آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3
النتائج 21 إلى 24 من 24

الموضوع: رحلة في حياة ..(أمير النغم العربي فريد الاطرش)

  1. #21

    افتراضي

    [SIZE=4]


    حياك الله أخي الفاضل / حبيب

    شاكرة لك المرور الطيب ..
    ويسرني كثيرا اعجابك بالموضوع..

    وكم كنت سأفخر لو كنت أنا من كتب هذه القصة
    عن حياة الموسيقار فريد الأطرش..

    إنما وكما ذكرت سابقا هنا ===>>>
    [/FONT]
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منى العلي
    أخي الفاضل أبو شام

    شكرا لك على المتابعة والكلمات اللطيفة
    واتمني ان اكون دائما عند حسن الظن

    وأجدها فرصة لانوه هنا اني قرأت هذه الفصول
    من خلال تصفحي في أحدى المجلات الالكترونية
    ولحبي الشديد لامير النغم العربي فريد الاطرش-
    أحتفظت بالفصول منذ فتره بنسخها في جهازي -وفجاة خطرت ببالي
    فكرةالمساهمة بها -ولنستمتع فيها مع أروع وارقى الرموز الفنية
    في عالم الفن والطرب الاصيل من ذاك الزمن الجميل

    لكن للاسف لم استطع معرفة كاتب القصة

    كما انه لم يقع بين يدي غير تسعة فصول ..
    لكن لحسن حظك أخي الكريم ..
    عثرت مؤخرا على الفصل العاشر ..(فقط)
    سادرجه هنا لاحقا..
    وما ان يتوفر لي فصل جديد..سنوافيكم به إن شاء الله

    :

    أطيب التحايا


    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  2. #22

    افتراضي فريد الأطرش-الفصل العاشر- يارب


    يحكى أن درزياً التقى بحوارني في حقل ! كلاهما مشهور العناد وصلابة الرأي حتى على الخطأ .. وقد نظر الحوراني إلى بعيد فرأى شيئاً أسود يتحرك فوق الأرض ، فقال للدرزي :

    _ ما هذا يا درزي ؟

    فقال الدرزي وهو يتأمل الشيء البعيد :

    _ هذه عنـزة !

    فضحك الحوراني في سخرية وقال :

    _ هذا غراب !

    وتشبث الدرزي برأيه ، وتمسك الحوراني بما قال ، وفجأة طار الشيء الأسود في الهواء فتهلل الحوراني فرحاً وقال :

    _ هل صدقت أنها غراب ؟

    فقال الدرزي في تصميم :

    _ هذه عنـزة ولو طارت !

    هذه القصة تعيش في بعض حياة فريد الأطرش ! فهو لا يحب أن يفرض إنسان رأيه عليه ، ولعل فشله في بعض قصص حبه أنه يحب دائماً أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، وثمة نساء يعطين للرجل الحق في أن يكون صاحب الكلمة الأولى فقط ! ولعل في هذه الخصلة ، التفسير الصحيح لخلافاته مع الذين يشهرون عليه الحرب بشتى الأسلحة .. أنه إن رأى رأياً غير رأيهم يتمسك برأيه ويدافع عنه ويسوق له الأدلة والبراهين بحماسة فياضة .. أنه يعتقد أن على كل الناس بعد هذا أن يرضخوا لهذا الرأي ، ولا يمكن أن يفكر في أن يخطو إلى الناس خطوة فيلتقي بهم في منتصف الطريق ! وقد يخسر من استمساكه برأيه ولكنه لا يندم ويدفع ثمن عناده دونه أن يبدو عليه الضيق أو التبـرم !

    وفريد لهذا قد يبدو جافاً عند من لا يعرفه .. ويقوم في أذهان الناس عنه أنه مغرور لأننا نسمي كل من يعتد برأيه مغروراً حتى ولو كان العناد والاعتداد بالرأي بعض الميراث عن أب وجد ، وقد تمكنت منه عقدة الاضطهاد فزادته عناداً على عناد .. ولا تستطيع كتيبة من العباقرة والفلاسفة أن تقنعه بأن نصف ما يقوم في ذهنه عن ظلم الناس له وهم في وهم .. ربما كان لعقدة الاضطهاد ماضٍ بعيد من طفولته حين انتقل فجأة من قصر في حي السراسقة الأرستقراطي في بيروت إلى حجرة رطبة مظلمة في باب البحر في القاهرة ، لم يجد الصغير تفسيراً للذي حدث ! إن انضمام أبيه لثوار الدروز وفرار أمه بهم إلى القاهرة أحداث لا تهمه ، تتسلخ يد أمه في الغسيل وتتحرق بالنار وهي تطهو الطعام فإذا كان الليل فعليها أن تذهب إلى روض الفرج لتغني وعليه أن يغفو بين الكواليس حتى يعود معها ! لم يجد الصغير مبرراً لكل هذا فداخلت نفسه عقدة الاضطهاد ، فلما استوى إلى قمة فنية صنعها بعرقه وكفاحه وسهره حاول الهدامون أن يهدموه .. يريدون تكرار القصة القديمة في حياته .. اضطهاد جديد لا يعرف له سبباً ، فلتكن المنافسة قائمة ولكن على أن يوضع كل شيء في ميزان دقيق منصف .. وإلا .. وإلا فالاضطهاد قائم !

    ورغم هذا ففريد سريع الثقة بالناس ! وقد تجلس إليه خمس دقائق فيرفع الكلفة بينه وبينك وفي الخمس دقائق التالية تحس أنك صديقه من زمان ، ثم يروي لك أدق أسراره ببساطة تذهلك .. فإذا خنت هذه الأسرار وبحت بها فإنه يغضب منك ويلعن سنسفيلك .. وفي وجهك إن طالك وأمام من يبلغك إن لم يجدك ، ولكن قلبه مفتوح دائماً للصلح ، فإنه حين يلقاك يستقبلك بالأحضان وكأن الذي جرى ما كان !

    ومن هنا فهو سريع الغضب ، سريع الرضا ! فإذا غضب فهو يقف من الغضب في أقصى أطرافه ، يحتد ويطربق الدنيا ، ويشتم بعبارات تخرج من فمه كالمدفع الرشاش ، ولكنها تخرج دائماً من قلب أبيض .. يتحول إلى الرضا في ثوان فتجد البساطة وخفة الظل ، وتنكر على هذا الذي كان بركاناً يقذف الحمم أن يكون أنيساً رقيقاً يرسل الفكاهة ويصنع المرح من غير تكلف .. والرأي عندي أن كل المخرجين الذين قدموا فريد الأطرش لجمهوره لم يقدموه كما هو، لم يقدموا فريد الحقيقي بدمه الخفيف ، وهم بعد هذا مسؤولون إن تهمه أحد بثقل الظل !

    وهو يفتقد الحنان ! ويحب الأصدقاء الذي يحوطونه به ، حنان أمه وهي كادحة لم يكن يكفيه ، وحنان اللواتي دخلن قلبه تبدد مع كل قصة تنتهي ، وهو في قصص حبه يعيش في هذا الفيض من الحنان وينتقل إلى الحرمان الكبير في الفترات بين حب وحب ، وإذا أحصيت سني الحب في حياته ، وسني الحرمان لوجدتها في كفتين يتعادلان ، فإذا حسبت أنه يعيش بعيداً عن أمه ، وأنه عاش الطفولة من غير أب ، لقدرت في النهابة أن الحرمان أعم في حياته وأشمل ، وأن كل حب يطرق قلبه واحدة تجدد معنى الحياة وتصنع بهاءها ! وهو يستعيض عن حنان الحبيبة بحنان الأصدقاء .. ولا يستغني عنهم لأنه لا يحب الوحدة ، ويبحث عنهم واحداً وراء الآخر حتى يجمعهم فيرتاح باله ، وإذا تخلف واحد منهم دون أن يعرف فريد أين هو فإنه يغضب.. عنده حب الاستئثار بمن يعرف ، لأنه يحب أن يستأثر به من يعرفه ، وهو يحب الفنانين ويعصب لهم ولكرامتهم .. ولعل أصدق المثل أن سامية جمال سكنت قبله عشرة أعوام لأنه دافع خلالها عن كرامة الفنان ، ولهذا فأكثر أصدقائه من الفنانين ، وأصدقاؤه الباقون من الخيل ، أما الصديق الأوفى فهو عوده .. إنه على فراشه ، وفي غرفة الاستقبال ، ومعه في السيارة إن رحل وفي الطائرة إذا طار !

    وفريد لا يفرق في الصداقة بين صغير وكبير ، وليس معياره عنده الثراء أو الفقر ، فهو صديق شخصي لعدد من حكام العرب ، ولكنه إذا لم يجتمع إليه أصدقاؤه في أحدى الليالي فإنه يجمع الخدم ويمضي السهرة في السمر معهم ، وقد يلعب معهم الورق .. وقد يغني لهم آخر ألحانه ! وهو على الحالين يعرف ما يقول وما يفعل ، في حضرة الحكام وذوي المقام تراه ابن الناس العريق في حسن الاستقبال وفيض الكرم ، ومع الخدم تراه المتواضع الطيب القلب الحلو المعشر ! وهو يحب البساطة.. فهو يفضل الجلابية المرحرحة على البيجاما والروب دي شامبر وملحاقتها ! وهو يمضي الصيف بطوله بالقميص والبنطلون ، وفي دولاب ملابسه مائة بدلة ،وعنده ثلاث سيارات ولكنه يستقل واحدة ولا يستبدلها ! وهو يحب الطعام ! ويكره المرض لأنه يحرمه من الطعام .. ويحمل هم كل فيلم يمثله إذ لا بد له من ريجيم وفي الريجيم حرمان ، وهو (( طبايخي )) .. يحب الطبيخ والصلصة والأرز ، والمدنية لم تغيره ، إنه يحب الأكل بأصابعه ، وإذا رأى في طبقك عظمة فإنه يرفعها من أمامك ليضع لك اللحم بدلاً منها .. فتظنه فعل هذا ليكرمك ، والواقع أنه فعل هذا ليمصمص العظمة ! ويتساءل فريد وهو يأكل ويلحس أصابعه من السمن :

    _ ترى لماذا لم يخلق لنا الله معدتين مثلما خلق لنا أذنين وعينين ويدين !

    ومائدته العامرة مضرب المثل في الجود والكرم لأن فريد الأطرش كريم حقاً ، ولا يمكن أن يجلس إلى المائدة إلا ومعه ضيوفه ، وهو _ كعادة الدروز _ يعزم عليهم ويحلف ، ولا يجلس إلا إذا جلسوا جميعاً ، ولا يشرع في الطعام إلا إذا بدأوا جميعاً ، وقد يقوم فيطوف بالأطباق على ضيوفه زيادة في التكريم مع أن فرقة من الخدم تقف خلفه !

    وفريد ، على كرمه ، لا يحب أن يستغله أحد ، إنه ينفق عليك ألف جنيه بكيفه ومزاجه ، ولكنه يطالبك بعشرة قروش يحس أنك تريد أن تأكلها عليه ! هذا طبعه ، وبعض اللواتي أردن استغلاله فشلن في الاستمرار معه لهذا السبب ، فإنهن يتعجلن استغلاله ويكشفن أنفسهن بطمعهن ، يطلبن منه نقوداً مثلاً ، وهو لا يقول لا ولكنه يسرها في نفسه .. مع أن المتعجلات يستطعن أن يأخذن عيناً من عينيه إن استعملن اللياقة والصبر وتركنه يعطي !

    وهو يحب العطاء ، ولا يقبض يده عن عون أو غوث أو مروءة ، وقد يرى في الطريق شحاذاً لا يستجدي فيعطيه جنيهاً ، وقد يلاحقه فحل لحوح يتسول منه قرشاً فلا يعطيه هذا القرش .. وله آيات كرم لا يعرفها أحد .. من مرتبات مرصودة لأسر فقيرة ومن رعاية لطلبة غير قادرين على الاستمرار في العلم ، ومن حدب على الفنانين من غير القادرين الذي أقعدهم المرض أو الشيخوخة عن الكسب ، ولا يمكن أن يرد طارقاً على بابه لغرض البر ، فلا تقام حفلة خيرية إلا وتبرعاته لها في أول قائمة ، وإذا غنى فبالمجان يغني ، وإذا وعد بالغناء وحالت دون الغناء قوة قاهرة فإنه يدفع من جيبه ما يعوض عن غنائه . مرة وعد المرحوم صلاح سالم بأن يغني لصالح الطلبة الجامعيين العاجزين عند دفع المصروفات الجامعية ، ثم فاجأته الذبحة الصدرية ومنعه الأطباء من الحركة .. وأحاطوه بممرضاته الثلاث ، وفي يوم الحفلة ذهب إليه وفد من جمعية الطلبة ومعهم باقة ورد ، فقام فريد من فراشه بين احتجاجات الممرضات وكتب شيكاً بيده وهن يصرخن .. لا على الشيك بل على الخطر الذي يتهدده من جلسة الفراش وهو في حال الخطر !

    وسمع بنكبة السيل في قنا وهو على فراش الذبحة الصدرية الأولى ، وكان أحد أفلامه معداً للعرض ، فتبـرع بحفلة الافتتاح للمنكوبين ودعا إليها قادة الثورة الشبان ، فلبى الدعوى السيد الرئيس جمال عبد الناصر وصحبه ، وليلتها رشق الرئيس جمال عبد الناصر وساماً على صدر فريد الأطرش حين قال لشقيقه فؤاد :

    _ فريد يهم الجميع .. خل بالك منه !

    وحين وقع زلزال لبنان غنى ، وحين شبت الثورة في الجزائر غنى ، وحين تشكلت جمعية لترعى الفنانين الفقراء غنى .. في البر سباق إلى الغناء مع أنه قد يحرن على ألفى جنيه ولا يغني في حفلة لا تعجبه ! وأستطيع أن أقول أن فريد الأطرش يتصدر قائمة الفنانين الذين لا يستغلون فنهم ! فهو يستطيع أن يكسب منه أضعاف ما يكسب ، ولكنه لا يفعل ! إنه ، مثلاً ، غنى للإذاعة عشرة أعوام بلا مقابل ! وحين أخرجه جلال معوض من عزلته وأعاده إلى جمهوره رد جميل جلال فلم يأخذ من الإذاعة قرشاً من أية حفلة في أضواء المدينة، وقد يدفع أجر الموسيقيين من جيبه حين يجامل في حفلة يتطوع بها بالغناء وكل ما أعطاه من ألحان لزملائه المطربين وزميلاته المطربات بالمجان ، كل لحن غناه له غيره كان بغير مقابل .. فهل تستطيع أن تقف عند ملحن وتقول عنه هذا فعل مثلما فعل فريد ؟ ولعل السر في هذا كله أنه رغم ما عانى من فقر في ريق العمر لا يكترث للمال .. أبوه كان مثله ، وعلى شاكلته كانت أسمهان ، وقد يتجاوز فؤاد الثلاثة في التفريط والتبذير ، وفريد لا يعتني بأن يكون له في البنك رصيد وفوق الأرض عمارة تناطح السحاب ، وقد أخطأ مرة وبنى عمارة فلما تجاوزت نفقاتها ما رصده لها وعاند فباعها وبدد ثمنها !

    وهو يحب القمار .. يحبه لا ليكسب من ورائه ، فقد قلت أنه لا يقيم وزناً للمال ، ولكنه يحبه لأن فيه عنصر إثارة ، وفيه يستغرق بكل حواسه فينسى ما في رأسه من أفكار وما في صدره من هموم ! وهو مع هذا يغتاظ إن خسر ويفرح جداً إذا كسب !

    وقد علمته الأيام أن يعتمد على نفسه فقط ! وقد أصبح لا يثق في الناس ولا يعول عليهم في شيء لأن أكثر الذين أحبهم وصفي لهم وده انقلبوا عليه .. ربما انقلبوا عليه لعصبيته أو لعناده ولكنه ينكر عليهم جميعاً أنهم يخونون العيش والملح ! وهو يعرف أن بعض الذين حوله ينافقونه ، ولكنه يتركهم ينافقونه ويضحك عليهم في سره ، وقد يطرون كل ما يقول أو يغني وهم يتحدثون إليه فإذا تحدثوا على الصحف هاجموه ، ويبادرون إليه فينكرون أنهم قالوا ما نشر ... فيصدقهم .. ويضحك عليهم في سره ! ولهذا يقول البعض أنه ساذج ، وأنا لا أرى هذا الرأي ، إنني أرى أن فريد يتوكل على الله ، إنه يؤمن بأنه ما من مخلوق يسبب له أذى أو خسارة أدبية أو نفسية أو مالية إلا وتدور الأيام فينتقم الله له منه أشد الانتقام ! فريد يؤمن بأن الجزاء من جنس العمل ، وإن الله يمهل ولا يهمل ، ولهذا فإنه إذا لم يشتبك في معركة مع من يسيء إليه فإنه من قلبه يشكوه إلى الله ! ولكنه طيب القلب لا يشمت إن وقع جزاء الله .. وتستطيع أن تراجع قصص كل من دخل حياته وخرج منها مخلفاً له في القلب جرحاً وفي النفس طعنة .. راجع كل هذه القصص وستجد أن قصاص الله نزل بهم وبهن ، وذاقوا وذقن من ذات الكأس التي شرب منها فريد من أيديهم وأيديهن !

    وهو متوكل على الله لأنه شديد الأيمان بالله !

    ولهذا تعتلي كلمة الله الحائط فوق فراشه ، وتتجلى على مصحف من ذهب فوق صدره تحت ثيابه ، وتزين كل جدار في حجرته الشرقية لأنها تنـزل على قلبه برداً وسلاماً . وإذا بدأ فريد بالغناء فإنه يقول يا رب ،وإذا وقع في كرب فإنه يقول يا رب ، وهو شفاف النفس .. صافيها ، وقد يتنبأ بأشياء فتقع وكأن الحجاب مكشوف عنه !

    وهو يؤمن بأن له ملاكاً يحرسه ، ولهذا لا يخاف المرض ، ولا يخاف الموت ! في عز الشتاء يخرج إلى شرفة فيها صقيع ، وفي عز الليل والظلام يذهب إلى الاسكندرية في سيارة تقطع الطريق بسرعة مذهلة ويوم فرح عنده يوم يركب الطائرة ، ولعل السر في شجاعته هذه نشأته في جبل صلد ، في رجاله خشونة ، وأكثر ما يباهون به قصص الحرب والبسالة والبطولة .. وهو لو صدق الذي يتنبأون بالموت لما خرج من بيته ، ولو خشي كلام الأطباء لاستلقى على الفراش بقية عمره بين أنين أو خوار أو أرق ! ولكنه لا يبالي !

    وهو فيما خلا القمار لا تستأثره عادة ذميمة ! فهو مثلاً لا يدمن الشراب ، بل إن الشراب لا يستهويه على الإطلاق . وقد يشرب كأساً من الويسكي كدواء ، فإن الأطباء يصفون الويسكي لمرض الذبحة الصدرية لأنه يوسع شرايين القلب وينشط دورة الدم ! فإذا شرب فريد الكأس فإن عينه تحمر ، فإذا كان عنده ضيوف فعليه أن يجاملهم ويشرب الكأس الثانية .. إذ ذاك لا يخفي نشوته ، وتتصل ضحكاته لسبب ولغير سبب ، وهو لا يدخن ، وإذا دخن فللمجاملة بلا مزاج ، وهو لا يخون صديقه ، ولكنه لا يصون سراً ، فإذا أردت أن تذيع خبراً فقله لفريد وقل له : هذا سر ! إن عذره معه .. إن صدره لا يحتمل الأسرار ، ليس فيه مكان لأي سر حتى ولو كان سر نفسه ، وقد لا يحالفه التوفيق وهو يختار من يبوح له بسره فيشهر السامع للسر هذا السر سلاحاً في وجه فريد الأطرش !

    فريد في رأيي رجل بلا عقل باطن ، كل ما في سريرته على لسانه ، كل ما في قلبه على شفتيه ، لا يؤمن بالغموض ولا يحبه ، ويغتاظ منك أشد الغيظ إن كنت في جلسته أو كان في جلستك وهمست في أذن مخلوق بسر ! ولأنه بلا عقل باطن يرتاح إليه الناس بسرعة ، كما قد يغضبون منه بأقصى سرعة ، وهو يقول لك :

    _ إذا لم أقل كل ما عندي فإنني لا أنام !

    ومن هنا فإن فريداً لا يجيد النصر في معارك المنافسة التي تتطلب براعة في التكتيك ، ودهاء في التخطيط ، إنه قد يضع خطة محبوكة فإذا صادف عدوه فإنه لا يملك إلا أن يبوح بها له !

    ***

    وهو شرقي الطباع من غير منازل ! القاعة الشرقية في كل بيت يسكنه تسبق إلى الوجود الحجرات الحديثة .. وصواني خان الخليلي ! وأرجيلة سوق الحميدية ، وسجاجيد كشمير ، وشلت السويداء تسبق إلى بيته جهاز التلفزيون وآلة التسجيل والديكورات السريالية !

    وهو ينام نوم الفهد .. فلا تنطبق جفونه على عينيه ، وقد تنظر إليه وهو نائم فتظنه يقظاناً ! وقد كان في صباه يمشي وهو نائم ! وكانت أسرته تخاف عليه من هذه العادة لأن عماً له يدعى أسد الأطرش تسلق سوراً وهو نائم ، ومشى على السور ومات ! في حي غمرة مشى فريد وهو نائم وقام إلى الشرفة ! فوجده فؤاد وهو يتأهب ليتسلق سورها وسأله ، إلى أين ، فقال فريد وهو نائم اشتري حلاوة طحينية ! وقد كان له بها غرام ، فهمس فؤاد في أذنه : أنا اشتريتها ، عد إلى فراشك فعاد وهو نائم ، ونام وهو نائم .. وفي الصباح نسي كل شيء !

    وقد أقلع عن عادة المشي وهو نائم بلا مقدمات !

    وهو يحب في الفاكهة كل ما كان لونه أحمر : الكريز ، الفراولة ، والرمان ! ولكنه يحب في الثياب اللون الأزرق بمشتقاته ، وقد تجد عنده مائة رباط عنق ثمانون منها من درجات اللون الأزرق ! وهو يحب اللون الأزرق لأنه لون السماء ولون البحر ، وفريد قد يقضي الساعات يتأمل السماء أو يتأمل البحر فلا يداخله الملل !

    ولكنه يحب حياة الليل ، فيقضي أكثر أشطره مع أحد أصدقائه ويحوله إلى نهار بضجيجه وصخبه ! وهو يعشق الضجيج والصخب ، وقد يضع في الضجيج والصخب أرق ألحانه ، وهو ليس مثل المتخذلقين الذين يغلقون الأبواب والنوافذ ويطلقون البخور والعطور وينامون عشرين ساعة ليتفرغوا للتلحين ! الوحي يهبط عليه في أي مكان فيدندن ويصنف ويبدع . مرة كان في سباق الخيل ، ووسط هوس المراهنين وصياحهم وضع لحن (( تصبح على خير يا حبيب )) !

    وهو يحب السياحة لأنه فيها ينطلق ويعيش ! إنه في القاهرة ، والاسكندرية ، وبيروت ، ودمشق ، وبغداد ، لا يستطيع أن يمشي في الشوارع ويتفرج على واجهات الحوانيت ، ولا يستطيع أن يسهر في ملهى ، ولا يستطيع أن يصخب في مكان عام ويلهو لأن كل شيء مرصود عليه ومحسوب ! لهذا يحب باريس حيث يعيش كأي آدمي عادي .. حراً طليقاً خفيفاً !

    ولأنه لا يعرف يوم عيد ميلاده فإنه لا يحتفل به ، ولكنه يعوضه فيحتفل بأعياد ميلاد أصدقائه أو زملائه ! إذا كان يعمل في فيلم فإنه يحتفل بأعياد ميلاد البطلة والمخرج والمصور والمؤلف ، وإذا لم يكن فإنه يشمشم على أي عيد ميلاد ويحتفي به ، ويطفئ الشموع ، ويغني .. قلبه تملؤه السعادة حين يراها عند الآخرين ، وتملؤه السعادة حتى تفيض حين يراها عند الآخرين من صنع يديه !

    مرة رأى شقيقه فؤاد يبدي إعجاباً بسيارة ، وكان فؤاد يستعد للسفر ، وحين عاد وجد السيارة تنتظره في المطار !

    وهو لا يحب النساء الصارخات الجمال ، لا يحب ملكات الفتنة ، وذوات الإغراء الصاعق ! إنه يحب الجمال البسيط ، لسمراء أو شقراء ، وأهم ما يهمه في المرأة أن تكون جميلة الروح ، تلك تأسره وتدوخه ، وأن تكون شبعانة ، تلك تطويه وتطول حبة عينه ، وأن تكون حنونة ، تلك تأخذ قلبه وتتربع فيه ، وأن تكون واضحة .. تلك يثق بها ويعمر معها ! فإذا وجد هذه الصفات كلها في واحدة فإنه حتماً وقطعاً سيتزوجها !

    والسر الأكبر في أن فريد الأطرش لا يحب الزواج إنه لا يحب القيود ! وهناك سر آخر لم يعد سراً بعد ما تجولنا كل هذه الجولات في حياة فرد .. إنه لا يثق بالمرأة ، والمرأة على المواصفات السابقة هي التي يمكن أن تكسب ثقته ، وهي التي يمكن أن تزين له قفص الزواج فيقع في الفخ !

    وقد عاش بكل قرش كسبه فتمتع بكل ما في الدنيا ! هو لا يبخل على النفس ومن باب أولي يكرم نفسه ! وقد جرب كل شيء حتى السجن! فقد كان يغني مرة عند أسرة محمد كامل محسن وكان هناك مصطفى النحاس وكان رئيس الوزراء اسماعيل صدقي، وقد أصدر أمراً بالقبض على النحاس وكل من معه ووضعهم في السجن !

    فريد كان معهم !


    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  3. #23
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    5

    افتراضي

    مشكووووووووووووووور

  4. #24
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    5

    افتراضي

    الله على أغاني زمان


    يعطيك العافيه

+ الرد على الموضوع
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك