آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

صفحة بيضاء » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> تباريح إمرأة تحتضر » الكاتب: أشرف البشيري » آخر مشاركة: أشرف البشيري >> قهوة الدموع » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> يا شجرة الياسمين » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> شمس غزة موجعة » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> أنــــــــــــــــــــاقة » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> *·~-.¸¸,.-~*حوارات وطنٍ .*·~-.¸¸,.-~* » الكاتب: الزهراء » آخر مشاركة: سالم >> اكتب إحساسك بكلمة واحدة » الكاتب: ياسمينة الشهباء » آخر مشاركة: سالم >> منى الغالية، ويبقى لميلادك ألف ياسمينة وزهرة » الكاتب: الزهراء » آخر مشاركة: سالم >> ماذا تقرأ الآن ؟ » الكاتب: الحالم » آخر مشاركة: أشرف البشيري >>
+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 24

الموضوع: مـقالات مـختارة

  1. #1
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي مـقالات مـختارة

    (1)

    مقاربة فوكو للإسلام
    أحمد خريس

    مقدمة المترجـــم :

    على الرغم من كون الاقتباسات التي تنسبها هذه المقالة إلى فوكو لا توحي بالصرامة الأكاديمية، والعمق الفكري، اللذين ميزا كتابات المفكر الفرنسي، فإن مقاربته للإسلام كما يكشف عنها الكاتب الإيطالي "أرماندو سلفاتوري" تمتلك أهمية كبرى. ومن نافلة القول إنّ فوكو يعد أحد أبرز فلاسفة الاختلاف، ولقد اشتهر بأنه فيلسوف التخوم والخارج، مكرِّساً جل وقته في محاولة كتابة تاريخهما، وبادئاً بمقاربة الجنون في افتراقه الخالص، واختلافه الحقيقي، قبل كل اقتناص لـه من جانب العقل.
    يعقد "هابرماس" في كتابه "الخطاب النقدي للحداثة" مشابهة بين عمل فوكو في تاريخ الجنون، وتجربة شوبنهور في غوصه إلى العالم الشرقي، غير أن ثمة معوقات تعترض مقاربة فوكو للإسلام، مما يوجب الحذر عند النظر إلى مقاربته هذه كمقاربة شاملة للإسلام، تستنطق سياقاته النصية والتاريخية، وأولى هذه المعوقات تتجسد في كون الإسلام يمثل آخرية خارجية أو مطلقة بالنسبة إلى الثقافة الغربية، على خلاف ما عرفته هذه الأخيرة من آخرية داخلية، فإنْ أقُصيَ المجنون أو المريض العقلي أو المجرم جغرافياًُ، وزُجّ بهم في مستشفى المجانين، والمصحات العقلية والسجن، فالغاية إعادة دمجهم ثقافياً واجتماعياً أو -وفقاً لفوكو- الحد من آخريتهم.
    أما ثاني هذه المعوقات فيتمثل في ما أشار إليه إدوارد سعيد؛ قائلاً: ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق أو يفكر فيه، أو يمارس فعلاً متعلقاً به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ، على محمل الجد، الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والعمل.
    فالحديث عن الشرق لابد وأن يفضي إلى مماحكة المؤسسة الاستشراقية التي يوحي التفريق الذي أقامته بين الشرق والغرب بتلك الثنائيات القائمة بين الخير والشر، وبين المركز والهامش بصورة تبدو فيها هامشية الهامش –مثلاً- سبباً في التمكين لمركزية المركز.
    ويتمثل ثالث هذه المعوقات فيما تتسم به مادة فوكو الوثائقية حول الإسلام من فقر. وقد أشار المفكر الفرنسي نفسه إلى ما يصيبه من حرج إن هو تحدث عن الفكر الإسلامي، ذلك أن معرفته بالإسلام لا تسمح لـه بتدشين بناء نظري حوله. فضلاً عن أن فوكو اتهم من جانب بعض المفكرين الغربيين بنوع من الشوفينية، فعلى الرغم من غنى مادته الأرشيفية فقد غلبت عليها المصادر الفرنسية.
    ويمثل ترادف مفهوم السلطة في الفكر الفرنسي الحديث مع الشر رابع ما نشير إليه من معوقات. فقد كان البحث في جينالوجيا السلطة بحثاً في أصول الشر، وعلى الرغم من كون فلسفة السلطة لدى فوكو أكثر تعقيداً من المزاوجة بينها وبين الشر، فإنه ظل شغوفاً بأنموذج الإنسان المنبوذ الذي يقلق الوحدة السعيدة للدولة، مما يوحي بأثر بعيد للرومانسية. ولعل النفور الذي طبع موقف فوكو إزاء الثورة الإيرانية، بعد أن احتلت هذه الأخيرة موقع السلطة، ما ينهض دليلاً على صوابية الفكرة السابقة. وإذا أضفنا إلى كل ما تقدم ارتهان مقاربة فوكو للشروط الجمالية عند معاينته الثورة الإيرانية، أدركنا الحدود المعوقة التي أحاطت برؤيته للإسلام.
    لكن من المهم الإقرار أن مقاربة فوكو تقع خارج المقاربات المتوارثة التي دأبت على المسارعة إلى الأمثلة الناجزة من التاريخ الغربي كالثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، وثورة أيار 1968، لتجعل منها معياراً، ومرجعاً كونياً. ويلعب اختلاف فوكو هذا المستوى خاصة دوراً معرفياً وأخلاقياً مكناه من رؤية الإسلام رافداً ثرًّا لذاتية خلاقة، على النقيض من الاستشراق الكلاسيكي الذي رأي في الإسلام كابحاً للذاتية.



    النص المترجم*:

    خضعت تغطية فوكو إلى استقصاء تحليلي حذر، فتزامن اهتمام المفكر الفرنسي بها مع بروز إشكاليَّة تثمين "الثورة في عالم لا روح له"، ولم يبقَ حينها غير التموقع حول الفهم الغربي السائد للإسلام في تلك الحقبة الزمنية. وإذْ تفترض هذه الدراسة، بصورة متسرعة، أن الغموض يطبع الجهد الذي اضطلع به فوكو، فإنني سأعمد إلى إغفال الدلالات السياقيَّة والنَّصية التي توحي بأهمية العلائق التي تربط بين أزمة المفكر الشخصية؛ متمثلة في التحول الأكثر حدة واستيلاءً على المثقف الغربي في سبعينيات القرن الغابر، وبين الإخراج الإعلامي "للأزمة"، الذي ترافق مع تزايد اهتمام وسائل الإعلام بـ "الدور الذي يلعبه الإسلام".
    وتنماز دراسة "ستوث" Stauth بمحاولة الربط بين انشغال فوكو بالثورة الإسلاميَّة في إيران، و "نظريته السياسيَّة" كما تبدت في كتابه "المراقبة والمعاقبة"، الذي صدر في العام 1975، غير أن فيما سبق استغلالاً تنميطياً لذلك المرجع، يحجبنا عن معرفة المدى الذي زج فوكو نفسه فيه فيما يختص بالمسألة الإيرانية؛ وهو انهماك كان مبثوثاً برهافة في الطريق الحرج لمسيرته الفكريَّة، التي بدا خلالها وقد تجاوز عمله المربك في كتاب "السلطة والمعرفة"، مع بدايات العقد السابع من القرن المنصرم.
    ومن المتوجب تبني منظور أكثر ديناميَّة في تثمين "تأويلات الإسلام"، على شاكلة ذلك الجهد الذي انخرط فيه فوكو بصورة غير مباشرة في التقارير التي كان يرسلها من إيران. ونحن نعثر –في صلب هذا العمل- على تحول يثير الفضول. الأول : يختص بعلاقة المفكر الفرنسي بما اصطلح على تسميته بـ "الكتابة الصحفيَّة الفلسفية"، فلم يعد ذلك يعني إنجاز ضرب من الكتابة الصحفية من منظور فلسفي "كما فعل سالفاً قبل دراسته لنص كانت Kant (ما هو التنوير)"، وإنما إنتاج خطاب فلسفي عبر الصحافة. ذلك أن فوكو لم يعد ينظر إلى الكتابة الصحفية الفلسفية بوصفها ملحقاً ثقافياً حسب. وقد ظهرت تباشير هذا التحوَّل جليَّةً في كتاباته الأولى حول الثورة الإيرانيَّة.
    وتقدِّمُ هذه القصة، كذلك، بعض الدلالات التي تلقي ضوءاً ساطعاً على السبب الكامن وراء التحول الثاني بالغ الأهميَّة. فقد تحوَّل الاهتمام لديه من إعمال الفكر حول سؤال حاضر الغرب إلى إعمال الفكر حول حاضر بقعة من العالم "الآخر"، وحين طلبت الصحيفة الإيطاليَّة Corriere della sera"" إلى فوكو تزويدها بمقالات فلسفيَّة عام 1977م، قدَّم الأخير صورة مغايرة لما جرى عليه التقليد الصحفي في إعداد تحقيق حول حدث بعينه. وقد أمضى في إيران أسبوعين، أحدهما في أيلول من العام 1978م، وثانيهما في تشرين الأول من العام نفسه. كتب خلالهما سلسلتين من المقالات: فجاءت الأولى لتسرد لقاء فوكو الأول مع الانتفاضة الشعبيَّة التي رفعت لواء "الحكومة الإسلاميَّة"، بكل ما في ذلك من إثارة وإمتاع بالغين. وسوف أعمدُ إلى تحليل هذا النتاج، الذي تمخَّض عن هذه التجـربة الأولى من خـلال الروايـة الأكثر وجاهـة وتكـثيفاً، مجسَّـدة بمقالـة فوكـو الـتي نشرتـها صحيفـة "Le Nouvel observateur" في منتصف تشرين أول من العام 1978م، وقد تفردت هذه المقالة تفرداً واضحاً في إعطائها تقويماً أولَّياً للثورة إثر رحلة فوكو الأولى. وكانت تلك المقالة التي حملت في ثناياها تشوُّفاً متقداً، على النقيض مما كتبه لدى إقامته الثانية، وإن لم تصدر عن هذه الأخيرة رؤية جديدة ثاقبة. وعلى الرغم من أن مقالة فوكو هذه تجسد موقفه إبَّان الانتفاضة تجسيداً كبيراً، فمن الواجب أن تحلَّل متوازية مع نصين آخرين هـما :حوارٌ ومقالة، أتيا بعد أن نجحت الثورة وشرعت بالكشف عن وجهها العنيف.
    لقد بدا فوكو متردداً في تثمينه للدور الذي لعبه الإسلام في انبعاث الروحيَّة السياسيَّة. ولم يكن السؤال الذي تصدر ما عداه: هل يعدَّ الإسلام قوة حقيقيَّة، أو أنه قناعٌ لقضايا أخرى؟ وإنما غدا السؤال : هل كان الإسلام يمثَّل تقليداً راسخاً في مقاومته للطغيان، أو أنَّه مصدر ثرُّ ليوتوبيا حازمة ومتطلَّعة؟ كان فوكو حذراً من إبراز هذا السؤال عبر ثنائيَّة الحداثة والتقليد، وما تستدعيه من توتر واحتدام. ومما لاشك فيه أن إسقاطه لهذه الثنائيِّة جعله يتوصل، عبر بعض الفقرات الهامة، إلى صيغة مكثفة لمعنى الثورة. وهي ليست ثورة بالمعنى التحليلي التقليدي للمصطلح. وإنما مساس بجوهر الثورة بوصفها :"نهوض أمة بأكملها ضد أية سلطة تضطهدها". غير أننا نجد، بعد تفحص مليّ، أن تثمينه للثورة الايرانيَّة يذهب إلى مدى أبعد من ذلك، نحو الحد الذي يبدو معه متطابقاً مع ذلك التصوُّر الذي أبرزه في السنوات اللاحقة حين علَّق ثانية وبصورة أكثر تكثيفاً على نص كانت : (ما هو التنوير) نقرأ :
    "إن السؤال الذي بدا لي وكأنه يطرح للمرة الأولى هو سؤال الحاضر، وسؤال اللحظة الراهنة. ما الذي يحدثُ اليوم؟ ما الذي يحدث الآن ؟ وما ماهية هذه (اللحظة) التي نقيم فيها جميعاً، والتي تحدَّدُ الزمن الذي أكتب فيه الآن ؟..." لم يعد هذا السؤال بالنسبة للفيلسوف سؤالاً حول انتمائه لمجتمع بشري بصفة عامَّة. وإنما حول انتمائه لـِ (نحن) متعينة ومحددة؛ (نحن) تتناظر مع مجموعة ثقافيَّة بعينها، يجمعها بالفيلسوف "حاضر" واحد. وليس من شكّ أن فوكو رأى تمظهر مفهوم الكينونة الذي يقترب من هذه الـ "نحن" خلال ثورة الشعب الإيراني ضد الشَّاه. والمفارقة الكامنة هنا أن هذه الـ "نحن" الغربية قد انوجدت بينهم "في الشرق/إيران". وبدا السؤال "ما هو التنوير؟" قد وضع متوازياً مع سؤال أكبر، برز في سياق ظهور نمط حديث من التمييز الفكري بين الأشياء: إنه سؤال مونتسيكو : كيف يمكن للمرء أن يكون فارسيَّاً؟ إنه سؤال يعبِّرُ عن الحيرة التي تصيبُ العقل الحديث حين يتواجه مع آخريَّة راديكاليَّة. وقد استثمر فوكو، بصورة أكيدة، السؤال الأخير، وهو بصدد الإجابة عن السؤال الأول. غير أن تلك الإجابة لم يثر ما اتسمت به من عرضيَّة استغرابنا. فقد أملاها ما بدا لـ "فوكو" أنَّه إعادة تعريف للذات الحديثة متوقفاً، في ذلك المفصل التاريخي، عند فهم القوة المسيَّرة للانتفاضة الإيرانية ونجاحها الباهر. وعلى خلاف الوضعية الكانتيَّة، فقد بدا من المحال، في لحظة بعينها، أن يعبِّر الفيلسوف عن خطاب سياسي حديث، بالاتكاء على المجتمع "المابعد ثوري" الذي ينتمي إليه، إذ غدا من غير الممكن العثور على العلامة الحقيقيةَّ؛ أي الحدث ذي القيمة. نقرأ :
    "أي علامة؟ علامة على وجود قضيَّة أبديَّة وعابرة للتاريخ قادت الجموع على طريق التقدّم... أهي الثورة بوصفها مشهداً لا إيماءة، الثورة كبؤرة لحماسة شهودها لا كمبدأ لانتفاضة المشاركين فيها، بصرف النظر عن مدى نجاحها أو إخفاقها غير ذي الصلة بموضوع التقدم، أو على الأقل كإشارة إلى التقدُّم الذي نرنو إليه".
    لقد نُظر إلى الثورة كنقطة أساس في الكشف عن الذاتيَّة السياسيَّة الحديثة. ولم يتحرَّج فوكو، تأسيساً على هذا التصور، من مقارنة مضمون الثورة الإيرانية بالأهميَّة التي تعزى إلى الثورة الفرنسيَّة كما أبرزها "فوريه" Furet في كتابه الشهير الذي صدر متزامناً مع الثورة الإيرانية عام 1978م. حيث صورت الثورة حدثاً وتجربـة ساميـين.
    إن المراقب ليعثر أن وراء اهتمام فوكو بتلك المرحلة من التاريخ الإيراني ما يتعدى انشغاله بقضيَّة على أرض الواقع. فثمَّة التماعة تسهم في حل مسألة متعددة الأوجه، يمكن تصنيفها في خانة السؤال : هل توارتْ روح الثورة من التاريخ؟ وإلى أين ذهبت؟ إنه سؤال حول مصير الروحيَّة السياسيَّة للحداثة، أو هو سؤال "الذاتيَّة" في بعدها العابر للأفراد، إن شئنا استخدام المقولة التي بدأت بإعادة تشكيل خطاب فوكو حول الحداثة، واحتلال مركز أساس فيه، لاسيما في تلك السنوات الحرجة.
    ولم يكن بمقدور فوكو، عند هذه النقطة، أن يرجئ السؤال حول "الدور" الذي لعبه الإسلام في يقظة الروح هذه. وقد شرع إبان الانتفاضة باقتراح الإجابـة التاليـة :
    "اخترعت بلاد فارس الدولة منذ فجر التاريخ، ثم استودعت الإسلام مناهجها الخاصة، وعمل إداريُّوها كوادر للخلافة الإسلامية. ومن الإسلام نفسه استخلصت ديناً منح معتنقيه موارد غامضة لمقاومة سلطة الدولة. فهل يتوجب علينا أن نرى عبر نشدان حكومة إسلاميَّة، تصالحاً، أو تناقضاً، أم أننا على أعتاب تحديث ما؟".
    إن سؤال فوكو الذي كان مصوغاً جيداً لاكتناه الإسلام، لحظة عمله، في أكثر المراحل السياسيَّة أصالة، لم يكن تمظهراً لذلك الموقف السياسي المجزوء، الذي طبع الاتجاه الغربي العام في رؤيته للإسلام ككابح للذاتيَّة. نقرأ :
    "ربما كمنت روح الثورة حين قال الإيرانيون لأنفسهم وهم ينتفضون : يتوجب علينا أن نغيَّر هذا النظام ونقتلع هذا الرجل (الشاه)... لكن علينا أن نغيَّر ما بأنفسنا في المقام الأول... وينبغي، أيضاً، على طريقتنا في الحياة، وبالنظر إلى العلاقة التي تجمعنا بالآخرين والأشياء والأبديَّة والله ... أن نتغير بصورة كاملة. ولن يكون هناك ثورة حقيقيَّة إذا لم يتحقق هذا التغيُّر الراديكالي في تجربتنا الحياتيَّة. أعتقد أن الإسلام في هذا المستوى تحديداً قد لعب دوراً... فلقد كان الإسلام بالنسبة إليهم الوعد والضمانة باجتراح أمر يغيَّرُ، بصورة راديكالية، ذاتيتهم".
    ومن غير الجائز أن نتغاضى عن الكيفية التي افترض فيها فوكو ارتباط ما رأى فيه روح الثورة الإيرانية بالإسلام، ارتباطاً غير عرضي. يقول في إحدى محاولاته النادرة لتعريف الحداثة :"عوداً إلى نص كانت، فإنني أتساءل ألسنا نرى الحداثة موقفاً أكثر من كونها مرحلة تاريخية. وأعني بموقف شكلاً من الارتباط بواقع معاصر، وخياراً إرادياً يُتبنَّى من جانب أناس بعينهم. وفي المحصلة، فإن طريقة في التفكير، وصورة من الحساسيَّة، هما كذلك، يعبران عن طريقة في التصرف والسلوك تعيَّنُ في الوقت نفسه علاقة انتماء وتطرح نفسها غاية".
    ما من ريب أن فوكو لا يقوم بالتنظير للإسلام الحديث، ولا يتناول بالدرس "عودة" الدين كأداة سياسيَّة. لكن من الممكن، وغير العارض، أن يكون بمقدور المفكر الفرنسي تقديم إسهام جوهري يتصل بالخطاب الفكري الغربي حول الإسلام عبر انخراطه الخاص بحدث جديد ومذهل يجري في قلب سيناريوكوني لأزمة متعددة الجوانب، يقول :
    "أشعر بالحرج إذا تحدثت عن الحكومة الإسلامية بوصفها (فكرة) أو (مثالاً)، لكنها أثارت إعجابي لأنها (إرادة سياسية). لقد أعجبني فيها جهدها باتجاه التسييس، كردة فعل للإشكالات الحقيقية، والبنى القارّة؛ اجتماعياً ودينياً".
    وعلى الرغم من كون فوكو مجبراً على المثنوية التأويلية للإسلام السياسي، مثله كمثل أي مستطلع غربي في ذلك الزمن، فإن موقفه العقلي في "التوجه نحو الشرق"، والنظر إلى ما كان يحدث في إيران، كانا ملائمين للبحث في عامل "التمثل" (وهو مكون مركزي بالنسبة إلى طريقة المستشرق الكلاسي في البحث عن جوهر الإسلام) في مشروع تكون نتيجته النهائية مجافية لنوع تيار المستشرقين العام (وربما، بصورة أدق النزوع الفيبري*). الذي حُدِّث من جانب "برنار لويس" Bernard Lewis، متمثلاً في أن تجاوز الإسلام هو الصيغة الأكثر احتمالاً لتطوير ذاتية دينامية.
    إن المرء عاجز أن يسقط من حسابه، بصورة شكلية محضة، الشروط الجمالية التي حكمت هذا المشروع، وجعلت وجوده ممكناً، لكنه غير قادر على موافقة تلك الطائفة من نقاد فوكو التي مالت إلى التقليل من قيمة مقاربته، وجعلها مرواغة ثقافية محضاً ذات مصطلحات جمالية خالصة.
    يتوجب علينا أن ندرك سبباً أكثر أهمية ودلالة لتحولات الفضاء "العابر للثقافة". على المرء أن يستدعي، فقط، كيفية لجوء فوكو لاحقاً في تعريفه للحداثة، إلى صيغة "بودلير" Baudelaire، بما احتوت عليه "من موقف يتيح القبض على البعد (البطولي) للحظة الحاضرة... فهو ليس ظاهرة تعبر عن الحساسية إزاء حاضر زائل... وإنما إرادة لتحويل الحاضر إلى بطل" إن مفهوم الحداثة هنا يتشكل حيث تتحد الأبعاد الجمالية بالأخلاقية دون فكاك. فهل أبصر فوكو وميض تلك الحداثة في الثورة الإيرانية؟ من الجائز أكثر أن ما وافق هذا التعريف للحداثة تمثل في تجربة سرده المتعاطف مع الثورة الإيرانية. إن تلك الثورة، كما رويت على لسان ميشيل فوكو؛ المفكر الغربي الطليعي، لهي ما شكل خلخلة (وإنقاذاً في الوقت نفسه) لتراث الحداثة.
    لم يبذل فوكو ذاته، على أية حال، جهداً كبيراً في التغطية على مدى إعجابه بالثورة، فالسيناريو كان آسراً لأن أصالته بدت غير غربية، فهو "شرقي" بالكامل، فضلاً عن الهيئة المحيّرة للزعيم الموقر، ذي اللحية وهو يتوسط المنصة، والجموع تلهج باسمه بوصفه محررها، وبصبره منتظراً دوره وهو قابع في المحيط الباريسي "كل شيء أفاد الاعتقاد بقوة الرواج الغامض المتصل بعجوز منفي مدة خمس عشرة سنة، وشعب يعول عليه. إن طبيعة ذلك الرواج هي ما أثار إعجابي".
    إن "الرواج الغامض" هو ما فهمه فوكو، ربما، سراً للثورة، وثُمِّن كخبرة فائقة الإدهاش، لذا لم يكن بالإمكان استقراء الثورة وفق المبادئ المقررة في الغرب، حيث يتوجب انضواء معنى الثورة ضمن "جهد ضخم يدرج الفوضوي في التاريخ العقلاني الطيع". وكنتيجة لذلك، فإن المفكر الفرنسي عجز عن تلافي الإحساس بعدم الراحة عندما أصغى إلى ما صرحت به شخصيات الانتفاضة الرئيسة ذاتها : أن ما كان يحدث يمكن ترجمته بدقة بواسطة تصنيفات التجربة الغربية :
    "إن أحدنا ليقول إن تعريفات الحكومة الإسلامية ليست دقيقة. ويتوجب القول أنها تبدت لي عادية جداً، ووضوحها غير مطمئن قليلاً، كتوليفة أساس تجمع بين الديمقراطية والبرجوازية والثورية. وقلت إننا لم نتوقف عن تكرارها بصورة مضجرة منذ القرن الثامن عشر، وأنتم تعرفون إلى أين يقود ذلك. لكنهم أجابوا بحزم أن القرآن كان قد أقرها قبل فلاسفتكم، وإذا ما كان الغرب المسيحي والصناعي قد فقد معناه، فإن الإسلام –في المقابل- قادر على حماية قيمتها وفاعليتـها".
    لقد صرف فوكو اهتمامه منذ الانطلاقة الأولى للمغامرة الإيرانية، إلى صعوبة إيجاد التوازن بين العالمية والفرادة في تفسير الحدث الذي كان يرقبه. لكن لم يبد أن تلك الصعوبة تسبب له حرجاً. إن قراءته الكاملة للثورة الإيرانية أصيلة ومؤثرة بالنظر إلى أنها لا تحاول التقليل من قيمة عنصر على حساب آخر، فما أراد فوكو رؤيته راسخاً هو فكرة الخلخلة، وفوق ذلك، قدرة الروحية السياسية على البقاء. إن النتيجة التي خلص إليها، ربما، أن ليس ثمة تاريخ دون فتنة خاصة به، كما دون في مقالته الأخيرة حول المسألة الإيرانية :
    "ليس لأحد الأمر أن يقرر بأن هذه الأصوات المرتبكة تصدح بأفضل مما للبقية، وتجهر بالصدق الأبلغ. فكافٍ أنها موجودة لتعطي إحساساً بضرورة الاستماع إليها ومحاولة اكتشاف ما تود قوله. أهو سؤال أخلاقي ؟ ربما. أهو سؤال واقعي؟ بالتأكيد. فكل محاولات التحرر من سحر التاريخ لا تفيد شيئاً. إن الأمر راجع إلى وجود بعض الأصوات التي تجأر بأن الزمن البشري لا يتخذ صيغة تطورية خطية، وإنما له شكل التاريخ".
    إن الخلاصة النهائية لاهتمام فوكو بالثورة الإيرانية، تتمثل –على أية حال- في المدى الذي عولت فيه مقاربته على قوة الإدهاش، التي عملت كأداة مخففة من وجهة النظر العالمية تلك، وكذا فقد تمثلت في مقاومته الاحتفاء بما خبره في إيران بوصفه عرضاً حديثاً لـ "يوتوبيا" أو "مثال" (كما يرضينا أن نظن، وكما باح لفوكو كثير من الإيرانيين المشاركين في الثورة).
    لقد كان المفكر الفرنسي متحرقاً للمراهنة على "شيء قديم جداً، وضارب، كذلك، بجذوره في المستقبل".
    إن أزمة الحديث والتراثي السابقة، أو أزمة الإسقاط على المستقبل أو الانكباب على الماضي، تغدو، ببساطة، مطلقة، عبر القدرة الفريدة للثورة كونها"حقيقة" و "إرادة":
    "الناس يثورون، هذه حقيقة. ومن هذه الناحية فإن الذاتية تتخلل التاريخ وتهبه روحها".
    إن المرء ليحار، حقاً، أهذا التصوير لغياب التوتر وانسجام التاريخ، أو ما يفترض أنه "جوهره الحق"، قادر على أن يتماسك دون إحساس فوكو الجمالي لما كان قد خبره :
    "إن ما يثير إعجابي، الآن، في إيران، أن ليس ثمة صراع بين عناصر شتى. وما يهب الأمر ذلك الجمال، وفي الوقت نفسه، تلك الرصانة، وجود مجابهة وحيدة بين الناس جميعاً والدولة التي تهددهم بأسلحتها وشرطتها".
    إن هذا لهو، على أية حال، نوع معين للفرادة، وليس ببساطة حدثاً يتعامل معه بتعاطف، وإنما بالخبرة العالية التي امتلكها فوكو لأنه متداخل غربيٌّ لم يحاول أن يتخفى في "تقريره" بصورة المراقب المحايد، ومن الجائز القول أن محصلة التركيز على الإسلام لا كقانون وإنما كنقيض للقانون أو كذاتية مبدعة، جرت على خلاف جوهر المذاهب التي حواها تراث المستشرقين وسمحت بعدِّ الإسلام، لاسيما في نسخها ذات التشدد الواضح، متبنياً، بصرامة، تأويلاً متصلباً للنص والقانون، ونافياً لأي متنفس لتأويل الذات. إن مقاربة فوكو أيدت قلب المعضلة "الفيبرية" دون وجود مثال بديل، ذلك لأن المعرفة الحقة بالإسلام لا يمكن مؤازرتها بتحديث قوتها على الإدهاش حسب.
    لقد اتهم المفكر الفرنسي لدى الجمهور، وعبر امرأة إيرانية، بالخلط بين مفهومي الروحية والتعصب الديني" فالمرء قادر على قول ذلك عن اليسار الغربي المهووس بالمنهج الإنساني، أما الإسلام فإنه مستحب... لكن في مكان آخر".
    لقد عبرت هذه الهجمة عن نفسها بمصطلحات قاسية وساخطة، ملمحة إلى طبيعة "الخلخلة" المشار إليها في تقرير فوكو.
    ومن المفاجئ بعض الشيء أنه ردَّ بموقف دفاعي خالص دون أن يتبنى سؤال الخلخلة ذاك. إن ردّه الجامع توافق في جزئه الأول مع الصفة المشتركة لكل بناء فكري حول "الإسلام السياسي" منذ مداخلة برنار لويس، أما رده، لاسيما في جزئه الثاني، فلا يعبر إلا عن الحالة الأدنى في اعتبار الإسلام السياسي مستقلاً عن التأثير الضار للمقولة التلفازية "... أن مشكلة الإسلام كقوة سياسية، لهي مشكلة جوهرية بالنسبة إلى عصرنا، ولسنوات قادمة. إن الحالة الأوْلى للتعامل معها، بغض النظر عن مدى حصافتها، ليست –بالتأكيد- مبادأتها بالعداء".




  2. #2
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي

    (2)

    العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية

    عبدالله إبراهيم

    .مدخل:

    دار جدل طويل خلال العقد الأخير حول تفسير التنازعات الكبرى القائمة في العالم، أقصد تلك التنازعات التي توجها ايدلوجيات كبرى،وتغذيها رؤى تستند إلى تصورات ثقافية أو دينية أو عرقية، وأنتهى الأمر إلى الأخذ بتفسيرين، أولهما صراع الحضارات، وثانيهما صراع الأصوليات، وفي موضوع جدالي مثل هذا تترتب فيه النتائج في ضوء زاوية النظر، ليس المهم الاتفاق الاصطلاحي حول المفاهيم، إنما المهم الاتفاق على الحيثيات الموجهة لتلك التنازعات، ومع أن المجتمعات في العصر الحديث قد طورت ما يكفي من أسباب التنازع كالايديولوجيات المطلقة، والاستبداد، والاستغلال، والمصالح، لكن الأمر الذي يقترحه هذا البحث، هو أن التنازعات الكبرى هي نتاج لمركزيات ثقافية وجدت لها باستمرار تسويغا من أطراف التنازع. وبسبب غياب التصورات النقدية التي تجرّد تلك المركزيات من غلوائها،في نظرتها المغلقة إلى نفسها وإلى غيرها، فقد تصلّبت تصوراتها،واصطنعت لها دعامات عرقية أو دينية،أدت إلى زرع فكرة السمو والرفعة في الذات والدونية والانتقاص في الآخر،ومع أن كثيرا من أطراف العالم قد تداخلت في مصالحها وثقافاتها،وأفكارها،لكن ضعف الفكر النقدي حال دون أن تتلاشى المركزيات الكبرى،وبقدر تعلّق الأمر بالعالم الإسلامي،يجد هذا البحث أنه من المناسب ان يقف على تلك المركزيات المتصلة به، فيحاول أن يضعها تحت مجهر التحليل والنقد،لتخفيف شحنة التفاضل المتأصلة فيها،وسنحاول تقديم تحليل ثقافي لظاهرة التمركز الثقافي المهيمنة في العالم الآن.

    لايمكن تجاوز المحدّدات الثقافية التي تلعب أدوارا حاسمة في تثبيت المعايير التفاضلية بين الشعوب،وكثيرا ما صاغت أو أعادت صوغ جملة من المعطيات الخاصة بمجتمع ما لتجعله يتصوّر بأنه أفضل من غيره،وهي قادرة بفضل موقعها الرفيع على أن تجيز وتهيمن وتحلّل وتحرّم،وأن تخفض منزلة شيء ما أو ترفع من مقامه؛الأمر الذي يعني قدرتها على أن تكون الوسيلة الأساسية لتثبيت التّمايز في المجال الذي تعبّر عنه،وقد كان هذا شائعا في الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى،ويمكن اعتبار المكوّن الثقافي أحد أهم المكونات المؤثرة في قضية التراتب والتفاضل بين دار الإسلام ودار الحرب،وقد ظلت الثقافة بوصفها منظومة للتصورات الذهنية حاضرة في كل الصراعات عبر التاريخ ؛ومن ذلك فقد استخدمت الثقافة في الفكر الغربي الحديث كوسيلة لتثبيت ضروب من التمايزات بين ما هو غربي وما هو غير ذلك،وبدأت تبنى على ذلك سلسلة من التراتبات الثنائية بين ما للغرب وما لسواه . فأهل الطرف الأول من الثنائية ،أهل الغرب،هم الأصل، وهم أصحاب المكانة الرفيعة ، أما أهل الطرف الثاني،خارج مجال العالم الغربي، فهم الشواذ التابعون، وأهل المكانة الدنيا. وماكان لأحد أن يفلت من التأثّر بهذا التمايز طوال العصر الحديث في كثير من البلاد التي وقعت تحت السيطرة الغربية. فقد كان ينظر إلى الثقافة الغربية على أنها المعيار المناسب للتفريق بين ما للغرب وما لغيره، وبين مَنْ هم من الجنس الأعلى ومَنْ هم من الجنس الأدنى، ولم يبق ذلك أسير الأفكار المجرّدة إنما شمل علوم اللغة والتاريخ والأعراق والفلسفة والأنثربولوجـيا، وحتى علم الأحياء ، وكلها وظِّفت في إبراز هذا التمايز.

    إن الثقافة وسيلة خطيرة وفعّالة لأنها الأكثر من غيرها قدرة على تثبيت التصورات والقيم والرؤى ،وترسيخ المرجعيّات الفكرية التي تصدر عنها المواقف، إلى ذلك قدرتها على اختراق الحواجز واجتياز الموانع، وبتوظيف وسائل الاتصال الحديثة أصبح من الصعب الحديث عن ثقافات غير قابلة للاختراق، فالثقافة المعاصرة بوجوهها الإعلامية والإعلانية والفكرية والعلمية أصبحت عابرة للقارات، فالتمايز على أسس ثقافية، يضع الثقافات التقليدية أمام احتمالين: إمّا ذوبان الهويات الثقافية الأصلية إذا لم تتشبّع بالخصائص الشعورية والذهنية والتاريخية المتصلة بسياقاتها الثقافية، وتكون - في الوقت نفسه-قادرة على تجديد نفسها، أو الانكفاء على الذات بسبب هيمنة الثقافـات الأجنبية، وعلى وجه التحديد الغربية. وفي هاتين الحالتين تتعرّض الثقافات لخطر الانقراض أو الاحتماء بمفاهيم الماضي والانحباس في أسوار الحقائق الكبرى،والدوائر المغلقة، وإنتاج صور متخيّلة عن عصور الشفافية الأولى كمعادل موضوعي لحالة الخوف من الثقافات الأخرى. وهكذا تواجه الثقافات الأصلية تحدّيْين في آن واحد: الذوبان أو الجمود، وهو أمر يعطّل من قدرة تلك الثقافات على الوفاء بوعودها كأنظمة رمزية تحتضن شؤون التفكير والتعبير.

    إن الثقافات تتمازج، وتنشأ هويات ثقافية جديدة،وتتشكّل مجتمعات حقيقية أو متخيّلة، ثم تنحلّ، ومع ذلك فإن الثقافات الأصلية مازالت هي التي تحدّد معالم الثقافات الجديدة،ما انفكت تلك الثقافات تستأثر بالأهمية،ولم نصل بعد إلى الثقافة العالمية،واختفاء جانب من الثقافات المحلية لا يعني تلاشيها كما يذهب كثيرون إلى ذلك،فالثقافة هي أكثر من مجرد ما يظهر للعيان، إنها أعمق من ذلك بكثير، فالثقافات تتـمازج لكنـها لا تتلاشى. يبدو هذا التفسير لأوضاع الثقافات في ظل العولمة كثير التفاؤل. والحق أن تعارض الأنساق واصطدامها يلحق ضرر بالغا بالثقافات الأصلية،وقد يفضي إلى انهيارها .

    يصحّ هذا التصور حين يكون التبادل متكافئا بين الثقافات،لكن ماذا يحصل في حالة غياب التكافؤ؟ ففي المجتمعات التقليدية، لايمكن الكلام عن تبادل ثقافي مع الغرب،ذلك أن التبادل الثقافي مع الغرب بالنسبة لها،شأنه شأن أي تبادل آخر يُختزل إلى تدفّق من جانب الغرب فقط. فهذه الثقافة تتلقّى منشّطات يومية تصل إليها بشكل مناهج أو مفاهيم أو رؤى أو أفكار أو فرضيات وحتى نتائج .ومن المعلوم أن كل تلك المنشّطات ظهرت تدريجيا في إطار ثقافي –سياسي معيّن فأصبحت جزءا من أنساق ثقافية مشروطة ببعدها التاريخي. فحينما يصار إلى الأخذ بها لمعالجة ظاهرة ما ، فهذا يعني إقحاما لأنساق ثقافية في شبكة من الأنساق المختلفة،وهنا لا تُقصى فقط الشروط التي تمنح تلك الأنساق فاعليتها،إنما يؤدي ذلك إلى تدمير الأنساق الثقافية الأصلية؛فالأولى تجرّد من محاضنها،والثانية تنهار لأنها تُستبعد وتحل محلها انساق أخرى.

    إن الحديث عن التبادل الثقافي غير المتكافئ لا يعتبر موضوعا صعبا إنما يعتبر خاطئا، فالأمر إنما هو" استعارة " أنساق ثقافية بهدف معالجة مشكلات استبعدت أنسـاقها الأصلية. ولا يخفى أن لذلك أسبابه التاريخية والاجتماعية والسياسية؛ فمن جهة أولى تمكّن " الغرب " من بلورة منظومة ثقافية ذات بعد علمي وفلسفي اتصفت بكفاءة ظاهرة،منظومة تمركزت حول نفسها،وأنتجت أيدلوجيا محدّدة حول خصوصيتها العرقية والدينية والفكرية،وهذه الايديولوجيا اختزلت " الآخر" إلى مكوّن هامشي ليندرج بمرور الزمن في علاقة تبعية مع الغرب ومنظومته الثقافية،وبالمقابل لم تطوّر الثقافة الإسلامية،بتعدد هوياتها اللغوية والعرقية القائمة الآن في دول كثيرة،أية منظومة خاصة بها في العصر الحديث،وإنما اخترقتها ثقافة "الآخر" ومزقت نسيجها الداخلي،فلم يكن ثمة تداخل فعّال بين الثقافتين،إنما وقع نوع من " التهجين" المنقوص إذ انهار كثير من مكونات تلك الثقافة،واستبدّت بها انساق أخرى.هذا "التهجين الثقافي المشوّه" لم يكن كذلك إلاّ لأنه لم يستند إلى علاقات متكافئة وسويّة،بل كان مجرد" استعارة" من"الآخر"،وظل هذا المبدأ قائما في أشدّ مناحي الفكر أهمية كالمناهج النقدية والتربوية والمفاهيم والفرضيات،وأفضى ذلك إلى تفريغ الأنساق من مضامينها وشحنها بمعان مختلفة. وبدأت أكثر القضايا خطورة وحساسية تعـالج على هامـش قضايا الفكر الغـربي. وبالإجمال كان ذلك" التهجين" قد نشأ في ظل غياب كامل لـ"الحوار المعرفي"، وكلما مضى الزمن تفاقمت الصعاب،فأصبح كل تغيير يحتاج إلى آلة خارجية ، بما في ذلك قضية التحديث الاجتماعي والسياسي. وهذا يكشف أن الثقافة الغربية شأنها شأن كل ثقافة في هذه الحالة،لم تتحول إلى منشّط يغذّي الثقافات بالأسئلة الجديدة، إنما أدرجتها في سياق التبعية، ثم الذوبان، واعتصم جانب منها بذاته تحت وهم الخصوصية المطلقة والمقاومة،وفي ظل العولمة سيتفاقم الأمران، ولا يخفى أن هذه هي الإشكالية الأساسية التي تميّز الثقافات التقليدية في هذا العصر.



    2. تعريف التمركز:

    يمكن تعريف التمركز بأنه نسق ثقافي محمّل بمعانٍ ثقافية (دينية، فكرية، عرقية) تكوّنت تحت شروط تاريخية معينة،إلاّ أن ذلك النسق سرعان ما تعالى على بعدهِ التاريخي،فاختزل أصوله ومقوماته إلى مجموعة من المفاهيم المجردة التي تتجاوز ذلك البعد إلى نوع من اللاهوت غير التاريخي،وهو تكثّف مجموعة من الرؤى في مجال شعوري محدد،يؤدي إلى تشكيل كتلة متجانسة من التصورات المتصلّبة،التي تنتج الذات،ومعطياتها الثقافية،على أنها الأفضل،استناداً إلى معنى محدد للهوية،قوامه الثبات،والديمومة،والتطابق،بحيث تكون الذات هي المرجعية الفاعلة في أي فعل،سواء باستكشاف أبعاد نفسها أو بمعرفة الآخر،ويشمل ذلك الذات المفكرة الواعية لذاتها أو تلك الذات غير الواعية التي تقيم تصوراتها على نوع من المخيال المنتج للصور النمطية لها ولغيرها. ولا يقتصر الأمر في التمركز على إنتاج ذات مطلقة النقاء،وخالية من الشوائب التاريخية،إنما - وهذا هو الوجه الآخر لكل تمركز - لا بد أن يتأدّى عن ذلك تركيب صورة مشوّهة للآخر.وبين الذات الصافية التي تدّعي النقاء المطلق،والآخر الملتبس بالتشوه الثقافي (الديني والفكري والعرقي)،ينتج التمركز أيديولوجيا إقصائية استبعادية ضد الآخر، وأيديولوجيا طهرانية مقدسة خاصة بالذات؛ فينقسم الوعي معرفياً على ذاته،لكنه أيديولوجيّاً يمارس فعله المزدوج بوصفه كتلة موحدة لها منظور واحد.
    استمد مفهوم التمركز،مكوناته من الدلالة المباشرة لـ Egocentricity التي تفترض غلبة وجهة نظر الذات وصوابها، وهي متصلة بعالم الطفولة،إذ تتجلى الأنانية المفرطة التي توافق مرحلة من نمو الطفل،تجعله يركّز العالم في أناه،لأن وجدانه لا يتفتح على الآخرين إلاّ بقدر ما يكون هؤلاء مجموعة من العناصر في أفقه الذاتي،فيصعب عليه أن يفهم الأشياء من غير منظاره الخاص،ولا يُعطي أي اعتبار للآخرين واهتماماتهم،الأمر الذي يؤدي إلى أن يختلط لديه الموضوع بالذات.
    ينبغي التأكيد على أن كل مركزية تقوم على فكرة الاختلاق السردي الخاص لماض مرغوب يشبع تطلعات آنية، ويوافق رغبات قائمة،فهذه سُنن المركزيات،وبمواجهة الحاجة إلى توازن ما تُصطنع ذاكرة توافق تلك التطلّعات،أو يتم تعويم صور من الماضي،لغايات خاصة.وقد ذهب "إدوارد سعيد" إلى مضمون هذه الفكرة،حينما أكد أن "ثمة منهجا لاستخدام الذاكرة بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي ،وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب يؤدي وظيفة من نوع ما ..ومن هنا ليست الذاكرة بالضرورة أصيلة،بل هي على الأصح، ذاكرة نافعة...وذلك يعود إلى أن الاهتمام بالذاكرة من أجل ماض مرغوب فيه يمكن استعادته هي ظاهرة محمّلة مشحونة، وقد برزت إلى الوجود حديثا نتيجة التغيرات المربكة في مجتمعات كبيرة تفوق التصور،مجتمعات بشرية ضخمة،واسعة الانتشار،وقوميات متنافسة، ولعل الأمر الأكثر أهمية،فيما يخص ظهور الذاكرة التي يمكن الانتفاع بها لأداء وظائف تحتاجها الأمم والمجتمعات،في واقعها المعاصر،هو تناقص فعالية الأواصر الدينية والعائلية والروابط السلالية،ويتطلع الناس الآن إلى هذه الذاكرة المتجدّدة، لا سيما في شكلها الجمعي،ليمنحوا أنفسهم هوية متماسكة،وسرد قومي،ومكان في العالم". إنّ الأمثلة في عالمنا المعاصر أكثر من أن تحصى في مجال اختلاق ذاكرات تاريخية وعرقية ودينية، والبحث المسكون بأوهام كبرى للانتساب إلى ماض عريق كمعادل موضوعي لوهن قائم، أو لانتزاع شرعية في عالم محتدم بصراع الهويات والتطلعات والآمال، ومشبع في الوقت نفسه بحالات انكسار للقيم التقليدية الموروثة،وانهيار لنسق العلاقات القديمة،وهذا التوتر يضخّ رغبات دائمة تريد استخدام الماضي استخداما إيديولوجيا بما يضفي على الأنا سموّا ورفعة،والآخر خفضا ودونية.وإعادة قراءة المرويات الإسلامية في ضوء هذه الحاجات،يسهم في هذا الضرب من الصراعات،فالأمم تتساجل فيما بينها عبر الصور الاكراهية التي تشكلها بواسطة السرود لغيرها.وقوامها إن هو إلا نسيج متشابك من التصورات والمرويات الخاصة بها عن نفسها، وعن الأمم الأخرى. وغالبا ما تحمل تلك التصورات عبر التاريخ مدونات وصفية أو تخيلية،تتوارى فيها الصور الكلية للمشاعر والتطلعات والتجارب، والقيم الدينية والنفسية والأخلاقية.واستنطاق تلك المتون إنما هو استنطاق لذاكرة.ونقدها إنما هو محاولة لوقف استخدامها كإيديولوجيا حيّة في نزاعات معاصرة،ولم يكن تشويه الآخر،قد أثمر عن فائدة حقيقية ،ولن يكون ممكنا وقف ذلك إلا استنادا إلى رؤية نقدية تكشف ذلك النسغ المتصاعد في الفكر والسلوك المعاصرين.


    3. نقد التمركزات الثقافية

    ولعل أول ما ينبغي الانصراف إليه هو نقد يكشف التناقضات الكامنة في صلب الثقافة المتمركزة حول ذاتها،فالنقد هو الذي يدفع بتلك التناقضات إلى أن تفصح عن مضمراتها؛لأنه يتتبع بدقة الممارسات الملتوية للمفاهيم التي تكوّنها.ولا تقف مهمة النقد عند إظهار أخطار التمركز،إنما يهيئ الأمر لهوية ثقافية جديدة قائمة على مسار متحوّل ومتجدد ومتشعّب الموارد من المنظورات والمكوِّنات الثقافية المنتجة أو المعاد إنتاجها في ضوء الشروط التاريخية للذات الثقافية. وبما أنّ هوية التمركز تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية قارة وكونية في آن واحد،فإنّ الهوية الثقافية التي تقوم على الاختلاف لا تقر بالثبات ولا الشمول وتحرص على بعدها التاريخي،وفيما تصطنع هوية الثقافة المتمركزة أصولاً عرقية ودينية وفكرية توافق مضمونها،فإنّ هوية الاختلاف تتجنب إنتاج أيديولوجيا لها صلة بهذه الركائز؛ فاتصالها بهذه الركائز اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد أيديولوجي متصل بمعنى الهوية.
    وأخيراً فيما تقوم هوية الثقافة المتمركزة بطمس كل العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهوية كما أنتجتها تلك الثقافة واستبعادها،بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية،فإنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوِّنات فاعلة فيها،وهي تمثل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها. النقد هو الممارسة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية.ونقد «المركزية الغربية»و" المركزية الإسلامية"،إنما يتصل أساساً بواقع الثقافة العربية الحاضرة،ثقافة المطابقة،وهو نقد اقتضاه بالدرجة الأولى حضور الثقافة الغربية وهيمنتها في معطيات الثقافة العربية،وحضور ثقافة الماضي بسياقاتها الأولى التي نشأت فيها،وهو نقد لا يعني بأي شكل من الأشكال إصدار حكم قيمة بحق ظاهرة ثقافية لها شروطها العامة،وهو نقد لا يدّعي تقديم بدائل جاهزة،وليس في مقدوره استبدال معطىً بآخر،لأنه نقد لا يقرّ بالمفاضلة،إنما هو ممارسة فكرية تحليلية كشفيّة استنطاقية،غايتها توفير سياقات تمكّن من إظهار تناقضات الفكر المتمركز حول نفسه، وإبراز تعارضاته الداخلية،ومصادراته،واختزالاته للثقافات الأخرى. تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن النقد هنا،لا يؤمن بتغليب مرجعية على أخرى،وهو لا يدّعي القدرة على الإجهاز فوراً على كتلة ضخمة ومتصلبة من الممارسات المتمركزة على نفسها سواء أكان ذلك على مستوى العلاقات الواقعية أم العلاقات الخطابية.فالنقد أبعد ما يكون عن كل هذا،فلا يصار أبداً الإجهاز على ظاهرة من خلال إبداء الرغبة في ذلك،فـ «التفكير الرغبوي» تفكير انفصالي، بطبيعته عن موضوعاته،لأنه يكيّف نظرياً مسار الوقائع للرغبة دون الأخذ بالاعتبار الهوّة التي تفصل الرغبة عن موضوعها،إنما يريد النقد أن يمارس فعله عبر الدخول إلى صلب ظاهرة ثقافية كبيرة، والتفكير فيها، ولكن ليس التفكير بها.هو نوع من العمل المنهجي الذي يتصل بموضوعه وينفصل عنه في الوقت نفسه،إنه يتصل بالمركزيات على مستوى اشتغال مفاهيمها وفروضها وقضاياها وإشكالياتها بهدف استكناه طبيعتها الداخلية، وخلق «ألفة» نقدية من التواصل مع ركائزها وآلية عملها،ولكنه انفصال واضح عنها،لأنه يهدف إلى ضبط مصادراتها وإقصاءاتها،وإبراز تناقضاتها الضمنيّة. بعبارة أخرى،النقد هنا،لا يقبل لنفسه،بوصفه ممارسة واعية،أن يتهرب من الاقتراب الحقيقي إلى الظاهرة التي يدرسها،إنما هو مدفوع للوقوف تفصيلاً على التشكّلات الداخلية لتلك الظاهرة،والارتباطات الخفيّة بين المفاهيم المكوّنة لظاهرة التمركز،ووصف شُحن الغلواء التي تمورُ بها،دون أن يعني ذلك – بأي شكل من الأشكال - انتقال تلك الشُحن إليه هو. إنه يريد أن يتجاوز التذلل والولاء،فيُدخل موضوعه في سياق نقدي شامل،دون ادعاء أية حقيقة وأي يقين،كما أنه لا يصدر عن مرجعيات تجريدية ثابتة ترتبط بهذه الثقافة أو تلك.
    إن هذا النقد ممارسة معرفية واعية تنتمي إلى ذاتها،تتوغل في تلافيف الظاهرة،وتضيء الأنوار في العتمة الداخلية لها،لتكشف أمام الأنظار طبيعة الظاهرة،وآلية الممارسات التي تقوم بها،سواء في إنتاج ذات تدّعي النقاء أو في اختزال الآخرين إلى نمط يوافق منظور تلك الذات.والهدف من ذلك، توسيع مديات الوعي فيما يخص طبيعة الظواهر الثقافية القائمة في عالمنا المعاصر،وتخصيب تشعَّباته،وإعطاء أهمية للبعد التاريخي للثقافات دون أسرها في نطاق النزعات التاريخية.إنه،في نهاية المطاف،ممارسة حرة واعية بشرط حريتها،وهو تفكير في موضوع التمركز،من أجل إبطال نزعة التمركز وتكسير مقوماتها الداخلية،وفصل الوقائع المُختلطة ببعضها،والمنتجة في ظروف تاريخية متصلة بـ «الذات» و«الآخر».وهو نقد لا يتقصّد إيجاد قطيعة بين الاثنين،إنما ترتيب العلاقة بينهما وفق أسس حوارية وتفاعلية وتواصلية؛بهدف إيجاد معرفة جديدة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المتمركزة وخرافاتها،والآخر المتمركز ومصادراته.ولا يمكن أن تكون «معرفة الآخر» معرفة مفيدة إلاّ إذا تمّ التفكير فيها نقدياً،والاشتغال بها بعيداً عن سيطرة مفاهيم الإذعان والولاء والتبعية،وبعيداً أيضاً عن أحاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا. أخيراً فإنّ من الأهداف الأساسية لهذا النقد،تغيير مسار التلقّي،الذي نقصد به الطريق الذي تأخذه الأفكار الأخرى للدخول في وعي الذات،فتتشكّل ضمنها ،وهي حاملة معها دلالاتها،دون أن تخضع لمراجعة،بحيث تحتفظ بمحمولاتها وسياقاتها الأصلية، وهو ما يحدث انقساماً شديداً في الذات الثقافية، لأنها لم تُكيّف تلك العناصر،بسبب غياب الإطار المنظّم والمكيّف القادر على إعادة إنتاج تلك العناصر،بما يجعلها مكوِّنات في هذه الذات،وليس جزءا غريبا عنها،مهيمنا عليها،وما يحصل أنّ تلك العناصر،ستمارس أفعالها كأنها ضمن نسقها الثقافي الأصلي،وهذا يقود إلى تعريض مكوِّنات الذات إلى انهيارات داخلية؛لأن تلك العناصر نُضّدت جنباً إلى جنب،ولم تركّب محمولاتها وفقاً للشروط التاريخية للذات الثقافية. وظيفة النقد المعرفي هي المساهمة في تغيير مسارات التلقي، واقتراح كيفيات لاندراج عناصر الثقافات الأخرى في الذات الثقافية؛فالثقافة الإسلامية أصبحت حقل صدامات لا نهائية بين المفاهيم والمقولات والرؤى والتصورات المستعارة، وذلك سببه،فيما نرى،عدم الاهتمام بمسار تلقي الأفكار الذي يؤدي إلى أن تحافظ المكونات الغريبة على نفسها دون الانصهار في نسق الثقافة الجديد الذي يحتضنها.وهذا الأمر يتصل بموضوع التمركز،فالأفكار تمارس أفعالها المتمركزة إذا لم تندمج في أطر الثقافة الأخرى على أنها مكوِّنات فاعلة فيها.وبالنظر إلى أن التمركز ظاهرة ثقافية،وباعتبار التمايز بين الطبيعي والثقافي،فإنّ كل خروج على ما هو طبيعي يندرج في مجال الثقافي،وعلى هذا ينبغي استبعاد العامل الطبيعي من شبكة التمركز؛ ولأن التمركز متصل بالمنظور الثقافي للإنسان في رؤيته لذاته ولغيره.


    4. وسائل التمركز

    أنتجت القرون الوسطى مرويات ثقافية إسلامية تضمنت تصورات شبه ثابتة للأعراق والثقافات والعقائد،وكانت تلك التصورات تمثّل معيارا يتدخّل في رفع قيمة ما أو خفضها لدى أي مجتمع أو ثقافة.وليس خافيا أن الحكم المسبق على ظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو دينية سيؤدي إلى نتيجة تضفي مكانة رفيعة عليها أو تسلبها مكانتها الحقيقية،والصور التخيلية المتشكّلة في أذهان المجتمعات،بفعل الخلافات الدينية،والصراعات السياسية،وتباين المنظومات القيمية،والأنساق الثقافية،أدّت خلال تلك الحقبة الطويلة إلى ترسيخ صور منقوصة لبعضها.ومادامت تلك المرويات توجّه أفكار المؤرّخين والجغرافيين والرحّالة والمفكّرين والفقهاء،وكل مَنْ يصوغ الصور الجماعية الذهنية الخاصة بالآخر،وبخاصة المدونات الوصفية والسردية والعجائبية،فمن المنتظر الحصول على سلسلة متواصلة من الأحكام غير المنصفة بحق الآخر المختلف.
    لم يكن الأمر خاصا بتلك المرويات في الإسلام وحده؛ فالقرون الوسطى تميزت بأنها تعنى بثبات المعايير وتكرارها،والنظام الفكري الشائع خلالها ينظر إلى الظواهر الطبيعية والبشرية والثقافية نظرة قارّة،فالإحساس بالتغيّر محدود جدا،وثمة ثقة شبه كاملة بضرورة خضوع الظواهر البشرية والثقافية والدينية لتفسيرات مركزية مطلقة،وغير خاضعة للتغيرات الزمنية،وكان ذلك النظام يستعين بطرائق تحليل تقليدية تفتقر إلى قوة التعليل،الأمر الذي جعل المعرفة الخاصة بتلك الحقبة هشّة،وضعيفة،وتنطوي على تناقضات كثيرة،لم تصمد بوجه النقد ؛لأنها قائمة على التنميط غير المعلّل، أو الذي يفتقر إلى تعليل يأخذ في الاعتبار العناصر الحقيقية للظاهرة في سياقاتها الثقافية والتاريخية،وليس في حالة تجريد تام كما كان التصور القديم يفترض ذلك،ولما كانت تلك المعرفة تقوم على ركائز ناقصة، وغير متكاملة، ومتعالية على شرطها التاريخي، فمن الطبيعي أن تتّصف عموما بالنقص وعدم الإحاطة بموضوعاتها، والاختزال الواضح في الأسس التي تقوم عليها. كان هذا التصور التقليدي للآخر إبان تلك الحقبة يقيم معرفة تخيلية ملتبسة مع نفسها، يتم تعميمها وفرضها استنادا إلى السجال ، وليس إلى التجربة والمعاينة والاكتشاف المباشر، وقد لا تراعى في كل ذلك الجدوى المستخلصة منها، ولا الهدف المراد تحقيقه، سوى الامتثال للفكرة الراسخة القائلة بالتفاضل، فالأنا مفعمة بقيم سامية، والآخر يفتقر إليها، الأنا فاعل، والآخر منفعل. حينما تصهر معا كل العناصر المكونة لظاهرة ما، يمكن الحديث عن اقتراب إلى حقيقة الشيء.
    تضافرت المرويات من أجل تمثيل الذات والآخر استناداً إلى آلية مزدوجة الفاعلية أخذت شكلين:ففيما يخص الذات أنتج "التمثيل" ذاتاً نقيّة،وحيويّة، متعالية، ومتضمّنة الصواب المطلق، والقيم الرفيعة ، والحق الدائم؛ فضخّ مجموعة من المعاني الأخلاقية المنتقاة على كل الأفعال الخاصة بها،وفيما يخص الآخر أنتج "التمثيل" "آخر"يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً،والخمول والكسل أحياناً أخرى، وذهب فيما يخص الأقوام في المناطق النائية إلى ما هو أكثر من ذلك، حينما وصفهم بالضلال والحيوانية والتوحش والبوهيمية ،وبذلك أقصى كل المعاني الأخلاقية المقبولة عنده،واستبعد أمر تقبّل النسق الثقافي له، فحُمّل الآخر، من خلال تفسير خاص، بقيم رتّبت بتدرّج لتكون في تعارض مع القيم الإسلامية.وبذلك اصطنع "التمثيل" تمايزاً بين الذات والآخر ، أفضى إلى متوالية من التعارضات والتراتبيات التي تسهّل إمكانية أن يقوم الطرف الأول في اختراق الثاني،وتخليصه من خموله وضلاله وبوهيميته ووحشيته،وإدراجه في عالم الحق. وباستثناء حالات محدودة خاصة بالعالم الشرقي،وبخاصة الهند والصين،فمن النادر الحديث عن تمثيل محايد،فالمرويات الكبرى لا تنقطع عن مرجعياتها الثقافية،وهي سرود شاملة لا تعرف البراءة في التمثيل،وليست شفافة،إنما تشتبك مع مرجعياتها في نوع من التمثيل الكثيف،وتصوغها صوغا رمزيا،فترشح من تضاعيفها كل المواقف القيمية والثقافية. هذه الآلية التي وفرت اعتصاماً بالذات وتحصناً وراء أسوارها المنيعة، وإقصاء للآخر وتشويه حالته الإنسانية،هي من نتائج ثقافة التمركز حول الذات داخل الإسلام، والتمركز نمط من التفكير المرتفّع الذي ينغلق على الذات، ويحصر نفسه في منهج معين ،ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته.ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة مقولاته . ويحتاج هذا النمط من التفكير إلى نقد متحرر من أية مرجعية ثابتة،سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية،فالمرجعية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية التحليلية الجريئة التي تتعرّض لفك التداخل بين الظواهر التي تلازمت فأوجدت هذا التفكير الذي يقوم على الرغبة والحاجة،وليس على جمع المعطيات الكلية التي توفر له درجة من الموضوعية والحياد والصدق.
    لقد كان هذا النموذج الفكري مهيمنا في القرون الوسطى ،وتغلغل في تضاعيف التصورات العامة،وتحكّم في توجيه الأفكار وصوغها،وركد مطمورا،ولكن بفاعلية كبيرة،تحت أكداس الخطابات والتصورات والتخيّلات، فحجب ولمدة طويلة،كل إمكانية للبحث في أمر تعديلها.وهو أمر يوجب إعادة النظر مجدداً في كثير مما اعتبر من المسلّمات الثقافية في ذلك العصر،من أجل كشف فداحة الأوهام ،وخطورة المصادرات،ثم القيام ،وبكيفية جديدة، بطرح القضية الملتبسة دائماً،قضية "الأنا"و"الآخر".ليس بوصفها قضية تاريخية انقضى عصرها،إنما باعتبارها ممارسة فكرية نقدية متجدّدة، تقوم بتحرير الذات من أوهام التمركز والتفوّق والأفضلية،عبر نقدها من أصولها، وفكّ الالتباس الناشئ من علاقة غير صحيحة مع الآخر،تشكّلت في ظروف أخرى،وفي ظل موجهات لم تعد قائمة بصورتها الموروثة.تمارس الأصول ضغطا شديدا في تحديد مجال الأفكار،ونمط المواقف،ونوع التصورات.تلك المرويات تمثل ذاكرة يصار إلى استعادتها طبقا لحاجات متصلة بالوعي الجماعي في ظروف معينة من أجل أهداف مشتركة،والبحث في الصور المتشكّلة في المخيال الإسلامي للآخر ليست موضوعا أغلق عليه كتاب الماضي، إنما هي قضية تتصاعد بفعل الظروف المعاصرة، ويتم استخدامها نفسيا لإعادة التوازن،فالماضي يدفع به ليكون جزءا من صراعات الحاضر،وهذا الاستخدام لمعطيات الماضي، يجعله مباحا،وقابلا للاختلاق في كل موضوع يستعصي على الحل، وهو،يحجب النظر عن القضايا الحساسة،ويتسبب في عماء دائم، يحول دون التفكير الموضوعي بالواقع.


    2.أصول التمركز الغربي.

    يتعذّر،على وجه الدقّة،تحديد اللحظة التي ولد فيها مفهومان متلازمان هما:«أوروبا» و«الغرب».فهما من تمخّضات تلك الحقبة الطويلة والمتقلِّبة التي يُصطلح عليها «العصر الوسيط»، الحقبة التي طوّرت جملة من العناصر الاجتماعية والدينيّة والسياسية والثقافية،فاندمجت لتشكّل «هويّة» الغرب،وبانتهاء تلك الحقبة،ظهر إلى العيان مفهوم «الغرب»،بأبعادهِ الدلالية الأولية، وسرعان ما رُكّب من المفهومين المذكورين مفهوم جديد هو «أوروبا الغربية».
    هذا المفهوم ذو الدلالات المتموّجة،لم يمتثل أبداً للمعنى الجغرافي الذي يوحي به،فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينيّة،ومن ثمّ ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينيّة على أنها ركائز قارّة،تشكّل أسس هويته،وغذّى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو «المركزية الغربية».وتتجلى إشكالية هذا المفهوم من أنه تقصّد أن يؤسس وجهة نظر حول «الغرب»،بناء على إعادة إنتاج مكوِّنات تاريخية، توافق رؤيته،معتبراً إياها جذوراً خاصة به،ومستحوذاً في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة،وقاطعاً أواصر الصلة بينها و المحاضن التي احتضنتْ نشأتها،إلى ذلك تقصّد ذلك المفهوم،أن يمارس إقصاءً لكلّ ما هو ليس غربياً،دافعاً به إلى خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح «الغرب» مركزه،على أن يكون مجالاً يتمدد فيه،وحقلاً يجهّزه بما يحتاج إليه.إن ولادة «العصر الحديث» اقترنت بالممارسة الغربية في ميادين المعرفة والاكتشافات الجغرافية،ومؤسسة الدولة بركائزها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية. ومن الواضح أنّ صفة «الحديث» التصقت بالمضمون الإيديولوجي الذي أشاعته الثقافة الغربية بما يوافق منظورها،ويترتب ضمن الأفق العام لتصوراتها،فيما يخص العالم والإنسان.وأفضى كل ذلك إلى نوع من التمركز حول الذات بوصفها المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته،وإحالة «الآخر» إلى مكوّن هامشي،لا ينطوي على قيمة بذاته،إلاّ إذا اندرج في سياق المنظور الذي يتصل بتصوّرات الذات المتمركزة حول نفسها. وجدير بالذكر أنّ الانتماء الديني كان طوال العصر الوسيط شكّل نوعاً من الوحدة الشعورية، لعب دوراً أساسياً في تكوين «الإمبراطوريات الدينيّة» المتصارعة،التي ركَّبت لنظائرها صوراً مشوّهة،ومختزلة،لم يُشف من آثارها إلى الآن.ومع أنّ مهمة المبشّرين النصارى أتت أُكُلها متأخرة جداً،ذلك أنهم انتهوا من نحو «سنة ألف إلى تنصير وثنيّي أوروبا».إلاّ أنّ انتشار المسيحية في أوروبا بدأ يُعرف منذ القرنين الرابع والخامس الميلاديين،وهو انتشار بطيء اقتصر في معظمه على الشريط الجنوبي لأوروبا.ويمكن القول تجوّزاً أنه شاع أول الأمر،فيما كان يسمى من قبل بـ«أوروبا الرومانية».وفي القرن العاشر أمكن استكمال مشروع تنصير «أوروبا البربرية» التي يمكن اعتبارها، بصورة عامة، سلف «أوروبا الغربية» بالمفهوم الحديث وطبقاً لشروط الجغرافيا.
    كان التحدي الديني الخارجي قد ذوّب التعارض الذي كان قائماً في قلب أوروبا،وشدّ أزرها فظهرت بوصفها قوة طالعة، جديدة،تهدف - من بين ما تهدف إليه - تحقيق مجموعة من الدعاوى ذات الأهداف المزدوجة،وفي طليعتها:القضاء على الوثنية من جهة، ووقف التحديات الخارجية من جهة أخرى.ويمكن القول إن أوروبا قد أسفرت،بسبب تلك الأهداف،عن وجهها المسيحي،لإيجاد نوع من توازن القوى، وامتصاص التعارض الداخلي القائم آنذاك.وكل هذا جعل المفكر "دوفيز" يضع استنتاجه الآتي;وهو: إنّ «أوروبا تتطابق في الهوية أكثر فأكثر مع المسيحية... إنّ أوروبا هي حامل راية،وجندي المسيح. إن التصور الجغرافي لعصر الحملات الصليبيّة بسيط،لكنه منطقي:«أورشليم مركز العالم». القدس إذن «سُرّة العالم» والهدف المسيحي في هذه الحقبة يخضع للفرضية الآتية:بما أنّ «أوروبا بلاد المسيحيّين» فإنّ «إفريقيا وآسيا يجب تنصيرهما».الأصح كما يؤكد دوفيز «إعادة تنصيرهما ما دامت هذه الأراضي كانت جزئياً مسيحية في العصر القديم» يصعب الآن البرهنة على سلامة تلك الفرضية،فهي معرّضة للطعن من كل جانب.أولاً:لا تلزم النتيجة المطلوبة عن المقدمة الموضوعة(هل يجب تنصير آسيا وأفريقيا لأن أوروبا مسيحية؟).وثانياً: مهما حشدت الأسباب للقول إنّ آسيا وإفريقيا ينبغي «إعادة تنصيرهما»، فإنّ الأمر تمحّل محض، ذلك أنّ المسيحية لم تُعرف إلاّ في نطاق محدود جداً في هاتين القارتين قبل ظهورها في أوروبا. وتحديداً فإنّ مهد المسيحيّة كان الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. فإذا وضعنا في الاعتبار هذا التعسّف المقصود في الإساءة لتاريخ المسيحيّة المتحدّرة من أصول شرقية،فإنّ الحوار مع تلك الفروض يصبح ممتنعاً.إنها فروض مركّبة على مضامين اقتضتها ودفعتها إلى الأمام فكرة السجال اللاهوتي في القرون الوسطى،ذلك السجال الذي اعتاد أن يختزل كل شيء إلى فروض مستمدة من المنطق القياسي دون مراعاة لواقع المطابقة بين الموضوع والمحمول. كانت أوروبا تغادر حقبة العصور الوسطى ولم تفلح بعدُ في إضفاء صفة على شعوبها، لم تظهر كلمة «أوروبي»ولم تندمج الأعراق التي تستوطنها في هوية محددة،إلاّ الشعور الديني الذي يشكّل بطانة داخلية للتواصل الروحي.وكان هذا الشعور يتنازعه قطبان،كثيراً ما تداخلت وظائفهما وسلطاتهما:البابا والإمبراطور.
    دخلت أوروبا العصر الحديث حينما طوّرت منظومة من الممارسات والأفعال والأفكار المتداخلة التي دُمجت معاً،ووُظّفت لتكوّن نسغاً حيّاً يجري في العروق التي جمدتها تناقضات العصور الوسطى.ومن خلالها بدأ الكيان الأوروبي،يظهر مؤثراً في العالم. ويعدد دوفيز ما يمكن اعتباره أهم العوامل التي أظهرت أوروبا بوصفها مكوِّناً متجانساً ومؤثراً:
    1.اللغة اللاتينيّة.
    2.الأدب القديم.
    3.الانتلجنسيا التي بدأت منذ القرن الثالث عشر تدرس في جامعات متماثلة.
    4.طبقات حاكمة لها الميول والأذواق نفسها.
    5.البعثات الأولى إلى الشرق الأقصى في القرن الثالث عشر.
    إذا نظرنا الآن إلى تلك العوامل،نجد أن فعاليتها تتجه في الأساس إلى إيجاد قاسم مشترك تتمحور حوله الذات الأوروبية. وكما هو واضح فإنّ الاهتمام انصبّ على النُظم الرمزية، وبخاصة الأدب الإغريقي والديانة المسيحيّة،وإعلاء شأن اللاتينيَّة لأنها الوسيط والحامل لتلك النُظم. وسرعان ما اقتضى الحال أن تُضفى القداسة على اللاتينيّة؛لأنها لغة الحقيقة الدينيّة،لغة الإنجيل،لغة اللاهوت،ولغة الكنيسة.ورافق الشوق إلى استلهام الماضي،الاهتمام بالحاضر،سواء في أوساط طبقة المثقفين أو الفئات الحاكمة،ثم المحاولات الأولى للتعرّف إلى «الآخر» بواسطة «الرحلات الأولى إلى الشرق».لكنّ التعبير الحقيقي عن أوروبا تأخر إلى نهاية القرن الخامس عشر،وكشف عن نفسه في ظاهرتين مهمتين،لهما أثر غاية في الأهمية في التاريخ الحديث:
    1.الكشوف الجغرافية .
    2.الثورة العلمية والفكرية.
    الكشوفات حسب تودروف هي الحدث الذي دشّنَ وأسس هوية الغرب الحديثة،إذ «لا يوجد تاريخ أنسب لتمييز بداية العصر الحديث من عام 1492،العام الذي يَعْبر فيه كولومبوس المحيط الأطلسي،ونحن جميعاً - الكلام على لسان تودروف - الأحفاد المباشرون لكولومبوس،بقدر ما لكلمة «بداية» من معنى».فاعتباراً من هذا التاريخ يصبح الغرب يعيش زمناً جديداً «لا يشبه أي زمن آخر».فقد انكمش العالم وصار صغيراً.ارتهنت أوروبا كقوة بلذة الاكتشاف،ووصف «العالم الجديد»، بأنه «أمريكا»،ومنذ أن وطأت قدما الأميرال الأسباني «أمريكو فيسبوتشي»هذه الأرض،أُعلنت نسبتها إليه،أُلغي وجودها وتاريخها الذاتي، وأُعلنت ملكيتها بـ «التسمية»،وأصبحت علاقة هذه الأرض،بكل ما فيها،أشبه بعلاقة النوع بالجنس في الفلسفة القديمة.فمنذ «الاكتشاف»لا تُعرف هذه الأرض إلاّ بعلم معرّف بذاته. إنّ التسمية بذاتها تنطوي على ممارسة إقصاء فريد من نوعه.لقد انتسب هذا العالم،منذ اللحظة التي عرفه فيها الغرب إلى الغرب نفسه، وأُخمل أصله تماما.أيكون هذا الإجراء إيذاناً بالتعبير عن استراتيجية التمركز التي سترتّب علاقتها بالآخرين،بمقدار ما يندرج الآخرون في نطاق تصوراتها؟ الواقع،أنّ تلك التسمية الاستملاكية قد عُمّدت بالدم،شأنها في ذلك شأن أي اغتصاب، غايتهُ كما يقول تودروف، الاستحواذ والإخضاع،وذلك بـ«اقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري».هذا العماد بحد ذاته أول ما عبّرت به أوروبا عن وجهها الحديث لتأسيس هويتها. وتراجيديا اكتشاف أمريكا انطوت على هدف مزدوج:الإعلان عن الذات الغربية بالقوة، واكتشاف الآخر بالعنف الذي يماثل الاغتصاب،وكأن ثمن الشطر الأول من الهدف،لا بد أن يكون الثاني. أظهرت الكشوفات لأوروبا عالماً «ثرياً وخاملاً». وكما ازدوج هدف الاكتشاف،فقد ازدوج هدف الاستثمار،فقد رافق المستكشفين باحثون عن الذهب،وحاملون للإنجيل.الفئة الأولى غايتها نقل الثروة إلى أوروبا،وغاية الفئة الثانية بثّ الحيوية الروحية في ذلك «الخمول الوثني».وظهر تبادل غير متكافئ قوامه،كما يقول "ريجيس دوبريه":«ذهبك في مقابل إلهي.أعطني الدراهم وإليك المطلق،إنني أنهب، ولكنني أُهدي للحق». ومعلوم أن الكشوفات تمت تحت غطاء ديني،فكولومبوس يكتب إلى «البابا» أن رحلته ستكون «لمجد الثالوث المقدس ولمجد الدين المسيحي».وأنّ ما يفعله هو أمر«جليل ومن شأنه زيادة مجد ونمو الدين المسيحي المقدس» وهدفه «نشر اسم الرب المقدس وإنجيله في أرجاء الكون».وجملة ما ينتظره كولومبوس من ذلك هو «استخدام ما سوف يتم كسبه في ردّ الديار المقدسة إلى الكنيسة المقدسة»، ويخص الكاثوليكيين بالخير الوفير، قائلاً: «إنّ أخيار الكاثوليكيين فقط هم الذين يجب أن يكون لهم موطئ قدم هنا،بما أنّ الهدف الأول للمشروع هو دائماً نشر الصليب والعقيدة المسيحيّة».ولكن تحت هذا الغطاء كان يتم استنزاف كامل ونهب لم يسبق له مثيل لثروات البلاد المكتشفة،التي لم تلبث أن حُوّلت إلى مستعمرات. أفضى الفتح -الاكتشاف إلى شعور جارف بالتفوق والقوة، فالفاتح،سواء أكان مكتشفاً أم مقاتلاً أم باحثاً عن الذهب أم راهباً وجد نفسه في مواجهة منظومة قيم مغايرة لمنظومة القيم التي يحملها.فكلّ الأهداف التي عبر المحيطات من أجل تحقيقها غير مفهومة من أهالي البلاد،كما يظهر ذلك بجلاء في علاقة الشعوب بالفاتحين في كل مكان وصلوا إليه،ومثال ذلك حالة العداء المستحكم التي قوبل بها البرتغالي"دلبوكيرك"خلال طوافه المتواصل لحوالي عشر سنوات في سواحل الجزيرة العربية واليمن وعمان ثم الشواطئ الهندية، دون أن ينجح بصورة نهائية في الاستقرار بمكان ما، فكان الأسطول البرتغالي هو المكان المفضل له،يقطع فيه طرق السفن،ويستولي على حمولاتها من الفلفل وغيره،فيصادرها ويبعث بها إلى البرتغال في مطلع القرن السادس عشر،وفي الوقت نفسه يبدي في كل لحظة تعلّقا بالقيم المسيحية التي جعلته موجودا في هذه الأصقاع لنشر الفضيلة وخدمة الكنيسة منبع الخير الأبدي التي ينبغي أن تعم سلطتها العالم من أجل تطهيره من ذلك العفن الوثني كما يرى"دلبوكيرك" .وتنبثق المفارقة من التضاد الذي يسبب صدمة بين الأخلاقيات المسيحية المعروفة والعنف المبالغ فيه الذي يمارسه "دلبوكيرك" ضد المسلمين حيثما يراهم باسمها،كما يصور ذلك ابنه بالتبنّي في السجل الخاص والضخم لأعماله الكاملة في البلاد الشرقية. والحق فإنّ الاكتشافات الجغرافية وضعت ولأول مرة منظومات القيم في صراع مباشر. وتمخّض عن ذلك انهيار قيم وظهور أخرى،ومن وجهة نظر الفاتح الغربي، فإنه بقوته وحضارته وأهدافه قد اخترق سكون ذلك العالم الخامل.ولكنه في الوقت نفسه كان يقوِّض نظم العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية،دون أن يكون معنيّاً بالنتائج التي تترتّب على كل ذلك.لقد تم الإجهاز على المقومات الخاصة بتلك الشعوب والجماعات البشرية،وأُلحقت بنموذج غربي أصبح يغذّي تلك المناطق بالحياة،لأنه امتد بنفوذهِ إلى أعماقها، وسيطر على المفاصل الرئيسة فيها.كان كل شيء يرتبط بأوروبا التي أصبحت مركز العالم، والعالم غير الأوروبي يحيا بها. أما فيما يخص الثورة العلمية والفكرية فإن أوروبا خرجت من العصر الوسيط حينما أظهرت الانتلجنسيا إلى الوجود حساً جديداً من خلال الفن والأدب والفلسفة والعلم. وبدأت الرؤى والتصورات الجديدة تتعارض مع تلك الموروثة،وانحسر نفوذ الكنيسة في الأوساط الثقافية عمّا كان عليه من قبل،وأصبح الاتصال بالماضي اليوناني والروماني محكوماً بعلاقة متحررة من سلطة التقاليد والكنيسة،ثم تفجّرت الثورة العلمية التي استبدلت بكثير من المعتقدات أخرى جديدة، وأصبح العالم مجالاً للممارسة العقلية الغربية فـ«البنية الذهنية للأوروبيين لا ترتضي حقاً إلاّ بمبادئ واضحة وجلية تفضي بسلسلة استنتاجات إلى نتائج تفرض نفسها بجلاء». وفكرة الكونية،الداعية إلى عولمة القيم والثقافات والعلاقات الاجتماعية،بدأت تتخلى عن مضمونها الديني الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى،وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم.ويرى ديكارت أنّ البناء العلمي الذي تشيّده أوروبا من أجل العالم كافة،ومنفعة التفلسف لها أهمية كبيرة،لأنها وحدها «تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيّين».
    صار الغرب مصدرا لمدنية جديدة،فيما وسم العالم الآخر بالتوحش والهمجية،وأصبح القول بـ«حيوية أوروبا» و«خمول العالم» شائعاً،فـ«أكاديمية علوم باريس» تؤكد في القرن الثامن عشر«أنّ أوروبا هي ما تغيّر وما يتغيّر بتقدم معارفنا» و«كل أجزاء العالم الأخرى هي في الجمود».ثنائية جديدة تحل محل ثنائيات تناسلت من بعضها قبل ذلك:في العصور الوسطى كان الإيمان يوضع قبالة الكفر،ومن قبل كان الرومان يوضعون مقابل البرابرة.وجاء الآن دور ثنائية الحيوية والخمول، والتمدن والتوحش.
    يعبّر أحد الرحالة في القرن التاسع عشر عن هذه الفكرة بقوله إنه في آسيا لا شيء يتغيّر «آسيا هي الجمود،أوروبا بالعكس،تغيّر دائم»وأصبحت الثقافة ممارسة روحية وعلامة مميزة للمتحضرين، يؤكد هيغل هذه الفكرة بقوله:«في أوساط المتمدنين يسعى الإنسان إلى إعلاء قيمته بالثقافة الروحية، وذلك لأن تغيرات الشكل والسلوك وسائر المظاهر الخارجية لا تكون من نتاج الثقافة الروحية إلاّ لدى المتمدنين وحدهم».وتحتشد النتاجات الفكرية والأدبية بالثنائيات الضدية:المدني في تعارض مع الهمجي،الإلهي في تعارض مع الطبيعي،الروحي في تعارض مع الحسي،وهي تستعيد جميعها روح الثنائيات الضدية المترسبة في المخيال والعقل على حد سواء،والمتأصلة في الثقافة والتصورات العامة.
    برزت أوروبا بوصفها مكوِّناً ثقافياً، وحيثما شاعت نظمها الفكرية والسياسية والاقتصادية تكون أوروبا.ويبدو وكأن الفكرة الرومانية يُعاد إنتاجها مرة ثانية، فقد اختزل العالم حضارياً لكي ينطوي تحت شمول أوروبا.فالفتح والكشف والتبشير والاحتلال كان ينتظم في سياق فكرة واحدة هي: بناء هوية أوروبا. وهذا البناء يلزم الإجهاز على المكوِّنات الحضارية القائمة في العالم، وإذا تعذر ذلك فاختزالها إلى أنماط معيقة لعلاقات جديدة تهدف إلى وحدة الإنسان والتاريخ،وحسب مونتسكيو، فإنّ «أوروبا لم تعد سوى أمة مؤلفة من أمم عديدة» ونشر الدين المسيحي يقوّي روابط هذه «الأمة»، فقاموس «تريفو» الصادر في عام 1771 يقول إنّ «أوروبا أصغر قارات العالم،لكن لها على الأجزاء الأخرى مزايا كثيرة:المزية الرئيسة هي:الدين الحقيقي الذي حفظته على النحو الأفضل والذي تنشره بشكل رئيس منذ قرنين في أجزاء الكون الأخرى».وفي الموسوعة التي أشرف عليها «ديدرو» و«دالمبير» يكتب «جوكور» في نهاية القرن الثامن عشر معرّفاً «أوروبا»، بأنها «تفرض نفسها بالمسيحية التي لا تميل أخلاقها الخيِّرة إلاّ إلى سعادة البشرية».وقبل ذلك كان «لامارتنير» يؤكد أن «أوروبا هي الجزء الأعظم بالدين المسيحي الذي أصبحت شطره الأثمن ونوعاً ما مورده». و«الموسوعة» التي أشرنا إليها، والتي اعتبرت أنموذجا للتنوير العقلي،تعدد فضائل أوروبا، وتختتمها بـ«المسيحية»،أما الأوروبيون في قاموس «تريفو».فتُنضَّد لهم الخصائص الآتية:«الأوروبيون هم شعوب الأرض الأكثر تهذّباً،الأكثر تمدّناً،والأحسن صُنعاً.يبزّون جميع شعوب سائر العالم في العلوم والفنون...في التجارة، في الملاحة،في الحرب،في الفضائل العسكرية والمدنية،إنهم أكثر بسالة، أكثر فطنة، أكثر كرماً، كثر نعومة،أكـثر اجتماعية، وأكثـر إنسانية».
    إنّ فكرة «السمو الأوروبي» وفكرة «امتدادية أوروبا»وشموليتها، وفكرة «أوروبا مركز العالم» ستفرض نفسها في القرن الثامن عشر. بحيث تصبح أوروبا حسب دوفيز «الوسيط للتقدم الكوني» و«السيد المعطاء» الذي ينبغي على العالم أن يكون «معتمداً عليها سياسياً وتكنولوجياً» ذلك أنّ ما تهدف إليه الحضارة الغربية، كما يذهب توينبي هو «جمع العالم الإنساني كله في مجتمع كبير واحد، والسيطرة على كل شيء فوق هذه الأرض، وفي البحار والأجواء، التي ستصل إليها الإنسانية عن طريق التقنية الغربية الحديثة».
    تضافرت إذن منذ بداية القرن السادس عشر مقومات ظهور الغرب الحديث المتمركز على نفسه،الذي سعى إلى تجاوز تناقضاته،بإعلان ضمني ومن طرف واحد:اعتبار العالم بأجمعه ميداناً للاستثمار الاقتصادي والفكري والسياسي.اقتضى هذا الهدف السيطرة على معظم ما كان يعرف بـ «العالم القديم»خارج «القارة». والكشف عن «عوالم جديدة»،وإلحاقها بأوروبا بالقوة،وتجاهل خصوصياتها وقيمها،وإعلان ولادتها طبقاً لطقوس كنسية.ولا غرابة أن يخلع كولومبوس على المدن التي «اكتشفها» في «العالم الجديد» تسميات مثل:سان سلفادور، وسانتا ماريا،أو اقتداء بملوك البلاط الإسباني وأميراته مثل إيزابيلا،وفرناندا وجوانا.مستعيناً بكل الموروث الديني والزمني لإضفاء أسماء جديدة على كل المناطق التي يمر بها، معلناً أنها من أملاك الكنيسة والملك الإسباني لأنها مُنحت الأسماء الصحيحة المعبرة عنها،وكذلك فعل "دلبوكيرك" في الشرق.فـ«إطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها».وحيثما وصلت الغربيون،أُعلنوا أنّ الهدف هو إدراج «العالم الخامل» في سياق التاريخ الإنساني الحيوي.وظهرت رسالة «الرجل الأبيض» مثلَّث الوجوه:الفاتح المسلح، والمبشر الديني،والباحث عن الثروة.
    ترتّبت علاقات الأوروبي بغيره في ضوء علاقة جديدة.هي علاقة المتبوع بالتابع.وقد عبّر الأدب الروائي رمزياً عن هذه العلاقة الملتبسة على لسان «دانيال ديفو» في روايته «روبنسن كروزو» إذ يقوم «كروزو» الأبيض، بتعليم «فرايدي» الملوّن: التفكير والفهم والسلوك، ليوفّق في خدمته، خدمة الرجل الأبيض. وإذا وضعت تلك العلاقة تحت النظر العقلي لتحليل مكوِّناتها.نجد أنّ العلاقة بينهما كمتبوع وتابع تقوم على الركائز الآتية:قيم روحية وقيم فكرية وقيم سلوكية.أي أنّ الأبيض يلقن الملوّن: الدين والعقل والأخلاق.إنّ المتبوع يبشر بهذه القيم، كغطاء مخفف لواقعة التبعية ذاتها، أما التابع فيتلقاها لا لكي يحقق بها ذاته،وإنما ليخدم بها سيده،ويكون ماهراً في التعبير عن ولائه وطاعته. الكلمة الأولى التي يتعلمها التابع من المتبوع هي"نعم" بلغة السيد.الطاعة أولا. إنّ التبعيَّة تعني تفوق طرف على آخر،وهي تنظم العلاقات بناء على هيراركية (تراتبيّة) خطيرة تحجب معرفة الآخر، بقدر ما تحجب معرفة الذات على حقيقتها.


    3.أصول التمركز الإسلامي

    إنّ العودة إلى مرويات الثقافة الإسلامية(يقصد بالمرويات كل تعبير يقوم بوظيفة تمثيلية للمرجعيات الثقافية والعرقية،بغض النظر عن الصيغة)وبخاصة الجغرافية والتاريخية والدينية والتخيلية،وكتب الرحلات،طوال القرون الوسطى تبين بجلاء أن صورة الآخر مشوّشة،ومركّبة بدرجة كبيرة من التشويه الذي يحيل على أن المخيال الإسلامي المعبّر رمزيا وتمثيليا عن تصور المسلمين للعالم،قد أنتج صورا تبخيسية للآخر. فالعالم خارج الإسلام-كما قامت تلك المرويات بتمثيله- غفل،مبهم،بعيد عن الحق،وهو بانتظار عقيدة صحيحة لإنقاذه من ضلاله،ولا تخفى التحيّزات الخاصة بذلك التمثيل،فهي مكشوفة وواضحة،وكانت صورة الآخر الدونية مثار قبول واحتفاء في كثير من الأحيان لدى المؤرخين والجغرافيين،ولم يجر نقد معمّق لها، ولا كشف التنميطات الثقافية الجاهزة للآخر. كشف صورة الآخر في أعين المسلمين، خلال القرون الوسطى( هنالك اختلاف حول الدلالة الزمنية لهذا المفهوم بين المؤرخين بحسب الأمم والثقافات،كما هو معروف) لا يراد منه سوى تفريغ الأوهام المستبدة بنا،والتأكيد على ضرورة النظر إلى الماضي، وصورته في أذهاننا،نظرة تستبعد أية إمكانية لإغفال التدرج التاريخي الطبيعي للأمم،وهو يسهم، كما نرى، في وضع مسافة نقدية تمكن من كشف انخراط فهمنا التقليدي في عمل خطير،وهو يريد ألا نظل أسرى التطابق مع صور بعينها من الماضي ،إنما التفكير في نوع من الاختلاف ، وهذا الاختلاف يقتضي النظر للذات والأخر بعيدا عن التحيّزات الأيديولوجية الجاهزة.فالمركزيات تصاغ استنادا إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه المرويات الثقافية(الدينية والأدبية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأنثروبولوجية) للذات المعتصمة بوهم النقاء الكامل، والآخر المدنّس بالدونية الدائمة، فالتمركز هو نوع من التعلق بتصوّر مزدوج عن الذات والآخر،تصوّر يقوم على التمايز والتراتب والتعالي يتشكّل عبر الزمن بناء على ترداف متواصل ومتماثل لمرويات تلوح فيها بوضوح صورة انتقيت بدقة لمواجهة ضغوط كثيرة.
    يلاحظ أن مصطلح "العالم الإسلامي" قد بدأ يحل محل" دار الإسلام" وهذا يتسبب في نشأة وضع آخر،وهو التفكير في البحث عن المصطلح الذي يمكن إطلاقه على" العوالم الأخرى"،فمادام قد غُطي هذا العالم بغطاء ديني،فما الذي يمنع من خلع أغطية مماثلة على العوالم الأخرى التي تشترك بالعقائد والثقافات واللغات؟ إلى ذلك فالمصطلح الجديد إنما هو تشكيل رمزي له القيمة الثقافية ذاتها التي كانت اللب المكوّن للمصطلح القديم، فشأن هذا شأن ذاك، لايمكن أن يُعبّأ بغير الأبعاد الثقافية.ومادام التفكير في ( الأنا) يتمّ في ضوء سلّم محكم من القيم الدينية،فمن الطبيعي أن يظهر (الأخر) المختلف.ولكن هل يمكن أن نكون أكثر دقة لو استخدمنا مصطلح" العالم الإسلامي" ؟ الواقع ينبغي التحسّب أيضا عند استخدام هذا المصطلح ؛ فهذا الوصف يشوبه نوع من عدم الدقّة من جهة، والتعميم من جهة أخرى. فهو لا يأخذ في الاعتبار ما تمور به هذه المناطق الشاسعة التي استوطنها المسلمون كأغلبية، أو شكلّوا في بعضها أقليات ضخمة،لها خصوصيات عرقية، ولغوية، وتاريخية.
    ولم يكن المسار التاريخي للإسلام خاضعا بصورة كاملة لفهم مجموعة عرقية،أوحقبة تاريخية، أو منطقة جغرافية. فقد كان هذا المسار ولا يزال متصفا بتنوّع مميّز بحسب الأعراق والأقاليم،والثقافات .وهذا الوصف لن يُنقصه في شئ، إنما يضفي عليه حيوية لأنه يستجيب للبنية الاجتماعية الخاصة بالمؤمنين به كنسق ثقافي وعقائدي، ويتفاعل معها،بما يظهر إسلاما متنوعا. لقد بُذل جهد كبير للحفاظ على وحدة دار الإسلام خلال القرون الوسطى بوجه التحدّيات الخارجية والداخلية في محاولة لبلوغ أكبر درجة ممكنة من الوحدة الدينية والثقافية،لكنّ ذلك لم يتحقّق الاّ بعد التفكّك السياسي الذي لحق بتلك الدار، وخلال ذلك وقع تفاعل واسع المدى بين شعوب تنتمي إلى أرومات وثقافات وتقاليد مختلفة، وبرزت الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى إلى الوجود من خلال عملية التفاعل هذه، بل كادت تكون في الحقيقة نتيجة لها .
    ليس من الحكمة الآن النظر إلى واقع (دار الإسلام) كما كان ينظر إليها حينما كانت قائمة بالفعل؛ولكن من المهم التأكيد على خاصية الوحدة المتنوعة بشريا وثقافيا لها،وتجنب تكريس المصطلح للتعبير عن دلالة رغبوية كامنة في الوعي الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحدّيات حقيقية، فينظر إلى الماضي نظرة شفافة تستبعد الخصوصيات التي أضفت على الإسلام الثقافي أبعادا خصبة في كل مكان وصل إليه. من الصحيح أن الإسلام كان عقيدة دينية، لكنّ مفهوم دار الإسلام كان يتأكّد وجوده من كونه عالما واسعا يشترك في تصورات ثقافية وأخلاقية متقاربة أكثر ممايمتثل لوحدة سياسية ودينية مطلقة.وكان هذا معروفا عند القدماء، وجرى التعامل معه كحقيقة واقعة.نريد من كل هذا التأكيد على أن العالم كمجال ثقافي سيبقى مضمارا للمنازعة والمدافعة، وقد تأخذ المنازعة أشكالا، وتنتظم في أهداف، لكنها تستعين بالمكون الثقافي-العقائدي كمنشّط في صراعها مع الآخر. مازلنا بعدين عن تصور حقيقي يمارس وظيفة فاعلة في دمج التكوينات الثقافية داخل أطر تفاعلية، تستبدل بالمساجلات الحوار.ومادام الأمر قائما فليس ثمة إمكانية حقيقية للتخلّص الآن نهائيا من التسميات التي تحمل معها مستنداتها الثقافية والدينية ، كـ"دار الإسلام" أو"العالم الإسلامي" أو "الغرب" وحتى "دار الحرب" فالمفاهيم والتسميات تعبّر عن حقيقية ظاهرة أو مضمرة،ولكن من المفيد التنبيه إلى ضرورة تفريغ دلالاتها القديمة.المفاهيم التي توجّه الأفكار لها سُنن تطور خاصة بها.ولايراد استخدامنا لبعضها موافقة لدلالاتها، إنما نهدف إلى تعديل الدلالات الموروثة فيها.
    يشير مصطلح" العالم الإسلامي"الآن إلى ذلك المجال الشعوري الذي تتراسل فيه منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والعقائدية التي انبثقت عن القرآن،وعزّزت بفهم المسلمين لطبيعة الرسالة التي يتضمنها، وهو تراسل يتجاوز الانتماءات العرقية والثقافية والجغرافية، ولكنه لا يهملها ولا يتقاطع معها، ذلك أن الإسلام لم يضع أية شروط محددة للتوفيق بين العرق والعقيدة ،فهما انتماءان لا تعارض بينهما في المنظومات الدينية، يتوازيان ويلتقيان ويتماسان دون أن يلغي أي منهما الآخر، وهذا الأمر بذاته هو الذي يظهر إلى الوجود إسلاماً متعدد الأبعاد، يتم تلقيه وإنتاجه والتفكير به طبقاً للخصوصيات الثقافية والاجتماعية،لكن الإسلام كمنظومة قيم روحية وعقائدية عامة ينتظم في نسق واحد شامل، فهو يضم هذه التصورات، ويهضم الاختلافات والخصائص الثانوية، وذلك أمر شائع يفرضه واقع حال المسلمين المتصلين بأعراقهم الكثيرة،والمنتمين إلى هويات ثقافية متعددة،داخل إطار الثقافة الإسلامية العامة. وهذه الحقيقة دفعت محمد أركون لأن يحتج على برنارد لويس الذي يستخدم في كتبه مصطلح "العالم الإسلامي". ومؤدى اعتراض أركون يتمثل في أن هذا المصطلح إنما هو مفهوم شمولي وضبابي يغطي تحته عدداً كبيراً من المجتمعات والمجموعات البشرية المختلفة. وهذه الفئات والمجتمعات شديدة التنوع والابتعاد عن بعضها في الزمان والمكان. إنها من التباعد والاختلاف بحيث أن مفهوم "العالم الإسلامي" يفقد كل فعالية حقيقية ،وبالتالي فيصعب استخدامه دون أخذ احتياطات كثيرة.


    3.تنازع المركزيات الثقافية: مجتمعات تقليدية ومجتمعات مدنية

    يصعب تخليص صورة الآخر من الآثار المباشرة التي تتركها عليها الثقافة المتمركزة على نفسها،وقد كانت المركزية الإسلامية،ممثلة بدار الإسلام،ونظامها القيمي المعياري،هي الموجّه الأكثر فاعلية في صوغ ملامح تلك الصورة،وهي في عمومها صور رغبوية تتأدّى مكوناتها عن رغبة في تفخيم الأنا الثقافية الأمر الذي يقود إلى خفض قيمة الآخر.كان هذا التصور كامنا في صلب الحضارات القديمة والوسيطة،ولم تتمكّن الحضارات الحديثة من التخلّص منه بصورة تامة،إذ مازال فاعلا في توجيه المواقف والأحكام، وتحديد طبيعة المنظورات التي تنظر بها المجتمعات إلى غيرها؛ذلك أن العصر الحديث لم يفلح في التخلّص من مؤثرات الماضي،كما ينبغي ،وهو في كثير من الحالات يعيد بعث الصور والأحكام القديمة التي كوّنتها ظروف تاريخية مختلفة، فيبني عليها مواقف يرغب فيها، ويحتاج إليها في نزاعاته ذات الأوجه المتعددة،وعلى نحو خاص نزاعات الهويات الثقافية. ولئن ذوبت نزعات الحداثة والعولمة بعض التخوم الرمزية الفاصلة بين التجمعات القومية والعقائدية، وفكّت الانحباس التقليدي المتوارث فيها، فإنّها بذرت خلافا جديدا تمثله مفاهيم التمركز والتفوق والتفكير بسيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر،وهو أمر نشّط مرة أخرى المفاهيم التناقضية-السجالية التي تخمّرت في طيّات القرون الوسطى،وصارت تُبعث اليوم بصورة إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة.وينبغي التأكيد على أمر يكاد يصبح قانونا ثقافيا،وهو أن البطانة الشعورية-العقائدية،وهي تشكيل متنوّع من تجارب الماضي والتاريخ والتخيّل والاعتقاد واللغة والتفكير والانتماءات والتطلعات،تؤلّف جوهر الرأسمال الرمزي للتجمّعات المتشاركة بها،أقول إن تلك البطانة المركّبة تعمل على جذب التجمعات البشرية الخاصة بها إلى بعضها،وتدفع بها إلى قضايا حساسة وشائكة لها صلة بوجودها، وقيمها،وآمالها، وقد تتراجع فاعليتها التأثيرية في حقبة بسب ضمور فاعلية عناصرها، لكنها قابلة للإنبعاث مجددا في حالة التحدّيات والتطلّعات الحضارية الكبرى .ولا يُستبعد أن تُغذّى بمفاهيم جديدة تدرج فيها من أجل موافقة العصر الذي تتجدّد فيه.
    وهذا هو الذي يبعث التفكير ثانية في الماضي الذي يصبح حضوره ملحّا حينما تشرف المجتمعات على حالات تغيير جذرية في قيمها وأخلاقياتها وتصوراتها عن نفسها وعن غيرها.ينبثق تفكير ملح بالماضي حينما يكون الحاضر مشوّشا،وعلى عتبة تحولات كبيرة أما بسبب مخاضات تغيير داخلي أو بفعل مؤثرات خارجية.تعيش المجتمعات الإسلامية حالياً ازدواجاً خطيراً تختلط فيه قيم روحية وقيم مادية،ولم تفلح أبداً في فك الاشتباك بين الاثنين على أسس عقلية واضحة. فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدّسة وحواشيها ،وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعال يمارس نفوذاً يوجّه الحاضر انطلاقاً من الماضي، أما القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها، باعتبارها إفرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث، وبالتحديد بفعل المؤثر الغربي. وهكذا فقد اصطدمت وتداخلت جملة من القيم المختلفة في مرجعياتها ووظائفها، فلم تعد تلك المجتمعات قادرة لا على الدخول إلى قلب الحداثة ولا الانفصال عن الماضي. هناك زمنان يحملان قيماً ثقافية مختلفة يتواجهان في وسط هذا العالم الكثيف بشرياً: العالم الإسلامي (بوصفه منظومة ثقافية) الذي لم تستطع شعوبه أن تنجز فهماً تاريخياً متدرّجاً ومطوّراً للقيم النصيّة الدينيّة،بما يمكّنها من إدراج تلك القيم في صلب السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي،ولم تستطع في الوقت نفسه هضم كشوفات العصر الحديث في كل ما يتصل بالحياة والمشاركة فيها. وبعبارة أخرى فإنها لم تتمكّن من إعادة إنتاج ماضيها بما يوافق حاضرها، ولم تتمكّن أيضاً من أن تتكيّف مع الحضارة الحديثة المنبثقة أساساً من الغرب،وعلى هذا فقد انشطرت بين قيم متعالية وقيم غربية، وحينما دفعها سؤال الحداثة إلى خانق ضيق،طرحت قضية الهوية، كقضية إشكالية متداخلة الأوجه.فالقائلون بالهوية التقليدية المميزة قدّموا قراءة هشّة للإسلام تقوم على فهم مدرسي ضيّق له يعنى بالطقوس والأزياء والتمايز بين الجنسين والحلال والحرام والطهارة والتكفير والتحريم،والتأثيم الدائم للنفس،وحجب فعالية العقل المجتهد،والذعر من التحديث في كل شيء، وإخضاع الكون والبشر لجملة من الأحكام،التي يسهل التلاعب بها طبقا لحاجات ومصالح معينة،وإنتاج أيديولوجيا استعلائية متعصّبة لا تأخذ في الاعتبار اللحظة التاريخية للشعوب الإسلامية،ولا العالم المعاصر،ولا تلتفت إلى قضايا الخصوصيات الثقافية والدينية والعرقية للأقليات، وسعوا إلى بعث نموذج أنتجته تصورات متأخّرة عن الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام،نموذج يقوم على رؤية تقديسية للأنا وإقصاء للآخر،يحبس الإسلام في قفص ذهبي، دون أن يسمح له بالتحرّر من سطوة الماضي،وينخرط في التفاعل الحقيقي مع الحاضر.وحجبوا عن الإسلام القيم الكبرى التي اتصف بها كنسق ثقافي يقر بالتنوع والاجتهاد،ويحثّ على التغيير والتجديد..وهنا سوف يصطدم هؤلاء بحقيقة لا يمكن تذويبها، وهي:أنه ليس من الصعب فقط استدعاء نموذج أنتجته سجالات القرون الوسطى وفروضها وتعميمه على الحاضر،إنما من المستحيل تطبيق فهم مختزل وهامشي للإسلام،أنتجته العصور المتأخّرة، فهم يقوم على التمايز المذهبي، والتعارض الطائفي،والانغلاق على الذات، وتبجيل السلطة ،وتسويغ طاعتها،والتكفير،ونبذ الاجتهاد، وتجهيل الناس بحقيقة أحوالهم الاجتماعية، كل هذا ضمن نمط من الحياة والتفاعل والمصالح والعلاقات الاجتماعية التي تكاد تختلف كلياً عما كان شائعاً إبَّان تلك الحقبة التي يفترض أن النموذج المطلوب قد ظهر فيها. ليست هذه وحدها هي العقبة الكأداء، إنما ترافقها أخرى لا تقل أهمية،وهي أنه لا يمكن تبنّي نموذج لمجرّد الرغبة فيه، فذلك أدخل بباب المحالات،فلا بد من كفاءة وتنوع يفيان بالحاجات المتكاثرة للناس ،وفي جميع الأحوال لا يمكن تطبيق أي نموذج مستعار من الماضي لاستيعاب الحاضر، فالأحرى اشتقاق نموذج حي ومرن وواسع ومتنوع وكفء من الحاضر نفسه، يأخذ في الاعتبار كل أوجه الحاضر ، ويتجدّد بتجدّده، ولا ينغلق على نفسه،ولا يدّعي اليقين، ولا يزعم أنه يوصل إلى الحقيقة المطلقة،ويتفاعل دائماً مع المستجدّات الداخلية، ويتناغم مع حركة التاريخ بشكل عام. ويكون جريئاً في الحوار مع نفسه وغيره، ويتجنّب الانحباس داخل قمقم مغلق،ويترك للآراء والاجتهادات والرؤى أن تتفاعل فيما بينها، ولا يتّكئ على السجالات الكلامية والمنطقية، إنما يقدّم نفسه كنموذج مفتوح يُثرى بالاقتراحات والممارسات، ويفكّ نفسه من الأقواس التي تقيّده، فلا يدّعي أنه يقدّم الخلاص، ولا يعد بالنّجاة الكاملة.أما القائلون باحتذاء الغرب، واستعارة حداثته،والاندماج بعالم يمور بالكشوفات العلمية والفكرية والاقتصادية،باعتبار أن الغرب استكمل حلقة التحديث الأساسية، وأنجز التطوّر في معظم مجالات الحياة العملية، وضَمن للإنسان حقوقه كفرد وكمواطن وكفاعل اجتماعي،ورسّخ سنناً قانونية وحقوقية واجتماعية تحول دون إلحاق ضرر مقصود وعام بالمجتمع والفرد على حدّ سواء،فإنهم يتخطّون حقيقة لا تخفى، وهي: أن النموذج الغربي تولّد من نسق ثقافي خاص،وأنه نتيجة لتمخّض شهده الغرب منذ القرن السادس عشر الميلادي،وأنه أُشتّق من حالة الغرب الخاصة، وتكمن كفاءته في أنه زبدة ذلك الواقع،لأنه متّصل به اتصال الجنين بالرحم.وقد تطور استجابة لواقع الغرب الذي تجري محاولات من أجل تعميمه ليشمل العالم،بكل الصيغ الممكنة، ولكنّ ركائزه الأساسية مبنية على وفق الخصوصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية الغربية. وتكمن الصعوبة في تقليده ومحاكاته، ناهيك عن نقله وتبنّيه. وبافتراض إمكانية ذلك، فإنه سيكون في نوع من التعارض مع جملة القيم الموروثة التي أشرنا إليها. والحقيقة فإنّ التوتّرات القائمة في العالم الإسلامي حالياً،يتّصل كثير منها بالصدامات الظاهرة والضمنية بين النموذجين اللذين ذكرناهما. في النهاية لا يمكن تجريد نموذج من خصائصه الذاتية وفرضه على حالة مختلفة سواء أكان نموذجاً دينيّا مستدعى من الماضي أم نموذجاً غربياً مستعاراً من الآخر.الواقع يفرض نموذجه الخاص الذي لا يُشترط فيه التقاطع مع النماذج الأخرى،إنما التفاعل معها.ولكن تُشترط خصوصيته واختلافه.
    ينطوي الكلام عن الحداثة،بالنسبة للمجتمعات الإسلامية،على مفارقة لايمكن تخطّيها بأي شكل من الأشكال، لأنها متصلة بسلسلة من التطلّعات الحالمة الخاصة بالتحديث من جهة، وبسلسلة مضادة من الإخفاقات الحاصلة في الواقع من جهة أخرى. وقد أصبح معروفا أن الحداثة الغربية قد أنجزت كثيرا من وعودها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية،وأن النقد يثار الآن حول بعض النتائج التي أفضت إليها الحداثة العقلانية، وليس إلى الشك في كامل منجزها الذي أحدث نقلة لايمكن إنكارها في البنية الاجتماعية بما في ذلك الفكر والعلاقات الاجتماعية والتطور التقني وحقوق الإنسان وغير ذلك، لكن القضية المثيرة للاهتمام هي أن المجتمعات الإسلامية لم تقترب بعد من هذا المخاض، ومازالت تتخبّط دونها، ولم تطوّر مفهوما خاصا بحداثتها؛لأنها لم تراكم معرفة عقلية- نقدية تمكّنها من الاقتراب إلى خيار الحداثة وما بعد الحداثة كمشروع لتغير البنى التقليدية في المجتمع والأفكار. وفي ضوء ثورة الاتصالات وطموحات العولمة والتفكير بعالم موحد الرؤى والآمال فإننا نعود أدراجنا شئنا أم أبينا إلى خوض غمار تلك التجربة مرة ثانية بأشكال جديدة قد تكون أشد مرارة هذه المرة. لقد فقدنا الفرصة التي عبرها كان يمكن أن ننجح في الوصول إلى ما نحتاج إليه فعلا، والحق فان الرهان المشوّه للتحديث الذي وصفناه قد بعث نسقا من التفكير المضاد، يقول بالاعتصام بالذات،وتشكيل هوية ثقافية خاصة وثابتة تسعى إلى بعث نموذج مستعار من الماضي ، بإلحاح من فكرة إننا بذلك النموذج نحقق الصفاء الكامل ،ونبعث الخصوصية ،وندرأ حالة الذوبان في الآخر. من الواضح أن هذا التيار وضع نفسه في تعارض لما هو قائم من آثار الغرب، وذلك يعني ضمنا أن المجتمع انشطر شطرين كل منهما يأخذ بمناقضة الآخر والحطّ من شأنه. ومهما أدرنا التفكير في المناحي المتعدّدة لهذه الإشكالية وقلّبناها على وجوهها فإننا لا نجد سوى التوتّر وسوء التفاهم بين التيارين، فكل منهما يصدر عن جملة من المسلّمات الأولية التي يعتقد بصحتها المطلقة ،وتغلغلت هذه الازدواجية في تضاعيف الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية، وضربت الإنسان في الصميم، فهو يجد نفسه على حافة خيارين ، ولم يفلح بعد في إدراج هذين الخيارين في إطار من الحوار والتفاعل ليصل إلى خيار ثالث مختلف عنهما لكنه غير متقاطع معهما، وهذا الخيار هو الذي نصطلح عليه (الاختلاف) بوصفه بديلا عن (المطابقة) التي هي امتثال سلبي للماضي والآخر معا.
    إن كل معالجة تحليلية لسؤال الحداثة لايمكن لها أن تتجاوز هذه القضية، لأن ثقافة المطابقة قد أصبحت مرجعية لأنساق التفكير والتعبير في حياتنا بكل مستوياتها الأساسية، إذ في ضوئها تترتب شؤون الفكر. وفي حالة معقدّة مثل هذه يغيب التفكير النقدي الجذري، ويتراجع الإبداع الأصيل، ويحل محلهما الاقتباس الذي يقوم على التشويه والتلخيص والاستنساخ، وتحل ثقافة التجميع محل ثقافة الإبداع، ويتجه التفكير إلى البحث عن أصول حتى لو اقتضى الأمر تلفيق تلك الأصول، أصول قد تبعث من طيات الماضي أو تستعار من الآخر. إنها حالة من التوتّر التي يحدثها انتماء مزدوج إلى رؤيتين وعالمين وزمنيين ومكانين وثقافتين ونسقين من القيم في آن ؛ فيما الحداثة الفاعلة موقف فكري جديد، ورؤية فلسفية للنظر إلى الذات والعالم طبقا لمنظورات مختلفة عن المرجعيات التقليدية الموروثة والمرجعيات المستعارة من الآخر، وغايتها إعادة ترتيب الواقع والفكر طبقا لحاجات اللحظة التاريخية المتجدّدة فالحداثة المنشودة لاتقرّ بالثبات إنما تتطلّع دائما إلى التجدّد ،وبذلك تنتج فكرا يتحوّل باستمرار متخطّيا فكرة الهوية القارّة واليقين الثابت،وبهما تستبدل هوية ثقافية وقيمية متحوّلة ومنفتحة،تقر بنسبية علاقتها مع نفسها وتاريخها وفرضياتها بالدرجة نفسها التي تقر فيها بنسبية الهويات الأخرى،وتشكّل مضمونها من نسيج متنوع الموارد يقوم على فكرة الحوار والتواصل والتفاعل،ثم تقليب المفاهيم والنظريات والمرجعيات الموروثة والمستعارة على كل الأوجه والاحتمالات عبر ممارسة نقدية جريئة ، فبدون النقد تظل العلاقة مع المؤثرات الأخرى علاقة استتباع وخوف وقلق وتوتّر. إنّ التمعّن العميق في الثقافة الإنسانية لا يظهر وجود ثقافات كونية حقيقية محتكرة فقط من قبل ثقافة معينة،حتى ولو كانت تلك الثقافة هي الثقافة الغربية، فكونيّة القيم، واعتبارها نماذج فوق تاريخية وفوق وجودية إنما هي وهم يماثل أفكار أفلاطون، واعتراض الثقافة الغربية على أنساق ثقافية أخرى في العالم لا يتصل أساسا بموضوع عبادة القيم الكونية، إنما هو متصل بالمصالح الغربية التي تبشر بثقافة من طرز خاصة تخدم أهدافها، وبما أن معاني الأنساق الثقافية مختلفة، فمن الطبيعي أن يظهر عدم قبول للثقافة الغربية التي لها حيثياتها الخاصة بها، وعليه ينبغي علـى الغرب قبل أن يحقق الـعولمة الموعودة- كما يقـول لاتوش- أن يسأل عن : طبيعة الحضارة الغربية، بل وحتى تعصّبها في نظر الآخرين، فهنالك أشياء عديدة في الأخلاق والعادات الغربية تبدو شنيعة ووحشية في نظر المجتمعات غير الغربية، وإذا كانت هذه المجتمعات قد سمحت بها أخيرا، فإن ذلك عائد إلى أنه لم يكن لديها خيار آخر، ولم تستطع منع ممارسات شائعة في الغرب مثلما يستطيع الغرب منع الممارسات التي تبدو للغربيين غير محتملة . إن الشروط التي تتبلور العولمة تحت رعايتها تكشف عمق التناقض بين السياقات التاريخية والقيمية الخاصة بالثقافة الغربية المتمركزة حول نفسها،والسياقات التاريخية والقيمية للثقافات التقليدية.والاختيار بين ذوبان محتمل،وانكفاء أكثر احتمالا بدأ يتشكل في أفق التفكير.وكل اختيار حاسم من هذا النوع تسبقه عملية اصطناع أو بعث تواريخ أو صور رمزية ، لتسويغ الذوبان أو الانكفاء .
    يصلح الماضي أن يكون ذخيرة لا تستنفد لكل ذلك،ففي حالات الحراك الكبرى، والخيارات الصعبة،تفتح جعب التاريخ،ويطلق سراح التصورات الخبيئة في طياته.وبمواجهة عناد يأخذ طابعا تاريخيا مصيريا،ينبغي التحذير من صور الماضي عبر نقدها،فالنقد يسهم ، مرة أخرى ،في تأكيد الحقيقة التي تغيب في مثل هذه المنعطفات، وهي أن الذات كانت مكونا عاما ومشتركا،تبلور في ظروف تاريخية معينة،وإن التحديات المعاصرة لا ينبغي أن توهم أحدا بالتفرد المطلق في الزمان والمكان.




  3. #3
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي

    (3)

    العلاقة بين الروح وفلسفة الحضارة في التاريخ العالمي عند هيغل

    يوسف سلامة

    مما لاشك فيه أن (الخبرة الجدلية) ـ من حيث هي ذلك الحوار الدائب بين المتناهي واللامتناهى،أو بين الواقعي والمثالي ـ تجد تأصيلها النظري الكامل، سواء على مستوى) روح) في (ظاهريات الروح)، أو على مستوى (اللوغوس) في (علم المنطق) في تلك التحليلات الجدلية المطولة والمعمقة والمعقدة، والتي قد يصح إيجازها بأنها تبرهن على صحة )الكوجيتو أنا أفكر) من ناحية، وعلى فعالية (النظرة المثالية) إلى العالم من ناحية أخرى حين تنتهي (الظاهريات) إلى القول: (إن الفكر وجود)، أو (إن الذات هي الموضوع)، وحين ينتهي (علم المنطق) من تحليله لهذه الحقيقة الأخيرة إلى (أن الوجود ذات) أو إلى (أن الموضوع في حقيقته ذات)، فتكشف الخبرة الجدلية نتيجة لذلك عن أن الحقيقة التي تشكل صميم الجدل وجوهره الحي إنما هي (الذات) من ناحية، و (اللامتناهى) من ناحية أخرى، وإذا لم تكن )الذات واللامتناهى) سوى حقيقة واحدة تعرب عن نفسها بطريقتين مختلفتين، ولكنهما في حقيقتهما متطابقتان تطابقاً تاماً، فهذا يعني أن (الذات) تتلخص في إنكار (المتناهى( ونفيه وسلبه، وإذا لم يكن (للامتناهى) أن يهتدى إلى ذاته إلا (بوضع هذا المتناهى ورفعه )دونما انقطاع) أبداً، فإن هذا الوضع المستمر للآخرية الذي تقوم به الذات هو حقيقة الأنطولوجيا الجدلية وعصبها الحي، فـ (الآخرية) ليست إلا لحظة ضرورية لنمو الذات التي تضعها وترفعها. على أن ما تضعه الذات في مقابل ذاتها ـ وهو الموضوع ـ وما تطرحه المثالية بوصفه ضداً لها ـ وهو المتناهى ـ إنما هو تعبير حي عن حقيقة واحدة، وهي أن الذات ـ بما تنطوي عليه من إرادة ومعرفة وفكر ـ هي الجانب الحي في الصيرورة الكونية الشاملة، وأن ما عداها يتحدد بها مهما بدت الحوادث في بعض الأحيان توهم بأن (الذات) و (الفكر) يتحددان بعوامل خارجة عنهما. فالذات ـ وحقيقتها الفكر ـ هي النقطة الأرشميدية الحقة التي يرجع إليها في نهاية المطاف كل التحديدات والتعينات التي تضعها لتتعرف على ذاتها فيها إلى حين، لأنها لا تلبث أن ترفعها حينما تتبين أن مقاصدها الحقيقية تنّد عما وضعته وأنها لم تتعرف على ذاتها في ما وضعته إلا تعرفا جزئياً، فيستبين لها اضطرارها إلى المضي في (الوضع والرفع) إذا ما أرادت تحقيق الاهتداء إلى نفسها. هذه الحركة التي لا تعرف نهاية لها، والتي لا تكف عن وضع الآخرية ورفعها بالعودة منها إلى ذاتها، هي (المثالية) أو (النظرة المثالية إلى العالم( التي تعد كل ما هو في تقابل معها ضرباً من (التناهى) يجب رفعه بإحالته هو ذاته إلى جزء لا يتجزأ من حياة الفكر أو الذات في تطورهما إذا ما كان يجب له أن يكون ذا معنـى. فسلـــــــــــب (المتناهى) هو ما يخلع عليه معناه ودلالته إذ ما يلحقه نهائياً بالذات التي وضعته. فـ (المثالية) هي ذلك الجهد الخلاق أو تلك الطاقة المبدعة التي تسمح للفكر أو الذات بوضع الآخرية ورفعها. أو أن (المثالية) هي ذلك الجهد التصوري المنتج الذي يشهد على ارتباط (الحقيقة بالمفهوم) وعلى اتحاد (الفكرة بالواقع)، مما يشير إلى أن )المفاهيم) ـ وهي حقيقة الذات ـ والتي تبلغ أوجها في (الفكرة)، أغنى من الوقائع ويتعذر تفسيرها إلا بها لما في المفاهيم ـ وهي جوهر المثالية أيضاً ـ من فائض بوسعه وضع الواقع وتفسيره في آن معاً. فالمفهوم ـ وهو اتحاد الوجود بالماهية ـ وذروته (الفكرة) ـ وهي اتحاد المفهوم بالواقع- هما حقيقة الفعالية المثالية التي هي حقيقة النشاط الذهني والعقلي المبدع لآخريته، أو للواقع الذي تجسد (الفكرة) نفسها فيه بلا انقطاع. ولما لم تكن الفكرة تضع في آخرها إلا ذاتها، كانت فعاليتها في حقيقتها هي فعالية (الوعي الذاتي) إذ يحاول التعرف على ذاته في العالم فيكتشف في كل مرة أنه قائم من وراء ما يتطلع إلى التعرف على ذاته فيه. فحقيقة (الفكرة) في لحظة من لحظاتها قائمة في آخرها، أي في الواقع أو في الطبيعة، وذلك في أول مستوى من المستويات التي تجسد الفكرة نفسها فيها، على أن (الطبيعة( ليست إلا لحظة لابد للفكرة من أن تطويها أو ترفعها مثلما وضعتها لكي تهتدي إلى نفسها فيما يجاوز) الطبيعة) أي في (الروح) ذاته الذي هو ثمرة لارتداد (الفكرة) إلى نفسها من غربتها الأولى في (الطبيعة). وهنا يتجلى التقدم الجدلي بأوضح ما يكون: إذ يبرهن (السلب( ـ من خلال السلب وسلب السلب ـ على فعالية عظيمة تتخطى كل عقبة وتتجاوز كل محنة: فإذا كانت (الفكرة) في الأنطولوجيا الجدلية هي (اللوغوس) ثم تسلب نفسها فتصير )طبيعة)، فإنها عندما تسلب ذاتها ثانية (أي سلب السلب) لا تعود إلى ما كانت عليه قبل تحولها إلى )طبيعة)، أي إلى (لوغوس)، بل هي تتقدم إلى الامام إذ تتحول إلى (روح) . وهكذا يتكشف (السلب الجدلي( عن فعالية تدفع بحركة الواقع إلى الامام بلا حدود. إن تحول (اللوغوس) إلى طبيعة معناه تحول الروح إلى صورة (الآخرية) نتيجة لتحول) اللوغوس) من مفهوم يوحد بين الماهية والوجود إلى فكرة توحد بين المفهوم والواقع.

    وبما أن الفكر من حيث المبدأ " هي سلب لذاتها من خلال كونها متخارجة في الطبيعة، فإن الطبيعة ليست خارجية بالنسبة لهذه الفكرة فحسب (وإنما أيضاً بالنسبة للوجود الذاتي للروح نفسه) بل هي متجسدة على اعتبار أن الطبيعة هي تعين للتخارج determiantion of externalityوما تكشف عنه الطبيعة في تخارجها هذا هو (الضرورة والعرضية وليس الحرية ) ومع ذلك فثمة نوع من الترابط بين أجزاء الطبيعة أو مراحلها إذ "يجب النظر إلى الطبيعة على أنها نسق من المراحل الواحدة منها تنشأ عن الأخرى بفعل الضرورة، وتكون الحقيقة القريبة لما صدرت عنه، ولا ينبغي النظر إلى ذلك على أنه تولد طبيعي natural engendering للواحدة عن الأخرى، بل أنه تولد داخل الفكرة الباطنية التي تكون أساس الطبيعة. وهنا يصبح التحول مطلباً للفكرة وذلك لأن التطور ليس بشيء سوى آخرية للشيء نفسه alteration of same ولما كان الروح هو آخرية الطبيعة، كان تطور الطبيعة يفضي بالضرورة إلى نسخها لذاتها لكي تعود الفكرة إلى ذاتها في الروح فتثبت بذلك لنفسها أنها إيجاب ذاتي أو سلبية مطلقة، ومع أن الطبيعة تتكون من سلسلة من المراحل التي تنشأ الواحدة منها عن الأخرى، فإنها مع ذلك تشكل " كلا عضوياً في ذاتها، وبعبارة أدق فإن الحركة التي تتكون عبرها سلسلة مراحلها مبنية من الفكرة وهي تضع ذاتها كما هي موجودة على نحو ضمني، أي أن الفكرة تعبر إلى نفسها بالنشوء عن مباشرتها وتخارجها الذي هو موتها.

    وهي تفعل ذلك ـ من حيث المبدأ ـ كي تتخذ مظهر الكائن الحي ولترفع أيضاً هذه التعينية التي تكون فيها حياة فحسب. ولكي ترتقي بوجودها إلى مستوى وجود الروح، الذي هو حقيقة الطبيعة والهدف الجوهري لها Ultimate . والوجود الفعلي للفكرة. إنّ القضاء على تخارج الطبيعة والذي هو موتها لا يكون إلا باماتة هذا الموت نفسه. وهذا الموت الثاني إنما هو في حقيقته يقظة للفكرة وإدراك ذاتي أعمق لذاتها يفضي بها إلى التحول من طبيعة إلى روح. وما يدل على تحقق هذا التحول هو أن الهوية مع الكلية، التي تحققت هنا، هي رفع للتضاد أو التقابل الصوري بين الفردية في فرديتها المباشرة وبين كليتها. إنها على أية حال ، موت الوجود الطبيعي، والذي لا يزيد عن كونه جانباً واحداً، ولكنه فضلاً عن ذلك الجانب المجرد من هذا الرفع وعلى أية حال ففي فكرة الحياة الذاتية الفكرة هي على نحو ضمني الوجود المطلق في الذات للوجود بالفعل، فضلاً عن الكلية العينية، ومن خلال هذا الرفع لمباشرة حقيقتها reality فإن الذاتية تتطابق مع نفسها والتخارج الذاتي الأخير للطبيعة يكون مرفوعاً، بحيث أن الفكرة، التي ليس لها في الطبيعة إلا وجود ضمنى تصبح من أجل ذاتها، وبذلك تنتقل الطبيعة إلى حقيقتها، إلى ذاتية الفكرة، والتي موضوعيتها ذاتها هي المباشرة المرفوعة للفردية، أي الكلية العينية، وعلى ذلك فإن الفكرة توضع باعتبارها تمتلك الحقيقة التي تتطابق معها. أي الفكرة باعتبارها وجوداً متعيناً، وهذا هو الروح. ومع هذا التحول الأخير، تحول الطبيعة إلى روح، يتحقق للطبيعة كامل معناها لأن حقيقة الطبيعة روح، وهكذا نجح السلب الجدلي في أن يستخرج طبيعة من قلب (اللوغوس) وفي أن يولد روحاً من قلب الطبيعة من خلال المراحل المتعاقبة والمتطورة لنمو الفكرة التي هي وسيلة الروح في التعبير عن الذات وفي إحرازه لوعي ذاتي بذاته.

    على أن اغتراب (اللوغوس) في الطبيعة من خلال اغتراب الفكرة فيها. ثم عودة الفكرة إلى ذاتها ـ بعد قهرها لغربتها ـ على هيئة روح، لا يعني أن الروح حدث متأخر يأتي على أعقاب حدث متقدم، بل الحقيقة هي أن الروح ماثل دوماً ومنذ البدء وأن جملة الفعاليات الفينومينولوجية والأنطولوجية، التي تحددت من خلالها طبيعة (اللوغوس)، ما هي في الحقيقة إلا فعاليات للروح ذاته، فالروح هو الافتراض المسبق الوحيد ليس فقط للوغوس والطبيعة، وإنما أيضاً للروح ذاته، وهذا يعني أن فعالية الروح هي الفعالية النهائية التي يستند إليها كل ما عداها، في حين أنها لا تستند إلا إلى ذاتها. وإذن فإن كل شيء يحدث داخل الروح وبواسطة الروح ذاته. وأما ما يستهدفه الروح من وراء كل هذه التحركات والمبادءات والفعاليات التي تبدأ منذ أن كان الروح لا يوجد إلا وجود البذرة أو الجرثومة، أي وجوداً بالقوة ، وحتى صيرورته آخر الأمر روحاً بالفعل، من خلال الفن والدين والفلسفة، فهو تحقيق الوعي الذاتي بالذات من خلال صيرورته قادراً على التعرف على ذاته في آخره أو في ضده. إن انقلاب الآخر إلى ذات أو التعرف على الذات في الآخر. وكأن الذات في بيتها، هو مطلب الوعي الذاتي فعلاً. وهذا الوعي الذاتي ، الذي يترجم الروح بواسطته عن نفسه لنفسه في شتى المستويات الأنطولوجية والابستمولوجية ـ وهي اللوغوس والطبيعة والروح ـ هو الفكرة .

    إن الروح يظل في المؤخرة آمناً بعيداً عن التعرض لأي خطر، لأن الفكرة المبثوثة في العالم ـ في أرواح الناس وانفعالاتهم وعواطفهم ، وفي كل ما يخوضونه من حروب، وفي كل ما ينتجونه من فنون وآداب راقية وديانات سامية وفلسفات باقية ـ هي التي تخوض معركة الروح إذ يحصّل وعيه الذاتي بذاته من خلال المواجهات الكبرى بين البشر، ومن خلال الصدامات الشاملة بين الأمم، ومن خلال ما يبدعه البشر من صناعات وعلوم وفنون في أثناء استعدادهم لقضاء الواحد منهم على الآخر، أو على الأقل في أثناء استعداد الفرد والأمة للدفاع عن النفس في وجه أمة غازية تستهدف جعل الأمة المغزوة رهطاً من العبيد، أو جماعة تابعة محرومة من الإحساس الحقيقي بأن لها وعياً ذاتياً يخصها. ذلك أن الصراع الذي تخوضه الفكرة في سبيل تحصيل الوعي الذاتي للروح بذاته صراع جدى عماده المخاطرة بالحياة ذاتها. ولذا فإن الغلبة فيه تكتب دوماً لمن يمضي في الصراع إلى نهايته، للطرف الذي هو أعظم استعداداً لتقبل الموت ثمناً لوعي ذاتي مستقل يترجم عن نفسه بحرية للذات قد تكون تبعية الآخر. ولربما استرقاقه أحياناً، جزءاً لا يتجرأ منها والفكرة لا تنكص أبداً أمام خطر الموت، إنها على استعداد دوماً للمخاطرة بالحياة كي تحقق أعظم قدر من الحرية أو من الوعي الذاتي بالذات الذي يستشعر الروح من خلاله الخلاص والرضى والمتعة الأبدية التي يحصلها من صيرورته قادراً على التعرف على ذاته في ضده أو في آخريته على وجه الاجمال. وهذه المخاطرة بالحياة منطقية بقدر ما هي تراجيدية في آن معاً فهي منطقية لأن مقولة الفكرة مثلاً مفهوم منطقي خالص ونقى تماماً من كل ما ليس بنظري: غير أن هذه الصفة المنطقية البادية هي محصلة لسلسلة طويلة من التناقضات والصراعات التي يمكن وصفها فعلاً بأنها تشكل مأساة الفكر البشري وتترجم عن روحه الممزق، والفكرة كالفكر ذاته، ذات طابع قصدي، ولذا فهي دائبة السعي إلى تعمق ذاتها من أجل أن تحصّل معرفة أصدق عن ذاتها، وهذا ما يضطرها في كل مرة إلى الانخراط في فعل مأساوي جديد، لا ينفك بحال من الأحوال، عن الجدل ومتناقضاته. وإذ تتكثف سائر الكليات الأنطولوجية وتتوحد داخل المقولة الأخيرة في (علم المنطق)، وتقذف الفكرة بنفسها، وبصورة حرة، داخل الطبيعة فتفقد نفسها، أو هي على الأقل تغترب عن نفسها، وهي في الحالين تخاطر بوجودها وباستقلالها، لأن انتشارها في المكان والزمان ينطوي على تهديد جدى باضمحلالها إذا ما عجزت عن استجماع ذاتها من الكثرة التي انتشرت فيها نتيجة لتخارج الفكرة في الطبيعة: " فبينما السمة المميزة للفكرة المنطقية هي الوجود المباشرة والبسيط داخل الذات، فإنها بالنسبة للطبيعة التخارج الذاتي للفكرة. فالفكرة ـ وهي الوعي الذاتي للروح ـ تعبير متطور عن المدى الذي وصل إليه الروح في التعبير عن نفسه ووعيه بذاته، فالمنطق ـ وإن كان هو العلم النظري الحقيقي الذي يضطلع بصياغة المنهج الجدلي في أنقى صورة له، وما المنهج إلا التعبير العقلاني عن طبيعة الروح وحياته ـ فإن تحول الفكرة من المنطق أو الأنطولوجيا ـ حيث يكون وجودها وجوداً مباشراً لا فرق بينه وبين الذات لأن كل الوجود في هذه الحالة يكون موضوعاً داخل الذات نفسها ـ إلى الطبيعة ـ حيث تنجح الفكرة في التعبير عن نفسها خارج نفسها لأنها تتخارج إذ تنتشر في المكان ـ دليل على أن الفكرة قد مضت خطوة إلى الامام في اكتساب قدرة أعظم وأصدق في التعبير عن الروح وهو يحقق وعيه الذاتي بذاته. على أن التخارج الذاتي للفكرة في الطبيعة ـ أو فلسفة الطبيعة ـ ليس إلا خطوة على هذا الدرب الطويل، درب الجلجثة: طريق الآلام الذي لا مندوحة للروح عن سلوكه إذا ما أراد التعرف على ذاته على حقيقتها. فالطبيعة ـ أو فلسفة الطبيعة ـ ليست إلا جزءاً من حقيقة الروح " أما تطور هذه الحقيقة، فيستكمل فقط بفلسفة الروح بأكملها" إذ أن الفكرة في فلسفة الروح تستعيد هيمنتها على ذاتها لأنها تقضى على ما لحق بها من اغتراب نتيجة لتخارجها في الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة هي السلب الأول للفكرة وغربة الفكرة عن ذاتها. فإن التحول من الطبيعة إلى الروح، والذي تنجح الفكرة في تحقيقه، هو السلب الثاني أو سلب السلب الذي تستدمج الفكرة بفضله الآخرية أو الطبيعة وتحولها إلى جزء لا يتجزأ من الذات نفسها، وفي فلسفة الروح يتحول عمل الذات أو الفكرة ـ وهو سلب في جوهره أو ضرب من التحقق الفعلي للسلب ـ إلى ضرب من التموضع أو الموضعة أو إلى الفعالية التي ينجح بمقتضاها الروح في موضعة نفسه وإذا كان كل هذا النزاع أو الصراع الذي يتخذ شكل سلب تاريخي متعين هما إنما يقع في الروح وبالروح ومن أجل الروح، فهذا يعني (أن الروح في حرب مع نفسه وعليه أن ينتصر عليها بوصفها العقبة الرئيسية التي ينبغي عليه أن يقهرها. وهذا هو الموضوع الأساسي الذي تضطلع فلسفة الروح ببسطه وبشرح شتى جوانبه المختلفة.

    على أن هذا الانتصار لا يتحقق للروح تحققاً مباشراً ، إذ الروح بطبيعته غير مستغن عن التوسط في إدراكه لحقيقته التي هي الوعي بالحرية، وإذا كان التوسط المنطقي يستند إلى التناقض والتقابل الذي يكاد يبلغ حد المأساة وصولاً إلى التركيب، فإن التطور بالمثل في مجال الروح يتسم هو الآخر بأنه (صراع قاس لا متناه للروح مع نفسه، وهو في ذلك مناقض للتطور الطبيعي السلمي. إن ما يستهدفه الروح هو التحقق بحقيقته وهي الوعي الذاتي بالحرية، وهذا يعني أن التوسط في مجال التاريخ ليس أقل أهمية ولا ظهور مما هو عليه في المنطق: ذلك أن التطور أو التقدم في التاريخ ـ كالمنطق تماماً ـ مرهون هو الآخر بالتوسط أيضاً ولكن إذا كان التوسط في المنطق يتحقق من خلال التناقض والتقابل بين الحدود، فإن فكرة الروح وحياته تتحقق في التاريخ " بتوسط الوعي والإرادة" فالفعل الانساني في التاريخ ـ الذي هو حصيلة حية للوعي والإرادة اللذين يستهدفان الحرية الشخصية، ولكن دهاء العقل يستخلص من رغباتهما شيئاً كلياً أشمل منهما هو حرية الروح بما هو كذلك ـ هو الذي يضطلع لكل عمليات التوسط التي يتحقق من خلالها التقدم أو التطور الذي يفضى آخر الأمر إلى إحراز الروح للوعي الذاتي بالحرية. إن تناقض الإنسان مع الطبيعة من ناحية وتناقض الإنسان مع الإنسان من ناحية أخرى، هو الفعل الذي تتحقق من خلاله كل الوساطات الضرورية التي تسمح للروح بالتقدم والتطور وبأن ينشر من خلال هذه الوساطات كثرته في التاريخ أيضاً، إن الحاجة إلى التوسط في التاريخ الذي يكشف عن مضمون الروح ذاته والذي يترجم عن نفسه من خلال الفعل، راجع إلى أن الروح يكون بادئ الأمر لا يتمتع إلا بوجود طبيعي يتعين عليه تحطيمه ليستبدل به وجوداً روحياً بفضل الوساطات التي يترجم عنها الفعل من خلال ما يمتلكه الانسان من إرادة ووعي: " فالروح يبدأ ببذرة لإمكانية لا متناهية، لكنها إمكانية فحسب، تشمل وجوده الجوهري في شكل غير متطور، بوصفه موضوعاً وهدفاً لا نصل إليه إلا في نتيجته، وهذه النتيجة هي تحققه الواقعي الكامل. ويبدو التقدم في الوجود الفعلي أنه سير من شيء ناقص إلى شيء أكثر كمالاً، لكن الناقص ينبغي أن لا نفهم فهماً مجرداً على أنه المفتقر إلى الكمال فحسب، وإنما على أنه شيء يتضمن نقيضه الصريح، أو ما يسمى بالكامل بوصفه بذرة أو دافعاً. وهكذا فإن الإمكان يشير نظرياً على الأقل إلى شيء يستهدف أن يصبح واقعياً بالفعل.

    فالوجود العام للروح يتطابق مع كونه بذرة تنطوي على إمكانية لا متناهية تعبر عن الوجود الجوهري غير المتطور للروح. وهذا الهدف الذي يوجد وجوداً مباشراً أول الأمر في باطن الروح، يتعذر إدراكه أو تحقيقه، لأنه مباشر من ناحية، ولأن الوساطات الضرورية لم تتحقق بعد بحيث تكشف عنه إلى العلن من ناحية أخرى. ومع ذلك فإن هذا الوجود غير المتطور للروح، والذي يكون مباشراً أول الأمر، هو العلة الغائبة أو سلب السلب الذي يستمد الحركة كل إمكانها منه بعد استخلاص النقيض أو الأضداد المتعددة التي يتم حل التناقض أو التقابل بينها وبين المباشرة التي صدرت عنها في الحد الثالث الذي هو الغاية التي لا تكف عن التحقق. إن الإمكان الذي ينطوي عليه الروح، والذي هو أيضاً طريقة وجوده، هو كلية مباشرة لابد من تحطيمها بالكشف عما فيها من متناقضات وأضداد يسمح تفجيرها بدفع حركة الروح قدماً وباستخراج ممكناته الواحد بعد الآخر إلى أن تتحطم هذه الكلية المباشرة بفضل حركة متناقضاتها الباطنية.

    والتقابل الرئيسي أو التضاد الأساسي داخل هذه الكلية المباشرة قائم بين الناقص والكامل . فالناقص ينطوي على ذاته، أي هو ينطوي على النقيض بشكل أقل نقصاً ولكنه ليس بالكامل في ذاته ولأجل ذاته، أي هو ينطوي على النقص بشكل ما. وهكذا يستمر هذا الجدل داخل الروح من خلال السلب وسلب السلب إلى أن يصل الروح إلى وعيه الذاتي بالحرية عندما يتعرف على ذاته في أضداده ، أو عندما يستشعر الهيمنة على الذات في الآخر، أي عندما يستشعر أن هذا العالم من صنعه هو، وأنه حصيلة لإرادته ولوعيه الذاتي بذاته. والتاريخ الكلي هو الذي يضطلع بعرض هذه الخبرة الروحية التي يتلخص مضمونها في الوعي بالحرية.

    التاريخ العالمي خلاصة للتحققات العينية للسلب لأنه يبسط قصة الروح أمام الروح ذاته منذ أن كان كلاً جوهرياً لا تمايز فيه للجزئي والفرادى إلى أن نجح الروح بنشاطه الخاص في دحض هذه الكلية الجوهرية وجرد من نفسه نوعا من الموجود الفردى الذي استشعر ضربا من الوعي بالذات جسده على هيئة مبدأ جمالي، ولم تلبث هذه الفردية الجمالية أن تعمقت فرديتها إلى أبعد نقطة ممكنة في أغوار الفردية ذاتها فنتج عن ذلك أن تحولت إلى ما يشبه الكلية المجردة بعدما استبدلت بنفسها صيغا قانونية مجردة اتخذت منها معيارا لحياتها الشخصية والعامة، أي قاعدة لها وغاية في أن معا؛ غير أن الروح قد نجح في المرحلة الأخيرة من تطور التاريخ العالمي في استعادة الكلية العينية، أو هو قد نجح على الأصح في ابتداعها حينما وحد بين الفردية الجمالية، بعدما تم اغناؤها بالذاتية المسيحية، وبين الكلية في صورتها المتطورة في مركب أسمى هو كلية عينية ماهيته ذاتية تهتدى إلى نفسها في كلية هي بطبيعتها البيت الذي تحيا فيه الفردية والذاتية دون أن تستشعر أي قيد خارجي تصطدم به حين حين تتفاعل مع هذه الكلية. إنها المصالحة النهائية بين الزماني والأبدى، وبين الذاتي والموضوعي، أو بين الطبيعيتين الإلهية والإنسانية وعند هذا الحد من التطور الذي ينجزه لنفسه يكون التاريخ العالمي قد وصل إلى نهايته، ويكون الروح قد بلغ نوعا من الوجود الأبدى، الوجود المثالي، الوجود الذي يتأمل فيه ذاته من حيث هو طاقة فكرية محضة، من حيث هو فن ودين وفلسفة، فهل يكون التاريخ بذلك أكتمل او مات بصورة نهائية، ام أن الذي مات وانتهى شيء آخر غير التاريخ، وبالتالي كائن، غير الإنسان الذي ليس للروح أن يحقق أي شكل من أشكال الوجود إلا به ومن خلاله؟ تلك مسألة لا تصح مناقشتها والإجابة عليها إلا بعد الفراغ من بسط مفهوم التاريخ العالمي بسطا يسمح بالوقوف على ماهيته وعلى نطاقه وحدوده أيضاً.

    إن ماهية التاريخ العالمي تكمن في ذلك المركب الفريد الذي يوحد بين العناصر الأساسية السلب، أي العنصر الإبستمولوجي والعنصر الأنطولوجي، وأخيراً عنصر التحققات العينية الذي يوحد توحيدا جدليا بين العناصر المنتجة للسلب من خلال مفهوم الحرية – وبالأحرى من خلال فعل الحرية الذي هو فعالية منتجة وواضعة وليس عملا من أعمال التأمل فحسب – هذا المفهوم – أي مفهوم الحرية- هو من الناحية النظرية التركيب الحقيقي بين الروح والفكرة، لأن الحرية صفة للذات، والذات هي حقيقة الروح والفكرة، ومن ثم فإن الحرية هي حقيقتها الجدلية؛ ومن الناحية التطبيقية فإن مفهوم التغير – وما ينطوي عليه من مقولات فرعية كالتطور والتقدم والتجدد ـ ومفهومي الأمة والدولة تعد جميعها ضربا من النمو العيني أو التحقق الفعلي لمفهوم الحرية في العالم؛ وإذا لم تكن الحرية تشير في النهاية إلا إلى الذات ـ والسياق هنا يدل على الذات الكلية القائمة من وراء كل ذات جزئية – وكانت الذات تدل الروح على الروح الكلى الذي لا انفصال له عن ماهيته، أي عن الحرية، لم يكن العنصر الذي يتحقق من خلاله التاريخ العالمي إلا التحقق الفعلي للروح في كامل باطنيته وخارجيته على حد سواء. إن التاريخ العالمي هو المحكمة التي يصدر فيه الحكم بسبب من كليته المطلقة، فالجزئي ـ أي آلهة المنزل والمجتمع المدني والأرواح القومية في تحققها الفعلي المنوع Variegated- ماثل فقط باعتباره شيئاً مثاليا asonlyideal كما أن حركة في هذا العنصر هي ما تتجلى من خلاله هذه الحقيقةFact فالكلّى هو حقيقة التاريخ العالمي، أي الروح الذي يتحقق تحققاً حراً من خلاله الجزئيات التي لا توجد إلا وجوداً مثالياً، أي وجود لا يخرج عن ملكية الروح أو عن ملكية الفكر والذهن الذي وجود الأشياء جميعها بالقياس إليه ليس إلا لحظات برفعها إذ يطويها في باطن ذاته ويردها إلى الأصل الذي صدرت عنه كلما عاد الروح إلى ذاته في نهاية كل تخارج أو تحقق فعلى له خارج ذاته. ولما لم يكن ثمة شيء خارج الروح، لم يكن الروح يحقق ذاته إلا داخل ذاته بقوة السلب اللامتناهية أو بفعل الطاقة الذاتية التي يمتلكها على رفع أحواله المتعاقبة واستدماجها بلا انقطاع في صميم ذاته الحرة. ولما كان من المتعذر وجود الحرية منفصلة عن العقل وكان عقلا بالفعل، وكان العقل موجودا صراحة بالنسبة لذاته في الروح منفصلة عن العقل وكان الروح عقلا بالفعل، وكان العقل موجودا صراحة بالنسبة لذاته في الروح بوصفه معرفة، فإن التاريخ العالمي هو التطور الضروري للحظات العقل وللوعي الذاتي والحرية والروح عن مفهوم حرية الروح فحسب. وهذا التطور هو التأويل والتحقق الفعلي للروح الكلي وهذا يعني أن التاريخ العالمي ليس حكما للقوة المحضة، أي الضرورة المجردة وغير العاقلة لقدر أعلى وهذا يرجع لكونه معقولا ولا مفهوما نتيجة لكونه تحققا للعقل الذي يمثل الفعالية الماهوية للروح إذ يكشف الروح عن نفسه بوصفه معرفة، وبخاصة بوصفه معرفة للذات فالروح في صميمه عقل بالفعل، والعقل على وعي بوجوده الذاتي الصريح في الروح بوصفه معرفة، وربما أن التاريخ العالمي هو قبل كل شيء تاريخ للروح، فإن هذا التاريخ لا يعود سوى التطور الضروري، للحظات العقل أو للحظات الوعي الذاتي وحرية الروح. وما تطور هذه اللحظات جميعها عن مفهوم حرية الروح إلا( التأويل) أي الفهم والفض والكشف والتعبير عن الروح الكلي، هذا الفهم أو التأويل الذي يبلغ ذروته في التحقق الفعلي الروح الكلي. ذلك أن الجدل لا يعرف الفصل بين المعرفة والعمل ولذا فإن المعرفة وجود مثلما ان الوجود ذات ومن هنا فإن ماهية الشيء هي تاريخه، مثلما أن ماهية الموجود لا تخرج عن فعله الذي يضطلع هو ذاته فيه بإنتاج ماهيته الذاتية. ولذا فإن تاريخ الروح هو فعله الخاص Its own act والروح ليس إلا ما يعمل، وعمله أن يجعل من ذاته موضوعا لوعيه.

    وعمل الروح في التاريخ هو أن يحرز الوعي بذاته من حيث هو روح، وأن يعرف ذاته من خلال تأويله لذاته بذاته. وهذه المعرفة هي وجوده ومبدؤه، واكتمال المعرفة في إحدى المراحل هو في الوقت نفسه دحض لتلك المرحلة وتحوله له إلى مرحلة أسمى من سابقتها. وبصيغة مجردة، أن الروح العارفة بهذه المعرفة مجددا، أو العائد إلى ذاته من دحضه للمرحلة الأدنى من المعرفة هو روح المرحلة الأعلى من تلك التي كان الروح عندها في معرفته السابقة هذه هي الخبرة الفينومينولوجية او الإبستمولوجية التي ينخرط الروح فيها بالعمل فلا يلبث أن يكتشف أن العمل معرفة أو هو على الأقل يؤدي إليها. وإذا كان عمل الروح هو صناعة للتاريخ – أو استحداثه للعمران بكل ما في الكلمة من معنى – فإن المعرفة ليست إلا علم الروح بأنه هو الذي ينتج هذا العمران من ناحية، وبأن ماهيته قائمة في وعيه بأن ما ينتجه ليس إلا ذاته. وهذا هو الوعي الذاتي الذي هو الشرط الجوهري لكل عمران، ولكل معرفة على حد سواء. فعمل الروح معرفة مثلما أن معرفته عمل. وإذا كان الروح – على مستوى الوعي الإنساني في الخبرة الإبستمولوجية ينتج السلب في كل مرة استطاع أن يرفع متناقضات مرحلة معرفية بأكملها وتقدم، على سبيل المثال، من الوعي إلى الذاتي إلى العقل، فإن الروح الكلي يمر بتجربة مماثلة في التاريخ العالمي. وبما أن الروح يتخذ من ذاته موضوعا لذاته – أي أن الوعي الذاتي هو الركيزة الأساسية في حياة الروح – فإن التاريخ – وهو تاريخ الروح بالدرجة الأولى هو الإهاب الذي ينتح فيه الروح ذاته ويتعرف فيه على ذاته أيضاً، فإنتاج الروح لذاته ما هو إلا المعرفة بذاته، لأن العمل الحق هو الذي يفضي آخر الأمر إلى جعل الذات موضوعا لذاتها. وقدرة الروح على معرفة ذاته هي وعي بما عمل، ولذا فإن التداخل بين المعرفة والعمل، أو بين العلم والممارسة، هو الطابع المميز لكل تفكير جدلي أصيل. فالوعي هو الذي يدفع بالذات إلى ما وراء ذاتها، وهذا الوعي ليس تأمليا فحسب لأنه ينطوي على الفعل أو العمل، على تلك المقاومة التي تلقاها الذات حين لا تتعرف على ذاتها في موضوعها في المستوى الوصفي أو السلبي للمعرفة، المعرفة القائمة على التلقي والإذعان للمعطى، فلا تجد بداً من تغييره أول الأمر ثم تدميره، وأخيراً سلب هويته الغائبة سلبا تاما تمهيدا لخلع هوية الذات عليه، أي منحه القيمة والوجود. وفي الوقت الذي تنجح فيه الذات بالنفاذ إلى موضوعها إذ تلحقه بهويتها الذاتية تكون قد تعرفت على موضوعها، او بالأحرى تكون قد تعرفت على ذاتها فيه وفي الوقت نفسه تكون قد نسخته ومضت إلى ما ورائه. فالمعرفة فعل وليس تأملا فحسب، وهي أيضاً تقدم بالذات وبالموضوع المعروف من حال للذات إلى حال أسمى من سابقه. وهذا هو على وجه الحصر جوهر ما يحققه الروح الكلي في التاريخ العالمي أيضاً. وكون المعرفة لا تنفصل عن الفعل، من وجهة النظر الجدلية، أمر يميز الجدل عن سائر الفلسفات التي تكتفي بالنظر إلى المعرفة على انها وصف للمعطى واستسلام له آخر الأمر إن الارتباط الذي يقيمه الجدل بين المعرفة والفعل هو الذي يسمح بالوقوف على ما للعنصر المعرفي من دور حاسم في تطور عملية السلب داخل التاريخ، ذلك أن اكتشاف الوعي للمتناقضات هو ( فعل رفعها) مثلما أن فعل رفع المتناقضات هو (الوعي بالمسافة التي ما تزال تفصل الوعي عن حقيقته). أما العنصر الأنطولوجي في التاريخ العالمي، فيكشف عن نفسه من خلال تلك الكلية الجوهرية التي تستند إليها الأمة في قيامها، والتي لا تكف عن التخصص والتعين بشكل متساوق مع تطور الأمة وتحولها من طور إلى آخر عبر الصيرورة الروحية الشاملة لهذه الأمة. على أن العنصر الأنطولوجي لا يكون كلية جوهرية إلا في عمومه، أي من حيث هو مبدأ أو بذرة عامة تخرج منها الممكنات من حيز القوة إلى حيز الفعل غير أن هذه الكلية الجوهرية أو البذرة العامة عندما تكون أساسا لأمة بعينها، فإنها تستحيل إلى مبدأ جزئي متعين تستمد منه هذه الأمة خصوصيتها وما يميزها عن سواها من الأمم، وتقوم في هذه الحالة بدور المبدأ الطبيعي والروحي الذي يفسر حياة هذه الأمة، أو الذي لا سبيل وتطور الروحي والمادي لها أو لغيرها من الامم إلا بالاستناد إلى هذا المبدأ عينه. على أن هذه الكلية الجوهرية، التي تستحيل إلى مبدأ متعين وجزئي وعندما يكون الامر متعلقاً بأمة محددة ما هي إلا لحظة جزئية ـ ولكنها ماهوية ـ في مسيرة العمل الكلي للروح العالمية : " ففي مسيرة هذه العمل، عمل الروح العلمي، تنهض الدول والأمم والأفراد مدفوعة بمبدئها المتعين الجزئي الذي يجد تأويله وتحققه الفعلي في دساتيرها وفي المستوى الكلي لحياتها ووضعها وبينما يكون وعيها محدداً بدساتيرها ومستواها الكلي وتكون مستغرقة في مصالحها الدنيوية فإنها تكون في استمرار أدوات غير واعية للروح العالمي الذي يفعل من خلالها فضلاً عن كونها أعضاء له وبينما تضمحل الأشكال التي تتخذها، فإن الروح المطلق يتهيأ وينجز انتقاله إلى مرحلته اللاحقة والأشد علواً. "ولو صح القول أن العنصر الأبستمولوجي في السلب يحيى من خلال انغماس الوعي في المتناقضات وأخيراً من خلال قدرته على رفع هذه المتناقضات بالمضي إلى ما ورائها والانغماس في غيرها، فإنما يصح قوله عن العنصر الانطولوجي في السلب، والذي يتخذ في ظهوره شكل مبدأ جزئي متعين، هو انه ذلك التناقض المعين أو تلك القوى أو الطاقة الجدلية التي يضطلع باطلها بتعيين هوية الأمة الذاتية بالنسبة لتلك الأمة التي تستند في وجودها إلى هذا المبدأ الجزئي المتعين، بينما يكشف ظاهرها أو تجلياتها إلى العلن عن الكثرة التي تنطوي عليها هذه القوة علماً بأن الكثرة هي التعبير الصادق عن الوحدة في حين أن الوحدة هي التعبير الزائف عن نفسها إذا لم تنجح في نشر كثرتها أو تحويل ممكناتها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

    على أن التحليل الجدلي يحيل هذا المبدأ الجزئي المتعين إلى كلي ويرقب حركة انقسامه على ذاته وحركة عودته إلى ذاته من خلال التركيب وفي النهاية لا بد لصيروة حياته من أن تبلغ ذروتها، وعند هذا الحد من التطور الباطني لهذا المبدأ، والذي لا يكف عن التجلي في الخارج في مجمل تاريخ الأمة يفقد هذا المبدأ حيويته أو ما فيه من دافع حيوي خلاق ويكف عن أن يكون مبدأ إبداعياً يستطيع انتاج التطور والتقدم والتجدد فيسقط وينهار، وبسقوطه وانهياره تسقط أمة وتنهار ثقافة وتطرد جميع منجزاتها إلى الذاكرة بغير أن يستبقى المبدأ الجديد الذي يخرج من قلب المبدأ القديم إلى الجوانب التي ما تزال فعالة وحية في ذلك المبدأ القديم، ولكن بعد أن يعيد إنتاجها ويخلع عليها هوية المبدأ الجزئي الجديد الذي سيسود بدوره إلى حين. إن قصة حياة الروح هي قصة التاريخ العالمي، وماهية التاريخ العالمي قائمة في تلك (السلوب) المتعاقبة والمتداخلة التي كانت قادرة دوما على إبقاء الروح حيا ومتطورا ومتقدما ومتجددا. ولئن لم يكن السلب إلا المتناقضات والوعي بها – أي الانطولوجيا والإبسستمولوجيا على التعاقب – فإن التحقق العيني للسلب من خلال التاريخ العالمي قد اجتاز أربع مراحل أساسية في كل منها تكثف عدد ضخم جداً من المبادئ الجزئية والمتعينة التي استند إلى كل منها أمة في قيامها وتقدمها. وكل مرحلة من هذه المراحل الأربعة أو كل عصر من هذه العصور الأربعة قد انطوى على جملة من المبادئ الجزئية والمتعينة المشتقة من مصدر واحد، والتي شكلت في مجموعها عصر، أو بالأحرى روحا لعصر بأكمله لا تفسر هذه المبادئ إلا به مثلما انه هو لا يفسر إلا بها أيضاً. فالعصور الأربعة أرواح ساد كل منها في حقبة بعينها فجاءت كل حقبة مطبوعة بطابع روح عصر بعينه قد سيطرت فيه على الإنسانية – أو على الأمم الفعالة في ذلك العصر أو تلك الحقبة – مجموعة من الأفكار والرؤى والتصور هي بمنزلة الذات من مجموع ما أنتجته من عمران أو ما أبدعته من حضارة مادية وقيم روحية ومبتدعات مثالية قد تم التعبير عنها في فنون تلك الأمم وأديانها وفلسفاتها. فالأمم الشرقية مثلا قد قامت على مبدأ مشترك يجمع فيها بينها. ولذا شكلت بمجموعها عصرا محدد المعالم واضح القسمات. وهذا المبدأ بمنزلة الذات من العصر بمجمله. عير أن هذا المبدأ المشترك على إطلاعه هو كلية جوهرية قد تخصصت في كل أمة فاتخذت شكل مبدأ جزئي متعين ميز الأمم عن بعضها داخل الواحد – وهذا هو التعين الذي ينتج التمايز والتناقض – بينما حافظت الكلية على الوحدة والاستمرارية، أو على الهوية المشتركة لروح هذا العصر، الهوية التي تسمح بوصف عدد من الأمم أو الثقافات بأنها تنتمي إلى أصل واحد او إلى مبدأ واحد هو (الشرق) على سبيل المثال. على أن بعض التصحيح هنا قد يكون ضروريا في صياغة الأفكار السابقة: ذلك أن الحقبة الممتدة من الإمبراطورية الصينية حتى مصر وفارس حقبة متطاولة في الزمان وتغطى رقعة شاسعة في المكان وعلى الرغم من أن ثمة مفهوما واحداً أو ذاتا واحدة تغلغل فيها جميعا، فإن هذه الحقبة غنية ومتنوعة إلى الحد الذي لا تكاد كلمة (العصر) معه تقول ماهيتها.

    أن كلمة( العالم) هي الوصف الأكثر ملائمة لمراحل التاريخ العالمي الأربع التي تبسطها (فلسفة الحق) باعتبارها المراحل الأساسية لتاريخ العالم. أو بالأحرى تاريخ الروح الكلي. وفلسفة الحق ذاتها تسير على هذا المنهج عندما تقرر أن الصيرورة الروحية الشاملة قد مرت في أربعة عوالم أساسية هي العالم الشرقي، والعالم اليوناني، والعالم الروماني، والعالم الجرماني، وكل ما قيل عن العلاقة بين الكلية والتعين، أو الهوية والتمايز داخل العالم الشرقي ينطبق على العوالم الثلاثة الأخرى دون استثناء. وتطور الروح في التاريخ العالمي صورة لانطباق المنهج الجدلي على احد موضوعاته الأساسية وهو التاريخ، وبالأحرى هو صورة لانطباق الروح على ذاته طالما أن المنهج ليس إلا الحياة الباطنية للروح الذي ينتج مضمونه، بحركته الخاصة، عندما تبلغ هذه الحياة حدا معينا من تطورها عندها يتحول الكم إلى كيف تحولا مفاجئا، مثلما تستخرج الصورة – وهي المنهج ذاته – مضمونها من ذاتها، وبالأحرى انها تنكر ذاتها فتستحيل هي ذاتها إلى مضمون لذاتها وكما ان المنهج الجدلي يسير من الكلية إلى الجزئية إلى الفردية، او من الجوهرية إلى الذاتية على الإجمال، كذلك أيضاً فإن الروح في التاريخ العالمي يتبع إيقاعا مماثلا في تطوره، أي من الكلية والجوهرية إلى الذاتية والفردية استناداً إلى مبدأ السلب الذي يتمتع بتطبيق شامل داخل النسق الجدلي بأكمله. وإذ ينخرط الروح في إنتاجه لذاته أو في وضعه لوجوده من خلال خلقه لذاته داخل التاريخ العالمي، فإن الروح في تجليه الأول يتخذ كمبدأ له شكل الروح الجوهري، أي شكل الهوية التي تكون الفردية مستغرقة فيها، في ماهيتها وفي مزاعمها التي لا تكون إدراكا صريحا أما المبدأ الثاني، فهذا هو الروح الجوهري المفعم بالمعرفة بحيث يكون الروح في أن معا المضمون الإيجابي والمحتوى الخاص بذاته وكذلك الوعي الذاتي awareness- self الفرد الذي هو الصورة الحية للروح. وهذا المبدأ هو الفردية الأخلاقية بوصفها جمالية as beauty. وأما المبدأ الثالث، فهو التعمق الباطني لهذا الوعي الذاتي الفردي وللمعرفة حتى يصل إلى الكلية المجردة ومن ثم إلى التعارض اللامتناهي مع العالم الموضوعي الذي يصبح من خلال العملية نفسها روحاً مهجورا.
    أما مبدأ التجسد الرابع، فيتمثل في الرجوع من هذا التعارض بحيث يتلقى الروح في حياته الباطنية حقيقته وماهيته العينية، بينما يكون في الموضوعية مهيمناً على ذاته ومتصالحا معها وهكذا فإن الروح المرتد إلى الجوهرية التي بدأ بها هو الروح الذي عاد من التعارض اللامتناهي والذي ينتح حقيقته ويعرفها بوصفها فكرا وبوصفها عالما من القوانين الفعلية "وواضح من هذا المسار أن ثمة نزاعا أساسيا يخوضه الروح ضد نفسه لا يستهدف من ورائه إلا إحراز الوعي بالذات من ناحية، وقهر الآخرية أو الموضوعية التي يضعها الروح بنفسه لينمو عليها حين يؤكد ذاتيته اللامتناهية في مقابلها من ناحية أخرى. وما عوالم الروح الأربعة – أو رجوعه إلى ذاته – إلا درجات لوعي الروح بذاته تبدأ عند الجوهرية المطلقة وتنتهي بأسمى درجة للذاتية بوسع الروح أن يبلغها، وهي ضرب من الذاتية المطلقة التي تنتفى في مقابلها كل فعالية للآخرية لأن الروح يكون قد عقل كل لا معقوليتها فأحالها بذلك إلى بعد حقيقي لذاته لها أي استقلال أو قيام بالذات في مقابله. فتنامى السلب هنا. الذي يتجلى من خلال قدرة الروح على الانتقال من عالم إلى عالم آخر تكون فيه الذاتية أعمق وأوضح، هو الشاهد على أن الروح قد تحول من مستوى إلى مستوى أعمق للوعي الذاتي من ناحية، وهو الشاهد، من ناحية أخرى، على الارتباط الصميمي بين الوعي الذاتي والسلب. وفي العالم الأول – العالم الشرقي – يكون الروح كلية جوهرية لا تمايز فيه للفردى من الكلى إلا تمايزا عرضيا لو نظر إلى هذه الكلية ذاتها على أنها هوية، فإن الفردية تكون مستغرقة في ماهيتها دون أن يكون بوسع المرء العثور على أي شكل من أشكال الاغتراب بين الفردية وماهيتها بحيث تفقد تعددية التعبير عن الوحدة، وبحيث لا تعبر الوحدة عن ذاتها إلا تعبيرا ناقصا، لأن الوحدة تعبر عن نفسها هنا بالوحدة ذاتها. هذا الحذف للتناقض، أو على الأقل هذا التجاهل له، هو الذي يؤدي مباشرة إلى حذف كل سلبية من العالم عندما ينظر على هذا النحو، وهو الذي ينتج هذه الكلية الجوهرية التي هي إيجاب في صميمها، وإن كانت السلبية قائمة في باطنها على نحو ضمني، وهو الذي ينتج هذه الرؤية الأولى إلى العالم ويجعل منها رؤية جوهرية خالية من التمايز الباطني ومن ثم لم تكن تصدر إلا في الجماعات التي تحكم حكما أبويا أو بطرياركيا ووفقاً، لهذه الرؤية، فإن الصورة الدنيوية للحكومة تكون صورة الهية، كما أن الحاكم نفسه يكون هو الكاهن الأعظم أو الإله نفسه، وأما الدستور والتشريع فيكونان في الوقت نفسه ديناً، كما تكون الأوامر الدينية والأخلاقية بالأحرى استخدامهما – أوامر طبيعية وقوانين وضعية. وفي بهاء هذا العالم – ككل – تضّيع الشخصية الفردية حقوقها وتضمحل؛ أما عالم الطبيعة الخارجي، فيكون إما إلهياً على نحو مباشرة او تجليا للآله نفسه gods ornament، كما يكون تاريخ الواقع المتحقق بالفعل شعرا فالطاغية الشرقي – الذي هو أب في الوقت نفسه – بجمع في شخصه بين صفات الآله والكاهن والحاكم، كما أن القانون إلهى على المرء أن يحدد ما إذا كان قانونا إلهياً أو شريعة وضعية نظرا لأن مصدره ألهي، في حين أن تطبيقه إنساني. وفي إهاب هذا العالم الذي تسيطر عليه كائنات إلهية تتقمص صور البشر وقوانينهم، فإن الشخصية الإنسانية والفردية البشرية تكون محرومة من الإحساس بذاتها فتضيع حقوقها بسبب انعدام وعيها الذاتي بذاتها الذي ينتهي بها إلى الاضمحلال في الكلية الجوهرية للعالم الشرقي الذي تستحيل عنده الطبيعة ذاتها إلى محل تحل فيه القوى الالهية في (الضياء) أولاً، في (النبات) ثانيا، وفي (الحيوان) ثالثا، وأخيراً في ( الطبيعة التي طوعها الإنسان الصانع ) بكلتا يديه في المنحوتات والمعابد والتماثيل التي جعل الإنسان منها موضوعا لتقديسه ولكن الوعي الذاتي مع ذلك شق له طريقا من قلب هذه الكلية الجوهرية فأحرز الروح لنفسه بذلك نوعا من الوجود الفردي المستقل في مقابل كلية الروح وجوهريته. ولما كان الوعي الذاتي الفردي هو الصورة الحية للروح، فهذا يعني أن الروح قد أخضع نفسه للسلب، ومن ثم فقد أبدع من التوازن بين المضمون الإيجابي للروح وبين الوعي الذاتي الفردي، وهذا المبدأ الجديد – مبدأ العالم اليوناني – الذي انبثق على هذا النحو هو الفردية الأخلاقية بوصفها جمالاً، وإن لم يكن بعد قد استقل بذاته تماماً، لأنه ما يزال قائماً داخل ضرب من الوجود المثالي، داخل "هذا العالم اليوناني المستحوذ على الوحدة الجوهرية بين المتناهي واللامتناهي في صورة خلفية غامضة مكبوتة في الأعماق المظلمة للذاكرة، وفي الكهوف Gave والصورة التقليدية. وهذه الخلفية التي تولد أيضاً عن الروح – الذي يتمايز هو نفسه إلى ذهنية فردية – تظهر إلى ضياء المعرفة ويتم تعديلها، وتحويرها إلى جمال وإلى حياة أخلاقية حرة غير مضطربة. وفي عالم كهذا ينبثق مبدأ الفردية الشخصية.، وإن كان ما يزال بعد غير منطو داخل ذاته self-enclosed-self بل محفوظا في وحدته المثالية. وما يترتب على ذلك هو أن الكل ينقسم إلى مجموعة من الأرواح القومية الخاصة. وأما القرار الأعلى، فلا ينسب إلى ذاتية الوعي الذاتي المستقل بصورة صريحة، وإنما إلى سلطة تعلوه وتوجد خارجه؛ ومن ناحية أخرى فإن الإرضاء المطلوب لحاجات الجزئية لا يكون قائما بعد في دائرة الحرية بل يكون مدفوعا به على وجه الحصر، إلى طبقة من العبيد" إن خروج هذه الفردية من قلب تلك الكلية الجوهرية لا يعني أن الفردية اليونانية قد كانت فردية شاعرة بذاتها ومستقلة بمصالحها، بل إن الفرد في المجتمع اليوناني ظل ينظر إلى نفسه بطريقة تقربه من الكل أكثر مما تنأى به عنه، ولذا كانت تلك الفردية الجماعية أخلاقية بالدرجة الأولى تجمع في ذاتها بين المتناهي واللامتناهي، وإن كان هذا الجمع قد اتخذ صورة لاشعورية وغامضة، ولذا لم يكن القرار النهائي فرارا للفرد بل لسلطة تعلوه وتتجاوزه هي المصلحة العليا للكل لا مصلحة فرديته هو. ومع ذلك فإن هذه الفردية الأخلاقية الجمالية المتوازنة قد شابها، انقسام الناس إلى أحرار وعبيد اضطلعوا بإنتاج ما هو ضروري لحرية الأحرار، في حين أن الأحرار استهلكوا حرية عبيدهم. على أن المبدأ الجمالي للحياة اليونانية قد تطور إلى حد تجاوز نفسه أو سلبها عندما وضع الوعي اليوناني من الكوميديا الذي سخر فيه الإنسان من الآلهة ومن الأفكار ذات الطابع الاجتماعي التي توحد الناس بعضهم ببعض وتسمو فوق أنانياتهم الخاصة، فإنها بذلك التوازن الرائع بين الفردية والجماعية داخل مدينة الدولة، هذا التوازن الذي تم التعبير عنه من خلال مبدأ جمالي أخلاقي عندما خلع الفرد على نفسه قيمة الكلي، وعندما أضفى على الجماعي قيمة جزئية، فأصبح الفرد نتيجة لذلك هو المركز الذي تتم لمصلحته سائر العملية الروحية والمادية داخل الكل، فتم بذلك سلب المبدأ الذي استندت إليه الحياة اليونانية، وظهر مبدأ جديد للحياة هو ( الفردية المجردة) التي بلغت حدها الأقصى من التجريد في شخص الإمبراطور الروماني أو سيد العالم. وبذلك سلب الروح مرحلة كاملة من حياته عندما تحول من العالم اليوناني إلى العالم الروماني.

    إن تحول الروح من العالم اليوناني إلى العالم الروماني هو في حقيقته تحول للوعي الذاتي –وهو الطاقة الحية للروح – من وعي ذاتي كلى إلى وعي ذاتي جزئي يضع نفسه في مقابل الكلية الروحية للعالم بأكمله. إن تعمق الوعي الذاتي الفردي اليوناني لنفسه – هذا الوعي الذي وجد نفسه وجها لوجه مع الآلهة حتى وصل إلى الكلية المجردة وإلى التعارض اللامتناهي مع العالم الموضوعي، الذي أضحى من وجهة نظر هذا الوعي روحا مهجورا بعدما خلع هذا الوعي الذاتي الفردي الكلية على ذاته فلم يعد للعالم في مقابله إلا قيمة شيء يمتلك، وبالأحرى يستعمل، من قبل هذا الفرد أو ذاك، أو لمصلحته هو دون سواه من الآخرين – هو الذي أنتج المبدأ الروحي الذي استندت إليه الحياة في العالم الروماني، أي مبدأ الفردية المجردة، وذلك عندما تحقق في هذا العالم" التمايز بين الأشياء حتى نهايته، كما أن الحياة الأخلاقية تتمزق تمزقاً لامتناهياً حتى النقاط القصوى للوعي الذاتي الجزئي للأشخاص من ناحية، وحتى الكلية المجردة من ناحية أخرى. وهذا التعارض يتخذ صورة نزاع بين الحدس الجوهري للأرستقراطية وبين مبدأ الشخصية الحرة في صورة الديمقراطية. وينمو هذا التعارض، فإن أول هذين الخصمين يتطور إلى خرافة وإلى سلطة Power فظة لا تبتغي إلا ذاتها بينما يزداد الثاني فساداً إلى أن يغرق في العامة. وأخيرا ينحل الكل ويحل البلاء العام وتتحطم الحياة الأخلاقية. وأما الأبطال القوميون، فإنهم ينحلون ويموتون في وحدة البانثيون. كما يرتد جميع الأشخاص إلى مستوى الأشخاص الخاصين Privateوكل منهم يتساوى مع الآخر من خلال استحواذهم على حقوق صورية، وأما الرابطة الوحيدة فيما بينهم، فهي الإرادة الذاتية التعسفية المجردة Abstrtract insaliable self-will فإذا كان الصراع الأساسي في العالم اليوناني قد كان قائما بين الوعي الذاتي والكلية الروحية الجوهرية، فإن اضمحلال أهمية هذه الكلية هو الذي سمح بالانتقال من العالم اليوناني إلى العالم الروماني هذا العالم الذي لم تشغل فيه هذه الكلية الروحية أو الجوهرية إلا مكانة ثانوية، وبالتالي لم يكن التعبير عن السلب ، داخل هذا العالم، يتم من خلال نزاع الفرد مع المجتمع ، بل من خلال نزاع الفرد مع الفرد الذي اتخذ صورة صراع بين الإشراف والنبلاء الذين استحوذوا على السلطة فكانوا الأرستقراطية الحاكمة، وبين العامة والعبيد الذين دافعوا عن أنفسهم من خلال الدفاع عن الديمقراطية وما أسفر عنه هذا النزاع بين الفريقين هو حلول البلاء العام وتحطيم الأخلاقية الذي تمثل في اختزال الأفراد إلى أفراد خاصين أو جزئيين متساوين في الحقوق تساويا صوريا لا مضمون له فنشأ عن ذلك أن كانت العلاقة بين هؤلاء الأفراد تمثل رابطة تعسفية جائرة ومجردة. هذه الرابطة المجردة والظالمة، أو هذا الاعتساف هو الكلية أو العالم الموضوعي في مقابل فردية الوعي الذاتي. وبين هذين الحدين نزاع يتعذر فيه على أحد الطرفين أن يتعرف على نفسه أو أن يهتدي إليها في الآخر، وبذلك تنحل الكلية الروحية للمجتمع وينهار المبدأ الذي قامت عليه الحياة في هذا العالم، وبذلك يتم التحول من العالم الروماني إلى العالم الجرماني بصورة نهائية.

    وعند هذا الحد من تطور الروح يبلغ السلب النقطة القصوى له عندما يعود الوعي الذاتي للروح من التعارض اللامتناهي الذي كان يمزقه داخل العالم الروماني إلى الجوهرية التي انطلق منها – ولكن في صورتها المرفوعة – تلك الجوهرية التي تركب بين حياته الباطنية، التي تشتمل على حقيقته وماهيته العينية، وبين الموضوعية التي يكون فيها مهيمناً على ذاته ومتصالحا معها. وهذا الارتداء للروح إلى الجوهرية التي بدأ بها هو الذي يولد حقيقة الروح من حيث أن هذه الحقيقة هي فكر من ناحية، ومن حيث أنها عالم من القوانين الفعلية من ناحية أخرى. هذا الارتداد إلى الجوهرية الذي يؤلف بين الفكر والموضوعية، أو بين الذات والجوهر – والذي كف فيه عن أن يكون لأي عنصر دور في تكوين حقيقة الروح خلال الروح ذاته قد ارتقى بالروح إلى وحدة خصبة لا انفصال فيها بين الفكر وبين القوانين الفعلية للعالم بعدما أصبح الفكر- وبتلقائيته الحرة – ينتج موضوعه الذي هو ذاته وفقا القوانين العالم الفعلية التي ما هي إلا النمو والاستمرار الحي للفكر إذ يتخارج أو يشرع في نشر كثرته الضمنية في عالم من الوقائع الفعلية التي لا قانون لها غير قانون الفكر ذاته.
    هذه الوحدة الحية والإبداعية بين الفكر وموضوعه هي الجوهرية التي كان الروح يستهدف تحقيقها منذ اللحظة الأولى لنشاطه عندما بدأ في العالم الشرقي بذرة كلية لا تمايز فيها بين الكلى والفردي، ولكنه الآن يحققها لنفسه مكتملة تماماً. وإذ يحقق الروح هذا الهدف لنفسه، فإن مبدأ السلب يوشك أن يكون قد استنفد تماماً وحقق جميع أغراضه، وعندئذ تنقلب حياة الروح - وفقا لذلك – إلى ضرب من الإيجاب الذي يجعل التقدم التاريخي، أي تجاوز النقطة التي بلغها الروح، موضع سؤال جدي ذلك لأن الروح يكون هنا مرتداً إلى ذاته في أقصى درجة لسلبيته المطلقة. وهذه هي نقطة التحول، فالروح ينبثق من هذه الحالة ويدرك الإيجاب Positivity اللامتناهي لطابعه الباطني هذا، أي أنه يدرك مبدأ وحدة الطبيعيتين الإلهية والإنسانية، المصالحة بين الحقيقة الموضوعية والحرية بوصفها الحقيقة، وبين الحرية البادية في الوعي الذاتي والذاتية، المصالحة داخل تحقيق مبدأ الشمال، مبدأ الشعوب الجرمانيــة هذه المصالحة التي عهد بها إلى هذه الشعوب" هذا هو آخر سلب بوسع النسق الجدلي تحقيقه، وبالأحرى هذا هو آخر سلب للسلب ينجزه لأن قصة حياة الروح ستستحيل بعد ذلك إلى فصول لانهاية لها من الإيجاب اللامتناهي. فعند هذا الحد من تطور الروح يكون الروح قد وصل إلى الدرجة القصوى من سلبيته المطلقة، وعند هذا الحد تتحقق نقطة التحول الكبرى التي يتكشف من خلالها أن السلبية قوة لا بد لها أن تضمحل، وان ظهور الطبيعة الحقيقة للروح هو محصلة لاضمحلال طاقته السلبية. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن السلبية في الجدل ليست جزءاً من الكذب أو البطلان أو الزيف أبدا، لأن حالة الإيجاب التي أدركها الروح هنا ما كان لها أن توجد إلا باعتبارها نتاجا للسلب ذاته. ومن هنا فإن السلب – وإن كان يتحول في نهاية المطاف إلى قوة ثانوية في حياة الروح – فإنه يظل جزءاً ماهويا مقوما في ماهية الروح لا تفهم للروح ماهية بغيره، ولا تقوم للتاريخ حياة ولا قائمة لو تم تصور عالم قد خلى من السلب تماما. وإذ يتم رفع السلب وانبثاق الإيجاب من جوفه، فإن هذا الإيجاب يعبر عن نفسه من خلال إدراك الروح - وبصورة نهائية – أن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية متماثلتان، بل هما طبيعة واحدة لا اثنتين، من ثم فإن الوحدة قائمة فيما بينهما على الحقيقة وليس من باب التفكير المجازي أو التمثيلي في الدين وبعبارة أخرى، أن هذه الحقيقة حقيقة فلسفية أو علمية تكشف عن نفسها من خلال رفع الأضداد التي كانت تعذب الروح عبر التمزق الذي كان يحياه الوعي الذاتي بلا انقطاع. وإذا ( رفع الأضداد) هو الصورة السلبية لحالة الروح الجديدة – الحالة الإيجابية – فإن صورته الإيجابية تتمثل في تلك المصالح) بين الحقيقة الموضوعية والحرية بوصفها الحقيقة وبين الحرية البادية في الوعي الذاتي والذاتية)، هذه المصالحة التي لا تتم إلا عبر تحقيق مبدأ الشمال، مبدأ الشعوب الجرمانية، لأن هذه المصالحة قد عهد بها من قبل الروح إلى الشعوب الجرمانية لتقوم بتحقيقها وبإنجازها إنجازاً فعليا في التاريخ العالمي للروح.
    ومن غير الضروري هنا الحديث ولو بكلمة واحدة عن التعصب القومي الذي يصل إلى حد الأسطورة والخرافة حين يربط الفيلسوف ربطاً محكماً بين تحقق التاريخ تحققاً نهائياً يستنفذ كل ما في الروح من طاقة سلبية ويضعه في حالة من الإيجاب المطلق – فتلك أسطورة لم تكن أمة لعبت دوراً في التاريخ إلا ادعتها – وبين أمة بعينها – كالأمة الجرمانية مثلا التي أناط بها الجدل مهمة كهذه – بل المهم فعلا هو التساؤل – بعد ما ظهر بوضوح أن التاريخ العالمي مكافئ للتحققات العينية للسلب وخلاصة له – عما إذا كان التاريخ قد اكتمل بذلك أو مات بصورة نهائية أم أن الذي مات وانتهى شيء آخر غير التاريخ، وبالتالي شيء أو كائن غير الإنسان. الذي ليس للروح أن يحقق أي شكل من أشكال الوجود إلا به ومن خلاله إن الإجابة عن هذا السؤال بطريقة دون أخرى قد تسمح بإعادة بناء الجدل بأكمله، او بإعادة تحديد طبيعته، ومن ثم بإعادة إنتاج تصوره للمستقبل على نحو قد يتضح معه أن التاريخ لا يموت، وأن بطله الأوحد – النوع الإنساني – هو الآخر لا يموت. ذلكم هو ما يجب اختتام التاريخ العالمي أو تعاقب الحضارات الإنسانية بإبرازه والإلحاح عليه إلحاحاً لا ينتهي.


  4. #4
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي

    (4)

    الدولـة في فكرنا العربي الإسلامي المعاصر

    تركي علي الربيعو

    يحتدم الجدل في خطابنا العربي / الإسلامي حول إشكالية الدين و الدولة ، و الجدل كما يقول ابن منظور هو شدة الاختلاف ، و لكن القرآن الكريم يدعو إلى جدال بالتي هي أحسن ، فعسى أن تجنى الفائدة للأمة كلها ، و مع احتدام الجدل ، تكثر التساؤلات و ما أكثرها في مجال نقد الذهنيات كما يقول المفكر المغاربي عبد الله العروي ، و بالأخص إزاء تاريخ بعيد للدولة وللعقل السياسي العربي ، لم نستدل عليه بالكيفية اللازمة ، و لا يزال يغري بشتى أنواع التأويل و الأدلجة التي تعبر عن نفسها تحت رايات إيديولوجية لا تزال تستعير معظم بواعث التعبير عن نفسها من الماضي البعيد كما يرى محمد أركون، لنقل ، من التاريخ الأموي و العباسي ، الذي تحولت فيه الخلافة إلى ملك عضوض راح بدوره يستعير معظم بواعث التعبير عن ملكه من المستبد الآسيوي بحسب تعبير العروي ، أو من أبيه أردشير ( الملك الساساني ) بحسب توصيف محمد عابد الجابري في بحثه عن مبدأ الطاعة الذي جعل من الدين طاعة رجل، و الذي جعل من الطاعة عبر تمجيدها فضيلة الفضائل ، و الذي تمكن من أن يغزو الثقافة العربية في عقر دارها و يجيرها لصالح الاستبداد الآسيوي كما تعبر عن ذلك وصية أردشير التي سنعود إليها لاحقا (1)0
    هناك إقرار علني عند أغلب الباحثين العرب في إطار إشكالية الدين و الدولة ، بأن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين و الدولة غير مدروسة ، و بالتالي غير مضاءة (2)0 يقول العروي : " عندما نتكلم اليوم عن الدولة الإسلامية نعني بالضرورة مركب من العناصر الثلاثة – العربي و الإسلامي و الآسيوي – إلا أننا لا نستطيع أن ندرك ذلك المركب و هو محقق في التاريخ لأننا لا نملك شهادة معاصرة عليه . كل ما نستطيع هو أن نتصوره ، أن نتخيله ، اعتماداً على أخبار مؤرخين متأخرين نسبياً " (3)0
    إن غياب الشهادة المعاصرة للدولة الإسلامية في بداية العصرين الأموي و العباسي ، هو الذي فسح المجال للتأويلات العديدة و التضييقية التي تنتهي إلى القول بأن الإسلام دين و دولة ، المقولة التي رفع راياتها في منتصف القرن الماضي الشيخ و الإمام حسن البنا ،والتي استلهمتها الحركات الإسلامية الراديكالية في سعيها للاستيلاء على السلطة بحجة حماية الدين ، و في تجييشها لإيديولوجيا الكفاح ضد الإمبريالية و التي ساهمت في طمس كل المحاولات الرامية إلى الفصل بين الذروتين الدينية و السياسية ، أو تلك التي تصر على أن الدولة شأن تدبيري سياسي و ليس شأناً عقيدياً كما تراها الكثير من الحركات الراديكالية المعاصرة أو الإيديولوجيات الجاهزة التي ما تزال تعشعش في " ثقافة العامة " و التعبير للشيخ علي عبد الرزاق و تحول دون الوصول إلى أصول جديدة للحكم ، تستمد أصولها من أحدث ما أنتجته العقول البشرية و ما أبدعته الأمم الحديثة .
    كان الشيخ علي عبد الرازق هذا العقوقي كما يراه الخطاب الإسلامي ،والذي سيستعاد دوماً من قبل التيار الليبرالي العربي كنموذج للشيخ المستنير ، و كقرينة و شاهد على بطلان القول بأن الإسلام دين و دولة كما يرى تيار الإسلام السياسي . أقول كان الشيخ عبد الرازق على وعي بإشكالية العلاقة بين الدين و الدولة ، وعلى وعي بالآفاق الحديثة للدولة المعاصرة التي من شأنها أن تقطع مع إرث الدولة المملوكية، وأن تؤسس لأصول جديدة في الحكم . من هنا ، فقد كان كتابه ، و على ما جاء به من أفكار أصيلة و طريفة و جدية و جديدة ، قد مثل إعلاناً عن تفجير المعركة الفكرية السياسية داخل الاجتماع الإسلامي التقليدي (4) فهو يعيب على " المسلم العامي " و على " رأي جمهور العلماء من الإسلام " اعتقادهم بأن الإسلام يمثل وحدة سياسية و دولة أسسها الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: " المسلم العامي هو من يعتقد أنه عليه السلام كان رسولاً و ملكاً ، و أنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية ، كان هو ملكها و سيدها . لعل ذلك هو الرأي الذي يتلاءم مع ذوق المسلمين العام . و لعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين . فإنك تراهم ، إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع ، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية ، و دولة أسسها النبي" (5)0
    يقر عبد الرازق في سعيه للتأكيد على أن السياسة شأن تدبيري و ليست شأناً عقيدياً " أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه ما يكون من مظاهر الحكومة السياسية و آثار السلطنة و الملك "(6) و أن " هناك الكثير مما يمكن اعتباره أثراً من آثار الدولة "(7) و لكنه يفند الرأي الذي يرى أن الإسلام دين و دولة ، و أن " الخلافة تنوب عن الشرع في حفظ الدين و السياسة ، شاملة للملك و الملك مندرجاً تحتها " كما كان يرى ابن خلدون ، الذي لم يكن يستند ، كما يرى عبد الرازق ، إلى حجة أو دعامة أو سند .(8) و النتيجة التي يقودنا إليها :
    أولاً ـ" ما كان محمد صلى الله عليه و سلم ، إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين . لا تشوبها نزعة ملك و لا حكومة" .
    ثانياً ـ" وأنه صلى الله عليه و سلم لم يقم بتأسيس مملكة ، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة و مرادفاتها" .
    ثالثاً ـ و إنه كان صلى الله عليه و سلم" كإخوانه الخالين من الرسل ".
    رابعاً ـ و إنه لا كان ملكاً و لا مؤسس دولة ، و لا داعياً إلى ملك .(9)
    لا يمل عبد الرازق ، من تفنيد الاحتجاج الشائع بأن " الخلافة مقام ديني " و يرى ذلك على أنه من الأخطاء الشائعة التي تسربت إلى عامة المسلمين ، الذين خيل إليهم أن الخلافة مركز ديني ، و أن من ولي أمر المسلمين فقد حل منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) ، لا بل أنه يعتبر ، أن استمرار هذا الاعتقاد يصلح لأن يكون شاهداً على استقالة العقل عند المسلمين الذين أصيبوا بشلل ، في التفكير السياسي ، و النظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة و الخلفاء (10)
    أعود للقول ، إن الشيخ عبد الرزاق ، يرى أن السياسة شأن تدبيري ، و هذا ما يجب عليه أن تدركه ما يسميها ب " الزعامة الجديدة " التي يلح عليها عبد الرازق ، و التي هي في جوهرها ، زعامة سياسية " زعامة الحكومة و السلطان ، لا بل زعامة الدين "(11).و هو بذلك إنما يفتح باباً للمسلمين إلى ولوج عالم أصول الحكم ، كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه . يقول في خاتمة كتابه الذي اعتبر بمثابة ضربة قاسية لخديوي مصر الطامح إلى خلافة المسلمين " أن لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى ، في علوم الاجتماع و السياسة كلها ، و أن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له و استكانوا إليه ، و أن يبنوا قواعد ملكهم ، و نظام حكومتهم ، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية ، و أمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم "(12)0 ولكن أصول الحكم هذه كانت موضع استنكار من قبل الشيوخ الأزهريين الذين هاجموه وجردوه من ألقابه العلمية ومن وظيفته وكذلك الراديكاليين الإسلاميين الذين لم يغفروا للشيخ علي عبد الرازق هذا التطاول فراحوا يصفونه بأنه دعوة للانفكاك عن النص الديني لصالح تبعية الغرب والاندماج به(13) وذلك دون أن ننسى إعجاب شيوخ آخرين به،وأخص بالذكر منهم الشيخ ابن باديس الذي أبدى إعجابه بالشيخ عبد الرازق وبتجربة كمال أتاتورك في بناء الدولة الحديثة،واصفا إياه"بأنه أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث وعبقري من أعظم عباقرة الشرق"،وذلك دون أن ننسى أيضاً مرافعات الشيخ خالد محمد خالد في دفاعه عن عبد الرازق وذلك في كتابيه"من هنا نبدأ،1958"و"الديمقراطية أبدا،1953" الذي هاجم فيهما الدولة الدينية وكهنتها الجدد على حد تعبيره وراح يشيد بديمقراطية الإسلام0(14)
    كان أواسط عقد الخمسينيات من القرن المنصرم قد شهد تجاذباً حاداً بين الأحزاب و التيارات السياسية و المثقفين العرب ، فثمة من يرى أنه لا يمكن للأمة أن تنهض إلا بفصل الدين عن الدولة و جعله أمراً خاصاً بين العبد و بارئه وذلك انطلاقا من رؤية ليبرالية ترد تخلف الأمة الى الاستبداد(15) ، و ثمة من يرى أن الإسلام دين و دولة ، مصحف وسيف كما ذهب إلى ذلك الشيخ حسن البنا في قوله الشهير:"الإسلام:عبادة وقيادة،ودين ودولة،وروحانية وعمل ،وصلاة وجهاد،وطاعة وحكم،ومصف وسيف،لا ينفك واحد من هذين عن الآخر وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"(16) فالدولة من خلال تعاليمه هي دولة إسلامية،بصورة أدق،هي دولة الدعوة ودولة الرسالة لأن"الدعوة أساس الدولة،والدولة حارس الدعوة،وهما معا قوام الحياة الإنسانية الصحيحة المستقيمة(17)0
    في هذا السياق جاءت محاولات فكرية عديدة لفض الاشتباك بين الدين والدولة والتأسيس لحداثة سياسية ولمجال سياسي جديد بعيدًا عن المجال الديني،أو زيادة الالتحام بينهما من خلال القول بأن الدولة حارسة للدين وحامية له وأن الهدف هو بناء الدولة الإسلامية، أو التوفيق بين هذا وذاك على اعتبار أن التوفيقية تمثل جوهر الحضارة العربية كما يذهب الى ذلك محمد جابر الأنصاري في بحثه عن حقيقة التوفيقية في حياتنا العربية المعاصرة(18) 0وقد شهدت العقود الثلاثة المنصرمة من القرن المنصرم نقارًا حادًا بين المفكرين والمثقفين العرب حول سلم الأوليات:الدين أم السياسة أو التوفيق بينهما كما أسلفنا،نقارا يشهد على حيوية فكرية في بعض الأحيان وفي أغلبها على عقلية تخوين واستبعاد بقيت تستبطن الخطاب السياسي العربي في سعيه الى بناء مجال سياسي جديد؟


    الدولـة كافلـة الديـن :
    من موقعه كمعاين حصيف لعلاقة أوروبا بالإسلام كما يشهد على ذلك كتابه الموسوم بهذا الوسم(أوروبا والإسلام:صدام الثقافة والحداثة) ، و علاقة أوروبا بالدين و التي اعتبرت نموذجاً للقياس و ليس للاستئناس كما يرى الجابري في نقده للخطاب العربي المعاصر،وبخاصة عند الليبرالي العربي الذي لا يزال ينظر الى الفصل بين الدين والدولة كشرط للنهضة(19) ، راح هشام جعيط يبدي الكثير من القلق على مستقبل الدين في الدولة العلمانية الأصولية العربية و ذلك نظراً لأن الدولة العلمانية القومية هي دولة دهرية تقوم على تفوق الدولة على الدين . فالدولة في منظور جعيط الذي يستند إلى رؤية ابن خلدون دون أن يصرح بذلك هي كافلة الدين و حافظة لاستمراره ، و ليس من حقها أن تكون علمانية كما يطمح إلى ذلك المثقفون العرب العلمانيون . فالدين الإسلامي لم يكن و لن يكون مسألة خاصة ، إنه دين الأمة ، الذي لا يجب أن يكون مجرد صورة كاريكاتيرية و التعبير لمحمد أركون كما فعلت " الكمالية " الأتاتوركية(20) .
    في كتابه " الشخصية العربية الإسلامية و المصير العربي ، 1974" و الذي سيصفه العروي لاحقاً بأنه " أهم ما أنجز في مجال النفسانية الجموعية العربية "(21)و يقصد بالنفسانية هنا فكرة الفرد و الجماعة عن الحكم و الدولة .راح هشام جعيط و في إطار بحثه عن العلاقة بين الدين و الدولة يكتب : إن رأينا هو أنه يجب على الإسلام البقاء كدين للدولة ، بمعنى أن الدولة تعترف به تاريخياً ، و تهبه حمايتها و ضمانها " و يضيف " ليس للدولة أن تكون علمانية بمعنى أنها لا تهتم بمصير الدين معتبرة إياه مسألة خاصة "(22)0 من هنا نفسر رفضه لأن يكون الدين أداة تتلاعب بها الدولة و ذلك لغايات سياسية أو إدخال إصلاحات داخلية علية من لدنها ، يقول جعيط " ينبغي تجنيبها ذلك لأن الدين قضية تهم الأمة الإسلامية قاطبة ، أمة الأمس و اليوم ، و غداً "(23) .
    انطلاقاً من أن الدولة العربية القديمة ( دولة بني أمية و دولة بني العباس ) كانت كافلة لاستمرارية الدين ، فإن جعيط كما أسلفت ، ينذر الدولة العربية القائمة بحسب تعبير العروي ، إلى حماية الدين و الحفاظ على استمراره ، و هو هنا يبدي مزيداً من المخاوف و هواجس الحاضر و شواغله الإيديولوجية و الظرفية الجامحة التي من شأنها أن تقطع مع الدين و تراثه التليد . هذه المخاوف التي تعود بجذورها إلى العصر العباسي والتي عبر عنها ابن عقيل و ابن الجوزي ، فثمة مخاوف حقيقية من طغيان السياسة على الشريعة و عدم التزام الحكام بالشريعة (24) . فثمة خوف حقيقي من سلوك الدولة العلمانية العربية ، التي تتستر إما وراء دولة دهرية معادية للدين ، أو المضمرة بنزوع طائفي معادٍ للدين . من هنا قوله : إنه يجب مكافحة كل إرادة منظمة واعية مجبرة من قبل الدولة أو الطوائف المؤثرة ، تريد إخلاء الضمائر من الإسلام ، و إعاقة الشعائر ، و الحط من الدين (25 )0
    لم يكتف جعيط بذلك،فراح يؤكد في بحثه عن "بناء الدولة الإسلامية:الدولة النبوية" من أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك وراءه دينًا ودولة0 يقول جعيط : ترك النبي ، عند وفاته ، ديناً مكتملاً و دولة مهيمنة على الجزيرة العربية كلها ، مترابطين بشكل لا يقبل الانفكاك . فمن خلال اعتناق الإسلام و ممارسته ، لا سيما الصلاة و الزكاة ، تم انصياع الأفراد و الجماعات للدولة الجديدة ،، و قد دخل مسلمو الساعة الأولى ، المتأثرون بدعوة كانت تخاطب الأفراد أولاً ، دخولاً طبيعياً في نظام الدولة . فالوظيفة النبوية تؤلف بين الدنيوي و القدسي ، بين العالم المرئي و العالم اللامرئي . و يقوم سلطانها على كلام الله مثلما يرتكز على التوجيه الفعلي للأمة . ولا شك أن العرب ما كان يمكنهم ، لولا الحركة النبوية ، أن يتوحدوا و لا أن ينتظموا و يرتفعوا إلى درجة أخلاقية أرفع . و بالتالي ما كان يمكنهم الدخول في التاريخ . و على هذا النحو ، كانت النبوة تطرح نفسها كأمر يمد بأخلاقية و بوحدة و بمصير"(26)0
    لا يتصور جعيط إمكاناً لنهضة عربية بعيدة عن الإسلام ، فالدولة العلمانية العربية المعادية أو الداعية إلى فصل الدين عن الدولة ، تخالف التاريخ ( لأن وظيفة الدولة كما رأى ابن خلدون هي حفظ الدين و سياسة الدنيا ) و تخون جوهر الحضارة العربية الإسلامية . و لكن على ما يبدو فقد فقد جعيط إيمانه بروح الأجداد التي غذاها حيناً في كتاباته المؤدلجة ، فراح يتحدث لاحقاً و مع مطلع الألفية الجديدة عن نهضة جديدة يمكن لها أن تمثل عودة باتجاه الحداثة الغربية التي من شأنها أن " تمج الإسلام جملة " . و ذلك في معرض حديثه عن " أزمة الثقافة الإسلامية " ( 27) .

    مفهوم الدولـــة :
    بين نهاية عقد السبعينات من القرن المنصرم ، و بداية عقد الثمانينات ، كان العروي الرجل الملتزم بمغامرة النهضة العربية على حد تعبير هشام جعيط الذي تبادل والعروي مزيداً من التقريض(28). قد فقد إيمانه بالنخبة المثقفة و قدرتها على عقلنة المجتمع العربي بكيفية شاملة و مسترسلة ، و بالتالي المثقف الثوري الذي يتشكل بتأثير خارجي ، فقد أقض مضجعه هذا المثقف ، بمزاجه العكر و تقلباته المستمرة ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار(29) ، و في هذا السياق الذي يتحرك فيه هذا " العروبي التاريخي " و الوصف أيضاً لجعيط ( 30) راح العروي يوسع من إطار ما يمكن تسميتها باستراتيجيته التاريخانية ، فأصدر سلسلة المفاهيم ( مفهوم الأدلوجة ،1980و مفهوم الحرية1981 ثم مفهوم الدولة1981 و مفهوم التاريخ 1993 و أخيراً مفهوم العقل 1996) و ذلك انطلاقاً من رؤية ترى أن الفهم و الإفهام أساسيان و لكنهما لا يتأتيان إلا بوضوح المفاهيم التي يؤدي غيابها إلى كل هذه التخبطات في خطابات المثقفين العرب .
    إذن ، مع بداية عقد الثمانينات من القرن المنصرم ، جاء كتاب العروي " مفهوم الدولة ، 1981 " عسى أن يؤسس لما سّماها ميشيل فوكو ب " إرادة المعرفة " التي غابت و تزحزحت لصالح " إرادة الإيديولوجيا " التي تدمغ و تمهر معظم خطابات المثقفين و التي تشهد على " أزمة المثقفين العرب ، 1974 " التي راح العروي يرصد مظاهرة مع بداية مطلع السبعينات من القرن المنصرم(31) .
    في تمهيده للكتاب ، يقول العروي : كل منا يكتشف الدولة قبل أن يكتشف الحرية ، أو بعبارة أدق ، تجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة الدولة لأن الدولة هي الوجه الموضوعي القائم في حين أن الحرية تطلع إلى شيء غير محقق " (32 )0 من هنا مصدر قوله إن " التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة و المجتمع "(33) .
    يؤثر العروي في تناوله لمفهوم الدولة و إشكالياتها و منحاها الإيديولوجي في الخطاب العربي المعاصر ، أن يرتفع إلى مستوى التجريد ، فيتكلم عن الدولة إطلاقاً ، أي عن الشكل العام لتنظيم السلطة العليا في الدولة العربية على طول مسارها ، بحيث تنتفي الصفات العرضية ، المذهبية و القبلية و الجنسية . باستثناء صفة واحدة هي الصفة الإسلامية(34). و هنا يتساءل العروي : ماذا نعني بالدولة الإسلامية ؟ و بالتالي على أية مادة نعتمد لنتصور واقعها التاريخي و نحلل آلياتها و جهازها ؟ و من وجهة نظره ، إن الاتجاه الذي يجعل من الدولة تجسيداً للمثل الأعلى ، لنقل ، للإسلام الحق ، هو اتجاه مثالي و إيديولوجي بآن ولا ينفع في مجال الدراسة ، صحيح أنه يعبر عن همٍ عام و عن تشكيلة اجتماعية و عن وضع سياسي ، فيقدم حلاً لا يعدو أن يعكس المشكلات القائمة . فلا يهتم بالدولة الحالية لأنها غير شرعية في نظره ، و بالتالي غير كائنة . و هذه مثالية مطلقة كما يرى العروي. تتوه في البحث عن الدولة كما يجب أن تكون ، لا عن الدولة كما هي في الواقع (35) . و من هنا فهو يرى أن القول بأن الإسلام دين و دولة ينتمي إلى الطوبى ، إلى المؤلفات الشرعية و المؤلفات الإيديولوجية اللاحقة للحركات الإسلامية التي تتحدث عن الدولة كما يجب أن تكون ، لا عن الدولة كما هي واقع . أضف إلى ذلك " أن العبارة – الإسلام دين و دولة – هي وصف للواقع القائم منذ قرون كما يرى العروي ، أي لحكم مملوكي و دولة مملوكية حافظت على الدين و قواعد الشرع لأسباب سياسية محضة "(36) ، و العروي يلمِّح إلى أمر آخر، فمقولة " الإسلام دين و دولة " تقوم على واو الربط الدال على التساكن بين الدين و الدولة و ليس على الاندماج و الانصهار . من هنا وجه المقارنة العجيبة في خطابات أغلب السلفيين و أغلب الراديكاليين الجدد . فهم يظنون بالقول إن الإسلام دين و دولة أنهم يعبرون عن خصوصية الإسلام ، في حين أنهم يصفون الإمارة الشرعية و لا يتعرضون في شيء للخلافة . من هنا فإن القول بأن " الإسلام دين و دولة " لا يعبر عن واقع مختلف ، فالنصرانية بحسب تعبير العروي ، أو الغرب بحسب تعبير محمد أركون و هذا ما يجمعهما في نقدهما لهذه المقولة ، هما دين و دولة ، أوليست النصرانية ديناً يعيش بجانب دولة في نطاق مؤسسة مستقلة ؟(37)0
    ما يجمع العروي بهشام جعيط ، هو إدراكهما التاريخي للسياق الذي جاءت فيه مقولة الإسلام دين و دولة ، فثمة ظروف تاريخية قادت إلى القول بأن الإسلام دين و دولة ، و الجديد من وجهة نظر العروي " أن المقولة كانت آنذاك ، أي في عصر الغزو الاستعماري الحديث للمنطقة العربي ( أوائل القرن الثامن عشر ) ضرورية و مطابقة للمصلحة القائمة (38) . فقد لاحظ الفقهاء و على مدى قرون طويلة في ظل الدولة الإسلامية انفصال الشرع و العدل عن العمران ، في حين أن التجربة الأوربية التي باتت نموذجاً يحتذى هي شاهد على ارتباط العدل بالعمران ، فتنادوا إلى القول بضرورة الربط بين التقدم و العدل الذي لا يتحقق إلا بالشرع لأن العدل بالشرع و الشرع بالعدل (39)0 و العدل يعني تقييد الحاكم المستبد بقواعد الشرع . و قد وجد الفقهاء في ذلك فرصة للمطالبة بالرجوع إلى السياسة الشرعية و إلى الدولة الشرعية العادلة التي من الممكن لها أن تتجاوز أزمة الحكم المملوكي التي انتهت إلى آفاق مسدودة ، و أن تمهد القاع للرد على التحديات الغربية ، و هذا هو موقف مصلحو القرن الثامن عشر الذين راحوا يبحثون عن " أقوم المسالك لمعرفة أحوال الممالك " كما يشهد على ذلك كتاب خير الدين باشا التونسي ، الذي يجمعه بعلي عبد الرزاق هو هذا البحث عن " أقوم المسالك " أو " أصول الحكم " كما يراها عبد الرزاق (40).
    كان العروي على وعي بمأزق الدولة القائمة حالياً في الوطن العربي و بمأزق المثقفين معاً ، و من وجهة أخرى بمأزق السلفيين الذين ظلوا مشدودين الى طوبى الخلافة و السياسة الشرعية دون أن يطرأ على مواقفهم أي تغيير و بمأزق الليبراليين الذين التقوا مع السلفيين على نقد الدولة القائمة دون أن يجّدوا السير باتجاه البديل ،وما يضاعف من قلق العروي على مستقبل الأمة ، أن معظم الأسئلة التي تدور من حول الدين و الدولة و ما أكثرها في مجال نقد الذهنيات ، تصطدم بالجدار الصلد للدولة المملوكية الاستبدادية المستمرة إلى اليوم كما تعبر عنها الدولة العربية القائمة اليوم ، و ما يضاعف من القلق تلك الحالة من التساكن و التعايش بين الفقهاء و الدولة المملوكية المستبدة ، لنقل ، بين طوبى الخلافة و ما رافقها من طوباويات عن المدينة الفاضلة و بين الجهاز القمعي الصرف للدولة المستبدة . كذلك بين المثقفين العرب المشدودين إلى طوبى الليبرالية أو طوبى الماركسية و حتى طوبى الدولة العربية الكبرى التي أضعفت الدولة القطرية و لم تنجز الدولة الكبرى و بين الدولة الاستبدادية الحديثة ، و العروي لا يعجب من ذلك " فالمفكرون العرب لا يهتمون بالدولة القائمة " و الأهم من ذلك غياب علم سياسي يبحث في اجتماعيات الدولة ، فهذا العلم لا يزال مهجوراً كما يرى العروي و ذلك في مجموع البلاد العربية وما يؤسف له أن ما أنجز من دراسات في هذا المجال تمَّ في إطار معاهد أجنبية (41)0 و هذا ما يرجِّح من كفة الفقهاء على حساب المفكرين و المثقفين العرب الذين ظلّوا يجهلون الدولة و هنا يقرر العروي أن المفكرين الوطنيين متخلفون وكذلك رواد النهضة ، في مسائل السلطة ، عن معاصريهم الفقهاء و أن العلامة الفارقة لأبحاثهم هي "غياب نظرية الدولة " في فكرهم ، و هذا ما يفسر من وجهة نظره تلك الاكتشافات المتوالية لابن خلدون و التعبير له و العجز بنفس الوقت عن تجاوزه (42).
    في محاولة من العروي ، إلى القطيعة مع الطوباويات السائدة عن الدولة ( طوبى الخلافة و الطوباويات الماركسية والليبرالية " يدعونا العروي إلى " نظرية في الدولة " تقطع مع الدولة الاستبدادية التي ما تزال سائدة ، و تؤسس بنفس الوقت لما يسميها ب " الدولة الحق " التي هي اجتماع و أخلاق ، قوة و إقناع ( هنا يركز العروي كثيراً على أن الدولة التي لا إيديولوجيا لها تضمن درجة مناسبة من ولاء و إجماع مواطنيها لا محالة مهزومة "(43) و هذه الدولة تقوم على القواعد التالية :
    ـ لا نظرية حقيقية بدون تفكير جدي في أخلاقية الدولة .
    ـ إذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة .
    ـ إضفاء الأخلاق على دولة القهر و الاستغلال غبن .
    ـ تحرير الدولة من ثقل الأخلاق حكم عليها بالانقراض .(44)
    أعود للقول ، إذا كان التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة و المجتمع ، فإنه يمكن القول إن نظرية الدولة عن العروي ، التي تربط الأخلاق بالسياسة ، و العدل بالتقدم ، إنما هي دعوة للقطيعة مع الدولة المملوكية المستبدة و التأسيس للحرية ، و بنفس الوقت ، تقوية جهاز الدولة باعتبارها أداة التقدم و التحديث ، شرط أن تكون الدولة بخدمة المجتمع و ليس المجتمع بخدمة الدولة ، و هذا ما يفسر تساؤله مع بداية الألفية الجديدة في بحث له عن " إرث النهضة و أزمة الراهن ": هل عرف أي قطر عربي في أية فترة من تاريخه حالة تسبيق المجتمع على الدولة ؟ أو حالة توظف فيها قدرات الدولة لتأسيس المجتمع على شكل يؤهله للاستغناء لاحقاً و بالتدريج عن كثير من صلاحيات تلك الدولة ؟"(45)0
    على العكس مما يشتهي العروي ، فقد شهد عقد الثمانينات احتلالاً صهيونياً لبيروت عاصمة الثقافة العربية ، و عايش هذا العقد حروباً أهلية و ثورات جياع امتدت على طول الساحة العربية من مصر إلى الجزائر ، و خاضت هذه الدولة أو الدولة القائمة بحسب تعبير العروي ، حروباً ضد المجتمع انتهت بتدمير المجتمع و تجييره لصالح السلطة الاستبدادية ، و بدا للعيان ذلك الاستقطاب الحاد بين الرافعين لشعار " لا حاكمية إلا لله " و الذي هو كلمة حق يراد بها باطل كما فهمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و كما فهمه المتبصرون من المسلمين على حد تعبير رضوان السيد(46) وأ ن الإسلام دين و دولة، و بين القائلين أن الإسلام دين و أن الدولة شيء آخر .
    في هذا السياق جاء كتاب محمد عمارة ليقدم إجابة توفيقية تشهد على مكر الخطاب السياسي الإسلامي في سعيه الى تلطيف الإجابة بهدف طمأنة الليبرالي العربي وتهدئة مخاوفه من الدولة الدينية التي طرحتها الحركات الإسلامية الراديكالية بعنف ، و التي راحت تنعت القومية العربية كرابطة سياسية بأبشع النعوت ، معتبرة إياها صنماً فكرياً و بديلاً ممقوتاً عن فكرة الخلافة الإسلامية التي من شأنها أن تؤسس لإقامة الدولة الإسلامية الكبرى ( 47)0
    في كتابه " الدولة الإسلامية : بين العلمانية و السلطة الدينية ،1988" و الذي يحيلنا عنوان الفرعي إلى ذلك الاستقطاب الحاد بين العلمانيين الذين يؤكدون على أن الإسلام دين و ليس دولة و بين القائلين ـ و هم هنا رواد الحركات الإسلامية الراديكالية ـ بأن الإسلام دين و دولة . أقول بين هذا و ذاك ،راح عمارة يسوق أمامه مجموعة من التعريفات و المفاهيم ليذكي في الختام رؤيته التوفيقية ونتائجه الهزيلة التي طبعت الخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة كما يرى الجابري في تحليله للخطاب الإسلامي، فمع إقراره بأن قضية السلطة الدينية هي قضية " قديمة ـ جديدة " فهو يرى-أي عمارة- إن السلطة الدينية التي تعني " أن يدَّعي إنسان يتولى منصباً دينياً أو سياسياً أو مؤسسة فكرية أو سياسية ما لنفسه صفة الحديث باسم الله و حق الانفراد بمعرفة رأي السماء و تفسيره ، و ذلك فيما يتعلق بشؤون الدين أو بأمور الدنيا .."(48) هو رأي غريب على الفكر الإسلامي الذي لا يقره و ذلك باستثناء الشيعة ، فكل تيارات الفكر الإسلامي و مذاهبه تنكر وجود السلطة الدينية (49 )0 و إذا كان عمارة لا يقر بوجود السلطة الدينية في الإسلام ، فهو يرفض بنفس الوقت و بزخم بلاغي أن تكون العلمانية هي الحل . فالاستقطاب الحاد بين العلمانية و السلطة الدينية ، هو شاهد على غربة " المصلح و الثوري العربي و المسلم "(50 ) عن واقع أمته الإسلامية و بقائه مرتهناً ، بوعي منه أو بغير وعي ، للحضارة الأوروبية الغازية . يقول عمارة : عندما نواجه القلة من " علماء " الدين الإسلامي الذين جعلوا من أنفسهم " كهنة و رجال دين " فإننا لا نواجههم " بالعلمانية " ، التي تعزل " الدين " عن الدولة ، و إنما نواجههم " بالإسلام : الدين "، الذي ينكر الكهانة و السلطة الدينية ، و الذي لم يحدد للمسلمين نظاماً معيناً و مفصلاً في الحكم ، أو في السياسة أو في الاقتصاد ؟ … و الذي ـ في ذات الوقت ـ لم يدر ظهره لأمور الدنيا و شؤون الدولة ، و إنما وضع القواعد العامة و الأطر المرنة ، و القوانين الكلية ، ثم أطلق للعقل و التجربة العنان ليضعا النظم و القوانين و النظريات المتغيرة دائماً و المتطورة أبداً ، وفق المصلحة ، و على ضوء هذه المثل و الكليات ( 51) فالعلمانية ليست سبيلنا إلى التقدم (52 ) .
    كما أسلفت ، فإن عمارة يتخذ موقفاً وسطاً ، مثله مثل كثيرين من قادة الرأي في التيار الإسلامي السني ، و ذلك في إطار جوابه على التساؤل : هل الإٍسلام دين أم دولة ؟ فمن وجهة نظره إن الوسطية التي تجمع "شيئاً من هذا الطرف و شيئاً من ذلك الطرف " هي التعبير الحي عن خاصية الحضارة العربية الإسلامية في الموازنة و التوازن ، و هذا الموقف الوسط هو ما يسميه عمارة بموقف " الدين " و " الدولة " و الذي ينطوي كما لمَّح العروي على شيء من التساكن . و الذي فيه كما يرى عمارة :
    أ-"أن يكون الحاكم الأعلى في المجتمع نائباً عن الأمة ووكيلاً لها فيما تفوضه إليه من سلطات . و لها عليه الرقابة و الحساب و العزل . عند الإخلال بشروط التفويض .."0
    ب ـ" أن يكون منفذاً للقانون ، الذي وضعه مجتهدو الأمة ، بالشورى و الرأي و النظر ، في إطار كليات الدين و مثله العليا ووصاياه العامة .. أي أن الأمة هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايات الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت و القطعية الدلالة ، طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها" .
    ج ـ إن " للدين " مدخل في " الدولة " ، لكنه لا يرقى إلى مستوى " الوحدة " ، كما أن علاقتهما لا تنزل إلى مستوى " الفصل " بينهما ، و إنما هو " التمييز " بين " الدين " و "الدولة " ."فالتمييز" هو المصطلح الأصح و الأدق للتعبير عن نوع هذه العلاقة بينهما ".( 53)
    إن التوفيقية التي يستند إليها عمارة ، هي التي تدفعه إلى التفكير بصورة مثالية عن الدولة الإسلامية كما يجب أن تكون ، لا كما كانت في التاريخ ، و لا كما هي في الواقع الحالي،وهذه هي شيمة الخطاب السياسي العربي المسكون بالمثال لا بالواقع، و في رأيي أن المثالية و التوفيقية اللذان يستبطنان رؤية عمارة للدولة الإسلامية، أو الدولة الحق كما يجب أن تكون ، يفصحان عن شواغل ظرفية و إيديولوجيا جامحة . فعمارة يريد أن يسحب البساط من الدعاة أو من قادة الحركات الإسلامية الراديكالية الذين يرفعون شعار " الحاكمية " و الذين يهدفون من وراءه إلى تجريد الأمة من أية سلطات و من أية سلطان في دنيا " الدولة" و "الحكومة السياسية "(54)والذين يستعيرون معظم بواعث التعبير عن إسلامهم من إسلام أعجمي و هو هنا الإسلام الهندي ، بصورة أدق ، إسلام أبو الأعلى المودودي(55)0


    في مأزق الدولة العلمانية وطريقها المسدود:
    بيان من أجل الدولة الديمقراطية؟
    في كتابه " الدولة و الدين : نقد السياسة،1991 " لاحظ برهان غليون أنه مع بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، أخذت الضغوط و الطلبات تزداد على الفكرة الإسلامية من قبل الشارع ، و من قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان ، في حين شهدت الفكرة القومية و العلمانية التي ارتبطت بها شيئاً فشيئاً ، تراجعاً كبيراً على المستوى النفسي و العقدي و السياسي . بل لقد أصبحت الوطنية ، بما هي تأكيد على الاستقلال الذاتي ، و رفض للتبعية و عداء لهيمنة الغرب الحضاري ، تبحث عن مصدر نموها و إلهامها في الفكرة الدينية نفسها . و ما كان يظهر كصراع بين الجامعة الإسلامية و الدولة القطرية ، أو بين السلطة الخلافية و السلطة القومية ، أصبح يتخذ اليوم صورة الصراع بين السلطة العلمانية و السلطة الدينية . فقد حل مفهوم الدولة الإسلامية محل مفهوم الخلافة أو الإمامة ، في حين أصبحت العلمانية رديفة للحداثة القومية .و هكذا أعيدت صياغة التعارض البدئي في النظر السياسي العربي المعاصر على أسس جديدة أكثر قوة في التمايز و الانغلاق مما كانت عليه في أي حقبة ماضية ، بقدر تطورها في المنحى المعرفي و الفلسفي ذاته . و تأكدت بذلك من جديد القطيعة التقليدية المتزايدة بين فريقين ، يعتقد الأول أن بناء الدولة لن يستقيم إلا إذا أخذ بما يظن أنه نظرية الدولة الحديثة بامتياز ، أي فلسفة العلمانية كدين للدولة . و يؤمن الثاني بأن العرب و المسلمين لن يتمكنوا من الخلاص و تحقيق الأمن و الاستقرار و السعادة الأرضية و الأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة العربية على الأسس ذاتها التي قامت عليها دولة الرسول الكريم ، و التي كانت وراء تحول العرب من قبائل و عشائر مقسمة و متخلفة إلى أمة عظيمة و إمبراطورية عالمية "(56 )
    و سعياً منه إلى تعميق إشكالية الدين و الدولة في الخطاب العربي المعاصر و بالتالي تأسيس المجال السياسي من جديد،وتجاوز حالة الاستقطاب السائدة و التي تحكم على السجالات العربية بالعقم والاستحالة ( سبق لغليون أن اشتكى مراراً من العقلية السجالية و ذلك في كتابه عن " اغتيال العقل "(57)) ، راح غليون يحف مشروعه بمزيد من الأسئلة التي تتعلق بماهية الدين و بماهية السياسة ، و علاقة الدين بالسياسة ، و بماهية الدولة و مفهومها ..الخ :هل الدولة هوية جماعية تجسد نفسها في كيان سياسي متميز يعكس روح الجماعة و إرادتها المستقلة ، أم نقصد بها جهازاً إدارياً و تقنياً ، و بالتالي نربط مفهومها بنوعية الوظائف الإدارية و القسرية و الدفاعية التي تقوم بها ؟ و هل نقصد بالدولة النظام السياسي ، أو بنية السلطة و مصدرها و طبيعة تنظيمها و ما يطرأ عليها من صفات و خصائص ، و طرق ممارستها في المجتمع و في الدولة ، أم نعني بها المبدأ الأخلاقي العام المقوم للمجتمع و الناظم له ، الذي يجعل منه اجتماعاً مدنياً ، و نطابق مفهومها و مفهوم السياسة بما هي تحديد لأهداف الممارسة ، و توظيف للسلطة و توجيه لها000الخ ؟(58 )0
    و انطلاقاً من سعيه إلى تكوين مجال سياسي تمارس فيه السياسة بعيداً عن الدين ، يؤكد غليون بأن الإسلام " لم يفكر إذن بالدولة ، و لا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله ، و إلا لما كان ديناً ، و لما نجح في تكوين الدولة . لكن الدولة كانت ،دون شك ، أحد منتجاته الجانبية و الحتمية "(59 )0 فالدين هو روح الدولة التي ستصبح بدورها جسد الدين و سلاحه و ذراعه ( 60) و يضيف غليون" إن الدولة الإسلامية لم تكن بحال دولة الله ، بل دولة المسلمين بما هم كائنات بشرية قابلة للخطأ و الصواب ، و بما هم جماعة مدنية ذات مصالح متضاربة .الخ"(61)0
    ما يشفع لغليون ، هي ، كثرة استدراكاته و التي تحول بينه و بين الوقوع في شراك الاستقطاب و فخ الإيديولوجيات المتساجلة حول الدين و الدولة ، و هذه الاستدراكات تنطلق من أهمية الموقع الذي شغله الدين الإسلامي في الدولة الإسلامية ، فقد كان الدين على مسار تاريخي طويل روحاً للأمة و الدولة التي كانت بدورها جسداً للدين ، ترعاه و يرعاها (62). و لكن ـ أي هذه الاستدراكات ـ تبحث في النهاية عن حل لها ، و هذا الحل يجده غليون في الدولة الديمقراطية التي تمهد للمصالحة بين الدين و الدولة ، بين غلاة التطرف من الجانبين ، لنقل بين أصوليتين وصلتا حد المأزق و الطريق المسدود ، في تنظيرها لدولة الاستبداد التي عايشناها أو تلك المرتقبة ، ممثلة بالدولة الدينية أو الدولة المستبدة العلمانية التي فاقت في استبدادها جميع أِشكال القهر التاريخية التي عرفتها الدولة العربية الإسلامية في مصيرها الطويل ، يقول غليون : يعتقد الإسلاميون أن قضية الشرعية مرتبطة بتطبيق القيم الدينية ، باعتبار أن الحكم في النهاية لله وحده ، و يعتقد العلمانيون أن الشرعية مستمدة من القيم الوطنية الحديثة و في الحالتين ترتبط الشرعية بالعقيدة ، باعتبارها التعبير عن الأهداف و القيم الاجتماعية السائدة .لكن ما يجمع النظرتين و بوجههما الواحدة معاً ضد الأخرى هو كونهما تنطلقان في الواقع من فرضية الدولة الاستبدادية ، فلو انطلقنا من فرضية الدولة الديمقراطية لأدركنا أن مبدأ السيادة الشعبية قادر بنفسه على حل هذا التناقض الحقيقي في القيم ، ذلك لأنه لا يهتم مسبقاً بالقيم و المعايير و الأفكار التي ينبغي على هذه السيادة أن تلتزم بها ، و إنما يحدد فقط الطريقة الإجرائية التي يمكنها أن تساعد الجماعة على الوصول إلى إجماع في موضوع هذه القيم و الأفكار "(63 ) .
    كما أٍسلفت ، يؤكد غليون على المأزق العقيدي و السياسي للعلمانية العربية ، فالسعي إلى علمنة الدولة التي يبني عليها كما سنرى محمد أركون آمالاً كبيرة ، أي تسليحها بعقيدة وضعية خاصة ، في مقابل العقيدة أو التنوع العقائدي السائد على مستوى المجتمع ، و كأنه نكوص نحو الماضي ، لا يختلف كثيرأ عن النكوص الذي يمثله السعي إلى إعادة بناء الدولة حسب النموذج التاريخي (64) 0فالدولة العلمانية تضع الصراع العقائدي في مقدمة الصراع السياسي ، و أحياناً بديلاً عنه ، و بالتالي تدفع بالمعركة الإصلاحية إلى طريق مسدود كما يقول غليون ؟.
    يتفق غليون مع العروي ، بالقول إن الهدف هو بناء الدولة ذاتها ، لأن كل دولة في نظره دنيوية و مدنية . و هذا ما لم يدركه المثقفون العرب و الذين ما زال قسم كبير منهم يناحر وحش الدولة الاستبدادية العلمانية الجديدة ، فالمشكلة ليست محاججات نظرية بين المثقفين ، و لا حجج عقلية أو تاريخية بحسب برهان غليون ، فالمسألة تتعلق بتعيين الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع و السياسة على السواء "(65) ، وهذا ما انتبه إليه العروي كما رأينا في فقرة سابقة و ما أهمله جيش المثقفين و المفكرين الذين راحوا يناصرون الدولة العلمانية على عماها، ويقرؤون بصورة انتقائية التراث التنويري العربي الممتد من علي عبد الرزاق إلى طه حسين إلى محمد أحمد خلف الله . و بخاصة بعدما أصبحت الدولة ضد الأمة بحسب العنوان الشهير لكتاب برهان غليون الذي يحمل هذا العنوان (66)0
    يعزي غليون استمرارية إشكالية الدين و الدولة في خطابنا المعاصر ،إلى غياب مفهوم الدولة و ضعف الاشتغال عليه من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة . و كذلك غياب مفهوم السياسة من قبل الحركات العلمانية كنشاط متميز عن الدولة أو عن الصراع من أجل السلطة (67) 0ومن هنا نفسر دعوته إلى ضرورة التمييز بين السياسة و الدولة ، و ليس الدين و الدولة ، و الذي من شأنه أن يوفر المناخ لبلورة مفهوم الدولة الديمقراطية التي تجعل من السياسة حقلاً مستقلاً ، لنقل حقلاً من انتاج المجتمع بحيث تنحصر وظيفة الدولة في تنظيم هذا الحقل كمجال حيوي للمجتمع السياسي المرتقب الذي يهيأ القاع للنهوض بالدولة و المجتمع ، و لحماية المجتمع من فك الدولة و غولها المفترس (68)0
    إذا كان غليون قد بين مأزق الدولة العلمانية،فإن الشيخ راشد الغنوشي يرفضها نهائيا ويصفها ب"دولة التجزئة العلمانية الدكتاتورية" وينعت نخبتها السياسية ب " الكهنوت الجديد " (69) الذي يسعى إلى فرضه دينه الجديد على المجتمع العربي الإسلامي عنوة ، و هذا ما يثير مخاوف و قلق الشيخ راشد ، الذي يبدي في الحقيقة قلقاً مضاعفاً من واقع عربي ، ينوس بين بين ، بين الدكتاتورية العلمانية التي تزعم الحداثة و التقدم و لكنها بممارساتها الاستبدادية تخون كل هذه المزاعم ، و بين الدكتاتورية الدينية و التعبير له التي تجعل من الدولة الإسلامية أصلاً من أصول الدين ، و تنتهي بالتالي إلى ممارسة مزيد من الغلو و التطرف . و في محاولة منه للإنعتاق من هيمنة الاستبداد الفكري الذي تمارسه الحركات الإحيائية الإسلامية التي ترى في الدولة شأناً عقيدياً ، و من هيمنة استبداد الدولة العلمانية التي صادرت المجتمع العربي و الحياة العربية ، راح الشيخ الغنوشي يصيغ بيانه الجديد عن " الحريات العامة في الدولة الإسلامية ،1993" و أشير إلى كتابه الصادر مع بدايات عقد التسعينات من القرن المنصرم و الذي يحمل العنوان السابق ؟
    إن التفكير في الحرية كما مر معنا ، هو تفكير في الدولة و المجتمع معاً ، و بالتالي هو اكتشاف للدولة قبل اكتشاف الحرية كما يرى العروي ،من هنا فإن البحث في الحريات العامة سيدفع بالشيخ راشد الغنوشي كإسلامي مستنير ـ إذا كان لا بد من هذا الوصف ـ إلى التفكير ب " المبادئ الأساسية للحكم الإسلامي " التي تقطع مع القول بأن الإسلام دين و ليس دولة كما جاء بها علي عبد الرزاق ذلك " الداعية العلماني " كما يسميه الشيخ الغنوشي ، و ذلك على الرغم من أنه أزهري و من داخل المؤسسة الدينية التقليدية . أو تلك التي تجعل من الدولة شأناً عقيدياً كالصلاة و الصوم . فمن وجهة نظر الشيخ راشد ، أن السلطة في الإسلام ضرورية ، لأن سنن الاجتماع تقتضي ضرورة قيام السلطة من وجهة نظره هي قيامة الدين . فللسلطة كما يقول " وظيفة اجتماعية لحراسة الدين و الدنيا ، و أن القائمين عليها ليسوا إلا موظفين و خداماً عند الأمة "(70) ،فالدين أس و السلطان حارس . و يضيف الغنوشي " السلطة بهذا الاعتبار ، سلطة مدنية من كل وجه ، لا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة إلا من حيث علوية سيادة الشريعة أو التقنين الإلهي "( 71) .
    إذا ضربنا صفحاً عن هذا الخلط بين الدولة و السلطة الذي يجعل منهما وجهان لحقيقة واحدة في خطاب الغنوشي ، فإن خطاب الغنوشي يثير الحيرة و يدفع إلى التناقض ، بين ضرورة الدولة كونها من سنن الاجتماع و بين وظيفتها التي تكمن في حراسة الدين و إذكاء مثله الأعلى . بين ديمقراطيتها التي عليها أن ترعى المجال السياسي للأحزاب بمختلف أشكالها ، و بين نزوعها الديني الذي يجعل منها دولة دينية ، و بين هذا و ذاك ، يظل خطاب الشيخ راشد توفيقياً ، و التوفيقية تأتي من كونه يفكر في المثال على حساب الواقع التاريخي ،لأن الواقع التاريخي يقول إن الدولة لم تكن حارسة للدين بل هو الذي حرسها و هذا ما سنراه لاحقاً في أطروحة رضوان السيد في هذا المجال ، أضف إلى ذلك أن مقولة حراسة الدين مستعارة بالجملة من ثقافة أخرى لم ينتبه الغنوشي إلى جذورها البعيدة ، فسعى عبر ذلك إلى التوليف بين الماضي و الحاضر ، لنقل بين السلطة الدينية و الديمقراطية على أمل أن يجد في ذلك مخرجًا على طريقة عمارة، يرضي به الطرفين و يساهم في خروجنا من نفق الاستبداد الذي تحاصرنا به دولة الاستبداد التي قطعت مع كل العقود التي يسعى الغنوشي إلى تسويرها بها من خلال قوله بأن " الإمامة عقد " أو أن العلاقة بين الحاكمين و المحكومين تقوم على عقد هو البيعة التي لا يصح في غيابها أن تكون هناك طاعة الحاكم .

    تجديد الرهــان على الدولة العلمانية:
    إذا كانت الدولة العلمانية قد انتهت إلى طريق مسدود و أفضت إلى مأزم ( هو الطريق الضيق بين جبلين بحسب ابن منظور) أو إلى مأزق بحسب برهان غليون ، فإن الدولة العلمانية بقيت موضع رهان عند الباحث في الإسلاميات التطبيقية و أقصد محمد أركون .
    ما يأسف له أركون أن الدولة العلمنة كانت ممكنة في الخمسينيات من القرن المنصرم ، و لكنها تراجعت في نهاية القرن المنصرم ، و هو لا يعزي هذا التراجع إلى قصور فكري أو عقائدي أو لأنها أعطت الأولوية للسياسة على العقيدة في سعيها إلى علمنة الدولة و المجتمع معاً ، بل يعزي تراجعها إلى أمرين ، الأول تنامي إيديولوجيا الكفاح ضد الإمبريالية ، التي أخرَّت على الرغم من إيجابياتها و موهت مرة أخرى دراسة المشاكل الحاسمة و الضخمة للعلائق بين الدين و الدولة و الدنيا ، فقد أصبحت هذه المشاكل مؤجلة نظرياً لضرورات الكفاح الوطني ، و أخَّر ذلك من العودة النقدية للمجتمعات الإسلامية على ذاتها (72)0 و الثاني و يتمثل في صعود الحركات الإسلامية الراديكالية التي يتناوب في خطابها الحديث عن الدولة الدينية أو دولة الخلافة و التي ترفع شعار " لا حاكمية إلا لله " و الإسلام دين و دولة ، فهيجان المناضلين المسلمين على حد تعبير أركون، أجل الحسم المؤجل في مسألة الدين و الدولة و نحَّى جانباً تلك النزعة النقدية و الاجتماعية عند المفكرين الإسلاميين و المفكرين العرب في قراءتهم لإشكالية الدين و الدولة.
    في بحثه عن إشكالية الدين و الدولة و الدنيا ، يتوقف محمد أركون عند نقاط عدة :
    أولاً ـ إن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين و الدولة و الدنيا غير مدروسة ، و غير مضاءة ، و ذلك فيما يخص الإسلام بشكل جيد حتى الآن .
    ثانياً ـ إن الصورة قد أصبحت أكثر إظلاماً نتيجة هيجان المناضلين الإسلاميين الذين جعلوا من عبارة الإسلام دين و دولة شعاراً ايديولوجياً لهم .
    ثالثاً ـ إنه ينبغي علينا تبيان المبالغات و التطرفات و الانحرافات التي يقع فيها الكتاب الإسلاميون المعاصرون عندما يتحدثون عن هذه المسألة . و ينبغي أن نفعل ذلك عن طريق التذكير بالآراء الذكية و التحليلات المرنة و الأفضل توثيقاً للكتاب المسلمين الكلاسيكين و التي هي أكثر جدية بكثير من الخطابات الإيديولوجية التي تنهمر علينا من كل حدب وصوب (73)0
    إن الخلط بين الدنيوي و المقدس ، بين الدين و الدولة ، يمكن إرجاعه من وجهة نظر أركون إلى خضوع العلماء للسلطة :"فقد راح العلماء الدنيويين يخضعون للسلطة السياسية في تاريخ الإسلام ، و بالتالي حصل الخلط واقعاً بين الذروتين الدينية و السياسية ،هذا في حين أن الفصل بينهما كان قد حدد بشكل صريح من الناحيتين النظرية و العملية . و راح الناس يتوهمون فيما بعد أن الخليفة ، أو ، السلطان يتمتع فعلاً بمشروعية دينية وهيبة قدسية "(74).
    في هذا السياق الداعي إلى الفصل بين الدين و الدولة ، ليس غريباً أن يثني محمد أركون على الشيخ علي عبد الرزاق و الذي هو موضع إشادة من الجميع و ذلك على الرغم من محدوديته كما يرى غليون . و على الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض إطاعة أمر الخليفة في إحدى مسائل العقيدة و بذلك ثبَّت حدود و صلاحيات الخليفة التي ينبغي ألا تتعداها .(75) و الذي سيبعث من رماده من جديد كنموذج للمثقف المبدئي في مواجهة السلطة كما يسعى إلى ذلك محمد عابد الجابري في كتابه " المثقفون في الحضارة العربية ،1996"(76) .
    من العروي إلى محمد أركون إلى رضوان السيد الذي قام بالتحقيق والتقديم لأهم المؤلفات الكلاسيكية للفقهاء المسلمين في مجال الدين و الدولة ، و من الماوردي إلى الطرطوشي (77) . هناك تأكيد على أن الفقهاء الأقدمين الكلاسيكيين كانوا أكثر نجاعة و حصافة و شجاعة في قراءتهم لإشكالية الدين و الدولة ، و أنهم يسبقون بالعديد من المرات ، الكتابات الإيديولوجية المعاصرة التي تذكيها خطابات الإسلام السياسي أو تلك التي يذكيها مثقفون عرب علمانيون معاصرون . و التي تكشف عن عمق الهوة و عن مدى المأزق الذي يوجه مسيرة الفكر العربي المعاصر في قراءته المؤدلجة للماضي و الحاضر و المستقبل و التي تنحدر علينا من كل حدب و صوب ،المأزق الذي من شأنه أن يكشف عجز الخطاب العربي وعلى مدى قرن كامل من انتاج خطاب عقلاني في هذا المجال؟0
    ثمة شكوى عند أغلب المثقفين العرب ، من أن الغرب هو الحاضر الغائب في خطاباتهم ، فقد أصبح الغرب نموذجاً للقياس و ليس للاستثناس كما يرى الجابري (78) . و قد انتبه غليون إلى ذلك في بحثه عن مأزق الدولة العلمانية التي تقيس على الغرب في سعيها إلى علمنة الدولة و المجتمع ، و التي تهمل دور الدين في بناء الدولة و الجماعة و هذا ما فعله على أكمل وجه الدين الإسلامي ، و هذا ما حذَّر منه هشام جعيط كما مر معنا ، و لكن أركون و على الرغم من حصافته الفكرية و سعة اطلاعه على إحداثيات الفكر الإسلامي ، يظل أسير هذا النموذج ، فلا مخرج إلا بالعلمنة التي يراها ممكنة في الإسلام (79) و التي تظهر في خطابه كإنجاز برجوازي غربي قاد إلى وضع الأسس للدولة العلمانية الحديثة ، في حين قاد غياب البورجوازية في الواقع العربي إلى كل هذا التخبط و التراجع الفكري عند الحركات الإسلامية التي راحت تبشر بدولة الخلافة ، مع أن دولة الخلافة كما يرى أركون قد أصبحت من الماضي البعيد،وهذا ما يشكل قاسماً في أغلب كتابات الحداثيين التي تاهت في بحثها عن الطريق من خارج الغابة و التعبير للجابري في نقده للخطاب العربي المعاصر (80) .
    يسيِّج أركون سعيه إلى فض الاشتباك بين الدين و الدولة بمزيد من الأسئلة التي يمكن لها أن تقطع مع الدولة الدينية و كذلك الدولة الاستبدادية : هل يمكن للبشر أن يقبلوا بأن يتسلط عليهم بشر آخرون و يتحكموا بشخوصهم و حياتهم كمصائر روحية مثبتة و محددة من قبل الله (الشيخ السلفي أو الشيخ المستنير يرفض ذلك كما لاحظنا في خطابي عمارة والغنوشي) ؟كيف ، و ضمن أية شروط ، يمكن للسلطة التي يتحكم بها شخص واحد ، أو مجموعة أشخاص ، أن تصبح سيادة عليا مرتبطة بسيادة الله ذاتها و تسيطر على القلوب و النفوس عبر الكلام الموحى ؟ (81)0 و لكنه لا ينجح في فض الاشتباك بين الدولة و الاستبداد ، لنقل بين الدولة العلمانية و الاستبداد ، فقد فاق استبداد الدولة العلمانية ما عداها كما أسلفنا ، و لكن أركون و على الرغم من سخريته من الدولة الأتاتوركية العلمانية الكاريكاتورية كنموذج ، لا يقوم بنقد النموذج العلماني لدولة شرق المتوسط على حد تعبير عبد الرحمن منيف و ذلك يعود من وجهة نظرنا ، إلى أنه يحتفظ بالمثال العلماني على حساب التاريخ الفعلي 0 إنه يركز هجومه على دولة الخلافة ، وهذا ما يفسر كثرة أسئلته التي يمكن اختصارها بسؤال واحد و ينسى أن الخلافة زالت منذ أمد بعد ، و أن الخلافة كانت من الشرعيات الفرعية المؤقتة كما يكتب رضوان السيد(82)، كذلك تناقضاته ، فهو يرى أن التطور التاريخي اللاحق في العصر العباسي ، و هناك من يذهب من الباحثين في تاريخ الدولة إلى أبعد من ذلك ، قد سار باتجاه الفصل لا الوصل : أي في اتجاه تشكيل دائرة سياسية بعيدة عن الدائرة الدينية و مفصولة عنها (83) . و أن صلاحيات الخليفة قد حددت من قبل الفقهاء فيما يتعلق بمسائل العقيدة والذين تحدوه في أحيان كثيرة ( من أحمد بن حنبل إلى العز بن عبد السلام في العصر المملوكي ) و الذي حصروا طاعته فيما يخص السلطات الخاصة بجهاز الدولة . و لكن أركون المتعلق بالنموذج العلماني يسهو عن ذلك ليحصر حديثه في نقد الخلافة و ذلك على الرغم من نقده الهام و المميز للحركات الإسلامية في جذرها التاريخي و الكلاسيكي ؟

    دولـة عربية أم"مشروع دولـة " ؟
    لم يقتنع محمد أركون بمأزق الدولة العلمانية الذي وضَّحه برهان غليون و لم يلتفت إليه ، و بنفس السياق لم تفلح مطارحات عزيز العظمة في بحثه عن "العلمانية في منظور مختلف ،1992" في تجاوز الأزمة ، لنقل أزمة الدولة العلمانية ، و لم يأت مختلفه بالجديد و ذلك على الرغم من مساعيه لتجاوز النموذج الأوروبي العلماني و القياس عليه (84)0 فقد تاه في البحث عن وجوه العلمانية المتعددة ( وجهها المعرفي و المؤسسي و السياسي و الأخلاقي ) و كذلك قواها التاريخية الفاعلة و لكنه لم ينجح في إعادة الاعتبار للعلمانية و لا لما سمَّاه ب " التاريخ الفعلي " في بحثه عن الدلائل القاطعة على علمنة السياسة في الفكر الإسلامي و التي من شأنها أن تدعم ما سماها أيضاً ب " الدلائل القاطعة " (85) عند علي عبد الرازق ، هذا الذي سيبقى بمثابة الحاضر الغائب و المضمر في معظم خطابات التقدميين العرب في بحثهم عن الدين و الدولة و الدنيا ، و الموجه لمعظم دراساتهم الانتقائية في التراث و التاريخ معاً ؟.
    في سعيه إلى" إعادة فهم الواقع العربي " المهدد بالتشرذم و التذرر و التفتت ، كما بينه النموذج العراقي في أعقاب حرب الخليج الثانية 1990، راح الأنصاري في كتابه " تكوين العرب السياسي و مغزى الدولة القطرية ، 1994" يهاجر في الاتجاه المعاكس و بعيداً عن المساجلات البيزنطية بين المثقفين العرب المنقسمين على أنفسهم بين تيار يناحر العلمانية و يقرأ التاريخ العربي و التراث كما أسلفنا بصورة انتقائية ليثبت ما يسعى إليه ، و بين من يرى أن الإسلام دين و دولة و أن الدولة شأن عقيدي ، و التي اعتبرها الأنصاري خير شاهد على أزمة المثقفين العرب التي كثر الحديث عنها في عقد التسعينات 0
    من وجهة نظر الأنصاري ، إن أعراض الأزمة تمتد من الماضي إلى الحاضر . و أن " الاضطراب الذي شمل الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية منذ نشأتها يجب أن يرد في النهاية إلى خلفيته التاريخية الواقعية قبل الإٍسلام و في التاريخ العربي القديم ، و ألا يقصر على مجادلات كلامية و نظرية بين دعاة الدولة و معارضيها في الإسلام قائلين إن الإسلام دين و دولة ، و من قائلين إن دين في الأساس (86). و يضيف الأنصاري بقوله " أساس المشكلة ، في تقديرنا ، ليس في أن الإسلام لم يدع إلى إقامة دولة ، فالإسلام دين و دولة ، و طبيعة تعاليمه و شريعته تستدعي وجود دولة ، بل إن المشكلة الأساسية تمثلت ، من حيث الواقع التاريخي ، في أنه كان على الإسلام أن يبدأ في إقامة دولته من نقطة البداية ، أو بالأحرى ، من نقطة الصفر حيث لم يكن في المنطقة التي ظهر فيها و انطلق منها شمال الجزيرة العربية وجود لدولة أو لنواة دولة ، أو حتى لحكومة "(87 ).
    يلح الأنصاري على " أساس المشكلة "، فكما كانت المشكلة في الماضي ، هي في الحاضر ، فقد قامت الدولة في الإسلام من نقطة الصفر ، و تقوم الدولة القطرية العربية الحالية وريثة عهد الاستقلال من الصفر ، و لذلك ليس غريباً أن يرى الأنصاري أن الدولة الحالية ما زالت تمثل " مشروع دولة " و لم تصل بعد ، إجمالاً ، إلى مرحلة الدولة المكتملة التكوين و النضج و المؤسسات و التقاليد و النظم (88).
    كان العروي قد رأى في بحثه عن وجود الدولة القطرية أو الدولة القائمة فعلاً ، أنها موضع شك و تساؤل ، و هذا ما ينتهي إليه الأنصاري ، و من هنا تركيزه على أن المطلوب أولاً هو " نضج مؤسسات الحكومة و الدولة و مرتكزاتها في المرحلة الراهنة "( 89) و هذا ما لم يفهمه الكثير من المثقفين و الديمقراطيين الداعين إلى تفويض سلطة الدولة القطرية العربية المقوَّضة أصلاً و التي تحتاج إلى مزيد من الدعم و البنيان بدلاً من تقويض أسسها ، بحجة عجزها مرة ، و كونها عقبة في طريق التوحيد الشامل كما يرى القوميين العرب . و في الحقيقة و بمقدار ما يصيب الأنصاري في تصويبه لنقاط ضعف و عجز الدولة القطرية الدائمة ، فإنه يحيلنا إلى إشكال كبير ، فإذا كانت السلطة العربية هي " حاضنة الدولة " و ليس العكس (90). و أن حاكمها " الفرد " هو صمام الأمان للدولة التي تمثل تطوراً مدنياً و حواضرياً قياسياً بالحالة المجتمعية للبلد العربي المتذررة بكل أطياف اللون العشائري ، فإن الحركات الاحتجاجية التي تطالب بالديمقراطية تظهر على أنها تعاكس حركة التاريخ لأنها تهدف إلى تقويض السلطة المستبدة وبالتالي تقويض الدولة الناشئة والحالة العراقية بعد الاحتلال الأميركي خير شاهد على ذلك؟(91)0

    هل الدولــة حارسة للدين:نحو رؤيـة جديـدة للذات والآخر؟
    من موقعه كباحث عن الطريق من داخل الغابة لا من خارجها بحسب تصنيف الجابري لخطاب المثقفين العرب (92)، راح رضوان السيد يحث الخطى بتأن يقطع مع الخطاب الإيديولوجي السائد و نزعته التحزبية السجالية ، و يدفع باتجاه مزيد من الاستدراكات التي من شأنها أن تحد من هاجس الأسئلة الزائفة التي تطبع خطابات المثقفين العرب بشأن العلاقة بين الدين و الدولة ، و أن تضع حداً للقراءة الانتقائية التي تعود إلى استنطاق النصوص التاريخية و تسويرها بمزيد من الأسئلة المعاصرة التي من شأنها أن تدفع إلى إجابات آنية و غير ملائمة ، و هذا ما طبع أغلب نتاجاته ، و دفعه إلى تعديل موقفه أحياناً بشأن الدين و الدولة و إشكالية الوعي التاريخي بهما (93). و قد عمل في هذا المجال بتواتر كبير و على مدى عقود عدة من القرن المنصرم ، من خلال أبحاثه في هذا المجال أو من خلال ترؤسه لمجلة الاجتهاد التي اعتبرها الأنصاري أبرز علامة متميزة في انعطافة الفكر الإسلامي المعاصر " ، فقد سعى رضوان السيد و عبر منهجية جادة و من داخل الإيمان الإسلامي على حد تعبير الأنصاري الى رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي و أضاف عبر مؤلفاته في الدولة و السلطة و الحضارة رؤية جديدة لا يمكن إغفالها في مجال إعادة تأسيس النظرة الإسلامية الجديدة للذات و الآخر"(94)0
    في بحثه عن الدين و الدولة و إشكالية الوعي التاريخي 0 يقر رضوان السيد بأن ماهية العلاقة بين الدين و الدولة تعود لتحتل الصدارة في وعي الجماعات الإسلامية المعاصرة "(95) و أنها تمثل عودة لإشكالية قديمة و ليست بالجديدة . من هنا فهو يتوجه إليها و عبر أبحاث عديدة و عبر حفريات غير مسبوقة في إشكالية الدين والدولة في هذا المجال .
    يتفق رضوان مع الأنصاري بقوله : إن التاريخ السياسي لأمتنا لم يكتب حتى اليوم "( 96 )0 و يضيف " كما أنه يمكن القول إن هذا الخلف كان وراء عدم تكون دولة بالمعنى الكامل لذلك في تاريخنا كله "(97)0 و من وجهة نظره ، أن الدعوة الملحاحة إلى إعادة النظر في علاقة الدين بالدولة كما يعبر عنها الخطاب العربي المعاصر ، هي شاهد على أزمة ، فالدعوة هذه تتم عادة في أوقات الأزمات الخانقة . و من وجهة نظره أنها طرحت في العقود الأخيرة من القرن المنصرم للأسباب التالية : فقد طرحت في مواجهة الدعوة المتصاعدة لعلمنة الدولة و المجتمع ، و طرحت أخيراً في ظل نظرية الحاكمية عند المودودي و سيد قطب و الإمام الخميني (98). و ما يلمحه رضوان و كما يعبر عنه واقع الثلث الأخير من القرن العشرين ، أن الدعوة إلىأن الإسلام دين و دولة ، قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم و ذلك من موقع نموذج بديل للسلطة والحاكم (99). المرحلة التي تنامت مع عولمة الحركات الإسلامية الراديكالية و ظهورها على صعيد عالمي (100). و لعل ما يثير الاستغراب هو أن الاتجاه التقدمي الرامي إلى علمنة المجتمع و الدولة يقف بدون وعي منه على نفس الأرضية التي تقف عليها الحركات الإسلامية الراديكالية منها و المعتدلة و التي ترى في الإسلام ديناً و دولة . فالاتجاه التقدمي الذي يستعير معظم بواعث التعبير عن نفسه من التجربة الاشتراكية ، يرى في الدولة حارساً لدين البروليتاريا ، و هذا ما انتبه إليه رضوان السيد (101) و ما حذر منه برهان غليون في نقده لمأزق الدولة العلمانية بنزعتها الأصولية الجديدة .
    كسابقيه ، و في محاولة منه لتجاوز المأثور الإيديولوجي السائد حول الدين و الدولة ، يسعى رضوان السيد إلى إثارة المزيد من الأسئلة حول إشكالية الدين و الدولة ، و ذلك بهدف الرد عل القائلين من الإحيائيين الإسلاميين بأن الإسلام دين و دولة ، و الذين يعتقدون بأن وظيفة الدولة هي حراسة الدين كما جاء في المأثور الفكري للماوردي . فمن وجهة نظر رضوان السيد ، أن كون الدين الإسلامي يتضمن ديناً و سياسة ، فهذا شأن سائر الأديان ، و هذا ما ركز عليه محمد أركون أيضاً و لكن السؤال المهم كما يرى هو : هل الدين و الدنيا أو الدعوة و الدولة تتضمنهما مؤسسة واحدة أو مؤسستان ؟و ما مدى صحة الاعتقاد و " الصورة " السائدة بين الباحثين العرب المعاصرين من أن عصر النبي و الراشدين شهد توحد الدعوة و الدولة في مؤسسة واحدة ؟ و الأهم من كل هذه الأسئلة : هل صحيح أن الشريعة كانت تحتاج للدولة من أجل تطبيقها ، ثم : هل صحيح أن الدولة أو الإمامة حرست الشرع أو الدين ؟(102).
    ما يطمح إليه رضوان السيد ،هو ، فك الاشتباك بين الدين و الدولة ، فعلى مسار تاريخي طويل كان لكل منهما مؤسسته الخاصة ، عل أن الأهم من ذلك أن الدولة الإسلامية لم تكن حارسة للدين كما نذرها الماوردي ، و كما ينذرها الاحيائيون الإسلاميون الذين يطمحون إلى الاستيلاء على الدولة لتطبيق الشريعة ، و هنا يلفت نظرنا السيد إلى أن مقولة الماوردي عن الإمامة كحارسة للدين و سائسة للدنيا ، مستعارة بالجملة من التراث الساساني ، فقد كانت الزراداشتية كديانة تدين بوجودها للدولة الساسانية ، و ما أن انهارت الساسانية حتى انهارت الزرادشتية ، أما واقع الإسلام فمختلف عن ذلك ، فعلى مسار تاريخي طويل ظلت الدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها . و أن السلطة السياسية في الإسلام لم تحرس الدين بل إن الدين هو الذي حارسها ، و ضاعت الدولة و لم يضيع الدين (103).
    ما يخلص إليه رضوان السيد في حفرياته الدقيقة في تراث الدين و الخلافة و عبر تحقيقاته العديدة لأهم الكتب ،" أن تاريخ السلطة الإسلامية مع الشريعة و ممثليها (و ليس مع الدين ) هو تاريخ صراعي أو نزاعي أفضى إلى انفصال السياسة عن الفقه و أحياناً عن الشريعة ، و قيام مجالين أحدهما سياسي و الآخر شرعي . و قد سلم كل من الطرفين للآخر بمجاله ، و استمر التجاذب على أطراف المجالين حسب توازن القوى و الظروف . فالصورة التاريخية السائدة عن أن الانفصال حديث مع الدخول الغربي إلى العالم الإسلامي ، و ظهور القوانين المدنية ، و الدول القومية ، هذه الصورة تحتاج إلى تعديل كبير .على أن ظهور حركات " الصحوة الإسلامية " الداعية ـ بأساليب مختلفة ـ لقيام الدولة الإسلامية ، و تطبيق الشريعة ، يدل على أن مسألة الدين بالدولة في مجالنا الثقافي و السياسي ما تزال تبحث عن مستقر لها ، مستقر ما مكنتنا تجارب القرون الماضية من الوصول إليه "(104). و يضيف بكثير من الحصافة : الأخطر من ذلك كله اهتزاز فكرة الدولة أو السلطة في وعينا الثقافي و ليس في تاريخنا . فالصورة السائدة لدى الفقهاء و المؤرخين ، و كتاب نصائح الملوك ، أن السلطة كانت دائماً منقوصة الشرعية ، إما لخروجها على مقتضيات الدين أو مقتضيات العرف أو هما معاً ، لكنها كانت ضرورية لمنع الفوضى و سقوط المجتمع ( سلطان غشوم خير من فتنة تدوم ). و قد أدى ذلك إلى تعمق " طوبى " الخلافة الراشدة أو أفكار المهدية ، و أدى في الحقبة المعاصرة إلى ظهور فكرة تطبيق الشريعة أو الدولة الإسلامية . فلابد من الالتفات إلى تيارات هامشية في القديم و الحديث ، كانت و ما تزال ترى إمكان الدولة العقلانية ، دولة الحزم و السياسة ،أو الدولة المدنية (105)
    إن غياب دولة العقل و المدنية ، و سيادة نموذج الاستبداد ، هو ما قاد في نهاية القرن المنصرم ، إلى تصالح الشيخ و الليبرالي ، بصورة أدق ، في تصالح الشيخ مع الليبرالي ، فكثيراً ما ردد الليبرالي العربي أن تخلفنا يرتد إلى بعدنا عن الحرية (106)، و ها هي دولة الاستبداد تقف كحجر عثرة في وجه تطورنا ، و في هذا السياق ، شهدت الأعوام القليلة من القرن المنصرم و بداية الألفية ، اتجاهين اثنين ، الأول ينطلق من الفرضية التي ساقها محمد جابر الأنصاري ، من أن السلطة الاستبدادية العربية هي حاضنة الدولة ، و ما أن تتراجع كما حدث في العراق ، حتى تتراجع الدولة ، و قد ذهب بعض أصحاب هذا الاتجاه إلى تبرير ما سمي ب " دولة الإكراه " التي رآها البعض ضرورة تاريخية في تاريخ تطور الدولة ، من دولة الإكراه إلى دولة المؤسسة ، و ذلك مهما رافقها من آلام ، بحجة وجود العدو الخارجي (107). هذا الاتجاه الذي يضفي كل بركاته على السلطة الاستبدادية ، يسقط ما سماها العروي ب " أخلاقية الدولة " حيث أن تحرير الدولة من الأخلاق يحكم عليها بالانقراض . و هذا ما لم يصحوا عليه أصحاب هذا الاتجاه إلا مع وقع خطى الغزو الأجنبي الرافع لراية التحرير مع أنها كلمة حق يراد بها باطل ؟
    الاتجاه الثاني هو الذي يسعى عبر حفرياته الجديدة في جذور الاستبداد الى القطيعة معه ،وهذا ما عبر عنه كل من كمال عبد اللطيف ومحمد عابد الجابري0
    ما يشغل كمال عبد اللطيف في كتابه " في تشريح أصول الاستبداد : قراءة في نظام الآداب السلطانية ، 1999" هو مبدأ الطاعة و كيف تم " تمجيد الطاعة " في الآداب السلطوية ،و ذلك انطلاقاً من أن الآداب السلطوية هي ثقافة سياسية تنشئها المؤسسة السلطوية و تتبناها لخدمة مشروعها السياسي ؟ .
    و من وجهة نظره أن الطاعة هي المقابل الموضوعي للسلطة الباغية و المستبدة عبر التاريخ ، بحيث أصبح مبدأ الطاعة بحسب رضوان السيد الذي يستشهد به كمال عبد اللطيف ، في سياق الجدالات الإيديولوجية و الكلامية و السياسية جزءاً من العقيدة السياسية لأهل السنة و الجماعة ، بل أصبح مناط إجماعهم ؟ و يرى عبد اللطيف أن مفهوم الطاعة يعكس المبدأ السياسي الملازم للسلطة في تاريخ الإسلام ، و تشهد نصوص الآداب على أهميته البالغة في الفلسفة السياسية السلطوية ، من هنا هذا التمجيد للطاعة و مدحها في أغلب النصوص الإسلامية ، باعتبارها عز الملك و الأداة التي تمكن المـَلِك من المـُلك ، و تمنح الرعية السلطة الضامنة للاستقرار . يقول عبد اللطيف " عندما يرد الحديث في بعض الفصول عن حقوق الرعية ، أثناء الحديث عن سياسة العامة ، فإن الأمر لا يتعلق بشروط ترتب علاقة الحاكمين بالمحكومين ، بقدر ما تشير إلى عملية تدبير بؤرتها المركزية : الأمر السلطاني و الإرادة الملكية . فالأمر السلطاني أدرى بمقتضيات الجماعة و مصالحها . و ضمن هذا الإطار المسلِّم بلزوم الطاعة و الخضوع و بصورة مطلقة ، تتأسس الخطط السلطانية ، أي تتأسس سياسة التدبير " (108).
    هناك إجماع عند الدارسين للآداب السلطانية و المحققين لها ، أن مبدأ الطاعة الأردشيري – نسبة إلى الملك الفارسي أردشير – يحضر في مختلف متون الآداب السلطانية و قد أحصى الدكتور رضوان السيد في كتابه " الجماعة و المجتمع و الدولة ،1997 " موارد حضور النص الأردشيري عن الطاعة الذي يجعل طاعة الملك من طاعة الله ، في كتب السياسة و السمر العربية فبلغت ستة و أربعين موطناً منها ثمانية مواطن في كتب الماوردي وحده (109).
    يحذر رضوان السيد بكثير من الحصافة و الاستدراك ، من القياس على النص الأردشيري الذي يجعل " الدين و الملك توأمان لا قِوام لأحدهما إلا بصاحبه ،لأن الدين أس و الملك حارس ..إلخ " فمع إقراره بقدرة هذا النص على دخول الآثار العربية في السمر و السياسة و مرايا الأمراء و كتب الفقه ، إلا أنه يرى أن الفقهاء و المتكلمين كانوا الأقل تأثراً بهذا النص ، من هنا تحذيره أيضاً من القياس على النص الأردشيري ، فثمة فارق تاريخي واضح بين الدين و الدولة في المجال العربي الإسلامي ، فالدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها ، و ليس العكس كما هو الحال في الحالة الساسانية ، حيث ضربت الزراداشتية بعد سقوط الملك الساساني باعتباره حارساً للدين (110).
    في كتابه " في تشريح أصول الاستبداد " يتبع كمال عبد اللطيف خطى رضوان السيد في تحذيره من ما يسميها عبد اللطيف بمزالق النص الملتبس ، و يقصد بذلك " عهد أردشير "الذي يتم فيه استحضار تجربة من أهم تجارب التاريخ الآسيوي في مجال الثقافة السياسية و الحكمة العملية . فمن وجهة نظره أن " النص الملتبس " يفرض على الباحث في إشكالية العلاقة بين السياسي و الديني أن ينتبه إلى موضوع العلاقة بين الدين و السياسة يعتبر من الموضوعات المعقدة جداً في تاريخ الفكر الإنساني عموماً ، و في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي على وجه الخصوص . و هو موضوع مليء بالأحكام المسبقة و الآراء الجاهزة . و من وجهة نظره أن هذه الأحكام المسبقة و الجاهزة تشكل عقبة نظرية جديدة تضاف إلى صعوباته المتعددة فتتضاعف الإشكاليات و تختلط القضايا ، و تنشأ الأحكام المتحزبة ، فتزداد الغشاوة سمكاً أمام الأعين فلا يعود الدارس يرى شيئاً . من هنا نفسر تمييزه بين صورتين أساسيتين في العهد الأردشيري ، الصورة التاريخية الفعلية التي ترويها كتب التاريخ عن الملك الفارسي أردشير الذي وحّد المدائن في دولة واحدة و أعاد إحياء الديانة الزرادشتية . و الصورة التي حفظها " العهد " في صياغته العربية و التي تم استيعابها في النسيج النصي لمرايا الأمراء و التي أصبحت نموذجاً و قاعدة في التدبير السياسي العام لمجتمع بلا فتن و مؤسس على تعالي الملك و استبداده معا(111)ً .
    لم يأبه محمد عابد الجابري باستدراكات رضوان السيد و لا بتحذيرات كمال عبد اللطيف وخوفه من الأحكام الجاهزة و المسبقة و التي تقود عادة إلى أحكام إيديولوجية ، فمع إقراره بأن أزمة القيم كانت و ما تزال ، راح الجابري يحفر في الجذور التاريخية للمستبد العادل ، لنقل للمستبد الشرقي ،الذي ظهر مع تحول الخلافة إلى ملك عضوض و غشوم " ملك غشوم خير من فتنة تدوم " و ذلك في أواخر العهد الأموي ، و بالضبط مع هشام بن عبد الملك . و في هذا السياق لاحظ الجابري في كتابه " العقل الأخلاقي العربي : دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية ،2001 " أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا مبدأ الطاعة و كذلك الإسلام ، و السؤال الذي يبحث الجابري عن إجابة له هو : من أين جاء مبدأ الطاعة ؟
    في بحثه عن جذور مبدأ الطاعة ، يقف الجابري عند عهد أردشير و كيف قدر لعهد أردشير أن يغزو حقل الثقافة العربية ليجعل من الدين طاعة رجل(112)، و ما يقلق الجابري هنا هو تنامي الاتجاه نحو الطاعة الكسروية غير المشروطة و غزوها للموروث الإسلامي المحض الذي لم يعرف في الأصل هذا النوع من الولاء و هذا النوع من الطاعة التي تجعل من طاعة الملك طاعة لله . و في هذا السياق ، سياق تغلغل الموروث الفارسي في التراث الشيعي أولاً ، و لا حقاً للموروث السني في ظل ما يسميه رضوان السيد ب " تبادل الأسلحة " يتابع الجابري حفرياته في التراثين ، حفرياته المحفوفة بالكثير من الأحكام الجاهزة ليعزو تخلفنا الحضاري و النهضوي إلى طاعتنا العمياء لأردشير الحاضر ، فما لم ندفن أردشير لن تكتب لنا نهضة(113) و لا نهضة إلا بالثورة على المستبد الآسيوي ممثلاً بأردشير الذي تمكن في وضح النهار من غزو الثقافة العربية في عقر دارها ومن التأسيس لدولة الفتنة بذريعة اتقاء الفتنة و بالتالي تبرير العيش و الاستكانة في ظلال الطاغية الجديد ؟ .
    في الخاتمة000يمكن القول إنه إذا كان الخطاب السياسي العربي قد تميَّز بالهجانة والضحالة والقياس على الآخر في العقود المنصرمة من القرن المنصرم،فأن نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة،شهدت حفريات جديدة في تاريخ العقل السياسي العربي،أي تاريخ الدولة، من شأنها أن تؤسس لفهم جديد للدولة ووظيفتها في خدمة المجتمع،وهذا ما نطمح إليه ؟

    الهـوامش و المراجــــع :
    1 ـ محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ،2001).
    2 ـ محمد أركون ، الإسلام : الأخلاق و السياسة ، ترجمة هاشم صالح ( بيروت ، مركز الإنماء القومي ، 1990).
    3 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ( بيروت ، المركز الثقافي العربي ، 1980).
    4 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين : نقد السياسة ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ،1993)ص 6 و الإشارة هنا إلى الطبعة الثانية من الكتاب .
    5 ـ علي عبد الرزاق ، الإسلام و أصول الحكم ، دراسات و وثائق محمد عمارة (بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 2000) ص 145.
    6 ـ علي عبد الرزاق ، المصدر نفسه ،ص 146.
    7 ـ المصدر نفسه ،ص 146.
    8 ـ المصدر نفسه ، ص 150.
    9 ـ المصدر نفسه ، ص 154، انظر تعليق محمد عمارة في كتابه " الدولة الإسلامية بين العلمانية و السلطة الدينية ، الصفحات 200،205،207،208.
    10 ـ علي عبد الرزاق ، المصدر نفسه ،ص 180.
    11 ـ المصدر نفسه ، ص 174.
    12 ـ المصدر نفسه ،ص 182.
    13 ـ عبد المجيد الشرفي ، مشكلة الحكم في الفكر الإسلامي الحديث ، مجلة الاجتهاد ،ص 87 العدد /14/ ، السنة الرابعة ، شتاء 1992، 1412 هجرية .
    14 ـ عبد المجيد الشرفي ، المصدر نفسه ، ص 91.
    15 ـ عبد الله العروي ، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت ، المركز الثقافي العربي ،1996) و كانت الطبعة الأولى من الكتاب قد صدرت في العام 1970 عن دار الحقيقة في بيروت .
    16 ـ ابراهيم البيومي غانم ، مفهوم " الدولة الإسلامية " المعاصرة في فكر حسن البنا ، مجلة الاجتهاد ، العدد /14/ ، ص 147.
    17 ـ ابراهيم البيومي غانم ، المصدر نفسه ، ص 147 .
    18 ـ محمد جابر الأنصاري ، الفكر العربي و صراع الأضداد : الاحتواء التوفيقي للجدليات المحضورة ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ،1996).
    19 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر : دراسة تحليلية نقدية ( بيروت ، دار الطليعة ، 1985) فقد بين الجابري أن الخطاب العري المعاصر هو خطاب قياسي إما على الماضي الديني أو على الحاضر الأوروبي ، و بالتالي فهو خطاب سلفي بشقيه و المطلوب هو فك إساره من قبضة النموذج السلف ص 57 .
    20 ـ محمد أركون ، تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ترجمة هاشم صالح ( بيروت ، مركز الإنماء القومي ،1986 )ص 278.
    21 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ، 146 .
    22 ـ هشام جعيط ، الشخصية العربية الإسلامية و المصير العربي، ترجمة المنجي الصيادي (بيروت ،دار الطليعة ،1984)ص 118.و قد صدر الكتاب بالفرنسية في العام 1974.
    23 ـ هشام جعيط ، المصدر نفسه ،ص 118.
    24 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ( بيروت ،دار الكتاب العربي ، 1997 ) ص 360.
    25 ـ هشام جعيط ، المصدر السابق ، ص 120 .
    26 ـ هشام جعيط ، الفتنة : جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر ، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت ، دار الطليعة ،1991) ص 13، و انظر مراجعة صلاح الدين الجورشي للكتاب في مجلة الاجتهاد ، العدد /13 / خريف 1991 .
    27 ـ هشام جعيط ، أزمة الثقافة الإسلامية (بيروت ،دار الطليعة ، 2000) ص 11.فقد أبدى مخاوفه من نكوص باتجاه الحداثة من شأنه أن يمج الإسلام جملة ؟
    28 ـ هشام جعيط ، أوروبا و الإسلام (بيروت ،دار الطليعة ، 1995)ص 100.
    29 ـ عبد الله العروي ، محاورة فكر عبد الله العروي (بيروت ، المركز الثقافي العربي ،2000) ص 26، 27 .
    30 ـ هشام جعيط ،أوروبا و الإسلام ، ص 102 .
    31 ـ عبد الله العروي ، أزمة المثقفين العرب ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 1974 ) و الكتاب هو فصول من كتاب العروي ( العرب و الفكر التاريخي ، 1973 ).
    32 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ، ص 145 .
    33 ـ عبد الله العروي ، المصدر نفسه ، ص 145 .
    34 ـ عبد الله العروي ، المصدر نفسه ،ص 89 .
    35 ـ المصدر نفسه ، ص 89 ، 90 .
    36 ـ المصدر نفسه ،ص 122.
    37 ـ المصدر نفسه ، ص 122.
    38 ـ المصدر نفسه ، ص 135.
    39 ـ المصدر نفسه ، ص 135 .
    40 ـ خير الدين باشا التونسي ، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ( بيروت ، دار الطليعة ).
    41 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ،ص 145 .
    42 ـ المصدر نفسه ، ص 141 .
    43 ـ المصدر نفسه ، ص 148 .
    44 ـ المصدر نفسه ، ص 157.
    45 ـ عبد الله العروي ، إرث النهضة و أزمة الراهن ، ص 289 ، ضمن كتاب مقدمات ليبرالية للحداثة ( بيروت ، المركز الثقافي العربي ، 2000 ) بالتعاون مع مؤسسة رينيه معوض و مؤسسة فريدريش ناومان .
    47 ـ جمال البنا ، كلا ثم كلا ( القاهرة ، دار الفكر الإسلامي ، 1994 ) و الذي يرى أن القومية العربية صنماً فكرياً .
    48 ـ محمد عمارة ، الدولة الإسلامية ،ص 14 .
    49 ـ المصدر نفسه ، ص 14 .
    50 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
    51 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
    52 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
    53 ـ المصدر نفسه ، ص 176،177 .
    54 ـ المصدر نفسه ، ص 202 .
    55 ـ المصدر نفسه ، ص 203 .
    56 ـ برهان غليون ، الدين و الدولة ، ص 11، 12 .
    57 ـ برهان غليون ، اغتيال العقل : محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية ( بيروت ، دار التنوير ، 1987 ) ص 43 و ما بعد .
    58 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين ، ص 12 ، 13 .
    59 ـ المصدر نفسه ، ص 54 .
    60 ـ المصدر نفسه ، ص 71 .
    61 ـ المصدر نفسه ، ص 89 .
    62 ـ المصدر نفسه ، ص .
    63 ـ المصدر نفسه ، ص 458 .
    64 ـ المصدر نفسه ، ص 486 .
    65 ـ المصدر نفسه ، ص 505 .
    66 ـ برهان غليون ، محنة الأمة العربية : الدولة ضد الأمة ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993 ).
    67 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين ، ص 524 .
    68 ـ برهان غليون ، المصدر نفسه ، ص 525 .
    69 ـ راشد الغنوشي ، الحريات العامة في الدولة الإسلامية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993 ) ص 94 .
    70 ـ راشد الغنوشي ، المصدر نفسه ،ص 93 .
    71 ـ الغنوشي ، المصدر نفسه ، ص 93 .
    72 ـ محمد أركون ، الإسلام : الأخلاق و السياسة ، ص 73 .
    73 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 45 .
    74 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 51 .
    75 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 51 .
    76 ـ محمد عابد الجابري ، المثقفون في الحضارة العربية (بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996 ).انظر الفصل الخاص بمحنة ابن حنبل .
    77 ـ انظر تقديم رضوان السيد لكتاب أبو الحسن الماوردي ، قوانين الوزارة و سياسة الملك ( بيروت ، دار الطليعة ، 1979 ) . كذلك مقدمته عن " صراع الفقهاء على السلطة و السلطان في العصر المملوكي في تقديمه لكتاب الطرطوشي " تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك ) ( بيروت ، دار الطليعة ، 1992 ).
    78 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر ، ص .
    79 ـ محمد أركون ، المصدر السابق ، ص 60 .
    80 ـ الجابري ، المصدر السابق ، ص 11 .
    81 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 71 .
    82 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ،ص 58 .
    83 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 48 .
    84 ـ عزيز العظمة ، العلمانية من منظور مختلف ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1992 ) ص 11 .
    85 ـ عزيز العظمة ، المصدر نفسه ، ص 38 .
    86 ـ محمد جابر الأنصاري ، تكوين العرب السياسي و مغزى الدولة القطرية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994 ) ص 27 .
    87 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 27 .
    88 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 186 .
    89 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 187 .
    90ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 190 .
    91 ـ هنا يكمن الخوف من مكر الخطاب السياسي العربي في سعيه إلى تبرير تصرفات السلطة الاستبدادية العربية ، و ذلك مع العلم أن الأنصاري واع ٍ لذلك .
    92 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر ، ص 11 .
    93 ـ رضوان السيد ، الأمة و الجماعة و السلطة : دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي ( بيروت ، دار إقرأ ، 1986) ص 20 .
    94 ـ محمد جابر الأنصاري ، مساءلة الهزيمة ( بيروت المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 2001 ) ص 105 ، 106 .
    95 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ، ص 359 و انظر إلى جانب ذلك الدراسة القيمة للفضل شلق عن الأمة و الدولة ( بيروت ، دار المنتخب العربي ،1993) و الذي يرى أن تأسيس الجماعة الإسلامية كان مشروعاً سياسياً رائعاً و أن السلطة السياسية تظهر كتدبير لاحق لتدبير الجماعة ص12و13.
    96 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 364.
    97 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 364.
    98 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 360.
    99 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 360.
    100 ـ جهاد عودة و عمار علي حسن ، عولمة الحركة الإسلامية الراديكالية : الحالة المصرية ، 2002 ، ضمن سلسلة " كراسات استراتيجية ، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام ـ القاهرة .
    101 ـ رضوان السيد ، المصدر السابق ، ص 383 .
    102 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 278 ، 279 .
    103 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 287،288.
    104 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 412.
    105 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 412.
    106 ـ العروي ، الإيديولوجيا العربية المعاصرة ، ص 42،45 .
    107 ـ عماد فوزي شعيبي ، دولة الإكراه (دمشق ،دار كنعان ،2001 ).
    108 ـ كمال عبد اللطيف ، في تشريح أصول الاستبداد : قراءة في نظام الآداب السلطانية ( بيروت ،دار الطليعة ، 1999).
    109 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ، ص 386 .
    110 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 385 ، 386 .
    111 ـ كمال عبد اللطيف ، المصدر السابق ، ص165 و انظر الصفحات 228 و ما بعد .
    112 ـ محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ، ص 151 و ما بعد .
    113 ـ الجابري ، المصدر نفسه ، ص 621 .


  5. #5
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي

    (5)

    من آراء الغزالي في الابستيمولوجيا
    إلياس بلكا

    تتجلى عبقرية أبي حامد الغزالي- المتوفى سنة 505هـ- في مظاهر عدة، من أبرزها أن الغزالي إمام لا في علم واحد فقط، بل في علوم شتى،بلغ في بعضها درجة لم يلحقه فيها إلا أفراد قلائل في تاريخ الفكر. لهذا كتب الغزالي في الفقه وأصوله، وفي الفرق وعلم الكلام وفي المنطق والفلسفة، وأيضا في التصوف والتربية.....
    وهذا المقال يهدف إلى التعرف على بعض آراء الغزالي الأساسية في "فلسفة العقل" ونظرية المعرفة، وعلاقة ذلك بمجال العقائد والإيمان ... وهذه القضايا كانت – وما زالت- هامة وحيوية. مدارك المعرفة وترتيبها:
    أعترف الغزالي بتنوع مدارك المعرفة ووجوه الاستدلال والتناظر فهي عنده :
    1. الحساسيات، أي المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة.
    2. العقل المحض.ومثل له الغزالي بمبدأ عدم التناقص، وذلك أن القسمة- من حيث الوجود- ثنائية، قال: فإن أدعى قسمها ثالثا كان منكرا لما هو بديهي في العقل.
    3. التواتر، أي الخبر المستفيض الثابت.
    4. نوع من القياس فيه"يكون الأصل مثبتا بقياس أخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة، إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات". فهذا القياس- إذن- يؤول إلى أحد المدارك الثلاثة السابقة.
    5. السمعيات،أي الوحي.
    6. مسلمات الخصم،في حال المناظرة، حيث"يكون الأصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته،فإنه وإن لم يقم لنا عليه دليل، أو لم يكن حسيا ولا عقليا، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في قياسنا، وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه .
    7. والذوق والمكاشفة الذوقية.

    قال الغزالي- في ترتيب هذه المدارك من حيث سعتها أو أهميتها-: اعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة.فإن المدارك العقلية والحسية عامة مع كافة الخلق... وأما المتواتر فإنه نافع، ولكن في حق من تواتر إليه...وأما الأصل المستفاد من قياس آخر، فلا ينفع إلا مع من قدر معه ذلك القياس... وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر، وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك المذهب. وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه.... وكذلك المكاشفة لا تنفع إلا صاحبها، أو من يقلده فيها.
    لكن الإنسان لا يزود بهذه المدارك دفعة واحدة، بل على التدرج. فهو- في البداية- يكون خاليا لا يعرف شيئا. ثم يعرف العالم- أولا- بواسطة الحواس. وأول ما يخلق فيه منها- يرى الغزالي- هو حاسة اللمس، ثم البصر، ثم السمع، ثم الذوق... ويستمر الطفل معتمدا على حواسه إلى أن يخلق فيه التميز- وهو قريب من سبع سنين- فيجاوز عالم المحسوسات ويدرك أمورا زائدة عليه، وهو طور من أطوار وجوده... ثم يترقى إلى طور ثالث، فيخلق له العقل، وبه يدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات....


    أقسام العقل:

    وهذا أحد أقسام العقل، وهو- إلى حد كبير- العقل المنطقي القائم على مبدأ عدم الجمع بين النقيضين وارتفاع التناقض. وذلك أن الغزالي يرى أن أسم العقل يطلق بالاشتراك على أربعة معان، بل إنه يتفاوت بتفاوت الناس . والقسم الأخر هو الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده المحاسبي حيث قال في حد العقل: إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية، وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لأدراك الأشياء . وسائر الأقسام هي الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجرى الأحوال... الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة... فهذان عقلان: عقل تجريبي، وعقل أخلاقي.



    أصل المبادى الأولية للعقل:

    وذلك كقولنا الكل اكبر من الجزء، ولكل حادث محدث، واستحالة الجمع بين النقيضين ... ونحو ذلك مما اختلف فيه الفلاسفة على رأيين: فمن قائل إنها فطرية تولد مع الإنسان، ومن قائل أنها تكتسب مع الوقت ومن تجارب الإنسان. والألوان اختلفوا، فاعتبر بعضهم أن أصل هذه المبادى إلهين فهي عطاء الخالق لخلقه؛ وقال آخرون : إنها تعود إلى بداهة العقل فلذلك تفرض نفسها بنفسها. ويبدو أن الغزالي متردد بين الرأيين الأخيرين ، أو لعله يرى الأفكار الأولى تثبت بالفطرة الإلهية وبالعقل البدهي معا، أو نقول- في نوع من الجمع بين الرأيين-: إن الفطرة الالهية وضعت في الإنسان هذه المبادى على درجة من السلطة والبداهة لا تترك للإنسان سببا ولا فرصة للشك فيها. ولعل هذا ما يمكننا أن نحمل عليه هذا النص حول العلوم العقلية، قال الغزالي: ونعني بها ما تقضي بها غريزة العقل ولا توجد بالتقليد والسماع. وهي تنقسم إلى: ضرورية، لا يدرى من أين حصلت وكيف حصلت. كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين والشي الواحد لا يكون قديما، موجودا معدوما معا. فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورا عليها، ولا يدري له سببا قريبا، وإلا فليس يخفى عليه أن الله هو الذي خلقه وهداه. وإلى علوم مكتسبة، وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال. وكلا القسمين يسمى عقلا.


    النبوة... طور وراء العقل:

    وإذا كان الحس مجرد مرحلة في الإدراك، يأتي بعدها دور آلة أخرى في التعرف على الموجودات هي العقل... فلا شيء يثبت أن هذا العقل هو آخر المدارك، وأن ليس فوقه طور آخر وإدراك أخر... وهو النبوة. يقول الغزالي:"الأيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات . وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبي مدركات النبوة وأستبعدها.وذلك عين الجهل،إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه... وقد قرب الله تعالى ذلك على خلقه بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة، وهو النوم . وذلك لان في النوم تحدث الرؤيا التي يدرك بها الإنسان بها بعض الغيب، رغم ركود جسم النائم وغيبته عن الوعي. فالمنام يعطينا فكرة عن النبوة،لأنه أسلوب غير معتاد في الإدراك البشري، ليس من جنس المحسوسات ولا المعقولات... وليس لك أن تقول: أنني أقتصر على تصديق ما جربته فقط. لأن هذا- في الحياة- لا يمكن الوفاء به دائما، والإنسان يعجز عن تجربة كل شي بنفسه. ولذلك هو محتاج للنبوة ومضطر إليها، ولو بالتقليد.
    لكن فيم تفيد النبوة مع توفر الإنسان على نور العقل، فإنها إن وافقته كانت زائدة، وإن خالفته كيف نصدقها؟ يجيب الغزالي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم يرد مخبرا بما لا تشتغل العقول بمعرفته، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف؛ فإن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد، ولا يفرق بين المشقي والمسعد، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير. ولكنه إذا عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع، فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء والدواء. ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أخر، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام بمعجزات وقرائن وحالات، فلا فرق. فكلا من الديني والعقل هداية مزدوجة وضرورية للبشر.


    ازدواج العقل والشرع:

    إن الغزالي لا يلغي العقل لصالح الوحي، أو لصالح الإشراق الصوفي. بل للعقل- عنده- مكانته، ولذا تحدث- في الأحياء ، وغيره- عن:شرف العقل .... فلا بد من العقل والشرع معا، قال: لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل. فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور. فإياك أن تكون من أحد الفريقين، وكن جامعا بين الأصليين.... فالعقل مع الشرع: نور على نور... ولذلك حين ذم بعض المتصوفة العقل، أجابهم الغزالي بأن العقل" نور البصيرة التي بها يعرف الله ويعرف صدق رسله، فكيف يتصور ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه. وإن ذم فما الذي بعده يحمد؟ لكن كيف الخروج من حالة اختلاف فحوى النصوص من مقتضيات العقل؟


    قاعدة في تعارض النقل والعقل:

    وقد ذكر الغزالي الجواب على هذا السؤال ضمن قاعدة عامة في علاقة الوحي بالعقل . وذلك أن في الأشياء ما يعلم بدليل العقل دون الشرع، وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما معا. فمثال الأولى: حدوث العالم، ووجود محدثه، وصفاته من قدرة وعلم وإرادة... ومثال الثانية: أمور الآخرة. وذلك أن العقل يجوز وقوع كلا الأمرين، ودور السمع هو تخصيص أحد الجائزين بالوقوع، وذلك حين يعين الوحي الواقع منهما .
    أما ما توارد الشرع والعقل منهما.
    1. إن العقل مجوزا لما أخبرنا به الوحي، فيجب تصديقه، سواء كان السمع قطعيا أم ظنيا.
    2. فإن قضى العقل بالاستحالة... أولنا السمع، أي حملناه على المعنى الاخر الذي يحتمله النص، والذي كان- من قبل- مرجوحا. وذلك- كما قال الغزالي- لأنه"ل لا يتصور أن تشمل السمع على قاطع مخالف للعقول" . والجدير بالذكر أن الاستحالة التي يعنيها الغزالي هي: الاستحالة المنطقية، لا العادية- أي التي تخرق العادة الجارية- ولا الطبيعة- أي التي تخالف مألوفاً في الخارج-، بل التي تناقض تماما المبادى العقلية الأولى.
    3. فإن توقف العقل، فلم يحكم بجواره ولا استحالة، وجب التصديق أيضا بأدلة الوحي، "إذ يكفي في وجوب التصديق: انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالتجويز . أي يقول العقل: هذا ليس بمستحيل ولا أدري هل هو جائز. وإنما لا يحكم العقل على الشرع، لان " العقل قاصر ومجاله ضيق منحصر .


    في نسبية المعرفة البشرية:

    ويضرب الغزالي مثالا لهذا القصور وللحدود التي يخضع لها العقل، فيروي لنا هذه الحكاية: " اعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه. فقالوا لابد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا اليه لمسوه، فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا قد عرفنا. فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فأختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل: إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر، إلا أنه ألين منها. وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول، بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه. وليس في غلظ الاسطوانة أصلا بل هو مثل عمود. وقال الذي لمس الأذن: لعمري هو لين، وفيه خشونة.. ولكن .. ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ. فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه، إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل. فأستبصر في هذا المثال واعتبر به، فإنه مثال أكثر ما أختلف الناس فيه . فالمعرفة البشرية لا تحيط بموضعها من جميع نواحيه، بل تتعلق بأطراف أو أجزاء منه فقط... ولذلك تجد من ينكر أمور الغيب- كنعيم القبر وعذابه- ويستبعدها، لمجرد أنه لم يصادفها في تجارب حياته، ويقول: إنا نرى شخص الميت مشاهدة، وهو غير معذب. ويرد عليه الغزالي بأن هذا ممكن ينكر على النائم أحواله، لأنه يراه ساكنا لا يتحرك. قال: بل الناظر الى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره. ولو أنتبه النائم وأخبر- عن مشاهداته والامه ولذاته- من لم يجر له عهد بالنوم، لبادر إلى الإنكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه...
    فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير أتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالإضافة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب... (ف) ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن ينكر بمجرد الاستبعاد . وهذا منشأ غلط الفلاسفة، قال الغزالي: أكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات مبني على هذا الجنس، فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدروا استحالته .





    خطر العادة:

    وينفرد الغزالي عن كثير من المفكرين قبله بالتنبيه على عامل هام يحد من العقل ومن قدراته، ألا وهو العادة- بما فيها العادة الفكرية- فهي تجعل الوهم يسبق إلى ما ألفة الإنسان واستأنس به، أة رآه، او أقترن – في تجاربه- بأمر ما؛ فقد خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم إجراء العادات . وشرح ذلك الغزالي بما عرف- فيما بعد- بـ الارتكاس الشرطي لبافلوف.
    ولذلك كان بلوغ كمال الموضوعية في النظر إلى الأشياء... أمرا صعبا جدا، قال: وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه. وإن اردت ان تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت له إنه مذهب الاشعري- رضي الله عنه- لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به، مهما كان سيء الظن بالاشعري، إذ كان قُبح ذلك في نفسه منذ الصبا. وكذلك ( العكس، أي تعرض على الاشعري مذهب المعتزلي دون أن يعرف ذلك في البداية)... ولست أقول هذا العوام، بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم... وإنما الحق ضده، وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا، وينظر الى الدليل ويسمى مقتضاه حقا ونقيضه باطلا...



    قصور العقل في الالهيات ونموذج علم الكلام:

    وأكثر ما يتجلى عجز العقل عن الإحاطة بالوجود... في موضوع الإلهيات بصفة خاصة، وشؤون الغيب على العموم. ولهذا لم يتوسع الوحي في إخبارنا ببعض الحقائق الغيبية، مثل صفات الباري، قال الغزالي: لانه "لو ذكر في صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء، لم يفهموه... وبالجملة فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال، أو مما كانت له من قبل. ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره، ثم قد يصدق بأن بينهما تفاوتاً في الشرف والكمال. فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ذلك أكمل وأشرف، فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه، لا على ما أختص الرب تعالى به من الجلال .
    ولا يعتقد الغزالي أن علم الكلام قادر على الوصول إلى الحقائق الامور، قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا،فامسع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبع التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتحقق أن الطرق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لاينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام ... وذلك لأن لعلم الكلام دورا محددا هو تثبيت العقيدة والرد على من يورد عليها شبها عقلية، فأما" كشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه، وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه ألفاظ هذه العقيدة، فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن الشوائب المجادلات . فالتعبد والمكاشفة يقربان حقائق العقيدة أكثر مما تفعله صنعة الكلام.
    ولكن لما كان لهذه الصنعة دورا تقوم به، على كل حال... فإن الغزالي اختار التفصيل في الحكم على الكلام، فقال: "اعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بحمده في كل حال: خطأ، بل لابد فيه من تفصيل. والقدر الضروري منه" أنه لابد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقلن يدفع شبه المبتدعه التي ثارت في تلك البلدة، وذلك يدوم التعليم ( أي لابد من تدريس الكلام لضمان استمراره). ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم، كتدريس الفقه والتفسير... فهو- إذن- فرض كفاية تقوم به نخبة من أهل العلم الذين يحرصون ما أمكن على لجم العوام عن الاهتمام بقضايا هذا العلم.


    الغزالي والفلسفة:
    نقد الغزالي الفلسفة المشائية نقد خبير مطلع، ولم يتهمه أحد بجهلها وجهل مراميها البعيدة. بل إن الغزالي- قبل أن يتفوق في نقد الفلسفة الإغريقية، كما صاغها الفارابي وابن سينا- كان قد تفوق في عرضها وشرحها. ولذلك يعتبر كتابه" مقاصد الفلاسفة" من خيرة الكتب التي ينصح بها المختصون كل من يريد الاطلاع على فلسفة المشائين وفهمها.
    وقد كانت اول مرحلة في النقد الذي قام به الغزالي هو تمييز علوم الفلاسفة، وإعطاء كل علم منها حكما خاصا. فهو-مثلا- حين ذكر الطبيعيات، أورد أقسامها، ومنها ما يتعلق بالأجسام وأحوالها، والمعادن، والنبات، والحيوان، والطب، والفلك، والكيمياء...الخ. وذلك"ليعرف أن الشرع ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها... وليس يلزم مخالفتهم شرعا في شيء من هذه العلوم" . إلا في أربعة مواضع: الأول: حكمهم بأن الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم ضروري لا يتخلف. والغزالي يرى- مع ألا شاعرة- أنه اقتران لا عقلي، وهذه النظرية أخذ بها فيما بعد مالبرانش وهيوم وبعض الوضعين. والمواضع الأخرى سبق ذكرها، كإنكار بعض الفلاسفة لخلود النفس، والبعث الأخروي بالأجساد ...
    فمن الواضح أن هجوم الغزالي كان على الميتافيزيقيا، لا على الفلسفة بجميع فروعها( أيام كانت موسوعية). فقد أعترف الغزالي بقيمة علوم الرياضيات والمنطق والتجريبيات والطبيعيات... في حين وجد أن قسم الإلهيات- في الفلسفة- نموذج مظلم للخبط والخلط. وهذا الموقف جد متقدم، بل- لو نظرنا إليه بمنطق العصر- وجدناه موقفا حداثيا ممتازا. لكن الذين لهم أزمة فكرية تجاه تاريخ الامه وتجاه جسمها الأكبر ومثليهما من العلماء والمفكرين... يرفضون هذا الموقف العقلاني العظيم لأبي حامد وأمثاله، ويرتدون قرونا إلى الوراء، فيفضلون عليه فلسفات اليونان وأحلام افلوطين في" نظرية الفيض"، معتبرين أنها نموذج العقلانية الموؤودة في تاريخ الإسلام. لكنهم إذا قرءوا لكانط، هللو له وصفقوا... برغم أن الغزالي هدم الفلسفة الميتافيزيقية بالشرق، قبل أن يهدمها كانط بالغرب.. وهكذا تنقلب كل الاوضاع راسا على عقب: فنقد الغزالي لمبدأ السببية كارثة أصابت العقل العربي الاسلامي لكن هذا النقد نفسه إذا صدر عن هيوم اعتبر فتحا جديدا في عالم الفكر والفلسفة!
    لقد كان عمق الاختلاف بين الغزالي والمشائين ابستيمولوجيا، فالمعرفة عند هؤلاء لا تأتي من التجربة، بل أصلها ما يسمونه: إشراق الصور العقلية من العقل الفعال على العقل الانساني. ولذلك اعتبروا العقل قوة العقل مطلقة قادرة على النفاذ إلى كل شيء وفهم كل حقيقة... ومن ثم، فهو قادر على الاستقلال بالمعرفة، ولا يحتاج لوحي ولا رسالة... ولا للتجربة... يكفي التأمل... والغزالي يرفض هذا الموقف المتخلف، والذي كان مسؤولا عن تضليل قسم كبير من البشرية، على مستوى الاعتقاد... كما كان مسؤولا عن أود نمو العلم والتقنية، بإلغائه للتجربة، أو تقليله من أهميتها.
    فهنا كان رأي الغزالي واضحا وهاما: إن العقل بطبيعته عاجز عن إدراك حقائق الامور في الالهيات، وليس هذا ميدانه ... بل ميدانه هو العالم المشاهد، والسبيل في فهمه ومعرفته هو التجربة والملاحظة، لا العقل بمجرده.
    ويوجد عامل هام يفسر لنا سبب نجاح نقد الغزالي للفلاسفة، بل- أهم من ذلك- يفسر لماذا لم تلق الفلسفة اليونانية والمشائية قبولا واسعا في البيئة الإسلامية... وهذا العامل شرحه جيدا المرحوم محمود عبد الحليم، حيث قال: إن البحث العقلي في الالهيات أمر طبيعي بالنسبة للمفكرين الذين نشؤوا في أقاليم لم يوجد فيها كتاب مقدس. من الطبيعي أن يوجد في هذه الاقاليم رجال يحاولون ابتداع مذهب فيما وراء الطبيعة. ذلك أن الانسان بفطرته طلعة، وهو يحاول دائما معرفة العلل والاسباب، ويتشوف إلى رؤية المجهول، ويتطلع إلى الكشف عن عالم الغيب. أما في البيئات التي فيها نص مقدس، يحتفظ بنضرته، ولا يشك إنسان في صحته، فإنه من غير الطبيعي أن ينشأ بجوار هذا النص المعصوم اختراعات ذهنية تتصل بعالم الغيب. أن ثمرة التفكير الانساني عرضة للخطأ. والخطأ في الذات الالهية، الخطأ في عالم الغيب- على وجه العموم- فيه خطورة كبيرة. الطريق المستقيم –إذن – هو ألا ينشأ بجوار النص المقدس اختراع عقلي يتصل بعالم الغيب ...

    المصادر والمراجع :
    1. احياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي. طبعة 2، 1992. دار الكتب العلمية، بيروت.
    2. التفكير الفلسفي في الاسلام، لمحمود عبد الحليم. دار الكتب اللبناني، بيروت،1982.
    3. تهافت الفلاسفة، للغزالي. تحقيق سليمان دنيا. دار المعارف بمصر، طبعة 2، 1955.
    4. الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي. دار الكتب العلمية، بيروت.ط1، 1988،
    5. المنقذ من الضلال، للغزالي. مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.ط3، 1991.

  6. #6
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي


    (6)

    بوشكين والقرآن الكريم

    عـرض : حواس محمود

    بوشكين والقرآن الكريم
    تأليف : مــالك صقــور ، دمشق ، دار الحارث ، ط1، 2000م

    يُعد كتاب "بوشكين والقرآن" حدثاً ثقافياً متميزاً ، وإضافة هامة إلى رصيد الاهتمامات الغربية بالثقافة والتراث الإسلامي والعربي ، ويقول مؤلف هذا الكتاب الأستاذ مالك صقور: قلة هم الذين يعرفون بوشكين في وطننا والأقل يعرف أن الشاعر الروسي الكبير هذا قد كتب قصيدة بعنوان"محاكاة القرآن" ، أهتم بوشكين بالقرآن وأعجب به بل شغف به شغفاً عظيماً ، ومن فرط إعجابه تأثر بآياته وبسيرة وشخصية النبي العربي محمد ?، فكتب قصيدة من تسعة مقاطع مختلفة هي بحد ذاتها قصيدة "محاكاة القرآن" موضوع الكتاب .

    الهدف من الكتاب : يرى المؤلف أن الهدف من هذا الكتاب هو تسليط الضوء على تأثير الثقافة العربية الإسلامية في الثقافة الروسية بشكل عام ، وتأثير القرآن الكريم في بوشيكن بشكل خاص ، وتأثر بوشكين بشخصية النبي العربي ?، من خلال إبداعاته التي استلهم موضوعاتها وأفكارها من الثقافة العربية ومن القرآن ومن السنة النبوية .

    روسيا والعرب : تعود علاقة روسيا بالعرب إلى عصور قديمة عصور الفتوحات الإسلامية وعصر الخلافة العربية التي يسرت وصول التجار العرب المسلمين إلى الشمال الروسي (يؤكد على ذلك المؤرخ وول ديورانت صاحب العمل الضخم قصة الحضارة) ، ويؤكد المستعرب الكبير اغناطيوس كراتشكوفسكي أن اسم العرب قد ورد في مخطوط قديم جداً ، يعود إلى القرن الحادي عشر الميلاد هو "حكايا السنين الغابرة" ويقول بأنه نتيجة وصول التجار العرب والمسلمين إلى المدن الروسية ، ونتيجة الاحتكاك مع الشعوب المجاورة التي تعتنق الإسلام ، وكذلك ذهاب الحجاج الروس المسيحيين إلى فلسطين دخلت اللغة الروسية الكثير من الكلمات العربية التي ما زال بعضها يستخدم حتى الآن ، هذا وتجدر الإشارة إلى أنه من الذين لعبوا دوراً هاماً في نقل الثقافة العربية إلى روسيا كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي – الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورغ ، والمستشار "برتبة عقيد" ففي عام 1919م تم الاحتفال بالذكرى المئوية لجامعة سانت بطرسبورغ وقد بدأ بالاستعداد لهذا الاحتفال قبل الثورة ، ويمكننا الاستنتاج – في نهاية هذه الفقرة – أنه منذ مطلع القرن التاسع عشر بدأ تأثير الأدب العربي في روسيا واضحاً جداً فقد كتب سينوفسكي "قصص شرقية" وترجمها إلى الروسية بولدوف ، وقد أعجب بوشكين بها ، وخاصة قصّة "فارس الحصان الأشقر" ص42 .


    الموضوعة العربية في إبداع بوشكين : يرى المؤلف أنه من الطبيعي جداً لشاعر مرهف جداً أن يعكس الجمال الغرائبية ، وسحر الطبيعة التي رآها وعاش في أحضانها ويتأثر بالأعراف والعادات والتقاليد للشعوب الإسلامية التي عاش بينها فترة نفيه في الجنوب ، لكن سرعان ما انعكست حياة الشعوب الإسلامية وتأثرها بالثقافة العربية في أشعار بوشكين وقد تجلى ذلك في قصائد كثيرة نذكر منها "إلى نتاليا" و "إلى أختي" و "أيتها الفتاة" و "الوردة ، مكبل أنا بالأصفاد" .

    ويعتمد بوشكين على "ألف ليلة وليلة" في ملحمته الشعرية الأسطورية "رسلان ولودميلا" والتي كانت سبب شهرته الواسعة وهو في مقتبل العمر إذ يأخذ بوشكين الفكرة الرئيسة التي بني ملحمته عليها من هذه الحكايات (المقصود حكايات ألف ليلة وليلة) والفكرة هي خطف العروس في ليلة زفافها من بين المحتفلين بالعرس ..
    لقد تأثر بوشكين بسيرة الرسول ? فكتب قصيدة بعنوان : "المغارة" يقول فيها :
    "وفي المغارة السرية
    في يوم الهروب
    قرأت آيات القرآن الشاعرية
    فجأة هدأت روعي الملائكة
    وحملت لي التعاويذ والأدعية"
    هذه الأبيات تؤكد مرة أخرى أن بوشكين أطلع على سيرة الرسول ?ويعرف تفاصيل الهجرة ، وقصة لجوء الرسول وصاحبه أبي بكر الصديق إلى غار حرّاء ، وملاحقة المشركين لهما ، ونزول آية 40 من سورة التوبة . ص83 .

    محاكاة القرآن الكريم : تتألف قصيدة "محاكاة القرآن" من تسع مقطوعات مختلفة الــطـول والـبـحـر وتتنـاســب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها بوشكين وأســـس عليها أشعاره ، وقد وضع أرقاماً باللاتينية لهذه المقطوعات من واحد إلى تسعة ، ويسمى المؤلف مقطوعة أو منظومة بدلاً من القول "قصيدة" لأن العنوان العام هو "المحاكاة" .

    المحاكاة الأولى : يستهل الشاعر قصيدته بالقسم مقتبساً شكل القسم الوارد في القرآن الكريم مستخدماً كلمة "أقسم" بدلاً من (واو) القسم ، لأن اللغة الروسية لا يوجد فيها حروف القسم ، وتأكيداً على جواب القسم يتابع الشاعر في الرباعية الثالثة من المحاكاة قائلاً : "ألست أنا الذي سقيتك
    يوم العطش بماء الصحراء؟..
    أما وهبتك لساناً فصيحاً
    وعقلاً راجحاً فوق كل العقول؟
    أما في الرباعية الأخيرة عند بوشكين فيأمره : كن رجلاً شجاعاً ، ولا يكتفى بهذا ، بل احتقر الغش والخداع ، وأجعل الحقيقة هدفك ، اتبعها وبشر به ، والرباعية الأخيرة هي صوت الشاعر ، إذ جعل هذا النداء بروح القرآن ، مخاطباً الثوري في أيامه ليشحذ الهمم ويحرض على الانتفاضة .

    المحاكاة الثانية : يقتبس الشاعر أبيات المحاكاة الثانية من سورة الأحزاب الآيات : 32 ، 33 ، 54 متنقلاً إلى موضوع آخر ، وهو موضوع العظمة والحشمة والخطيئة متخذاً من هذه الآيات مثالاً يُقتدى به ، من حيث تعلم الآداب العامة ، وحسن السلوك ، سواء في موعظة النساء أو في آداب الضيافة وحسن التصرف في حضرة الرسول الكريم ، الذي يكره الثرثارين ، والكلام الفارغ ، وضياع الوقت في التوافه ، فيما يستحي الرسول أن يطلب إلى الضيوف التخفيف من الزيارة أو عدم الإطالة بالأحاديث عديمة الجدوى (ولكن الله لا يستحيي من الحق) ويمكن إيجاز مدلول هذه المحاكاة بأن بوشكين قد حاول أن يدخل إلى الحياة الاجتماعية من خلال تلك الآيات .

    المحاكاة الثالثة : يتناول الشاعر في هذه المحاكاة موضوعين رئيسيين وهما :
    1 – يتناول موضوع التكبر والغرور ، يقول : "لماذا يتكبر الإنسان
    ألانه جاء عارياً إلى هذه الدنيا
    أم لأنه يعيش عمراً قصيراً
    أو لأنه يموت ضعيفاً كما ولد ضعيفاً"

    2 – يتناول في الرباعيتين الأخيرتين من هذه المحاكاة وصف يوم القيامة ، وقد استلهم أفكاره من الآيات 18 و 40 من سورة النبأ ، والآيات 33 إلى 42 من سورة عبس مستخدماً الصورة ذاتها ، وحتى الكلمات دون تعديل تقريباً :"فيهرب الأخ من أخيه
    ويفر الابن من أمه"
    وفي القرآن ?يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه? عبس33

    المحاكاة الرابعة : يستلهم بوشكين هذه المحاكاة المؤلفـــة من مقطع واحــــد وأربعة عشر بيتاً من الآية الكريمة 258 من سورة البقرة ، وتختلف المحاكاة الرابعــة عن غيرها – برأي المؤلف – لأن بوشكين اكتفى بمضمون النص القرآن عدا الأبيات الثلاثة التي يستهل بها هذه المحاكاة التي تدين التكبر والغطرسة ، وجنون العظمة ، والتي كان يكرهها بوشكين ، وربما لهذا اكتفى بمضمون الآية الواضح وعقاب الله لهؤلاء وإذلاله لهم .

    المحاكاة الخامسة : يتابع بوشكين في المحاكاة الخامسة استلهامه لآيات القرآن التي تشير إلى قدرة الله تعالى مثل الآية العاشرة من سورة لقمان ?خلق السموات بغير عمد? ويوشكين يقول : هامدة هي الأرض ، أو ساكنة في حركتها الظاهرية ، مستمداً من قوله تعالى : ?وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون ، وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون? (الأنبياء 31-32) ، ثم ينتقل إلى آية النور بالمعني الديني المباشر ، وبالمعني المجازي ، ثم ينتقل إلى قدرة الله الخالق القادر الذي ينعم على الأرض بالماء والفيء وينتهي في الرباعية الأخيرة :
    "هو الرحيم على محمد
    أنزل القرآن المقدس
    بتنزيله : نقلنا إلى النور
    وانقشعت الغشاوة عن العيون"

    المحاكاة السادسة : يؤسس بوشكين المحاكاة السادسة على آيات من سورة الفتح وعلى آية من سورة آل عمران ، مستلهمماً آيات الجهاد ، من أجل نضاله ونضال رفاقه الذين كانوا يستعدون لانتفاضة شهر كانون الأول التي أطلق عليها "الديسمبربين" .

    المحاكاة السابعة : تختلف المحاكاة السابعة عن غيرها ، إذ لا يستخدم الشاعر التربيع ، ويكتفي بمقطع واحد من أثنى عشر بيتاً وشطراً وتأتى بعد ، النصر ، والفتح ، فيقدم الشاعر صورة الرسول المنتصر ، مفرقاً بين (صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق) أي مبشّراً بالنصر ، وبدخول المسجد الحرام ، وبين الرؤيا المخادعة والمخاتلة ، والأفكار الحزينة ، وتأتي مرحلة الاستقرار النفسي ، وعلى الرسول المجاهد والمحارب والمنتصر ، أن يقوم للصلاة ، ويتفرغ لقراءة القرآن الذي يطلق عليه الشاعر (الكتاب السماوي) ، وتارة أخرى يطلق عليه : القرآن .

    المحاكاة الثامنة : يؤسس بوشكين هذه المحاكاة على الآيات التي تركز على العطاء وعلى الصدقات والزكاة وعلى فعل الخير ، كما ويركز على يوم الحساب الرهيب ، يوم يتساوى الجميع أمام الحق وعلى الصراط ، ولا يشفع عند الله إلا عمل الخير ، من هنا جاء شعر بوشكين وقد فهم يوم الحساب ، يوم القيامة حيث يقول :
    "وفي يوم الحساب الرهيب يتساوى الحقل والغيم
    ايه يا ناشر الخير
    نتائج أعمالك ستعود إليك"

    المحاكاة التاسعة : هذه المحاكاة الأخيرة جاءت في ستة مقاطع ، كل مقطع من ستة أبيات ، على خلاف سابقاتها ، وقد أخذ الفكرة من سورة البقرة والكهف ... وفي هذه المحاكاة حاول بوشكين أن يصور عام السبيل في الصحراء تصويراً واقعياً حيث يلقى كل عابر سبيل في الصحراء المصير ذاته ، فالقيظ الشديد ، والعطش ، وفقدان الماء ، وكثافة الغبار ..



    دوافع اهتمام بوشكين بالقرآن
    يعيد المؤلف أسباب اهتمام بوشكين بالقرآن الكريم إلى اربعة أسباب هي :
    السبب الأول : يعود إلى اهتمام أوروبا بشكل عام ، واهتمام روسيا بشكل خاص بالمشرق العربي وثقافته ، وبو شكين بالذات كان على دراية تامة باهتمام أوروبا ومنها روسيا بالثقافة الشرقية والإسلامية والعربية .

    السبب الثاني : يعود إلى دوافع ذاتية تتعلق بأصول بوشكين الشرقية – الأفريقية الإسلامية وجذوره ، ونسبه ، إذ ينّحدر بوشكين من جهة أمه من أصول أفريقية – إسلامية ، فجّد أمه هو الزنجي إبراهيم هانيبال الذي خلده بوشكين باشعاره ، وكتب عنه رواية قصيرة بعنوان "عبد بطرس العظيم"

    السبب الثالث : يتعلق بموهبته وقدراته العقلية التي كانت بلا حدود من حيث استيعاب ثقافات أخرى تغني الثقافة الروسية ، وتفاعلها في ذهنه ليغني من ثم الشعر القومي الروسي بخلاصة هذه الثقافات والحضارات الأخرى التي اطلع عليها ومنها الثقافة العربية الإسلامية الغنية التي كانت أوروبا ومنها روسيا ، تفتقر لهذه الثقافة الواسعة بنماذجها الخيرة ، وصورها الإبداعية الرائعة .

    السبب الرابع : وهذا السبب يتعلق بالزمان والمكان ، ويعني ذلك المناخ السياسي والوضع الاجتماعي ، والحالة النفسية للشاعر ص142 .

  7. #7
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي


    (7)

    استشراق إداورد سعيد وعلاقات الشرق بالغرب دراسة في النص والوعي والواقع

    رضوان السيد

    1
    في فصل بكتاب: "تغطية الإسلام"، حاول إدوارد سعيد أن يدلل ظاهراً على نقيض الفكرة التي جهد لإثباتها في "الاستشراق". قال سعيد: إنّ المستشرقين ما خانوا المصادر التي دخل من خلالها الوعي الأميركي بالإسلام. بل إنّ هذه المعرفة مهما بلغ من ضآلتها وتشوشها إنما جاءت بسبب الربط بين الإسلام والقضايا المهمة إعلامياً كالنفط أو إيران أو أفغانستان أو الإرهاب. ويرجعُ ذلك لأمرين: فالمختصون لا يقرؤهم غير المختصين، ثم إنّ أكثرية المستشرقين ما كانت ذات مستوى فكري متميز بحيث تصبح آراؤهم ملحوظة. وباستثناء كتاب مارشال هودجسون: "مغامرة الإسلام" ما كان هناك –بحسب إدوارد سعيد- كتابٌ علميٌّ شاملٌ عن الإسلام وحضارته في مكتبات الولايات المتحدة حتى مطلع الثمانينات1.
    لكنه، حتى وهو يحاول (في كتاب: الاستشراق) أن يثبت سواد "الرؤية الاستشراقية" للشرق، أي الصورة الناجمة عن الامتلاك الاستعماري، ما كان يذكر الذين نعرفهم تحت هذا المصطلح من المختصين بفيلولوجيا اللغات الشرقية، وتاريخ الشرق؛ بل يذكر أمثال الروائي فلوبير وكرومر وآرثر بلفور ولورنس ولامارتين وكامي ودزرائيلي وكونراد وكبلنغ. وهؤلاء سياسيون وشعراء وروائيون وموظفون استعماريون، وقد تشاركوا جميعاً وتعاقبوا عبر قرنين من الزمان في صنع الشرق المستعمر أو الصورة عنه. أما المستشرقون (بالمعنى المتعارف عليه) من سلفستر دي ساسي وإلى فستنفلد وماكدونالد وغولدزيهر.. وشاخت وهورغرونيه وماسينيون وهاملتون غب - فليسوا أكثر من كاريكاتير أو أنهم قاموا بجهودٍ "شبه علمية" لتثبيت الصورة المصنوعة أو بلورتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى ستينيات القرن العشرين. فالاستشراق عقليةٌ Mentality إذا صحَّ التعبير، وليس تخصُّصاً لأنّ المتخصصين ما صنعوهُ أو طوروهُ، بل هم عملوا واعين أو غير واعين في خدمة سلطان القوة، واضعين على وجوههم أقنعة الأكاديمية والمعرفة!
    ومع ذلك؛ فإنّ بين المستشرقين (الهامشيين أو المهمَّشين في الثقافة الغربية، وفي التأثير) أشراراً لا يمكن التغاضي عنهم أو المغفرة لهم. وإدوارد سعيد يمثلُ لهذا الصنف بعدة شخصيات أهمها إدوارد دلين وإرنست رينان قديماً، وبرنارد لويس وغرينباوم حديثاً، وبين هؤلاء الأوباش شخصيتان إشكاليتان هما لويس ماسينيون وهاملتون غب. وتطوف من حول المحاور الثلاثة شخصياتٌ أكاديمية كثيرة تقترب إلى هذه الدرجة أو تلك من أحد الأقطاب طوال المائة عامٍ الأخيرة. يرى سعيد أنّ المؤسِّس للاستشراق "العلمي" كان سلفستر دي ساسي. أمّا رينان فهو ممثل الاستمرارية، وهي استمراريةٌ أثريةٌ إذا صحَّ التعبير، لأنها تستند إلى حفريات اللغة ودثائرها. فاللغة لدى رينان والفيلولوجيا (علمها): "هو العلمُ الدقيقُ للموجودات الذهنية. وهو يقومُ من العلوم الإنسانية مقام الفيزياء والكيمياء من العلوم الفلسفية"2. وهنا تحدثُ الواقعةُ التي تتجوهرُ عندها الأشياء، فاللغة أو فقهها ليس أداةً للتاريخ، إدراكاً وتدويناً وحسب؛ بل يكاد التاريخ أن يكونَ أداةً لها. وبذلك تستحيل الفكرة التطورية التي سادت النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ليس في فهم التاريخ وحسب؛ بل في سائر حقول علم الإنسان. وليس من همّنا هنا دراسة كيفية التحاق علم اللغة بوضعانية أوغست كونت؛ بل المهمُّ –في نظر إدوارد سعيد- كيف أثرت هذه الرؤية في شلّ علم التاريخ أو تجميده جزئياً في المجال الشرقي الاستشراقي على الأقل. كان الانتباهُ متوجهاً إلى الضربات التي وجهها علمُ اللغات إلى إلهية اللغة (اللغة العبرية على الخصوص)، لكن الإصابة نزلت أيضاً بالساميين أنفسهم بوصفهم بشراً. فمن خلال علم الساميات المقارن راح رينان يصدر أحكاماً على الإنسان السامي. وهكذا صار العرقُ السامي عرقاً غير مكتمل... فهو يفتقر إلى ذلك التنوع، وذلك الثراء الذي يعرفه العرق الهندو- أوروبي... والأمم السامية لم تعرف إلا جردة ضئيلة من الإبداع المخصب.. هي أممٌ في حالة تثبيت طفولي، كما تدل على ذلك بدائية لغاتها3.

    2
    يصل إدوارد سعيد بعد قراءة طويلة في كتب رينان عبر خمسين عاماً، واقتباسات دالة منها على أنّ السياسيين الاستعماريين أفادوا من بحوث رينان، كما أفاد هو من التقدم في العلوم الطبيعية والاجتماعية. لكن هل يمكن بعد هذا الاستنتاج اعتبار رينان هامشياً ومقلداً؟ سعيد حاسمٌ لجهة أهميته في علمنة "فقه اللغة"، وعلمنة "حياة المسيح"، وتمركزه ضمن "التقليد الرئيسي" للعلم الاجتماعي والتاريخي الفرنسي. فهل يمكن القولُ إذن بأنّ الاستشراق تحول أواخر القرن التاسع عشر إلى "تخصص"؟ نعم، ولا. نعم من حيث تحديد ذاك العلم بوصفه قائماً على فقه اللغة والتاريخ، أو اللغة التي تتخذ من التاريخ أداةً لها! وأما "لا" فتأتي من أنّ الصورة أو الوظيفة التي وضعها المستشرق لنفسه، ما كانت من اختراعه، ولا بقيت مصونة وراء أسوار الأكاديميا، كما أنّ "الاستشراق" ظلَّ كلَّ شئ من تاريخ الهند وإلى تاريخ الفراعنة، فاللغات السامية، وفلسفة الحياة الصينية، والديانات الأسيوية الكبرى!
    بيد أنّ إشكاليات التقليد والمؤسسة تتعرض للتصدع عندما نصل مع إدوارد سعيد إلى سيرة وإنتاج الشرير الأكبر برنارد لويس! يصل إدوارد سعيد للقبض على لويس من خلال مقالة لفاتيكيوتس ضد اليسار وأفكاره الثورية. ويكون علينا هنا أن نلاحظ أنّ إدوارد سعيد يهاجم في فاتيكيوتس ولويس ما ليس استشراقياً بالتحديد. ثم إننا معهما نكونُ قد تجاوزنا الحرب العالمية الثانية ودخلنا في الحرب الباردة، وهذان يمثلان الوجه اليميني والكريه والرجعي لها. فاتيكيوتس يستشهد بمقالةٍ للويس عن "الثورة"، وأنّ المفرد يستدعي بالعربية الهياج والثوران والثور، وإثارة الفتنة4. ولأنّ "لويس"، المعادي بالتأكيد للثورية العربية، يسرف في إيراد التعبيرات المعجمية التي تعنيها كلمة (ثورة)، ويذكر من بينها: ثار الجمل إذا نهض؛ فإنّ سعيداً يفقد صبره معه، ويقول : إنه يريد من وراء ذلك تحقير العرب، والإلماح إلى قصورهم عن القيام بأي عمل جادٍ وصولاً إلى اتهامهم بالعجز الجنسي5! والواقع أنّ "لويس" لا يكره العرب ولا الإسلام، لكنه يمينيُّ صهيونيُّ، كان ينعى على العرب عندما كانت القومية العربية هي أيديولوجيا الصراع مع إسرائيل، وهو ينعى الآن على الأصولية الإسلامية؛ لأنها صارت بدروها معتقد المواجهة. بيد أن تكتيكاً جديداً داخل فكره في التسعينات، فهو الآن يسرف في امتداح الإسلام الكلاسيكي والعثماني، ويذهب إلى أن المسلمين المحدثين هم الذين أساءوا، وليس الإسلام! وهكذا فإدوارد سعيد يدين "لويس" وبحق بسبب موقفه السياسي المنحاز وغير الإنساني في الصراع بين العرب وإسرائيل، وقبل ذلك في موقفه من الاستعمار الذي يعتبر أنه كان خيراً على العرب مقارنة بحكوماتهم الثورية والتوتاليتارية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي. على أنّ "لويس" شأنه في ذلك شأن أستاذه هاملتون غب لا يحب أن يسمى نفسه مستشرقاً، بل يقول : إنه مؤرخٌ مهتمٌ بالشرق الأوسط أو مختصٌّ بتاريخ هذه الناحية من العالم. بيد أنّ أحكامه القيمية بدت أكثر فجاجة لإيثاره "التاريخ الثقافي" على "التاريخ السياسي"، وميله في كتاباته إلى نمط المستشار والخبير، وليس الأكاديمي الصرف، وإن لم يستشره أحدٌ فيما يبدو إلا بعد 11سبتمبر 2001م .
    وإذا كان إدوارد سعيد واثقاً من رؤيته لبدايات "الاستشراق" السلبية مع أمثال وليم لين ورينان، ولتطوراته العصرية مع غوستاف فون غرينباوم وبرنارد لويس- فإنه ليس كذلك بالنظر إلى مرحلته الوسطى –إذا صحَّ التعبير- مع هاملتون غب ولويس ماسينيون. هاملتون غب ، البريطاني، المولود بمصر- نموذجٌ لابن االمؤسسة الأكاديمية الإنجليزية، وللحفاظ على تقاليدها. وإدوارد سعيد معجبٌ بنزاهته ودقته في أحكامه، لكنه لا يحب مؤسسته ولا سلطته المرجعية البارزة6. كما لا يحب له احترامه للتقليد الكلاسيكي الإسلامي. ولكي يكون واضحاً ما أقصدهُ أذكر رأي غب في تقدم الفقه في الاعتبار على علم الكلام لدى المسلمين من أهل السنة، كما أذكر رأي غب في التطورات الحديثة لحياة المسلمين الاجتماعية والثقافية، وكيف أنها غريبة عن التقاليد الإسلامية الأصيلة7. إدوارد سعيد يرى ذلك كله كلاماً فارغاً أو متحذلقاً أو واهماً من جانب غب التقليدي، الذي يملك صورة ثابتة واستشراقية عن الإسلام والشرق. ولست أرى في الأمرين، سواءٌ أكانا صحيحين أم مخطئين حرجاً ولا مذمةً ولا عقلية استشراقية من نوعٍ خاصّ. وإذا تجاوزنا هذه النظرية الأولية نجد أنّ الحكم الأول بتقدم الثقافة الفقهية على ما سواها في الإسلام السني الكلاسيكي صحيحٌ إلى درجةٍ كبيرة، وهكذا لا يستحق غب ولا هورغرونيه أو شاخت الإدانة أو التخطئة من أجل ذلك. ثم إنّ الفقه المصعد عقدياً هو السائد في الإسلام الأصولي المعاصر أيضاً. وبذا يكون سخط إدوارد سعيد هنا منصباً في الحقيقة على الإسلام السني الأكثري الذي يزعجه بتقليديته، كما أزعج الإصلاحيين والسلفيين المتشددين في العصور الحديثة على حدٍ سواء. فالصورة "التقليدية" لإسلامٍ مرتبٍ وهانئٍ ومنفتحٍ ومطمئنٍ إلى نفسه وقدراته أثارت إعجاب غب الارستقراطي البريطاني، بقدر ما أثارت سخط إدوارد سعيد الطليعي النخبوي الثوري. وهكذا يكون مفهوماً لماذا يتأمل غب زوال ذلك الإسلام بحزن وأسىً، في حين يعود سعيد لاتهام غب بالنوستالجيا والاستشراق لأنه أسي على ذلك الإسلام المنقضي. وقد كان الإنجلوسكسونيان هاملتون غب وولفريد كانتويل سميث في الخمسينات مترددين بشأن قدرات الإسلام التحديثية أو إمكان تجديد التقليد الإسلامي. والواقع أنّ الأمرين مختلفان. فالرجلان ما كانا يقولان بوجود ثابتةٍ جوهريةٍ يتمحور حولها الإسلام، ويضيعُ بتحطمها أو ضياعها. لكنهما كانا يشهدان فوراناً إسلاميّاً بالهند وإندونيسيا والمشرق العربي، لا تستوعبه محاولات تجديد تقاليد المذاهب الإسلامية. بل إنّ سميث (الذي كان يراقب متغيرات الإسلام الهندي) تنبه إلى أنّ هذا "القلق" الإسلامي يقطعُ على نحو ما مع التقليد بطرائق تذكر بالأصوليات البروتسانتية. وقد أزعجت تلك الثورية الإسلامية القاطعة كلاً من سميث (أستاذ الدين المقارن)، وغب (المؤرخ والمستشرق)؛ في حين كان التخوف من الثورية لديهما مبرراً للإدانة والاتهام بالاستشراقية من جانب إدوارد سعيد.
    ولندع أكاديمية غب الهادئة، وثقافة الحرب الباردة لدى لويس للحظات، لنتأمل المستشرق الإشكالي الآخر الذي كان مثار إعجاب إدوارد سعيد، أعني لويس ماسينيون ماسينيون الذي حضر دروس إرنست رينان في شبابه كان شيئاً آخر تماما! فهو المثقف المتضلع بلغاتٍ كثيرة، والمتناول من شتى العلوم بطرف، والعميق بكاثوليكيته، تقلب بين الأديان والثقافات والتقاليد الروحية، وآمن بالتقليد الروحي الإبراهيمي المؤاخي بين الديانات الثلاث المتنافرة. وكتب في كل شيء له علاقة بالإسلام من خطط الكوفة وإلى استشهادية وصلب الحلاج. عالي الحساسية ودقيقها، متوقد الوعي، ورافقه طوال حياته قلقٌ روحي غلابٌ يتدفق فيصل إلى العذاب المرّ أو الطمأنينة الحالمة8. وقد أعجب إدوارد سعيد فيه كلَّ ما أزعجه في هاملتون غب دون أن يتخلى عن النزاهة أو الأكاديمية. ما ذكر سعيد مثلا أنّ ماسينيون عمل في شبابه مع المخابرات والسلطات الفرنسية بالمشرق. مع أنّ تلك السنوات من حياته هي التي وضعته في تماس مع لورنس العرب، كما قيل، والذي كان بدوره يعمل للسلطات الاستعمارية البريطانية. بيد أنّ هذا ليس وجه الشبه الوحيد أو الرئيسي بينهما، بل هو القلقُ الروحي الغلاب الذي يدينه سعيد لدى لورنس، ويقدره لدى ماسينيون. ماسينيون تمرد على المؤسستين: السياسية والأكاديمية، وظل مرجعية كبرى لديهما وفيهما. بينما لفظت المؤسسة البريطانية لورنس، ومات منزوياً في حادث لو لم ينزل به لانتحر ولا شك. وكما أطربت سعيداً في ماسينيون تمرداته على المؤسسة - أطربه فهم ماسينيون التجاوزي للإسلام. كما أعجبه خروج الرجل على السننية السنية من طريق الانغمار في روحانيات وشطحات وانتحاريات المتصوفة والمجذوبين وشهداء العشق الإلهي والقمع السلطوي. لكنْ ما لا يعرفه سعيد عن ماسينيون أنّ الرجل كان معجباً بالورعية الحنبلية المتشددة بقدر إعجابه بتهويمات الشبلي والحلاج وابن سبعين! فالإبراهيمية عند اليهود والمسلمين نصٌّ وتقليد، وعند المسيحيين نصٌّ متجسد، وما كان بوسع ماسينيون أن يضيع أحد الركنين أو يتجاهله، وإن ظلت عواطفه مع الروح المتجسد! وماسينيون عند إدوارد سعيد لا يخضع للأحكام التي يمكن للمرء أن يصدرها على الاستشراق، لكنه ما كان ليصل إلى تلك الآفاق المجهولة، لو لم يبدأ مستشرقاً.

    3
    حدد إدوارد سعيد "الاستشراق" باعتباره ذلك التبادل الحيوي بين مؤلفين أفراد وبين المؤسسات السياسية الواسعة التي شكلتها الإمبراطوريات الكبرى الثلاث: البريطانية والفرنسية والأميركية، التي أنتجت الكتابة الاستشراقية ضمن حدودها الفكرية والتخيليــــة9. وهو أراد أن يثبت في كتابه عنه أن الإسلام قد صور جوهرياً تصويراً سيئاً في الغرب10 (من خلال الاستشراق؟) وهذه السياسات الإمبراطورية المستمرة من نوعٍ ما هي السبب الرئيسي في العلاقة الفاسدة فساداً سرطانياً بين "الشرق" و"الغرب"، لكنْ ما دورُ الاستشراق في ذلك؟ وعندما نسأل عن دور الاستشراق فنحن نعني به بالتحديد التخصص الأكاديمي الكتابي المعروف، أو ما آل إليه وأوشك أن يكتمل عنده ما بين منتصف القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين. وهو التخصص الذي يتخذ من الفيلولوجيا والتاريخ أساسين للعمل الأكاديمي في تصوير الحياة والثقافة في حضارة المشرق في القديم في الأصل، واستطراداً حتى مشارف العصور الحديثة. ولأن إدوارد سعيد يكرهُ النمذجة على طريقة ماكس فيبر (1864-1920م) لم يلتزم إلا بالتحديد العام: العقلية الاستعمارية، والتبادل الفعال بين الأفراد والمؤسسات السياسية. لكنه قال : إنه مهتم بالدرجة الأولى أو بالجزئيات وبالبحث الميداني في التفاصيل، والتفاصيل الدقيقة. وفي التفاصيل الدقيقة نصل إلى نوعٍ من الاستقراء الناقص يتنوعُ فيه "الاستشراق" بقدر ما يتنوع الأفراد، وتتنوع كتاباتهم. وهنا ندخل في البحث عن الجدلية الحوارية بين الوعي والنصّ والواقع. الواقع –كما يقول سعيد- تمثيل وتصوير، وهكذا فهو شكلٌ من أشكال الوعي؛ يزيد من تعقيداته إعادة تركيبه من خلال نصٍ فيه المسكوت عنه واللا مفكر فيه. بل إنّ النصًّ لدى إحدى مدارس النقد الأدبي قناع. ولذلك هناك سؤالان أو استشكالان على نص إدوارد سعيد في "الاستشراق": طبيعة "المعرفة" الاستشراقية الأكاديمية، ودور تلك "المعرفة" في سوء علاقة الغرب بالشرق. فبالنسبة للاستشكال الأول يبدو لي أنّ للمعرفة شروطها وإرغاماتها. ولو تحدثنا عن مصادر المعرفة (الاستشراقية) في نطاق الإسلام الكلاسيكي مثلاً لوجدناها تستند إلى المصادر الأصلية التي تكتمل تدريجياً مع التعرف على المخطوطات العربية ونشرها الكثيف من جانب المستشرقين طوال أكثر من قرن. وهذا جانبٌ مهم لم يتناوله سعيد بالدراسة مع تأكيده على أهمية الفيلولوجيا في الاستشراق. بل إنَّ الأمر تجاوز ذلك كما هو معروف ليشمل كلَّ العلوم التاريخية في القرن التاسع عشر، والتي استندت إلى الفيلولوجيا، وفقه اللغات الهندو أوروبية، واللغات السامية.. إلخ. والألمان، مؤرخين ومستشرقين، أهمُّ حملة المنهج التاريخاني، وقد تجاهلهم إدوارد سعيد تجاهلاً شبه تام. وبذلك ازداد نقص الاستقراء عنده، ليس لأنه لا يعرف الألمانية؛ بل لأسباب تتعلق بمنهجه ذي الخطوتين الأساسيتين: جدلية السلطة (الاستعمارية هنا) والمعرفة، ونقض الموروث (العلمي) الاستعماري (ليس في الاستشراق فقط بل في الأنثروبولوجيا والأدب والفلسفة والتاريخ والدين). فالسلطة –بحسب فوكو- تحدّد المعرفة أو المعارف إلى حد كبير، والمعرفة المنتجة بالشروط السلطوية تعود لتشارك في تحديد الوعي والتصرف. وقد افتقد الألمان (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على الأقل) أحد ركني هذه الجدلية، حيث كانوا منهمكين ليس في بناء إمبراطورية خارج الإشكالية التي كانت مختلفة إلى حدٍ ما لدى البريطانيين والفرنسيين من جهة، والألمان من جهةٍ ثانية آنذاك، فقد رأى سعيد أنه من الملائم لأطروحته: سلطة/ معرفة الاستشراق، أن يتجاهل الألمان باستثناء المرور العابر على أسماء بعض مشاهيرهم مثل رانكه وبيكر.
    ودعونا نعتبر أنّ الفيلولوجيا تقنية وأداة، وليست أيديولوجيا، مع أنها كانت أكثر من ذلك كما يلاحظ سعيد لدى دي ساسي ورينان وغيرهما. فماذا عن الثقافة والوعي؟ لقد كان المستشرقون الأوائل (ألماناً وغير ألمان|) أوروبيين في الثقافة والوعي، وفي فهم التاريخ ومعناه ووظائفه، وفي ارتباط ذلك بالدولة سواءٌ في تاريخهم للرومان أو للإمبراطورية الرومانية المقدسة أو للمسلمين. وبسبب ارتباط التاريخ أو الكتابة التاريخية بالدولة، نجد أنّ الاستشراق (العلمي) نشأ في فرنسا (على يد دي ساسي)، وفي بريطانيا على يد "إدوارد لين" حيث كانت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا تنشئ إمبراطورية تحتاج في استكشاف آفاقها، وإدارتها إلى معرفة. ونحن نعلم أنّ فلايشر وفيشر - المستشرقان الألمانيان الكبيران ذهبا إلى باريس للدراسة عند سلفستر دي ساسي، الذي درس عليه رفاعة الطهطاوي أيضا. كما نعلم أن سنوك هورغرونيه أحد أهم المستشرقين الهولنديين، كان خبيراً لدى سلطات بلاده الاستعمارية، في إندونيسيا. وهكذا، ألا يتيح ذلك لإدوارد سعيد ولنا اعتبار الاستشراق (بالمعنى الأكاديمي، وليس بمعنى العقلية العامة) مثل الأنثروبولوجيا، علماً استعمارياً؟ بحيث نستطيع ممارسة النقد الاستعماري عليه بالمعنيين: معنى المعرفة/ السلطة، ومعنى الوعي العام بضرورة إنتاج نصوص ذات توظيف خاص؟! إدوارد سعيد يكرر في ثمانية مواضع من كتابه أن المستشرقين الأكاديميين كانوا هامشيين ومتخلفين باستمرار تقريباً ولجهتين: لجهة مناهجهم العلمية، ولجهة مواقعهم الثقافية والسياسية في بلدانهم. فالمؤثرون والمتميزون في الاهتمام بالشرق كانوا غالباً من السياسيين الاستعماريين أو الرحالة أو المبشرين أو الرومانسيين من الروائيين والشعراء والرسامين. وقد أنتج هؤلاء معارف وإبداعات كانت لها علائق فعلاً بالسلطة (السياسية والمعرفية). وإذا تركنا تهمة التخلف والجهل التي يؤكد عليها سعيد، جانباً - نجد أن الهامشية الأكاديمية تعطي حرية معتبرة وإن تكن نسبية طبعاً، بسبب ضعف الرقابة أو انعدامها.
    بيد أن الأجواء الثقافية العامة تظل حاسمة التأثير، وهذه تتصل بالوعي وبالثقافة، لا بالدولة وسياساتها في الغالب. وهكذا فإذا لاحظنا وعلى مدى مائة عامٍ تقريباً ما بين أبراهام غايغر (1837م)، وفلهام رودلف (1927م)، بل بعد ذلك، رفض اعتبار القرآن كتاباً مستقلاً يمكن فهمه بتأمله داخلياً؛ فإن ذلك يعود للثقافة والوعي، وليس للنظرة الاستعمارية أو التمييزية الاثنية، وكذا الأمر في الكثير من الأطروحات الأخرى التي ظلت سائدة لزمن طويل رغم توافر المصادر، والتقدم في مناهج القراءة والمناهج التاريخية الجديدة. وإدوارد سعيد الذي يصدر أحكاماً شاملة أحياناً، يصغي أحياناً أخرى لوقع وقائع الخصوصيات والفرديات؛ من مثل ما تصرف به إزاء موضوع دراسته المحبب كونراد، وإزاء ماسينيون.

    تبلغ العلاقات بين الغربين الأميركي والأوروبي من جهة، والعرب والمسلمين من جهة ثانية إحدى أكثر مراحلها خطورة وتوتراً. وفي ظروف كهذه يكون من المفيد (بل من الضروري) القيام بكشف أو جردة حساب. وهذا ما حاول إدوارد سعيد القيام به في كتابيه المهمين: الاستشراق (1978م)، والثقافة والإمبريالية (1993م). بيد أن "الاستشراق" ولا شك ليس العامل الثقافي الأول أو الثاني أو الثالث في توتر العلاقة وفسادها. وقد ظل نقاد الثقافة الاستعمارية يتناقشون طوال أكثر من خمسين عاماً في ماهية الاستشراق الأكاديمي هذا، وهل هو تخصص أو فرع من فروع الدراسات التاريخية. والمعروف أن خصوصيته في الأساس ما جاءت من ارتباطه بالاستعمار أو بالمعرفة الضرورية للمستعمرين؛ بل من ارتباطه بفقه اللغات السامية، ثم من صعود فكرة المجالات الثقافية المستقلة (الانثروبولوجيا الثقافية)، فدراسات المناطق. وبعد كتاب إدوارد سعيد الإداني الماحق ما عاد أحدٌ يريد أن يسمى مستشرقا وبخاصة الشبان الذين يدرسون الآداب العربية، أو يقدمون قراءات جديدة للنص القرآني أو الكتابة التاريخية العربية أو الفنون الإسلامية أو الحركات الإسلامية الراهنة.
    في محاضراته المجموعة في كتيب بعنوان: "تعقيبات على الاستشراق" يشير إدوارد سعيد إلى برنارد لويس ومايكل كوك وباتريشيا كرون ومارتن كريمر ودانييل بايبس في سياقٍ واحد11. والواقع أن برنارد لويس تاريخاني من المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية، أما تلامذته هؤلاء وغيرهم فهم من سنخ آخر، وهم يسمون أنفسهم نقديين جذريين. لقد انتهى الاستشراق التاريخاني، وإدوارد سعيد أحد أولئك الذين أسهموا في إنهائه؛ بالإضافة لثورة العلوم الاجتماعية، والعلوم التاريخية، وحاجات الدول إلى الخبراء والمستشارين المباشرين فعلاً، وتصاعد موجات العداء للعرب وللإسلام. إن ما نشهده في العقدين الأخيرين من دراسات حول الإسلام القديم والحديث يشكل بمجمله تحولا من الاستشراق التاريخاني إلى الأنثروبولوجيا. وإرنست غلنر الذي لا يحبه إدوارد سعيد، هو أحد أولئك الرواد المنظرين للمستشرقين الجدد، أو لدعاة أنثروبولوجيا الإسلام. وما كان الاستشراق التاريخاني بالغ العظمة بحيث يستحق الترحم عليه؛ لكن مناهج أنثروبولوجيا الإسلام، والتي حمل عليها طلال أسد منذ زمن طويل، تنذر وسط الظروف الراهنة بأن تكون مطيــة لدعاة "الحرب على الإسلام" في الغربين الأميركي والأوروبي12.


    _______________________

    1 إدوارد سعيد: تغطية الإسلام. ترجمة سميرة نعيم خوري. مؤسسة الأبحاث العربية، 1983، ص47-48. وقارن بص، 38-40 حيث يجري الحديث هناك عن ف.س.نيبول. ويتحدث سعيد مرةً أخرى عن نيبول في: تأملات حول المنفى. ترجمة ثائر ديب، الجزء الأول، دار الآداب، ص ص87-92، وثالثة في: الثقافة والإمبريالية، ص 321-322.
    2 الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء. ترجمة كمال أبوديب. مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1981، ص153. وقارن عن علاقة رينان الأفغاني من وجهة نظر سعيد: الثقافة والإمبريالية، مرجع سابق، ص319-320.
    3 الاستشراق، مرجع سابق، ص ص 164-168.
    4 يخطئ المترجم كمال أبو ديب هنا فيذكر العجي، والمقصود به عند لويس: عضد الدين الإيجي صاحب "المواقف العضدية" في علم الكلام (الاستشراق، ص312).
    5 الاستشراق، ص ص 312-317. ويعود سعيد لذكر لويس في: تعقيبات على الاستشراق، ترجمة صبحي الحديدي، بيروت 1996، ص ص116-120.
    6 وقارن بالثقافة والإمبريالية لإدوارد سعيد، ترجمة كمال أبو ديب، الطبعة الثانية، 1998، ص ص 368-370 حيث يثني على مشروع أدونيس الثوري في قراءة التراث، ومصارعة "التقليد المتحجر"!
    7 الاستشراق، ص ص 276-284.
    8 الاستشراق، ص ص 267-276.
    9 الاستشراق، ص49.
    10 الاستشراق، ص 274.
    11 تعقيبات على الاستشراق، مرجع سابق، ص 63-64.
    12 قارن بدراستي: من الاستشراق إلى الأنثروبولوجيا؛ في كتابي: الصراع على الإسلام، بيروت 2004، ص ص105-119.


  8. #8
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي


    (8)

    الأثر اليوناني في البلاغة العربية: بلاغة النص وبلاغة الخطاب
    عبدالجبار الشرافي

    يطرح هذا المقال قضية أن البلاغة العربية تعد من بين العلوم العربية الأصيلة التي تشمل العلوم اللغوية والتي كما يقول ابن خلدون عنها : أنها ولدت في البيئة العربية لخدمة مقاصد عربية محضة. ويأتي على رأس هذه المقاصد منع اللحن الذي كان قد بدأ يزحف على اللغة العربية مع دخول الشعوب غير العربية الإسلام. وإلى مثل هذا يشير أيضا الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" (2002: 80). وبهذا فإن أطروحة هذه المقالة ترد على المزاعم التي طرحها الدكتور طه حسين في أحد مقالاته التي كتبها باللغة الفرنسية قبل ما يزيد عن ثمانين عاما وخلاصة هذه المزاعم أن الفيلسوف اليوناني أرسطو لم يكن المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة فحسب وإنما كان كذلك في علم البيان (1).

    سأعرض في القسم الأول من هذه المقالة لطبيعة البلاغة العربية ، وفي القسم الثاني سأعطي موجزا مختصرا عن تاريخ البلاغة العربية ، وفي الجزء الثالث موجزا مختصرا عن البلاغة اليونانية لكي أبين أن كل تراث من هذين التراثين البلاغيين كان له بدايات وإرهاصات وتاريخ مختلف عن الآخر. ثم بعد ذلك في الجزء الرابع من المقال أتناول أقسام البلاغة العربية ، وفي القسم الخامس أقسام البلاغة اليونانية لأصل إلى خلاصة مفادها أن أقسام البلاغتين تختلفان اختلافا جوهريا. وفي القسم السادس من هذه المقالة أتحدث عن أنواع البلاغة العربية ، وأما الجزء السابع فيتناول أنواع البلاغة اليونانية لكي نصل إلى نتيجة أن التقسيم مختلف بينهما كذلك. وفي القسم الثامن أتعرض لموضوع التأثير اليوناني في البلاغة العربية ثم اختم بتلخيص النقاط المهمة في هذا المقال.

    قبل أن أدخل في الموضوع لا بد من توضيح يتعلق بالمصطلحين الذين ظهرا في عنوان هذا المقال (النص والخطاب) .
    فالنص: هو مصطلح يقصد به - في إطار هذا المقال - النص المكتوب.
    والخطاب: مصطلح يقصد به - في إطار هذا المقال - النص المكتوب والمسموع أيضا.

    1. طبيعة البلاغة العربية
    يشير المستشرق المعروف فيرستيغ إلى أن الأثر اليوناني على المعارف العربية رغم أنه كان شائعا في العديد من الجوانب المعرفية إلا أنه من المؤكد أنه لم يشمل ما كان يسمى بعلوم العربية مثل العلوم اللغوية (1977: 1) . ومما يجدر ذكره أن العلوم اللغوية العربية بدأت قبل بداية التأثر بالثقافة اليونانية، فكما يقول ابن الأنباري أن أول مؤلف في النحو العربي قام بجمعه أبو الأسود الدؤلي في الثمانينيات من القرن السابع الميلادي تقريبا، ويعزو ابن الأنباري في كتابه نزهة الألباء بدايات اهتمام العرب بالنحو ودراسة اللغة بشكل عام إلى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ويروي القصة التالية دعما لهذا الموقف: يقول أبو الأسود الدؤلي أنه جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، ورأى مخطوطا في يده فسأل أمير المؤمنين عنه فأجابه قائلا: " لقد كنت أفكر في لغة العرب ولاحظت أنه قد كثر اللحن فيها باختلاطنا مع هؤلاء الأعاجم ، وأردت أن أقوم بعمل شيء ما من أجل أن يعتمدوا عليه"، ثم ناول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أبا الأسود المخطوط الذي كتب عليه " اللغة اسم وفعل وحرف. الاسم هو ما دل على شيء والفعل ما دل على حدث ، والحرف هو ما دل على معنى" وقال لأبي الأسود الدؤلي "أُنْحُ هذا النحو وأضف إليه ما تجد" (نزهة الألباء ، ص 4)

    من هذا نجد أن البدايات الأولى للدراسات اللغوية في الحضارة العربية كانت عربية أصيلة بل كانت لعلاج ما أفسدته ألسنة الأعاجم من إدخال اللحن في العربية ، ولم يكن ذلك بتأثر من أي ثقافة أجنبية.

    2. موجز في تاريخ البلاغة العربية
    نجد في الدراسات والمؤلفات تعريفات عدة لكلمة بلاغة ولكنها تلتقي في النهاية على مفهوم واحد يحدد طبيعة هذا العلم. ففي الموسوعة الإسلامية نجد أن كلمة بلاغة تعرف بأنها "اسم مجرد من بليغ وأصلها بلغ أي تحصل الشيء المراد" وعلى هذا فهي تعني الوصول إلى المقصود من الكلام والتأثير في السامع. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموسوعة الإسلامية تشير إلى أنه وبالرغم من أن هنالك إشارات متكررة إلى أن هذه التعريفات أو تلك إنما كان منشؤها أمم أخرى غير العربية كالفارسية واليونانية والهندية إلا أن هناك إشارات واضحة تدل على أن المفهوم نشأ في عمق البيئة الثقافية العربية".

    والبلاغة العربية كانت نتاجا للظروف السائدة في المجتمع العربي بعد الإسلام، وكانت قد بدأت كفرع من فروع الدراسات اللغوية القرآنية التي تعنى بتفسير القرآن الكريم، والتي كانت تهدف أساسا لإثبات إعجاز القرآن الكريم الذي تحدى العرب وهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة أن يأتوا بسورة من مثله. من ثم فإن اهتمام العلماء كان منصبا أساسا على فكرة بحث جوهر هذا التحدي. وكما نرى فإن البلاغة العربية من يومها الأول اصطبغت بصبغة الدراسات التحليلية للنص القرآني الموجود بين دفتي المصحف كنص مكتوب. وكان أول من اهتم بدراسة المجاز في القرآن الكريم هو الفراء المتوفى سنة 207 هـ/830 م، والذي ألف كتابا في هذا المجال تحت عنوان "معاني القرآن"، وتلا ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 210 هـ/ 833م، والذي ترك لنا كتابا في هذا المجال بعنوان "مجاز القرآن". بعد ذلك يأتي ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ 889 م وهو الذي ألف كتابا بعنوان " تأويل مشكل القرآن". وفي هذه المؤلفات نجد تصريحات عامة عن المجاز والذي كان يعني بالنسبة لهم الأسلوب.

    واستمر الأمر على هذه الحال من التناول اللغوي لقضية مجاز القرآن، والذي كان غالبا ما يقصد به أسلوب القرآن في تلك الفترة من مراحل تطور الدراسات اللغوية والبلاغية في التراث البلاغي العربي حتى كان عصر الجاحظ الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري وتوفى سنة 255هـ / 868 م، ويعتبر الجاحظ وريث تراث لغوي وبلاغي اهتم بدراسة النص القرآني وتحليل أساليبه إلا أن الجديد في فكر الجاحظ أنه أدرج أمثلة كثيرة من خارج النص القرآني وأنه أعمل فكره الاعتزالي في طرح القضايا البلاغية في كتابيه المشهورين " البيان والتبيين" و "الحيوان"، وكان من بين الآراء التي طرحها الجاحظ فكرة أن الإعجاز لا يكمن في المعاني ولكن في الصياغة وحسن السبك، لأنه - وحسب رأي الجاحظ - فإن المعاني موجودة ومتوفرة للجميع، ولكن قليل من يحسن وضع هذه المعاني في قوالب بديعة الرصف ولطيفة السبك والصياغة ، تبين الجمال والإبداع.

    وفي عام 274هـ/ 887م كتب ابن المعتز كتابه "البديع"، والذي استخدم فيه القرآن الكريم والحديث ليبرهن على أن البديع لم يكن مما استحدثه المبتدعون في الشعر العربي، وإنما هو فن أصيل له ما يؤيده في القرآن الكريم والحديث الشريف. والجدير بالذكر أن الدكتور طه حسين لم ير كتاب ابن المعتز قبل أن يكتب تلك المقالة التي أشرت إليها سابقا في مطلع هذا المقال، والسبب أنه في ذلك الوقت لم يكن كتاب ابن المعتز قد حقق بعد وخرج إلى النور، حيث تمت طباعته فيما بعد في انجلترا بعد أن قام بتحقيقه المستشرق كراتشوفسكي في عام 1935 م. ومن الإشارات لهذا الكتاب في مصادر أخرى وليس من الكتاب نفسه قام الدكتور طه حسين بتكوين فكرة عما يمكن أن يحتويه الكتاب، وادعى حسين في مقالته أن كتاب ابن المعتز قد ينطوي على الكثير من التأثر بالثقافة اليونانية. ولكن لسوء حظ الدكتور طه حسين فإن توقعاته لم تكن في مكانها فقد اتضح بعد تحقيق الكتاب ونشره كما يقول الدكتور شوقي ضيف (1965: 70) أنه خلا تماماً من أي من هذا التأثر بالثقافة اليونانية ، وأن الكتاب كان ينهل من تراث بلاغي عربي أصيل ومصادر عربية صافية ، وكان من أبرز هذه المصادر بالطبع أبو عمر الجاحظ.

    وكان المبرد المتوفى سنة 285هـ / 898 م قد ألف كتابا في النحو سماه "الكامل" وأشار فيه إلى بعض أنواع الصور البلاغية مثل الحذف والتقديم والتأخير والتشبيه. وقد قام المبرد بمناقشة هذه الموضوعات في فصل مستقل في كتابه المذكور. وجاء من بعده الرماني المتوفى سنة 386 هـ 996 م وألف كتابا سماه "النكت في إعجاز القرآن". وقسم الرماني كتابه إلى ثمانية أجزاء كل منها مختص بمظهر من مظاهر الإعجاز، وأحد هذه المظاهر هو البلاغة والتي قسمها إلى ثلاثة مستويات: البلاغة الرفيعة وهي بلاغة القرآن الكريم ، والمستويين الثاني والثالث هما بلاغة البلغاء على درجات متفاوتة. أما العسكري المتوفى سنة 395هـ /1005 م فقد ألف كتابا في هذا الفن وسماه "الصناعتين" وقصد به صناعتي الشعر والنثر. وقد التزم العسكري خط مدرسة المتكلمين في الدراسات البلاغية من أمثال الجاحظ.

    ويرى الباقلاني المتوفى سنة 403هـ/1013 م في كتابه "إعجاز القرآن"؛ أن جميع مظاهر البلاغة الموجودة في القرآن الكريم تدل على أنها بلاغة في اللفظ والمعنى. وقد تحدث القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 419هـ/1024 م عن الإعجاز في القرآن الكريم في الجزء السادس عشر من كتابه المغني في أبواب التوحيد والعدل، وفي معرض حديثه يطرح القاضي عبد الجبار القضية في إطار الفكر المعتزلي كسلفه الجاحظ ، وجوهر القضية أن الإعجاز في القرآن الكريم يقع في اللفظ وحسن السبك.

    وعلى رأس هذا التراث البلاغي العربي يأتي عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471هـ/ 1078 م ليؤسس للبلاغة العربية في كتابيه المشهورين "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". لم يكن عبد القاهر من المعتزلة الذين نظروا إلى اللفظ كمحدد أساسي لإعجاز القرآن، ولم يكن الجرجاني كذلك ممن يقولون : إن الإعجاز يقع في المعنى دون اللفظ بل كان صاحب نظرية جديدة في البلاغة العربية تتلخص في أن إعجاز القرآن يكمن في النظم وهو التركيب والصياغة.

    أما أبو يعقوب السكاكي المتوفى سنة 626هـ/1226م فقد نهج طريقا مغايرا لمنهج الجرجاني والتزم منهج المتكلمين وخصوصا المناطقة منهم فترى كتابه "مفتاح العلوم" وقد امتلأ بالتقسيمات والتفريعات المنطقية لأقسام البلاغة وأنواع المجاز. ويأتي بعده ابن الأثير المتوفى سنة 637هـ /1237 م والذي ألف كتابا أسماه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" والذي نجد فيه الكثير من الاهتمام بتنظيم وترتيب أنواع المجاز مثل الاستعارة والكناية والتشبيه. ونري أن غالبية الأمثلة التي يعرضها ابن الأثير مأخوذة من القرآن الكريم والحديث الشريف. وفي أوائل القرن الثامن الهجري - أوائل القرن الرابع عشر الميلادي كان مجيء الإمام يحي بن حمزة العلوي اليمني والذي ألف كتابا في البلاغة والإعجاز سماه "الطراز في أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز" والذي قدم فيه منهجية تهتم باللفظ والمعنى جنبا إلى جنب في تناول قضية الإعجاز في القرآن الكريم. أما ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 750هـ/1350م فقد ألف كتابا سماه "كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان". وقد أودع ابن القيم في هذا الكتاب تعاريف مختلفة للفصاحة والبلاغة وأثار عدة نقاشات حول قضايا البلاغة العامة مثل الحقيقة والمجاز وغيرها من الموضوعات البلاغية ، ويرى أن الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى.

    في هذا الجزء من المقال حاولت أن استعرض تاريخا موجزا للبلاغة العربية، وأن أبين أن طبيعة البلاغة العربية ونشأتها كان لغرض أساس هو إثبات أن القرآن الكريم معجز في لفظه كما رأينا عند بعض البلاغيين العرب، أو أنه معجز في معناه كما رأينا عند بعضهم الآخر، أو أنه معجز في لفظه ومعناه، أو أن إعجاز القرآن يقع في النظم كما في منهجية الجرجاني. ولا يكاد يخلو كتاب أو مؤلف من مؤلفات البلاغة العربية إلا ويعد موضوع الإعجاز جزءًا أساسياً من أهدافه. وعليه فإنه من المستبعد جدا أن يقوم هؤلاء العلماء ، وهم ما انبروا إلا ليدافعوا عن القرآن وليثبتوا أوجه الإعجاز فيه - أن يستوردوا أفكارا أو حتى يتأثروا بأفكار من ثقافة كانوا يعدونها وثنية ، ومن فلسفة كانوا يصفونها بالزندقة!

    3. نظرة على بدايات البلاغة اليونانية
    لقد كان البلاغيون اليونان متأثرين بالتغيرات الاجتماعية التي حدثت في القرن الخامس قبل الميلاد في بلاد اليونان. ففي كتابه "سيناجوج" يعزو أرسطو نشأة البلاغة إلى تسياس وكوراكس الصقليين في الربع الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، وكان هذان الشخصان بارعين في التحدث أمام العامة ، وماهرين في إقناع الآخرين بوجهة نظرهما. وبعد طرد الطغاة والمستبدين من سيراكوس وإقامة نظام حكم ديموقراطي فيها ، قام ملاك الأراضي التي كانت قد صودرت أيام حكم الدكتاتوريين بإجراء مرافعات قانونية لاسترداد أراضيهم وأملاكهم. ولهذا احتاج هؤلاء إلى مساعدة كوراكس وتيسياس في هذه المرافعات. ومما يجدر ذكره أنه وخلال هذه الفترة شهدت اليونان نوعين من الإصلاحات كان لهما الأثر الكبير على تطور فن البيان في اليونان القديمة. كان الإصلاح الأول الذي شهدته أثينا في تلك الفترة هو الإصلاح السياسي الذي قام به كليسثينيس في العام 450 قبل الميلاد، والذي نتج عنه إنشاء نوع من الحكم الديموقراطي. أما الإصلاح الثاني فقد تمثل في الإصلاح القضائي الذي قام به إيفياليتس في العام 462 قبل الميلاد. ولقد مكنت تلك الإصلاحات السياسية جميع المواطنين الأثينيين- ولو من حيث المبدأ - من أن يصبحوا أعضاء في البرلمان الأثيني ، وأن يصوتوا في الأمور العامة مما أدى إلى وجود حركة اجتماعية كبيرة في مجتمع أثينا لأنه أصبح من الممكن لأي من المواطنين الحق ، ولو نظريا، في التطلع إلى امتهان السياسة أو العمل في سلك الخدمة المدنية وبهذا زادت الحاجة إلى مهارات التحدث ومهارات الإقناع. أما الإصلاح القضائي فقد كان له أكبر الأثر في إعطاء الناس الحرية في طرح قضاياهم والدفاع عن أنفسهم ومقاضاة الآخرين بأنفسهم، وعرض مرافعاتهم أمام هيئة محلفين حيث لم يكن هناك محامون بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وغالبا ما كان يصل عدد أعضاء هيئة المحلفين إلى مائتي فرد نظرا لأن المقاضات كانت أكثر علنية مما هي عليه اليوم (انظر Conely 1990، Dixon 1971 ، Kennedy 1994). في ضوء هذه التغيرات أصبحت الملكة البلاغية وأصبح فن التحدث وإقناع العامة أمرا غاية في الأهمية في المجتمع اليوناني في تلك الفترة، واصبح من أهم معاني البيان أو البلاغة هو التحدث بشكل جيد ومؤثر ومقنع. ويذكر Kennedy 1994 أن إيسوكريتس كان يتقاضى مبالغ كبيرة، وكان يدفع له بسخاء نظير قيامه بتدريب الناس على مهارات التحدث بشكل جيد أمام العامة.

    ومن هذا العرض المختصر لمقاصد البلاغة اليونانية يتضح أنها ظهرت لخدمة أهداف مغايرة تماما للمقاصد التي جاءت من أجلها البلاغة العربية. ولعل الأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد أن البلاغة اليونانية ركزت أول ما ركزت على الحديث أو على الكلمة المسموعة، وهذا على خلاف الاهتمام الرئيسي للبلاغة العربية والتي اهتمت بشكل أساسي ومنذ بدايتها على دراسة النص المكتوب وهو القرآن الكريم ومظاهر الإعجاز فيه.

    4. أقسام البلاغة العربية
    أصبح من المتعارف عليه تقسيم البلاغة العربية إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: البيان والمعاني والبديع ، وهذا التقسيم الثلاثي كان موجودا حتى عند القدماء ولا سيما في كتابات المتأخرين منهم مثل السكاكي والعلوي. أما علم البيان فهو العلم الذي يبحث في أنواع المجاز والتشبيه، وهو العلم المختص بالتمييز بين الاستخدامات اللغوية التي تحمل على وجه الحقيقة، وهو الأسلوب الطبيعي كما يراه البلاغيون العرب القدماء والاستخدامات اللغوية المجازية وهو الأمر الاستثنائي عندهم. وأنا لست هنا بصدد تمحيص هذا الموقف أو دراسته أو نقده لأن هذا ليس المكان المناسب، وإنما أريد أن أعرض هنا لأقسام البلاغة كما كان يراها أئمة البلاغة في تلك الفترة. والقسم الثاني من أقسام البلاغة العربية هو ما يسمى بعلم المعاني، ويقصدون به علم التراكيب و علم دراسة مناسبة تركيب الجملة للموقف والسياق الذي قيلت فيه. أما القسم الثالث فهو علم البديع ويقصد به أوجه صياغة اللفظة لكي تكتسب جرسا صوتيا معينا يؤثر في السامع.

    5. أقسام البلاغية اليونانية
    أما البلاغية اليونانية فقد استقرت في وضعها النهائي كما نجدها في كتابات شيشرو في القرن الأول قبل الميلاد وفي كتابات كوانتلين في القرن الأول الميلادي على خمسة أقسام (انظر Kennedy 1994، Dixon 1971). القسم الأول هو الابتكار، وهذا هو القسم المتعلق بابتكار الموضوع والمادة الخام للنص . وبالنسبة للبلاغيين اليونانيين فهذا القسم بالذات مهم جدا لأن اختيار الموضوع واختيار المادة التي سيتم الحديث عنها بالغ الأهمية، ويؤثر كثيرا على قناعات السامعين. والقسم الثاني هو ما يطلقون عليه الترتيب أو التنظيم، ومقصود به هنا الترتيب المنطقي للأفكار والموضوعات والمقدمات والنتائج، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بمصطلحات علم اللغة الحديث بالتركيب البنيوي للنص، وضمان توفر التناسق والانسجام بين مكوناته. في هذا القسم نجد أن المتحدث أو الكاتب يقوم بتقسيم النص إلى مقدمة وسرد وبراهين وخاتمة، وفي كل من هذه التقسيمات الفرعية يكون هناك أيضا تفريعات أخرى ومقاصد مستقلة. على سبيل المثال في المقدمة يهدف الخطيب إلى اجتذاب سماع الجمهور والاستحواذ على اهتمامهم بما يقال. أما القسم الثالث فهو الذي يتناول أساليب الفصاحة وصياغة الألفاظ وتحسين العبارة وأناقة الرصف والسبك. وهنا يكون الاهتمام منصبا على الشكل والصياغة واللفظ. وهنا يبرز مصطلحان من مصطلحات البلاغة اليونانية هما "المفردات" "والتركيب"، وهذان المصطلحان يشبهان إلى حد كبير مصطلحين مهمين أصبحا من أهم مبادئ البنيوية اللغوية الحديثة التي تأسست على يد العالم السويسري فردناند دو سوسير في عام 1916م. هذان المصطلحان هما "الترتيب الباراديجماتي" ويقصد به الاختيار من بين المفردات، و"الترتيب السينتاجماتي" ويقصد به الربط بين المفردات وتركيبها في تراكيب لغوية معينة. ومما يجدر ذكره أن العلامة اللغوي الروسي المولد والأمريكي الموطن رومان ياكوبسن قد توصل إلى مصطلحين يشبهان إلى حد كبير هذين المصطلحين وسماهما في بحث نشره في عام 1971م "الاختيار" و"الترابط"، ويقصد بذلك أننا نقوم باختيار الألفاظ من مستودع الألفاظ ثم نقوم برصف وربط هذه الألفاظ في تراكيب لغوية مختلفة حسب قواعد معينة. وهذان المصطلحان كذلك يشبهان إلى حد كبير مصطلح "الفئة" و"التركيب" اللذين أتى بهما العلامة اللغوي الإنجليزي مايكل هاليدي في نظريته المسماة باللغويات المنظوماتية الوظيفية المنشورة في كتاب عام 1985م.

    أما القسم الرابع فهو المتعلق بحفظ الخطبة أو النص الخطابي عن ظهر قلب وما يصاحب ذلك من مهارات التذكر والاستحضار. والقسم الخامس هو الإلقاء وهو الأداء الفعلي وما يصاحب ذلك من أساليب التشويق و الحركات الجسدية المصاحبة للإلقاء والتي تعطي معاني إضافية للنص. وكل قسم من هذه الأقسام يعد علما في حد ذاته.

    أما إذا نظرنا إلى البلاغة العربية فنجد أنها بأقسامها الثلاثة تقع ضمن إطار القسم الثالث من أقسام البلاغة اليونانية. فلو أن البلاغة العربية تأثرت بالبلاغة اليونانية كما يزعم الدكتور طه حسين في مقاله- لوجدنا تشابها وتأثرا فيما يتعلق بالأقسام الأخرى.

    6. أنواع البلاغة العربية
    لا توجد أنواع للبلاغة العربية وإن كان هناك أنواع للخطابة مثل الخطابة السياسة والدينية والاجتماعية. ولعل هذا يقودنا إلى التفريق بين البلاغة والخطابة. فالخطابة فهي الفن والنشاط الذي يقوم به بعض الناس إما بالسليقة وإما عن طريق التدريب والتعلم. أما البلاغة فهي العلم الذي يدرس ويضع الأصول والقواعد لفن الخطابة. وحسب علمي أنه وإن كانت قد وجدت الخطابة بأنواعها المذكورة فإنه لم يوجد ما يوازي ذلك من علم يدرس ويضع القواعد لها في التراث العربي إذا استثنينا ما ذكره الجاحظ بشكل مقتضب في كتابه البيان والتبيين عن الجوانب الأسلوبية للخطابة أو ما ذكره غيره في كتبهم وهو عبارة عن ملاحظات عامة لا ترقى إلى مستوى التأصيل والتقعيد لعلم الخطابة".

    7. أنواع البلاغة اليونانية
    أما البلاغة اليونانية فتدين بالفضل للفيلسوف أرسطو الذي قدم تصنيفا ثلاثيا لأنواع البلاغة اليونانية بصفتها العلم الذي يدرس أنواع الخطابة ويضع لها القواعد والأسس. هذا التصنيف الثلاثي الذي جاء به أرسطو يتلخص في أن هناك ثلاثة أنواع من البلاغة هي: بلاغة الخطاب السياسي وبلاغة الخطاب القضائي وبلاغة الخطاب الأدبي. وفي الفصل الثالث من الكتاب الأول من الخطابة يقدم لنا أرسطو هذا التقسيم ، وينص على أن معيار التقسيم كان على حسب طبيعة ودور جمهور المستمعين للنص. فإذا كان مطلوب من المستمعين أن يصدروا حكما في أمور ماضية كان نوع الخطاب قضائيا ، لأن الخطيب يتحدث عن أحداث حدثت في الماضي لكي يتسنى لهيئة المحلفين أن يصدروا حكما بشأن هذه الأحداث. وإن كان يطلب من المستمعين إصدار حكم على أمور مستقبلية كان نوع الخطاب سياسيا ، لأن الخطيب يتحدث عن أمر عام في المجلس النيابي ربما يتخذ بشأنه إجراء أو يصدر حكما بشأنه في المستقبل. أما إذا كان الجمهور غير مطلوب منه أن يصدر حكما فإن أرسطو يطلق على هذا النوع من النص الخطاب الأدبي. إلا أن أرسطو يعود ويؤكد في الفصل الثامن عشر من الكتاب الأول من الخطابة أنه حتى في الخطاب الأدبي يوجد هناك نوع من إصدار الحكم بمعنى أن الجمهور في هذا النوع من الخطاب لا يكون سلبيا وإنما يكون له موقف ووجهة نظر حول مدى تأثير الخطيب وقدرته على جذب اهتمام السامعين وهو ما يحدث عادة عن قراءتنا للأدب فإننا نقرؤه أو نسمعه ونحكم على قدرة الكاتب أو المتكلم الأدبية.

    مما سبق يتبين لنا أن البلاغة العربية تختلف اختلافا جذريا عن البلاغة اليونانية سواء من حيث المقاصد والأهداف ، أو من حيث الطبيعة والتقسيمات والأنواع فكيف لهذه البلاغة أن تكون مدينة للمعلم الأول أرسطو ؟!

    8. التأثير اليوناني على البلاغة العربية:
    لقد ترجم العرب خلال العصور الوسطى كما هائلا من التراث الثقافي اليوناني، وفي الحقيقة أن بعض المؤلفات اليونانية لم تصلنا اليوم إلا عن طريق الترجمات من العربية إلى اللغات الأوروبية لأن الأصل اليوناني كان قد ضاع فما كان من المؤرخين إلا أن عادوا إلى المخطوطات العربية واسترجعوا بعض نماذج هذا التراث. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها وهي في الحقيقة مظهر طبيعي من مظاهر التوارث الحضاري بين الأمم والثقافات. إن استفادة العرب من الثقافات الأخرى مثل الثقافة الفارسية والثقافة الهندية والثقافة اليونانية أمر ليس موضع النقاش هنا، وإنما ما هو موضع للنقاش هو نطاق هذا التأثر ومجالاته في الثقافة العربية فيما يسمى في الغرب بالعصور الوسطى. وبينما كان التأثر واضحا في مجال العلوم الطبيعية والفلك والرياضيات والفلسفة لسبب يسير أن العرب لم تكن لديهم هذه العلوم فيما سبق وإنما اكتسبوها بعد احتكاكهم بالثقافات الأخرى ومنها الثقافة اليونانية، إلا أن وجود هذا التأثير اليوناني في العلوم العربية المحضة وهي العلوم اللغوية العربية وعلى رأسها البلاغة العربية لا يزال موضع جدل واسع، وتوجد كما بينا وسنبين فيما يأتي أراء قوية تقول أن تأثير البلاغة اليونانية على البلاغة العربية لم يكن ذا بال على عكس ما يقوله الدكتور طه حسين من أن أرسطو هو المعلم الأول للمسلمين في البلاغة.

    لقد ألمح الدكتور طه حسين في مقاله المذكور إلى أن البلاغة العربية مدينة للبلاغة اليونانية وبالأخص للإطار البلاغي الأرسطي، وفي مواضع كثيرة في هذه المقالة حاول الدكتور طه حسين أن يتتبع أثر البلاغة اليونانية على البلاغة العربية، وكانت الخلاصة التي توصل إليها هي: " وإذا لا يكون أرسطو المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة وحدها؛ ولكنه إلى جانب ذلك كان معلمهم الأول في علم البيان".

    ويمكن سرد الملاحظات التالية للرد على هذا الادعاء:
    أولا: كانت البلاغة اليونانية نتاجاً لتغيرات سياسية واجتماعية في المجتمع الأثيني، وكان لهذه التغيرات أعمق الأثر في صبغة البلاغة اليونانية بصبغة خاصة بها، والتي نتج عنها أن تكون البلاغة اليونانية في الأساس تعني فن التحدث والخطابة أمام العامة. وبالمثل كانت البلاغة العربية نتاج البيئة العربية والمقاصد العربية المحضة ، ولقد كان الباعث الديني هو الموجه الرئيس للبلاغة لإثبات إعجاز القرآن الكريم. ولقد نتج عن هذا الهدف أن أصبح جل اهتمام الدراسات البلاغية في الثقافة العربية هو دراسة القرآن الكريم كنص مكتوب مما أفاد في تطور الدراسات الأسلوبية في البلاغة العربية تطورا كبيرا منذ عهد بعيد. على عكس البلاغة اليونانية التي اهتمت بمختلف أوجه الخطابة كنص مسموع ونص مكتوب أيضا.

    لقد كانت البذور الأولى للبلاغة العربية عبارة عن معالجات لقضايا الأسلوب، وكانت هذه المعالجات منثورة في كتب النحويين ، وظلت البلاغة العربية تظهر اهتماما كبيرا في تركيب العبارة وتركيب الجملة حتى ظهرت إشارات عامة في كتابات الإمام عبد القاهر الجرجاني وفي كتابات المتأخرين من أمثال العلوي إلى النص كوحدة للتحليل أكبر من الجملة. والتأكيد هنا على النص المكتوب سواء كان نصيا دينيا من القرآن والسنة أو نصا من الشعر العربي أو حتى من فن الخطابة العربية. وعلى عكس البلاغة اليونانية التي تتسم بأنها بلاغة تركيبية لأنها تركز على تركيب النص منذ مراحله الأولى كمراحل ابتكار الأفكار، مرورا بترتيب وتنظيم الأفكار، ومن ثم المظاهر الأسلوبية والحفظ والاستذكار ، وأخيرا الإلقاء، فإن البلاغة العربية كانت بلاغة تحليلية تهتم بتحليل النص الموجود أصلا ودراسة المظاهر الأسلوبية فيه.

    ومن الناحية التاريخية، فإن ترجمة كتاب الشعر لأرسطو إلى اللغة العربية كان أولا على شكل مختصر قام به الفيلسوف العربي الكندي المتوفى سنة 252هـ/865 م، وكما يقول الدكتور شوقي ضيف (1965م) : إن الفلاسفة العرب في العصور الوسطى كانوا مهتمين بتقديم الأعمال الأدبية لأرسطو للغويين العرب لكي يستفيدوا منها. وعندما شعر هؤلاء الفلاسفة أن الملخصات لم تف بالغرض بدؤوا بترجمة كاملة لكتابي أرسطو المشهورين في هذا المجال وهما كتاب الشعر وكتاب الخطابة. أما الأول فقد قام بترجمته أبو بشر بن متى ابن يونس المتوفى سنة 328هـ/941 م، والذي يقول الدكتور طه حسين نفسه عنه : إنه لم يفهم هذه الترجمة أحد في ذلك العصر.(2) ويروى أن كتاب الخطابة كانت له ترجمتان، إحداهما قام بها حنين ابن إسحاق والأخرى - والتي يسميها ابن النديم الترجمة القديمة - التي رآها في كتيب من مائة صفحة قام بترجمتها السرخسي وهو تلميذ الكندي. وعلى كل حال فإنه من الواضح من كتاب البيان للجاحظ أنه لم يطلع على هذه الترجمة القديمة لأنه لا توجد أي إشارة لها في كتابه وهذه نتيجة توصل لها الدكتور شوقي ضيف في كتابه (1965م) وأشار إليها الدكتور طه حسين نفسه في مقاله المذكور.(3)

    وإذا كان الجاحظ مؤسس البيان العربي - حسب رأي الدكتور طه حسين نفسه - لم يقرأ ترجمة كتاب الخطابة لأن الترجمة جاءت متأخرة أي بعد وفاة الجاحظ - فإنه من الصعب المجازفة بالقول بأن البلاغة العربية قد تأثرت بالبلاغة اليونانية أو أن البلاغة العربية مدينة للبلاغة اليونانية. وإذا كان الجاحظ لم ينهل من المؤلفات البلاغية اليونانية بشكل عام، ومن الفكر البلاغي الأرسطي بشكل خاص - فالاحتمال الوحيد هو أن الجاحظ كان ينهل من تراث بلاغي عربي خالص ، وهذه النتيجة تصبح أكثر تأكيدا عندما نعلم أن الجاحظ نفسه لم يشر إلى أي مصدر غير المصدر العربي فيما يتعلق بالأفكار التي كان يطرحها في كتبه. هذا فيما عدا القصص التي كان يوردها عن تعريف البلاغة عند الفرس والهنود واليونان.

    يشير طه حسين في مقاله إلى أن البلاغيين العرب والفلاسفة العرب لم يفهموا كتابي أرسطو في الخطابة والشعر لأن العرب لم تكن لهم الأجناس الأدبية التي كانت عند اليونان. وقبل هذا وذاك لم تتوفر لدى العرب كذلك الظروف السياسية والقضائية التي تستدعي تدريب الناس على التحدث أمام العامة ولذا فهم لم يفهموا الكثير مما كان يتحدث عنه أرسطو في هذين الكتابين. وكثيرا ما يردد الدكتور طه حسين أن البلاغيين العرب فهموا إلى حد ما الجزء الذي يتحدث عن الأسلوب من كتاب الخطابة لأرسطو أفضل بكثير من غيره من الأجزاء، وهذا لعمري دليل واضح على أن العرب عند ترجمة كتاب الخطابة إلى اللغة العربية كان لديهم تراث بلاغي عريق يبحث ويدرس فن أسلوب صياغة اللفظ وبناء العبارة والجملة ومن ثم النص. ولذلك فهم البلاغيون العرب هذا الجزء أكثر من غيره.

    ستيتكيفيتش يلقي الضوء على هذا الموضوع ويؤكد أن "تتبع أي أثر للثقافة اليونانية في العلوم اللغوية العربية أمر في غاية الصعوبة. وأن بدايات الدراسات النحوية العربية تشير إلى أنه لا يوجد أي أثر لهذا النوع من التأثر مطلقا. أما فيما يخص المصطلحات النحوية والصرفية فهذه تعد جزءا لا يتجزأ من علوم عربية أصيلة"(4) .

    في مقدمته لتحقيقه لكتاب "أسرار البلاغة" للجرجاني في عام (1954م) فإن العلامة ريتر ينفي المقولة التي تقول بتأثير الهيلينية على البلاغة العربية ، ويستبعد أن يكون للثقافة اليونانية هذا التأثير على البلاغة العربية في إشارة إلى مزاعم طه حسين وغيره. ويعتمد ريتر في جداله على أساس أن المؤلفات العربية في البلاغة كانت قد ظهرت حتى قبل ظهور الشاعر أبي تمام، والذي يعزو إليه الدكتور طه حسين البدايات الأولى لتأثير الهيلينية على البلاغة العربية. وهذا دليل آخر على أن البلاغة العربية كانت - ولا تزال بالفعل – اهتماماً عربياً خالصاً وجد لتحقيق مقاصد محددة يأتي على رأسها المقصد الديني.

    وأختم هذا المقال بالاستشهاد بما يقوله الدكتور محمد عابد الجابري : "إذا كانت الفلسفة هي "معجزة" اليونان فإن علوم العربية هي "معجزة" العرب"(5) . وهذا الاستنتاج الذي يسوقه الدكتور محمد الجابري يعد دليلا قويا، خصوصا أن الدكتور يتحدث عن تكوين العقل العربي فيما يسميه بعصر التدوين والذي يعده العصر الذي تشكلت فيه الثقافة العربية والعقل العربي.

    خاتمة
    تدور مناقشة الدكتور طه حسين حول ثلاث دعاوى : الأولى هي أن الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" كان ينهل من البلاغة اليونانية. ويمكن رد هذه الدعوى بأن الجاحظ لم يشر إلى أي مصدر يوناني في كتابه وكثيرا ما كان يؤكد أن البديع وهو المصطلح الذي كان يطلق على كل مظاهر البلاغة في ذلك الوقت هو خاصية فريدة يتميز بها العرب دون سواهم من الأمم. وكما أشرت سابقا فإن كتاب الخطابة لأرسطو لم يترجم إلى العربية إلا بعد وفاة الجاحظ. الدعوى الثانية تتلخص في أن الدكتور طه حسين كان يعتقد أن كتاب ابن المعتز كانت مظاهر التأثر بالثقافة الهيلينية فيه واضحة بجلاء ولكن الكتاب بعد أن تم تحقيقه وطباعته لم يبين أي دليل على هذا التأثر كما يقول الدكتور شوقي ضيف. أما الدعوى الثالثة فهي أن عبد القاهر الجرجاني في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" وخصوصا في الكتاب الثاني "أسرار البلاغة" لم يكن سوى فيلسوف ينهل من الفلسفة اليونانية التي كانت قد ترجمت إلى العربية آنذاك. وهذا الزعم يرد عليه العلامة ريتر الذي حقق كتاب "أسرار البلاغة" والذي أكد أن دعوى تأثر البلاغة العربية بالبلاغة اليونانية دعوى لا أساس لها ولا ترتكز على سبب أو تنهض على أي دليل.

    _____________________
    (*) كاتب وأكاديمي من اليمن .
    (1) أنظر ترجمة هذه المقالة في مقدمة نقد النثر لقادمة بن جعفر تحقيق الدكتور طه حسين وعبدالحميد العبادي ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر (1940)
    (2)أنظر مقال الدكتور طه حسين المذكور ص (15).
    (3) المرجع السابق ص (11-12)
    (4) أنظر كتاب ستيتكيفيتش (1970:3)
    (5) أنظر كتاب الدكتور محمد الجابري تكوين العقل العربي (2002) صفحة (80) .
    _____________________
    ابن الأنباري نزهة الألباء في طبقات الأدباء. تحقيق عطية عامر. استوكهولم (1962).
    الجابري، محمد عابد (2002) تكوين العقل العربي. الطبعة الثامنة. مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت.
    الجرجاني، عبد القاهر أسرار البلاغة. تحقيق ?. ريتر (1954) مطابع وزارة التعليم: استانبول.
    الخولي، أمين (1947) فن القول في معهد الدراسات. دار الفكر العربي: القاهرة.
    الخولي، أمين (1961) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب. دار المعارف: القاهرة.
    حسين، طه (1940) تمهيد في البيان العربي. مقدمة في كتاب نقد النثر لقدامة بن جعفر، تحقيق طه حسين وعبد الحميد
    العبادي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.
    خطابي، محمد (1991) لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
    ضيف، شوقي (1965) البلاغة: تطور وتاريخ. دار المعارف: القاهرة.
    فضل، صلاح (1991) شفرات النص. دار الفكر: القاهرة.
    مطلوب، أحمد (1978) دراسات بلاغية ونقدية. دار الرشيد: بغداد.

    Al-Sharafi, AbdulGabbar (2004) Textual Metonymy: a semiotic approach.
    London: Palgrave Macmillan
    Beaugrande de, R. and Dressler, W. (1981) Introduction to
    Textlinguistics. London: Longman
    Conely, T. (1990) Rhetoric in the European Tradition. Chicago:
    University of Chicago Press
    Dijk, T. V. (1985) Discourse and Literature. Amsterdam: John
    Benjamins
    Dixon, P. (1971) Rhetoric. London: Methuen
    Halliday, M.A.K. (1985) An Introduction to Functional Grammar.
    London: Arnold.
    Jakobson, R. (1971) ‘Two Aspects of Language and Two Types of
    Aphasic Disturbances’ in Jakobson, R. and M. Halle (eds)
    Fundamentals of Language. The Hague: Mouton
    Kennedy, G. (1963) The Art of Persuasion in Greece. Princeton
    University Press
    Kennedy, G. (1994) A New History of Classical Rhetoric. Princeton
    University Press
    Saussure, F. de (1983) Course in General Linguistics. Trans. and
    annotated by Harris, R. London: Duckworth
    Stetkevych, J. (1970) The Modern Arabic Literary: Lexical and Stylistic
    Development. Chicago: Chicago University Press
    Versteegh, C.H.M. (1977) Greek Elements in Arabic Thinking. Leiden:
    E.J. Brill
    Versteegh, K. (1997) Landmarks in Arabic Linguistic Thought. London:
    Routledge .



  9. #9
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي


    (9)

    الصراع على القيم أزمة "المعرفة الإنسانية" بين الغرب والإسلام
    رضوان زيادة

    يعتبر الأنثربولوجي الشهير آرنست غيلنر أن العالم المعاصر الآن تسوده ثلاثة مواقف أساسية هي : الأصولية التي تؤمن بواحدية الحقيقة وتعتقد بأنها تملكها .والنسبية التي تتلبس جملة متنوعة من الصيغ؛ وتنكر فكرة الحقيقة الواحدة ، لكنها رغم ذلك تحاول التعامل مع كل رؤية خاصة وكأنها صادقة .أما الموقف الثالث، والذي ينحاز له غيلنر ، فهو يستبقي الإيمان بواحدية الحقيقة من الأصولية ؛ غير أنه يختلف عنها في أنه لا يعتقد بأننا استطعنا امتلاكها ـ أي الحقيقة ـ بشكل نهائي وكامل في أيِّ وقتٍ من الأوقات ، وهذا الموقف لا يستخدم أي إيمان اعتقادي جوهري ليؤسس سلوكه العملي والبحثي ، بل مجرد نوعٍ من الولاء لبعض القواعد الإجرائية المعيّنة على حد تعبيره(1) .
    الجديد في تقسيم غيلنر هذا هو الاعتراف الضمني بوجود رؤيةٍ أخرى مختلفة عن السياق الغربي ، ورغم أنه يرفضها ، إلا أنه يعترف بها ويعتقد أن الكثيرين في العالم الإسلامي ما زالوا يخضعون لقيمها ويؤمنون بها.
    إن غيلنر اعتمد الموقف من الحقيقة كمعيارٍ تصنيفي للتفريق بين المواقف الرئيسية الثلاثة ، فالأصولية تقول بأن جوهر الدين ليس الاقتناع بحقيقة العقيدة ، وإنما الالتزام بها انطلاقاً من الدافع الإيماني ، إذ ليس من الضروري أن تعقل حتى تؤمن ، فعندها يفقد الإيمان دافعه الحقيقي والجوهري ، وهو الإيمان لمجرد أنه يشكل جزءاً من جوهرة العقيدة التي تؤمن بها ،وهذا هو الانعطاف الوجودي الذي يربط الإيمان بالهوية وليس بالدليل البرهاني .
    بعد ذلك يسحب غيلنر مقاربته النظرية تلك للأصولية ليقارنها مع الدين الإسلامي ، الذي يطرح الأصولية بوصفها نظاماً معرفياً على الجميع الخضوع له .وانطلاقاً من ذلك فإن غيلنر يجزم أن هناك ممانعة بين الإسلام والعلمنة ، والاعتقاد أن العلمنة يمكن أن تنتشر في الإسلام هو اعتقاد زائف في أصله ، وينبع سبب ذلك في رأيه من طبيعته الاعتقادية أولاً ؛ ومن الغياب النظري لطبقة رجال الدين ثانياً ، فليس هناك مكانة مقدسة متميزة في الإسلام تفضل المرشد الديني للطقوس الشعائرية عن جمهرة المؤمنين من عامة الناس ، وهذا ما حجب الإسلام عن الإصلاح السياسي الذي حدث في المسيحية ، ذلك أن لغة الصراع السياسي في المسيحية كانت قائمة على إلغاء أفضلية هذه الطبقة في حين أنها لم تؤد في الإسلام إلا إلى تكرار وتعاقب الأشخاص في نظام اجتماعي ثابت لا يتغير ، وبذلك ثبت الإسلام في صيغته الحالية على نموذج الإصلاح النهائي الذي يمكن أن يصل إليه ، فليس من الضروري إذاً مناقشة أسسه الفكرية والعقائدية بقدر ما يفرض علينا أخذه بعين الاعتبار سياسياً ، وعدم إلغاءه ،والاعتراف بحجمه التأثير الهائل الذي تحقق من خلال الوجه الطهراني والمساواتي الذي يطرحه الإسلام عن نفسه مما جعله ديناً لكثير من المستبعدين والمهمشين في العالم .
    يخلص غيلنر في النهاية إلى عددٍ من النتائج خاصة فيما يتعلق بالأصولية التي يماهيها مع الإسلام حصراً ،فانتشار الوفرة الاقتصادية على عكس ما يرى علماء الاجتماع لن يؤدي إلى تآكل وإضعاف الالتزام الديني . فحتى الثروة النفطية الهابطة من السماء ، والتي لم تُكتسب بالجهد والعرق ، لم تملك مثل هذا التأثير ، يضاف إلى ذلك أن الإسلام قد أثبت قدرته على اختراق المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية الغربية وضمها وتوحيدها مع الإيمان الراسخ والتماهي في الإسلام ، بكل ما يمتلكانه من قوة وانتشار، ولا يبدو أن الدين العالمي الإسلامي مقررٌ عليه بالضرورة أن يتآكل أو يضعف بتأثير الأوضاع والظروف الحديثة ، بل على العكس قد تقدم له هذه الظروف والدعم والمساندة .
    أطلنا قليلاً في تقديم وجهة نظر غيلنر للإسلام ، ليس من باب الاستئناس بآرائه بحكم كونه مختصاً في أنتربولوجيا الإسلام ، إذ عاش فترة لا بأس فيها في المغرب ومصر ، وكتب كتباً عدة عن ذلك ، وإنما للتعامل مع وجهة نظره خاصة فيما يتعلق بالنظام المعرفي .
    فالإسلام بالنسبة إليه يمتلك نظاماً معرفياً خاصاً به ، وبنيته التكوينية قارة أو ثابتة لا تتغير مع تغير الأزمنة والدهور ، على الأقل بالنسبة لمعتنقيها والمؤمنين بها ، وأصواته الأصولية التي تخرج من هنا وهناك وتتكاثر يمنة ويسرة لا تمثل خروجاً عن نسقه المعرفي أو السيستام النظري الخاص به ، لا، بل إنها تمثل تعبيراً صريحاً عن مكنونه الفكري ومعتقده الإيماني ، ولذا ، يبدو مكتوباً على جميع المحاولات النظرية والعملية التي تسعى إلى موائمة الإسلام مع العصر ، أو تلك التي تحاول أن تفترض انسجاماً بين الإسلام والقيم الكونية ، يبدو مكتوباً على جميع هذه المحاولات الإخفاق والفشل الذريع ، وعلى الغرب ، بوصفه يمتلك نظاماً معرفياً مغايراً ومختلفاً ، أن لا يضيع وقته في محاولات يائسة وبائسة لإدخال الإسلام في الحداثة ، بل عليه أن يحاذر الأصولية سياسياً التي ستشهد صعوداً يخشى فيه .
    سطّر غيلنر رؤيته تلك قبل أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 بعشر سنين تقريباً ، واستحضارها اليوم لقراءتها بعد هذه الأحداث ليس المقصود منه إظهار بعدها التنبؤي أو التحذيري ، لا ، فالمقصود غير ذلك تماماً ، وهو إظهار الصراع الخفي على " القيم الكونية " أو " Universal " .
    لا يعني الصراع هنا تلك الصورة الحاضرة في مخيلتنا من الإرث الماركسي عن " الصراع الطبقي " ، ولا تلك التي أثارها هينتغنتون في نظريته عن " الصدام بين الحضارات " ( Clash of Civilization ) ، وإنما هي أقرب إلى الجدل الدائر والمتجدد دوماً حول الخصوصية والعالمية أو الهوية والعولمة .
    إذ بغض النظر عن إقرارنا بمفصلية حدث 11 أيلول سبتمبر أم لا(2) ، وسواءً اتفقنا أم اختلفنا أن الإدارة الأمريكية استثمرت حدث 11 أيلول / سبتمبر لتنفذ برنامجها الخاص (3)، فإن هذا الحدث قد أطلق حواراً مباشراً أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى بين الرؤيتين الغربية والإسلامية للعالم .
    صحيحٌ أن هناك أصواتاً ارتفعت لدى الطرفين تنادي بالصدام وحتى الحرب بين الحضارات وتقسم العالم إلى فسطاطين كما هي حال بن لادن ، أو تقسمه إلى طرفين أحدهما مع الإرهاب والآخر ضده كما هي حال الرئيس الأمريكي بوش ، إلا أن الرأي العام في كلا الطرفين كان يرى في الحوار مدخلاً ليس ضرورياً فحسب وإنما وحيداً لتعزيز التفاهم والتبادل والتوصل إلى رؤى مشتركة .
    برز من بين هذه الدعوات بيان الستين مثقفاً و مفكراً أمريكياً الذي حمل عنوان ( من أجل ماذا نحارب ؟ : رسالة من أمريكا ) و كان من أبرز الموقعين عليه فرانسيس فوكوياما و صاموئيل هنتغنتون و صومائيل فريد مان و توماس كوهلر و نيل جيلبرت و هارفي مانسفليد و روبرت بوتمان و غيرهم و رعاه بشكل رئيسي معهد القيم الأمريكية الذي يرأسه ديفيد بلانكنهورن و يدافع بشكل رئيسي عن القيم الأمريكية في المجتمع و الأسرة و الدين و الاقتصاد و يقود حواراً مهماً حول جميع هذه القضايا في الولايات المتحدة الأمريكية و العالم.
    يمكن القول أن هذا البيان قد أطلق حواراً من نوع فريد حول معنى ومفهوم" القيم الكونية "أو "اليونيفرسال" كما يجري تداولها الآن في الفلسفة الفرنسية و الأمريكية بشكل كبير .
    و بالرغم من أن البيان قد صيغ بشكل رئيسي لتبرير الحرب الأمريكية على أفغانستان بوصفها حرباً عادلة إلا أنه في تعليله ذاك لجأ لتوظيف "القيم الكونية" بوصفها ملجأ شرعياً على الجميع أن ينضوي تحتها، بل إنه يخاطب المسلمين مطالباً إياهم بالوقوف إلى جانبهم لمجابهة الأصولية الإسلامية "التي تدعي النطق باسم الإسلام لكنها تخون المبادئ الإسلامية الأساسية لأن الإسلام يقف ضد هذه الوحشية الأخلاقية"، و لذلك علينا أن نسترد الإسلام ممن خطفه و قاتل باسمه تشويهاً لصورته و سمعته .
    على العموم، فالبيان يشدد على خمس حقائق أساسية تتصل بكل الناس من غير تفرقة ،هي :
    1ـ إن البشر يولدون متساوين في الكرامة كما في الحقوق .
    2ـ الشخصية الإنسانية هي العنصر الأساسي في المجتمع ،و تكمن شرعية دور الحكم في حماية هذه الشخصية و المساعدة في تأمين فرص التفتح الإنساني لها .
    3ـ يرغب البشر بطبيعتهم في البحث عن غاية الحياة و مقاصدها .
    4ـ حرية الضمير و الحرية الدينية من الحقوق التي لا يمكن انتهاكها في الشخصية الإنسانية .
    5ـ القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله، و هو يشكل خيانة عظمى لكونية الإيمان الديني (4).
    و يعقب البيان قائلاً " بناءً عليه فنحن نحارب للذود عن أنفسنا و دفاعاً عن هذه المبادئ الكونية ".
    بدايةً ينبغي أن نذكّر أن هذا البيان ربما لا يعبر عن وجهة نظر كل المثقفين الأمريكيين و لا حتى عن معظمهم بحكم التعدد و التنوع الكبير الذي يحظى به المجتمع الأمريكي، بيد أنه يجب أن نذكر و بنفس الوقت أيضاً أن رؤية هؤلاء المثقفين الأمريكيين بغض النظر عن حضورهم ووزنهم الأكاديمي و المعرفي -و هو عملياً ليس بالشيء القليل أبداً - فإن رؤيتهم تفتح لنا باباً ثرياً للجدال حول كونية القيم و عالميتها، فهذا السؤال يشكل اليوم هاجساً يؤرق الفلسفة المعاصرة و يطرق بابه معظم و أشهر الفلاسفة المعاصرين من دريدا و بودريار في فرنسا إلى هابرماز في ألمانيا مروراً بعديد الكتاب و الباحثين و المحللين و حتى السياسيين أنفسهم كما ورد عمداً أو سهواً على لسان سيلفيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الإيطالي الذي اعتبر أن "الغرب متفوق حضارياً على العالم الإسلامي "(5).
    و من هذا المنطلق يأتي تركيزنا على هذا البيان -الرسالة و على التعقيبات المتتالية التي استتبعها سواء من المثقفين السعوديين الذي عقّبوا عليه في رسالة جماعية أو المثقفين العرب الذين توالت ردودهم أو حتى المثقفين الألمان الذي دخلوا في جدالٍ فكريٍ عميق مع بيان المثقفين الأمريكيين مما استدعى ردوداً متعاقبة من كلا الطرفين .
    مهما يكن فإن البيان ـ الرسالة ينطلق من مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي يعتبرها كونية، إذ هي موجودة لدى كل الشعوب دون تمييز كحرية الكائن وحق اختيار الدين الشخصي وإدانة القتل كمبدأ لأنه مناف للأديان جميعها . لا يختلف المثقفون السعوديون ولا الألمان معهم في ذلك ، فالسعوديون الذين ينطلقون من كونية القيم الإسلامية يعتبرون أن :
    1ـ الإنسان من حيث كينونته هو مخلوقٌ مكرم ، فلا يجوز أن يُعتدى عليه مهما كان لونه أو عرقه أو دينه ، قال تعالى (ولقد كرّمنا بني آدم ) .
    2-تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق ، بل قتل نفس واحدة ظلماً عند الله كقتل الناس جميعاً ، وحماية نفس واحدة من القتل كإحياء الناس جميعاً .
    3ـ كما لا يجوز إكراه أحد في دينه ، قال تعالى : ( لا إكراه في الدين ) ، بل إن الإسلام نفسه لا يصح مع الإكراه .
    4ـ إقامة العلاقات الإنسانية على الأخلاق الكريمة أساسٌ في رسالة الإسلام .
    5ـ المسؤولية في الجنايات الخاصة فردية فلا أحد يؤخذ بجريرة غيره ، كما أن العدل بين الناس حقٌ لهم و الظلم محرّم فيما بينهم مهما كانت أديانهم أو ألوانهم أو قومياتهم ، قال تعالى ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) .
    6ـ أما الحوار والدعوة فإنما يتمان بالحسنى ، قال تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (6).
    فالمثقفون السعوديون ـ واعتقد أن معهم الكثير من المثقفين العرب والمسلمين ـ يرون أن المبادئ الكونية التي يبشر بها المثقفون الأمريكيون قد" أرساها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً وقبل أن توجد منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية"(7).
    أما المثقفون الألمان فقد أكدوا اتفاقهم حول الاشتراك في المعايير الأخلاقية المتضمنة احترام الكرامة الإنسانية . بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين ، واعتبروا أن الكفاح من أجل الديمقراطية يمثل أساساً هاماً لحماية الكرامة الإنسانية والحريات الأساسية والحرية الدينية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة (8).
    يبدو أن الجميع متفق على المبادئ الكونية العامة من مثل احترام الإنسان وحقوقه وحريته الدينية وغير ذلك . وهو ما يشعرنا بأن " القيم الكونية " باتت كونيةً حقاً ، بيد أن الاختلافات الجوهرية والثانوية لا تلبث أن تطالعنا عند التدقيق في آلية تطبيق هذه القيم الكونية على أرض الواقع ، بمعنى أن هناك اتفاقاً في الرؤية، بيد أننا نجد اختلافاتٍ شاسعة في تطبيق هذه الرؤية ، حتى ضمن الثقافتين الأمريكية والأوروبية رغم أنهما يعودان إلى أصول غربية واحدة ، وهو ما سنعّرج عليه بعد قليل .
    فانطلاقاً من هذه المبادئ نفسها يرى الأمريكيون في بيانهم أن " الهدف من جريمة 11 أيلول / سبتمبر كانت الجريمة نفسها " ، وبالتالي " فمهاجمينا لا يحتقرون فقط حكومتنا بل هم يحتقرون طريقة عيشنا ومجتمعنا كلّه . وفي الأساس ، لا يتناول غضبهم ما يقوم به قادتنا فحسب ، بل أيضاً بما نحن كائنون به " .
    والكينونة الأمريكية تلك تتحدد بعددٍ من القيم ليست جاذبةً للأمريكيين فقط ، بل إنها تصح كذلك أيضاً بالنسبة إلى كل الناس وفي كل مكانٍ من العالم وتقوم على أن :
    " كل الأشخاص يمتلكون كرامة إنسانية مكتسبة ، هي حقٌ لهم بالولادة " ، ووفقاً لذلك " فالديمقراطية هي الصيغة السياسية الواضحة التي تمثل هذا الإيمان بالكرامة الإنسانية السامية ، والتعبير الثقافي الأوضح عن هذه الفكرة هي تأكيد المساواة في الكرامة بين الرجال والنساء " وثانية هذه القيم " هي أن القناعة بأن الحقائق الأخلاقية الكونية موجودة بالفعل ،ويمكن لكل الناس الوصول إليها وهي التي اسماها الآباء المؤسسون بقوانين الطبيعة والفطرة الإلهية " ثم تأتي " القناعة بعدم القدرة على الوصول إلى الحقيقة ، أفراداً وجماعات ، لذلك فكل الاختلافات حول القيم تستدعي الروح المدنية والانفتاح على وجهات النظر الأخرى " وأخيراً " فحرية الضمير والحرية الدينية ،هي من بين الحريات الأساسية المعترف بها ،كانعكاسٍ للكرامة الإنسانية الأولية ، وكشرطٍ مسبق لقيام الحريات الفردية الأخرى " هذه القيم التي يمكنها أن تنطبق على كل الناس وبلا تفرقة على حد تعبير البيان ، تفسر لماذا بإمكان أيٍّ كان أن يصبح أمريكياً . " فما من أمةٍ صنعت هويتها ، أو كتبت دستورها وسائر وثائقها المؤسسة ، كما فهمها الأساسي لنفسها ، بهذه الدرجة من المباشرة والإفصاح بالاستناد إلى القيم الإنسانية الكونية " . فما اعتبره البيان في بدايته قيماً أمريكية أصبحت في نهايته قيماً إنسانية كونية ، وكأن "القيم الأمريكية" غدت عند الموقعين هي ذاتها " القيم الكونية " دون الإدراك أن هذه القيم لم تصبح كونية بذاتها إلا كناتجٍ لاستيعاب المحصلة الإجمالية لجهد الحداثة(9) .وعلى هذا فالحضارات والثقافات جميعها شريكة عبر صيرورتها التاريخية في بلورة هذه " القيم الكونية " ولم تكن أبداً حكراً على ثقافةٍ واحدة بعينها ، صحيحٌ أن تعبيرها الأجلى والأوضح برز في السياق التاريخي لتطور الحضارة الغربية،إلا أن نفي جهد الحضارات الأخرى يكون كمن يقول أن عقارب الساعة لم تكن متساوية قبل اكتشافها على حد تعبير فولتير.
    بيد أن البيان نفسه يتوقف لحظةً عند هذه النقطة ليتساءل"يؤكد البعض أن هذه القيم ليست كونيةً البتة، بل هي تنحدر بالأخص من حضارة الغرب المسيحي .وهم يحاججون بأن الإقرار بكونية هذه القيم يُلغي خصوصية الثقافات الأخرى .نحن نخالف ذلك. نحن نعترف بالطابع الناجز لحضارتنا ، لكننا نؤمن بأن الناس جميعهم خلقوا متساويين . كما نؤمن بالحرية الإنسانية ،كإمكانية كونية ورغبة ،وبأن هناك حقائق أخلاقية أساسية معينة يشترك كلُّ العالم في الإقرار بها " .
    لاغبار- بكل تأكيد- على أن الحرية الإنسانية والكرامة هي محط تبجيل من قبل الثقافات جميعها. بيد أننا نعود للقول مجدداً أن فهم هذه الثقافات للحرية يختلف من ثقافةٍ إلى أخرى ، وهو ما استدعى السعودية والصين ، كمثالين فقط يعبران عن ثقافتين مختلفتين ، للتحفظ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 بحجة أنه يناقض في عددٍ من بنوده القوانين المرعية في كلا البلدين التي تؤكد على الخصوصية الثقافية لكلٍ منهما .
    لكننا إذا عدنا إلى بيان المثقفين الأمريكيين وتجاوزنا ديباجيته المطوّلة هذه التي تدور حول فكرة " القيم الكونية " لنرى ما المطلوب من هذه القيم أن تشتمل عليه أو تحققه ، لوجدنا أن البيان صيغ بشكلٍ رئيسي وكما قلنا لتبرير الحرب الأمريكية على أفغانستان ، وأن هدف المثقفين الأمريكيين الأول من بيانهم هو كما ذكروا ذلك صراحةً في ردهم على رد المثقفين الألمان هو " أن نسعى إلى الاستناد إلى مفهوم الحرب العادلة لكي نظهر أن استخدام القوة العسكرية ضد مجرمي 11أيلول و أولئك الذين يساعدونهم ليس مبرراً أخلاقياً فحسب ، بل إنه ضرورة أخلاقية كذلك "(10) .
    تجد هذه"الحرب العادلة " تبريرها الأخلاقي الموضوعي في " اعتبار الحرب أحياناً دفاعاً عن وجود المجتمع المدني وعن عالم قائمٍ على العدل" وفكرة الحرب العادلة " تجد جذوراً لها في تقاليد أخلاقية مختلفة ،إذ تحتوي التعاليم اليهودية والإسلامية على نظراتٍ جدية في مجال تعريف هذه الحرب" ،لكن لا يُعقل لأي حربٍ أن تقع دون أن يسقط كنتيجةٍ لها ضحايا مدنيون ، ارتفع عددهم بشكل كبير في الحرب الحديثة بالرغم من استخدام الأسلحة الذكية ، لكن البيان يجد لذلك تبريراً أخلاقياً أيضاً من زاوية أنه "غير مقصود لكنه متوقع " ما دامت الحرب مبررة أخلاقياً لا بل ضرورية . ويُنهي البيان كلماته بتكثيفٍ معبر عندما يقول " إن هؤلاء القتلة المنظمون ذوو البعد العالمي يهدوننا اليوم جميعاً . ولذلك فباسم المبادئ الأخلاقية الإنسانية العامة ، وبوعي كامل لقيود ومتطلبات الحرب العادلة ، نؤيد قرار حكومتنا ومجتمعنا باستخدام السلاح ضدهم " .
    إن المثقفين الألمان وفي تعقيبهم الأول على بيان المثقفين الأمريكيين يثيرون نقطتين بالغتي الأهمية ، أولاهما هي أن الدول الديمقراطية تمتلك وسائل متطورة بما فيه الكفاية ووفق القواعد القانونية لمحاصرة الجريمة ضمن حدودها، وهنا دار ويدور جدلٌ كبير بين الأمريكيين والأوروبيين حول المنزلة القانونية الني تحتلها أحداث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر ، فإذا كانت جريمة إرهابية كما يصرُّ الأوروبيون على توصيفها فإنها ستجد معالجةً لها عبر الوسائل القانونية المحلية والدولية وتشديد دور الاستخبارات وأجهزة الأمن لتفكيك الخلايا المسؤولة عن مثل هذه الأعمال ، أما الأمريكيون فإنهم يرون في حدث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر بمثابة إعلان الحرب الموجهة ضدهم ، وهم بذلك يمتلكون كل الشرعية والأحقية القانونية في الرد على الحرب المعلنة ضدهم (11) .
    أما النقطة الأخرى التي يثيرها المثقفون الألمان هي أن البيان الأمريكي إياه لا يذكر ولو بكلمة واحدة حوادث القتل الجماعي التي تعرض لها السكان المدنيون الأفغان لدى قصفهم من قبل القوات الأمريكية ، فحصانة الكرامة الإنسانية تنطبق ليس على الناس فقط في الولايات المتحدة وإنما على الناس أيضاً في أفغانستان وحتى جماعة طالبان وسجناء غوانتانامو في كوبا .
    وهكذا كما يعلّق المثقفون الألمان "لا تنطبق المعايير الأخلاقية الإنسانية التي وضعتموها إلا على أنفسكم، وبمثل هذه الازدواجية والانتقائية في الاستعمال توضع هذه المعايير العالمية على المحك وتُثار شكوك حقيقية حولها" .كما يغمز المثقفون الألمان من قناة المثقفين الأمريكيين ومن دوافعهم وأهدافهم الإنسانية النبيلة ، عندما يذكّرونهم أنهم يصمتون أيضاً عن الأهداف الحقيقية للإدارة الأمريكية الحالية من وراء حربها على أفغانستان والتي تعود في معظمها إلى خيارات جيواستراتيجية عبر السيطرة على طرق نقل النفط وتقوية موقعها المهيمن ليس على حساب روسيا فحسب، وإنما على حساب القوة الإقليمية الصاعدة المتمثلة في الصين ومقابل أوروبا واليابان وترسيخ هيمنتها لعدة عقود قادمة .
    يبدو واضحاً من هذه الاتهامات المتبادلة أن القيم الكونية قد تبددت تماماً على مذبح السياسة ، وأن ما صدرته البيانات جميعاً في مقدماتها تبخر مع نهاياتها عندما تغوص في وحول السياسة ورمالها المتحركة ، ذلك أن المثقفين الأمريكيين وجدوا في الرد الألماني استفزازاً من نوع خاص(12)، حيث أنهم لا يتخذون أيّ موقف ذي منطق متماسك من أخلاقية استخدام القوة ، لا بل إنهم يصفون تقليد الحرب العادلة التي يدعو لها المثقفون الأمريكيون "بالمفهوم التاريخي الفاسد" .
    فهل يدفعنا ذلك إلى القول أن السياسة هي من يحرك الثقافة ويحدد أطرها ، أم على العكس إنما تنطلق السياسة في مبتدأها من مبادىء فكرية وثقافية هي الأصل التي تتغذى منه وتقوم عليه . يمكن متابعة ذلك بوضوح بالنظر إلى تعقيب المثقفين السعوديين والرد الأمريكي عليهم ، إذ يتساءل السعوديون لماذا لم يختر منفذوا جريمة الحادي عشر من أيلول /سبتمبر بلداً أخر غير الولايات المتحدة ممن يتبنى القيم الغربية ؟ طالما أن البيان الأمريكي اعتبر أن القيم الأمريكية هي المستهدفة من هذه الجريمة ، ثم يتساءل البيان السعودي مرة أخرى "لماذا لم يتوجه هؤلاء إلى دولٍ ومجتمعاتٍ أخرى تدين بالوثنية في آسيا وأفريقيا هي أولى بالحرب لو كان دافعهم هو محاربة من يختلف معهم في القيم ؟" .
    في الواقع نصل هنا إلى نموذجين في التفكير متناقضين تماماً أولاهما يصرُّ على البحث عن الأسباب القريبة والبعيدة التي دفعت مرتكبي جريمة 11أيلول /سبتمبر لتنفيذ فعلتهم،والآخر يعتبر أن سؤالاً من هذا النوع هو نوعٌ من "العمى الأخلاقي" ،فالإرهاب شرٌّ بطبيعته ويجب ألا نسأل عن مصدره ،بل أن نبحث في طرق استئصاله ،فما حدث في 11 أيلول/سبتمبر لا يدخل في باب الإرهاب ذي المقصد أو المغزى السياسي ، وإنما هو نوعٌ من العدمية اللاأخلاقية ، فالضحايا المدنيون الذين قضوا في هذا الحدث لم يكونوا من طرفٍ أو نوعٍ واحد بل كانوا من كلّ الجنسيات والألوان والأعراق ، واستهدافهم كان لسببٍ وحيد هو أنهم على أرضٍ أمريكية ، وعند ذلك تنتفي كل الأسباب والمبررات (13).
    بيد أن الرأي السائد والذي اتخذته الإدارة الأمريكية الحالية نهجاً لها . لا يُسأل عن سبب الإرهاب ، وإنما علينا مكافحته . يعلّق المثقفون الأمريكيون في ردّهم على الرًّد الألماني المتسائل عن سبب غياب أيِّ ذكرٍ للضحايا المدنيين الأفغان في مانفيستو " من أجل ماذا تحارب " ، يعلّقون بالقول " أحزنتنا تلك التعليقات ، إذ من العمى الأخلاقي أن تساووا بين ضحايا مدنيين سقطوا على نحو غير متعمّد على مسرح حربٍ دوافعها عادلة وهدف محاربيها عدم تجاوز الحد الأدنى من الخسائر في أرواح المدنيين ، والقتل المتعمد للمدنيين في مكاتبهم في المدينة وهو قتلٌ دوافعه غير عادلة ، وهدف مرتكبيه تحقيق الحد الأقصى من الخسائر في أرواح المدنيين ". مهما يكن ، فإذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر قد وحّدت الثقافة الغربية لفترةٍ قصيرة و دفعت رئيس تحرير جريدة لوموند الشهيرة جان ماري كولومباني ليكتب في اليوم التالي لحدث 11 أيلول /سبتمبر (كلنا أمريكيون) فإن الكاتب نفسه وبعد الإجراءات التي اتخذتها إدارة بوش في حربها ضد أفغانستان وإطلاقها لوصف (محور الشر ) تسائل في كتابٍ له ( هل صحيحٌ أننا كلنا أمريكيون ؟ ) ليعتذر فيه عن اندفاعه المبدئي ، ويمارس نقداً بالغ الحدة والعنف للسياسات الأمريكية . بيد أن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير ، فالغرب نفسه أصبح موضع تساؤل ، ألم يتحدث أناتول ليفين عن " نهاية الغرب " ، ثم أتت الحرب الأمريكية البريطانية على العراق لترسم شرخاً واسعاً وعميقاً بين الثقافتين الأوروبية والأمريكية مما يدفعنا للقول مرة أخرى أنه ربما تكون " القيم الكونية " متفقاً عليها بين الجميع ، بيد أن الزاوية التي ننظر إليها إلى هذه القيم تختلف بين ثقافة وأخرى اختلافا شاسعاً، لا ،بل إنها اختلفت ضمن الثقافة نفسها ،وهي الثقافة الغربية .
    فبعد الحادي عشر من أيلول / سبتمبر تمحورت الفكرة الأوروبية على ضرورة توسيع أطر الأنظمة القضائية الجزائية التي كانت تعمل على المستوى المحلي لكي تصبح في المستقبل أكثر شمولية ، وعندما خاضت بعض هذه الدول الحرب على أفغانستان مع الولايات المتحدة فإنما دخلتها من باب تعاطفها الأوّلي مع الولايات المتحدة بعد مصابها . وكرهها لنظام طالبان الاستثنائي في قيمه ورؤيته للعالم . بيد أن الولايات المتحدة أرادت من خلال " حربها على الإرهاب " أن تخوض حرباً مستمرة ودائمة لتحقيق أهدافها وطموحاتها ، وهو ما وضع الولايات المتحدة ضد البقية على حد تعبير فوكوياما ، ذلك أن معظم دول العالم أصبح يؤمن أن القوة الأمريكية وليس الإرهابيين المزودين بأسلحة الدمار الشامل هي من يزعزع استقرار العالم وتبدو هذه القناعة راسخة لدى العديد من الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة .
    وقد تعزز الافتراق الأمريكي عن الآخرين مع تعزيز الرؤية الأحادية الأمريكية وترسيخ العزلة الخاصة بها عن طريق الانسحاب من الاتفاقية المضادة للصواريخ البالستية،وسعيها بنفس الوقت إلى بناء الدرع الصاروخي وخروجها من "اتفاقية كيوتو" المتعلقة بارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي ، ويضاف إلى هذه القائمة معارضة واشنطن لحظر استخدام الألغام الأرضية واعتراضها على اتفاقية حظر الحرب البيولوجية ، ثم معارضتها للمحكمة الجنائية الدولية.كلُّ ذلك عزَّز التفكير لدى الأوروبيين في البحث عن ثقافتهم وقيمهم الخاصة بهم ، التي راحوا يجدونها عبر التمايز والمفارقة ، فالأمريكيون على سبيل المثال ميّالون لأن يروا لأية شرعية ديمقراطية وجوداً يفوق ما تتمتع به الدولة القومية من شرعية،أما الأوروبيون فعلى العكس تماماً،إذ يرون أن الشرعية الديمقراطية إنما تنبع من إرادة المجتمع الدولي أكثر من كونها مستمدة من أية دولة قومية منفردة على الأرض (14). ويعود الخلاف في الرؤى حول الشرعية الديمقراطية إلى الخلاف حول دور القانون الدولي و أوّلها انعدام توازن القوى بين الولايات المتحدة الأمريكية وأية دولة أخرى سواها . مما يدفع الدولة العظمى الوحيدة في العالم للانفلات من القيود وإلى تحرير قدرتها على الفعل .
    كما أن الأوروبيين يعتبرون أن سلوكهم في مواجهة المشكلات أكثر براعةً وتنوعاً بحكم خبرتهم التاريخية وخبرتهم تلك هي التي دفعتهم إلى اتخاذ موقفٍ سلمي من الحرب على العراق مما شكّل تناقضاً جذرياً مع الثقافة الاستراتيجية التي سادت في أوروبا طوال أربعة قرون ، وهكذا فقد تبادل الأمريكيون والأوروبيون مواقفهم ووجهات نظرهم ، فالانكفاء الأمريكي عن التدخل أصبح جموحاً بعد قرنٍ من الزمان أما الحماسة الأوروبية للصراع والتدخل فقد قلمت أظافرها و أصبحت تنشد السلام أكثر من رغبتها في الحرب .
    غير أن أوروبا اليوم لا تستطيع أن تكبح جماح الولايات المتحدة في حروبها المتكررة ، فهي لم تستطع مثلاً أن تمنعها عن خوض الحرب على العراق ، لكنها تسعى وباستمرار إلى السيطرة على الوحش من خلال إيقاظ ضميره وتذكيره بماضيه (15).
    لكن المحافظين الجدد الذين يسيطر معظمهم على المواقع الحسساسة في الإدارة الأمريكية الحالية (16)يؤكدون بما لا يقبل الشك ، أن أمريكا وأوروبا قد أصبحتا منتميتين إلى عالمين مختلفين ، أحدهما متحدر من الزهرة وثانيهما من المريخ ، وأنهما ، تالياً ، لا يؤمنان بالقيم نفسها .
    فمن الصحيح كما قلنا أكثر من مرة أن " القيم الكونية " تكاد تكون هي ذاتها ، إلا أن طرق تطبيقها يزداد تبايناً حتى ضمن الثقافة نفسها ، كما نجد في الثقافة الغربية ، فالأوربيون والأمريكيون يمتلكون قيماً أساسيةً مشتركة ، لكنهم لا يشتركون في فهمٍ واحدٍ لهذه القيم المشتركة .
    فعلى سبيل المثال كلا الطرفين يمجدان الكرامة الإنسانية ، إلا أن الأوربيين يرون في عقوبة الإعدام انتهاكاً لها، لكن الأمريكيين يستمرون في تطبيقها ، كما أن أوروبا تتحول أكثر فأكثر إلى تبني العلمانية ،في حين يمثل الدين مكانة مهمة في الحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية ،و الرئيس بوش نفسه يفاخر بتدينه العميق (17) .
    والولايات المتحدة تنزع نحو تفردٍ أكثر فأكثر وضوحاً في القرار والقيادة ، معتبرةً أن المعاهدات الدولية ليست سوى قيود غير مبررة تكبل السيادة الأمريكية ، أما الأوروبيون فيدعون ، اقتناعاً وتركيباً وحاجةً ، كما يقول باسكال بونيفاس ، إلى تعددية قطبية لأنهم مقتنعون بأن قواعد الحق تحمي الجميع ولا سيما الأضعف .
    إن الأوربيين وعلى رأسهم الفرنسيين ينتهون إلى القول أن " العالم الغربي الذي طالما وقف صفاً واحداً إلى جانب الولايات المتحدة بمواجهة التهديد السوفيتي ، يميل اليوم إلى التصدع . وما عاد مؤكداً أننا نشترك بالعزم نفسه في تبني القيم نفسها والتصور نفسه للتهديدات والمخاطر وأساليب المواجهة .
    لم يعد من المجدي التغافل عن هذا الواقع متذرعين بوازع التضامن الغربي ، والأحرى بنا ، إذا أردنا أن نقيم علاقة عبر أطلسية جديدة ، أن نقيمها على أسس جديدة وواضحة وليس على أسس مفترضة مسبقاً وبعيدة كل البعد عن الواقع " (18).
    أما الأمريكيون فيعلنونها صراحة " علينا أن نكف عن التظاهر بأن للأمريكيين والأوروبيين رؤية مشتركة عن العالم ، لا بل عن الإدعاء بأنهم يعيشون على الكوكب نفسه "(19).
    فإذا كان التصدع قد أصاب الثقافة الغربية ذات الأصل التاريخي المشترك والهوية المسيحية اليهودية الواحدة والتحالف السياسي الاقتصادي الاستراتيجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، فإنه من الأسهل علينا القول إذاً أن "الثقافة الكونية " التي يبشر بها البعض (20) ، أكثر بعداً ونأياً مما نتخيله . فالصراع على القيم في جوهره هو اختلافٌ على المصالح والرؤى وامتلاك الأفضلية ،وأن التفوق الحضاري الذي يشمل تفوقاً فكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً سيفرض حتماً تفوقاً قيمياً لصالحه ، هذا ما يعلّمنا إياه التاريخ ، والواقع المعاصر لا يبدو أنه يشذُّ عن تاريخه ، لا بل إنه يصدقه ويؤكده .
    بيد أن ذلك يجب أن لا يعني بأي حالٍ من الأحوال انغلاق الثقافات وراء متراس خصوصياتها ، إذ في ذلك انتحارٌ لها، وإنما انفتاحٌ على الآخر المختلف بما فيه اغناءٌ لها وبها ، وسعيٌ حثيث باتجاه الإنساني المشترك منعاً ومحاصرةً للأصوليات التي لا تهدد "القيم الكونية" فحسب وإنما تفجر الخصوصيات الثقافية ذاتها وتدمرها .


    __________________________
    (*) كاتب وباحث من سوريا.
    1) أرنست غيلنر ، ما بعد الحداثة والعقل ، والدين، ترجمة معين الإمام (دمشق :دار المدى ،2001) وقد نشر الكتاب للمرة الأولى بالإنكليزية عام 1992، وللمزيد حول سيرة ورؤية غيلنر يمكن مراجعة الحوار الذي أجراه جون ديفيز تحت عنوان (حوار مع أرنست غيلنر : الخروج من الهامش ) التسامح ، العدد 3 ، السنة الأولى،صيف 2003 .
    (2) يعتبر كتاب الباحث الفرنسي أوليفيه روا (أوهام 11أيلول ) من أهم الكتب التي تناقش وترفض بنفس الوقت اعتبار حدث 11أيلول /سبتمبر حدثاً مفصلياً ، أي يشكل قطيعة استراتيجية بين ما قبله وما بعده ، انظر :
    Olivier Roy ,Les Illusions du 11sptember (Paris: Sueil ,2002)
    وانظر مراجعات هامة للكتاب في: النهار ،( بيروت ) ،16/10/2002، والحياة ، (لندن )، 19/1/ 2003
    (3) يمكن القول أن هذه النتيجة لم تقتصر على فريق المحافظين الجدد المحيطين بالإدارة الأمريكية الحالية فقط كما يجري ترديد ذلك في الإعلام العربي، بل إن أصواتاً يسارية أمريكية أو معارضة للإدارة الحالية رأت في حدث 11 أيلول / سبتمبر فرصة لكي تعيد الولايات المتحدة ترتيب أوضاعها عالمياً ، ربما ليس بطريقة الإملاء التي تنتهجها الإدارة الحالية وإنما عبر الحوار وتعزيز الشراكة ، انظر : هنري كيسنجر ، كيف ستؤدي هجمات 11 سبتمبر إلى صياغة النظام العالمي للقرن 21 ؟ ، الشرق الأوسط، ( لندن ) ، 3 / 12 / 2001، بقي أن نذكر أيضاً أن العديد من الأنظمة في العالم استثمرت حدث 11 أيلول / سبتمبر لحسابها الخاص أيضاً وأولهم الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة شارون في صراعه مع الفلسطينيين ، انظر : زبيغنيو بريزينسكي ، بوتين ـ شارون ـ فاجبايي ـ جيانغ زيمين اختطفوا تعريف بوش للإرهاب، الحياة،( لندن )، 9 / 9 / 2002 بالاتفاق مع ( New York Times ) ،وحول تحميل إدارة بوش برنامجها الخاص على حدث 11 أيلول / سبتمبر، أنظر :جون كينبري ، إغراءات السياسة الاستباقية،الحياة ،( لندن ) بالاتفاق مع (New York Times ) حيث يتهم كينبري أستاذ الدراسات الجيوسياسية في جامعة جورج تاون أن الإدارة الأمريكية الحالية تنطلق من رؤية إمبريالية جديدة تعين فيها الولايات المتحدة نفسها مصدراً لترسيم القواعد الدولية وتحديد الأخطار المحتملة واستعمال القوة وإقامة العدل ، وتتغذى هذه الرؤية من إغراء القوة الأمريكية العظمى بوصفها القطب الوحيد في العالم .
    (4) What We`re Fight For :A Letter from America ,February 2002,Instute for American values ,see: www..americanvalues .org


    (5) انظر : السفير ، (بيروت ) ، 28/9/2001 .
    (6) How we can Coexist? ,see www .islamtoday .net
    ومن أبرز المثقفين السعودييين الموقعين على البيان (كيف لنا أن نتعايش ؟ ) تعقيباً على رسالة المثقفين الأمريكيين سفر الحوالي والشيخ سلمان العودة ود. مانع الجهني و د. منصور الحازمي وغيرهم .
    (7) انظر : الفضل شلق ،خطاب المثقفين الأمريكيين ومصير السياسة بعد 11أيلول ، وأيضاً : رضوان السيد، إجابة عربية على رسالة المثقفين الأمريكيين ، الاجتهاد ، العدد 54،السنة 14، ربيع 2002، ص215-229وص 267-278بالترتيب.
    (8) A World of Justice and Peace would be Different
    Frankfurter Allgemeine ,May 2,2002,see :www.americanvalues .org
    (9) انظر:صالح بشير ،حسن منيمنة وحازم صاغية ،تعقيب على البيان-الرسالة للمثقفين الأمريكيين الستين،الحياة،(لندن)،31/3/2002 ،ويعتبر هذا التعقيب من ألمع الردود العربية وأوجزها بياناً.
    (10) Is the Use of Force Ever Morally Justified ?,August 8,2002 .A Response from Americans to Colleagues in Germany , see :www.americanvalues .org
    (11) للمزيد حول ذلك، انظر : دافيد هيلد ،العنف والقانون والعدالة في زمن العولمة ، المستقبل،(بيروت )،5/9/20023 .
    (12) وصف ديفيد بلانكنهورن ،مدير معهد القيم الأمريكية وصاحب مبادرة رسالة الستين مثقفاً أمريكياً ، وصف الردود التي أتت على هذه الرسالة بأنها كانت في معظمها قاسية وسلبية ، وكان الغضب والاتهام يغلب عليها ، انظر الحوار التي أجرته معه صحيفة الحياة ، (لندن )، 10/9/2002 .
    (13) اعتمد اليسار الأمريكي المعارض للإدارة الأمريكية الحالية ، واليسار الأوروبي في مجمله على عددٍ من المحاججات النظرية لتفسير الارهاب في 11أيلول /سبتمبر ، كمثل القول أن الإرهاب سيء بيد أن الأمريكيين أسوأ ، فهم الإرهابيون الأولون الذين عمموا شرهم في أمريكية اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وأنهم إنما يحصدون الآن جزءاً مما زرعوه ، أشهر من يمثل ذلك نعوم تشومسكي وغور فيدال ، انظر : Gore Vidal , Perpetual War for per Perpetual Peace - How We Got to be so Hated
    (New York . Thunders Mouth press/Nation Books ,2002 )
    والجدير ذكره أن فيدال وجد صعوبة حقيقية في نشر كتابه هذا (حرب دائمة من أجل سلام دائم - كيف صرنا مكروهين إلى هذا الحد ) في الولايات المتحدة ، وحول ذلك انظر أيضاً ما كتبته الروائية البريطانية الهندية أرونداتي روي في صحيفة الغارديان البريطانية بعد الحادي عشر من أيلول وبعد حرب أفغانستان ، إذ اعتبرت أن الحرب= =على أفغانستان ليست انتقاماً لنيويورك وواشنطن . بل فعل إرهابي جديد ضد أناس العالم .كل شخص برىء يقتل في خضم هذه الحرب ينبغي أن يضاف إلى ضحايا نيويورك وواشنطن لا أن يضع في مقابلهم. ومن النظريات الأخرى الذي اعتمد اليسار على ترويجها أيضاً هي نظرية " الارتداد" التي تنسب غالباً لشالمرز جونسون والتي تدين أمريكا لعقدها الصفقات مع الأشرار ( أو خلقهم كما بن لادن ) والذين يوظفون قدرانهم ومهاراتهم بعد ذلك ضد أمريكا حين يجدون ذلك مناسباً لأغراضهم السياسية . الهجمات بالتالي مستحقة ، إنها رد على الدعم الغير الأخلاقي لأمثال هؤلاء الأشرار الذين يدافعون الآن عن استقلاليتهم ، وللمزيد حول ذلك انظر : ديك هوارد ، نقد النظريات المبررة للإرهاب عبر البحث عن جذوره ، المستقبل ( بيروت ) ، 10/9/2002 .
    (14) فرانسيس فوكوياما ، الولايات المتحدة ضد .. " هم " ، الاتحاد ، ( أبوظبي ) 12/9/2002 .وأيضاً: فرانسيس فوكوياما ، انشقاق في المنظور الغربي للشرعية الديمقراطية ؟ ، الحياة ، ( لندن ) 7/9/2002 .

    (15) روبرت كاغان ، القوى الأمريكية والضعف الأوروبي ، النهار ، ( بيروت ) ، 13 / 8 / 2002 . بالاتفاق مع
    ( Le monde) . ويشبه كاغان الدور العسكري الأوربي الحالي بأنه بمثابة "غسل للصحون " بعد أن يكون الأمريكيون قد تكفلوا بطهي العشاء كما حدث في كوسوفو و أفغانستان،وانظر:اريك هوبزباوم،إلى أين تمضي الامبراطورية الأمريكية؟، اللموند ديبلوماتيك،12/2003،وأيضاً:ريجيس دوبريه، أيها الأمريكيون ، لوكنتم تعلمون،لوفيغارو ، 5-6/9/2003 .
    (16) انظر: د. محمد كمال ، المحافظون الجدد : صنع قرار الشرق الأوسط في إدارة بوش ( دمشق : المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، العدد: 25 ، آذار / مارس 2003) .
    (17) حول ذلك انظر : اد فوليامي ، بوش والرب ، المستقبل ، (بيروت ) ، 8 /3 /2003 ، وأيضاً : بل كيللر ، الإنجيليون الجدد وحقيقة تأثيرهم على الرئيس بوش ،New York Times , may 19,2003 .
    (18) أرتور بايشت وبسكال بونيفاس ، قيمٌ مشتركة ، رؤى متباينة ، مستقبل ، ( بيروت ) ، 10 / 1 / 2004 . نقلاً عن(لوفيغارو).لا بد أن نذكر أن هناك عدداً من المثقفين والمفكرين الفرنسيين لا يتفقون إطلاقاً مع هذه الرؤية الفصامية بين أوروبا وأمريكا وعلى رأسهم أندريه غلوكسمان و الكسندر أدلر و آلان فينكلكروت و برنارد هنري ليفي ، إذ جميعهم يرى أن دعم الولايات المتحدة هو أمرٌ غير قابل للنقاش بذريعة أننا ننتمي إلى المعسكر نفسه ، هو معسكر الحضارة الغربية المحاصرة بالبربرية والمهددة بالإرهاب بحسب تعبير غلوكسمان الذي أيّد بشدة الحرب ضد العراق في كتابه ( غرب ضد غرب ) .
    (19) هذه العبارة للمفكر الأمريكي المحافظ روبرت كاغان الذي اعتبر أن أوروبا وأمريكا ينتميان إلى كوكبين مختلفين أحدهما يعيش على الزهرة والآخر على المريخ ، وحول ذلك أنظر : أناتول ليفين ، نهاية الغرب ، الحياة ، ( لندن ) ، 11 / 9 / 2002 ، بالاتفاق مع ( New York Times) .
    (20) انظر : خالد الحروب ، تفكيك التراتيبات الدينية والحضارية شرطٌ لمصالحة الخصوصية الثقافية مع الكونية القيمية ، ضمن كتاب(الإسلاميون والمسألة السياسية )مجموعة من الباحثين( بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية ، 2003 )ص 217 ـ 234 .



  10. #10
    شاعرية الوجود الصورة الرمزية الحالم
    تاريخ التسجيل
    Apr 2004
    الدولة
    الفكر
    المشاركات
    3,106

    افتراضي



    (10)

    العقل والعدل والأخلاق مرايا اللغة والدين والفلسفة

    فيصل الحفيان

    توطئة
    سأتناول "العقل والعدل والأخلاق" من ثلاثة جوانب: أولها: التأسيس الدلالي لهذه الألفاظ من خلال وضعها أمام مرايا لغوية، تمهيداً للتأسيس الاصطلاحي بوضعها مرة ثانية أمام مرايا الدين والفلسفة، ثم أنتقل من بعد إلى مرايا من نوع آخر (متقابلة)، تبغي كشف الجدل القائم بينها، وما يربطها من علاقات بينية.
    كانت عيناي وأنا أقلب الفكر في ما أكتب على عدد من الجهود السابقة، منها ذلك الدرس المعمق والطويل الذي اضطلع به محمد عابد الجابري، وتجلى في سلسلته المتصلة بـ "العقل العربي" تكويناً، وبنية، ثم منعوتاً بـ "السياسي" و"الأخلاقي" وقد أمكنه أن يقارب هذه المفردات من زوايا عديدة مقاربات علمية منهجية، مستنداً في ذلك إلى مراجع ومصادر غنية ومتنوعة، عربية، وأجنبية. رجعت إلى بعضها، وتوقفت عندما أريده منها. كما لم تغب عني دراسات أخرى من مثل الدراسة التي قدم بها د. حسين القوتلي لكتابي الحارث المحاسبي "العقل" و"فهم القرآن"، ودراسات أخرى تضمنها كتاب د. "رضوان السيد" "الأمة والجماعة والسلطة".
    حرصت على ذكر هذه العناوين لأدل على أني وضعت في حسباني ما كتبه هؤلاء، وأفدت منه من ناحية، وحاولت أن أضيف إليه أو أعمقه أو أناقشه أو أثير فيه أو حوله بعض الأسئلة الجديدة، إذ لا يخفى أن مسألة التأسيس وتحديد المفاهيم مسألة قابلة للنظر باستمرار.
    -1-
    مرايا اللغة
    (الدلالات)
    يقول ابن فارس: "العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطرد، يدل عُظمه على حُبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل(1)".
    وينقل عن الخليل: "العقل نقيض الجهل. يقال: عقل يعقل عقلاً، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله.. (2)".
    يكشف النص الأول عن أصل واحد لمادة (ع.ق.ل) ، وإن احترز بلفظ "عظمه" عن دلالة أو دلالات أخرى. أما النص الثاني المنقول عن الخليل فيخرج من إسار الدلالة اللغوية (الحسية) الضيقة البسيطة والمباشرة إلى أفق أوسع. فإذا كان "الانزجار" داخلاً تحت "الحبسة" فإن "المعرفة" لا يمكن إدخالها تحت أصل ابن فارس إلا بافتعال ظاهر. كأن الخليل قد تمكن مبكراً من إدراك التطور الدلالي للمادة، ووضع يده عليها، فالعقل ليس ذلك الشيء الذي يحبس أو يمنع صاحبه من الوقوع في الأقوال والأفعال الذميمة، بل هو أعلى من ذلك، إنه "نقيض الجهل" أو هو الذي يعرِّف صاحبه ما كان يجهله، والمعرفة - بلا شك - أشمل نفعاً وعائدة على الإنسان من مجرد الابتعاد عن الخطأ أو ذميم القول والفعل. على أن هذا الفهم لا يسلم لنا إذا أكملنا مقولة الخليل: "أو انزجر عما كان يفعله"، وبخاصة مع وجود "أو" التي تفيد التخيير أو التساوي، ولو كانت الواو مكان "أو" لاستقام الأمر بجعله من قبيل عطف الخاص على العام أو نحو ذلك، ولقلنا - دون تردد أو حذر - إن الخليل قد خطا خطوة واسعة في تطوير الدلالة اللغوية لـ "عقل" أو التعبير عنها، إذ إن قوله يجعل من "العقل" ليس مجرد حابس أو رابط لصاحبه، بل هو الفهم الذي يعني الخير بأوجهه المختلفة، إقداماً وإحجاماً، فعلاً وكفّاً. وقد يمكننا أن نساوق ابن فارس فنقول: إن العقل هو ذلك (الشيء) الذي يحبس مساحة الجهل لدى الإنسان ويقيدها، مما يعني ضرورة اتساع مساحة المعرفة عنده.
    إن الأصل الواحد الذي أشار إليه ابن فارس (الحبسة أو ما يقاربها) يرجع إلى قولهم: "عقلت البعير أعقله عقلاً، إذا شددت يده بعقاله، وهو الرباط(3)" وهي دلالة حسِّية مشخَّصة. وفي الحديث السائر: اعقلها وتوكل "أي اربطها. ومن هذه الدلالة (الحسية) قالوا: عقل الطعام بطنه، إذا أمسكه. والعَقول من الدواء: ما يمسك البطن. واعتقل رمحه، إذا وضعه بين ركابه وساقه. واعتقل شاته، إذا وضع رجلها بين فخذه وساقه فحلبها، واعتقل لسان فلان، إذا احتبس عن الكلام.. وعقل الظبي يعقل عقولاً، إذا امتنع في الجبل(4)". ويلاحظ على هذه الأمثلة كيف تطور استخدام المادة وتلون، لكن ظل "الربط" وما يتصل به من إمساك واحتباس وامتناع يجمع بينها.
    ويفسر بعضهم العقل بـ الحفظ "فقد قيل: "عقلت دراهمي(5)" أي حفظتها، وهذا (الحفظ) متطور أيضاً من الحبسة أو الربط، فعقل الناقة يحفظها على صاحبها، فلا تبعد ولا تهيم، فتضيع، وعقل البعير يمنعه من أن يثور، فيؤذي أو يؤذى، مما يحفظه أيضاً على صاحبه. إن "الحفظ" شديد القرب من "الربط" في حياة العرب وبيئتهم.
    ويفسره بعضهم بأنه "الجمع" فقد قالوا: "عقلت البعير، إذا جمعت قوائمه(6)".
    لقد وقع ابن فارس حقّاً على الأصل الأول أو الدلالة الأولى للمادة، كما أن الخليل لم يغفل عنه أو عنها، لكنه (أي الخليل) رأى في الحفظ" أصلاً جديداً موازياً، خلع إهاب "الحبسة" واستقل بنفسه، بدليل أن ابن الأعرابي علَّل لإطلاق "عقيلة" على كريمة القوم بأنها عقلت (أي منعت) صواحبها عن أن يبلغنها. أثبت ذلك ابن فارس نفسه، ثم نقل عن الخليل (مرة أخرى) سبباً آخر، قال (أي الخليل): "بل معناه: عقلت (أي حفظت) في خدْرها(7)".
    نحن - إذن أمام ثلاث دلالات لغوية: الحبسة أو الربط أو المنع، والحفظ، والجمع. الأولى أصل الأخيرتين بلا شك، لكن لها ظلالاً، تجعلها أحياناً غير مقبولة، فقد ذكر العسكري أن الله لا يوصف بالعقل إذا كان العقل مأخوذاً من "عقل البعير، إذا شدَّه فمنعه من أن يثور، لأنه "لو كان العقل منعاً لكان الله عاقلاً (أي حابساً) لذاته(8)". أما الثانية (الحفظ) فهي خلو من تلك الظلال، ولهذا ارتُضيت مع الله سبحانه، ولم يُتحرج منها. وكذا الأمر في تاليتها (الجمع).
    وإذا كانت الدلالات الثلاث متشابكة، وتستصحب "الحسي" و"المشخص" فإن الدلالة الرابعة (المعرفة) نقلت المادة (العقل) - كما سبق - نقلة جديدة عن طريق المعنوي والتجريدي، لكن ثمة خيطاً يشدها إلى الأصل، فالعقل - عبر الدلالة الأصلية (الحبس) يقيد ويجمع ويحفظ ما يصل إليه عبر الحواس، ويعمل فيه قوته بوصفه أداة أو قوة للتحليل والتركيب وتجريد الصور والمعقولات واكتشاف العلاقات، وهكذا يقترب أو تقترب منه دلالة المعرفة والفهم والتمييز والاكتساب لتتراكم من بعد دلالاته الاصطلاحية المعقدة والمصبوغة بالثقافات والمعارف المختلفة.
    وليست كلمة "العقل" وحدها في دلالتها الأخيرة هذه (المتطورة) بل هناك كلمات أخرى مرادفة، منها: الأدب، والنُّهى، والحجا، والذهن، والفكر، والفؤاد، والقلب، واللب. وبعض هذه الكلمات قرآنية، استخدمها القرآن بديلاً لـ "العقل"، مثل: الفؤاد، والقلب، واللب، والفكر (بعضها بهذه الصيغ نفسها، وبعضها بصيغ أخرى مشتقة من موادها الأصلية)، علماً بأن "العقل" هكذا بصيغته (اسماً) لم يستعمل فيه.
    على أن هذا الترادف (الاستعمالي) لا يمنع من وجود فروق دقيقة بين كل لفظ وآخر، فقد فرَّق العسكري بين العقل واللب، والعقل والأدب، والعقل والنهى، والعقل والحجا، والعقل والذهن(9).
    ومن مرادفات العقل أيضاً: العلم، والنفس، ولكن الكلام في ذلك يدخلنا في الدلالات والمفاهيم الاصطلاحية، لذا سنؤجله إلى موطنه.
    ***
    يقول ابن فارس: "العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج. فالأول: العدل من الناس: المرضيُّ المستوى الطريقة ... والعدل: الحكم بالاستواء. ويقال للشيء يساوي الشيء: هو عدله.. والمشرك يعدل بربه.. كأنه يسوي به غيره.. والعدل: نقيض الجور "ويوم معتدل، إذا تساوى حالا حرِّه وبرده. وثانيهما: يقال في الاعوجاج: عّدْل، وانعدل، أي انعرج(10)".
    المادة - إذن - من المواد المتضادة، أي تلك التي تدل على الشيء ونقيضه، وهي ظاهرة معروفة في العربية .. ومن أمثلتها: جلل، للعظيم والحقير، وجَوْن، للأبيض والأسود. وبيِّن أن دلالة "نقيض الجور" هي المرادة في سياق موضوعنا. وهي دلالة يحتويها رداء الأصل الأول (الاستواء) الذي يدل على استقامة واعتدال بين شيئين، في حين إن الجور (الظلم) هو الميل عن الطريق. وإذا كان ابن فارس قد فسر الاستواء بأنه الاستقامة والاعتدال بين شيئين، فإن العسكري قد لمح بينهما فرقاً: "الاستواء تماثل أبعاض الشيء ... ونقيضه التفاوت، وهو أن يكون بعض الشيء طويلاً، وبعضه قصيراً، وبعضه تاماً وبعضه ناقصاً والاستقامة: الاستمرار على سنن واحد. ونقيضها: الاعوجاج، وطريق مستقيم: لا اعوجاج
    فيه(11)".
    إن ما يكشف الفرق بين الاستواء والاستقامة نقيضاهما: التفاوت والاعوجاج. وأحسب أنهما (النقيضين) ملموحان في المادة (ع.د.ل) فالعدل : استواء على مستويات متعددة: المقاييس التي يلجأ إليها العادل، فهي واحدة لا تفاوت فيها من أي نوع، والمعدول (المحكوم) بينهم، فهم جميعاً على قدم المساواة لا تمييز بينهم. والعدل: استقامة: يلتزم فيها العادل (الحاكم أو من يقوم مقامه) طريقاً واحداً لا اعوجاج فيه (مستوياً) لا يميل فيه لأحد، ولا ينحرف في اتجاه.
    وأحسب أيضاً أن ما يجمع المعنيين معاً (الاستواء والاستقامة) هو المثلية، المثلية في مقابل التفاوت، والمثلية في مقابل الاعوجاج. ولهذا فرق العسكري بين العدل والفداء، بأن هذا الأخير "ما يجعل بدل الشيء لينزل على حاله التي كان عليها، سواء كان مثله أو أنقص منه، وأن الأول ما كان من الفداء مثلاً لما يفدى منه. ومنه قوله - تعالى - : (ولا يقبل منها
    عدّل(12)) "إن المثلية - كما يبدو - من النص هي العنصر الأبرز في مادة (ع.د.ل).
    ولهذا جاء في المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية: "عدل في أمره عدلاً: استقام. وعدل في حكمه: حكم بالعدل. وعدل الشيء: قوَّمه. وعدل فلاناً بفلان: سوَّى بينهما". فالعادل إذن" هو المستقيم الذي يسوي بين الناس، ويحترم حقوقهم، ولا يخضع لميل أو هوى، ولا يجور في حكمه على أحد(13)". وعلى هذا جاء تعريف مسكويه لـ "العادل" بأنه "هو الذي من شأنه أن يساوي بين الأشياء غير المتساوية(14)". وهو تعريف يقترب كثيراًَ أو يباشر معنى المثلية الذي أشرت إليه.
    وذكر صاحب المعجم الفلسفي أن "العدل" إذا كان نعتاً للشيء (غير العاقل) دل على المثل والنظير والمساوي أو على المطابق للحق الوضعي، أو الحق الطبيعي، كالجزاء فإن وصفه بالعدل يدل على مطابقته للحق .. وإذا كان نعتاً للعاقل دل على اتصافه بالإنصاف، أي على حكمه بالعدل لإعطاء كل امرئ ماله وأخذ ما عليه(15)". وفي هذا الأخير (معنى الإنصاف) تطوُّر عن المعنى الأصل، إذ الإنصاف ثمرة لـ " التسوية".
    ***
    يقول ابن فارس : "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء .. من ذلك (الأول) الخُلق، وهو السَّجيَّة، لأن صاحبه قد قُدِّر عليه. والخِّلاق: النَّصيب، لأنه قُدِّر لكل أحد نصيبه.. والخُلُق، خَلْق الكذب .. وهو اختلاقه. وتقديره في
    النفس(16)".
    يبدو من النص أن الأصل الأول (التقدير) يجمع الأمرين الخَلْق، أي الإيجاد، والخُلُق، أي السجية، فكل منهما تقدير، الايجاد يسبقه تقدير، والسجية كذلك، هي مقدرة على صاحبها، أو مقدر صاحبها عليها. وقد كان العسكري أوضح في التعبير عن هذا الجمع بين الخَلْق والخُلُق حيث يقول في سياق التفرقة بين الفعل والخلق والتغيير وبعد أن يسوق أمثلة: خلقت الأديم إذا قدرته خفاًّ أو غيره، والخُلق: العادة التي يعتادها الإنسان، ويأخذ نفسه بها على مقدار بعينه.. والمخلق : التام الحسن، لأنه قُدر تقديراً حسناً، والمتخلِّق: المعتدل في طباعه، وسمع بعض الفصحاء كلاماً حسناً، فقال : هذا كلام مخلوق، يقول : "وجميع ذلك يرجع إلى
    التقدير(17)".
    بل إنه (العسكري) يرى أن (خ.ل.ق) أصل واحد لا أصلان، كما يرى ابن فارس، هو التقدير، إذ إنه يدرج تحته في السياق المذكور آنفاً أمثلة من مثل: خلق الثوب وأخلق: لم يبق منه إلا تقديره، والخلقاء: الصخرة الملساء، لاستواء أجزائها في التقدير. واخلولق السحاب: استوى. (18) وهذه أمثلة أدرجها ابن فارس تحت الأصل الثاني عنده (ملاسة الشيء).
    على أن هذه الكلمة ليست وحدها في دلالتها، ثمة أيضاً كلمة أخرى قرنها الجابري بها هي "أدب"، كلتاهما يعبر بها عن الأوصاف التي يوصف بها السلوك البشري: لكنهما - في ما يرى - غير مترادفتين مع أن الواحدة منهما قد تنوب مناب الأخرى في كثير من الأحيان. ولأنهما غير مترادفتين فإن ثمة فرقاً دقيقاً بين عبارة (أو تركيب ) " سوء الخلق" و"سوء الأدب" قد لا يلمسه المرء لأول وهلة، لكن هذا الفرق يكشف عن نفسه بوضوح في عبارات أخرى، مثل: "ولد مؤدب" أو "قليل الأدب" يقول الجابري: "فنحن لا نستطيع - على صعيد المألوف - أن نضع مكانها: "ولد مخلق" أو قليل الخلق(19)". والفرق الذي يقصده هنا وارد من قبل أن الخلق فطري، أو غرزي، هامش الكسب فيه ضيق ومحدود، في حين إن الأدب كسب وتعليم كله. وعليه فإن "مخلق" بما تشير إليه الصيغة المأخوذة من "فَعَّل" غير ملائمة في هذا السياق، وكذلك الأمر في كلمة "الخُلُق "مقترنة بـ "قليل" فكل إنسان لديه خُلق فطره الله عليه، كريم أو غير كريم، فالقلة والكثرة غير واردة.
    ولعل في نص ابن فارس الذي أدرج السجية (الخلق) ضمن أصل "التقدير" الذي رسمه للمادة، ونص العسكري الذي جعل "التقدير" ملاك المادة كلها = ما يؤيد فطرية الخلق وغرزيته، نستعيد ما قاله ابن فارس في هذا الغرض تحديداً: "ومن ذلك الخلق، وهي السجية، لأن صاحبه قد قدر عليه". كأن الخلق سابق على الإنسان، أو أن الإنسان تال له، أعني أن الإنسان مقدر على الخلق، وليس الخلق مقدراً على الإنسان.
    ويقترب ابن منظور بنا أكثر من دلالة الخُلق عن طريق الربط مع الخَلق، كأنه يجسد لنا المعنوي، ويشخصه، فيقول: "وحقيقته (أي الخُلق) أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها. ولها (أي النفس) أوصاف حسنة وقبيحة. والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة(20)".
    وإذا كان الخُلق غرزياًّ أو فطريًّا مقدراً من الخالق، كالخلقة التي لا شأن للإنسان بها، فكيف ساغ للعسكري (في نصه الذي أوردناه آنفاً) ونستعيده هنا مرة أخرى: "والخُلُق : العادة التي يعتادها الإنسان، ويأخذ نفسه بها على مقدار بعينه(21)" = أن يجعل منه عادة، والعادة من العَوْد الذي يعني - كما هو معلوم - تكرار الأمر. وهو ما عَبَّر عنه ابن فارس بأنه "تثنية في الأمر(22).
    يبدو أن العقل اللغوي العربي، وعلى الرغم من تقريره غرزية الخُلُق وفطريته، يرى أن الإلحاح على أمر ما وتكراره قد يجعل منه خلقاً، مصداق ذلك ما قاله ابن فارس: "والعادة: الدربة والتمادي في شيء حتى يصير له سجية" واستشهد على ذلك بـ "الزموا تقوى الله واستعيدوها(23)" أي تَعَوَّدُوها. وليس ذلك 0أي العقل) بدعاً. فثمة ما يؤيده - إن صح التعبير - لدى الفكر الفلسفي، على إطلاقه.
    -2-
    مرايا الدين والفلسفة
    (الاصطلاحات)
    تعد كلمة "غريزة" قاسماً مشتركاً في تعاريف العلماء المسلمين المشتغلين في العلوم الدينية لـ"العقل".
    فالإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) يقول: "العقل غريزة، والحكمة فطنة(24)".
    والمحاسبي (ت 243هـ) يرى في العقل "غريزة (أيضاً) وضعها الله - سبحانه - في أكثر خلقه(25).
    وأبو الحسن التميمي (ت 371هـ) يستبدل بغريزة كلمة "نور(26)".
    وينقل الماوردي (ت 450هـ) رأياً يقول بأن "العقل هو العلم بالمدركات
    الضرورية(27)"، ويصحِّحه.
    ويختار إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) كلمة "صفة" ويرى أنه "إذا ثبتت تأتَّى التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضرورويات(28)".
    وغرزية العقل في الإنسان تعني - كما فهم د. رضوان السيد" أن فيه (أي في الإنسان)، يكمن بدؤه، كما تكمن نهايته، شأنه في ذلك شأن الدوافع أو الغرائز الأخرى من مثل الأكل والشرب" كما أنها تعني "الشيوع في الإنسان من ناحية، وتساوي الناس فيها من ناحية أخرى(29)".
    ولعل خير ممثل لهذا الفهم الحارث بن أسد المحاسبي، فقد ترك رسالة مستقلة في "ماهية العقل وحقيقة معناه" كما عرض للعقل في كتابه" فهم القرآن" وكتبه الأخرى. ولهذا سنتوقف عنده قليلاً حتى تتضح صورة العقل في ذهن العلماء المسلمين.
    يرى المحاسبي - كما سلف - أن العقل "غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض، ولا اطلعوا عليها من أنفسهم برؤية، ولا بحس، ولا بذوق، ولا طعم.. وإنما عرَّفهم الله إياها بالعقل منه (30)". ويؤكد هذا المفهوم في موطن آخر: "والذي هو عندنا غريزة، والمعرفة عنه تكون(31)".
    العقل - على وفق رؤية المحاسبي - فطرة فطرها الله في العقلاء من خلقه، وهم أكثرية. وعن هذا العقل الغرزي ينتج ما سماه (المحاسبي) بـ "الفهم لإصابة المعنى، وهو البيان لكل ما سمع .. أو مس أو ذاق أو شَمَّ" كما ينتج ما سماه بـ"البصيرة والمعرفة (32)". "فهم البيان "هذا مشترك بين أهل الهدى والضلالة، و"فهم البصيرة" هو الفهم (أو العقل) عن الله تعالى، وهو أعلى درجة. ولذلك فإن "من زال عن ذلك ومعه غريزة العقل التي فرق الله تعالى بها بين العقلاء وغيرهم، فهو غير عاقل عن الله عز وجل، وهو عاقل للبيان الذي لزمته من أجله الحجة(33)".
    العقل - إذن - عند المحاسبي ثلاثة: عقل غريزة، وهو تلك الملكة التي تفرق بين العاقل والمجنون، وعقل فهم، ويشترك فيه العقلاء من المؤمنين وغيرهم، وعقل بصيرة، وهو للعقلاء حقاَّ الذين فهموا الفهم الحق عن الله. فسمعوا وانتهوا. وهذان الأخيران ثمرة الأول.
    وضع المحاسبي نظرية متكاملة في العقل يمكن جمع أطرافها من مؤلفاته آنفة الذكر، وغيرها مما لم نذكره، وأهم ملامح هذه النظرية:
    أ- تقسيم العاقلين إلى أربع فرق:
    - فرقة عقلت، فأطاعت وخشعت.
    - وفرقة عقلت، ثم جحدت كبراً وعناداً من أجل الدنيا.
    - وفرقة عقلت، ثم طغت، فعميت، وظنت أنها على حق، وهي على باطل.
    - وفرقة عقلت، ولم تجحد، ولكنها عصت وضيعت.
    هذا التقسيم مرتبط بأنواع العقل عند الرجل. الفرق الأربع - بداهة - لديها عقل الغريزة، الأولى منها هي التي امتلكت أزمَّة العقول الثلاثة، ففهمت (عقل الفهم) ثم بصرت (عقل البصيرة) والثلاثة التالية عقلت ففهمت، لكنها إما استكبرت فعطلت فهمها فكأنها لم تجاوز عقل الغريزة، وإما طغت وأعجبت فقلبت الفهم إلى نقيضه، فأنكرت، وإما ضعفت فعصت وضيعت.
    ب- تقرير تفاوت العقل عن الله:
    والعاقلون عن الله هم المنتمون للفرقة الأولى، لكنهم متفاوتون في الدرجة، فثمة من يخاف الله، وهو العاقل، وثمة من يخاف منه، وتجتمع في قلبه قوة اليقين به، وحسن البصر بدينه، وهذا هو كامل العقل عن الله.
    ج- تقرير الفرق بين الخوف واليقين:
    على الرغم من أن الخوف من اليقين، فإن العاقل قد يكون خائفاً لكن يقينه ليس قويًّا.
    د- أدلة العقل:
    للعقل أدلة أو مرتكزات ينبغي الاعتماد عليها، وهي نوعان:
    - عيان ظاهر.
    - وخبر قاهر.
    أما العيان فهو " "خلق الله" وأما الخبر فهو "ما جاء به الرسل" ويعبر المحاسبي عنهما بأنهما" حجتان "ويربط بينهما وبين العقل، فهما في العقل، والعقل فيهما، والعاقل هو المستدل، وهما علة الاستدلال وأصله. ومحال مكون الفرع (الاستدلال) مع عدم الأصل (العقل)، وكون الاستدلال (أداة الاستدلال) مع عدم الدليل (العيان والخبر). العقل - إذن - هو الأداة، و"الخلق" و"الخبر" هما الدليل.
    هـ- عمل العقل:
    حتى يعمل العقل بحق، ويصل إلى غرضه لابد - في رأي المحاسبي - من أمرين:
    - استحضاره، بمعنى "أن تجمع فهمك حتى لا يكون فهمك متفرقاً في شيء غير طلب الفهم".
    - جمعه، بمعنى "أن لا تشغل جوارحك بما لا يشتغل به عقلك، وأن تستعمل كل جارحة بما يعينك على الفهم، وتمنع عقلك من كل فكر وذكر".
    أطلنا الوقوف عند كلام المحاسبي ، لأنه يكشف لنا مفهوم العقل عند السلف. ولكلامه أبعاد أخرى لا يتسع المقام لها.
    وعلى أية حال فإن العقل لم يبعد كثيراً عن معناه اللغوي الأصلي، فالعقل لغة - كما قلنا - ربط، وحفظ، وجمع، وفهم، وعلم. والعقل مفهوماً أو مصطلحاً إسلامياً: فهم وبصيرة.
    والجمهور يطلق العقل على ثلاثة أشياء كما ذكر الغزالي:
    - وقار الإنسان وهيئته في الاختيار والكلام والحركات والسكنات.
    - التجارب التي يفيدها، وتكون حصيلتها معاني في ذهنه تكون مقدمات لاستنباط أغراضه ومصالحه.
    - قوة غرزية تقوم بعملية الإدراك والتمييز(34).
    كيف يبدو العقل في مرآة الفلسفة؟
    إذا كان العقل في مرآة الإسلام (الديني) غريزة بما تعنيه من لا مادية ولا جوهرية، فإنه في مرآة الإسلام (الفلسفي) أمر أو أمور أخرى:
    - إنه شيء مستقل، أو كما يعبر عنه الكندي (ت نحو 252 هـ)" جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها(35)" و"الجوهر" في اصطلاحهم هو الموجود القائم بنفسه، ويقابله العرض، و"البسيط" الشيء الذي لا جزء له أصلاً، ويقابله المركب.
    - وهو على حد تعبير الفارابي "مفارق للأجسام غير محتاج في قوامه إلى شيء آخر مما هو دونه من جسم أو مادة أو عرض(36)". والمعنيُّ بالمفارقة عدم الحلول في جوهر آخر (لو كان كذلك لكان صورة) ولا محلاً لجوهر آخر (إذن لكان هيولي) ولا مركباً منهما (الصورة والهيولي) (إذن لكان جسماً).
    - وهو سائس للنفس، مدبر لها، فهو "الذي يسوسها عن طريق إخراجها من حالة كونها عاقلة بالقوة إلى حالة كونها عاقلة بالفعل(37)".
    وإذا كان العقل عند المحاسبي ثلاثة - على ما سبق - فهل العقل عند الفلاسفة واحد أم متعدد؟
    يقول الكندي بعقل أول، وعقول ثلاثة ثوان. الأول هو الذي يخرج النفس من حالة كونها عاقلة بالقوة إلى حالة كونها عاقلة بالفعل ويسميه "المستفاد" لأنه أتاها من خارج ليسوسها. والثلاثة الأخرى تدخل في العقل الإنساني الجزئي.
    ويقول الفارابي بالعقل الفعال، وهو الأول عند الكندي. ومنزلته من الإنسان منزلة الشمس من البصر، فكما أن الشمس تعطي البصر الضوء فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصراً بالفعل بعد أن كان مبصراً بالقوة، كذلك العقل يفيد الإنسان شيئاً يرسمه في قوته الناطقة منزلة ذلك الشيء من النفس الناطقة منزلة الضوء من البصر.
    والعقل - عند الفلاسفة - قضية شائكة، وبعضهم يرى الله عقلاً، وقد يطلق عليه العقل الفعال، أو العقل الكل(38).
    الصورتان متناقضتان في المرآتين، وقد صرح التميمي (ت 371هـ) بالخلاف "العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور كالعلم(39)". وأفسد الماوردي مذهب الفلاسفة مستخدماً لغتهم وطريقتهم سالكاً في ذلك وجهين" أن الجواهر متماثلة فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجب سائرها" و"أن الجوهر يصح قيامه بذاته، فلو كان العقل جوهراً لجاز أن يكون عقل يكون بغير عاقل، كما جاز أن يكون جسم بغير عقل(40)".
    ***
    كلمة "العدل" في سياقها الديني (الإسلامي) ترتبط بكلمة "العادل" الأكبر، وهو الله تعالى. وهي محملة بزخم فكري، وعقدي، وتاريخي، لا يوجد له نظير في أية ثقافة أخرى، وتستدعي قضايا فكرية شائكة: الحرية؛ حرية الإنسان ومسؤوليته، وعقدية: صفات الله وما يترتب عليها، وخلق الأفعال (لله أم للبشر) واستحقاق الإنسان للثواب والعقاب، ونظرية الكسب الأشعرية. كما تستدعي مصطلحات وتعبيرات من مثل: الجبر، والاختيار، والاعتزال، والسنة، والمجبِّرة، والتوحيد (هذا يرتبط عضويًّا بالعدل) والمعطلة، والقدرية .. الخ.
    إن العدل جزء رئيس من علم الكلام الإسلامي، بل يمثل شطر هذا العلم، والتوحيد شطره الثاني. التوحيد يبحث في ذات الله وصفاته، والعدل موضوعه أفعال الله. وهما معاً" علم الكلام الإسلامي".
    وقد ظهرت الكلمة في التاريخ الإسلامي بملامحها وظلالها الدينية والعقدية على يد مؤسس فرقة المعتزلة واصل بن عطاء. ولعل الاعتزال كله ظهر ليتغيا فكرة "العدل" العدل الإلهي في مواجهة الظلم أو الجبر الذي قال به الأمويون، في سبيل انتزاع الخلافة أولاً، ثم في تثبيت أركانها لهم، واستمرارها فيهم ثانياً.
    ولأن فكرة "الجبر" تقول بـ "قدرة الله" ومشيئته السابقة وعلمه القديم فإن المواجهة بدأت بالبحث في صفات الله، فنفتها حتى لا يتعدد القدماء "الذات والصفات" ووحَّدت "الذات والصفات" (التوحيد) نفياً للشرك، فأبطلت - من وجهة نظرها - حجة السياسة "الجبر" التي تقوم على علم الله بما يحدث وإرادته له وقضائه على الناس، ثم انتقلت إلى أفعال الله فنزهته عن القبح والظلم (العدل) وحمَّلت الإنسان مسؤولية أفعاله.
    والعدل يقوم على ما يسمى في تراثنا العقدي عامة، والمعتزلي خاصة، بـ "خلق الأفعال "الأفعال الشريرة والقبيحة (ومعها بداهة الأفعال الخيرة والحسنة) ومن المسؤول عنها: الله - سبحانه، أم الناس أنفسهم. إن كان الله فنحن ننسب إليه القبح والظلم في رأي المعتزلة. القبح ظاهر. والظلم لأن الإنسان سيحاسب على ما لا خيرة له فيه، وليس من كسبه. والله منزه عن هذا وذاك. وإن كان الإنسان فنحن ننفي عن الله صفات العلم والإرادة والقدرة في رأي أهل السنة. ويترتب على ذلك مسألة: الثواب والعقاب في الآخرة. فالأولون يرون أن الإنسان ما دام مخيراً فالثواب والعقاب مرتبط بعمله، والآخرون يرون أن (الثواب والعقاب) ليس مرتبطاً بعمل الإنسان بل هو مرهون بمشيئة الله.
    وقد لخص أحد الباحثين (د. عبد الكريم عثمان) الموضوعات التي تبحث في "العدل" على النحو التالي:
    - الكلام في الأفعال، وأنها تنسب للعباد، وإثبات الأفعال المتولدة والمباشرة.
    - الكلام في أحكام الأفعال، وأنها قد تقبح وتحسن لوجوه تكون عليها.
    - الكلام في ما يتعبدنا به تعالى من العبادات والشرائع.
    - الكلام في ما يضاف إلى الله أو ما يضاف من وجوه الأفعال المختلفة(41).
    على الرغم من أن مباحث "العدل" فلسفية تناولها الفلاسفة قديماً وحديثاً، فإن القضية بصورتها المتكاملة هذه هي قضية دينية إسلامية، بدأها "المعتزلة" وشاركت فيها الفرق الإسلامية، حتى أصبحت جزءاً أساسيًّا في الفكر العقدي الإسلامي.
    ***
    تشير الدلالة اللغوية لمادة (خ.ل.ق) - كما أسلفنا - إلى غرزية الأخلاق وفطريتها، وفسَّر اللغويون العرب "الخُلق" تفسيرات تدل على ذلك فقالوا إنه السجية والطبيعة، لكنهم أضافوا إلى هذه التفسيرات "العادة" وبين العادة والطبيعة مسافة بعيدة. الأولى كسب، والثانية جِبلة، فكيف يبدو "الخلق" في مرايا الدين والفلسفة؟
    ثمة نص للراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يفصل القول فيه في الخلق تفصيلاً، ويحسن بنا أن نسوقه، يقول:
    "وأما الخُلق في الأصل فهو كالخَلق، كقولهم: الشُّرب والشَّرب، "لكن الخُلق يقال في القوى المدركة بالبصيرة، والخُلق في الهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وجعل الخُلق تارة اسماً للقوى الغريزية .. ولهذا قال (ص): فرغ الله من الخلق والخلق والرزق والأجل. وتارة يجعل اسماً للحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقاً أن يفعل شيئاً دون شيء، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه. ولهذا خُص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، كالشجاعة للأسد، والجبن للأرنب.. ويجعل الخُلق من الخلاقة، وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة: وقد يروى "أفضل الأعمال الخلق الحسن". وروي "ما أعطى أحد أفضل من خلق حسن(42)".
    نقرأ النص مرة أخرى، فنضع أيدينا على ما يلي:
    - الخُلق والخَلق واحد في الأصل. ولعله يقصد أن دلالتهما اللغوية الأصلية واحدة، على ما سلف في مرايا اللغة، ثم إن تشبيههما بـ الشرب والشرب "يهدف إلى ضبط بنيتهما اللفظية. ولم يحالفه التوفيق تماماً في التشبيه، إذ إن الشرب بالفتح عند اللغويين المصدر، وبالضم عندهم اسم، وليس هذا معتبراً بين الخلق والخلق.
    - الخُلق يطلق على القوى المدركة بالبصيرة (قوى النفس) والخَلق يطلق على الهيئات المدركة بالبصر (الأشكال والألوان).
    - للخلق بالضم أربعة إطلاقات أو استعمالات:
    القوى الغرزية (النفسية) أي الطبائع التي لا دخل للإنسان فيها، والتي تصدر عنها الأفعال بصورة تلقائية. ويؤيد ذلك الحديث الذي يجعل الخُلق من خلق الله، شأنه شأن ما قرن به.
    - ما أسماه "الحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقاً أن يفعل شيئاً دون شيء". وعلى الرغم من أن "المكتسبة" في مقابل "الغرزية" فإن هذه الحالة غرزية أيضاً، لكنها ثمرة لاستعدادات عضوية. وقد عبَّر عنها الراغب بـ "المزاج".
    - العادات ما عبر عنه بأنه "ما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة".
    - المرويان اللذان ساقهما، أولهما يؤيد استعمال الخلق في العادة، وثانيهما يؤيد كون الخلق عطاء أو غريزة من الله.
    وثمة نص آخر للراغب أيضاً يضيف إلى ما سبق، ونقتطف منه ما يلي:
    "فجعل الخُلق مرة اسماً للهيئة الموجودة في النفس .. وجعل مرة اسماً للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء أنواعها، نحو: العفة والعدالة والشجاعة. فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعاً، وربما تُسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم كالسخاء والجود، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان، والجود اسم للفعل الصادر عنها(43)".
    وتتلخص إضافات هذا النص بما يلي:
    - الخُلق يطلق على فعل الغريزة ، فالشجاعة تطلق على قوة النفس، وعلى فعل الإنسان نفسه.
    - ليس ما سبق على إطلاقه، فقد تُخص القوة بلفظ، والفعل بلفظ آخر، كالسخاء والجود.
    - هذا التردد في الخُلق ومسألة تغيره أو تغييره الذي رأيناه عند الراغب (وهو محسوب على الدين) نجده أيضاً في الفكر الفلسفي، ففي الفكر اليوناني نجد أن أرسطو يرى أن "الأخلاق كلها عادات تتغير، وأنه ليس شيء منها بالطبع، وأن الإنسان يمكنه أن ينتقل من كل واحد منها إلى غيره بالاعتياد والدُّربة(44)".
    ويأتي جالينوس من بعد فيفصل الأمر ويصنف الأخلاق إلى نوعين: "ما يكون طبيعيًّا ومن أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب.. وما يكون مستفاداً بالعادة والتدرب. وربما كان مبدأه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أوَّلاً أوَّلاً حتى يصير ملكة
    وخُلقاً(45)".
    وتظل قضية غرزية الخلق أو اكتسابه مثارة، سواء على مستوى النصوص الدينية (الإسلامية) أو الفهم البشري لها من خلال التأويل، كما تظل مثارة على مستوى الفكر الفلسفي القديم (اليوناني وغيره) أو الفكر الفلسفي الإسلامي.
    -3-
    مرايا العلاقات
    (الجدل)
    لنا أن نتصور ثلاثية العقل والعدل والأخلاق على شكل هرم مقلوب، رأسه العقل، وقاعدته العدل والأخلاق. والعلاقات بين الزوايا الثلاث علاقات تفاعلية، ذهاباً وإياباً في جميع الاتجاهات، وإن كان العقل بالطبع هو الأكثر تأثيراً ومحورية، كما سيتضح بعد.
    لقد كشفنا من خلال المرايا اللغوية والاصطلاحية عن العقل ودلالاته، وتبين لنا أنه حبس أو ربط، وجمع، وحفظ، وفهم، ومعرفة، وعلم، وقوة غرزية في الإنسان، ونور، وصفة، بل إن بعضهم (الفلاسفة) قالوا بأنه "الله". إذا كان الأمر كذلك فلنا أن نتخيل مدى العلاقة القائمة بين العقل بهذه المعاني و"العدل"، سواء كان المقصود به "نقيض الجور" أو المثلية والمساواة أو الاستقامة بالمعنى اللغوي، أو الفضائل بالمعنى الفلسفي (الفضائل عدل لأنها توسط بين رذيلتين)، أو نفي القبح والظلم عن الله، وتحميل الإنسان مسؤولية أفعاله، بالمعنى الكلامي (الاعتزالي).
    على صعيد المعنى اللغوي لا يمكن تصور الإنسان عادلاً إذا لم يكن ذا عقل بأي دلالة من الدلالات التي أشرنا إليها، إن الكلام أو الحكم على غير عاقل بأنه" عادل" نوع من العبث وربما الجنون، إذ إن انتفاء العقل يسلب ما يصدر عن الإنسان قولاً أو فعلاً قيمته وغايته، ويجعل منه شيئاً غير واع ولا محسوب، سواء كان متوجهاً به إلى نفسه، أو إلى غيره.
    ولا يختلف الأمر على صعيد المعنى الفلسفي، فالعدل هو الفضيلة بين رذيلتين، والفضيلة - كما يرى أفلاطون - هي العلم بالخير والعمل به، والعلم - كما سبق - عقل، أو ثمرة له. وكما يرى أرسطو- هو الاستعداد الطبيعي أو المكتسب للقيام بالأفعال المطابقة للخير. و"الاستعداد" هو - بلا شك - من قوى النفس، التي يرجع بعضها لـ "الحكمة" أي العقل.
    أما على صعيد علم الكلام الإسلامي (الاعتزالي تحديداً) فإن نظرية "العدل والتوحيد" كلها ثمرة من ثمار العقل، فقد أرادوا (المعتزلة) أن يدحضوا القول بالجبر، فكان ما كان من نظرهم في ذات الله وصفاته، وأفعاله مما أداهم في خاتمة المطاف إلى القول بـ "التوحيد والعدل".
    ودخولاً في تفصيلات النظرية القائمة في جزء منها على "خلق الأفعال" ثم بـ"مسؤولية الإنسان عن أعماله "لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ضرورة "العقل"، فهو مناط التكليف إذ بدونه لا تتحقق مسؤولية الإنسان، فلا يثاب على أفعاله الحسنة، ولا يعاقب على أفعاله القبيحة. بعبارة أخرى العلاقة بين العقل والعدل هي علاقة بين أداة المسؤولية والمسؤولية نفسها، بين صاحب القرار في الفعل، والفعل ذاته. وهنا لابد أن نذكِّر بكلام الحارث في العاقلين ودرجاتهم وتفاوت العمل وطريقة عمله. وليس معنى التذكير به أنه يقول بمذهب المعتزلة في التوحيد والعدل وما يتصل بذلك من خلق العباد لأفعالهم، فالرجل يعد الاعتزال بدعة وضلالة، لكنا قصدنا إلى تبيان قيمة العقل عنده، وهو من أهل السنة. صحيح أن العقل عنده يستظل بمظلة القرآن، لكن ذلك لا يضعف من قدر هذا العقل، استمع إليه وهو يقول بعد أن استشهد بآيات من القرآن الكريم: "لأنه (الله) جعل العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الفهم، ومعقل العلم ونور الأبصار(46)".
    كان ذلك عن حضور العقل في "العدل" فماذا عن الاتجاه المعاكس حضور العدل في العقل؟ إذا كنا لا نستطيع أن نتصور مجنوناً عادلاً، مستقيماً أو مقوماً (مصلحاً) أو حاكماً بالحق، ولا مجنوناً فاضلاً يزن الأمور ويختار أوسطها، ولا مجنوناً يدخل في قضايا كلامية (فلسفية) تسعى لدحض الحجة بالحجة، فإننا بالتأكيد أيضاً لا نستطيع أن نتصور عاقلاً ظالماً لنفسه أو لغيره، ولا عاقلاً يُفْرِط أو يُفَرِّط، فيرتكب حماقات الانزجار أو التهور مثلاً، ولا عاقلاً لا يعمل عقله في ما يعرض له من مشكلات، ويهرب أو يتغاضى عنها، ليصيبه الضرر أو تحيط به الشرور.
    ***
    في جدل علاقة العقل مع الأخلاق تثار قضايا كثيرة، منها:
    علام تتأسس الأخلاق؟ على العقل أم على غيره؟ على العقل أم على الدين، أم على العرف، أم على المنفعة، أم على الضمير؟.
    وعلى الرغم من أن لكل عنصر من هذه العناصر من يتبناه، سواء على مستوى النخبة عبر العصور وفي مختلف المجتمعات، أو على مستوى العامة، فإن الذي لا شك فيه - ودون الدخول في تفصيلات لا يتسع لها البحث - أن العنصر الأبرز والأكثر خطراً وقبولاً هو "العقل"، فهو - من ناحية - يتحرك في مساحات كبيرة من دائرة النشاط الإنساني بمختلف أشكاله، وهو - من ناحية أخرى - يشكل جزءاً أساسياً، لا يمكن عزله أو الاستغناء عنه في العناصر الأخرى.
    ولنضرب مثلاً بعلاقة العقل بالدين. نعلم أنها علاقة وثيقة للغاية، فالعقل أصل الدين كما ورد عن الرسول الكريم "والعقل أصل ديني"، والأجور يوم القيامة مقسومة بحسب العقول في إشارة إلى أهمية الوعي بغاية العمل والنية التي صدر عنها "الناس يعملون الخيرات، ويعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم". العقل هو مناط التكليف الشرعي (عقيدة وعبادة وعملاً)، فهو أداة الاتصال بالله والناس والكون. إن معرفة الله نفسها والإيمان به - على جلالة قدر هذه الغاية - لا تكون إلا به.
    نعم ثمة من قال إن الدين (لا العقل) هو أساس الأخلاق، ولكن هل نستطيع أن نتصور أن بالإمكان تأسيس خلق في غير ذي عقل؟! وبالمقابل فإن الأخلاق أو الأحكام القيمية على الأشياء لابد لها من مرجعية تستند إليها. هذه المرجعية قد تكون ديناً أو فكر إنسانيًّا أو عرفاً اجتماعيًّا.
    وبالطبع فإن "الدين" هو أهم هذه المرجعيات وأقواها أثراً. إننا لا نستطيع تصور العقل شيئاً معلقاً في فضاء، بل لابد أن يحيا في الإنسان وبين الناس، وهذه الحياة هي التي تغذى هذه القوة وتصبغها بصبغتها وتلون اتجاهاتها ومفاهيمها وحركتها. وإذا كان العقل - كما سلف - عقولاً، أو درجات، فإن بالإمكان الحديث عن دوائر تتحرك فيها هذه العقول أو المستويات منها. قد يكون هناك عقل أو مستوى من العقل كافياً للحكم أو التمييز في دائرة أولية، لكن الدوائر الأخرى محتاجة إلى عقول أخرى تسهم المرجعيات الأخرى في تشكيلها والتأثير فيها. وقد يشتد أنسنا أو قبولنا لمثل هذا المذهب إذا ما استرجعنا الأقوال المختلفة والمتباينة في العقل. مرة هو غريزة، ومرة هو كسب. وتارة هو استعداد، وتارة أخرى هو "علم" أو مجموعة من المعارف الضرورية .. والأخلاق لابد أن يتردد فيها صدى ذلك العلم وتلك المعارف.
    وليس ما قلناه هذا فصلاً، فالدكتور الجابري يرى أن "النص الديني في الحضارة العربية الإسلامية - ولو أنه يغطي من الناحية المبدئية جميع مظاهر الحياة فإنه ترك مع ذلك للأخلاق مجالها الخاص الواسع العريض. وهذا الوضع ينتج عنه أن الدين في الإسلام ليس هو أساس الأخلاق، والذين لا يقبلون هذه العبارة لكونها تقلق الضمير الديني، يقبلون - بدون قلق - التصريح بأن الدين في الإسلام ليس وحده أساس الأخلاق، ليس وحده مصدر الحكم الأخلاقي. بل هناك بالمقابل إجماع على أن مصدر الحكم الأخلاقي هو العقل(47)".
    وشأن الدين هو شأن العناصر الأخرى، من عرف، ومنفعة أو لذة، وضمير عند الجابري. إن الأمر - كما يراه - هو أن العقل ما دام أساس الأخلاق، فإن ذلك يعني استبعاد العناصر النفسية والاجتماعية، ثم يقول: "ومع أن جميع الذين تناولوا المسائل الأخلاقية في الفكر الإسلامي يعترفون لـ "اللذة" بدور ما في السلوك البشري، فإن هناك إجماعاً على أن مصدر الرذيلة هو الهوى (هوى النفس، ومنه اللذات والشهوات) وأن الفضيلة تعتمد حكم العقل. أما العرف والعادة فالجميع يعترف بهما كموجهين للسلوك، ولكن الفصل في أخلاقية هذا السلوك - كونه فضيلة أو رذيلة - يرجع أولاً وأخيراً للعقل(48)".
    ولأن المسألة لم تحسم ولن تحسم، فسأكتفي بإثارة بعض الأسئلة، وأتركها غُفلاً دون جواب:
    - أليس أقرب للعقل أن لا تجعل الأمور في مواجهة بعضها، أعني أن يجزم بأن العقل وحده أساس الأخلاق؟
    - هل نستطيع أن نغفل أثر العناصر الأخرى كلية، ونحن نشاهد اختلاف القيم بين مجتمع وآخر، ونرى المستهجن في بعضها مقبولاً في بعضها الآخر، والمستحسن هناك، مكروهاً هناك.
    - إن سلم القيم أو الأخلاق مختلف بين فرد وآخر وجماعة وأخرى، فمن وراء هذا الاختلاف؟ هل هو عقل الإنسان الجزئي، أم هو عقل الجماعة، وكيف يمكن أن يتشكل العقل الجمعي، ويتوحد أو يقترب في أحكامه من التوحد؟.
    ننأى عن هذه الأسئلة، لنشير إلى أن الأخلاق، سواء كانت فطرية، أو مكتسبة، فإن أثر العقل فيها واضح. إن اكتسابها الذي أرجعوه إلى الاعتياد والدربة محتاج أيضاً إلى العقل، إذ الاعتياد والدربة يعكسان في الغالب رغبة الإنسان وقدرته العقلية في هذه الفضيلة أو تلك، وفي الحد من سيطرة هذه الرذيلة أو تلك عليه.
    بقى أن ننظر في الاتجاه المعاكس أيضاً: من الأخلاق إلى العقل، ونتساءل : هل الأخلاق منفعلة أم أنها أيضاً فاعلة؟
    إذا كان العقل يؤسس الأخلاق أو يشارك في تأسيسها، ويكتسبها أو يساعد على اكتسابها، فإن الأخلاق - سواء كانت فطرة أو كسباً - ترتد بالخير على العقل نفسه، إذ إنها جزء من العلوم والمعارف والخبرات التي تزيد من رصيده، وتضيف إليه فهماً واحتراماً وإصابة للغرض الذي يسعى إليه. ولعل من هذا الباب كان التوحيد بين العقل والأخلاق عندما جعلوا الأخلاق أحد أوجه العقل، فقد ذكر الغزالي أن العقل يطلق على وقار الإنسان وهيئته، وعندها يكون حد العقل:" هيئة محمودة للإنسان في كلامه واختيارة وحركاته وسكناته(49)". أليس كلام الإنسان شكلاً ومحتوى واختياراته التي تعني ميله إلى شيء على حساب شيء آخر، وحركاته وسكناته، أي أفعاله، جزءاً من الأخلاق؟.
    ***
    العدل والأخلاق قد يكونان من قبيل الجزء والكل، أو الخاص والعام، فالعدل هو الفضيلة، والفضيلة وسط بين رذيلتين. أما الأخلاق فتكون حسنة، وتكون قبيحة. الأخلاق إذن أعم، والعدل أخص. وإذا كان العدل الفضيلة، والفضيلة من الأخلاق بمفهومها العام، فالأخلاق كل، والعدل بعض. هل يصح إذن أن نقول إن العدل هو الأخلاق الفاضلة؟
    العلاقة بين العدل والأخلاق واضحة إذا نظرنا إلى الأخلاق من زاوية شمولها للحسن والسيء، لكن كلمة "أخلاق" "أو "خلق" تنصرف عند الإطلاق إلى الصفات الحسنة، فإذا ما قلنا" فلان ذو خلق" كان القصد أنه ذو خلق حسن أو جميل، في هذه الحالة تكون العلاقة بين العدل والأخلاق علاقة مطابقة أو ترادف على وجه ما.
    خلاصة القول أن العدل أو العدالة هو الأخلاق (الكريمة أو الحسنة)، أو الفضائل. وهذا ما يتضح من سياق الفكر الفلسفي اليوناني، الذي يقسم الخلق إلى فضيلة هي مبدأ لما هو كمال، ورذيلة هي مبدأ لما هو نقصان، وغيرهما وهو ما يكون مبدأ لما ليس شيئاً منهما، وذلك كله مرتبط بقوى النفس الثلاث: العقلية والشهوية والغضبية: الأولى للتمييز بين المصالح والمفاسد، والثانية لجذب ما ينفع البدن من المآكل والمشارب، والثالثة لدفع ما يضر ويؤلم. ولكل واحدة أحوال ثلاث: طرفان ووسط. والفضيلة هي الأوساط، وسط العقلية الحكمة، ووسط الشهوية العفة، ووسط الغضبية الشجاعة. وعندما تجتمع هذه الأوساط للنفس وتمتزج تكون النتيجة ما يسمونه "العدالة".
    خـــاتمة
    كانت هذه ثلاثية العقل والعدل والأخلاق، كما ظهرت لنا في مرايا اللغة والدين والفلسفة، ويبقى أن نقول إن ما أظهرته مرايانا محكوم بحدود البحث ومساحته والوقت الذي أتيح. ولا شك أن الصورة تحتاج إلى إكمال، وذلك - بلا شك - مرهون بجهد آخر، علَّه يكون قريباً.

    _____________________
    (*) باحث وكاتب من سورية، منسّق معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
    (1) ابن فارس: مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي)، 1369هـ، ج4، ص69.
    (2) نفسه.
    (3) نفسه 4/72.
    (4) نفسه.
    (5) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط3، 1979.ص 76.
    (6) ابن منظور: لسان العرب. بولاق (القاهرة)، (عقل).
    (7) ابن فارس: مقاييس اللغة (مصدر سابق) ج4، ص 73.
    (8) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (مصدر سابق) ص 75.
    (9) نفسه 76، 7.
    (10) ابن فارس: مقاييس اللغة (مصدر سابق)، ج4، ص 246.
    (11) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (مصدر سابق)، ص 149.
    (12) نفسه 295.
    (13) جميل صليبا: المعجم الفلسفي. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1971، ج2،ص42.
    (14) مسكويه: تهذيب الأخلاق، تحقيق قسطنطين زريق. بيروت، 1966، ص115.
    (15) جميل صليبا: المعجم الفلسفي (مصدر سابق) ج2، ص42.
    (16) ابن فارس: مقاييس اللغة، (سابق)، 1366هـ. ج2، ص 213.
    (17) نفسه.
    (18) ابن فارس: مقاييس اللغة (سابق)، ج2، ص 213.
    (19) محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001، ص 31.
    (20) ابن منظور: لسان العرب (سابق)، (خلق).
    (21) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (سابق)، ص 129.
    (22) ابن فارس: مقاييس اللغة (سابق)، ج4، ص 181.
    (23) نفسه.
    (24) أبو يعلى الفراء: العدة في أصول الفقه، تحقيق أحمد بن علي سير المباركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1980، ج1، ص 89.
    (25) المحاسبي: العقل وفهم القرآن - تحقيق حسين القوتلي. بيروت: دار الكندي، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص 201، 202.
    (26) أبو يعلى الفراء، العدة (سابق)، ج1، ص 84.
    (27) الماوردي: أدب الدنيا والدين. الآستانة: مطبعة الجوائب، 1299هـ، ص4.
    (28) الجويني: البرهان في أصول الفقه، ج1، ص112، 113.
    (29) رضوان السيد: العقل والدولة في الإسلام (ضمن كتاب الأمة والجماعة والسلطة)، ط2. بيروت: دار إقرأ، 1406هـ- 1986م.
    (30) المحاسبي: العقل وفهم القرآن (سابق)، 201، 202.
    (31) نفسه 205.
    (32) نفسه 208.
    (33) نفسه 210.
    (34) الغزالي: معيار العلم. القاهرة: دار المعارف، 1961.
    (35) الكندي: رسالة في حدود الأشياء ورسومها (ضمن رسائل الكندي الفلسفية)، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة. بيروت: دار الفكر العربي، 1950، ج1، ص165.
    (36) الفارابي: السياسة المدنية، تحقيق فوزي النجار. بيروت: دار المشرق، ص 32.
    (37) الكندي: رسالة في العقل (ضمن رسائل الكندي الفلسفية) (سابق) ج1، ص348، 353.
    (38) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق علي دحروج. بيروت: مكتبة لبنان، 1996، ج2، ص1194.
    (39) أبو يعلى الفراء: العدة (سابق) ج1، ص84.
    (40) الماوردي: أدب الدنيا والدين (سابق)، ص 5.
    (41) عبد الكريم عثمان: نظرية التكليف: آراء عبد القاضي الجبار الكلامية "بيروت: مؤسسة الرسالة، 1391هـ-
    (42) الراغب الأصفهاني: الذريعة .. (سابق)، ص 114.
    (43) نفسه.
    (44) الفارابي: الجمع بين الحكيمين، بيروت: دار المشرق، 1986، ص 95.
    (45) مسكويه: تهذيب الأخلاق (سابق)، ص31.
    (46) المحاسبي: العقل وفهم القرآن (سابق)، ص 266.
    (47) محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي (سابق)، ص 103.
    (48) نفسه.
    (49) الغزالي: معيار العلم (سابق)، ص 162.



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك