آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: الشرق الأوسط الجديد

  1. #1
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي الشرق الأوسط الجديد



    بقلم محمد أبو رمان
    المؤتمر الصحافي الذي عقدته وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، قبل جولتها إلى الشرق الأوسط، مؤتمر تاريخي بامتياز، يتضمن الاعتراف لأول مرة بوجود مخطط أميركي إقليمي جديد للمنطقة تمثل الحرب الحالية على لبنان مفتاحه الرئيس. ولم يتأخر الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية للتأكيد أنّ لدى إيران معلومات محددة حول مخططات أميركية للمنطقة، ما يعني أننا بالفعل أمام أيام قريبة قادمة وحاسمة، تشهد إعادة إنتاج خارطة المنطقة إن لم يطل ذلك الجغرافيا السياسية، وهي بدورها مرشحة للتغيير بدءاً من العراق.


    لا شك أنّ عملية حزب الله "الوعد الصادق" (أسر الجنديين الإسرائيليين) كانت مجرد ذريعة لتنفيذ مخطط كبير ومعد سلفاً للتعامل مع المنطقة، ولا شك كذلك أنّ البوصلة الحقيقية هي طهران، التي يتطلب الوصول إليها التعامل مع ملفات أخرى، وتحقيق اختراقات رئيسة للحالة الراهنة. فلوضع الحالي في منطقة الشرق الأوسط غير مستقر، وهو بمثابة مرحلة انتقالية تمهد إلى مرحلة جديدة يسعى كل طرف إلى تحديد ملامح وزنه ودوره الإقليمي فيها.


    مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" ليس جديداً، فقد ذاع صيته المرة الأولى بعد حرب الخليج 1991 وأثناء مفاوضات التسوية بين الدول العربية وإسرائيل، إذ تم إنضاجه في الثمانينات ومطلع التسعينات في بعض دوائر الخبرة والبحث في واشنطن، وتم تبنيه وتطويره من قبل حزب العمل الإسرائيلي، وجرى الإعلان عنه في كتاب رئيس وزراء إسرائيل سابقاً شمعون بيريس، وقبلته العديد من الدول العربية ورأت فيه تحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة والصراع العربي- الإسرائيلي. إلاّ أنّ المصطلح سرعان ما اختفى وتلاشت مضامينه بعد اغتيال رابين ثم توقف مسار العملية السلمية، وتبخرت المشاريع الاقتصادية والأمنية والسياسية والمخططات المبنية على فكرة نجاح التسوية.


    عادت فكرة بناء نظام جديد في الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم تكن التسوية السلمية هي المدخل، هذه المرة، بل حرب العراق التي كان يراد لها أن تطلق العنان لموجة الإصلاح السياسي والديمقراطية في المنطقة وعملية بناء شرق أوسط كبير أو موسع، حسب ما جاء في مسوّدات الوثائق الأميركية والغربية. وارتبطت الفكرة الجديدة بمفهوم "الفوضى الخلاقة" وبدعوات من مثقفين وسياسيين أميركيين إلى إنهاء الصفقة التاريخية بين النظم العربية الاتوقراطية والولايات المتحدة.


    إلاّ أن فكرة الشرق الأوسط الجديد، الكبير، تعرّضت لهزة عنيفة وكبيرة مع فشل المشروع الأميركي في العراق وصعود الإسلام السياسي والأهم من هذا وذاك عودة المحافظين إلى الحكم في إيران، على النقيض من التوقعات الأميركية، وسعي إيران لتأكيد دورها كقوة إقليمية، من خلال برنامجها النووي بدرجة رئيسة.





    للحظة تاريخية بدت الإدارة الأميركية وكأنها فقدت بوصلتها ووقعت في "الشَرَك" الإيراني، فعشرات الآلاف من جنودها عالقون في العراق، وحماس حققت فوزاً تاريخياً في فلسطين، ودمشق شدت وثاق تحالفها مع طهران، بينما المجتمع الدولي منقسمٌ على نفسه، وهنالك ملامح تحالف جديد معارض للأحادية الأميركية يظهر بين الصين وروسيا. لكن من الواضح أن الإدارة الأميركية كانت تعمل بجِدٍّ، في تلك الفترة، لتغيير قواعد اللعبة ووضع مخططات جديدة لها. وكان لبنان هذه المرة مفتاح المشروع الأميركي الجديد.


    لم تعد ملامح الرؤية الأميركية الجديدة للشرق الأوسط، الذي وعدت به رايس، خافية، فهي لا تقوم على التسوية ولا على الإصلاح السياسي بل على مقولات المدرسة الواقعية التقليدية في السياسة الخارجية الأميركية، أي موازين القوى والحروب والصفقات والمعاهدات السرية والعلنية، وعدم الاكتراث بقواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.


    يبدأ ملف الشرق الأوسط الجديد من حرب لبنان التي تهدف إلى تطبيق القرار 1559 من خلال نزع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبناني، أو القوات الدولية، على الحدود مع إسرائيل، وإضعاف دور إيران في لبنان. بالتأكيد لا يمكن حسم الصراع مع حزب الله عسكرياً، وإن كانت إطالة أمد الحرب بهدف تدمير أكبر قدر ممكن من قوة الحزب وبنيته التحتية، المخرج الوحيد من الوضع الراهن هو حل سياسي دولي- إقليمي تشارك فيه أطراف محلية يتضمن عملية تبادل الأسرى والعمل على حل مشكلة مزارع شبعا، وتطبيق 1559. لكن السؤال يتمثل في مدى إمكانية فرض هذه الشروط، التي تخدم مصالح إسرائيل وأميركا، على حزب الله؟ هذا رهن بتطور المسار العسكري، والقدرة على إلحاق أكبر قدر من الخسائر في قوة الحزب وهيبته، والقدرة على حشد ضغط داخلي وإقليمي لإجبار الحزب على هذه الصفقة.


    الملف المرتبط مباشرة بتطورات الحرب اللبنانية هو الفلسطيني، وقد بدأت قوى فلسطينية بالعمل الآن على عقد صفقة مع حركة حماس، تنهي مشروعها في الحكم، وتؤكد الهدنة، والتخلي عن "المقاومة" وصولاَ إلى استئناف المفاوضات مع الإدارة الأميركية وإسرائيل حول الخيارات المتبقية للفلسطينيين، ويجري الحديث في هذا السياق عن كيان ممسوخ يفتقد لأي معنى من معاني السيادة الحقيقية.


    أمّا العراق الذي شكّل معضلة حقيقية في المشروع الأميركي، فالحل الواقعي للتعامل معه يكمن في تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، بعد أن تستشري الحرب الأهلية، وتُفتقد معاني الأمن كافة، كما هو حاصل اليوم، ويتوجه سلاح الميليشيات العراقية المختلفة ضد بعضها، بدلاً من قوات الاحتلال. وإذا ما غرق العراق في فوضى وصراعات أهلية فإنّ قدرة إيران على التحكم في الشيعة وتوظيفهم في أزمتها مع العالم الغربي، والولايات المتحدة، ستضعف كثيراً.


    وللتأكيد على عزل إيران إقليمياً لا بد من العمل على إقناع سورية بفك الارتباط مع إيران وعقد صفقة معها تتخلى فيها عن دعم حزب الله وحماس والمنظمات الإسلامية المعارضة للتسوية، مقابل وعود أميركية بتعطيل ملف مقتل الحريري، والتخلي عن دعم المعارضة السورية، وحوافز اقتصادية، واستئناف مفاوضات التسوية مع إسرائيل.


    ويقوم مشروع "الشرق الأوسط الجديد" على بناء حلف عربي منيع، وتقليم أظافر إيران الإقليمية، وضرب تحالفاتها الدولية. ستكون أولوية الإدارة الأميركية والدول الأوروبية عقد صفقة مع إيران للتخلي عن طموحها النووي، والكف عن معارضة السياسة الأميركية في المنطقة. وإلاّ فستبدأ سلسلة العقوبات الاقتصادية والسياسية والضغوط ومحاولة إسقاط النظام من الداخل والخارج، وصولاً إلى خيار العمل العسكري.


    أرق التحايا


    أحاول فهم هذا العالم

  2. #2

    افتراضي

    إنه استعمار جديد عقيلة الدرب
    إنه استعمار يمهد لدولة إسرائيل وعزها ومكانتها:
    ولنقرأ هذا التقرير:

    --------------------------------
    الشرق الأوسط: من الاستعمار التقليدي إلى التعريف الأمريكي
    بقلم: مجـدي ريــاض/ 17/04/2004

    لم يكن مفهوم الشرق الأوسط سوى تعبير عن المنظور الاستعماري في العصر البريطاني، ورؤية العالم ومناطق النفوذ من زاوية المركز الأوربي؛ وفي الوقت ذاته نفي لأي تسمية أو مشروع لتوحيد الوطن العربي؛ ومن هنا كان تعبير الشرق الأدنى مرادفا للدول العربية الواقعة فيما يسمى بالهلال الخصيب، واختلفت دلالة مفهوم الشرق الأوسط قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية عن دلالته بعد الحرب.

    وإذا كان المفهوم قد شهد انتشارا متعمدا في العصر الأمريكي فقد اعتراه إضافات عديدة، حتى استقر في المفهوم الأخير تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير". وإلى جانب هذا الاتساع في الدلالة شهد أيضا انقلابا في الأدوار؛ فبينما كان العصر البريطاني يركز على قناة السويس ومصر، أصبح العصر الأمريكي يركز على النفط والخليج. فالتقارير الإستراتيجية الأمريكية -منذ السبعينيات- تتحدث عن خطط التحرك والبدائل المختلفة للسيطرة على منطقة الخليج لضمان إمدادات البترول. وتزايدت هذه الدراسات في إعدادها وحدة لغتها منذ قيام الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه؛ وغطت حقبة الثمانينيات، وصولا إلى العمل العسكري في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة؛ ثم في تقديم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نجد أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية في تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية المقدم في عام 2000، والذي شمل توصيات بالخطوات التي ينبغي اتباعها بالشرق الأوسط من المجموعة الرئاسية الجديدة!!

    الانقلاب الجيوبولوتيكي

    إن التركيز على الخليج العربي ودوائره الحيوية والمحيطة به لم تكن رغبة عابرة، ولم يكن صدفة. فمن المعروف أن تأمين الثروة والقوة بالنسبة للولايات المتحدة يرتبط بالتحكم عالميا بسوق النفط ومشتقاته؛ هذا التأمين يشكل أحد المفاتيح الرئيسة في إستراتيجيتها الكونية منذ عام 1945؛ فسيطرتها على تدفق النفط وفر لها الانطلاق الاقتصادي، وتأمين النظام الاقتصادي العالمي وهي نقطة المركز فيه.

    لقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية مكتفية ذاتيا بالنسبة الطاقة؛ لكنها تحولت الآن إلى المستهلك العالمي الأول؛ حيث تمثل 4.6% من سكان العالم، بينما تستهلك ربع إنتاج النفط في العالم. وفي الوقت ذاته -وكما يشدد بعض المحللين الأمريكيين- فإنها لا تزال تستورد 24% من احتياجاتها من نفط الشرق الأوسط. صحيح أن النسبة أقل من نسبتها قبل حرب أكتوبر1973، ولكنها أكثر بنسبة الثلث قياسا بالسنوات القليلة الماضية؛ وهو ما يعنى بالنسبة للعقلية الحاكمة بواشنطن، وللمخططين الإستراتيجيين بها، عدم السيطرة الجازمة في سوق النفط العالمية.

    إن الباحث عن توجهات السياسة الاستعمارية بعد الثورة البترولية أو ما سمي بالانقلاب الجيوبوليتيكي/الإستراتيجي على حد تعبير العالم الرحل د.جمال حمدان في مطلع الثمانينيات -وذلك في كتابه القيم "إستراتيجية الاستعمار والتحرير"- يستطيع بالقراءة لتلك الكتابات القيمة أن يستشف معادلة البترول والخليج، ودخولهما في صلب الإستراتيجية الاستعمارية الأمريكية. فمنذ أن أصبح الخليج المستودع الأول لمخزون البترول بالعالم تحول تدريجيا ليصبح محور السياسات والصراعات. من هنا كانت المعادلة أو المتتالية التكنولوجية الإستراتيجية الجيوبوليتيكية في عصر بريطانيا هي: الفحم، السكة الحديدية، الباخرة، قناة السويس، مصر، الاستعمار القديم، صراع الإمبراطوريات، ولكن هذه المتتالية تحولت في العصر الأمريكي إلى: البترول، السيارة، الناقلات، الخليج العربي، الاستعمار الجديد، صراع الكتلتين. وإذا كان الحديث للدكتور حمدان في بداية الثمانينيات فما بالنا الآن بعد انهيار الكتلة الثانية، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ولو مؤقتا؟ إن أهمية التنبيه/التحليل الحمداني تكمن في تحديده لاتجاه البوصلة الإستراتيجية الاستعمارية مبكرا، والتي تذبذبت (من الغرب إلى الشرق، من قناة السويس إلى الخليج العربي). وهكذا بعد أن كان الخليج محطة على طريق السويس إلى الهند انزلقت -ولا نقول انزوت- القناة إلى ممر على طريق البترول إلى الخليج.

    إن هذا التبدل في اتجاه البوصلة نحو الموقع/الإقليم، وما يفرضه ذلك على الصراع والإستراتيجية، ولانتقال مركز الثقل الإستراتيجي وهو ما يدفع بالضرورة إلى تحجيم أدوار وتضخيم أدوار لإقليم أو دول، وما تحتويه من ممرات صناعية أو بحيرات وخلجان طبيعية. فبعد أن كانت السويس كبيرة والخليج صغيرًا من الوجهة الإستراتيجية، انقلبت الموازين واختلت... فأصبح الخليج كبيرًا جدًا والسويس صغيرة نسبيًا، بل وورث الخليج ومضيقه دور وموقع مصر وقناتها إلى حد بعيد جغرافيا وإستراتيجيًا؛ ومن هنا لم يكن غريبا وقوع ثلاث حروب على ضفاف الخليج وحوله، ولواشنطن يد فيها خفية أو علانية منذ الثمانينيات، وحتى الآن.. هذا إلى جانب حربها بأفغانستان.

    إعادة تعريف الشرق الأوسط

    لقد ارتبط مفهوم الشرق الأوسط بالرؤية الاستعمارية لمصالحها الإستراتيجية، وبتصورها لإعادة صياغة وتركيب المنطقة منذ القرن الماضي وحتى اليوم، ومن ثم جمع مفهوم "الشرق الأوسط" بين الجغرافيا والسياسة، كما يرى الدكتور أحمد صدقي الدجاني، ولم تكن دلالته الجغرافية مستقرة؛ حيث تذبذبت بين الاتساع والضيق حسب المصالح الاستعمارية، والرغبة في تفتيت الأمة العربية والإسلامية.

    لقد كتب ونستون تشرشل في مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، كما ذكر المفكر ساطع الحصري في كتابه "دفاع عن العروبة" (1955) عن مفهومه للشرق الأوسط؛ وذلك في 26 أغسطس 1942، يقول: إني كنت أشعر على الدوام أن تسمية مصر والمشرق وتركيا باسم "ميدل إيست" (الشرق الأوسط) لم تكن من التسميات الموفقة. فإن هذه البلاد تؤلف الشرق الأدنى، وإيران والعراق تؤلفان الشرق الأوسط؛ وبلاد الهند وبورما وماليزيا تؤلف الشرق؛ أما الصين واليابان فتؤلفان الشرق الأقصى. وقام تشرشل بإعادة تقسيم القيادة العسكرية، في مساء نفس اليوم، إلى قيادة الشرق الأدنى، وتحتوي مصر وسوريا وفلسطين ومركزها القاهرة؛ وقيادة الشرق الأوسط، وتشمل العراق وإيران ومركزها بغداد؛ وبذلك كانت البوصلة البريطانية في التسمية والتقسيم هي العمليات الحربية.

    بعد تسع سنوات (أي في عام 1951) وفي مجلس العموم البريطاني وجه أحد النواب سؤالا للحكومة عن البلاد التي تدخل ضمن اصطلاح الشرق الأدنى؛ فأجابه وكيل وزارة الخارجية آنذاك قائلا: "إن تعبير الشرق الأدنى الذي لازم السلطنة العثمانية يعتبر الآن في بريطانيا العظمى مما فات أوانه في اللسان الرسمي، ويستعاض عنه الآن بتعبير الشرق الأوسط. ومجموعة البلاد التي يشار إليها بهذا التعبير تشمل: مصر، العراق، سوريا، لبنان، إسرائيل، العربية السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، قطر، مسقط، محمية عدن واليمن. أي ما يعرف بالوطن العربي مع اقتطاع المغرب العربي الكبير، ومع إضافة إسرائيل بديلا عن فلسطين".

    وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد ركزت على مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الأخير، مع إضافة تركيا وإيران -وذلك في الإعلام وفي المؤسسات الدولية ووزارة الخارجية في كل ما يتعلق بالصراع العربي/الصهيوني، ونجحت في تسييد هذا المفهوم كبديل عن الوطن العربي أو العالم العربي... إلخ- فإنها ومنذ الثمانينيات اتخذت منحى جديدا. فقد قدم "بيتر دويجنان" بالمشاركة مع "إل إتش غان" دراسة عن الشرق الأوسط لصانع القرار الأمريكي، أشارا فيها: إلى أن "لفظة الشرق الأوسط لفظة اعتباطية؛ فهي تشمل بالمعنى الضيق مصر والجزيرة العربية وتركيا وإيران؛ أما بالمعنى الواسع فهي تشمل كافة المناطق الممتدة من شاطئ المحيط الأطلسي، وعبر شمال أفريقيا، وصولا إلى حدود إيران الشرقية".

    ولكن أخطر ما في هذا المفهوم الذي تجذر فيما بعد وتوسع بجهود العديدين من المختصين ودوائر صنع القرار يتمثل في ثلاث نقاط:

    الأولى: تسفيه وتقليل شأن المفهوم الضيق للشرق الأوسط، وفيما بعد إلغاؤه.

    والثانية: الإشارة إلى أن هذه المنطقة الشاسعة تنطوي على اختلافات جغرافية وإثنية واسعة جدا، كما تحوي العديد من المناطق التي لكل منها تراثها التاريخي والحضاري الخاص بها؛ أي القول بعدم وحدته من جهة، وقبوله للتجزئة من جهة أخرى.

    والثالثة: الاعتراف بوجود مؤشرات مشتركة بين بلدان الشرق الأوسط، يقع الإسلام في مقدمتها بوضوح؛ فالإسلام هو الذي استحوذ على عالمها، والمنطقة تدين بالإسلام باستثناء بعض الفئات. هذا العامل سوف يتم استخدامه سلبا في منظور صراع الحضارات، ونهاية التاريخ من الزاوية الأيديولوجية الأمريكية، وفي استهداف ضربه، وربطه بالإرهاب في المنظور الإستراتيجي العسكري/ السياسي.

    وإذا كانت وثائق وزارة الدفاع/مايو 1995، والكونجرس /مارس 1995 قد تضمنت إستراتيجية الولايات المتحدة بالشرق الأوسط -والتي اختزلت في ضمان تدفق البترول وبسعر مناسب، وضمان حرية الملاحة، والالتزام بأمن إسرائيل وتفوقها النوعي، وزيادة القدرات الدفاعية (لا الهجومية) للدول الصديقة- فإن الدراسات الإستراتيجية الأمريكية منذ العام 1997 قد اعتمدت المفهوم الأوسع لتعبير الشرق الأوسط الكبير؛ حيث إن هذا المفهوم الجديد يضم كلا من تركيا وإيران ودول آسيا الوسطى الإسلامية الغنية بالبترول، والسوق الضخمة المرتقبة للسلع الأمريكية؛ وهو ما أكدت عليه في خطتها المعلنة الآن، المعروفة بمشروع الشرق الأوسط الكبير (بلدان العالم العربي، زائد باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل). ومن هنا فإن التخطيط للاستقرار والأمن في المنطقتين العربية والإسلامية -كما ترى واشنطن- أصبح ضرورة حياتية وإستراتيجية بالنسبة لواشنطن.

    لقد شدد مفكرنا الحصري على أن الانتقال بين التعريفات في العصر البريطاني لا يعود للتاريخ وللجغرافيا، بل للاحتياجات السياسية والمتطلبات العسكرية للاستعمار الغربي. ونحن نشير بدورنا أيضا إلى أن الانتقال والتوسع في التعريفات بالعصر الأمريكي، بل ومحاولة الاستقرار على النتائج النهائية للمفهوم الشرق أوسط، لا تعود إلى تقسيمات الجغرافيا والتاريخ (أي قوميات أو أقاليم متجانسة)، بل لاحتياجات الأمن والطاقة، ورسم الخريطة الإستراتيجية الأمريكية، بما فيها نفي كل ما يقال عن الدائرة أو الأمة العربية، خاصة في ظل ربط المشرق بتركيا وإيران والعديد من دول آسيا، وفصل المشرق عن المغرب، وربط الأخير بالدائرة الجنوبية للمتوسط، والتقسيم للوحدات القطرية الموجودة باسم الفوارق العرقية أو الدينية؛ وفي الوقت ذاته دمج إسرائيل كأمر واقع، بل وكجزء في هذا التقسيم السياسي العسكري، وهو ما ظهر فيما بعد في حلف بغداد، وظهر حديثا فيما سمي بالسوق الشرق الأوسطية.

    ما الجديد في التعريف الأمريكي؟

    1 – أنه تعريف غير خاضع لخطوط المعارك الحربية، وتبدلات القتال والمواقع (كما كان في بريطانيا العظمى)، أو كما كان الأمر بالنسبة للحرب الباردة وصراع الكتلتين، بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يعني هذا عدم دخول البعد العسكري في هذا التعريف، لكن التعريفات السابقة ترسم الحدود وفق وجود القوات والعمليات، بينما التعريف الأمريكي يضع الحدود أولاً للمفهوم ثم يجعل القوة العسكرية (وغيرها من الأدوات الاقتصادية والثقافية) تتحرك فوقها، وتقيم عملياتها وقتما تشاء.

    2– أنه تعريف يقوم على أساس خريطة بلا تضاريس جغرافية، فلا تحمل عوائق طبيعية.. وبلا تضاريس عسكرية أو بشرية، فلا تسجل عوائق صناعية أو حواجز مانعة؛ ومن ثم الرسم فوقها للأقاليم والحدود التصورية لا التواء فيه، ولا صعوبة للخيال أو الجموح أن يسجل ما يريد أن يتصوره؛ أي الكتابة والرسم والتشكيل فوق صفحات بيضاء وخالصة، ومن ثم مطلوب ملء تلك الصفحات بالثقافة والأفكار والنظام الاقتصادي بل والعسكري وفق المشيئة الأمريكية؛ وهي فرصة قلما توفرت في التاريخ بهذه الصورة، ولا تتحمل التردد أو الانتظار لحظة واحدة من منظور رجال الإستراتيجية الأمريكية، خاصة أن مفهوم الشرق الأوسط بمعناه الواسع/الجديد يمثل جزءا كبيرا من منطقة الارتطام التي يمكن أن ينطبق عليها رؤية ماكيندر منذ أوائل القرن الماضي للصراع بين قوى البر وقوى البحر للسيطرة على العالم؛ ولأن هذه المنطقة أرض الصدام والمعركة وجسر العبور لطرفي الصراع؛ فهي بين فكي الكماشة، وهي ضحية موقعها الجغرافي؛ وهو ما يسهل المهمة الأمريكية للانقضاض عليها والعبور منها للانفراد العالمي أيضا.

    3– ولأنها فرصة تاريخية -كما تراها عقول التخطيط الإستراتيجي بواشنطن- فإن الإمساك بها ضرورة، وتشكيلها وفق الاحتياجات الاقتصادية الأمريكية (وفي مقدمتها الطاقة ثم الأسواق) حتمية؛ وبالضرورة والحتمية أن تكون خطوط الطول والعرض في الخريطة الجديدة هي التي توفر سهولة الإمدادات بالطاقة وسرعتها ورخصها، إلى جانب التحكم فيها، خاصة في ظل غياب الموانع والعوائق.

    4- ووفق الضرورة والفرصة والاحتياجات، فإن فصل دول من إقليم الشرق الأوسط، أو إضافة دول إليه أمر بديهي؛ بل إن السعي إلى تقسيم دولة ما إلى دويلات أو كانتونات أو مناطق طائفية أو عرقية هو أمر ضروري تحكمه الرغبات والخطة الأمريكية، فضلاً عن أنه تأمين للمستقبل ومفاجآت التاريخ ودروسه؛ هذا إلى جانب سهولة السيطرة لواشنطن وصعوبة المواجهة ضدها.
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  3. #3

    افتراضي

    كتاب الشرق الأوسط الكبير صناعة أمريكية إسرائيلية بريطانية


    الباب الأول: الشرق الأوسط الكبير فكرة صهيونية تبنّتها الولايات المتحدة الأمريكية

    مقدمة:‏

    يهدف نظام الشرق الأوسط المطروح إعادة صياغة المنطقة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحضارياً، وإقامة ترتيبات أمنية وسوق مشتركة إقليمية لخدمة الأهداف والمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.‏

    جرى ويجري رسم الخريطة الجديدة للمنطقة في مراكز البحث العلمي الصهيونية في "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية. وتبنّاها الرئيس الأمريكي بوش ووزير خارجيته الجنرال كولن باول وأعلنا عن عزم الولايات المتحدة الأمريكية رسم خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط.‏

    فالمشروع أو النظام الشرق أوسطي يجري تصميمه في خارج المنطقة وسيفرض من خارجها وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لإعادة صياغة الوطن العربي والمنطقة انطلاقاً من ميزان القوى والواقع الجديد وحسب أسس جديدة تخدم المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة وفي العالم.‏

    ومن المؤلم حقاً أن الواقع القائم بأبعاده العربية والإقليمية والدولية ربّما يشكل حالياً فرصة ملائمة لرسم الخريطة الجديدة والأسوأ من خريطة سايكس ـ بيكو إذا تمّ إنقاذ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من مأزقيهما في العراق وفلسطين.‏

    ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن حل أزماتها الاقتصادية ونجاحها في أمركة العالم، وصراعها الاقتصادي مع أوروبا واليابان، والقضاء على المقاومتين العراقية والفلسطينية، يتطلب إقامة النظام الإقليمي الجديد امتداداً لمصالحها وضماناً لمخططاتها والسيطرة المُطلقة على النفط ومنابعه وممراته وأسواقه وأسعاره لإعادة النمو والتطوّر للاقتصاد الأمريكي.‏

    شاهدت في محطة الجزيرة الرئيس الأمريكي بوش يقول حرفياً: (ازدهار العراق يؤدي إلى ازدهار أمريكا) ممَّا يدلّ دلالة واضحة على أهمية احتلال العراق ونهب ثرواته باسم إعادة الإعمار لحل أزمة الاقتصاد الأمريكي.‏

    إن الخريطة الجديدة للمنطقة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فقط وإنما تمتد لتشمل السيطرة على الوطن العربي عن طريق القواعد العسكرية الأمريكية وتنصيب الدمى والكرازيات في بلدان المنطقة والتحكم بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتّى التحكّم بالمناهج والكتب الدراسية وكتب الدين الإسلامي للمراحل الابتدائية والثانوية والجامعية.‏

    إن التحليل الدقيق للنظام الإقليمي الشرق أوسطي المطروح يبيّن بجلاء الدور الـ"إسرائيل"ي فيه، والمصالح الكبرى التي تجنيها "إسرائيل" منه لحل جميع أزماتها المستعصية الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية.‏

    إن الصراع على ثروات وهوية المنطقة وطابعها العربي الإسلامي والمخططات الأمريكية والصهيونية هي حجر الزاوية وجوهر صياغة النظام الإقليمي الجديد في المنطقة.‏

    عبّر الرئيس الراحل حافظ الأسد عن طبيعة النظام المطروح قائلاً: ((موضوع الشرق أوسطية ليس موضوعاً اقتصادياً، بل إنه موضوع اقتصادي وسياسي))، وحدّد هدفه الأساسي بقوله: ((هو شطب شيء اسمه العرب، شطب شيء اسمه العروبة، شطب المشاعر العربية، شطب الهوية القومية)). ويهدف النظام المقترح إلى كسر الإرادات وتمزيق البلدان العربية واحتلال البعض منها وابتزاز البعض الآخر لفرض التسوية الإسرائيلية وإقامة "إسرائيل" العظمى من النيل إلى الفرات وإعادة صياغة المنطقة وتركيبها جغرافياً وبشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وفق المخططات والمصالح الأمريكية والصهيونية ولمحاربة العرب والمسلمين.‏

    عندما بدأ دهاقنة الاستعمار الأوروبي يضعون الخطط لتقاسم مناطق النفوذ في آسيا وإفريقيا خططوا لتفكيك هذه البلدان وإعادة تركيبها جغرافياً لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها. وأوجدت دول أوروبا الاستعمارية مصطلحات الشرق الأدنى والشرق الأوسط والشرق الأقصى، وذلك انطلاقاً من قرب أو بعد هذه المناطق عن أوروبا فأطلقوا على المناطق البعيدة عن أوروبا والممتدة من الهند غرباً بالشرق الأقصى، وعلى المناطق القريبة من شرق البحر المتوسط "الشرق الأدنى" وأصبحت المنطقة التي تتوسط الشرقَين الأقصى والأدنى تعرف بمنطقة الشرق الأوسط، ولكنهم اختلفوا حول تعيين حدودها.‏

    الشرق الأدنى: ويشمل البلدان الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط ومنها تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن ومصر وجزيرة قبرص. ظهر هذا المصطلح في منتصف القرن التاسع عشر (1850) جراء ضعف الإمبراطورية العثمانية وتصاعد التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا على مناطقها.‏

    الشرق الأقصى: بدأ هذا المصطلح بالظهور في منتصف القرن الثامن عشر أي منذ عام (1751) عندما حوّلت بريطانيا الهند كمركز لها للعبور إلى بقية البلدان الأخرى. ويشمل هذا المصطلح شرق آسيا ما عدا كوريا واليابان وبعض الأجزاء من الصين ويشمل: الهند والبلدان المنتشرة في المحيط الهادي، ومناطق واسعة تطل على المحيطين الهندي والهادي...‏

    الشرق الأوسط: برز هذا المصطلح مع ظهور الصهيونية كحركة سياسية عالمية منظمة ويشمل منطقة تشكل امتداداً للشرقين الأدنى والأقصى، وهي أغنى المناطق في العالم بالنفط والمعادن، وتتمتع بمركز استراتيجي هام بين القارات الثلاث أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتشمل بلدان شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران وأفغانستان وعرفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1989 بأنه المنطقة الممتدة من ليبيا غرباً إلى إيران شرقاً، ومن سورية شمالاً إلى اليمن جنوباً. وعرفه آخرون بأنه يضم جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية وإيران. ويضم إليه المتخصصون في الولايات المتحدة الحبشة وباكستان وأفغانستان والدول الإسلامية المستقلة حديثاً في آسيا الوسطى.‏

    ويؤكد الباحثون العرب أن المصطلح سياسي النشأة والاستعمال ولا ينبع من سمات المنطقة السياسية أو الثقافية أو الحضارية أو الديمغرافية، ويمزق الوطن العربي بضمه دولاً غير عربية. ويقوم التصوّر الغربي للشرق الأوسط على افتراض أن المنطقة ما هي إلا عناصر عرقية مركّبة تتألف من خليط من الطوائف والشعوب والقوميات، وأن الأهداف التي يرمي إليها التصوّر الأمريكي والأوروبي والصهيوني يقوم على رفض مفهوم القومية العربية والوحدة العربية وإضفاء الشرعية على الكيان الصهيوني.‏

    ولم تستقر بعد البلدان التي يشملها الشرق الأوسط، إذ يعمل الاستراتيجيون في الدول الإمبريالية على توسيعه ليضم ويشمل البلدان العربية، (باستثناء السودان والصومال)، والباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى، وبدأ مصطلح الشرق الأدنى بالاختفاء تدريجياً لصالح مصطلح الشرق الأوسط.‏

    الفصل الأول: بروز مصطلح الشرق الأوسط:‏

    نظراً لأهمية فلسطين التاريخية والدينية وموقعها الاستراتيجي بين آسيا وإفريقيا، بين بلدان المشرق والمغرب العربي قرّر الاستعمار البريطاني إقامة "إسرائيل" في فلسطين، قلب الوطن العربي كنقطة ارتكاز وانطلاق للتحكّم بالمنطقة العربية وثرواتها وإراداتها، وإسفين لفصل البلدان العربية الآسيوية عن البلدان الإفريقية.‏

    كتب تيودور هرتسل، مؤسس الصهيونية (كحركة سياسية عالمية منظمة) عام 1897 في يومياته، يقول: "يجب قيام كومنولث شرق أوسطي، يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي فاعل، ودور اقتصادي قائد، وتكون المركز لجلب الاستثمارات والبحث العلمي والخبرة الفنية(1)".‏

    وأبرز ضابط البحرية البريطانية الفرد ماهان مصطلح الشرق الأوسط في مقال كتبه في الأول من أيلول عام 1902 في لندن، ثمَّ استخدمه فالنتاين شيرول مراسل التايمز اللندنية في تشرين الأول عام 1902 و1903 في سلسلة من المقالات تحت عنوان "المسألة الشرق أوسطية"، ثمَّ أصدرها في كتاب عام 1903.‏

    صدر في عام 1907 في لندن تقرير كامبل بنرمان وزير المستعمرات آنذاك، الذي وضعه في مؤتمر عقدته مجموعة من علماء التاريخ والسياسة والاقتصاد، بمشاركة عدد من السياسيين الأوروبيين وتناول الوضع في المنطقة العربية، جاء فيه:‏

    (يكمن الخطر على الغرب في البحر المتوسط، لكونه همزة وصل بين الشرق والغرب. ويعيش في شواطئه الجنوبية والشرقية شعب واحد، تتوافر له وحدة التاريخ واللغة والجغرافية وكل مقوّمات التجمع والترابط، وذلك فضلاً عن نزعاته الثورية وثرواته الطبيعية الكبيرة)(2).‏

    ويتساءل التقرير عن مصير المنطقة، إذا انتشر فيها التعليم والثقافة. ويجيب بأنه إذا حدث ذلك، فسوف تحل الضربة القاضية بالإمبراطوريات القائمة.‏

    ووضع المؤتمر الاستعماري المذكور المخططات والوسائل الكفيلة لإضعاف الوطن العربي وتسهيل السيطرة عليه وعلى شطآنه واحتواء إراداته وطاقاته وثرواته ومنع تطوره وتقدمه ووحدته.‏

    وحدد الوسائل والأساليب للوصول إلى ذلك بما يلي:‏

    أولاً: إقامة حاجز بشري غريب وقوي مانع، يفصل بلدان المشرق عن بلدان المغرب العربي، وإقامة قوة قريبة من قناة السويس، عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية.‏

    ثانياً: العمل على تجزئة الوطن العربي إلى دول وكيانات متعددة.‏

    يهدف التقرير إلى إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، والسيطرة على الموقع الجيواستراتيجي الهام للوطن العربي وعلى قناة السويس، ونهب ثرواته الطبيعية والحيلولة دون تطوره ودون تحقيق الوحدة العربية.‏

    وقد بدأت الصهيونية تعمّم هذا المصطلح ـ مصطلح الشرق الأوسط ـ بديلاً للوطن الواحد والشعب الواحد والأمة الواحدة، نظراً لأنه ملتقى القارات الثلاث ويُشرف على أهم الممرات المائية كقناة السويس، ومضيق باب المندب، والخليج، وخليج العقبة ومضيق هرمز، ويختزن أكثر من ثلثي احتياطي النفط العالمي. وتخشى الصهيونية والاستعمار من إقامة دولة اتحادية عربية قوية وغنية ومسلحة بالثروة النفطية والقومية العربية والعقيدة الإسلامية.‏

    احتلت المنطقة مكانة هامة في التنافس الاستعماري بين دول أوروبا الاستعمارية وبالتحديد بين بريطانيا وفرنسا من أجل السيطرة على الهند (المسماة بدرِّة التاج البريطاني). وجاءت حملة نابليون على الشرق في هذا الاتجاه، ولكنه فشل أمام أسوار عكا فعاد إلى فرنسا.‏

    ظهر في لندن عام 1909 كتاب بعنوان: مشاكل الشرق الأوسط لمؤلفه هاملتون وضّح فيه أهمية المنطقة لأوروبا والعالم، وطالب بضرورة السيطرة عليها. وأعلن الحاكم البريطاني على الهند اللورد كيرزون عام 1911 إدارة خاصة للشرق الأوسط، وكلّفها بالإشراف على شؤون فلسطين وشرق الأردن والعراق.‏

    واقترح الإرهابي فلاديمير جابوتنسكي عام 1922 مشروعاً لإقامة سوق شرق أوسطية. وحدّدت الحركة الصهيونية عام 1942 أهدافها التوسعية وسيطرتها الاقتصادية على الوطن العربي في مؤتمر بلتمور الصهيوني، الذي يعتبر أهم مؤتمر صهيوني بعد المؤتمر التأسيسي في بازل على الشكل التالي: (إقامة قيادة يهودية للشرق الأوسط بأكمله في ميداني التنمية والسيطرة الاقتصادية) ووضع الصهاينة دراسات ومذكرات حول "الشرق الأوسط" في عامي 1941 و1942، وأنجزوا مشروعاً صهيونياً للشرق الأوسط لمواجهة الكتاب الأبيض لحكومة الانتداب البريطاني في فلسطين ويتضمن المشروع العمل على قيام تعاون سياسي واقتصادي يمنع التصادم بين العرب واليهود، ويدمج فلسطين وبقية بلدان المشرق العربي.‏

    غرس يهود بريطانيا والولايات المتحدة فكرة الشرق أوسطية في صلب السياستين الأمريكية والبريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.‏

    وقد طُرحت فكرة التعاون الاقتصادي بين بلدان منطقة الشرق الأوسط لأول مرّة في 18 تشرين الثاني 1943، وذلك في اجتماع عُقد بين ممثلين عن وزارتي الخارجية الأمريكية والبريطانية في لندن، بمقر وزارة الخارجية البريطانية للتباحث في تسوية وضع الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لضمان مصالح البلدين في المنطقة والهيمنة عليها.‏

    أعد اليهودي ـ الأمريكي د. ارنست بيرجمان "أحد تلامذة حاييم وايزمان، زعيم المنظمة الصهيونية العالمية"، مذكرة قدَّمها للاجتماع، ويمثّل فيها تهويد فلسطين جوهر الخطة الأمريكية والقائمة على هجرة اليهود إلى فلسطين العربية وإقامة "إسرائيل" فيها، وتحويلها إلى قاعدة صناعية متطورة لتكون حجر الزاوية في المشاريع والمخططات المستقبلية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.‏

    ظهرت "الشرق أوسطية" كفكرة "إسرائيلية" لأول مرة في وثيقة أصدرها "اتحاد إيهود" بتاريخ 28/3/1948 وتضمنّت "التصاق فلسطين في اتحاد شرق أوسطي واسع"، ووقعها عن اللجنة التنفيذية للاتحاد المذكور: يهودا ماغنس، مارتن بوبر، ديفيد سيناتور، جيرت ويليلم وإيزل مولهو(3).‏

    وضعت الصهيونية وبريطانيا مخططاً لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين العربية من خلال:‏

    أولاً: تهجير اليهود إلى فلسطين واستيطانهم فيها وترحيل العرب عنها وتوطينهم في البلدان العربية وتحقيق الاستعمار الاستيطاني عن طريق المجازر الجماعية والحروب العدوانية وبناء المستعمرات اليهودية.‏

    ثانياً: الانطلاق من الأمر الواقع الناتج عن استخدام القوة والاحتلال والاستعمار الاستيطاني والمفاوضات لفرض اتفاقات إذعان على بعض الأطراف العربية.‏

    وولَّد تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين العربية، تحدياً مصيرياً للعرب والمسلمين كافة، وأحدث انقطاعاً في التواصل الجغرافي العربي واستنزافاً في الموارد الاقتصادية للبلدان العربية، وأصبح الكيان الصهيوني أداة عسكرية في يد الدول الاستعمارية للحيلولة دون وحدة العرب وتطورهم ولإذلالهم وإخضاعهم والسيطرة عليهم وعلى ثرواتهم.‏

    اقترح بن غوريون، أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني على الرئيس الأمريكي إيزنهاور بتاريخ 24/7/1958 في رسالة وجهها إليه "إقامة سد منيع ضد المد الناصري" (أي التيار القومي) وللوقوف أمام التوسع السوفييتي من "إسرائيل" وتركيا وإيران(4).‏

    فشلت جميع المساعي الأمريكية والبريطانية في فترة الخمسينيات في إخضاع البلدان العربية للهيمنة الإمبريالية، ففشل حلف السنتو، وحلف بغداد، ومشروع جونسون للتعاون المائي بين الأردن و"إسرائيل"، ومشاريع التوطين، ومبدأ إيزنهاور، نظرية الفراغ للحلول محل فرنسا وبريطانيا في المنطقة.‏

    إن مفهوم العروبة، والأمة العربية، والدولة العربية الواحدة أقدم بكثير من مفهوم الشرق أوسطية. وتعود جذوره إلى أعماق التاريخ في المنطقة.‏

    الفصل الثاني: التخطيط "الإسرائيلي" للشرق الأوسط‏

    خططت "إسرائيل" والولايات المتحدة لحرب حزيران العدوانية عام 1967، ولأهدافها السياسية والاقتصادية وحاولت الولايات المتحدة دون معاقبة العدو على حربه العدوانية وإجباره على دفع التعويضات طبقاً لأهداف ومبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي.‏

    بدأت المخططات الإسرائيلية لمستقبل الوطن العربي بالظهور بعد الحرب العدوانية مباشرة، وبعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وتمسك العدو الـ"إسرائيل"ي بالأراضي العربية المحتلة لإجبار العرب على القبول بمخططاته السياسية والاقتصادية.‏

    نظّمتْ "إسرائيل" عقد المؤتمرات الثلاث للمليونيرية اليهود في أعوام 1967 و1968 و1969 لإحكام سيطرتها الاقتصادية على المناطق العربية المحتلة واستغلالها.‏

    وأنشأ المليونير اليهودي روتشيلد معهداً بالقرب من جنيف أطلق عليه اسم "معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط" لدراسة احتمالات التعاون الاقتصادي في المنطقة بعد تسوية الصراع والبحث عن وسائل لإقامة علاقات تجارية بين "إسرائيل" والبلدان العربية.‏

    وتأسّست في الكيان الصهيوني عام 1968 جمعية للسلام في الشرق الأوسط، مهمّتها وضع الخطط والبرامج والمشاريع لفرض هيمنة "إسرائيل" الاقتصادية على البلدان العربية.‏

    خطّطت الجمعية الإسرائيلية لإقامة سوق شرق أوسطية على غرار السوق الأوروبية المشتركة وبالتنسيق والتعاون معها، وتتألّف من عدّة سلطات أهمها:‏

    ـ سلطة نفط الشرق الأوسط.‏

    ـ سلطة التنمية السياحية.‏

    ـ سلطة المياه والري.‏

    ـ سلطة الزراعة والصناعة.‏

    ـ سلطة تعمير الصحاري.‏

    وحدّدت الجمعية الإسرائيلية بعض السمات الأساسية التي يجب أن تبرز في تطور اقتصاد المنطقة فخصّصت كل بلد من بلدان المشرق العربي بالصناعات التي تراها الجمعية، وتنبأت للسياحة بأن تكون من أهم صناعات الشرق الأوسط، بسبب تقارب سكان المنطقة وسرعة المواصلات وزيادة الدخل.‏

    طرح حزب العمل الإسرائيلي في نهاية الستينات إقامة اتحاد "إسرائيلي" ـ فلسطيني أردني على غرار اتحاد بنيلوكس، بين بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. وتبنى ياسر عرفات طروحات حزب العمل حول الاتحاد الثلاثي وأوهام مشروع مارشال.‏

    ووضع جاد يعقوبي، وزير المواصلات في حكومة الجنرال اسحق رابين عام 1975م مخططاً سرياً للتعاون الإقليمي في مجال المواصلات بين "إسرائيل" والأردن ومصر، وقدمه للجنرال رابين وجرى بحثه ضمن هيئات حكومية "إسرائيلية"، ويشير جاد يعقوبي في مخططه إلى أن التعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط في مجال المواصلات هو أمر ضروري للطرفين، ويتضمن المخطط آنذاك التعاون بين مطاري إيلات والعقبة وإقامة مطار جديد مشترك في مرحلة لاحقة في الأردن، "لإسرائيل" والأردن ويكون استمراراً للمطار الأردني الحالي، وإقامة محطة مشتركة وبرج مراقبة واحد.‏

    وتضمن مشروع يعقوبي ربط الأردن بميناء حيفا بواسطة سكة حديد قطار الغور، وإيجاد اتصال بري بين الأردن وميناء أسدود، وتطوير شبكة خطوط حديدية بين "إسرائيل" والدول العربية المجاورة، وتحويل "إسرائيل" في نطاق التعاون الإقليمي إلى جسر بري بين مصر ولبنان.‏

    وتضمن المشروع أيضاً تطويراً إسرائيلياً أردنياً مشتركاً لإيلات والعقبة في المجال السياحي، وبحرية انتقال السيّاح بين إيلات والعقبة(5).‏

    ووضع يعقوب ميريدور، وزير الاقتصاد في حكومة مناحيم بيغن بعد شهر واحد من زيارة السادات للقدس عام 1977، مشروعاً للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وتوطين الفلسطينيين في البلدان العربية.‏

    واشتمل المشروع على تأسيس صندوق مالي قوامه (30) مليار دولار لعشر سنوات من دول النفط العربية وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتستفيد منه فقط الدول التي توقّع على اتفاقات سلام مع "إسرائيل"، بينما تحصل "إسرائيل" على حصّة الأسد من الصندوق.‏

    تبنّت بعض الأوساط الأمريكية مشروع ميريدور، وتقدّم فرانك شريش، عضو مجلس الشيوخ باقتراح إلى مجلس العلاقات الخارجية والأمن في الكونغرس طالب فيه رئيس الولايات المتحدة بلورة مشروع (مارشال جديد للشرق الأوسط) يؤدي إلى تعاون اقتصادي كامل في الشرق الأوسط مع الذين يعقدون اتفاقات سلام مع "إسرائيل".‏

    اقترح شمعون بيرس خلال زيارته للولايات المتحدة في بداية نيسان 1986م اعتماد مشروع مارشال للشرق الأوسط لتأمين الاستقرار في المنطقة حسب التخطيط والمصالح الـ"إسرائيل"ية على غرار مشروع مارشال لأوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لدمج "إسرائيل" في المنطقة، والهيمنة عليها.‏

    ويهدف بيرس من جرّاء طرح مشروعه الاستمرار في التسوية التي بدأت في كامب ديفيد بحيث ترتكز على أرضية اقتصادية لحل أزمات "إسرائيل" الاقتصادية وتحقيق الازدهار فيها وخلق مصالح مشتركة مع بعض الأوساط العربية لخدمة المخططات الإسرائيلية، ووعدت الولايات المتحدة بدراسة مقترحات بيرس بعناية مع حلفائها.‏

    وقال بيرس قبل مغادرته الولايات المتحدة أنه "يعتقد بأن القضايا الاقتصادية ستصبح القضايا الرئيسية في الشرق الأوسط، وإذا لم تعالج مثل هذه المشاكل فإننا يجب أن نتوقع عدم الاستقرار وأن يواجه الشرق الأوسط أعظم المشكلات في تاريخه"(6).‏

    وطرح يائير هير شفيلد، رئيس الوفد الإسرائيلي في اجتماع بروكسل في أيار 1992، لمجموعة عمل التعاون الاقتصادي الإقليمي في المفاوضات المتعددة الأطراف مخطط حزب العمل الـ"إسرائيل"ي للتعاون الاقتصادي الإقليمي.‏

    وشملت المقترحات آنذاك المشاركة في الموارد الطبيعية والبشرية، وتوسيع أسواق المنطقة، وجذب الاستثمارات من الدول الأجنبية ومن دول النفط العربية ومؤسسات التمويل الدولية، وإقامة صندوق إقليمي للتنمية في الشرق الأوسط.‏

    وأجمَلَ شمعون بيرس موقفه حول التعاون في الشرق الأوسط في المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط وأمام مثقفين مصريين خلال الزيارة التي قام بها إلى القاهرة في تشرين الثاني في 1992 بالعبارات التالية:‏

    "لا ينبغي أن ننظر إلى المفاوضات السياسية بالتركيز في النظر إلى الماضي، يجب أن نضع نهاية للنزاع العربي الإسرائيلي وأن نبني شرق أوسط جديداً... يجب أن يكون الشرق الأوسط منطقة مفتوحة من ناحية اقتصادية لكل الشعوب التي تقطن فيه... يمكن أن تنشأ كونفدرالية أردنية ـ فلسطينية، أو كونفدرالية "إسرائيل"ية ـ أردنية ـ فلسطينية، أو حلف بصيغة بنيلوكس"(7).‏

    ويشير الكاتب الإسرائيلي أودد بتون إلى فشل الصليبيين في المنطقة ويطرح درساً على "إسرائيل" للاستفادة من هذا الفشل لتجنّب المصير الذي حلّ بالصليبيين، ويتلخص الدرس في ضرورة السيطرة الإسرائيلية على المقدرات الاقتصادية العربية.‏

    ويتطرّق إلى الموارد النفطية الهائلة في المنطقة وعدم قدرة أصحابها على حمايتها ويقول: "إن هذا الوضع العربي يخلق فرصاً جيدة للسيطرة الإسرائيلية على المنطقة... تعويض "إسرائيل" ما فات عليها من فرص بسبب النظرات السياسية الضيقة والآراء اليهودية المتطرفة، وليس أمامها من مفر غير السيطرة على الموارد العربية إذا ما أرادت الاستمرار في الوجود"(8)، ويتوقع الخبير الإسرائيلي موشيه ماندلباوم أن تصبح "إسرائيل" في ظل السلام مركزاً للأموال العربية والتأمين في الشرق الأوسط، ويقول: "وبما أن "إسرائيل" تتمتع بأفضل الاتصالات في الشرق الأوسط، فمن الممكن جداً أنه مع حلول السلام أن تتحول أموال النفط العربية إلى أسواق "إسرائيل" المالية، أما بالنسبة للتأمين "فإسرائيل" تتمتع بمكان عظيم للحصول على القسم الأكبر من السوق العربية"(9).‏

    ويقول الجنرال أمنون شاهاك، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية ورئيس الأركان الأسبق في مقال له بعنوان "إسرائيل" والشرق الأوسط في عام 2000"، نشر في عام 1987 ما يلي:‏

    "ينبغي أن تسعى "إسرائيل"، خلال السنوات القليلة المقبلة لترسيخ مفهوم انتمائها إلى الواقع الشرق أوسطي". ويقول الجنرال الوف هارايفن حول اندماج "إسرائيل" في المنطقة: "إذا لم تستطع "إسرائيل" الاندماج في عالم الغد فإن المشكوك فيه أن يكتب لها البقاء فترة طويلة"(10).‏

    إن "الشرق أوسطية" مصطلح صهيوني ـ استعماري ـ أوروبي النشأة والأصل، ولخدمة الأهداف الصهيونية والإمبريالية. جاء من أوروبا، فهو خارجي وغريب عن المنطقة، ولا ينسجم مع واقعها الجغرافي وخصائصها البشرية بل يخدم مصالح القوى التي ابتكرته. وهو يمزق وحدة الوطن العربي الجغرافية والبشرية، وبالتالي يعرقل الوحدة العربية ويقضي على إمكانية تبلور النظام العربي ويطرح بديلاً عنه النظام الشرق أوسطي.‏

    وهو يستثني بعض الدول العربية ويخرجها من النظام المطروح ويضم إليه بعض دول الجوار غير العربية كالحبشة وقبرص والباكستان وأفغانستان.‏

    ويرمي إلى دمج الكيان الصهيوني في المنطقة كمقدمة لتوليه القيادة وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة، لتجزئة الوطن وإضعاف الأمة وإعادة تشكيلها من شعوب وقوميات وأديان وحضارات مختلفة لخدمة مصالح الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية ولتسهيل السيطرة على الأرض والثروات العربية والتحكّم بصياغة حاضرها ومستقبلها.‏

    الفصل الثالث: التعاون الإقليمي في مجالي المياه والسياحة‏

    تنطلق التصورات الإسرائيلية للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط من أن "إسرائيل" المركز والقائد للنظام الإقليمي والمستفيد الأوّل منه، وذلك لكي تُحكم سيطرتها على مسارات التطور الاقتصادي والسياسي والأمني فيه. وبالتالي تحقق الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي عن المساعدات الأمريكية والألمانية، ممَّا يساعدها في المستقبل على فرض الهيمنة الصهيونية على العالم.‏

    إن النظام الإقليمي المطروح، الذي تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة دول الاتحاد الأوروبي على فرضه وتسويقه يتضمن إجراء تغييرات جيوسياسية، بما يخدم تحقيقه وبعبارة أدق كما يُعلن الرئيس الأمريكي بوش إعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة العربية وتعيين كرزايات أكثر تبعية من السابقين، وتخليد الوجود العسكري الأمريكي في العراق والخليج لنهب ثرواته والحيلولة دون مساهمته في دعم النظام العربي.‏

    فمن الممكن فصل العراق عن المشرق العربي ودمجه في إطار منطقة الخليج وبعض دول الجوار وربما بعض الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. كما يمكن أن تقوم الإمبريالية الأمريكية بفصل السودان والصومال عن الوطن العربي وإقامة نظام إقليمي مع بعض دول الجوار الأفريقي، كما يمكن عزل موريتانيا عن المغرب العربي وإدخالها في تحالف مع دول الجوار كالسنغال. وفي حال نجاح رسم خريطة جديدة للمنطقة التي يتحدّث عنها بوش والجنرال كولن باول وخطط ويخطط لها الصهاينة، فإن ذلك سيقود حتماً إلى تجزئة الكيانات الجغرافية والبشرية والسياسية والاقتصادية في الوطن العربي.‏

    وتركز الصهيونية والكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية على نسيان الماضي، وطمس ذاكرة أمتنا التاريخية، وتغيير المناهج الدراسية وكتب الجغرافيا والتاريخ لكي تضع ركائز النظام الإقليمي المطروح.‏

    وتجري حالياً بعد الحرب الأمريكية العدوانية على العراق وتدمير جيشه ومنجزاته وتواجد القوات الأمريكية في العديد من البلدان العربية رسم الخريطة الجديدة للوطن العربي على حساب وحدته وسيادته وثرواته لفرض هيمنة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية عليه بمساعدة دول الاتحاد الأوروبي.‏

    وتخدم الاتفاقيات التي وقعتها وسوف توقعها القيادات العربية والفلسطينية مع العدو الصهيوني ومعاهدة وادي عربة واحتلال العراق، إلى وضع النواة لإقامة إطار جديد أو خارطة جديدة. فاتفاقيات الإذعان هي العمود الفقري لإقامة النظام الجديد.‏

    ركز الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على التعاون الإقليمي الاقتصادي كإجراء مسبق لدفع عملية التسوية وليس نتيجة من نتائجها، أي أن العدو الإسرائيلي يريد الأرض والأمن والسلام والتعاون الاقتصادي. ودعمته الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي وأخذوا يربطون التقدم على مسارات التسوية في إطار التعاون الاقتصادي الإقليمي، كخطوة أولية لاندماج الاقتصاد الإقليمي في الاقتصاد العالمي.‏

    وتولي دول الاتحاد الأوروبي اهتماماً كبيراً بالشرق أوسطية والمتوسطية لمجموعة من العوامل يأتي في مقدمتها أهمية النفط العربي والمنطقة اقتصادياً لأوروبا، ولأن التنمية والاستقرار في المنطقة تقود إلى التخفيف من الهجرة من المنطقة إلى البلدان الأوروبية.‏

    أما فيما يتعلق بالسوق الشرق أوسطية فتجري المحاولات لجعل "إسرائيل" المركز والقائد لها، أي قيادتها للمركز الإقليمي المرتبط مع المركز العالمي في وول ستريت بالولايات المتحدة. وتكون "إسرائيل" أيضاً القاسم المشترك بين الشرق أوسطية والمتوسطية المرتبطة بالمركز الأوروبي. وستكون "إسرائيل" بوابة الاستيراد والتصدير للمنطقة. وبالتالي تتوجه الفوائد والأرباح إلى الاقتصاد الـ"إسرائيل"ي وإلى الشركات الأمريكية والأوروبية على حساب الوطن والمواطن والأمة.‏

    التعاون في مجال المياه‏

    تلعب المياه دوراً مهماً في النظام الإقليمي المطروح، نظراً لأن المصادر الحالية لا تفي بالاحتياجات في المستقبل القريب، ممَّا يزيد من إمكانية انفجار النزاعات حول مصادر المياه في المنطقة وتلعب الهجرة اليهودية المستمرة وسرقة العدو الإسرائيلي للمياه الفلسطينية واللبنانية والسورية والتكاثر السكاني وشحّ المياه، دوراً في تأزيم مشكلة المياه في المنطقة.‏

    حوّلت "إسرائيل"مجرى نهر الأردن، وتسرق كميات كبيرة من النهر. وتسرق المياه الجوفية في الضفة الغربية وجنوب لبنان والجولان. واستولت على مياه منطقة الباقورة الأردنية بموافقة أردنية. وبالتالي فإن سرقة "إسرائيل" للمياه العربية ستكون من أحد العوامل لاستمرار النزاع معها في المستقبل. يضاف إلى ذلك أن بعض دول الإقليم يستخدم ورقة المياه في الأنهر الدولية كوسيلة من وسائل الضغط للحصول على مكانة مرموقة في النظام الإقليمي المطروح.‏

    وأدّت الأطماع الصهيونية التاريخية في مياه الجولان إلى قيام بريطانيا وفرنسا انتزاع بعض الأراضي والقرى اللبنانية والسورية وضمّها إلى فلسطين في اتفاقية عام 1923 التي وقّعتها بريطانيا وفرنسا. وكان بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني يُطلق على جبل الشيخ أبو المياه لفلسطين.‏

    وضغطت الحركة الصهيونية على بريطانيا لتعديل حدود سورية ولبنان وفلسطين التي أقرها مؤتمر الحلفاء في سان ريمو في نيسان 1920 وهي: الجليل الأعلى، مرتفعات الجرمق، والمنخفض المائي الذي يضم قسماً من مياه سورية ولبنان.‏

    طرحت تركيا و"إسرائيل" مشروع أنابيب السلام لترسيخ النظام الإقليمي المقترح وإعطاء تركيا دوراً مهماً فيه، وطرح تورجوت أوزال، رئيس وزراء تركيا الأسبق عام 1987، برميل ماء مقابل برميل نفط. ويعتمد مشروع أنابيب السلام على مياه نهري جيحون وسيحون ونقل الفائض من مياههما عن الاستهلاك الداخلي عبر خطين من الأنابيب: الأول: الخط الغربي: يتجه إلى سورية والأردن و"إسرائيل" والمنطقة الغربية من السعودية. والخط الثاني: "الشرقي" خط أنابيب الخليج ومركزه سورية ويتوزع إلى الكويت والمنطقة الشرقية من السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية وعمان. وتزيد الكلفة الإجمالية للخطين عن عشرين مليار دولار. ولكن المشروع تأجل بسبب رفض الأطراف العربية بحث التعاون الإقليمي المائي قبل الانسحاب الإسرائيلي الشامل من جميع الأراضي العربية المحتلة.‏

    التعاون في مجال السياحة‏

    تولي "إسرائيل" السياحة في النظام الإقليمي المطروح أهمية خاصة، نظراً للأموال الهائلة التي يمكن أن تجنيها من جراء علاقات السياحة بينها وبين العرب.‏

    وتلعب السياحة دوراً هاماً في العلاقات بينها وبين دول المنطقة للأسباب التالية:‏

    ـ وجود الأماكن المقدسة والمسجد الأقصى في القدس وبيت لحم والناصرة وطبرية، ممَّا يشجع على الحج وعلى السياحة الدينية.‏

    ـ وجود معالم سياحية جذابة على سواحل البحر الأبيض المتوسط والأحمر والميت وبحيرة طبرية.‏

    ـ وجود سياحة صيفية وشتوية بسبب المناخ والتضاريس والتركيز على السياحة الطبية.‏

    ـ توافر المنشآت السياحية ومحلات اللهو والترفيه.‏

    وتتضمن المخططات الإسرائيلية للسياحة بناء الفنادق والمعالم السياحية على الحدود مع الدول العربية وإنشاء مشاريع سياحية مشتركة، كالمشروع المسمى "ريفيرا البحر الأحمر" الذي يربط بين ساحل إيلات والعقبة وطابا من جزيرة المرجان عبر طابا، وساحل المرجان في إيلات وصولاً إلى العقبة وحتى السعودية. ويتطلب المشروع التعاون الإقليمي بين "إسرائيل" والأردن ومصر والسعودية. ويتوقع المخططون الإسرائيليون الحصول على أموال ضخمة من جرَّاء استقبال السياح العرب وتصدير الخدمات السياحية إلى البلدان العربية.‏

    وتقود السياحة إلى علاقات قوية بين دول المنطقة وشعوبها وكسر الحواجز النفسية المزمنة نتيجة للصراع العربي الصهيوني واغتصاب فلسطين العربية.‏

    وتساهم السياحة في رفع مستوى الحياة وتزيد من عجلة التطور.‏

    وحاول العدو الصهيوني بدعم من الولايات المتحدة وأوروبا إلغاء المقاطعة العربية والهرولة في التطبيع قبل التوصل إلى التسوية. إلا أن الجامعة العربية رفضت الانصياع للمطلب الأمريكي والأوروبي باعتبار أن المقاطعة وسيلة مشروعة تلجأ إليها الدول في علاقاتها الدولية لتحقيق أهدافها ومنها أمريكا.‏

    وأعلنت الجامعة العربية ضرورة ربط تحقيق السلام العادل والشامل بإلغاء المقاطعة. ولكن دول مجلس التعاون الخليجي استجابت للمساعي الأمريكية وألغت المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة بعد اجتماع وزراء خارجيته مع وزير الخارجية الأمريكي وارن كرستوفر في الأول من تشرين الأول 1994.‏

    ويمكن القول أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط يقود إلى سيطرة "إسرائيل" الاقتصادية والعسكرية والسياسية على المنطقة في غياب استراتيجية عربية واحدة وقوية وقادرة على مواجهة الأخطار التي تمكّن من رسم الخارطة الجديدة للوطن العربي في ظل الأوضاع العربية والإقليمية الدولية الراهنة.‏

    الفصل الرابع: المساعي الأمريكية لإقامة النظام الشرق أوسطي‏

    ظهرت إبان الحرب العالمية الثانية أهمية ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط الجيواستراتيجية والنفطية سواء في الحرب أم في السلم، لذلك أخذت الدول الاستعمارية الثلاث بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بالتعاون مع الصهيونية العالمية وبعض المسؤولين العرب لإخراج النظام الإقليمي الشرق أوسطي إلى حيِّز الوجود.‏

    وقامت الولايات المتحدة بالدور الأساسي لإرساء معالمه، بالتنسيق والتعاون الكاملين مع بريطانيا وفرنسا. وشرعوا بمساعدة وتقوية الكيان الصهيوني عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. فوسّعت الولايات المتحدة مبدأ ترومان عام 1949 ليشمل بموجب النقطة الرابعة فيه تقديم المساعدات الزراعية والمادية إلى بعض دول المنطقة.‏

    واشتركت في توقيع البيان الثلاثي في 25 أيار 1950 الذي يتضمن تعهد الدول الاستعمارية الثلاث المحافظة على أمن الكيان الصهيوني وإقامة العلاقات بينه وبين بعض الدول العربية، ومنع الدول العربية من الحصول على السلاح للدفاع عن بلدانهم.‏

    وحاولت الإدارة الأمريكية أن تقيم قيادة رباعية لمنطقة الشرق الأوسط من فرنسا وبريطانيا وتركيا ومصر.‏

    وحاولت بعد قيام ثورة 23 تموز في مصر إقامة "الحلف الإسلامي" على أساس ديني من بعض الدول العربية وبعض دول الجوار المسلمة. وسعى ألن دالاس وزير الخارجية الأمريكية في زيارته للمنطقة عام 1953 احتواء الثورة المصرية عن طريق المساعدات الاقتصادية وربط تمويل السد العالي في مصر بإقامة علاقات مع الكيان الصهيوني وقطع العلاقات مع الاتحاد السوفييتي.‏

    وعلى أثر تأميم مصر لشركة قناة السويس أشعلت "إسرائيل" حرب السويس العدوانية بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا عام 1956. وأعلن الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور ما عرف بمبدأ إيزنهاور أي نظرية الفراغ عام 1957 للحلول محل بريطانيا وفرنسا وتضمن:‏

    ـ استعداد الولايات المتحدة للتدخل العسكري المباشر لدعم دول المنطقة ضد الخطر الشيوعي (المزعوم).‏

    ـ تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية وسياسية للدول التي توافق عليه.‏

    وأنزلت قواتها في لبنان، بينما أنزلت بريطانيا قواتها في الأردن عام 1958. ووسع الرئيس إزينهاور نظرية الفراغ رداً على الوحدة بين سورية ومصر.‏

    ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية بإخراج مصر من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني بتوقيع أنور السادات لاتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية. وهكذا تكون إدارة الرئيس كارتر التي أجبرت السادات وأغرته على توقيع الاتفاقيات قد حققت الحلم الذي راود بن غوريون والقادة الصهاينة بإخراج مصر من حظيرة الصراع، للاستفراد بالأطراف العربية الواحد تلو الآخر. وسكتت عن احتلال العدو للشريط الحدودي في جنوبي لبنان وإقامة دويلة العميل سعد حداد عام 1978، والتي قضت عليها المقاومة اللبنانية في أيار 2000 وحرّرت جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي البغيض.‏

    وضعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بعد توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد مخططاً للشرق الأوسط تحت عنوان: "التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط" وكانت الوكالة الأمريكية قد كلّفت ثماني عشرة مؤسسة أمريكية حكومية وغير حكومية لوضع هذا المخطط، وتمخض عن التقرير الذي أعلنته الوكالة الأفكار التالية:‏

    ـ سيكون الدور الأمريكي حاسماً في مجال التعاون الإقليمي، وعلى الولايات المتحدة أن تلعب دور الوسيط.‏

    ـ تقوم فكرة التعاون الإقليمي على أساس شرق أوسطي وليس على أساس عربي.‏

    ـ إيجاد مؤسسات جديدة تتجاوز الجامعة العربية، لكي تسمح باستيعاب "إسرائيل" وانخراطها في النظام الإقليمي الجديد.‏

    ـ إعطاء أهمية لدور الأكاديميين ورجال الأعمال في بداية التعاون الإقليمي وتطويره.‏

    ويعالج المخطط الأمريكي آفاق التعاون بين "إسرائيل" ومصر وسورية والأردن ولبنان والسعودية والضفة الغربية وقطاع غزة، ويتطرّق إلى الموارد المشتركة مثل نهر الأردن، والبحر الميت وخليج العقبة، وإلى مشكلة الصحاري والزراعة والتعاون العلمي والتكنولوجي(11).‏

    ويوصي التقرير الأمريكي في مجال النقل بربط خطوط المواصلات بشكل يعمل على تعزيز التجارة والسياحة، والبحث عن المياه الجوفية في سيناء، وبيع مياه النيل "لإسرائيل" وتحلية مياه البحر.‏

    ويطالب التقرير بإقامة مشروعات صناعية مشتركة بين "إسرائيل، وجيرانها، ويؤكد على الدور الذي يجب أن تلعبه الولايات المتحدة في المرحلة الأولى من البدء في تنفيذه.‏

    تُولي الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كبيراً للمنطقة العربية لخدمة مصالحها الاقتصادية والهيمنة على النفط العربي والمحافظة على تفوّق "إسرائيل" على جميع البلدان العربية، لذا اقترح البروفيسور الأمريكي روبرت تاكر أنه "لمنع أمريكا من أن تنزف حتى الموت من جرّاء نفط الشرق الأوسط عليها فرض السيطرة الأمريكية الفعلية على المنطقة الممتدّة من الكويت نزولاً على طول الإقليم الساحلي للمملكة العربية السعودية حتى قطر(12).‏

    ودعا الجنرال الكسندر هيج، وزير الخارجية الأمريكي خلال زيارته لعدّة بلدان شرق أوسطية في نيسان 1981، إلى إنشاء حزام أمني في المنطقة يضمّ عدداً من الدول من باكستان إلى مصر، ويستوعب السعودية و"إسرائيل"، وتحدّث هيج عن مخططه للشرق الأوسط أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحاجة إلى جمع تركيا وباكستان و"إسرائيل" وعدد من الدول العربية في حلف مشترك(13).‏

    وتعمل الولايات المتحدة لخدمة مصالحها في المنطقة على:‏

    ـ تأمين السيطرة الأمريكية على منابع النفط وممرّاته وأمواله عن طريق القواعد العسكرية الدائمة.‏

    ـ المحافظة على تفوّق "إسرائيل" العسكري على جميع البلدان العربية.‏

    ـ نزع السلاح غير التقليدي من أيدي العرب والحد من التسلح للدول العربية غير الخليجية.‏

    ـ التوصل إلى تسوية للصراع العربي ـ الـ"إسرائيل"ي.‏

    ـ إلغاء المقاطعة العربية.‏

    ـ بيع كميات كبيرة من الأسلحة للدول العربية في الخليج لتحسين وضع الاقتصاد الأمريكية.‏

    ـ توسيع تواجدها العسكري في المنطقة.‏

    ـ إقامة النظام الإقليمي والسوق الشرق أوسطية.‏

    وأكد المحلّل الأمريكي أنطون لويس "أن السلام هو الفرصة لبناء "إسرائيل" أكثر أمناً وازدهاراً، وهذا هو جوهر الموقف الأمريكي إنقاذ "إسرائيل" رغم أنفها.‏

    لقد خلقت أزمة الكويت في آب 1990 نزاعاً عربياً ـ عربياً على حساب صراع المصير والوجود مع العدو الصهيوني،. وأدّت حرب تحرير الكويت إلى تعزيز وترسيخ وتعاظم الوجود العسكري الأمريكي الدائم في الكويت وقطر والبحرين، وزادت من تأثير السياسة الأمريكية في دول الخليج والاعتماد على الولايات المتحدة للمحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة وشملت نتائجها السلبية الجامعة العربية وغياب دورها الفاعل وانتعش نمو وتطوّر التعاون الإقليمي مع الكيان الصهيوني.‏

    أخذت المخططات الإسرائيلية والأمريكية تتحقّق بعد حرب الخليج الثانية ونتائجها المدمّرة على النظام العربي بانعقاد مؤتمر مدريد 30/10/1991 وبدء المفاوضات الثنائية والمتعدّدة الأطراف.‏

    وقام التصوّر الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط في الكلمة التي ألقاها الرئيس بوش الأب في افتتاح مؤتمر مدريد على تبني الأفكار الإسرائيلية حيث قال عن السلام ما يلي: "فهو ليس إنهاء حالة الحرب في الشرق الأوسط فحسب وإبدالها بحالة عدم اعتداء، إن هذا ليس كافياً ولن يدوم لكننا نسعى للسلام الحقيقي: المعاهدات، الأمن، العلاقات الديبلوماسية، العلاقات الاقتصادية، التجارة، الاستثمار، التبادل الثقافي وحتى السياحة(14).‏

    وضعت مجموعة الدراسات الاستراتيجية في معهد واشنطن للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقريراً تحت عنوان "مواصلة البحث عن السلام" جاء فيه: "نهاية الحرب الباردة أوجدت فرصة واحدة للسير في اتجاه إقامة تسوية سلمية شاملة بين العرب و"إسرائيل" والمصالح الأمريكية لا تزال مرتبطة بشكل حيوي بتلك المنطقة المضطربة، والاتفاقات العربية ـ الإسرائيلية، يمكن أن تساعد على حماية تلك المصالح وتوسيعها، بجمع "إسرائيل" وجيرانها العرب والدول العربية في الخليج والمغرب لمناقشة المسائل الإقليمية، وتقدّم المفاوضات المتعدّدة الأطراف فرصة لتطوير الرؤية العامة للسلام وخلق ثقة ملموسة ببناء الإجراءات لتوفير الأمن.."(15).‏

    ويعتقد عدد من الخبراء الأمريكيين أن بعض البلدان العربية تحاول إقامة نوع من العلاقة بينها وبين "إسرائيل" حيث قال الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط، روبرت ستفالو "إن بعض الدول العربية تريد في هذه المرحلة إدخال "إسرائيل" كلاعب رئيسي مباشر، وعلى المكشوف في لعبة توازن القوى والخلافات فيما بينها، وإن ما نراه ليس سوى مقدمة لموجة سيشهدها الشرق الأوسط الجديد تتمثل في قيام الدول العربية ببناء تحالفات بمستويات مختلفة بينها وبين "إسرائيل" تستخدمها هذه الدول لمساعدتها في صراعاتها وخلافاتها التقليدية والمعاصرة بين بعضها وبعضها الآخر(16). ويرجع روبرت ستفالو هذه الظاهرة الجديدة إلى حقيقتين:‏

    الأولى: أن "إسرائيل" هي القوة العسكرية المهينة في المنطقة والقادرة على ترجيح ميزان قوى بين دولة عربية ضد أخرى.‏

    الثانية: أن الكثير من الدول العربية تدرك أن مفتاحها إلى واشنطن موجود في أحيان كثيرة في "إسرائيل"، وبالتالي على تلك الدول أن تحسن علاقاتها مع "إسرائيل" ما أمكن لتضمن علاقة سلسة مع واشنطن، القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم(17).‏

    ووضع البروفيسور الأمريكي برنارد لويس مخططاً للشرق الأوسط نشرته مجلة "فورين افيرز" الأمريكية في خريف 1992 تحت عنوان "إعادة النظر في الشرق الأوسط"، انطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية والمتعلّق بالوحدة وبدولة عربية موحدة أو حتى بكتلة سياسية متماسكة. ورسم شرق أوسط جديد تصل حدوده الجغرافية إلى الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثاً، ويقول باحتمال إلغاء دور العرب في التاريخ الجديد للمنطقة لمصلحة قوى إقليمية أخرى وفي طليعتها "إسرائيل" وتركيا.‏

    إن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تتماشى جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تعتبر الدولتان أن المنطقة مجال حيوي للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وتعملان معاً على تصفية قضية فلسطين على حساب الحقوق الوطنية والقومية والدينية للعرب والمسلمين فيها، وإخضاع الوطن العربي للهيمنتين الأمريكية والإسرائيلية.‏

    وقاد اعتماد الاستراتيجيتين على القوة العسكرية إلى حروب "إسرائيل" العدوانية والتوسعية واستغلال نتائج الحروب العدوانية، وحرب الخليج الثانية للتحرّك نحو التسوية بالشروط الإسرائيلية والرعاية الأمريكية لإجبار العرب على القبول بالأساطير والخرافات والمزاعم والأكاذيب الصهيونية.‏

    وتبنّت الولايات المتحدة الموقف الإسرائيلي من النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية والبدء في التعاون الإقليمي قبل التوصّل إلى تسوية سياسية وحتى عدم ربط ذلك بالتقدّم في المفاوضات الثنائية، وصدر في حزيران 1993 تقرير مجموعة هارفارد الإسرائيلية ـ الفلسطينية ـ الأردنية تحت عنوان: "ضمان السلام في الشرق الأوسط، مشروع حول اقتصاد الفترة الانتقالية.‏

    وينطلق التقرير من التركيز على العلاقات الاقتصادية بين سلطة الحكم الذاتي (المفترضة) وبين "إسرائيل" والأردن، وإقامة منطقة حرّة بين الأطراف، ومشروعات إقليمية لدمج الاقتصادات الثلاثة.‏

    ويتضمن التقرير انضمام مصر وسورية ولبنان إلى منطقة التجارة الحرّة، وأجمع على نقطتين هما:‏

    الأولى: حرية انتقال السلع والتبادل الحر.‏

    والثانية: هيمنة اقتصاد السوق على اقتصادات الأطراف الثلاثة.‏

    ويأخذ التقرير مصالح "إسرائيل" بعين الاعتبار، ويدعو إلى إنشاء بنك إقليمي باسم "بنك الشرق الأوسط للتعاون والتنمية".‏

    وقد تبنّى الرئيس الأمريكي بوش الأب في خطبته الافتتاحية في مؤتمر مدريد المخطط "الإسرائيلي" للتسوية والمفهوم "الإسرائيلي" للسلام. وأجبرت الولايات المتحدة الدول العربية على الدخول، في المفاوضات المتعدّدة الأطراف وعقد القمم والمؤتمرات الاقتصادية وإلغاء المقاطعة العربية من الدرجتين الثانية والثالثة. فالولايات المتحدة واليهودية العالمية تعملان على دمج المنطقة العربية في الكيان الصهيوني، وليس دمج الكيان الصهيوني بالمنطقة العربية لتثبيته ككيان استيطاني كولونيالي، وعنصري على حساب الأرض والحقوق الوطنية، والقومية والدينية للعرب والمسلمين، وجعله المركز والقائد المهيمن على المنطقة، لنهب مواردها وثرواتها، والمحافظة على تجزئتها وتخلّفها واستمرار تبعيتها للإمبريالية والصهيونية، فالشرق أوسطية ليست مدخلاً للسلام والاستقرار والازدهار والبحبوحة الاقتصادية وإنما تكريس للاغتصاب والاستيطان، يفرضها القوي المنتصر على المهزوم بتسويق أمريكي، وتهديدات "إسرائيلية" بشن الحرب على سورية ولبنان واعتداءات مستمرة على الشعبين الفلسطيني واللبناني.‏

    تبنّت الولايات المتحدة المخططات والمشاريع الإسرائيلية لمستقبل المنطقة العربية ودمجتها في استراتيجيتها الكونية، وعملت ولا تزال تعمل على خدمة مصالحها في المنطقة عن طريق "إسرائيل" كأداة عسكرية والمحافظة على تفوقها العسكري، وتأمين السيطرة على منابع النفط وممراته وأسعاره وأمواله، والعمل على التوصل إلى تسوية للصراع العربي ـ الصهيوني، وإقامة النظام الإقليمي الجديد والسوق الشرق أوسطية.‏

    ويمكن القول أنه لا يوجد سياسة أميركية تجاه البلدان العربية وإنما سياسة إسرائيلية تتبناها الولايات المتحدة الأميركية.‏

    (1) إنعام رعد، الصهيونية الشرق أوسطية والخطة المعاكسة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 1997، ص62، نقلاً عن مذكرات هرتسل، ص456.‏

    (2) د. ماجد شدود، النظام الإقليمي الشرق أوسطي، مطبعة اليازجي، دمشق 1996، ص14.‏

    (3) جريدة الأهالي الأردنية في 6/4/1995.‏

    (4) محمد حسنين هيكل، الانفجار، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1990، الملاحق: نص رسالة بن غوريون إلى الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور في 24/7/1958.‏

    (5) مشروع جاد يعقوبي للتعاون الإقليمي في يديعوت أحرونوت بتاريخ 22/12/1977.‏

    (6) جريدة الثورة الدمشقية، العدد/ 7066/ ف 27/4/1986.‏

    (7) السفير في 9/12/1992، نقلاً عن دافار في 20/11/1992. من الكلمة التي ألقاها بيرس أمام المعهد القومي لدراسات الشرق الأوسط في القاهرة.‏

    (8) عوديت بنون، خطة "إسرائيل" في الثمانينات، نقلاً عن مجلة الثقافة العالمية، العدد 7 تشرين الثاني 1992، ص12.‏

    (9) موشي مندلباوم في هاكسوفيه بتاريخ 22/6/1986.‏

    (10) "إسرائيل" عام 2000، تصورات "إسرائيل"ية، دار الجليل، عمان 1986، ص97.‏

    (11) د. غازي حسين، النظام الإقليمي والسوق الشرق أوسطية، دمشق 1994، ص36 ـ 38.‏

    (12) المصدر السابق ص390 ـ 40، نقلاً عن جريدة الراية القطرية في 28/1/1991.‏

    (13) القبس الكويتية في 23/1/1985.‏

    (14) كلمة الرئيس بوش في افتتاح مؤتمر مدريد، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 8/1991 ص186.‏

    (15) مجلة الحرية، العدد 482 في 20/12/1992، ص 8 ـ 11.‏

    (16) مجلة الوطن العربي، العدد 872 في 19/11/1993، ص29.‏

    (17) مجلة الشراع اللبنانية، العدد 575 في 2/5/1993، ص40
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  4. #4

    افتراضي



    رفيقة الألم..

    انا هنا..أقرأ..واتألم
    انا هنا..أآمن اكثر ..بحقيقة كنتِ ذكرتيها
    بحوار مكتوب دار بيننا قبل يوم امس.. وهنا انشر جزء منه

    :

    مخططات أمريكا في تقسيم المنطقة .. ووضع عملاء لها أكثر افادة لها ..يسلبون حقنا وثرواتنا
    ولن يلقوا لنا إلا أقل الفتات ..
    وفوق ذلك .. سيطمسون منا ايماننا ... هويتنا
    غير أن الله ..يرد كيدهم في نحرهم بإذن الله ..
    ولن يحقق لهم ما يريدون ..


    :

    نعم أخيتي..هذا هو ما تكشفة السطور
    وما تنبئ به مجريات الاحداث المفجعة.. في لبنان والعراق
    وخاصة ماتعرضت له الاخيرة ..يوم امس قرب ضريح الامام علي (ع)
    من تفجير انتحاري .. ادى لاستشهاد خمسة وثلاثون ..
    ناهيكِ عن عشرات الجرحى ..
    لكن ..وكما تفضلتِ..سيرد الله كيدهم في نحرهم
    بفضله اولا..وبفضل صبر المؤمنين على البلاء
    وصمود المقاومة الشريفة اينما وجدت
    في لبنان او في فلسطين او في العراق

    فهم الغالبون بإذن الله ..

    :

    اطيب التحايا


    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  5. #5
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي



    سالم & روعة

    شكراً لكما هذا التواجد ..
    هذا الوعي ..

    وشكراً لاضافة سالم في باب الشرق الأوسط الجديد
    كما يريدونه هم ..
    لكن إرادة الحق والشرفاء أقوى من جبروتهم ..

    روعة الحبيبة ..
    إن الله منجز وعده ..
    وهذا ما سيكون ..
    فالله تعالى ناصر من ينصره ..
    و إن نهايتهم لقائمة ..إذ اجتمعوا بمكان واحد ..

    بالصبر و بإرادة الأحرار ..
    سيكون النصر حليفهم .. بإذن الله


    أرق التحايا

    أحاول فهم هذا العالم

  6. #6
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,298

    افتراضي


    و أهلاً بشجن العزيزة ..

    لا بأس عزيزتي
    من جمال تكرار الموضوع .. ترسيخ الفكرة
    وانفتاح العقول [S]6[/S]


    العرب مو نايمين عزيزتي ..
    يكفي المقاومة والشعب اللبناني ... انهم دمروا أحلام بوش
    وبيريز وشارون واولمرت و و


    وخلوهم يروحوا يقشروا بصل


    أحاول فهم هذا العالم

  7. #7
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    المشاركات
    837

    افتراضي

    عفوا عقيلة ...
    أنزلت موضوعا يحمل نفس فكرة موضوعك دون أن أنتبه للأمر [S]3[/S]
    - يظهر السفر آثّر علي [S]7[/S]

    حبذا لو يتم دمج الموضوعين معا -

    تحياتي

  8. #8
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    المشاركات
    837

    افتراضي

    بغطاء اقتصادي يجري تسويق مشروع سياسي خطير ( الشرخ الأوسط الكبير )
    و من البوابة الإسرائيلية.

    مؤتمرات عدة عقدت من أجل ذلك في الدار البيضاء وعمان والقاهرة وقطر،
    وجاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية لتساهم في اغلاق تلك البوابة ولتدخل المشروع
    في طور الكمون، الى أن عاد بثوب جديد بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001
    التي أعطت مزيداً من الذرائع للإدارة الأميركية بقيادة تيار المحافظين الجدد لإعادة انتاج
    المشروع في إطار استراتيجية عدوانية للهيمنة على المنطقة الممتدة من موريتانيا إلى أفغانستان .

    أمريكا وحليفتها عدوتنا اسرائيل ألبسوا المشروع ثوبا جديدا بعد الحرب العدوانية التي قادوها
    ضد افغانستان والعراق ، وما تبعها من احتلال العراق ، بهدف التغطية على العدوان .

    عقيلة ، روعة ، سالم
    هل تذكرون ما قاله اللي ما يتسماش بوش ( كم أمقت هذا الغبي وأصاب بالغثيان حين أراه )
    حين احتل العراق .. أن طموحه ليس فقط نشر الديموقراطية في العراق،
    بل تحويله الى نموذج يحتذى في الشرق الأوسط الكبير ..

    والعرب ماذا يفعلون ؟
    نائمون بالعسل [S]10[/S] [S]10[/S]
    تحياتي

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك