آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 26

الموضوع: الجواهــــــــــــــــــــــــــــــــــــري

  1. #11

    افتراضي





    عاشوراء







    هي النفس تأبى ان تذِلَّ وتُقهَرا -----ترَىَ الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا
    وتختارُ محموداً من الذِكرِ خالداً--------- على العيش مذمومَ المغَبَة مُنكَرا
    مشى ابنُ عليٍ مِشيةَ الليث مُخدِراً-------- تحدَّته في الغاب الذئابُ فاصحَرا
    وما كان كالمعطي قِياداً محاولاً---------- على حينَ عضّ القيدُ أن يتحررا
    ولكنْ أنَوفا أبصَرَ الذُّلَّ فانثنى -------------لأذيالهِ عن أن تُلاَُثَ مُشمِّرا
    تسامىَ سموَّ النجم يأبى لنفسه------------- على رغبة الأدنَينَ أن تتحدَّرا
    وقد حلفتْ بيضُ الظُبا أن تنوَشه -----------وسمرُ القَنا الخطيِّ أن تتكسَرا
    حدا الموتُ ظعنَ الهاشميينَ نابياً -------------بهمْ عن مقرٍّ هاشميٍ مُنَفَّرا
    وغُيِّبَ عن بطحاء مكة أزهَرٌ -----------أطلَّ على الطَف الحزينِ فأقمَرا
    وآذَنَ نورُ " البيت " عند برِحلة---------- وغاصَ النَدى منه فجفَّ وأقفرا
    وطاف بأرجاء الجزيرة طائفٌ ------------من الحزن يوحي خِيفةً وتطيُّرا
    ومرّ على وادي القُرى ظِلُّ عارضٍ-------- من الشُؤْم لم يلبث بها أن تَمطَّرا
    وساءَلَ كلٌّ نفسَهُ عن ذُهوله -----------أفي يقَظةٍ قد كانَ أم كان في كَرى
    وما انتفضوا إلا وركبُ ابنِ هاشمٍ ------عن الحج " يومَ الحج " يُعجله السُرى
    أبت سَورةُ الأعراب إلا وقيعةً ----------بها انتكَصَ الإسلام رَجْعاً إلى الوَرَا
    وننُكِّسَ يومَ الطفّ تاريخُ أمة ---------------مشى قبلَها ذا صولةٍ متبخِترا
    فما كان سهلاً قبلَها أخذُ موثق--------------- على عَرَبيّ أن يقولَ فيغدِرا
    وما زالت الأضغانُ بابن أميَّةٍ --------------تراجِعُ منه القَلبَ حتى تحجرا
    وحتى انبرى فاجتَثّ دوحةَ أحمدٍ ------------مفرِّعةَ الاغصان وارفةَ الذرى
    وغطَّى على الأبصار حقدٌ فلم تكن------------ لتَجهَدَ عينٌ أن تَمُدَّ وتُبصِرا
    وما كنتُ بالتفكير في أمر قتلهِ ------------------لازدادَ إلا دهشةً وتحيُّرا
    فما كان بين القوم تنصبٌّ كتبُهمُ -------------عليه انصبابَ السيل لما تحدَّرا
    تكشَّفُ عن أيدٍ تُمَدُّ لبيعةٍ -------------------وأفئدَةٍ قد أوشكَت أن تَقَطَّرا
    وبينَ التخلَّي عنه شِلواً ممزَّقا ----------سوى أن تجيءَ الماءَ خِمسٌ وتُصدِرا
    تولى يزيدٌ دَفَّةَ الحكم فانطوى ----------على الجمر من قد كانَ بالحكم أجَدرا
    بنو هاشمٍ رهطُ النبيِّ وفيهُمُ ---------------ترَعرَع هذا الدينُ غَرساً فاثمَرا
    وما طال عهدٌ من رسالة أحَمدٍ -----------وما زالَ عودُ الملك رّيانَ اخضَرا
    وفيهِمْ حسينٌ قِبلةُ الناس أصيدٌ --------------إذا ما مَشَى والصِيدُ فاتَ وغبَّرا
    وغاض الزبيريين ان يبصِروا الفتَى----------- قليلَ الحِجى فيهم أميراً مُؤمَّرا
    ففي كل دارٍ نَدوة وتجمُّعٌ ---------------------لأمر يُهم القومَ أن يُتدَّبرا
    وقد بُثَّت الأرصادُ في كل وِجهةٍ --------------تخوف منها ان تُسَرَّ وتُجهَرا
    وخَفُّوا لبيت المال يستنهضونَهُ --------------وكان على فضِّ المشاكل أقدَرا
    وقد أدرك العُقْبى مَعاوي وانجلَتْ --------------لعينيه أعقابُ الامور تَبصُرّا
    وقد كان أدرىَ بابنه وخصومِه ------------وأدرى بانَ الصَيدَ أجمعُ في الفرا
    وكان يزيدٌ بالخمور وعصرِها------------- من الحكم ملتَفَّ الوشائج أبصَرا
    وكانَ عليه أن يشُدَّ بعَزمه---------------- قُوَى الأمر منها أن يَجدَّ ويسْهَرا
    فشمَّر للأمرِ الجليلِ ولم يكن ----------------كثيراً على ما رامَه ان يشمِّرا
    ولكنَّه الشيءُ الذي لا معوِّض---------------- يعوِّضُ عنه إن تولَّى وأدبَرا
    وقلَّبها من كل وجه فسرَّه --------------------بأن راءَها مما توَّقع أيسَرا
    فريقينِ دينياً ضعيفاً ومُحنَقاً ----------------ينفِّسُ عنه المالُ ما الحِقد أوغرا
    وبينهما صِنفٌ هو الموتُ عينُهُ ---------------وان كانَ معدوداً أقلَّ وأنزَرا
    وماماتَ حتى بيَّن الحزمَ لابنه ---------------كتابٌ حوى رأساً حكيماً مفكرا
    وأبلَغَه أنْ قد تَتَبَّع جهدَه -------------------مواطنَ ضَعفِ الناقمين فخدَّرا
    وإن حسيناً عثرةٌ في طريقه -----------------فما اسطاعَ فليستغنِ ان يتعثَّرا
    وأوصاه شرّاً بالزبيريِّ منذرِا ---------------وأوصاه خيراً بالحسَين فأعذَرا
    لوَ ان ابن ميسونٍ أرادَ هدايةً ------------------ولكن غَوِيٌّ راقَهُ أن يُغرِّرا
    وراح " عبيدُ الله " يغتلُّ ضعفَه --------------وصُحبَتهُ ، حتى امتطاه فسيَّرا
    نشا نشأةَ المستضعفينَ مرجيِّا -------------من الدهر أن يُعطيه خَمراً وميسِرا
    وأن يتراءى قرده متقدِّماً------------------ يجيءُ على الفُرسان أم متأخِّرا
    وقد كان بين الحزنِ والبِشر وجهُه ----------------عشيّةَ وافاه البشيرُ فبشَّرا
    تردَّى على كره رداءَ خِلافةٍ -----------------ولم يُلقِ عنه بعدُ للخمرِ مِئزرا
    وشقَّ عليه أن يصوِّر نفسَه--------------- على غير ما قد عُوِّدَت أن تُصوَّرا
    وأن يُبتَلى بالأمرِ والنهيِ مُكرَها -------------وان يَجمع الضِدَّين سُكراً ومِنبَرا
    إذا سَلِمت كأسٌ يُروِّحُ مُغبّقاً -----------------عليه بها الساقي ويغدو مبكِّرا
    وغنَّتهُ من شعر " الاخيطلِ " قَينَةٌ-------------- وطارَحَها فيها المُغنّي فأبهَرا
    فكلُّ أمور المسلمينَ بساعةٍ ---------------من المجلِسِ الزاهي تُباع وتُشتَرى
    وشاعَتْ له في مجلِس الخمر فَلْتَةٌ------------ من الشِعر لم تَستَثْنِ بَعثا ومَحشَرا
    وقد كانَ سَهلاً عندَه أن يقولَها -----------------وقد كانَ سهلاً عنده أن يُكفَّرا
    على أنه بالرَغم من سَقَطاته------------------ وقد جاءه نَعيُ الحسين تأثَّرا
    فما كان إلا مثلَ قاطعِ كفِّة -----------------بأُخرى ، ولما ثَابَ رشْدٌ تَحسَّرا
    وأحسَب لولا أنَّ بُعدَ مسافة--------------- زَوَت عنه ما لاقَى الحسين تأثَّرا
    ولولا ذُحولٌ قدمت في معاشِرٍ ---------------تقاضَوا بها في الطَفِّ ديناً تأخَّرا
    لزُعزِع يومُ الطف عن مُستقَرِّه -------------------وغُيِّرَ من تاريخه فتَطَوَّرا
    أقول لأقوامٍ مضّوا في مُصابه -----------------يسومونه التحريفَ حتى تغيَّرا
    دعوا رَوعةَ التاريخ تأخذْ مَحَلَّها -----------------ولا تجهدوا آياتِه أن تُحوَّرا
    وخلوا لسانَ الدهر ينطقْ فإنّه -----------------بليغٌ إذا ما حاولَ النطقَ عَبَّرا







    آمنتُ بالحُسين









    فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ-------------- تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ
    بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ ---------رَوحاً ، ومن مِسكِها أضوع
    ورَعياً ليومِكَ يومِ " الطُفوف"------- وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَع
    وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ----------- على نهجِكَ النَّيِّرِالمَهْيَع
    وصَوتاً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ----------- بما أنت تأباهُ مِن مُبّدع
    فيا ايُّها الوِتْرُ في الخالِدينَ ------------فذّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَع
    ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ------------ للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
    تعاليتَ مِن مُفْزِعِ للحتُوفِ------------ وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَع
    تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد -------------على جانبيه . ومِنْ رُكَّع
    شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ-------------- نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
    وعفَّرتُ خدي بحيثُ استراحَ------------- خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضرَع
    وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغاةِ -------------جالتْ عليهِ ولم يَخشع
    وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ------------ بروحي إلى عالمٍ أرفَع
    وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ------------ بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدع
    كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ -----------حمراءَ " مَبتُورَةَ الإِصْبَع "
    تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ--------------- والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع
    تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت ---------------على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع
    لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير-------------- بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِع
    وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ-------------- خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَع
    تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي--------------- فانْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
    تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ-------------- لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع
    ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ--------------- وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرع
    ولم تُخلِ أبراجَها في السماء ------------ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
    ولم تَقْطَعِ الشّرَّ مِن جِذْمهِ--------------- وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
    ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ-------------- عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
    تعاليتَ من " فَلَكِ " قُطْرهُ ------------يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
    فيابنَ " البتولِ " وحَسْبي بها -----------ضَماناً على كلْ ما أدَّعي
    وبابنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها-------------- كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
    ويابن البطينِ بلا بِطنةٍ -------------ويابن الفتى الحاسرِ الأنْزَع
    ويا غُصْنَ " هاشِمَ " لم ينفَتِحْ -------------بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِع
    ويا واصِلاً مِن نشيدِ " الخُلود" ------------خِتامَ القصيدةِ بالمطلع
    يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ --------------مِن مستقيمٍ ومن اظلع
    وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود------------------- ما تستَجِدّ له يَتْبَع
    تَمثَّلتُ " يَومكَ " في خاطري------- وردَّدت " صوتَكِ " في مَسمعي
    ومَحَّصتُ أمرَكَ لم " أرتَهبْ "--------- بنقلِ " الرُّواة " ولم أُخدَع
    وقلتُ : لعلَّ دويَّ السنين ---------------بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
    وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعاةُ مِن-------- " مرسِلينَ " ومن " سُجَّع "
    ومِنْ " ناثراتٍ " عليكَ المساءَ -----------والصُبْحَ بالشَعْرِ والأدمُع
    لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ ---------------على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي
    وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي---------------- بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
    لعلَّ لِذاكَ و " كونِ " الشَّجيِّ------------- وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولع
    يَداً في اصطباغِ حديثِ " الحُسين " ------------بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِع
    وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً ----------------يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعى
    صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً--------------- وكيفَ ومهماً تُرِدْ تَصنع
    ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ " القُرونِ " -----------وسِتْر الخِداع عنِ المخْدع
    أُريدُ " الحقيقةَ " في ذاتِها ----------------بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَع
    وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ ----------------بأعظمَ منها ولا أرْوَع
    وماذا ! أأروعُ مِنْ أن يكونَ------------- لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
    وأنْ تَتَّقي – دُون ما ترتائي ------------- ضميرَكَ بالأسَلِ الشُرَّع
    وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ ----------مِنَ " الأكهلينَ " إلى الرُّضَّع
    وخيرَ بني " الأمِّ " مِن هاشمٍ-------- وخيرَ مِنَ بني " الأب " مِن تُبَّع
    وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدورِ------------- كانوا وِقاءكَ ، والأذْرع
    وقدَّسْتُ " ذكراكَ" لم أنتحِلْ----------------- ثِيابَ التُقاةِ ولم أدَّع
    تَقَحَمْتَ صدري وريبُ " الشكوكِ " ---------يَضِجُّ بجدرانِه " الأرْبَع "
    ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب--------------- عليَّ من القَلَقِ المُفزع
    وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات ----------------و " الطيبينَ "ولم يُقْشَع
    إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ---------------- تأبَّى وعادَ إلى مَوضع
    وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ " الجدودِ " ------------إلى الشكِّ فيما معي
    إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ -----------------من " مَبدأ" بدمٍ مُشْبَع
    فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد -----------------وأعطاكَ إذعانهََ المُهْطِع
    فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي ------------وقِّوْمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
    وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى سِوى--------- ( العقل) في الشكِّ مِن مَرْجع
    بأن ( الإِباء ) ، ووحيَ السماء----------- وفيضَ النبوَّةِ ، مِن مَنْبع
    تجمَّعُ في ( جوهرٍ ) خالصٍ -----------تَنَّزهَ عن (عَرَضِ ) المَطْمَع


    الجواهري ذلك الميت الحيّ






    د. علي بن محمد الرباعي


    من الأسماء التي تمر بذاكرتنا أسماء تاريخية، أبدعت في جانب من جوانب الحياة وأضاءت حيزاً من مسار البشرية ورسمت صوراً من الجمال أمام ناظر الإنسانية وعندما نذكر التأريخ تحضر الأسطورة بقوة لأنها تمثل الوجه الآخر له: (وإن كانت ترتكن إلى الخيال أكثر من الواقع وإذا جاز أن نطلق على بعض الرموز وصف (التأريخي) فمن المفروض أن (نلصق) ببعضهم الآخر تهمة (الأسطورة)، وأحسب أن شاعراً بحجم محمد مهدي الجواهري رحمه الله أول من ينطبق عليه الملمح الأسطوري، ومن قرأه إنساناً وسيرة وشاعراً فربما يوافقني الرأي ويخرج بذات الانطباع المدهش والمبهر الذي خرجت به وأنا أتأمل حياة هذا الرجل الذي (أحب الناس والأجناس من يسوّد كالفحم ومن يبيّض كالماس) وكانت لي معها وقفات..
    أولها: ما تشبعت به روحه من فيض إنساني نادر الحدوث وما خالط وجدانه من ضمير حي اعتبرهما من أقوى (المسوّقات) لأشعاره لتغدو حداءً على كل شفة وفوق كل لسان وقد عبّر عن بعض إنسانيته شعراً فقال:
    أقول لنفسي إذا ضمّها وأترابها محفل يزدهى
    تسامي فأنت أعزّ النفوس إذا قيس كل على ما انطوى
    وأجمل ما فيك أن الضمير يصيح من القلب (إني هنا)
    ومع كل هذه (الشفافية) في وصف (الذات) إلا أنه لا ينكر أنه صاحب هنات شأنه شأن بقية البشر، حيث قال في قصيدته (ليلة معها):
    لا أكذبنك أنني بشر جمّ المساوئ آثم أشر
    لكم شقيت بما بصرت به فوددت أني ليس لي بصر
    النفس شامخة إذا ظفرت بك ساعة والكون محتقر
    الوقفة الثانية: قدرته على الرؤية (الاستباقية) للأحداث والمحدثين والتي تؤكد أن موهبة الشاعر الجواهري (توليدية لمستقبل خلاق) إنها الرؤيا المتجاوزة للسائد الكئيب و(الكاشفة) عن (غائب) يحضر قريباً وها هو يخاطب (الطغاة) الذين غرّبوا المبدعين وأحرموهم من أبسط (حقوقهم) الآدمية، بقوله:
    باقٍ (وأعمار الطغاة قصار) من سفر مجدك عاطر موار
    ولقد رأى أنفاس الطغاة تتناهى على مدارج الريح مغبّر قائلاً:
    عصفت بأنفاس الطغاة رياح وتنفست بالفرحة الأرواح
    إلا أنها فرحة لم تتم؟!!
    الوقفة الثالثة: (الطبع التمردي) والذي لم يجعله ينسجم مع (التيارات) و(الأحزاب: بل تمرد حتى على ملك العراق في ذلك العهد رغم أن الملك كان يتودد له وكان ينادي الشاعر ب(ابني محمد) ورشحه للبرلمان وحين رفض ذات مساء الذهاب للبلاط الملكي (فعوتب من بعض محبيه: فأجابهم بقوله: ألا ليت الإنسان ينسجم مع نفسه دائماً).
    الوقفة الرابعة: (قدرة الشاعر) على توفير التناغم الحركي بين شكل القصيدة ومضمونها وربما ملك (حدساً) من نوع (خاص) قد لا يتوفر إلا عند القلة من شعراء العرب كذي الرمة والمتنبي، هذا الحدس النادر يخلق تفاعلية بين المتلقي وبين القصيدة، فتغدو القصيدة ومن يقرأها كياناً واحداً تصعب تجزئته!!
    الوقفة الخامسة: لغة الجواهري لغة (إلماح) أكثر من كونها لغة إيضاح فتشعر أنه يعلي من شأن القارئ مفترضاً أن شعره لا يفهمه إلا الأذكياء!! حتى أنك وأنت تتصفح (مجموعته الكاملة) تسلّم أنك تقرأه بعقلك أكثر من قراءتك له بعاطفتك وإن كانت أبياته مؤهلة أن ترتقي (بالفكر) في كثير من قصائده إلا أن بعض القصائد قادرة على استمطار الدموع:
    كم هزّ دوحك من قزمٍ يطاوله فلم ينله ولم تقصر ولم يطلِ
    ثبّت جنانك للبلوى فقد نُصبت لك الكمائن من غدرٍ ومن ختلِ
    الوقفة السادسة: (ملامح الحزن) المعجونة بها ملامحه فقد صهرت أفراحه (قضايا العروبة) وأزمات العراق حتى تشطّر كيانه أو تشظى:
    دمشق ما جاء بي عيش أضيق به فضرع دجلة لو مسحّت درار
    أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطار
    إنه قدر الشاعر المبدع: مع المعاناة اللا نهائية وإنها ضريبة الإبداع التي لا فكاك منها ولا مهرب عنها!!!

  2. #12

    افتراضي



    وهواجس في الليل رامت حملها------ شهب فعثن بشملها المجموع
    ما أنصفت فيه الطبيعة حبّها---------- لما دعا للشوق غير سميع
    أبت الجوانح أن تقر ، فمن يطق ------ملكا فلست بمالك لضلوعي
    حبّ الرجوع إلى الشباب ولم أجد------ في مرِّه ما يرتجى لرجوع
    بين الأضالع صخرة لكنّها --------مما جنى الأحباب ذات صدوع
    قلب عليه تحالفت زمر الهوى----------- فمنيعه للذُّل غير منيع
    قالوا استقلَّ عن الهموم فقلت لا---------- فهو التبيع لظالم متبوع


    ***


    لو أنَّ مقاليدَ الجَماهير في يدي-------- سَلَكتُ بأوطاني سبيلَ التمرُّدِ
    إذن عَلِمَتْ أنْ لا حياةَ لأمّةٍ----------- تُحاولُ أن تَحيا بغير التجدُّد
    لوِ الأمرُ في كَفِّي لجهَّزتُ قوّةً ---------تُعوِّدُ هذا الشعبَ ما لم يُعوَّد
    لو الأمرُ في كفِّي لاعلنتُ ثورةً ---------على كلِّ هدّام بألفَي مشيِّد
    على كُلِّ رجعيٍّ بألفَي منُاهضٍ -----يُرى اليوم مستاءً فيبكي على الغد
    ولكننَّي اسعَى بِرجلٍ مَؤوفةٍ ----------ويا ربَّما اسطو ولكنْ بلا يَد
    وحوليَ برّامونَ مَيْناً وكِذْبَةً --------متى تَختَبرهُم لا تَرى غيرَ قُعدد
    لعمرُكَ ما التجديدُ في أن يرى الفَتى ----يَروحُ كما يَهوَى خليعاً ويغتَذي
    ولكنَّه بالفكر حُرّاً تزَينهُ------------ تَجاريبُ مثل الكوكَبِ المُتَوقِّد
    مشَتْ اذ نضَتْ ثَوبَ الجُمود مواطنٌ ------رأت طَرْحَهُ حَتماً فلم تَتردَّد
    وقَرَّتْ على ضَيْم بلادي تسومُها------ من الخَسف ما شاءَتْ يدُ المتعبِّد
    فيا لك من شعبٍ بَطيئاً لخيرِه ِ ----------مَشَى وحثيثاً للعَمَى والتبلُّد
    متى يُدْعَ للاصلاح يحرِنْ جِماحُه -------وان قيد في حبل الدَجالةِ يَنْقد
    زُرِ الساحةَ الغَبراء من كل منزلٍ ------تجد ما يثير الهَمَّ من كلِّ مَرقد
    تجد وَكرَ أوهامٍ ، وملقَى خُرافةٍ -----وشَتّى شُجونٍ تَنتهي حيثُ تَبتدي
    هم استسلموا فاستعبَدتْهم عوائدٌ ------مَشت بِهمُ في الناس مشيَ المقيَّد
    لعمْركَ في الشعب افتقارٌ لنهضةٍ ----------تُهيِّجُ منه كل اشأمَ أربد
    فإمّا حياةٌ حرّةٌ مستقيمةٌ -------------تَليقُ بِشَعبٍ ذي كيان وسؤدُد
    وإمّا مماتٌ ينتهَي الجهدُ عِندَهُ -------فتُعذَرُ ، فاختر أيَّ ثَوْبيَك ترتدي
    وإلا فلا يُرجى نهوضٌ لأمّةٍ--------- تقوم على هذا الأساس المهدَّد
    وماذا تُرَجِّي من بلاد بشعرة --------تُقاد ، وشَعب بالمضلِِّّين يَهتدى
    اقول لقَومٍ يجِذبون وراءهُم -----------مساكين أمثالِ البَعير المعبَّد
    اقاموا على الأنفاس يحتكرونها --------فأيَّ سبيلٍ يَسلُلكِ المرءُ يُطردَ
    وما منهمُ الا الذي إنْ صَفَتْ له-------- لَياليه يَبْطَر ، او تُكَدِّرْ يُعربِد
    دَعوا الشعبَ للاصلاح يأخذْ طريقَه ------ولا تَقِفوا للمصلحينَ بمَرْصَد
    ولا تَزرعوا اشواككم في طريقه ---تعوقونه .. مَن يزرعِ الشوكَ يَحصِد
    أكلَّ الذي يشكُو النبيُّ محمدٌّ ------------تُحلُونَه باسم النبيِّ محمّد
    وما هكذا كان الكتابُ منزَّلاً ---------ولا هكذا قالت شريعةُ لَموعد
    اذا صِحتُ قلتُم لم يَحنِ بعد مَوعد------ تُريدون إشباعَ البُطون لمَوعد
    هدايتَك اللهمَّ للشعب حائراً ---------أعِنْ خُطوات الناهضين وسدِّد
    نبا بلساني أن يجامِلَ أنني---------- أراني وإنْ جاملتُ غير مُخَلَّد
    وهب أنني أخنَتْ عليَّ صراحتي ---فهل عيشُ من داجَي يكون لسرمَد
    فلستُ ولو أنَّ النجومَ قلائدي ---------أطاوع كالأعمى يمين مقلدي
    ولا قائلٌ : اصبحتُ منكم ، وقد أرى -----غوايَتكم او انني غير مهتدي
    ولكنني ان أبصِرِ الرشد أءتمرْ به ---------ومتى ما احرزِ الغي أبعد
    وهل انا الا شاعر يرتجونَه ----------لنصرة حقٍ او للطمةِ معتدي
    فمالي عمداً استضيمُ مواهبِي---------- وأورِدُ نفساً حُرَّةً شرَ مَورد
    وعندي لسانٌ لم يُخِّني بمحفِلٍ --------كما سَيْف عمروٍ لم يَخنُه بمشْهَد
    فداء لمثواك
    للشاعر الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري
    </p align="center">



    ِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ ***** تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
    بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ ***** رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
    وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف" ***** وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
    وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس ***** على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
    وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال ***** بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
    فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ ***** فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
    ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ ***** للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
    تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ ***** وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
    تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ ***** على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
    شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ ***** نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
    وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ ***** خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
    وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ ***** جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
    وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ ***** بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
    وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ***** بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
    كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ ***** حمراءَ " مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ"
    تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ ***** وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
    تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ ***** على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
    لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ ***** بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
    وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ ***** خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ

    تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي ***** فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
    تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ ***** لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
    ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ ***** وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
    ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ***** ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
    ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ ***** وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
    ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ ***** عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
    تعاليتَ من "فَلَـكٍ" قُطْـرُهُ ***** يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
    فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ***** ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
    ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها ***** كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
    ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ***** ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
    ويا غُصْنَ "هاشِـمَ" لم يَنْفَتِحْ ***** بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
    ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود ***** خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
    يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ ***** مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
    وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ ***** مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ

    تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ***** ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
    وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ ***** بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْـدَعِ
    وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين ***** بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
    وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ ***** من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّـعِ"
    ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ ***** والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
    لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ ***** على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
    وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي ***** بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
    لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ ***** وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
    يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن ***** بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
    وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً ***** يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
    صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً ***** وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
    ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ ***** وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
    أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَـا ***** بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
    وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ ***** بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
    وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون ***** لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
    وأنْ تَتَّقِي - دونَ ما تَرْتَئـِي- ***** ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
    وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ ***** مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ
    وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ ***** وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّـعِ
    وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ ***** كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ
    وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ***** ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
    تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ ***** يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
    وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب ***** عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
    وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ ***** و" الطَّيِّبِيـنَ " ولم يُقْشَـعِ
    إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ ***** تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
    وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ ***** " الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
    إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ ***** مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَـعِ
    فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ ***** وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
    فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي ***** وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
    وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى ***** سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
    بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ ***** وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ
    تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ ***** تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ
    -----------------
    * ألقاها الشاعر في الحفل الذي أقيم في كربلاء يوم 26 تشرين الثاني 1947، لذكرى استشهاد الحسين .
    * نُشرت في جريدة " الرأي العام " العدد 229 في 30 تشرين الثاني 1947 .
    * كُتب خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيسي الذي يؤدي إلى الرواق الحسيني .

  3. #13

    افتراضي

    الــــجــــــواهــــــــــري



    وداع...





    "أنيتُ " نزَلنا بوادي السِباعْ

    بوادٍ يُذيبُ حِديدَ الصِراع

    يُعَيِّرُ فيه الجبانُ الشُجاع

    " أنيتُ " لقد حانَ يومُ الوداع

    إليَّ إليَّ حبيبي " أنيتْ "

    إليَّ إليَّ بجيدٍ وليت

    كأنَّ عُروقَهما النافِرات

    خُطوطٌ مِن الكلِم الساحِرات

    إليَّ بذاكَ الجبينِ الصَلِيتْ

    تخافَقَ عنْ جانبيهِ الشَعَرْ

    يبُثُّ إليَّ أريجَ الزَهَر

    سيَعبِقُ في خاطري ما حيَيِتْ

    ويُذكِرُني صَبوتي لو نَسيِت

    إليَّ إليَّ حَبيبي " أنيتْ "

    إليَّ إليَّ بذلكَ الذّراعْ

    أبضَّ تفايَضُ مِنهُ الشُعاع

    أطِلَّي عليَّ بهِ كالشِراع

    فقد لَفحَتني سَمومُ العِراقْ

    فألهينَ مِنَّيَ جُرحَ الفِراق

    إليَّ إليَّ به للعِناق

    لغيرِ العِناقِ الذي تَعرِفينْ

    بحيثُ يلُزُّ الوتينُ الوتين

    عَشِيَّةَ أهتِفُ أو تهتِفين

    لنجمِ القَضا ، ولسَهمِ القَدَرْ

    وللمُستَقِرِّ بذاكَ المَقَرّ !!!

    بأنْ لا يُميِّلَ هذا السَّفينْ

    إلى حيثُ أرهَبُ ، أو تَرَهبين

    إلى وَحَلٍ من دُموعٍ وطين

    إليَّ بصدِركِ ذاكَ الخِضمّ

    مِن العاطفاتِ العُجابِ الشِيَمّ

    مِن العاصفاتِ بلحمٍ " وَدَمّ "

    تُلَوِّنُ وجهَكِ في كلِّ آنْ

    بما لم تُلَوَّنْ فُصولُ الزّمان

    أحاسيسُ تُعرِبُ عن كلِّ شان

    كأنَّ وُجوهاً عِداداً لديكِ

    تَرِفُّ ظِلالاً على مُقلَتيك

    كأنَّكِ تُلقِينَ من عاتِقيك

    بتلكَ الظِلالِ القِباحِ الِلطافْ

    وأشباحِهنَّ السِّمانِ العِجاف

    عناءَ الضميرِ ، وثِقْلَ السِنين

    وجهلَ المصيرِ ، ، وعِلْمَ اليقين :

    بلُطفِ الحياةِ

    وجُهدِ الظّنين :

    بساعاتِها أنّ يروحَ الحِمامْ

    إلى الصمتِ ، يدفعُها والظَلام

    إليَّ إليَّ حبيبي " أنيتْ "

    إليَّ بنبعِ الحياةِ المُميتْ

    إليَّ بذاكَ النظيمِ الشّتيت

    بثغركِ ذاكَ العبوسِ الطروبْ

    يَرفُّ إذا ما علاهُ الشُّحوب

    كأنِّيَ أقرأ " سِفرَ " الغُيوب

    على شفَتيكِ ، و " سِرَّ " الخفايا

    كأنِّيَ أسمعُ عتبَ الذَّنوب

    عليكِ ، ووقعَ دبيبِ الرزايا

    كأنِّيَ أشربُ كأسَ الخطايا

    وسؤرَ دمٍ مُهدَرٍ مِن سِوايا

    كأنّيَ أمضُغُ لحمَ الضّحايا

    تناثَرُ مِن بينِ تلكَ الثّنايا

    كأنَّ الزفيرَ بنفحِ الطُّيوبْ

    إذا امتَزجا يَكشِفانِ النّوايا

    ويَستصْرِخانِ أثيماً يتوبْ :

    على ما تَجَرَّمهُ مِن منايا

    إليَّ هواني ، إليَّ هوايا

    إليَّ المُنى تُشتَرى بالمنايا

    إليَّ إليَّ بتلك البقايا

    مِن المُسأراتِ بتلكَ الجُيوبْ

    إليَّ بصَفوِ النعيمِ المَشوب

    بلَفح أُوارِ الجحيمِ الشَّبوب

    إليَّ إليَّ أغيثي ظمايا

    فقد نالَ مِن شفتيَّ اللُغوبْ



    العَدل





    لعمرُك إنَّ العدلَ لفظٌ اداؤُهُ بسيطٌ ولكن كنهُه متعسِّرُ
    تخيَّلَه عقلٌ نشيطٌ أرادَه دليلاً لقومٍ في الحياة تعثَّروا
    يفسِّرُهُ المغلوبُ أمراً مناقضاً لما يرتأيهِ غالبٌ ويفسِّر
    ولما رآه الحاكمون قذيفةً تُضعضِعُ من أهوائهم وتدمِّر
    ولم يجدوا مَندوحةً عن قَبوله لإرضاءِ مخدوعينَ بالعدل غَّرروا
    أتَوه بتاؤيلاتِهم يُفسدونه قوانينَ باسم العدل تَنهى وتأمُر
    لقد كانَ أولى بالرفاهِ وبالغِنى ذكيُ فؤادٍ جائع يتضوَّر
    وقد كان أولى بالحفاءِ وبالعَرى وبالجوعِ هذا الأبلهُ المتبختِر





    الــــجــــــواهــــــــــري



    في ذكرى رحيله..
    الجواهري.. آخر العمالقة الخالدين




    علي غدير

    تمخضت النجف... فولدت عملاقا اخر في زمن يتتالى فيه عمالقة العراق في حمل الرسالة.. ومن وسط ملاحم الفكر والفقة والشعر والدين انبرى ذلك الفتى الذي لم يتجاوز العشرين بعرض فنونه ومهاراته في حفظ الشعر ومن ثم في نظمه وماكان يحسب يوما محمد مهدي ابن الشيخ عبد الحسين الجواهري انه يرى السيد محمد سعيد الحبوبي شاعر زمانه يجلس في بيت والده ويتحدث معه وكان برأيه ان الحديث مع الشعراء فيه وجل ومهابة وخشية من وقوع الزلل ولعل الكثيرين لايعلمون شيئا عن بدايات حياة شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري يوم كانت النجف بضعة محلات وبضعة بيوتات يحيط بها سور وكان النجفي داخل هذا السور يشعر بان ماوراء السور عالم اخر لربما تشاء الاقدار ويخرج احدهم من ذلك السور ولايعلم مايخبئه الله له في هذه الدنيا.
    يتحدث الشاعر الجواهري عن مواطن الطفولة ومنبت التامل والخيال الذي نمت معه اولى القصائد حيث يقول: في النجف الاشرف وفي سطحنا العالي والجميع نائمون... ايامها لم يكن هناك ارائك وسرر تفرش على الارض وبالمناسبة فان ليالي النجف من ابدع ليالي نجد.. ارض نجد.. رملة نجد..ليالي النجف مثيرة كالليل في الصحراء .. رؤاها واحلامها تقرب من الاساطير ويسرح الجواهري في بحور الذاكرة.
    الى الان اذكر انني سهران لوحدي عيني الى النجمة وظهري على ارض السطح وانني اظل في هذا الوضع لمدة طويلة كل الدنيا نائمة الا هذا الطفل الصغير اكاد الى الان اريد ان اعاين نفس النجمة التي كنت ارنو اليها.. ويتسائل الجواهري اهي نجمة الصحراء ويتذكر الجواهري البيوتات الاولى والخربات والسرداب الذ ي كان ينزل اليه محمد مهدي الجواهري ليجلب الماء البارد الى ابيه رغم وجود العقارب والافاعي التي تظهر وتخرج من تلك الخربات ثم يتدرج في ذكرياته الى حيث عشقه لشواطي النجف حيث يقول يارب.. يارب.. انا لم اكن لانام الليل لمجرد ان امي واختي ورفيقاتها من العوائل انهن غدا سيذهبن الى الشواطي.
    كانت النساء مع النساء فقط والرجال مع الرجال فقط وهذا شيء مؤسف مازال موجودا الى الان في العراق الشواطي غير موجودة في النجف فالنجف رملة انما هي مجرى الفرات وبقايا مجرى البحر الذي كان في التاريخ يعني بحر النجف كما كانوا يسمونه يقول ابو فرات مئة خطوة من البيت الى الشواطي من اجلها كنت احيي الليل ساهرا حتى مطلع الصباح وهذا مايفسر عشق الجواهري للبحر في بيروت وصوت هدير البحر خلال عيشه فيها سنوات وعندما نفتح صندوق الشعر والمنابع الاولى يتحدث الجواهري عن السيد محمد سعيد الحبوبي ويقول عنه انه اشعر شعراء النجف والعراق والعالم العربي والواقع انه من ارقاهم شعرا ويقول عنه هو صاحب المدرسة الوحيدة التي نشات عليها ويمتلك الجواهري ذاكرة عجيبة يفتخر بتوقدها حتى انه يقول ان والدته وهي فاطمة بنت الشيخ شريف آل كاشف الغطاء كانت تذهل عندما يسرد عليها وقائع حصلت في بيتهم فتقول له امه «قسما بالله كنت في هذه الوقائع على صدري ترضع{ ثم يسرد الجواهري كيف انهى الدراسة الابتدائية في النجف لينتقل الى المدرسة الرشدية ثم ليعمد والده الى انهاء عهد المدرسة والحاقه بالدروس الدينية ولتبدأ مرحلة جديدة من حياة الجواهري قبيل الثورة العراقية ودخول الانكليز العراق عام ۱۹۱۷ وفي اثنائها يقول الجواهري كنت في الخامسة عشرة او الرابعة عشرة و كنت اقوم بتوزيع المنشورات السرية ضد الانكليز والنجف كما يعلم الجميع مدينة حساسة تعد من اخطر مناطق العراق فهي كما يقول ابو فرات اذا تحركت تحرك معها العراق باكمله وهنا يصف الجواهري الوضع قائلا كان من عادة الانكليز ان يختاروا معاونيهم من اهل البلد لمعرفتهم باحوال بلدهم واهله اكثر منهم ولذلك فقد كان الحاكم الذي يختارونه يلبس دائما ثياب مواطن وينتمي الى احدى العوائل الشهيرة شأن هذا الحاكم فقد كانت عائلته لاصقة في النجف وموالية للانكليز وفي الوقت نفسه مشتبكة مع العوائل الاخرى في النجف ومنها عائلتنا التي كانت تتمتع بمركز ديني مهم جدا وتعتبر واحدة من اثقل العوائل الدينية وزنا الى جانب عائلتي «كاشف الغطاء { و «بحر العلوم{ وانطلاقا من معرفتي لمكانة عائلتي الدينية كنت استثمر هذه الحصانة فالصق المنشورات على باب الصحن الكبير.
    من النجف الى بغداد.. الطريق الى القمة؟
    حان اوان مغادرة النجف الى بغداد وودع الجواهري النجف تاركا فيها بصمات الماضي الموحش حيث يقول في الماضي كان يحيط بالنجف سور عشت فيه كما عاش قبلي واجدادي وخرجت منه لاول مرة وانا شاب عمري اربعة وعشرون عاما ويمضي قائلا داخل هذا السور هلك بشر وعاش بشر ضمن بقعة صغيرة انصبت فيها الامراض وهي اليوم بعد ان تهدم سورها وخرجت الى بادية نجد ورملة نجد فانه من الممكن ان تكون من الطف الواحات في العالم .. ان النجف الطليقة التي انبنت على الرملة لم ارها الا قليلا لكن استطيع ان اتصور بيوتها الجديدة التي انبنت فوق انظف رملة في الارض تداعبها الشمس المشرقة ونسيم الليل في بغداد عين الجواهري مدرسا ومالبث الجواهري ان واجه ازمة قال عنها انها من فعل انتهازيين توسعت فيها الدائرة ودخلت في دور العنصرية والطائفية بحيث كادت تشمل العراق كله بعد ان بزغ اسم الجواهري وذاع صيته في الافاق وهنا يؤكد الشاعر الجواهري بان ثمة خبث من الاوساط البغدادية واجهها وهو لما يزل غير عارف بما يدور حوله حيث يقول كنت طاهرا كالماء لااعلم من كل هذا شيئا لقد اقحمت واقحمت قضيتي فيها وانا متفرج كما لو كنت انا المقصود وانا اتفرج عليك.
    يوم عمل في البلاط الملكي ... وقلبه وقصيدته مع الجماهير المنتفضة.
    ثم ينتقل الجواهري الى شطر اخر في حياته ويقول جرى كل هذا فلم اشعر الا وموجة طارئة ومقحمة ترفعني الى مايصح ان يكون اوسع باب واعظم مدخل لكل مطامحي التي كنت احلم بها وانا مراهق حملتني واوصلتني ان اكون مع الملك فيصل الاول في التشريفات ويقول ابو فرات عندما اقول الملك فيصل الاول وكان «برنس{ في ذلك الوقت فانني اخذها بما كانت تعنيه هذه الكلمة في هذا الوقت الذي كان يتنازع عليه الحجاز وسورية ولبنان والعراق كلهم يريدون الفوز بفيصل الاول ومن يناله كان كمن ربح الرهان او السباق وكان العراق هو السباق الى هذا كما هو معروف في هذه المرحلة كنت اجتاز اول شلال في حياتي فلو لم اكن مهدي الجواهري وكنت انسانا اخر اعتياديا لما عرف كيف يصل وكيف يخرج من هذه الدائرة التي وجد نفسه فيها ويفصح:
    لم يكن لي خيار بين ان اكون الجواهري صاحب الحرف والكلمة والقافية او اكون في العوالم التي يعرفها الاخرين عوامل الرخاء والاغراء والسلطة وابهاتها وفخفخاتها وتحكماتها ومنافعها وهنا لعب القدر دوره والواقع كما يقول الجواهري لم يكن هو القدر وانما هو التكوين الطبيعي الذي لاينسجم معه ان اكون كذا ولااكون مهدي الجواهري نفسه وخرجت من الدائرة الصعبة وانا اعز الناس الى الملك فيصل الاول وكان شبه التماس بان ابقى ولااخرج لكن لم املك الا الخروج لان غير ذلك يعني الموت والاندثار لشخص اسمه محمد مهدي الجواهري وتتعاقب الاحداث متوالية ويدخل الجواهري النيابة وهوابن التسعة والعشرين عاما دون السن القانونية ويذكر هنا ان خمسة عشرة صحيفة او عشرة على الاقل كانت تشتم الجواهري شتما مقذعا صباحا ومساء وهنا تفجر محمد مهدي الجواهري وسرعان ماوجد نفسه خلقا جديدا في الشعر.. وفي الدم كان ذلك عام ۴۷ - ۴۸ قبيل الوثبة المعروفة التي قتل فيها اخوه جعفر في معركة بورتسموث الشهيرة حيث التحم الجواهري مع الجماهير العراقية التي نما اليها اخبار صالح جبر في لندن وتوقيعه لمعاهدة بورتسموث فانتفضت واشتبكت مع السلطة فقتل اثناء التظاهرات اخوه جعفر وفي هذه المناسبة قال الجواهري قصيدته الشهيرة:
    اتعلم ام انت لاتعلمبان جراح الضحايا فم
    فم ليس كالمدعي قولهوليس كاخر يسترحم
    يصيح على المدقعين الجياعاريقوا دماءكم تطعموا
    ويهتف بالنفر المهطعيناهينوا لئامكم تكرموا
    اتعلم ان رقاب الطغاةاثقلها الغنم والماثم
    وان بطون العتاة التيمن السحت تهضم وماتهضم
    وان البغي الذي يدعيمن المجد مالم تحز مريم
    ستنهد ان فار هذا الدموصوت هذا الفم الاعجم
    اتعلم ان جراح الشهيدتظل عن الثار تستفهم
    اتعلم ان جراح الشهيدمن الجوع تهضم ماتلهم
    الى ان يقول:
    اخي جعفر لااقول الخيالوذو الثار يقظان لايحلم
    ولكن بما الهم الصابرونوقد يقرا الغيب مستلهم
    ويتحدث الجواهري عن دخوله البرلمان وكيف حدثت ازمة وزارية في حينها كيف يسمح للجواهري وهو الذي يملك هذه القوافي المحفزة للجماهير بدخول البرلمان ويقول دخلت البرلمان باعز مايمكن ان يدخله ملايين الناس والسلطة العليا وهو مالم يجمعه احد من قبلي فهذا من قبيل الجمع بين المتناقضات فالعادة اما ان تكون مع هولاء ام مع هولاء ورغم ذلك يقول فقد حطمت كل هذا بعد شهر او شهرين ولكني كنت فخورا بالتفاف الناس حولي عملاق العراق امام الزعيم عبد الكريم قاسم.
    عرف الجواهري بعناده وغضبه والنارية في مواقفه ولربما تغمس جسده وروحه كثيرا باجواء العراق الحارة وقساوة الحياة فيه فتمثلت مواقفه بقوة الارادة والاصرار على التعبير عما في داخله وفي حادثة مشهورة تتبلور مواقف الجواهري التي يعرفها اصدقائه والمقربين منه «لم يكن الجواهري يتورع عن نشر اي خبر في جريدته «الرأي العام{ فالجواهري الشاعر كان ايضا يلعب دور الصحافي الباحث عن المتاعب اينما وجدت وقد نشر ايامها في صحيفته خبرا مفاده ان ثلاثة من الجنود العراقيين اغتصبوا فتاة في احدى القرى المعروفة (بشيوعية ابنائها) وهذا خبر له معناه بالنسبة للعارفين بتاريخ هذه الفترة من حكم عبد الكريم قاسم الذي اضطهد فيه الشيوعيين وقد استاء عبد الكريم قاسم من نشر الخبر الذي يزعج الضمير العراقي بمختلف فئاته وكان ان استقدم عبد الكريم قاسم الجواهري ليؤكد له ان الخبر كاذب وعار عن الصحة فاجابه الجواهري بان الكاذبين هم الذين نقلوا اليه تكذيب الخبر واحتد النقاش بينهما عبد الكريم قاسم - انني ياجواهري استطيع ان اكشف اوراقك امام جميع الناس هل نسيت ماقمت به من مديح للملك؟
    لم يفزع الجواهري لهذا التهديد المبطن كان معه جملة من ادباء العراق وشعرائه وفنانينه كانوا يعرفون مايحيق بالجواهري من اخطار في هذه اللحظة بالذات انهم يعرفونه رجلا لايخاف ومتهورا في ساعات الغضب ولذا فانهم حبسوا انفاسهم وهم ينتظرون رد الجواهري الذي مالبث ان اجاب بنفس الجراة والتحدي «انني اذا مدحت الملك فانا لست الا شاعرا اما انتم فكنتم ضباطا تؤدون له السلام والتحية ليل نهار{ واشار الشاعر حسين مردان الى يوسف العاني بطرف خفي واضعا يديه متعاكستين فوق بعضهما اشارة الى ان الجميع بمن فيهم الجواهري سيخرجون مكبلين بالحديد في هذا الجو المكهرب وقف الجواهري يرتعد من الغضب والانفعال وعندما اراد الخروج من القصر مع رفاقه استوقفهم الحرس وطلبوا اليهم التريث والانتظار وقدم اليهم الشاي ثم سمح لهم بالانصراف بعد فترة من الوقت وليست هذه الحادثة الوحيدة التي وقف فيها الجواهري متحديا عبد الكريم قاسم فقد سبق له ان هاجم الزعيم قاسم عندما كان نقيبا للصحفيين العراقيين والحقيقة ان الجواهري كانت تربطه صداقة مع عبد الكريم قاسم قبل ان يصل الى الحكم.

    بيروت - براغ - باريس - دمشق - وطن يتلوى في العواصم

    الذين يعرفون الجواهري في العراق لم يتصوروا يوما من الايام ان يترك ابو فرات بلاد الرافدين وهو الذي اعتاد ان يشم نسيم الماء بدجلة ويتغنى فيه ويعشق الفرات ولياليه منذ طفولته وكانوا يقولون ان الجواهري الذي تحمل نوائب الدهر في العراق والتصق مع احداثه وسمع انينه عن قرب لايمكن ان يحيا بدون العراق لكن ثمة اختناق اصاب الجواهري في بلاد الحزن وقد تكون لمواقفه النارية امام رجال السلطة الاثر الكبير في خروجه من العراق وهو يذكر ان قصة سفره فيها اكراه واجبار ويقول ايضا ثمة مثل يقول (يوفق المرء رغم انفه) وكان هذا الارغام هو السبب في لون جديد من الوان الحياة عندي اعتز بها واحبها وفي بيروت التي احبها الجواهري واحبته التصق الجواهري بحياة جديدة واشتدت حماسته الشعرية والهم البحر قافيته فابدع اجمل الاشعار وكان الجواهري يصارع الزمن في بلاد الغربة التي اخذت من عمره الكثير... الكثير ورغم عشقه لمدن اوربا لكن ثمة حنين بقي في داخله لمرابع الطفولة وكان العراق يهز كيانه كلما تلظى بنار الحروب التي ادخل الحكام ابنائه فيها ولم تنسه مدن مثل براغ وباريس ومدريد وطنا وتاريخا وترابا ولد منه وفيه وكان جسد الجواهري بحق جسد عملاق عراقي قاوم كل عواتي الزمن.
    باق واعمار الطغاة قصارمن سفر مجدك عاطر موار
    متجاوب الاصداء نفح عبيرهلطف ونفح شذاته اعصار
    رف الضمير عليه فهو منورطهرا كما يتفتح النوار
    وذكا به وهج الاباء فردهوقدا يشب كما تشب النار
    العمر عمر الخالدين يمدهفلك بطيب نثاهم دوار
    رحمك الله ابا فرات فقد كنت وطنا يطوف في الافاق ماهزك سوط ولاارهبك وعيد الموت من الطغاة وقد كبر الشعر بك وكبرت به مثلما سيذكرك التاريخ كبيرا عزيزا.





  4. #14

    افتراضي



    أرج الشباب




    أرجُ الشبابِ وخمرُه المسكوبُ لَيفوحُ من أردانِكُمْ ويطيبُ
    ومنَ الربيعِ نضارةٌ بوجوهكم تَنْدىَ . ومن شهدِ الحياةِ ضريب
    ومنَ الفُتوّةِ سَلْسَلٌ متحدرٌ مما يفيضُ يكادُ يُترَعُ كوب
    وَلأنتُمُ إن غاب نجمٌ يُقتدى أو حُمَّ خَطبٌ حالِكٌ غِرْبيب
    وتأزمت كُرَبٌ ، وضاقت خطّةٌ واستوحشتْ طرقٌ لنا ودُروب
    سُرُجٌ تنير الخابطين ، وأنْجُمٌ نغدو على أضوائها وَنَؤُوب
    تتجهّمُ الدُّنيا ، ويعبسُ باسمٌ منها ، ويعتوِرُ الحياةَ قُطُوب
    حتى إذا ابتسمَ " الشبابُ " تذوُّبَتْ كالغيمِ في الصّحوِ الجميلِ يذوب
    يا عاكفينَ على " الدُّروس " كأنَّهُم غُلْبُ الصُّقورِ من الظَماء تلوب
    والعازفين عن اللذائذِ همُّهمْ " جَرَسٌ " يُدقُّ ومِنبرٌ وخطيب
    تركوا مواعيدَ الحِسانِ وعندَهُم بين المقاعدِ مَوْعدٌ مَضروب
    أشهى من الوجهِ الجميلِ إليهمُ وجهُ " الكتابِ " وَوُدُّهُ المخطوب
    إن العراقَ بلا نصيرٍ منكم وبلا مُجيرٍ ، مُقفِرٌ وجديب
    عاشت سواعدُكُم فهن ضوامنٌ أن يُسْتَرَدَّ من الحقوقِ سليب
    وَزَكتْ عواطِفُكُمْ فأَيةُ ثروةٍ منها نكافيءُ مُخلِصاً ونُثيب
    وَلأْنتُمُ أنْتُمْ – وليس سواكمُ - أملُ البلادِ وذُخْرُها المطلوب
    وَلأْنتُمُ إذ لا ضمائرَ تُرْتَجَى للرافدَيْن ، ضمائرٌ وقلوب
    ولأنتُمُ إن شوّشتْ صفحاتِنا مما أُجِدَّ نقائصٌ وذُنوب
    الطّاهرونَ كأنهمْ ماءُ السّما لم يَلْتَصِقْ دَرَنٌّ بِهِمْ وعيوب
    إنّا وقد جُزْنا المَدَى وتقاربتْ آجالُنا . وأمضّنا التجريب
    وتحالفتْ أطوارُنا وتمازَجَتْ ونبا بنا التَقريعُ والتأنيب
    وتخاذَلَتْ خُطواتُنا من فَرْط ما جَدَّ السُرى ، والشدُّ ، والتقريب
    لنَراكُمُ المثلَ العليَّ لأمّةٍ ترمي إلى أهدافها وتُصيب
    هي أُمّةٌ لم تحتضن آمالها وغداً إلى أحضانِكُمْ ستؤوب
    وغداً يُكفَّرُ والدٌ عما جنى ظلماً على يدِ إبنه ويتوب
    فتماسكوا فغدٌ قريبٌ فَجْرُهُ منكم . وكلُّ مُؤمَّلٍ لَقَريب
    وِتَطلّعوا يُنِرِ الطريقَ أمامَكم قَبَسٌ يشعُّ منارهُ ، مَشبوب
    وتحالفوا أنْ لا يُفّرِقَ بينكم غاوٍ .ولا يَنْدسَّ فيكُمْ ذيب
    وتذكّروا المستعمرينَ فانَّهُمْ سَوْطٌ على هذي البلادِ وحُوب
    فتفهمّوا إنَّ العراق بخيره وثرائه ، لطَغامِهِمْ منهوب
    وتميزوا فهناك وجهٌ سافرٌ منهمْ ، وآخرُ بالخنا محجوب
    وسويّة في خِزيّةٍ مستعمرٌ أو مَنْ يُقيمُ مقامَه ويُنيب
    إياكُمُ أنْ تُخدعوا بنجاحكم فيما هو المقروءُ والمكتوب
    أو تَحْسَبوُا أن الطريقَ كعهدِكم بين الصفوفِ " معبّدٌ " ورحيب
    ان الحياة سيبلوَنَّ جهادَكم منها نجاحٌ مرهِقٌ ورسوب
    ومُسَهَّدينَ جزاهُمُ عن ليلِهِمْ اللهُ ، والتعليمُ ، والتدريب
    أضناهُمُ تعبٌ .. وخيرُ مجاهدٍ مُضنى يُعَبِّئُ أمّةً متعوب




  5. #15

    افتراضي



    الجواهري في اعوامه الاخيرة



    صباح المندلاوي:
    يتذكر ابنة هويدي التي احبها وهو في الثامنة من عمره اقرأ على مسامعه ما ينشر في صحف المعارضة1 / 1 / 1994 المكان : دمشق ـ بيت الجواهري
    يسألته صباحاً عن توقعاته للعام الجديد، فذكر ان هذا العام لن يختلف كثيراً عن الاعوام التي سبقت..

    وبدون تحالف القوى الخيرة العراقية ووحدتها وتلاحمها لايمكن ان نأمل خيراً. وانتقد بعض التصرفات والسلوكيات من قبل بعض الاحزاب والاطراف فيما بينها التي لاتنم عن روح ديمقراطية .
    وإذ ذكرت احدى الاذاعات نبأ عن اللقاء المرتقب مابين كلنتون والرئيس السوري حافظ الاسد قال:
    ربما مثل هذا اللقاء له ان يلعب دوره في حل مشكلة الشرق الاوسط.
    اذ أشارت كريمته خيال الى ان في مكتبة الاسد الوطنية قد لاحظت وجود 34 جزءاً من كتاب ”جواهر الكلام “ علق الجواهري طويلاً عن اهمية هذا الكتاب والمقدمة التي وضعها المظفري مستشهداً باشادة رجل القانون المصري ـ السنهوري ـ بهذا الكتاب .
    ومما ذكره بانه رأى الجزء الاول بطباعة انيقة وجميلة.
    وعن مؤلف” جواهر الكلام “ جده الشيخ محمد حسن، احد ابرز العلماء ووجهاء النجف الاشرف وممن ارتبطت شهرة الاسرة الجواهرية بشهرته ومن خلال مؤلفه الآنف الذكر قال:
    قبره في النجف، مقبرة الشيخ
    كنا صغارا نزور قبره في المناسبات والاعياد بعدها ردد الحكمة المشهورة.
    ولدوا فتعذبوا فماتوا
    14 / 1 / 1994 .
    ليلاً حدثنا عن ابنة هويدي التي احبها وهو في الثامنة من عمره وعن ابيها قال: انه متعهد بناء الجسور في النجف بحكم عمله يأتي من بغداد ويبقى في النجف عاماً او يزيد وبعدها اي بعد انتهاء اعماله ومهامه يعود من حيث آت.. بعد تلك القصة والعلاقة الحميمة وحال مغادرتهم للنجف لم التقيها بعد.
    كذلك حدثنا عن ابنة عمته ـ نهاية ـ كريمة الشرقي التي احبها ايضاً .
    قلت له : لي بنت خالة اسمها ـ نهاية ـ ايضاً ، لقد اختاروا لها هذا الاسم لتكون نهاية لمجيء البنات بعد ان تجاوزن اصابع اليدين. ومع ذلك فهي لم تسدل الستار على ولادة بنت اخرى.
    علق الجواهري باستغراب: معقولة
    هذه الليلة تطرق الى القصائد التي نشرها وباسماء مستعارة ومنها ”الشاعر المقبور“ حيث نشرت له اول قصيدة مذيلة بهذا الاسم .
    كانت الامطار تنهمر بغزارة .
    اخبرته بانني في مثل هذا اليوم قد غادرت بغداد وقبل اكثر من 14 عاماً باتجاه تركيا ومنها الى بلغاريا.
    يعلق:
    انت في عام 1979
    وانا في عام 1980
    اخبرته بان جريدة ـ الاتحاد ـ للاستاذ فايق بطي قد نشرت مقاطع من قصيدته عن الجيش .
    جيش العراق ولم ازل بك مؤمناً
    وبانك الامل المرجى والمنى
    سألني: مالذي يدفع بهم لنشرها في مثل هذه الايام؟
    قلت: بمناسبة عيد الجيش في السادس من كانون الثاني .
    15 / 1 / 1994
    اقرأ له مقالة منشورة في جريدة ”تشرين“ السورية لهذا اليوم بعنوان ”وحيد العرب ليس وحيداً“ فتفتح شهيته للحديث عن الواقع العربي وعن معاناة العراقيين وعذاباتهم في الداخل والخارج.
    يتذكر معاركه الادبية والسياسية في الاربعينيات وما بعدها ويتوقف عند قصيدته ـ علموها ـ التي كتبها في عام 1928 والتي انشدها احتجاجاً على منع افتتاح مدرسة للبنات في النجف .
    علموها فقد كفاكم شنارا
    وكفاها ان تحسب العلم عارا
    وكفانا من التقهقر انا
    لم نعالج حتى الامور الصغارا
    يعترف بتعب ”خيال“ ومداراتها له
    تقول خيال: بدءا كانت امي هي المسؤولة عن كل شيء كانت تعمل بلا كلل او ملل. وبصمت لم اسمعهاذات يوم تشكو.
    يكرر الجواهري هنا: ابد... ابد
    تضيف خيال: كم كانت صبورة وقوية..؟
    ما اجمل قصيدتك عنها التي نقشت على قبرها هانحن امونة ننأى ونفترق
    والليل يمكث والتنهيد والحرق
    اتشجع فاقول: كم ارغب ان اسجلها وبصوتك يرد قائلاً بالعامية : ميخالف
    16 /1 / 1994
    في الثامنة والنصف صباحاً يغادر سرير نومه
    وبعد قليل يتناول فطوره المعتاد، كأس ماء، فنجان قهوة، ملعقة عسل، بيضة مقلية.
    اقرأ له ما تحمله الصحف السورية من اخبار ومتابعات تتعلق بالعراق. يتوهج حزناً وكأن لسان حاله يقول:
    انا العراق لساني قبله ودمي
    فرأته وكياني منه اشطار
    عصراً وبعد تناول الغداء يروي لنا الحادثة التالية:
    كان صديقي وزميلي عبد الرزاق الناصري صاحب جريدة” الايام “ في البصرة بين آونة واخرى يتردد على بغداد ويزورني.
    في آخر مرة جاء الى بغداد لشراء كمية من الورق وقد اشتراها فعلاً ووضعها لدي في الجريدة ”الرأي العام“.
    قبل عودته الى البصرة وبالقطار جاء ليودعني بحرارة وحميمية وقد اغرورقت عيناه بالدموع وشحب لونه وشفاهه عاجزتان عن التعبير... وبصعوبة قال لي:
    هو الوداع الاخير يا ابا فرات.
    لم اعر ما يقوله اهتماماً كبيراً . وقد ظننت انه مأخوذ بما كان يتعاطاه من الشراب يومياً. فرحت امازحه واداعبه:
    يبدو انك اسرفت في الشراب
    فاقسم بكل ماهو مقدس بانه لم يتناول هذا اليوم بالذات منها شيئاً .
    ودعني وودعته.. ولم اكن ادري انني سأصعق في اليوم التالي بنأ رحيله حينما جاءني ابنه البكر غازي وله شقيق اسمه سعود، وهو يحمل البرقية التي وصلته من البصرة وفي طياتها نبأ وفاة والده.
    دارت بي الارض وشعرت بحزن عميق، ترى اي وداع عجيب، هذا الذي ودعني به.ولمدة طويلة بقيت مشدودا لمعرفة ما حدث حتى شاءت الصدف ان التقي ابنه المدلل سعود فروى لي حقيقة ما حدث كان سعود معتاداً على ايقاظ ابيه صباحاً ومن خلال مداعبته وببراءة الاطفال. حال وصوله الى البصرة ليلاً كان متعباً اوى الى فراشه والقى بنفسه كمن لم ينم منذ زمن طويل، صباحاً وفي اليوم التالي كالعادة، حينما تقدم منه سعود ليوقظه رآه يغط في نوم عميق، هو النوم الابدي صرخ مذعوراً به مرة اخرى او مرتين. ولكن بلا جدوى كان الصمت يلفه، كان كل شيء قد انتهى وتوقف قلبه عن الخفقان. لقد غادرنا الى العالم الاخر.
    وراح يتساءل: اية اسرار عجيبة وغريبة تكتنف حياتنا وحياة الاخرين.
    ليلاً اخبرته ان وسائل الاعلام قد تناقلت نبأ لقاء الرئيس السوري الاسد وكلنتون. اذ عرض التلفزيون السوري جانبا من اللقاء، اقترب من شاشة التلفزيون ليرى بوضوح وامعان الى ما سينجم عن هذا اللقاء التاريخي لم تمض ايام معدودات حتى فجع الرئيس السوري حافظ الاسد بوفاة نجله ـ باسل ـ فشهدت دمشق اياماً ملؤها الحزن والاسى على رحيل هذا الشاب الموهوب.
    ارسل الجواهري بهذه المناسبة برقية تعزية الى الرئيس السوري حافظ الاسد بل تجشم عناء السفر الى اللاذقية مع افراد عائلته لتقديم التعازي الى ذوي الفقيد.في الثامن والعشرين من كانون الثاني يعود الى دمشق ويصلها في الساعة الثانية والنصف .
    نتناول الغداء ـ كباب الريان ـ المشهور وقد جلبه ”ابو وسام من مطعم الريان“.
    يتابع الجواهري عبر التلفزيون الكلمات التي القيت في مجلس العزاء.
    __________________

  6. #16

    افتراضي



    الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 3 -


    * ما هو تعليق الجواهــري على ما نشـــره رعــد بندر في جريدة (الجمهورية) ؟
    * الجواهــري يرفض زيارة الملياردير امــيل البستاني في بيروت.
    * ماذا قال عن الباحث المعروف فؤاد جميل؟


    الاحد 1994/2/13.
    صباحاً يستبد به آلم شديد في ساقه اليسرى مما يعكر مزاجه ويثير مخاوفه.. احاول تبديد ما يعاني منه.. اقرأ له بعض الاخبار المنشورة في الصحف السورية، يستوقفه ما حدث للشاعر الايراني عباس خوش امل وهو يقرأ نعيه بنفسه في جريدة-كيهان-هذه اللقطة تذكره بلقطة اخرى حصلت في العراق حينما نشرت احدى الصحف في بغداد نبأ رحيل الناقد على جواد الطاهر بدلا من جواد علي-استاذ التاريخ المعروف-والباحث والمؤلف.
    وكيف كان ذلك مفاجئا للاستاذ الطاهر وما اعقب ذلك من ردود فعل من قبل اصدقائه ومحبيه قرأت له ايضا عمودا كتبه الشاعر عباس محمد علي في الصفحة الاخيرة من (تشرين) حول الشعر وما قاله الشعراء عن الموت مع استشهادات شعرية ومن ضمن ما ورد في الزاوية (فقدانه فقدان الربيع) وهو ما ضمنه الجواهري في احدى قصائده التي لم ينته منها بعد. اخبرته بذلك، فأومأ برأسه دلالة الموافقة.
    عصرا وبعد عودتي من العمل في الاذاعة اخبرته باصابة وزير التصنيع العسكري حسين كامل المجيد بالسرطان في رأسه ونقله الى الاردن.
    علق: هذا المرض قاتل.. قلما يشفى منه احد مساءً زارنا الدكتور الراحل فاضل الانصاري وزوجته-سلوى-ودارت احاديث متنوعة في مجالات السياسة والادب ومعاناة العراقيين في الداخل والخارج وتصاعد هجرة الادمغة العراقية الى بلدان اللجوء بعد تردي الاوضاع الاقتصادية في العراق ومسلسل القمع والارهاب.
    بعد مغادرة الضيوف طلب من كريمته خيال ان تتصل بشقيقتها-ظلال-وهي التي تقيم في اميركا-للتأكد من حصولها على الدواء الذي طلبه منها (بروسكار) ولمعالجة البروستات التي يعاني منها.
    تم الاتصال وتبين انها لم تشتر الدواء وانها راغبة في معرفة الشركة التي تنتج الدواء وليس اسم الدواء فقط.
    اعلمتنا بانها وضعت صورة الجواهري على التفلزيون وهي بانتظار تكبير صورتها مع والدها لتصنعها في ارجاء الصالة.
    هذه الليلة طلب مني ان اتابع شخصياً تقديم الفاكهة الى الحراس في شهر رمضان مع وجبات الفطور المسائية، كانت التفاتة جميلة منه ازاء الحراس الذين يتناوبون على حراسة داره.
    تناول اكثر من حبة لمواجهة كسل الامعاء تم طلب من كريمته-خيال-ان ترتب فراشه استعداداً للنوم.
    كانت عقارب الساعة تشير الى الواحدة الا ربعاً ليلاً.
    الاثنين 14 شباط 1994
    ظهراً قرأت له بعض الاخبار المنشورة في الصفحة الاخيرة من جريدة (تشرين) السورية ومن ضمنها ان سيدة في استراليا قد عضت سائقاً من ذراعه فادى ذلك الى اصطدام السيارة التي يقودها بمركز الشرطة.
    علق على هذا الخبر بقوله: يبدو ان هذا الموسم هو موسم العض.
    وكنت قد قرأت له قبل مدة قصيرة ايضا ان شابة عضت لسان حبيبها وان كلبا عض طفلا ولم تحل المشكلة إلا بمئة ألف دولار وغيرها من الاخبار التي تنشرها الصحف كذلك قرأت له نص الرسالة التي وجهها سفير العراق السابق ارشد توفيق الى الصحافي قاسم السماوي وفيها يشن هجوما لاذعا على السماوي كنت قد حصلة على الرسالة من احد العاملين في اذاعة صوت العراق.
    كما اخبرته بما سمعته عبر اروقة الاذاعة وعلى ذمة الراوي ان السوريين مستاؤون كثيراً من تصرف اعلامي بارز اوهم المسؤولين او ادعى بان هناك من يعمل لصالح مخابرات صدام ويشتمهم وعلى اثر هذا الابلاغ تم اعتقال ثلاثة عراقيين.
    بتهمة اصدارهم لبيان يحرض ضدهم وضد هذا الاعلامي، الا انه وبعد الاطلاع على نص البيان لم يجدوا ما يؤكد ما قاله هذا الاعلامي ضدهم.
    زارنا هذه الليلة د.صابر فلحوط نقيب الصحفيين وروى لنا الواقعة التالية:
    فيما مضى وقبل عقود عديدة جاءت الطائرات الفرنسية لتقصف مسقط راسه-السويداء-فما كان من الناس ومن ابيه وأهله إلا ان يهرعوا الى اعالي السفوح مقابل عدد آخر لجأوا الى زريبة للحيوانات هرباً من القصف الوحشي ولغرض الاختباء.
    وكانت المفاجأة ان الذين بقوا فوق السطوح قد سلموا من الموت والهلاك بعد ان ألقت الطائرات بقنابلها وحممها.
    وان الذين دخلوا الملجأ كان نصيبهم الفناء كذلك روى واقعة اخرى وطالما الحديث يدور عن الموت كيف ان الملياردير المشهور في لبنان قد عمل لنفسه تابوتاً نعشاً-من الذهب وكان ينتظر ان يموت ويدفن في ضريح ذهبي. إوذا به يسافر الى اميركا وفي الطريق تحطمت الطائرة التي تقله وسقطت في البحر فلم يشأ بان يتحقق حلمه.
    استمرت السهرة حتى الساعة الواحدة ليلاً.
    بعدها بقليل ودعنا نحو سرير نومه قائلاً:
    تصبحون على خير.
    الثلاثاء 15 شباط 1994
    عصرا وفي الثالثة والنصف قرأت له نص اللقاء الذي اجرته جريدة (الجمهورية) البغدادية مع رعد بندر في اعقاب زيارته للجواهري في دمشق.
    واذ قرأت له عنواناً فرعياً يقول وعلى لسان الجواهري بعد سماعه لقصيدة بندر-قد حملتني سلاماً-والمهداة للشاعر: (هذا هو الشعر الذي اموت عليه)
    قال الجواهري ساخراً وبالعامية:
    هوه هذا مو غيرة ؟!
    فضلاً عن تعليقات اخرى يجدها القارئ في كتابي المعنون-في رحاب الجواهري-.
    لذلك قرأت له خبراً نشر في جريدة-الحياة-ليوم امس الاثنين ومفاده مقتل 30 صيرفيا في منطقة الحارثية، باوامر من عدي صدام.
    ليلاً اخبرني بان كامل المر قد اتصل به هاتفيا وفي الساعة الواحدة ظهراً ومن استراليا واستفسر عن وصول جائزة جبران خليل جبران وكيف انهم في المرة الاولى ارسلوها إليه وبعد 17 يوما عادت إليهم في سدني. كما استفسر عن صحته واحواله.
    وبالمقابل اعرب الجواهري عن جزيل شكره للاستاذ المر وعلى كلمته المنشورة في جريدة تيلكراف الاسترالية التي يعبر فيها عن اعجابه وحبه للجواهري.
    هذه الليلة روى لنا ما يلي:
    في بداية السبعينيات وربما في عام 1974 زرت جريدة الثورة واذا برئيس تحريرها طارق عزيز يقول لي:
    غدا سنسافر-هل رتبت امورك ؟!
    قلت له: كلا
    قال: هناك وفد الى بيروت وانت ايضاً معنا.
    قلت له: لست متهيئاً
    قال: نحن ايضاً لا نسافر .. اذا انت لا تأتي .
    قلت له: وكيف الوثائق والباسبورت؟!
    قال: لا يهمك
    وبالفعل خلال 24 ساعة كان كل شيء جاهزاً، وفي الطريق الى المطار كان عزيز يقود السيارة وخلفنا رجل لا أعرفه يقرأ اشعاري فهمست في اذن عزيز: من هذا الذي يقرأ اشعاري؟!
    قال: انه محمد فاضل.
    ربما كان يومها مسؤول بغداد لتنظيمات البعث وفي المطار دخل علينا رجل مهاب الجانب، سلم عليّ بحرارة واحترام. سألت طارق: من هذا ؟!
    قال: انه عبد الخالق السامرائي.
    وصلنا الى بيروت ونزلنا في احد الفنادق الجميلة كانت غرفنا متجاورة. كان معنا ضمن الوفد مهدي الحافظ واذكر في الصباح التالي من وصولنا خرج عبد الخالق من غرفته واذا به يرى صحفية جميلة لا اتذكر اسمها، تقف في صالة الفندق وتروم ان تحظى باحاديث صحفية معنا. فغمز لي عبد الخالق مستبشراً بما معناه!
    انه صباح بهيج ان ترى هذا الوجه كان لدى الوفد رغبة لزيارة الملياردير اميل البستاني، انا رفضت الذهاب واياهم، لأنه يمثل البطر والترف. يقال انه كان يأكل بملاعق ذهبية.
    رفضت ورفضت الذهاب إليه.
    اخبرته كريمته-خيال-بانها زارت بيت الرئيس اليمني السابق على ناصر محمد لتواصل اشرافها على ترتيب كتبه وارشفة وثائقه وباعتبارها متخصصة في علم المكتبات.. فبلغها تحياته الحارة للجواهري وابدى رغبته لزيارته وبصحبة زوجته.
    وهنا سألته: اين تعرفت عليه؟!
    قال: في براغ.
    هذه الليلة اتصل بنجله-فلاح-في السويد، هاتفياً وعلم منه انه ما يزال يواصل دراسته في الدورة الطبية التي تستغرق اربعة اشهر، انقضى منها اربعة اسابيع والدوام يبدأ من الساعة السابعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً واذ يعود الى البيت ينكب على المطالعة والاستعداد لاجتياز الاختبارات حتى ساعة متآخرة من الليل.
    بعد انتهاء المكالمة حدثني الجواهري عن عمله كمصور شعاعي فيما سبق وكيف كان يشتري الادوية للزبائن والمرضى من جيبه الخاص.
    قرأت له وفي جريدة-خبات-الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، زاوية كتبها طارق ابراهيم شريف عن الباحث المعروف الراحل فؤاد جميل، فتذكره الجواهري بقوله:
    وجهه بشوش.. بسيط ومتواضع ودؤوب كانت الريح تعوي في الخارج.. وعقارب الساعة قد تجاوزت الواحدة بقليل.
    __________________

  7. #17

    افتراضي


    الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 4 -


    -اما لهذا الليل الطويل ان ينجلي ؟
    - ماذا قال الجواهري عندما ابدى علي عقله عرسان الرغبة لزيارته؟
    - افلام شارلي شابلن تستهويه.
    الاربعاء شباط 1994 .




    صباحا وبينما اقرأ على مسامعه بعض الاخبار القصيرة في الصحف المحلية لهذا اليوم طلب مني الكف عن القراءة لكي يمسك بزمام الابيات التي يبحث عنها ولاضافتها الى القصيدة التي ينوي الانتهاء منها .
    تركته يفكر ويتأمل ويبحر في عالم القوافي عله يقتنص تلك الابيات التي يحلم بها ولتطل قصيدته سبيكة ذهبية متماسكة تشع بالجمال والجودة. وبما لا يفرط بمكانته كشاعر كبير نال من الشهرة الكثير وذلك منتهى الشعور بالمسؤولية فيما يقدمه وهو الذي تجاوز التسعين باعوام.
    على مائدة الطعام كان غداؤنا ”تشريب ابيض“ علقت قائلا وبعد ان باتت القصيدة عصية على الولادة: كم هي شاقة ولادة قصيدة؟
    قال ممازحا: مخاض عسير لا تعرفه الا الامهات.
    ومن جديد تركته يسافر مع عوالمه الشعرية حتى اذا ما اقبل الليل وصادف انقطاع التيار الكهربائي واشعال الشموع مما اضفى حوارا رومانسيا في الوقت الذي اشتد فيه صفير الرياح خارج البيت. ومع هذا التزم الصمت وظل مهموما في البحث عن تلك الابيات المنشودة.
    في الواحدة الا عشر دقائق ليلا بدأ النعاس يثقل جفنيه.
    الخميس 17 شباط 1994.
    مساءًً قرأت له ما نشر في جريدة”الشرق الاوسط“ لهذا اليوم من مقالات وزوايا ومنها نوايا ايران لاقامة تحالف مع دول الخليج مع اشارة الى استثناء العراق من هذا الحلف ريثما يحل ويحسم مشاكله العالقة.
    كذلك خبرا عن تصريحات اقطاب حزب الاصلاح اليمني على الانسحاب من التحالف اذا لم تأت قيادات” الاشتراكي “ الى صنعاء.وتقريرا عن نشاطات المعارضة العراقية في لندن ومن خلال تشكيل لجنة تأخذ على عاتقها تنظيم اسبوع للتضامن مع الشعب العراقي في اواسط اذار المقبل.
    هذا بالاضافة الى لقاء مع المؤرخ والمحقق محمود شاكر الذي حقق”المتنبي “ وكتاباً للجرجاني وكتباً اخرى.
    أكد الجواهري على اهمية ما يقوله المؤرخ محمود شاكر بهذا الخصوص، حيث كتاب المتنبي صدر عام 1935 وكان عمر المحقق 26 عاما، يومها اثار الكتاب صدى كبيرا وكان مفاجأة للكثير من الكتاب والمفكرين.
    في الواحدة ليلا ودعنا الى سرير نومه.
    الجمعة 18 شباط 1994 .
    عصرا ومن جريدة” الاهالي “ المصرية قرأت له عن المفاجأة التي اكتشفت في محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي وعن زيارة شمعون بيريز لمعرض الكتاب الذي اقيم في القاهرة وكيف ان د. سمير سرحان رفض استقبال بيريز.
    حدثته عن حل مشكلة البوسنة والهرسك وكيف وجهت جيوش حلف الناتو انذارها وحتى يوم الاحد القادم لحل هذه المشكلة.
    زارنا مساءً الاستاذ هشام العظم شاعر سوري وعسكري، وهو الذي كان عريفا للحفل يوم القى الجواهري قصيدته المشهورة ”خلفت غاشية الخنوع ورائي“ وفي الملعب البصري في دمشق عام 1956 وبمناسبة الذكرى الاولى لاغتيال وزير الدفاع السوري عدنان المالكي.
    تم استرجاع ذكريات قديمة ودار حديث عن القصيدة الانفة الذكر ومما قاله العظم:
    لم التق باحد سمع القصيدة الا وابدى اعجابه بها كما تحدث الجواهري عن كتابة بعض قصائده على اغلفة السكائر. وفي احايين ينسى مشروع قصيدة بعد منتصف الليل وقبل ان ينام تناول حبة لآلام الساق واكثر من حبة لتجاوز كسل الامعاء وقطرة للعيون وحبة اسبرين لدرء ازعاجات الرشح والزكام ايضا.
    السبت 19 شباط 1994 .
    نهارا كان يستمع الى المذياع ويتابع نشرة الاخبار من اذاعة لندن BBC. كان المذياع يبث تقريرا عن اوضاع العراقيين وما يعانونه من بؤس وشقاء وما تكالبت عليهم من فجائع وفظائع، احزنه ذلك وعلق قائلا وبمرارة: اما لهذا الليل ان ينجلي بقي مهموما، يختلط حزنه بغضبه حتى ساعات المساء الاولى حينما جاءه المساج سعيد العبد واجرى له مساجا سيسعفه في تنشيط الدورة الدموية وتخليص الامعاء من كسلها، اخذا بنصيحة الاطباء في مستشفى الشامي بدمشق عند دخوله اليها في آخر مرة وذلك باللجوء الى المساج وتجاوز اية متاعب صحية.
    انفرجت اساريره وأبدى رغبة كبيرة لقراءة ما يتوفر تحت اليد من صحف او كتب قيمه.
    الاحد 20 شباط 1994.
    صباحا ابلغته بأن علي عقله عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب حدثني بأنه هو والدكتور الراحل فاضل الانصاري قد اتفقا لزيارة الجواهري واعترف بتقصيره في عدم زيارة الشاعر وقد اعطاني رقم هاتفه للاتصال به ولتنظيم زيارة لاحقة له، الجواهري اعرب عن تذمره وامتعاضه وعلق قائلا: عشر سنوات مرت لم يزرني فيها.. الآن يرغب بزيارتي.
    عصرا وبعد عودتي من الاذاعة جلبت له نسخة من جريدة ”بابل“ التي اصدرتها المعارضة ووزعت في بغداد مع الحفاظ على الكليشيات السابقة للجريدة وبعض الاعلانات التي تمجد بالطاغية صدام.الجريدة كانت تحفل بالموضوعات التي تدين النظام وتعريه وتعكس اخبار ونشاطات المعارضة مع ابقاء عناوين الزوايا كما كانت من قبل وفي ظل النظام مساءً قرأ له احد افراد الاسرة رسالة كانت وصلت من السيد جعفر الدجيلي صاحب دار الاضواء للنشر في بيروت ويذكر فيها بانه مؤخرا قد استطاع الحصول على الجزء الثاني من ذكرياته وقد قرأها بامعان.
    وان لديه دار نشر في بيروت وعلى استعداد لطبع دواوينه او اية كتب عنه مع ثناء واطراء لدوره ومكانته.
    بعد الانتهاء من قراءة الرسالة، اعطيت الى كريمته خيال لغرض حفظها في الارشيف.مساءً تعكر مزاجه بسبب مغص معوي حتى ان عشاءه قد اقتصر على اللبن والكعك ولم ينس ان يحدثنا عن كيس الماء الذي كان يستخدمه في براغ بعد ان يملأ بالماء الحار لدرء التهابات الامعاء او البطن.
    قبل انتصاف الليل بقليل واذ كان التلفزيون يعرض فيلما لشارلي شابلن أبدى اعجابه ببراعة شارلي في التمثيل ومضامين الافلام التي يمثلها كما تطرق الى سفره الى اللاذقية نهاية الشهر الحالي.
    واهمية ايصال القصيدة التي يكتبها الى الاستاذ عادل اليازجي لالقائها في الحفل التأبيني في قرداحة وبمناسبة مرور اربعين يوما على رحيل باسل الاسد.
    __________________

  8. #18

    افتراضي

    --------------------------------------------------------------------------------

    الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 6 -


    عصرا حملت له باقة من الاخبار من بينها اسناد مهام وزير الصناعة الى عدي اثر اصابة حسين كامل بورم في رأسه واضطراره للسفر الى عمان طلبا للعلاج كذلك تعيين عدي وبمرسوم جمهوري وزيرا للدفاع مع ابقاء علي حسن المجيد.


    ابدى استغرابه مما يحدث وراح يتساءل: ترى لماذا الاذاعات لا تتناقل مثل هذه الاخبار؟ مع حلول المساء طلب تهيئة ملابسه والمستلزمات التي يحتاجها خلال سفرته الى اللاذقية التي تستغرق عشرة ايام وربما اكثر اذا ما استهواه الوضع هناك.اعدت له كريمته (خيال) قائمة باسماء الادوية التي يتعاطاها يوميا وثبتت المعلومات على علب الادوية لكي يلتزم بها من يرافقه مثلا كم حبة يوميا ومع اوقاتها؟!
    الاربعاء 23/ شباط 1994
    واذا حان وقت تناول العشاء كان العشاء (عروك وطماطة)
    قبيل منتصف الليل بقليل ذكر لنا بانه هذا المساء وقبل ان يغادر سرير نومه رأى طيفا سبع عرائس من اجمل النساء حسناوات يتوهجن بالحسن والجمال التفوا حوله وراحوا يداعبونه ويلاطفونه احدى الحسناوات شقراء وطويلة القامة اختطفت طاقية الرأس وابتعدت عني وصارت تلوح بها..
    فجأة ينقطع الحلم واذا بي في غرفة مظلمة والساعة قد تجاوزت الثامنة مساء بقليل هذه الليلة حدثنا عن طاقية الرأس وكيف اعتمرها لاول مرة في موسكو بعد فحوصات طبية اجريت له وارتأى الاطباء ان يرتدي القلنسوة كغطاء للرأس تلافيا للحساسية التي يعاني منها فيما بعد حمل اليه القادة الاكراد جلال الطالباني ومسعود البارزاني ـ الكلاوات الكردية ـ بألوانها الزاهية وهي تحمل شعار: كردستان يانمان.
    الخميس 24/ شباط/ 1994
    صباحا يزوره الدكتور نبيه رشيدات ـ طبيب اردني يقيم في دمشق منذ اكثر من نصف قرن وأحد قادة الحزب الشيوعي السوري ـ يستفسر منه عن وضعه الصحي ويصغى الى شكاويه يستعين بجهاز قياس الضغط يبدي من الملاحظات المفيدة ويوصي بجلب اكثر من علبة من اعشاب(سلومد) ليتناول منها الشاعر كل يوم اكثر من ملعقة.
    واذ تتواصل الاستعدادات والتحضيرات لاقامة حفل تأبيني بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيل باسل الاسد يزوره الاعلامي عادل اليازجي ليلا ويبدي اعجابه بقصيدة الجواهري ـ يا باسل الخيل والفرسان ـ ويرى فيها امتدادا لما سبق ولما تحمله من ألق وحكمة وجمالية.
    يدور حديث عن سفر الجواهري الى اللاذقية ويجري الاتفاق على تصويره تلفزيونيا وهو يلقي بعضا من قصائده.
    يودعنا اليازجي.. فننصرف لقراءة الصحف اقرأ على مسامعه ما تحمله جريدة ـ الشرق الاوسط ـ من اخبار وموضوعات من بينها احتدام الاشتباكات المسلحة في اليمن والتي ذهب ضحيتها اكثر من 700 قتيل وجريح كذلك قصة الجاسوس ايمز الذي يعمل لصالح المخابرات الروسية والذي لم يكشفه اختبار الكذب مرتين.
    يقتصر عشاؤه على (اللبن مع نثار الكعك) واذ يحتسي الشاي ويحلو السمر يروي لنا كيف انه هذا اليوم وكل يوم يرى الاطياف وطيف هذا المساء فتيات بعمر الزهور ما احلاهن وما اجملهن وقفن حوله.. لسن عربيات ولا جيكيات. كان من بينهن من احبها يسألها: أما زلت تحبينني؟!
    كانت شاحبة ومعها امها تومئ برأسها دلالة الايجاب وتستدرك.. ولكن الا ترى هؤلاء وكأنها تخشى البوح بحبها امامهم ترى هل هي (انيتا) التي خصها باجمل قصائده ذات يوم وفي باريس؟ لا احد يدري في الواحدة والنصف ليلا يودعنا الى سرير نومه.
    الجمعة 25/ شباط/ 1994
    صباحا في العاشرة الا ربعا كنا انا وكريمته خيال نساعده في ارتداء ملابس جديدة بدلة رصاصية وهنا طلب ربطة عنق عريضة من تلك التي جلبتها كريمته ـ ظلال ـ من اميركا.
    الملفت للانتباه ورغم تقدم سنه وهو الذي تجاوز التسعين باعوام ان يشد ربطة العنق بنفسه. كان على اهبة السفر تناول كأسا من الماء واعقبها بفنجان قهوة وملعقة عسل تناول بعض الادوية واخيرا كأس عصير برتقال مع اعشاب (سلومد)
    اشعل سيكارة وراح ينتظر وصول الدكتور نبيه رشيدات بعد مكالمة هاتفية يوم امس ابدى استعداداه خلالها لزيارته وقبيل سفره الى اللاذقية.
    كان بين الحين والاخر يحاول التأكد من انه لم ينس شيئا مما يحتاجه خلال اقامته في اللاذقية.
    طلب وضع عصاه في الحقيبة تبرعت كريمته ـ خيال ـ بتقليم اظافره فامتن لها بعد ان انقذته من مهمة شاقة لا يقوى عليها التقطت له العديد من الصور وقبل ان يودعنا الى جوف السيارة التي ستقله الى اللاذقية التي يقودها (ابو وائل) وبرفقة نجله كفاح واحد الاقارب ـ نصير الجواهري ـ
    انطلقت السيارة في الساعة الحادية عشرة وخمس واربعين دقيقة مودعة العاصمة دمشق صوب المحافظات الساحلية وحيث لا تستغرق الرحلة سوى ساعات معدودات.
    ليلا يتصل هاتفيا بكريمته ـ خيال ـ ويخيرها في الحضور الى اللاذقية متى ما رغبت.
    وتتواصل المكالمات الهاتفية بين يوم واخر حتى اذا ما بلغنا منتصف الاسبوع اختمرت فكرة السفر الى اللاذقية تخبره كريمته بذلك عبر اتصال هاتفي.. فيرحب بقدومها صبيحة الثلاثاء.
    الثلاثاء 1 اذار 1994
    نصل اللاذقية مساء.. نتجه صوب فندق المريديان ننزل في الغرفة 605 بينما الجواهري يحط في الغرفة 601 ويغط في نوم عميق.. لم يفق من نومه الا في الثامنة والنصف.
    ليلا يزوره الاعلامي اليازجي ويطلب منه عسى ولعل ان يتمكن من القاء القصيدة بنفسه.
    يرد الجواهري: لا اكاد اسيطر عليها.. هناك اربعة ابيات لا اتذكرها جيدا.. واخشى ان انساها فتضطرب القصيدة.
    انت ايضا قدير وجدير..
    يخبره اليازجي بان احد عشر بيتا من القصيدة سيتم تلحينها من قبل الفنان المشهور الملحن المصري ـ سيد مكاوي ـ وقد ارسل بشأنه وسيصل دمشق ليمضي فيها عشرة ايام يتابع خلالها المطربة الكبيرة ـ ميادة الحناوي ـ لتغني ما يتم اختياره من القصيدة.
    ويضيف: ساطلعك على تفاصيل المشروع في كل تطوراته.
    يقرأ على مسامع الشاعر الابيات المنتخبة للغناء يدور حديث عن موقع القصيدة في تسلسل فقرات الحفل التأبيني.
    واذ يغادرنا اليازجي يطلب منا الجواهري ايقاظه يوم غد صباحا في الثامنة والنصف استعدادا لحضور الاربعينية
    ________________

  9. #19

    افتراضي


    الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 7 -


    يلتقي الدكتور الراحل الشاعر مصطفى جمال الدين والعلامة محمد حسين فضل الله
    الأربعاء 2/ 3/ 1994
    صباحاً وبناءً على طلبه ليلة أمس اوقظناه في الثامنة والنصف.
    يغسل وجهه ويرتدي بدلته الانيقة.
    ينتبه ان الاربطة التي بحوزته ملونة وغير مناسبة.




    يشعر بالحرج. اخبره بأن كريمته-ظلال - وقبل اربعين يوماً جلبت له أكثر من ربطة عنق انيقة. واحدة منها سوداء وتتخللها ورود بيضاء صغيرة، يمكن رؤيتها.. ويمكن اختيارها اذا ما رغبت؟! فطلب رؤيتها.. ولما رآها اعجبته.. فقال لي:
    - لقد انقذتني من مشكلة، فالوقت ضيق وليس بمقدوري الذهاب الى السوق لشراء ربطة.. وقد تنطلق السيارات بعد قليل الى حيث يقام التأبين.
    في الساعة التاسعة والربع صباحاً نزلنا الى صالة الفندق وكان اول من التقاه بعد نزوله من المصعد السيد وزير الاعلام الاستاذ محمد سلمان، بعدها جلس على مقعد وثير فجاءه نقيب الصحفيين السوريين د. صابر فلحوط ومن ثم الدكتور الراحل الشاعر مصطفى جمال الدين، حياهُ وجلس بقربه لدقيقتين وكأنها فرصة من العمر. من يدري ما الذي تخبئه الايام.. هل سيلتقيه مرة اخرى وهو الذي تجاوز العقد التاسع بأربعة اعوام وتساؤلات اخرى ما اكثرها.
    بعد قليل جاءه الدكتور الراحل فاضل الانصاري وحيّاه ايضا. بعدها وإذ بدأت الجموع تتجه الى حيث السيارات تقف. رافقناه الى جوف السيارة التي يقودها ”ابو وسام“ -عبدالرحمن خضور- فانطلقت به الى حيث الحفل التأبيني في القرداحة.
    في الساعة الواحدة الا ربعاً عاد الى الفندق.
    حدثنا عن رحلته وعن من التقاهم ومن بينهم العلامة محمد حسين فضل الله الذي ابدى اعجابه بكتابه ”ذكرياتي“ وكان يردد بين الحين والحين البيت الشعري التالي للجواهري:
    أتعلم أم انت لا تعلم
    بأن جراح الضحايا فم
    كان الطقس جميلا ومشمساً، اتجه الى الشرفة المطلة على البحر وعلى شاليهات اللاذقية، يستنشق الهواء النقي ويتأمل البحر.
    خيّل لي انه يردد ابياتاً من قصيدته الجميلة-سجا البحر-التي كتبها في عام 1977 وبعد اقامة هانئة في اثينا.
    سجا البحرُ وانداحت ضفافٌ نديّةُ
    ولوّح رضراض الحصى والجنادلِ
    وفُكَّتْ عُرىً من موجةٍ لصقِ موجةٍ
    تَماسَكُ فيما بينها كالسلاسل
    وسدَّتْ كُوىً ظلّت تَسدُّ خصاصها
    عيونُ ضباءٍ او عيون مَطافل
    ولُفَّ الدُّجى في مُستَجدِّ غُلالةٍ
    ِسوى ما تردى قبلَها من غلائلِ
    سوى ما تردى من مفاتن سَحرةِ
    وما جرَّ تيهاً من ذيول الاصائلِ
    وما حملَ ”الاصباحُ“ شوقاً الى الضحى
    من الورق النديان اشهى الرسائل
    وخيّم صمت فاستكنت حمائم
    وقرَّ على الاغصان شدو البلابل
    فأقتربت منه وأنا راغب بسماعها على ضفاف البحر العجيب بزرقته. حينها علقت قائلاً:
    البحر يذكرني بقصيدتك ”سجا البحر“.
    رد معقباً وكأنها وجدت صدى في دواخله:
    حقا انها قصيدة جميلة
    بلغني ان احد الرؤساء العرب معجب كثيرا بها وراح ينشد مقاطع منها:
    ويا ”خالداً“ تهنى اسارير وجهه
    بمغزى خلودٍ عادمِ الوجه زائل
    وبالخلق منحوساً مُعنّىً يروعه
    بما يتبنى من عاجل خوفُ آجلِ
    عبدتك”صُوفيّاً“ يدينُ ضميرهُ
    بما ذَرَّ من قرون الدخائل
    ويسِرج منه بالندامة”معبداً“
    تشكى طويلاً من دخان المشاعل
    وعاطيتك النجوى مُعاطاةَ راهب
    مصيخ الى همس من الغيب نازل
    ولوّنت احلامي بما لوّنت به
    مغانيك من كون بسحرك حافل
    وغناك قيثاري فلم تُلفَ نغمتي
    نشازا، ولا لحني عليك بواغلِ
    وتشهد امّاتُ القوافي تشاغلت
    بها أكؤس السُّمّار انك شاغلي
    فيا ”صاحبي“ لا تخل عيني شدتا
    بطيفك من وجه لشخصك ماثل
    ولا تنسني نفسا هوتك فتية
    وناغاك بُقيا جذعها المتآكل
    هوى لم يمل يوما وكم ضج خافقي
    باهوائه من مستقيم ومائل
    مفازة اعصار تظل رمالها
    تقاتل فيما بينها دون طائل
    التقطت له العديد من الصور الفوتوغرافية وهو يسافر مع البحر ويحلق في الشاطئ اللازوردي.
    في الخامسة الا عشر دقائق، اتجه الى سريره ليأخذ قسطا من الراحة وبعد ان امضى ما يقارب الساعة قبالة البحر. ولم يغادر سريره الا في الساعة التاسعة او قبلها بقليل.
    في العاشرة ليلا اتصل الاستاذ عيسى درويش سفير سوريا في القاهرة وكان قد حضر ايضا للمشاركة في التأبين وهو ممن التقى الجواهري في القاهرة فيما مضى وابدى رغبته لزيارة الجواهري يوم غد.
    وإذ حان موعد العشاء طلب شوربة خضار غير انه تخلى عن تناولها حينما علم ما فيها من بقول مثل”البزاليا“ اذ سبق وان نصحه الاطباء بالابتعاد عن البقوليات حرصا على ”قولونه“ استعاض عنها بالجبنة والطماطة.
    في الثانية عشرة ليلاً ودعنا الى سريره.
    الخميس 3/ 3/ 1994
    نشرت الصحف المحلية قصيدة الشاعر الجواهري”يا باسل الخيل والفرسان“ مع صوره.
    القى نظرة على ما نشرته الصحف وأمعن النظر بصوره.
    قرأت على مسامعه ما جاء في كلمة العماد طلاس يوم امس في الحفل التأبيني. ويرد فيها معلومة بأن الرئيس الاسد لم يكن يعرف بنبأ رحيل نجله الا بعد العاشرة صباحاً من يوم الحادث. وهو ما كان يهم الجواهري ويحاول معرفته.
    قال الجواهري: غدا سأعود معكم الى دمشق بعدها بقليل ابدى رغبته بأخذ حمام ساخن وقد تم له ما اراد وارتاح كثيرا.
    ومما قاله: سوف لن اتناول عشاءً هذا المساء وسأنام مبكراً.
    في هذه الاثناء اتصل د. عيسى درويش وأخبرنا بأنه سيصلنا بعد قليل هو وزوجته.
    بعد وصولهما دار حديث عن القاهرة ايام زارها الجواهري وبمناسبة الذكرى المئوية لاحتفالات مجلة الهلال عام 1992.
    وعن البطالة والغلاء وتناقص السواح اثر عمليات الارهابيين، وعن سوء فهم بعض المصريين بخصوص جنوب العراق واعتبار اهاليها وكأنهم تابعون لايران وكيف انه خاض نقاشا مريرا مع المصريين بهذا الخصوص دار حديث عن المرأة وهي التي صارت تشغل المناصب القيادية في مفاصل الدولة.
    تذكر الجواهري الدكتورة نزيهة الدليمي وكيف صارت وزيرة للبلديات في العراق في اواخر الخمسينيات. اشاد بقدرات الدكتورة نجاح العطار وامكاناتها الثقافية.
    جرت الاشارة الى تانسوشيلر بعد توليها رئاسة الوزراء في تركيا.
    بعد مغادرة الضيوف بنصف ساعة، ودعنا الجواهري الى سريره
    __________________

  10. #20

    افتراضي


    الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 8 -


    صباحاً بدا متردداً بخصوص السفر الى دمشق ، ربما لأنه لم ينم جيداً ليلة أمس ، وربما لأن الاجواء هنا مغرية ومبهجة ، فالجو المشمس والهواء النقي والبحر والتجوال في الممر المحاذي لغرفته وبمسافة مائة وخمسين متراً ،


    كل ذلك عناصر تجذبه وتشجعه على البقاء في اللاذقية . لكن معاناته تبدأ مع وجبات الأكل التي لاتنسجم وتوصيات الأطباء .
    مساءً قلت له : ساطلب له شوربة دجاج كوجبة عشاء ولما جلبوا الحساء كانت مليئة بقطع من لحم الدجاج فامتعض وبدا منزعجاً لأنه لا يحب تناول اللحوم .
    جرى الاتفاق ان ابقى برفقته لمدة يومين او ثلاثة وفي هذه الاثناء تذهب ـ خيال ـ كريمته الى دمشق لتلقي محاضراتها في الجامعة ـ قسم المكتبات ـ يومي السبت والأحد ، ولترجع من جديد وتستمر برفقته حتى نهاية عيد الفطر المبارك.
    جرى الاتفاق على ان يكتب رسالة الى السيد وزير الاعلام لمنحي اجازة اعتيادية للبقاء مع الجواهري ولتلافي الفراغ الذي اتركه في اطار البرنامج اليومي الذي اقدمه .
    السبت5 / 3 / 1994
    صباحاً واثناء تناول الفطور كان يرغب بسماع ارائنا بخصوص سفره كنا نفكر براحته وسعادته والأمر متروك له في ان يبقى أو ان يسافر .
    يبدو واثناء الحوار قد استقر به القرار في أن يبقى ، فقالت له كريمته ـ خيال ـ :
    انا ذاهبة فقط انتظر منك ان تكتب بضعة سطور للسيد وزير الاعلام غرض السماح لصباح بمرافقتك هنا ، واخبار الاذاعة بذلك .
    قال ملبياً طلبها : اجلب ورقة وقلماً وظرفاً فجلبت له ما أراد ، وبينما هو يفكر ما يرغب بأملائه عليّ ، قال مفاجئاً ايانا : غيرت رأيي افكر حتى لو بقيت هنا اسبوعاً او اسبوعين بعد ذلك ماذا .. وحتى متى ؟
    قلنا : الامر متروك لك .. نحن يهمنا ان تكون مرتاحاً وكما ترغب .
    قال : الافضل ان نسافر سوية .
    لم تمض نصف ساعة الا وكنا نستعد للسفر نزلنا الى صالة الفندق ورحنا ننتظر السائق” أبو وائل “ الذي لم يصلنا الا في الثانية عشرة ظهراً وهو يخبرنا بأن السيارة عاطلة وبحاجة الى تصليح وربما يستغرق ذلك ساعة من الوقت او أكثر .
    كان الانتظار مرهقاً للجواهري .. الاستياء والتبرم باد عليه ، وبين الحين والحين يلقي باللائمة على السائق ويهدد بالرجوع الى غرفته .
    في الساعة الثالثة والربع عصراً ، كانت السيارة جاهزة وبأنتظارنا .. خرجنا على عجل .. وراحت السيارة تطوي الشارع بسرعة ملحوظة ، تمر بالمدن تلو المدن وفي ضوء الانهار ، جهاز التسجيل في السيارة يصدح باغاني حضيري ابو عزيز مزاج الجواهري يتغير شيئاً فشيئاً يصغى باعجاب الى” حمام يلي على روس المباني “ و “ عمي يباع الورد كلي الورد بيش “ واغان اخرى شجية واذا يأخذ التعب منا مأخذه ، نتوقف لدقائق عند بحيرة جميلة وعلى مقربة من” الرستن” الطبيعة ترتدي اجمل اثوابها ـ الاشجار التي تنتشر على طول الطريق تضفي متعة ما من بعدها متعة.
    يتذكر الجواهري الطبيعة الخلابة في كردستان .
    كذلك في لبنان .
    نلتقط العديد من الصور الفوتوغرافية في هذه البقعة الجميلة .
    ومرة أخرى تنطلق بنا السيارة صوب حمص فدمشق نصل دمشق ـ البيت ـ مساءً في الساعة السادسة والربع . نتناول غداءً ـ عشاءً .
    اقلب الصحف المحلية التي تصل البيت يومياً .
    يلفت انتباهي ما تنشره جريدة ـ تشرين ـ ليوم الخميس الفائت، في صفحاتها الاخيرة . وحيث قصيدة الجواهري الاخيرة وبعنوان بارز اخبره بذلك .
    واذا تتناقل الاخبار والاذاعات تردى المستوي التعليمي في الجامعات العراقية بسبب من الاوضاع السياسية عامة والاوضاع الاقتصادية خاصة حيث ضآلة المكافآت والاجور والرواتب التي تدفع للاساتذة والمحاضرين وتأثير ذلك سلباً على مدى تحمس الملاك التدريسي لالقاء المحاضرة وبطريقة ترقى الى المستوى العلمي المنشود فضلاً عن تدني كفاءات المحاضرين في ظل الفوضى السائدة .
    يعلق الجواهري : ماهذا الذي يحل بالعراق ؟
    اين نحن مما كنا ؟
    لايسمح بالقاء المحاضرات الا لرؤساء الوزراء في الجامعات ويضرب مثلاً على الدكتور فاضل الجمالي الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق لخمس مرات . فضلاً عن توليه لمرات عديدة وزارة الخارجية وهو يحاضر في جامعة تونس .
    ومن التعليم والجامعات ينتقل بنا الحديث عن اقامته او زيارته الى المانيا الديمقراطية عام 1980 وكيف بدأ مأخوذاً امام كل ماهو جميل وعصري .
    أذكره هنا بأنني سمعت من الرياضي المعروف كمال شاكر ـ ووزير صحة سابق في اقليم كردستان ـ بأن لك قصيدة جميلة في وصف الصبايا اللواتي يشاركن في الاستعراض الرياضي العالمي في برلين .
    تعود به الذاكرة الى تلك اللحظات ، حيث السحر والجمال في ذروته .. ويوم التمعت القصيدة التي تحمل اسم” فرقة الدفاع عن السلام “ .
    يحاول استرجاع شريط سينمي ومعها تشع القصيدة .
    افأنتن للسلام
    من ترى ظلّ للحروب
    او زحفاً الى الامام
    سلمت هذه الكعوب
    لا تلوحن بالسلاح
    لديكن ما ينوب
    ما تهادى على الصدور
    وما ضمت الجيوب
    وبما لمّت الرموش
    من رؤى عالم تجوب
    يا لعينين اسلمت
    لهما امرها القلوب
    خوفوني بأن من
    يدنو منهما يذوب
    وبأن ليس تدّر
    توبةُ عنهما الذنوب
    ولا وعينيك لن أتوب
    لن اتوب ، لن أتوب !
    وفي الثانية عشرة الا عشر دقائق يتجه الى سريره بعد ان يتعاطى الادوية والحبوب التي اعتادها يومياً
    __________________

+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك