً الوعي وتمثلاته، فإننا لن نفهم كيف يمكن أن تنتج الحياة الواقعية صورة عن ذاتها، وبالأحرى صورة معكوسة. إننا لن نستطيع أن نفهم ذلك إلا إذا ميزنا داخل بنية النشاط العملي ذاتها، وسيطاً رمزياً يمكن أن يكون قابلاً للتحريف. وبعبارة أخرى إذا لم يكن النشاط العملي ملوثاً بالخيال، فإننا لن نفهم كيف يمكن أن تتولد صورة خاطئة عن الواقع.



    ونحن نعرف كيف تخبط الماركسيون الأصوليون في مدلول الوعي كانعكاس، الذي لم يكن التكرار للتشبيه المجازي القديم حول الصورة المعكوسة. يجب أن نفهم إذن بأي معنى يكون المتخيل مباطناً لعملية الممارسة ذاتها.



    الإيديولوجيا كعنصر مبرر، أو (إضفاء المشروعية)



    وبذلك نتجه نحو المستوى الثاني، حيث تبدو الإيديولوجيا لا كعنصر مشوش ومشوه، بل كعنصر مبرر. وقد لامس ماركس نفسه هذا المعنى، عندما أعلن أن أفكار الطبقة السائدة تصبح أفكاراً سائدة، وتحاول أن تمرر نفسها كأفكار شمولية. وهكذا فإن المصالح الخاصة لطبقة معينة، تصبح هي ذاتها مصالح شمولية. وقد لامس ماركس بذلك ظاهرة أكثر أهمية من مدلول القلب والإخفاء، أي محاولة التبرير التي ترتبط بظاهرة السيطرة ذاتها. وهذه المشكلة تتجاوز مشكلة الطبقات الاجتماعية، (...) فكل سيطرة تريد أن تبرر ذاتها، وهي تقوم بذلك بالالتجاء إلى مدلولات يمكن أن تصبح شمولية، أي صالحة للجميع. والحال أن هناك وظيفة للغة تستجيب لهذه الوظيفة، وهي البلاغة، من حيث إنها تزود بالأفكار شبه الشمولية. وقد كانت العلاقة بين السيطرة والبلاغة معروفة منذ القديم. (...) ليس هناك مجتمع يشتغل بدون معايير وقواعد، وجهاز رمزي اجتماعي، يتطلب بدوره بلاغة للخطاب العمومي. (...) في أية لحظة إذن يمكن أن نقول: إن بلاغة الخطاب العمومي تلك تصبح إيديولوجيا؟ من وجهة نظري إن ذلك يتم عندما توضع في خدمة عملية إضفاء المشروعية على السلطة. يجب أن نرى أن في ذلك -قبل أية حيلة أو أي إخفاء- أداءً وظيفياً، يمكن أن يكون مليئاً حقًّا بالمصائد، لكنه ضروري ولا خيار فيه.



    كان ماكس فيبر قد بين في كتابه “الاقتصاد والمجتمع”، في بداية هذا القرن، أن كل مجموعة اجتماعية متطورة، تصل ضرورة إلى مرحلة يقع فيها التمييز بين الحاكمين والمحكومين، وهذه العلاقة غير المتناظرة، تتطلب ضرورة بلاغة إقناع، ولو فقط للحد من استعمال القوة في فرض النظام. كل نظام للمرافقة الاجتماعية، يقوم على أداء إيديولوجي مسخر لإضفاء المشروعية على مطالبته بالسلطة. وهذا ليس فقط صحيحاً بالنسبة للسلطة التي يدعوها فيبر بالسلطة الكارزمية، ولا فقط بالنسبة للسلطة المرتكزة على التقليد، بل حتى بالنسبة للدولة المعاصرة، التي يصفها بأنها دولة بيروقراطية.



    لماذا يكون الأمر كذلك؟ لأن ادعاء المشروعية بالنسبة لمنظومةٍ سلطويةٍ ما، يتجاوز دوماً ميلنا إلى الاعتقاد في مشروعيتها الطبيعية. وتلك ثغرة يتعين ملؤها، وضرب من فائض القيمة الاعتقادي، تكون كل سلطة في حاجة إلى استخراجه من رعاياها. وعندما أقول فائض قيمة، فأنا أشير طبعاً إلى المفهوم الذي طبقه ماركس على علاقات رأس المال والعمل، فقط على ميدان الإنتاج، لكن يبدو لي أنه قابل للانطباق عامة على كل علاقة سيطرة. هناك حيث تكون السلطة، تكون المطالبة بالمشروعية. وهناك حيث تكون المطالبة بالمشروعية، يتم اللجوء إلى بلاغة الخطاب العمومي بهدف الإقناع.



    وهذه الظاهرة تشكل في نظري المستوى الثاني للظاهرة الإيديولوجية. وسأسميه بإضفاء المشروعية لا الإخفاء، كما في المستوى الأول(...).



    الوظيفة الإدماجية للإيديولوجيا (احتفالات الذكرى)



    لكن إذا لم يكن بمستطاعنا تتبع تولد ظاهرة السلطة، فإننا نستطيع أن نفهم ما هي الأسس العميقة التي تقوم عليها. وذاك مستوى ثالث أعمق من مستويات الظاهرة الإيديولوجية يتم الكشف عنه. ووظيفته على ما يبدو هي وظيفة إدماج، وهي وظيفة أساسية أكثر من وظيفة إضفاء المشروعية، وبالأحرى من وظيفة الإخفاء.



    ومن أجل أن نفهم بم يتعلق الأمر، سأنطلق من استعمال خاص للإيديولوجيا حيث تكون وظيفتها الإدماجية واضحة وبديهية. ويتعلق الأمر بالاحتفالات التذكارية التي تحيي الجماعة بواسطتها الأحداث التي تعتبرها أحداثاً مؤسسة لهويتها، يتعلق الأمر إذن بالنسبية الرمزية للذاكرة الاجتماعية. ونحن لا نعلم ما إذا كانت هناك مجتمعات غير ذات علاقة بأحداث تأسيسية تبدو وكأنها أصل الجماعة ذاتها.



    وأنا أشير إلى ظواهر مثل الإعلان الأمريكي الشمالي للحرية، أو الاستيلاء على الباستيل خلال الثورة الفرنسية، أو ثورة أكتوبر بالنسبة لروسيا الشيوعية. في كل هذه الحالات تحافظ الجماعة على علاقة معينة، مع جذورها الخاصة الممثلة في الحدث المؤسس. ما هو دور الإيديولوجيا هنا إذن؟. إنه لنشر الاعتقاد واليقين، بأن هذه الأحداث المؤسسة هي التي شكلت الذاكرة الجماعية، وعبرها، شكلت هوية الجماعة ذاتها. إذا تماهى كل واحد منا مع التاريخ الذي يمكن أن يحكيه عن ذاته، فإن الأمر هو كذلك بالنسبة لكل مجتمع، مع فارق يتمثل في أن علينا أن نتماهى مع أحداث ليست ذكرى مباشرة لأي أحد، بل ولم تكن ذكرى إلا لدائرة محدودة من الآباء المؤسسين. وتلك وظيفة الإيديولوجيا في أن تعمل كمعبر بالنسبة للذاكرة الجماعية، حتى تصبح القيمة التأسيسية للأحداث المؤسسة، موضوع اعتقاد من طرف الجماعة كلها. وينتج عن ذلك أن الفعل المؤسس ذاته، لا يمكن أن يكون قد تمت معاناته وإحياؤه، إلا بواسطة تأويلات لا تكف عن تعديله، وأن الحدث المؤسس ذاته يتماثل إيديولوجياً مع وعي الجماعة. ولعله ليس هناك أية مجموعة اجتماعية، سواء تعلق الأمر بطبقة أو بشعب، دون مثل هذه العلاقة غير المباشرة، مع أحداث تنسب لها الجماعة دلالة كونها حدثاً مؤسساً. هذا المثال المتميز، عن العلاقة بين الذكرى الاحتفالية والحدث المؤسس، عبر تمثل إيديولوجي، يمكن تعميمه بسهولة. فكل جماعة قائمة تتطلب صلابة واستمراراً، بفضل الصورة الثابتة والدائمة التي تقدمها لنفسها عن ذاتها. وهذه الصورة الثابتة تعبر عن المستوى الأعمق للظاهرة الإيديولوجية.
    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك