آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

طريق الياسمين » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: عقيلة >> عملاق استرجاع الملفات بدون منازع Recover My Files 2019 » الكاتب: منجد العزوزي » آخر مشاركة: منجد العزوزي >> صفحة بيضاء » الكاتب: سالم » آخر مشاركة: سالم >> ترانيم المساء ،، تباركها تحايا من عبق الروح » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> مجرد ثرثرة روح » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> أنا ........ ! » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: سالم >> اقتباسات / نصوص .. تشي بنا » الكاتب: منى عجاجي » آخر مشاركة: منى عجاجي >> من الحنايا » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: منى عجاجي >> سطورٌ مِن كِتاب » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: منى عجاجي >> نافذة اغتراب » الكاتب: عقيلة » آخر مشاركة: عقيلة >>
+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: حلب و سيف الدولة الحمداني

  1. #1

    افتراضي حلب و سيف الدولة الحمداني

    حلب... زمن سيف الدولة الحمداني .. عاصمة لبلاد الشام


    الأمير سيف الدولة الحمداني ، غدت حلب في عهده عاصمة لبلاد الشام ،و لكون حلب ، عاصمة للثقافة الإسلامية ، هذا العام ، شعرت بضرورة معرفة بعض الأمور عن تاريخه و تاريخ حلب ، عندما كانت عاصمة لبلاد الشام .
    و اعتقد أننا نجهل الكثير عن تلك الفترة ، و ربما نعرف أن بلاط حلب كان يؤوي الشاعران الكبيران المتنبي و أبو فراس الحمداني ، و قد يعرف عن تاريخ هذا البلاط المختصين ، و لكن عموم الناس يجهلون تاريخه تماماً .
    رغبتي في معرفة تاريخ حلب هذا ، ممثلا بأحداث قيام دولة سيف الدولة فيها ، هي التي دفعتني إلى كتابة هذا البحث المتواضع ، مستعينا بكتب ابن العديم مؤرخ حلب .

    نسب الحمدانيين الى قبيلة تغلب.....

    الحمدانيون ينتسبون إلى قبيلة تغلب، و هو تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
    و يعد تغلب بن وائل ، رأس قبيلة تغلب الشهيرة ، و بطنه من أعظم بطون ربيعة بن نزار، وكان بعضهم من نصارى العرب في الجاهلية ، و كان لوائل ابنين ، هما تغلب وعنزة ، والى عنزة تنتسب عشيرة عرب عنزة الشهيرة .
    و قبيلة تغلب بن وائل ، لم يكن مركزها دائما جزيرة العرب ، خصوصا في عهد الإسلام ، فهم قد تمركزوا في العراق و الشام .
    لم يكن لقبيلة تغلب منزل واحد في السابق ، لأنها كانت كسائر بادية العرب تتنقل من مكان إلى اخر ، تبعاً للكلأ والمرعى .
    فقد عاشوا باليمن بعد أن هزموا ملكها التبع وقتلوه ، وعاشوا في الحجاز ، وعاشوا في نجد ، ثم هاجرت قبيلة تغلب من نجد ، وتوغلت في ديار الموصل ، المسماه ديار ربيعه ، و التي تقع في الجزيرة الفراتية في العراق و سوريا .
    ثم انتقلوا إلى شمال نجد ، إثر مطاردتهم لقبيلة بكر ، في حرب البسوس ، وبعد انتهاء الحرب ، وبعد أن أصبح عمرو بن كلثوم أميراً عليهم ، نزل بعضهم إلى جنوب نجد ، و سموا بالدواسر .
    كما جاء في كتاب ( أصدق الدلائل في أنساب بني وائل) .

    و هذه القبيلة هي التي وقعت بين أفرادها الوقائع التاريخية لحرب البسوس ، التي رواها المسلسل السوري ( الزير سالم ) ، و التي جرت بعض وقائعها قرب حلب ، و على أرض حلبية .
    و لم ينوه ذلك المسلسل إلى هذه الواقعة التاريخية الجغرافية المهمة ، و اعتقدنا نحن المشاهدين ، أنها وقعت في جزيرة العرب .
    و جساس ، قاتل كليب ،كان مقيما قرب جبل الحص ، جنوب حلب ، و لما قتل جساس كليباً، و عندما غشيه الموت ، قال كليب لجساس: أغثني بشربة ماء ، فقال : تجاوزت شبيثاً والحص ، أي تجاوزت في تعاليك الجبلين ، فذهبت مثلاً .كما جاء في كتب ابن العديم مؤرخ حلب .

    و مدينة ديار بكر الواقعة في تركيا حالياً ، هي موطن قبيلة بكر التغلبية ، و بنو جشم بن بكر، أشهر قبائل تغلب، بقوا في ديار ربيعه ، و هم لليوم في العراق و الجزيرة شمال سوريا ، و منهم قبيلة الشرابين و التغلبي في سوريا .

    و من اشهر شعراء التغالبة عمرو بن كلثوم الذي يقول مفاخراً بقبيلته في قصيدته الشهيرة :
    ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا
    مـــلأنا البـر حتى ضـاق عنا وماء البـحر نملأه سفيـنا
    إذا بلـغ الفـطـام لنـا صبـي تخـر له الجبابر ساجدينا

    و لنعد إلى سيف الدولة و لنبدأ في سرد الظروف التاريخية التي مهدت لظهوره :

    حال الدولة العباسية زمن نشوء الدولة الحمدانية

    في فترة انحلال عرى الروابط بين الأمصار الإسلامية ، وضعف الخلفاء العباسيين ، وقيام الثورات الداخلية ، وشيوع الفتن، وكثرة الاضطرابات في قصور الخلفاء ، الذين أصبحوا كالدمى تحركها أيدي الوزراء والقواد.. وأصبحت الخلافة العباسية غير مستقرة ، وأعمار الخلفاء في كفة القدر..

    وغدت إهانة الخلفاء وسمل أعينهم وسجنهم وقتلهم وعزلهم ، أموراً عادية.. وكثيراً ما كان يموت الخليفة ، فيتعذر تعيين خليفة جديد مكانه..

    فقد فقد العباسيون سلطتهم على اغلب اراضي الخلافة العباسية ، فالأندلس، فرّ اليها صقر قريش، الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل، وأسس الخلافة الأموية المزدهرة هناك.
    ثم ما لبث الإدريسيون أن أسسوا دولتهم في المغرب ، واستقلوا عن بغداد، وتبعهم الأغالبة في تونس، الى أن قامت الدولة الفاطمية هناك.
    أما في مصر، فقامت دولة الطولونيين ، ومدت سلطانهاعلى فلسطين وبلاد الشام،ثم تلا سقوطها قيام سلالة أخرى، هي الإخشيدية ، الى أن قضى عليها الفاطميون.

    وكان سلطان الخليفة العباسي معطلاً أو شبه معطل ، منذ أن قوي النفوذ التركي في دار الخلافة، و نتيجة لذلك نشأت وظيفة جديدة ، لم يعرفها الخلفاء العباسيون من قبل ،و هي وظيفة ((أمير الأمراء)) الذي كان يجمع في يديه كل أنواع السلطات من سياسية و عسكرية ، و أحيانا يتمادى في الأمر ، فيصدر سكة النقد باسمه ، و يخطب له على المنابر في أيام الجمعة عند الصلاة.
    في تلك الفترة برزت أسرة حمدان.
    حلب و دولة ابن طولون

    وكان أحمد بن طولون تركي الأصل، ولاه الخليفة العباسي على مصر، ثم ما لبث في أيام الخليفة المعتمد أن أعلن استقلاله عن الخلافة العباسية ، برفضه إرسال خراج مصر الى بغداد.
    وبعد أن استتب له الأمر هناك، عمل على توسيع سلطانه في بلاد الشام. وانتهز فرصة نشوب قتال بين قبيلتي لخم وجذام، فاحتل ولاية الشام الى حدود الجزيرة ، وكلفته الخلافة العباسية بمهام جديدة ، منها حماية الثغور الشامية.
    ولي حلب أحمد بن طولون، مع أنطاكية وطرسوس وغيرها من البلاد ، وكان أحمد ابن طولون شهماً شجاعاً عاقلاً، وكان على مربطه أربعة آلاف حصان، وكانت نفقته في كل يوم ألف دينار.
    فولي سيما الطويل أحد قواد بني العباس ومواليهم حلب والعواصم.
    فابتنى بظاهر مدينة حلب داراً حسنة، وعمل لها بستاناً.
    وهو الذي يعرف الآن ببستان الدار ، ظاهر باب أنطاكية.
    وجدد سيما الطويل ، الجسر الذي على نهر قويق ، قريباً من داره،وركب عليه باباً أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: قصر البنات.
    و يقول ابن الديم : وأظن أن درب البنات بحلب يعرف به، وأظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح ، اسمها بنات وهي أم ولده داود.
    وسمى سيما الباب باب السلامة.
    وكان قاضي حلب في أيامه عبيد الله أبو بكر القاضي العمري.
    في سنة 265 هجري /878 م قتل سيما، بعدما خرج ابن طولون على الخليفة الواثق ، فانضم سيما الى الخليفة ضد ابن طولون فقتله ، وولى حلب بدلا عنه مملوكه لؤلؤ في سنة 266 هجري/879م ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، وعصى عليه في سنة 269هجري /882 م فنزل أحمد بن طولون من مصر في مائة آلف، وهرب لؤلؤ منه وبقي لؤلؤ ببغداد إلى أن قبض عليه الموفق، وقيده في سنة 273هجري /886 م، فوجد له أربعمائة ألف دينار.
    فذكر لؤلؤ الطولوني ، أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ماله وأثاثه.
    ثم إن ابن طولون ولى على حلب ، عبد الله بن الفتح، وصعد إلى مصر مريضاً، فمات سنة 270/ 883 م
    وفاة ابن طولون و خلافته
    وبعد موت ابن طولون ، خلفه ابنه خُمارويه الملقب ابو الجيش ، فأقره الخليفة العباسي( الموفّق ) على مصر سنة272 هجري / 886م.
    واشتهر خمارويه بالبذخ، فزوّج ابنته قطر الندى للخليفة ( المعتضد) و لها قصة طريفة
    فقد قيل: إنه دخل معها مائة هاون ذهب، فى جهازها، وإن المعتضد دخل خزانتها، وفيها من المنائر والأباريق، والطاسات، وغير ذلك من الآنية الذهب.
    فقال: يا أهل مصر، ما أكثر صفركم ( أي نحاسكم ) .
    فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إنما هو ذهب.
    فقال المعتضد لأصحابه: أكرموها بشمع العنبر ، فلم يوجد في خزانة الخليفة سوى أربع شمعات من عنبر، في أربعة أثوار فضة.
    فلما كان وقت العشاء، جاءت إليه ، و أمامها أربعمائة وصيفة، في يد كل واحدة منهن ثور ذهب وفضة، وفيه شمعة عنبر.
    فقال المعتضد لأصحابه: أطفئوا شمعنا ، واسترونا.

    وكانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة ، فجاءت إليه ، يوماً فلم يفعل ما كان يفعله بها.
    فقالت: أعظم الله أجر أمير المؤمنين. ..
    قال: فيمن؟.
    قالت: في عبده خمارويه ( تعني أباها )
    فقال لها: أو قد سمعت بموته؟
    قالت: لا ولكني لما رأيتك قد تركت إكرامي ، علمت أته قد مات أبي...
    وكان خبر موته قتلا بدمشق في سنة 280هجري /893 م قد وصل إلى المعتضد، فكتمه عنها.
    فعاد إلى إكرامه لها، بطرح المخدة في كل الأوقات.

    وبعد مقتل خماوريه في دمشق سنة 281هجري / 895م دبّ الخلاف في أسرته، وعمت الفوضى بلاد الشام ومصر، وانتهزت القبائل الفرصة وتمرّدت على السلطة.

    و بعد خمارويه انغمس الأمراء الطولونيون في لهوهم ، و خلف خمارويه ثلاثة تتابعوا من آل طولون ، لم يزد حكمهم على عشر سنوات ، و لم يكن الأمر متعبا بالنسبة للدولة العباسية ‏.‏‏.‏ فتقدمت جيوشها لاسترداد مصر من خامس الولاة الطولونيين وهو ‏"‏ شيبان ‏"‏ ، الذي كانت الفوضى قد وصلت في عهده قمتها ، وشهدت سنة 292 هجري/904 م دخول هذه الجيوش إلى القاهرة ‏.‏‏.‏ ومن فوق المنبر أعلن إزالة الدولة الطولونية ، التي لم تستطع أن تحكم أكثر من أربعين سنة ‏.‏
    وعادت مصر إلى حظيرة الدولة العباسية ‏.‏‏.‏
    حلب و الاخشيديون :
    ما كادت دولة ابن طولون تموت ، حتى حلت محلها بعد برهة زمنية قصيرة - في مصر - دولة الإخشيديين التي أسسها ‏"‏ محمد بن طغج ‏"‏ المعروف بالإخشيد ، وإنما لقب بالإخشيد لأن ملك فرغانه يتسمى بذلك ( و كانت فرغانة تقع قرب القاهرة) .
    والإخشيديون هم من الأتراك الذين استقدمهم المعتصم ، ثم دخلوا في خدمة الطولونيين أيام خمارويه.
    وكانت بداية الدولة الاخشيدية ، نظيرة للبداية التي انطلقت منها الدولة الطولونية ، فمحمد ابن طغج كان والياً على طبرية، فهزم جمعاً من قبائل لخم وجذام ، تعرضت لقافلة حجاج شامية، فعلا شأنه.
    و وكل إليه من قبل الخلافة العباسية أمر مصر ، لتنظيم أحوالها ‏.‏‏.‏ فنظم أحوالها لنفسه واستقل بالأمر ، واستولى على سورية وفلسطين ، وضم مكة والمدينة إلى دولته .
    ثم ان الإخشيد سير كافوراً من مصر، ومعه عسكر ، فوصل إلى حلب، فالتقى كافور ، بوالي بحلب ، فكسره كافور، وأسره، وأخذ منه حلب، وولى بها مساور بن محمد الرومي، وعاد كافور إلى مصر.
    وهذا أبو المظفر مساور بن محمد الرومي ، مدحه المتنبي بقوله:
    أمساور أم قرن شمس هذا أم ليث غاب يقدم الأستاذا
    يريد الأستاذ: كافوراً .
    ومساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي ، بالزجاجين بحلب، ثم اتفق الإخشيذ ومحمد بن رائق امير امراء الخليفة العباسي ، على أن يخلي له الإخشيد حمص وحلب ، ويحمل إليه مالاً، وزوج الإخشيد ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق.

    وولى الخليفة الراضي ،الاخشيد ، مصر والشام سنة 323 هجري/935م، فاستطاع فرض سلطته عليهما بعد فترة من الفوضى عمّتهما.
    و بعد موت الاخشيد حكم بعده ابنه الصغير ، ولم يكن له من الحكم إلا اسمه ‏.‏‏.‏ وكانت مقاليد الأمور في الحقيقة منوطة بيد عبد خصي حبشي يدعى ‏"‏ كافور ‏"‏و يلقب ‏"‏ أبا المسك ‏"‏ - و كان الإخشيد قد اشتراه من تاجر زيت بثمانية دنانير ‏.‏
    وقد استقل هذا العبد الحبشي بإدارة مصر ‏.‏‏.‏‏ وكانت له مع المتنبي قصص مشهورة ، ‏و نافس دولة الحمدانيين التي ظهرت في شمال سورية ‏.‏
    موقف الروم من الطولونيين و الاخشيديين
    كان ذلك العصر متزامنا مع حكم الاسرة المقدونية التي حكمت بين عامي (868 م - 1057م) ، التي بلغت الامبراطورية البيزنطية ذروة العزة والقوة في عهدها.
    وكان موقف البيزنطيين من أحمد بن طولون والاخشيديين ، موقفاً ليّناً الى حدٍّ ما، فانهم هادنوا أحمد بن طولون سنة 265هـ / 878 م ، وأهدوا اليه عدة مصاحف مع عدد من أسرى المسلمين .
    وحاول الامبراطور رومانوس أن يتودد الى الاخشيد ، ويمدحه ويكاتبه دون الخليفة ، على غير ما جرت به العادة ذلك الوقت .
    ظهور الحمدانيون
    كان الحمدانيون الفئة العربية ذات النفوذ في بغداد، لذا كان الخلفاء يستريحون إليهم ويثقون بهم، لأن عنصر الدم العربي يجمعهم.
    وكان الخليفة يعتمد عليهم ويستعين بهم في خوض المعارك ، ومطاردة المخالفين ، والقضاء على الفتن الاضطرابات..
    فلقد عرضت عليهم ولايات كثيرة ذات خصوصيات و امتيازات معينة، مثل نهاوند و قم و كاشان و أرمينية و أذربيجان و خراسان و مصر، فلم يرضوا بديار ربيعة و الموصل بديلاً.
    و الواقع إنهم اختاروا الموصل لأكثر من سبب، فهي جماع عصبتهم ، و هي غنية بخيراتها ، حتى أن ميرة بغداد
    ( أي قمحها )كانت منها.
    هذا فضلاً عن أن المنطقة كلها من العرب المتعصبين للحمدانيين ، من أمثال ديار ربيعة و ديار بكر و ديار مضر، و منطقة ديار مضر: هي الرها و تقع في تركيا الان ، و حران، و سروج، و قلعة جعبر والرقة .

    ويعود نسب الحمدانيين إلى قبيلة تغلب، التي كانت منجبة للأبطال الفرسان، أمثال كليب ، وأخيه البطل الزير سالم أبو ليلى المهلهل، وكلثوم بن مالك أفرس العرب.
    ( و هم أبطال المسلسل السوري المعروف -الزير سالم –كما ذكرنا سابقاً )
    و ينتسب الحمدانيون إلى جدهم حمدان بن حمدون التغلبي، حيث له ثمانية أبناء، أشهرهم: أبو الهيجاء عبد الله ، والد سيف الدولة،و أبو العلاء سعيد ، والد أبي فراس الحمداني ، و الحسين بن حمدان .

    كان حمدان بن حمدون ، الجد الأكبر للحمدانيين، يتربع على عرش السيادة والكرم، وقلعته منيعة ببلدة ماردين .
    و طمح حمدان بالزعامة ، فخرج على الدولة العباسية، واستولى على الموصل ، فخرج الخليفة المعتضد بنفسه لمواجهته ، واسترد الموصل منه سنة 281 هـ/ 894 م ، واحتل قلعة ماردين ، واستولى على خيراتها وهدمها ، وفر حمدان، ثم أسر و سجن .
    ولم يجد الخليفة بداً من الاعتماد على ابنه الحسين و هو اخو أبو الهيجاء والد سيف الدولة ، للقضاء على الخارجي هارون الشاري..
    و ينتصر الحسين على هارون الشاري ، فيطلق الخليفة سراح أبيه حمدون ، مكافأة له، ويحقق مطالبه الأخرى كإزالة الأتاوة عن بني تغلب ، وتثبيت خمسمائة فارس منهم ، يضمون إليه ، ويستعمله الخليفة يداً ضاربة للقضاء على القرامطة وبني تميم والطولونيين.

    أما ابن حمدان الثاني ، و هو أبو الهيجاء ، والد ناصر الدولة و سيف الدولة ، فيعتبر مؤسس الدولة الحمدانية ، وكان فارساً شجاعاً ، وأحد السيوف البواتر، و عاش حياته كلها محارباً ثائراً .. يخوض الحروب ويرهب القواد ، ويساهم في عزل الخلفاء ، و بسبب جرأته سمي أبا الهيجاء.

    ولي أبو الهيجاء حلب وديار بكر ، ثم ولي خراسان .. وكان يقيم في بغداد ، ويحكم الأقاليم التي يلي أمرها عن طريق أبنائه أو أنصاره..
    ولقد ثار على الخليفة غير مرة، وعزل ودخل السجن غير مرة أيضاً.. و قتل في النهاية لمحاولته قتل الخليفة المقتدر .

    و حين دخل البريديون بغداد سنة 330هـ/941 م ، اضطر الخليفة العباسي المتقي ، أن يلتمس لنفسه مكاناً للنجاة، فلم يجد خيراً من الموصل حيث الأمير الحمداني القوي ، الحسن ابن أبو الهيجاء و الشقيق الأكبر لعلي ( الذي سمي فيما بعد سيف الدولة ) ، القادر على حمايته و إعادة عرشه إليه، فيمم وجهه شطرها ، و برفقته أمير الأمراء أبو بكر محمد بن رائق، و لما كان الأمير الحمداني طموحاً، نزاعاً إلى توطيد ملكه، نهازاً للفرص، فقد أرسل إلى ابن رائق من قتله.

    و لم يشأ الأمير الحمداني الحسن أن يضيع وقتاً ، فاصطحب الخليفة ، و سار على رأس جيش كبير معقوداً لواءه على أخيه الأصغر علي، و ما كاد الركب يصل بغداد ، حتى نجا البريديون بأنفسهم، و فروا أمام الجيش الحمداني.
    و عاد الخليفة إلى قصره آمنا مطمئناً، فأنعم على الحسن بن حمدان بلقب (ناصر الدولة)، و على أخيه علي بلقب (سيف الدولة).

    و في بغداد تولى ( ناصر الدولة ) منصب أمرة الأمراء، و سكن القصور و ضرب دنانير جديدة، و بدأ نجمه يصعد نتيجة لانتصاره مع أخيه سيف الدولة على البريديين في عدة مواقع.
    و زوج الخليفة المتقي ابنه (أبا منصور) من ابنة (ناصر الدولة ) ، و بذلك ارتفع مقام الأسرة الحمدانية إلى مقام سام سمح لهم بمصاهرة الخلفاء.
    ظهور سيف الدولة و علو نجمه
    ولد الأمير علي بن عبد الله (سيف الدولة ) في بلدة ميافارقين ، بديار ربيعة سنة 303 هـ/ 915 م ، وبينما أصبح الحسن (ناصر الدولة) أول عربي يتولى إمرة الأمراء في بغداد، يمضي ( سيف الدولة ) قدماً، فيلاحق البريديين ويلتحم بهم ويهزمهم هزيمة نكراء ، ويأسر عدداً كبيراً من قوادهم وجنودهم ، و يقابل الناس اعماله بالرضا والدعاء في المساجد والطرقات...


    سيف الدولة و الاخشيديون :
    و في سنة 333 هجري /944 م كان الإخشيد هو صاحب الشام و مصر، ودخلت حلب في حوزة ‏الدولة الاخشيدية.
    و وصلت، في هذه الاونة، الى شمال الشام والجزيرة، جموع جديدة من بداة شبه جزيرة‏العرب، وضمت هذه الجموع قبائل من عامر بن صعصعة ، هي كلاب، ونمير، وقشير،وعقيل، واحدثت هذه الهجرة فوضى سياسية كبيرة في الشام الشمالي والجزيرة.
    و رحل الإخشيد من بلاد الشام إلى مصر ، بعد ان عين الاخشيد ابي الفتح الكلابي واليا على حلب.
    فحسده أخوته الكلابيون، و استدعوا سيف الدولة علياً ، ليولوه على حلب.
    فقدم إليها سيف الدولة بالاتفاق مع أخيه ناصر الدولة، وقد كان سيف الدولة قد طلب من أخيه ناصر الدولة ، ولاية، فقال له ناصر الدولة: الشام أمامك، و ليس فيها أحد يمنعك منها.
    فسار إلى حلب، فلما وصل إلى الفرات، خرج ابو الفتح و إخوته بأجمعهم للقاء سيف الدولة و الترحيب به ، ثم سار منها إلى الرستن قبل حمص ، فلقيه بها عسكر الإخشيد ، و لم يكن الإخشيد على رأسهم ، بل كان مولاه كافور، فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم، وازدحم أصحابه في جسر الرستن، فوقع في النهر منهم جماعة.
    ورفع سيف الدولة السيف، وأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحداً منهم.
    وقال: الدم لي والمال لكم .
    فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء وغيرهم .
    ومضى كافور هارباً إلى حمص، وسار منها إلى دمشق، وكتب إلى الإخشيد يعلمه بهزيمته، وأطلق سيف الدولة الأسارى جميعهم، فمضوا وشكروا فعله.
    ورحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، ودخلها في شهر رمضان سنة 333 هجري/944 م ، وأقام بها.
    مما دفع الإخشيد ملك مصر والشام ، الى أن يركب من مصر متجهاً إلى الشام ، على رأس جيش كبير..
    فلما وصل الإخشيد إلى دمشق ، رجع سيف الدولة إلى حلب بغير حرب،. .. سنة 333 هـ/944م .. و لم يكد سيف الدولة يستقر في حلب، حتى بلغه عزم الإخشيد على السير إلى حلب، فالتقيا في قنسرين ، فانهزم سيف الدولة، وهرب سيف الدولة ، وسار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقة و استولى الإخشيد على حلب، فبالغ في إيذاء الحلبيين لميلهم إلى سيف الدولة وأفسد أصحابه في جميع النواحي، وقطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب وكانت عظيمة جداً. وقيل. إنها كانت من أكثر المدن شجراً.
    وأشعار الصنوبري تدل على ذلك.
    .

    و في ربيع الأول من سنة 334 /945 م تقرر الصلح بين الأميرين، على أن تكون حلب و حمص و إنطاكية لسيف الدولة، و دمشق للإخشيد.
    وينتهي النزاع بمصاهرة سياسية ، حمدانية إخشيدية، يتزوج فيها سيف الدولة من (فاطمة) ابنة أخ الإخشيد ، وتنثر الدراهم والدنانير في معسكرات الطرفين المتحاربين.
    إثر هذا الزواج يشتد عود سيف الدولة.

    و في هذه السنة مات الإخشيد في دمشق، و ولي بعده ابنه ، أبو القاسم ، فاستولى على الأمر كافور ، و غلب أبا القاسم و استضعفه ، و تفرد بالولاية.

    فتح سيف الدولة لدمشق
    و سار كافور إلى مصر، وخلت دمشق من العساكر فقصد سيف الدولة دمشق ، فملكها ، و أقام فيها. ، وجبى خراجها، ثم أتته والدته نُعم، أم سيف الدولة إلى دمشق.

    وكان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: ما تصلح هذه الغوطة أن تكون إلا لرجل واحد ( أي انه يريدها كاملة لنفسه ) .
    فقال له الشريف العقيقي: هي لأقوام كثير.
    فقال له سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين، ليتبرأن أهلها منها.( أي أنه ينوي فرض الضرائب عليها فيكرهها اهلها )
    فأخفاها الشريف في نفسه، وأعلم أهل دمشق بذلك.

    وجعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق، بودائع الإخشيد وأسبابه، فاستدعى الدمشقيون كافوراً، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم سنة 336 /947 م ، و استطاع كافور هزيمة سيف الدولة ، و دخول حلب.
    ولكن سيف الدولة عاد في السنة نفسها ، فاستولى على حلب واستقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة 336/947م و كان ذلك دخوله الثالث إليها ثم تجدد الصلح بين سيف الدولة و ابن الإخشيد ، على الصفة التي كانت بينه و بين ابيه الإخشيد ، و استقر سيف الدولة نهائيا في حلب.


    توطيد اركان دولة سيف الدولة :
    ولقد يبدو سيف الدولة في أعين كثير من المؤرخين وكأنه هارون الرشيد أو المأمون ، وإنه ليعيد إلى الأذهان ذكرى تلك الساحة العلمية الفكرية التي مثلتها بغداد ‏.‏‏.‏ في عصرها الذهبي ‏.‏‏.‏ لكن الساحة كانت على عهده ‏.‏‏.‏ حلب الشهباء ‏!‏‏!‏
    فقد اقام لنفسه بلاطا فخما اراد ان‏يضاهي به بلاط بغداد وغيرها من حواضر دار الاسلام، وجمع في هذا البلاط عددا كبيرا من‏العلماء في كل فن مع فحول الشعراء
    كان سيف الدولة يمثل قوة الدولة وقمة ما وصلت إليه من رفعة واستخدم‏رجال بلاطه للدعاية له ولحكمه، فبلاطه احتضن المتنبي وابن نباتة فضلا عن أبي فراس الحمداني ‏"‏ شاعر الدولة ‏"‏ و(الخالديان: أبوبكر، وأبو عثمان)، و(السرى الرفاء) و(الصنوبري) و(الواواء الدمشقي) و(السلامي) و(النامي).
    ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام (أبو القاسم الرّقي)، و(المجتبى الانطاكي) و(ديونيسيوس) و(قيس الماروني).
    كما عُني الحمدانيون بالعلوم العقلية كالفلسفة والمنطق، فلمع نجم عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل: (الفارابي)، و(ابن سينا).
    أما في مجال العلوم العربية، فقد ظهر عدد من علماء اللغة المعروفين، مثل (ابن خالويه)، و(أبو الفتوح بن جني)، و(أبو علي الحسين بن أحمد الفارسي) و(عبدالواحد بن علي الحلبي) المعروف بأبي الطيب اللغوي.
    وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم (أبو الفرج الأصفهاني) صاحب كتاب (الأغاني) الذي أهداه إلى سيف الدولة، فكافأه بألف دينار، وظهر أيضاً بعض الجغرافيين، مثل (ابن حوقل الموصلي) صاحب كتاب (المسالك والممالك).

    وعمر سيف الدولة داره بالحلبة (وكان موقعها في جبل الأنصاري قرب الإذاعة حالياً ) ، وقلد أبا فراس الحمداني الشاعر المعروف ، و هو ابن عمه ، منبج، وما حولها من القلاع.
    و اعتنى بالقضاء ، و من قصصه الشهيرة مع القضاة :
    وذلك أنه لما قدم سيف الدولة حلب خرج للقائه القاضي بن ماثل، فترجل له أهل حلب، ولم يترجل القاضي لأحد، فاغتاظ سيف الدولة ، وعزله.
    ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته ، فترجل له ابن ماثل ، مع الناس.
    فقال له: ما الذي منعك أولاً عن الترجل لي ، وحملك على ذلك ثانياً ؟.
    فقال له: تلك المرة لقيتك وأنا قاضي المسلمين، وهذه المرة لقيتك،وأنا أحد رعاياك ، فاستحسن منه ذلك.
    و عاد و ولاه القضاء .


    سيف الدولة و الروم :
    قال كرد علي في الجزء الأول من خطط الشام: «غزا سيف الدولة الروم أربعين غزوة، له وعليه، وقد حفظ بغزواته بيضة العرب والإسلام، ولولاه لتقدم الروم في بلاد الشام، وربما ملكوها كلها بعد أن ضعف العباسيون.

    ففي الخامسة والعشرين من عمره، انطلق على رأس جيش كبير مقتحماً بلاد الروم (البيزنطيين) و قضى حياته في الصراع الحدودي مع الامبراطورية البيزنطية ..
    وكانت‏هذه الامبراطورية ذات طاقات عملاقة، وتعيش آنذاك حقبة استفاقة وتجميع قوة، وقد تهيأ لها عدد من القادة والاباطرة الاكفاء ، وقد توالت على عرش هذه الاسرة سلسلة من الحكام البارزين مثل نقفور فوقاس، ويوحنا تسيمكس، وباسيل الثاني .
    أمّا عن الجيش الرومي فقد كان يربو عدده في الموقعة الواحدة على مائتي ألف محارب أحياناً، وهم بعد ذلك من أجناس مختلفة بين روس وبلغار وروم وصقلب وأرمن وخزر، فجيش البيزنطيين على حدّ قول المتنبي :

    تَجَمَّعَ فيه كُلُّ لسن وأمَّة فما يُفْهِمُ الحدَّاثَ إلا التَرَاجِمُ

    وخاض سيف الدولة بامكاناته المتواضعة ، حروبا مريرة‏ ضد هذه الامبراطورية، كانت سياسة‏ سيف الدولة العسكرية، وزيادة عدد قواته عن طريق الشراء، ونفقات بلاطه ، احتاجت الى ‏اموال كثيرة جدا ولئن اثارت مواقف سيف الدولة الشعراء والادباء الا انها لم تجلب له ادنى عون من بغداد والفسطاط في مصر .

    وجمع سيف الدولة هذه الاموال من المصادرات والضرائب الثقيلة، ولهذا شكا بعض الناس من معاصريه من‏ثقل ضرائبه.

    لقد تصدى سيف الدولة للروم ، وقاتلهم مهاجما ومدافعا وحقق‏ نجاحات كبيرة، لكن الموجة كانت اعظم من امكاناته، واصحاب الامكانات من حكام ‏المسلمين جبنوا وقتها ،و مع ذلك صمد سيف الدولة وحده .
    في الوقت الذي تسلم فيه سيف الدولة السلطة في حلب كان قد تطور في منطقة الثغور الاسلامية نظام دفاعي محكم،
    وصلتنا اوصافه في كتاب ((سير الثغور)) للطرسوسي المتوفى‏حوالي سنة 400هجري/1010م، فمدن الثغور كانت محصنة قوية الدفاعات متعاونة، فيها مخازن للسلاح والمؤن والعتاد، وكان وقتها من عادات صلحاء المسلمين المرابطة في‏الثغور،كما اعتاد الاغنياء على التبرع بالسلاح والخيول والاعتدة للثغور.

    و جاء في الكامل في التاريخ وفي سنة 331هـ/ 942 م غزا الروم ديار بكر، ودارا، وأرزن، ونصيبين، وسبوا من أهالي هذه المدن جماعة كثيرة .و التمس الروم من أهل الرّها ، أن يدفعوا اليهم المنديل الذي يزعمون أنه يحمل صورة وجه المسيح عليه السلام ، إزاء فداء أسرى المسلمين .

    توغل سيف الدولة إلى (حصن زياد) المنيع، في قلب بلاد الأعداء يفتحه ، ويقيم عليه ليالي عديدة ، فخرج إليه ملك الروم الذي يحمل لقب الدمستق ، في مائتي ألف مقاتل، وهو عدد لا قبل للأمير الصغير بملاقاته ، فعمل فكره ، ولجأ إلى المراوغة والتقهقر المنتظم .
    و حقق نجاحاً في البداية، واحتل مرعش مسقط رأس الأباطرة الروم السوريين،
    و اتجه من نصيبين نحو بلاد الروم زاحفاً، كاسحاً، فوصل إلى (قاليقلا) ثم المدينة الجميلة (هفجيج).
    و وطأت أقدامه مواطئ لم يصل إليها أحد من المسلمين قبله ، فهدده ملك الروم بالويل والثبور..
    فلم يبالي به بل ويستخف، ويرد عليه بجواب سريع وعنيف..
    ولا يكاد ملك الروم يقرأ الرد ، حتى يستبد به الغيظ ويستنكر أن يخاطبه العربي الشاب هكذا!
    ويردف قائلاً: يكاتبني هذه المكاتبة كأنه قد نزل على (قلونيه)؟!! …
    استفظاعاً لما حصل..
    ويبلغ القول مسامع الأمير القائد الجريء ، فلا يضيع من وقته يوماً واحداً ، بل يمضي متوغلاً إلى قلونيه البعيدة الحصينة المتأبية..
    ويستعظم بعض قواده الأمر ، ويكادون يثنونه من هذه المخاطرة، ولكن الأمير الجريء العنيد يجيبهم قائلاً: لست أقلع عن قصد هذه المدينة فإما الظفر وإما الشهادة.. وينطلق إلى هناك يفتحها ، ويكتب إلى ملك الروم مستهزئا به وبمنعة بلاده ..
    - سار سيف الدولة سنة 343هـ/ 954 م نحو ثغر الحدث ، لبنائها بعد أن أخضعها الروم ولمدة ست سنوات متوالية ، وأسرع سيف الدولة في وضع أساس الحصن.
    ولما علم برداس فوكاس بذلك حشّد خمسين الفاً من الروم والأرمن والصقلب والبلغار والخزر، والتحم الجيشان، وكان النصر في هذه المعركة حليف المسلمين، وقتل خلالها نحو ثلاثة آلاف من الصليبيين، فضلاً عن عدد ضخم من الاسرى من بطارقة وجنود، وفي مقدمتهم تودس الاعور ، وصهر فوقاس ، كما أُسر حفيد الدمستق.
    وأسر قسطنطين ابن الدمستق برداس فوكاس ، وحمله الإبريق ، إلى بيت الماء،( أي لكي يصب الماء في دورة المياه ) وكان أمرد، فخرج، فوجده قائماً يبكي، ولم يزل عنده ، حتى مات من علة اعتلها و قيل ان الروم ارسلوا من قتله تخلصا من هذا العار .

    و اضطر (برداس فوكاس) القائد الكبير ،بعد أسر و موت ابنه قسطنطين ، لأن يترهب ويدخل الدير ، نتيجة للهزائم المتوالية التي أوقعها به سيف الدولة، بعد موقعة كبرى ، اندحر بها جيشه الكبير العدة والعدد .. ففي ذلك يقول المتنبي:
    فلو كان ينجي من علي ترهب ترهبت الأملاك مثنى وموحدا
    و علي هنا ، هو سيف الدولة .
    وكانت هذه المعركة مريرة بالنسبة للطرفين، ولكنها كانت مشرفة للمسلمين، مهينة للصليبيين، لان هزيمتهم مع ضخامة جيشهم كانت هزيمة نكراء.


    سقوط حلب بيد الروم

    وفي سنة 350هجري /961 ميلادي ، نقل الملك رومانوس، ملك الروم ، إلى حرب المشرق، نقفور بن الفقاس الدمستق ( اسمه باللاتينية نكفور أو نيسفوروس فوكاس ) و هو شقيق برداس فوكاس و عم قسطنطين ، كان نقفور قبل توليه القيادة قائداً عاماً للقوات البيزنطية البرية والبحرية في الجبهة الغربية الاوربية ، وقد نجح فيما اخفق فيه كثير من القواد السابقين حينما استطاع استعادة جزيرة كريت من يد المسلمين سنة 350هـ / 961م ونقفور هذا حارب سيف الدولة عشرين سنة.
    وهكذا وضح مع الايام ، و بعد ما يزيد على الثلاثين عاما من الحروب مع الروم بالامكانات الذاتية فقط ، ان قدرة سيف الدولة على‏الاستمرار باتت قصيرة، واخذت الاحوال تضطرب داخليا ، من قبل بداة القبائل ، وبعض‏اصحاب المطامح في الثغور، واستغلت بيزنطة ذلك .

    فقصد نقفور مدينة حلب في هذه السنة، وسيف الدولة بها، وكانت موافاته كالكبسة.
    ومعه جيش مؤلف من مائتي ألف محارب، وثلاثون ألف راجل ، وثلاثون ألف صانع لهدم الأسوار ، وأربعة آلاف بغل عليها أسياخ حديد، يسوره حول عسكره ليلاً.
    ولم يشعر سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه.
    فأنفذ إليهم سيف الدولة ، غلامه نجا ، في جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته ونصحاؤه ، بأن لا يفارق عساكره، فأبى عليهم، ومضى نجا بالعسكر إلى الأتارب ، و هي بلدة قرب حلب .
    ثم توجه جيش سيف الدولة منها باتجاه أنطاكية، فخالفه عسكر الروم ( أي تجنبوا لقاءه ) ، و تاه جيشه عنهم ، و بُعد عن حلب .

    واتصل خبر الجيش بسيف الدولة ، فعلم أنه لا يطيق نقفور ، مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب ، وجمع الحلبيين ، وقال لهم: عساكر الروم تصل اليوم، وعسكري قد خالفها، والصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، وتحفظوها، وأمضي أنا ألتقي عسكري، وأعود إليكم ، وأكون من ظاهر البلد، وأنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شيء.

    فأبى عامة الحلبيين ، وقالوا: لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد، وقد كان فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، وقد قربت علينا المسافة.
    فلما رأى امتناعهم عليه، قال لهم: اثبتوا فإني معكم.
    و خرج اليهم سيف الدولة ليقابل هذا الجيش بأربعة آلاف من رجال حلب .
    وكان سيف الدولة في جبل بانقوسا، و وردت عساكر الروم إلى الهزازة، فالتقوا ، فانهزم الحلبيون، وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة.
    وقتل أبو داود بن حمدان، وأبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة، وبشرى الصغير ، غلام سيف الدولة، وكان أسند الحرب ذلك اليوم إليه، وجعله تحت لوائه.
    ومات في باب المدينة ، المعروف بباب اليهود ( باب النصر حالياً ) ناس كثير ، لفرط الزحمة.
    وكان سيف الدولة راكباً على فرس له يعرف بالفحى، فانهزم مشرقاً ، حتى بعد عن حلب، ثم انحرف إلى قنسرين ( وهي قرية العيس حاليا من نواحي الزربة ) ، فبات بها.
    وأقام الروم على ظاهر البلدة ، أربعة أيام محاصرين لها، فخرج شيوخ حلب إلى نقفور ، يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: تسلمون إلي ابن حمدان.
    فحلفوا أن ابن حمدان ما هو في البلد.
    فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها ، طمع فيها وحاصرها.
    وجرى بينه وبينهم خطاب ، آخره أن يؤمنهم، ويحملوا إليه مالاً، ويمكنوا عسكره أن يدخل من باب ويخرج من آخر، وينصرف عنهم عن مقدرة.
    فقالوا له: تمهلنا الليلة حتى نتشاور، ونخرج غداً بالجواب ، ففعل، ومضوا، وتحدثوا، وخرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب.
    فقال لهم نقفور: أظنكم قد رتبتم مقاتليكم في أماكن ، مختفين بالسلاح ، حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه وتقتلوه ، فعلتم ذلك.
    فحلف له بعضهم ، من أهل الرأي الضعيف ، أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحاً، وفيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: انصرفوا اليوم واخرجوا إلي غداً، فانصرفوا.
    وقال نقفور لأصحابه: قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار ومعكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكناً فتسورا إليه، فإنكم تملكون الموضع.
    فطافوا، وكتموا أمرهم، وأبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان، بباب قنسرين، فركبوه، وتجمعوا عليه، وكان وقت السحر، وصاحوا، ودخلوا المدينة.
    وقيل: إن أهل حلب قاتلوا، من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة والمقالع، وسقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم.
    وطمع الروم فيها فاكبوا عليها، ودفعهم الحلبيون عنها.

    فلما جن الليل اجتمع عليها المسلمون، فبنوها، فأصبحوا وقد فرغت، فعلّوا عليها وكبروا، فبعد الروم عن المدينة إلى جبل المشهد .
    فمضى رجال الشرطة ، وعوام الناس ، إلى منازل الناس، وخانات التجار، لينهبوها.
    فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، ولحقوا منازلهم، فرأى الروم السور خالياً، فتجاسروا، ونصبوا السلالم على السور، وهدموا بعض الأسوار، ودخلوا المدينة من جهة برج الغنم.

    وأخذ الدمستق منها خلقاً من النساء والأطفال، وقتل معظم الرجال، ولم يسلم منه ، إلا من اعتصم بالقلعة من الهاشميين والكتاب، وأرباب الأموال.
    ولم يكن على القلعة يومئذ سور عامر ، فإنها كانت قد تهدمت ، و بقيت أثاره .
    وكانت بها جماعة من الديلم ( و أصولهم فارسية ) ، الذين ينصب إليهم درب الديلم بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلمي فقتله ، فطلبه نقفور من الناس ، فرموه برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر ألف أسير.

    وأقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، ويقتل، ويسبي ، باطناً وظاهراً.
    وقيل: إنه خرّب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة ( جبل المشهد ) ، وتناهى في حسنه، وعمل له أسواراً، وأجرى نهر قويق فيه ، يدخل في القصر من جانب، ويخرج من آخر، فيصب في المكان المعروف بالفيض، و بنى حوله اصطبلاً ومساكن لحاشيته.

    وقيل: إن ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ، ثلاثمائة وتسعين صرة دراهم، ووجد له ألفاً وأربعمائة بغل، فأخذها ، ووجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى كثرة ، فقبض جميعها، وأحرق الدار، فلم تعمر بعد ذلك.

    ويقال: إن سيف الدولة رأى في المنام حية قد طوقت داره ، فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحية في النوم ، ماء.
    فأمر بحفر قناة بين داره وبين قويق، حتى أدار الماء حول الدار.
    وكان في حمص رجل ضرير من أهل العلم، يفسر المنامات، فدخل على سيف الدولة ، فقال له كلاماً معناه: أن الروم تحتوي على دارك ، فأمر به ، فدفع، وأخرج بعنف.
    وقضى الله سبحانه أن الروم فتحوا حلب، واستولوا على دار سيف الدولة، فذكر مفسر المنام أنه دخل على سيف الدولة ، بعد ما كان من أمر الروم، فقال له : ما كان من أمر ذلك المنام الملعون.
    و عندما كان الروم بالمدينة ، كان المعتصمون بالقلعة، تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من الهواء والمطر، ويتسللون في الليل إلى منازلهم ، فإن وجدوا شيئاً من قوت أو غيره، أخذوه وانصرفوا.
    ثم إن نقفور أحرق المسجد الجامع ، وأكثر الأسواق، والدار التي لسيف الدولة، وأكثر دور المدينة.
    وخرج منها سائراً إلى القسطنطينية، وسار بما معه ، ولم يعرض للقرى التي حول حلب .
    وقال: هذا البلد قد صار لنا، فلا تقضوا على عمارته، فإنا بعد قليل نعود إليه.
    وكان عدد من سبى ، من الصبيان والصبايا ، بضعة عشر ألف صبي وصبية، وأخذهم معه.

    وقيل: إن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء ، إلى أن أحرقه نقفور الدمستق ، لعنه الله ،وإن سليمان ابن عبد الملك اعتنى به ، كما اعتنى أخوه الوليد ، بجامع دمشق.
    وسار الدمستق عنها، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة 351 / 962م .

    واختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل: إنه ورد إليه الخبر أن رومانوس الملك ، وقع من ظهر فرسه ، في الصيد بالقسطنطينية، وإنهم يطلبونه ليملكوه عليهم.
    وقيل: سبب رحيله أن غلام سيف الدولة ، المسمى نجا ، عاد بالعسكر إلى الأمير سيف الدولة ، فاجتمع به، وجعل يواصل الغارات على عسكر الروم ، واستنجد سيف الدولة بأهل الشام، فكان ذلك سبباً لرحيله عن حلب.

    أما سيف الدولة فإنه لما رحل الروم عن حلب، عاد إليها ودخلها في ذي الحجة سنة 351 /962 م .
    وأقام سيف الدولة إلى سنة 354/ ، ثم سار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين أسرهم سابقاً ، ليفادي بهم، ففدى أبا فراس ابن عمه، وجماعة من أهله، وغلامه رقطاش، ومن كان بقي من شيوخ الحمصيين والحلبيين.
    ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد ، افتدى بقية المسلمين ، كل رجل باثنين وسبعين ديناراً ، حتى نفد ما كان معه من المال.
    فافتدى الباقين ، ورهن عليهم ، بدنته الجوهر المعدومة المثل ( أي ثوبه المرصع بالجواهر ).
    وعمر ما خرب من حلب ، وجدد عمارة المسجد الجامع، وأقام فيها .

    وفاة سيف الدولة الحمداني

    واثر سقوط حلب على سيف الدولة تأثيرا كبيرا، وجلب له مرضا شديدا، كما خلق له كثيرا من المشاكل، فلقد انفرط الان عقد دولته، وتفجرت الفتن في كل مكان ، واستمر الضغط‏البيزنطي عليه ، يبغي تصفيته ودولته نهائيا.
    وكان سيف الدولة قد فلج وبطل شقه النصفي ، ثم قويت علته بالفالج، وكان بشيزر، فوصل إلى حلب ، فأقام بها يومين أو ثلاثة، وقيل: توفي بعسر البول ، وفي يوم الجمعة آخر صفر سنة (356 هـ - 967 م) انطفأت في حلب الشعلة الوقادة .
    فمات سيف الدولة ، وحنط جسده ، وكان قد اوصى ان يوضع خده في اللحد ، على لَبِنة بقدر الكف ، جمعها مما علق بثيابه ودروعه وسلاحه من غبار غزواته للروم ..
    ونقل إلى مسقط رأسه في ميافارقين ، وأودع قبره ، بعد أن وسد اللبنة التي جمعها من غبار حروبه .


    في حلب المحروسة 10/4/2006 المحامي علاء السيد

    المراجع :
    - كتاب زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم
    - مجلة النبأ الالكترونية العددان : 39- 57 .

  2. #2
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Apr 2006
    المشاركات
    5

    افتراضي

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته جزاكَ اللهُ خيراً .. اظن انك سردت ملخص لفتره هامه جدا في حياتنا ولذلك يجب علينا الا نترك ماضينا خلفنا بدون تعلم من اجدادنا السابقين ولكننا ايضا لايجب علينا ان نتشبث ونتعلق بالماضي دون خطوات ايجابيه سليمه [S]59[/S]

  3. #3

    افتراضي

    شكرا أخي علاء على المعلومات

    جزاك الله كل خير

    ننتظر منك المزيد من الثقافة
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  4. #4

    افتراضي

    أخي الفاضل / علاء السيد

    اختيار جميل ورائع

    لتاريخ مدينة كـ حلب

    بما كان يزخر فيها

    من بطولات وثقافة وشعر جميل


    شكرا لك،، وتقبل اجل احترامي

    :

    تحياتي

    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  5. #5
    Administrator الصورة الرمزية الزهراء
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    syria
    المشاركات
    4,847

    افتراضي

    [align=center]

    جهد جميل تُشكر, ومعلومات رائعة وغنيّة وغزيرة

    سررتُ جداً بقراءة ما أتيت به من دُرّرٍ مفيدة وجميلة

    تحكي عن تاريخ أجمل المدن وأحلاها وأروعها

    مدينتي" حلب" الباقية والشامخة أبد الدهر على دوام العمر.

    حاضرة المدن, وشموخ التاريخ, وعاصمة الثقافة الإسّلامية

    ومدينة الأبطال, وساحة الشرّف والمحبّة..

    دمت ودامت الشهباء العزيزة..

    وأهلاً بكَ..

    ****
    تحياتي..
    الـزَّهراء..الصَّغيرة






  6. #6
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Feb 2004
    المشاركات
    1,035

    افتراضي

    الاخ علاء:
    شكراً لمسامهتك .. التي ولا شك قد أغنت وأضافت الكثير ...

    سيف الدولة

  7. #7

    افتراضي

    سيف الدولة الحمداني (919 - 967) هو علي بن عبد الله بن حمدان الحمداني التغلبي، من بني حمدان الذين تنتسب إليهم الدولة الحمدانية. و سيف الدولة لقبه و قد غلب عليه.

    لقبه الخليفة العباسي سيف الدولة حين وفد عليه مع أبيه عبد الله بن حمدان، و أخيه الأكبر، فوصل الخليفة الأب، و أعطى ولديه لقبين، فلقب الأكبر الحسن ناصر الدولة، و الأصغر سيف الدولة.

    غلبت دولة سيف الدولة ما عداها، بدأ صاحب حلب، ثم غلبت دولته ما عداها، و ارتفع به شأن بني حمدان حتى بلغوا شأواً عالياً.

    كان راعياً للفنون و العلماء، و تزاحم على بابه الشُعراء و العُلماء، ففتح لهم بلاطه و خزائنه، حتى كانت له عملة خاصة يسكها للشعراء من مادحيه، و فيهم المتنبي و ابن خالويه النحوي المشهور، و الفارابي الفيلسوف الشهير، كما اعتنى بابن أخته أبو فراس الحمداني. و قال هو نفسه الشعر، و له أبيات جيدة.

    اشتهر سيف الدولة بمقارعته الروم البيزنطيين على الحدود العربية، و كانت الحرب بينه و بينهم سجالاً.





  8. #8

    افتراضي

    المولد والنشأة
    وُلد الأمير "سيف الدولة علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدون التغلبي" في (303هـ = 915م) في مدينة "ميافارقين" -أشهر مدن ديار بكر- على إثر تولي أبيه إمارة الموصل.

    وقد عُني أبوه بتعليمه وتنشئته على الفروسية منذ نعومة أظفاره، وأظهر سيف الدولة استعدادا كبيرا ومهارة فائقة في القنص والرمي وركوب الخيل منذ صغره.

    ولم يكد يبلغ العشرين من عمره حتى صار فارسا لا يُشَقّ له غبار، وخاض العديد من المعارك الطاحنة ضد أعداء الدولة والمتمردين عليها؛ سواء في الداخل أو في الخارج.

    واستطاع الأمير الشاب أن يحقق انتصارا عظيما على البريدين الذين اقتحموا بغداد عام (330هـ = 942م) ودفعوا الخليفة العباسي "المتقي لله" إلى الخروج منها، واللجوء إلى الموصل للاستنجاد بالحمدانيين، فلما حقّق الأمير الشاب "علي بن أبي الهيجاء" النصر على البريدين بعد أن تعقبهم إلى المدائن، أنعم عليه الخليفة بلقب "سيف الدولة"، وأمر أن تُضرب باسمه الدنانير والدراهم.


    [تحرير] الانتصار على البيزنطيين
    وبدأ نجم سيف الدولة يعلو ويسطع منذ ذلك الحين؛ فحقق المزيد من الانتصارات على الروم والبيزنطيين، واستطاع أن يصدّ هجماتهم، كما تمكن من المحافظة على حدود الدولة الإسلامية ضد غاراتهم، واستطاع أن يتوغل داخل حدود الدولة البيزنطية.

    وقد عُني سيف الدولة بتسليح جيشه في مواجهة استعدادات الجيش البيزنطي العسكرية القوية وتنظيمه الجيد، وتنوع تسليحه، فاتجه إلى توفير المال اللازم لتجهيز الجيش وتسليح الجنود، واهتم بتدريب رجاله وتربية جنوده تربية عسكرية صارمة.

    واتخذ سيف الدولة مدينة "حلب" مركزا ليبدأ منها مرحلة جديدة من حياته؛ حيث أعلن إمارته على مناطق حلب والجزيرة الفراتية وإقليم الثغور والعواصم، وبدأ يدخل في مرحلة جديدة من الصراع مع الروم البيزنطيين والحروب الطاحنة معهم، واستطاع خلالها أن يحقق عدة انتصارات عليهم، ووجه إليهم العديد من الضربات المتلاحقة الموجعة، وألحق بهم سلسلة من الهزائم المتتالية.


    [تحرير] الصراع مع الإخشيديين
    وقد أثارت انتصارات سيف الدولة على الروم البيزنطيين حفيظة الإخشيديين الذين وجدوا عليه تلك البطولات والأمجاد، وخشوا من تعاظم نفوذه وقوة شوكته؛ فتحركوا لقتاله، ولكنهم ما لبثوا أن آثروا الصلح معه بعد أن لمسوا قوته وبأسه.

    وبدأ الروم البيزنطيون يعيدون ترتيب صفوفهم وتنظيم قوتهم، وراحوا يهاجمون الثغور العربية في سنة (336هـ = 947م)، ولكن الأمير سيف الدولة الحمداني تصدّى لهم وتعقبهم، وجدد البيزنطيون هجماتهم مرة أخرى بعد عام، فتعقبهم سيف الدولة، وقتل منهم عددا كبيرا.

    ولكن هجمات الروم البيزنطيين لم تتوقف؛ مما دفع سيف الدولة إلى تجهيز حملة كبيرة قوامها ثلاثون ألف فارس، وانضم إليهم جيش طرطوس في أربعة آلاف مقاتل، واستطاع اقتحام حدود الدولة البيزنطية، والتوغل داخل أراضيها، وفتح عددا من حصونها، وألحق بالبيزنطيين هزيمة منكرة، وأسر عددا من قادتهم؛ مما دفع البيزنطيين إلى طلب الهدنة منه، بعد أن ضاقوا ذرعا بالحروب الطاحنة التي كبدتهم العديد من الخسائر وأصابتهم بالوهن.


    [تحرير] أعماله العسكرية
    سيف الدولة الحمدانى كان أمير حلب، وكان بينه وبين الروم صراع دائم بصفته أمير الثغور، أو أن الثغور قد آلت إمرتها إليه، لا بصفته مجاهدًا أو بطلاً مغوارًا، إذ لم يكن كذلك كما تصفه كتب الأدب من خلال مدح المتنبى له. فقد كان سيف الدولة فى المعارك فى مؤخرة الجيش لا أمامهم؛ فينجو عند الهزيمة ويفخر عند النصر.

    (337هـ) دخل سيف الدولة بجيش كثيف بلاد الروم؛ غير أنه هزم وأخذ الروم كل ما بأيدى هذا الجيش الحمدانى، كما نال أهل "طرطوس" أذىً كثيرًا من الروم، ولم يستطع سيف الدولة حماية أحد من رعاياه لما اتصف به من خوف وخور.
    (339هـ) عاد سيف الدولة فدخل بلاد الروم بجيش عظيم فانتصر وأخذ عددًا كبيرًا من الروم أسارى، غير أن الروم قد قطعوا عليه الطريق أثناء العودة فهزموه وأخذوا ما معه من الأسرى وقتلوا أكثر من معه، ونجا سيف الدولة بنفر يسير معه لأنه كان فى مؤخره الركب.
    (343هـ) أغار على زبطرة وملاطية وهى ثغور إسلامية استولى عليها الروم، فقتل وأحرق وسبى، والتقى مع قسطنطين بن الدمستق فانتصر عليه وقتل أعظم رجاله، ثم التقى بجيش الدمستق عند "مرعش" وتغلب عليه، وأسر صهر الدمستق وابن ابنته.
    (345هـ) أحرز انتصارًا كبيرًا، وعاد إلى حلب غانمًا، فثارت ثائرة الروم وجمعوا جموعهم، وهاجموا بعض مدن المسلمين، وقتلوا وأحرقوا وسبوا ما شاء لهم هواهم ، كما ركبوا البحر إلى ميناء طرطوس فقتلوا من أهلها ثمانمائة وألف، وسبوا عددًا آخر وأحرقوا عدة قرى.

    وكانت أعظم انتصارات سيف الدولة على الروم فى عام (348هـ). فقد دخل الروم "الرها" و"طرطوس" وقتلوا وسبوا وأخذوا الأموال، فقابل سيف الدولة بذلك بلاد الروم عام (349هـ) واستطاع إحراز النصر وفتح عدة حصون.

    (349هـ) قطع الروم على سيف الدولة طريق الرجعة، فقتلوا أكثر جيشه ونجا بصعوبة مع ثلاثمائة فارس، وسار جيش عظيم من أنطاكية باتجاه طرطوس فخرج عليه كمين من الروم فقتلوهم عن بكرة أبيهم ولم يفلت منهم سوى أمير أنطاكية وبه جراحات، ومن جهة ثانية دخل "نجا" غلام سيف الدولة بلاد الروم ورجع غانمًا.
    (351هـ) دخل الدمستق حلب، واستولى على دار سيف الدولة وكانت بظاهر حلب، وأخذ ما فيها من أموال وأمتعة ونساء، وقتل كثيرًا من أصحاب سيف الدولة، أما الأمير سيف الدولة فقد فر من بيته ومن حاضرته بعد أن ترك نساءه لخصمه، وبقى جيش الدمستق فى حلب تسعة أيام، وقد فعل الجند فيها كل ما هو سيّئ، وكان الروم قد دخلوا قبل ذلك عين زربة وهى أحد ثغور المسلمين المهمة.

    ثم أعاد سيف الدولة بناء ثغر عين زربة وأرسل غلامه "نجا" فدخل بلاد الروم، إلا أن "نجا" لم يلبث أن خلع طاعة مولاه، وتحصن فى مدينة "حران"، ثم سار إلى أذربيجان وساعده فى التغلب عليها "أبو الورد" أحد الأعراب فى المنطقة فسار إليه سيف الدولة وتمكن من قتله.

    (354هـ) ثار أحد القرامطة واسمه مروان فى مدينة حمص وامتلكها من سيف الدولة، فأرسل إليه سيف الدولة مولاه بدر، فالتقيا فى معركة أصيب فيها مروان ومات، وفى الوقت نفسه أسر بدر فى هذه المعركة وقتله أصحاب مروان.
    (355هـ) تمت المفاداة بين سيف الدولة والروم، وكان من أسرى الحمدانيين أبو فراس الحمداني، ولم يلبث أن توفى سيف الدولة عام (356هـ).

    [تحرير] نهضة شاملة
    وبالرغم من الطابع العسكري والحربي لدولة الحمدانيين بصفة عامة، وإمارة سيف الدولة على نحو خاص، فإن ذلك لم يصرف الأمير "سيف الدولة" عن الاهتمام بالجوانب الحضارية والعمرانية.

    فقد شيّد سيف الدولة قصره الشهير بـ"قصر الحلبة" على سفح جبل الجوشن، وتميز بروعة بنائه وفخامته وجمال نقوشه وزخارفه، وكان آية من آيات الفن المعماري البديع، كما شيّد العديد من المساجد، واهتم ببناء الحصون المنيعة والقلاع القوية.

    وشهدت الحياة الاقتصادية ازدهارا ملحوظا في العديد من المجالات؛ فمن ناحية الزراعة كثرت المزروعات، وتنوعت المحاصيل من الحبوب والفاكهة والثمار والأزهار، فظهر البُرّ والشعير والذرة والأرز والبسلة وغيرها. كما ظهرت أنواع عديدة من الفاكهة كالتين والعنب والرمان والبرقوق والمشمش والخوخ والتوت والتفاح والجوز والبندق والحمضيات. ومن الرياحين والأزهار والورد والآس والنرجس والبنفسج والياسمين. كما جادت زراعة الأقطان والزيتون والنخيل. وظهرت صناعات عديدة على تلك المزروعات، مثل: الزيتون، والزبيب، كما ظهرت صناعات أخرى كالحديد والرخام والصابون والكبريت والزجاج والسيوف والميناء.

    ونشطت التجارة، وظهر العديد من المراكز التجارية المهمة في حلب والموصل والرقة وحران وغيرها.

    وشهدت الحياة الفكرية والثقافية نهضة كبيرة ونشاطا ملحوظا في ظل الحمدانيين؛ فظهر الكثير من العلماء والأطباء والفقهاء والفلاسفة والأدباء والشعراء.

    وكان سيف الدولة يهتم كثيرا بالجوانب العلمية والحضارية في دولته، وظهر في عصره عدد من الأطباء المشهورين، مثل "عيسى الرَّقي" المعروف بالتفليسي، و"أبو الحسين بن كشكرايا"، كما ظهر "أبو بكر محمد بن زكريا الرازي" الذي كان أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجا.

    ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام "أبو القاسم الرَّقي"، و"المجتبى الإنطاكي" و"ديونيسيوس" و"قيس الماروني"، كما عُني الحمدانيون بالعلوم العقلية كالفلسفة والمنطق، فلَمع نجمع عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل: "الفارابي"، و"ابن سينا".

    أما في مجال العلوم العربية؛ فقد ظهر عدد من علماء اللغة المعروفين، مثل "ابن خالويه"، و"أبو الفتح بن جني"، و"أبو على الحسين بن أحمد الفارسي"، و"عبد الواحد بن علي الحلبي" المعروف بأبي الطيب اللغوي.

    كما لمع عدد من الشعراء المعروفين، مثل "المتنبي"، و"أبو فراس الحمداني"، و"الخالديان: أبو بكر، وأبو عثمان"، و"السرى الرفاء" و"الصنوبري"، و"الوأواء الدمشقي"، و"السلامي" و"النامي".

    وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم "أبو الفرج الأصفهاني" صاحب كتاب "الأغاني" الذي أهداه إلى سيف الدولة؛ فكافأه بألف دينار، و"ابن نباتة"، وظهر أيضا بعض الجغرافيين، مثل: "ابن حوقل الموصلي" صاحب كتاب "المسالك والممالك"…

    ولم يلبث سيف الدولة أن عاجله المرض، ثم تُوفي في (25 صفر 356هـ = 10 فبراير 966م)، وقيل في رمضان، وهو في الثالثة والخمسين من عمره.

    وقد ظلت آثار تلك النهضة الثقافية والحضارية ذات أثر كبير في الفكر العربي والثقافة الإسلامية على مدى قرون عديدة وأجيال متعاقبة.

  9. #9

    افتراضي

    المتنبي: لقب للشاعر احمد بن الحسين،ولد في الكوفه سنة303هـ كان ذا موهبه شعريه مبكره. وأغلب شعره في المديح، حيث مدح سيف الدولة الحمداني،وكافوراً الإخشيدي، وعضد الدوله البويهيه،قتل سنة 354هـ في طريقه من شيراز إلى بغداد،وهذه ابيات من قصيدته المذكوره في ديوانه شرح العكبري:

    في عتاب سيف الدولة كتب المتنبي الابيات التاليه:

    واحــــــــــــــــــــرَ قلباه ممن قلبه شبم ***ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ

    مـــــــــالي اكتَمو حباً قد برى جسدي ***وتدعي حبَ سيف الدولة الأممُ

    إن كـــــــــــــــــــــــــان يجمعناحب لغرَته ***فليت أنِا بقدر الحب نقتسمُ

    قــــــــــــــد زرتُهُ وسيوف الهند مغمده ***وقد نظرتُ اليه والسيوفُ دمُ

    فكـــــــــــــان أحسن خلق الله كلهم ***وكان الاحسن مافي الاحسن الشيمُ

    ألــــــــــــــزمت نفسك شيئاً ليس يلزمها ***أن لا يواريهم أرضٌ ولاعلمُ

    اكلــــــــــــــــما رمت جيشاً فانثنى هربا ***تصرَفت بك في اثاره الهممُ

    علــــــــــــيك هزمهم في كل معترك ***وما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا

    امــــــا ترى ظفراً حلواً سوى ظفرٍ ***تصافحت فيه بيض الهند واللممُ

    يا أعدل الـــناس الافي معاملتي*** فيك الخصامُ وانت الخصمُ والحكمُ

    أعيذها نظراتٍ مــنك صادقه***أن تحسب ان الشحم فيمن شحمه ورمُ

    انا الــــــــذي نظر الاعمى الى ادبي***وأسمعت كلماتي من به صممُ

    انــــــام ملء جفوني عن شواردها*** ويسهر الخلق جراها ويختصمُ

    وجـــــــــــــــــــــهلٍ مدَه في جهله ضحكي***حتى اتته يدٌ فراسة وفمُ

    إذا رأيت نــــــــــــــــــــــــيوب الليث بارزةً***فلا تظن ان الليث يبتسمُ

    فالخيل والليل والبيداء تعرفني***والضرب والطعن والقرطاسُ والقلمُ





  10. #10

    افتراضي

    أبو فراس الحمداني

    هو الحارث بن سعيد بن حمدان، كنيته "أبو فراس". ولد في الموصل واغتيل والده وهو في الثالثة من عمره على يد ابن أخيه جرّاء طموحه السياسي، لكنّ سيف الدولة قام برعاية أبي فراس.

    استقرّ أبو فراس في بلاد الحمدانيين في حلب. درس الأدب والفروسية، ثم تولّى منبج وأخذ يرصد تحرّكات الروم. وقع مرتين في أسر الروم. وطال به الأسر وهو أمير ، فكاتب ابن عمه سيف الدولة ليفتديه، لكنّ سيف الدولة تباطأ وظلّ يهمله.

    كانت مدة الأسر الأولى سبع سنين وأشهراً على الأرجح. وقد استطاع النجاة بأن فرّ من سجنه في خرشنة، وهي حصن على الفرات. أما الأسر الثاني فكان سنة 962 م. وقد حمله الروم إلى القسطنطينية، فكاتب سيف الدولة وحاول استعطافه وحثّه على افتدائه، وراسل الخصوم . وفي سنة (966) م تم تحريره.

    وفي سجنه نظم الروميات، وهي من أروع الشعر الإنساني وأصدقه.

    لماذا تأخّر سيف الدولة في تحريره؟

    علم سيف الدولة أن أبا فراس فارس طموح، فخاف على ملكه منه، ولهذا أراد أن يحطّ من قدره وان يكسر شوكته ويخذله ويذلّه بإبقائه أطول فترة ممكنة في الأسر.

    ولهذا قام بمساواته مع باقي الأسرى، رغم انه ابن عمه، وله صولات وجولات في الكرم والدفاع عن حدود الدولة وخدمة سيف الدولة الحمداني.

    أبو فراس الحمداني بين فكّي التاريخ

    سقوط الفارس في ساحة الميدان

    بعد سنة من افتداء الشاعر، توفي سيف الدولة (967) م وخلفه ابنه أبو المعالي سعد الدولة، وهو ابن أخت الشاعر. وكان أبو المعالي صغير السن فجعل غلامه التركي فرعويه وصياً عليه.

    وعندها عزم أبو فراس الحمداني على الاستيلاء على حمص، فوجّه إليه أبو المعالي مولاه فرعويه، فسقط الشاعر في أوّل اشتباك في الرابع من نيسان سنة 968 م وهو في السادسة والثلاثين من عمره.

    وهكذا نجد أنّ رأي سيف الدولة الحمداني فيه كان صادقاً وفي محله. فقد كان أبو فراس الحمداني طموحاً الأمر الذي جرّ عليه الويلات.

    أشعاره :

    من آخر أشعاره مخاطبته ابنة أخيه:

    أبنيّتـي لا تـحزنـي كل الأنام إلى ذهـــابْ

    أبنيّتـي صبراً جـميلاً للجليل مـن الـمـصابْ

    نوحي علـيّ بحسـرةٍ من خلفِ ستركِ والحجابْ

    قولـي إذا ناديتنـي وعييتُ عـن ردِّ الجوابْ

    زين الشباب أبو فراسٍ لم يمتَّعْ بالشبــــابْ

    ومن روائع شعره ما كتبه لأمه وهو في الأسر:

    لولا العجوز بـمنبجٍ ما خفت أسباب المنيّـهْ

    ولكان لي عمّا سألت من فدا نفـس أبــيّهْ

    وفي قصيدة أخرى إلى والدته وهو يئن من الجراح والأسر، يقول:

    مصابي جليل والعزاء جميلُ وظني بأنّ الله سوف يديلُ

    جراح وأسر واشتياقٌ وغربةٌ أهمّكَ؟ أنّـي بعدها لحمولُ

    وأثناء أسره في القسطنطينية بعث إلى سيف الدولة يقول:

    بمن يثق الإنسان فـيمـا نواه؟

    ومن أين للحرّ الكريم صحاب؟

    وفي قصيدة "أراك عصيّ الدمع" الشهيرة يقول:

    أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر

    أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمر؟

    نعم أنا مشتاق وعنـديَ لوعةٌ

    ولكنّ مثلي لا يُذاع له سـرُّ

    إذا الليل أضواني بسطتُ يدَ الهوى

    وأذللتُ دمعاً من خلائقهِ الكِبْرُ

    كلمة أخيرة

    أبو فراس الحمداني الشاعر والفارس الذي لا يهاب الموت عاني الكثير من سيف الدولة الذي خاف من فروسيته وشعبيته فأحبّ أن يبقيه في أسر الروم. أما نحن القراء فأمتعنا ما كتبه الشاعر من كتابة صادقة في الحب والفخر والرثاء والشكوى.

    يقول:

    لم أعدُ فـيـه مفاخري ومديح آبائي النُّجُبْ

    لا في المديح ولا الهجاءِ ولا المجونِ ولا اللعبْ

    ولما تحرر من أسره حاول ردّ اعتباره واستعادة مجده لكنّ يد الموت كانت أطول . وفي معركة غير متكافئة سقط شاعرنا ومات وهو يلفظ الشعر الصادق، فهو لم يكن يكتب الشعر للتكسّب مثل شعراء العصر العباسي وشعراء البلاط في عصرنا.


+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك