آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: بكائيات ديك الجن

  1. #1

    افتراضي بكائيات ديك الجن

    بكائيات ديك الجن

    هذا شاعر حكمت عليه الأقدار بأن يقضي معظم حياته وهو يعض بنان الندم ، ويبكي دماً – لادموعاً – زوجته وحبيبته التي قتلها بيديه ، بعد أن استسلم لوشاية كاذبة ، فلمّا عرف الحقيقة – بعد فوات الأوان – أخذ يعالج نفسه بالشعر تطهيراً وتوبة وندماً , ولكن هيهات !

    والقصة التي يرويها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه "الأغاني" حين يقول عنه :
    هو شاعر مجيد , يذهب مذهب أبي تمام والشاميين في شعره. ثم يقول :

    كان عبد السلام بن رغبان (أي ديك الجن) قد اشتهر بجارية نصرانية من أهل حمص , هويها وتمادى به الأمر حتى غلبت عليه وذهبت به .
    فلما اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوج بها , فأجابته لعلمها برغبته فيها, وأسلمت على يده ,فتزوجها وفي ذلك يقول:

    انظر إلى شمس القصور وبدرها
    ............................................ وإلى خزاماها وبهجة زهرها
    لم تبل عينك أبيضاً في أسود
    .......................................... جمع الجمال كوجهها في شعرها
    وردية الوجنات يختبر اسمها
    .......................................... من ريقها من لا يحيط بخبرها
    وتمايلت فضحكت من أردافها
    .......................................... عجباً ,ولكني بكيت لخصرها
    تسقيك كأس مدامة من كفها
    .......................................... وردية ومدامة من ثغرها

    وكان قد أعسر واختلت حاله , فرحل إلى سلمية قاصداً لأحمد بن علي الهاشمي ,فأقام عنده مدة طويلة ,وحمل ابن عمه بغضه إياه بعد مودته له وإشفاقه عليه بسبب هجائه له ,على أن أذاع على تلك المرأة التي تزوجها عبد السلام أنها تهوى غلاماً له ,وقرر ذلك عند جماعة من أهل بيته وجيرانه وإخوانه ,وشاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام ,فكتب أحمد بن علي شعراً يستأذنه في الرجوع إلى حمص ويعلمه ما بلغه من خبر المرأة من قصيدة أولها :

    إن ريب الزمان طال انتكاثه
    ..........................................كم رمتني بحادث أحداثه

    فأرصد له قوماً يعلمونه بموافاته باب حمص ,فلما وافاه خرج إليه مستقبلاً ومعنفاً على تمسكه بهذه المرأة بعدما شاع من ذكرها بالفساد, وأشار عليه بطلاقها , وأعلمه أنها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به معها المقام عليها ,ودس الرجل الذي رماها به ,وقال له :إذا قدم عبد السلام ودخل منزله ,فقف على بابه كأنك لم تكن تعلم بقدومه ,وناد باسم ورد ,فإذا قال: من أنت ؟ فقل : أنا فلان .

    فلما نزل عبد السلام منزله ,وألقى ثيابه ,سألها عن الخبر وأغلظ عليها ,فأجابته جواب من لم يعرف من القصة شيئاً ,فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب فقال: من هذا؟ فقال : أنا فلان , فقال لها عبد السلام : يا زانية ، زعمت أنك لا تعرفين من الأمر شيئاً. ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها ،
    وقال في ذلك :
    ليتني لم أكن لعطفك نلت
    .......................................... وإلى ذلك الوصال ما وصلت
    فالذي مني اشتملت عليه
    .......................................... ألعار ما قد عليه اشتملت

    وبلغ السلطان الخبر فطلبه ، فخرج إلى دمشق فأقام بها أياماً ، وكتب أحمد بن علي إلى أمير دمشق أن يؤمنه وتحمل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا جنايته.

    فقدم حمص وبلغه الخبر على حقيقته وصحته ، واستيقنه فندم ، ومكث شهراً لا يفيق من البكاء ، ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه ، وقال في ندمه على قتلها:

    يا طلعة طلع الحمام عليها
    ....................................... فجنى لها ثمر الردى بيديها

    حكّمت سيفي في مجال خناقها
    .......................................... ومدامعي تجري على خديها
    روّيت من دمها الثرى ، ولطالما
    .......................................... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها
    فوحقّ نعليها وما وطئ الحصى
    .......................................... شيء أعز علي من نعليها
    ما كان قتليها لأني لم أكن
    ..........................................أبكي إذا سقط الذباب عليها
    لكني بخلت على العيون بلحظها
    ..........................................وأنفت من نظر العيون إليها

    هذا هو ديك الجن الحمصي كما جاء ذكره في كتاب الأغاني، عاش بين عامي مائة وواحد وستين ومائتين وخمسة وثلاثين هجرية ، وذاعت له شهرة في إبداع الشعر الجميل يقوله في اللهو والشراب والمجون والإسراف في الحديث عن المتع واللذائذ ،

    وكان معاصروه يرون فيه قريناً مكافئاً لشعراء عصره الكبار ، لكن قعد به تمسكه الإقامة في حمص ، فلم يفارق الشام ولا رحل إلى العراق كما كان يرحل شعراء زمانه ليكتسبوا المال والشهرة .
    وفي شعره رقة لا تخفي فحولة صياغته ، وهجوم على المعاني غير المألوفة والصور الشعرية الطازجة ، والتماس المداخل الشعرية المغايرة وغير التقليدية.
    يقول عن دمعه السيّال ندماً لعله يكفر عن ذنبه:
    ما امتنع الدمع وإسباله
    ..........................................عليّ ، لما امتنع المطلب
    إن تكن الأيام قد أذنبت
    ..........................................فيك فإن الدمع لا يذنب

    وفي موضع آخر من بكائياته النادمة – التي تغرد في ديوان الشعر العربي – يرد على من يلومونه لطيشه واندفاعه وعدم تثبته في أمر زوجته ومحبوبته ورداً التي سارع إلى قتلها ظلماً وعدواناً :
    قال ذو الجهل : قد حلُمتَ
    ..........................................ولا أعلم أني حلمت حتى جهلت
    لائم لي بجهله ، ولماذا؟
    ..........................................أنا وحدي أحببت ثم قتلت
    سوف آسى طول حياتي وأبكيك
    ..........................................على ما فعلتِ ، لا ما فعلتُ

    لقد قبرت ورد ودفنت بعد مقتلها على يديه , لكنه هو المقتول والمقبور في حقيقة الأمر لا هي , ولو أنها درجت بحاله بعدها لبكته وهي في قبرها ولرثته لفجيعته ومأساته :
    قمر أنا استخرجته من دجنه
    ..........................................لبليتي , وجلوته من خدره
    عهدي به ميتاً كأحسن نائم
    ..........................................والحزن يسفح عبرتي في نحره
    لو كان يدري الميت , ماذا بعده
    ..........................................بالحي حل , بكى له في قبره
    غصص تكاد تفيض منها نفسه
    ..........................................وتكاد تخرج قلبه من صدره

    ويعود طيف ورد الذي أتاه زائراً بعد أن دفنت في قبرها , وكأنه جاء للومه وتأنيبه وتعنيفه على ما جنته يده , وهي صورة شعرية تكشف عن طبيعة الصور التي تقض عليه مضجعه , والأطياف التي تحيط به وتؤرقه وتحرمه طمأنينة النوم :

    جاءت تزور فراشي بعدما قبرت
    ..........................................فظللت ألثم نحراً زانه الجيد
    وقلت :قرة عيني قد بعثت لنا
    ..........................................فكيف ذا وطريق القبر مسدود
    قالت : هناك عظامي فيه مودعة
    ..........................................تعيث فيه بنات الأرض , والدود
    وهذه الروح قد جاءتك زائرة
    ..........................................هذي زيارة من في القبر ملحود

    ويحاول دارسوا "ديك الجن " أن يفسروا سبب تسميته بهذه التسمية , ويوردون في هذا المجال روايات شتى, أقربها إلى المنطق أنه شبه نفسه بالجني في بعض شعره ثم زاد عليه أمر الديك الذي ينبه بصياحه النائمين إلى خيوط النور الأولى من النهار , وكأن الشاعر ينبه معشر الجن جميعاً إلى نفض النوم وبدء اليوم الجديد للقصف واللهو والانطلاق . يقول ديك الجن :


    أيها السائل عني
    ..........................................لست بي أخبر مني
    أنا إنسان براه الله
    ..........................................في صورة جني
    بل أنا الأسمج في العين
    ..........................................فدع عنك التطني
    أنا لا أسلم من نفسي
    ..........................................فمن يسلم مني؟

    وستظل كلماته الأخيرة إلى " ورد " –بعد مقتلها ودفنها – موجعة ومؤثرة , وهو يتمنى لو أنه ترك وجهها عارياً مكشوفاً دون أن يوارى التراب ويقول :

    بأبي نبذتك بالعراء المقفر
    ..........................................وسترت وجهك بالتراب الأعفر
    لو كنت أقدر أن أرى أثر البلى
    ..........................................لتركت وجهك ضاحياً لم يقبر

    وديك الجن هو صاحب البيت المشهور الذي تردد كثيراً على ألسنة المغنين عبر العصور :
    جس الطبيب يدي جهلاً , فقلت له:
    ..........................................إن الداء في قلبي , فخلي يدي

    كما أنه شاعر هذه البكائيات الحارة –تأنيباً لنفسه وندماً – وإن كان وجدانه –في بعضها- يتململ مبرراً لنفسه مقتل "ورد" ومتهماً إياها بالخيانة والغدر حتى يستريح ضميره ويهدأ :
    قل لمن كان وجهه كالضياء
    ..........................................الشمس في حسنه وبدر منير
    كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم
    ..........................................ثم قد صرت زين أهل القبور
    بأبي أنت في الحياة وفي الموت
    ..........................................وتحت الثرى ويوم النشور
    خنتني في المغيب والخون نكر
    ..........................................وذميم في سالفات الدهور
    فشفاني سيفي وأسرع في حز
    ..........................................التراقي –قطعاً- وحز النحور

    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  2. #2

    افتراضي


    أخي الفاضل سالم

    لك جزيل الشكر على هذه البكائيات المؤثرة لديك الجن
    ولأسلوبك المتميز في السرد

    ومع مايختلف فيه الرواة ومايتناقلونه من الروايات المختلفة

    فأحدهم يزعم:أن ديك الجن وجد الجارية والغلام وكان يهواهما متعانقين
    يقبل بعضهما بعضاً، فقتلهما معاً

    واخر يزعم:كان رجل من العرب تحته ابنة عم له، وكان لها عاشقاً، وكانت امرأة جميلة، وكان من عشقه لها أنه يقعد في دهليزه مع ندمائه، ثم يدخل ساعة بعد
    ساعة ينظُر إليها، ثم يرجع إلى أصحابه عشقاً لها، فطبن لها ابن عم لها،
    فاكترا داراً إلى جنبه، ثم لم يزل يراسلها حتى أجابته إلى ما أراد،
    فاحتالت، وتدلت إليه,, ودخل الزوج كعادته، لينظر إليها، فلم يرها،
    فقال لأمها: أين فلانة؟
    ,, فقالت: تقضي حاجة، فطلبها في الموضع، فلم يجدها، فإذا هي قد تدلت وهو ينظر إليها، فقال لها: ما وراأك؟,, والله لتصدقني,, قالت: والله لأصدقنك من الأمر كيت وكيت، فأقرت له، فسل السيف، فضرب عنقها، ثم قتل أمها، وهرب وأنشأ يقول تلك الابيات

    يا طلعة طلع الحمام عليها
    وجنت لها ثمر الردا بيديها
    ..................
    .........................

    واقول مع كل هاذه الروايات يبقى هذا الشاعر وروايته مع الجارية
    لهما اثر كبير في النفوس وخاصة لمن يتذوق الادب والشعر
    فهذا الشاعر فاق بشعره شعراء عصره، واشتهر حتى صار الناس يبذلون المال للحصول على قطعة من شعره. ولم يتكسب من شعره، في مدح خليفة او سلطان
    ولم يغادر الشام طيلة حياته، رغم رواج سوق الشعر في العراق

    وفي الختام اكرر شكري اخي لما امتعتنا به من قراءة
    فاقت الوصف جمالاً وروعة

    تحياتي وتقديري

    روعة



    كنا نريد وطنا نموت من أجله، وصار لنا وطن نموت على يده”

  3. #3

    افتراضي

    روعة الدرب

    شكرا .. جزيلا

    قرأت ما نوهت له من روايات .. وكما تفضلت هي كثيرة بالفعل ..

    لكن ما ذكرته أعلاه ...... هو الأصح والموثق في أغلب كتب الأدب حول ديك الجن واسمه ومكانه ونشأته ...................

    ويبقى إثرائك للموضوع جمالا بحد ذاته ....

    فلك الشكر سيدتي ..
    وكثير من ياسمين
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  4. #4
    أميرةُ الياسمين الصورة الرمزية عشتار
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,374

    افتراضي

    ومن الشك ما قتل

    شكرا المعلومة الأدبية أيها الياسمين
    أنا المسكُ وعبق الرياحين وعُطر الورد ونَبض العُود
    إذا ما اشتدّ شوقه لعينيك وكفّيك..!

  5. #5

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عشتار مشاهدة المشاركة
    ومن الشك ما قتل


    شكرا المعلومة الأدبية أيها الياسمين

    لعله ليس الشك أميرة الياسمين

    بل هو وله الحب وعماه ...

    تحياتي لمرورك
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك