آخـــر الـــمـــشـــاركــــات

+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: لعلّه يبتسم

  1. #1
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    المشاركات
    24

    افتراضي لعلّه يبتسم

    (أنا رجعت من بحار الموت دون موت
    حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،
    وعدت دون موت)
    صلاح عبدالصبور

    من السهل اختيار ضحية اليوم ..
    فالشوارع شبه خاوية بفعل رياح الخماسين التى اقتلعت الناس من الطرقات واوصلت رائحة الأتربة الى مكاتبنا ومنازلنا .
    الطقس اليوم اهدأ قليلاً , لكن حتى لو لم يكن هادئ , ماذا افعل فى منزلى ؟ فالحياة فى المنزل حياة مملة , بين امى المريضة والصحف والكتب المستهلكة .
    وسئمت ايضاً مراهنات النرد واحاديث المقاهى المكررة .
    وفكرة التسكع وحدها من السهل ان تدفع الى نفس الملل , لكن مراقبة خلق الله هى الحل الوحيد الذى سيحافظ على الإثارة بداخلى .

    بدأت هذه العادة منذ عام تقريباً , وهى عادة مثيرة وشائقة وغير مكلفة على الإطلاق , فلا علىّ سوى ان استقل المترو الى وسط المدينة واختار ما شئت من الأشخاص – غالباً ما يكون الإختيار حسب الحالة المزاجية – واظل اراقبه اينما سار , حتى ينتهى سيره عند مقهى او منزل او عند اى وسيلة مواصلات , وبعد ذلك اختار ضحية اخرى ... وهكذا يومياً .

    لا شك اننى اصبحت عارف بأمور الناس , ونزلاء وسط المدينة كلهم اصبحوا اصدقائى , فلم يعد من الغريب ان انظر الى احد الوجوه واعرف ان هذا الرجل ابتاع ملابس من (عمرافندى) منذ ايام او هذا تشاجر مع الشرطى بالأمس او هذه كانت واقفة مع شاب وسيم فى قصر النيل فى يونيو الماضى .
    ولن انكر ان هذه العادة لم تخلو من ذكريات سيئة , فكم مرة اوقفنى الشرطى معتقداً اننى اغازل الفتيات وكم مرة تشاجرت مع رجال معتقدين اننى اطمع فى حافظة النقود التى تحتوى على مرتب الشهر الجديد .
    لكن مع هذا فأنا ادمنت هذه العادة ومن الصعب الإقلاع عنها , مثلما يصعب على المدخن ترك السيجارة او المقامر ترك الميسر , هذا غير ما فى العادة من مغامرة واستمتاع , بالإضافة الى انها العادة الوحيدة التى اخرج بها من قرف الوظيفة ومشاكلها فى الصباح .
    دائما يضم صباح كل يوم مشاكل وفى يومى هذا زاد على المشاكل رياح الخماسين المزعجة التى اختنقنا منها , لكن الجو ليلاً اصبح اكثر اعتدالاً , ارجو ان يظل الطقس على اعتداله غداً .
    فغداً ستعلن قائمة الترقيات فى الإدارة ومن المفروض ان اكون انا اول اسم فيها , لقد تجاوزنى المدير السابق فى العام الماضى لخلافات شخصية , لكن المدير الجديد رجل طيب ويقدر مجهودى .
    آه وغداً 21 مارس , نعم يجب الا انسى ان ابتاع هدية لأمى فى عيد الأم , لو نسيتها سيصيبها الكدر والمنزل لا يحتمل قتامة , وغداً سأذهب الى زميلى احمد على لأتفق معه على مسألة الزواج من اخته الجميلة لأتخلص بها من المشكلات الجنسية التى تغزو جسدى وتكدر حياتى .
    ان غداً يتوقف عليه الكثير لكن دعنا منه الآن لنختار ضحية الليلة :
    ما رأيك فى هذه الفتاة الطويلة : انها ليست مصرية فهذه العيون خليجية لا جدال .
    ليكن هذا الرجل الذى ينحنى ليرى المجلات الأوروبية ذات الأغلفة الساخنة .
    او هذا الرجل الذى رمى علبة سجائره لأنه اشعل اخر سيجارة فيها .
    ملامحه ليست غريبة علىّ , اقلّب فى ذكريات المكان عندى لعلّى اجده :
    هل تتبعته فى قصر النيل .. التحرير .. طلعت حرب .
    لا لم اتبعه قط , ربما كان من ذكريات الماضى , لكنه لم تكن فى الماضى ذكريات تذكر .
    الجامعة – الثانوية – الإدارة !!
    لكننى اتذكره جيداً .
    اتذكر هذه الملامح لكنها لم تكن بهذا الجمود ابداُ , كنت اراه بوجه مشرق مبتسم نظيف , لم يكن يحمل هذا الشارب القذر , ولا هذه الشعيرات النابتة .
    اتذكر ضحكته الصافية , كنت عندما اراها انسى الزمان والمكان ولا اتذكر سوى المرح .
    ربما رأيته فى احلامى ؟ .... دعك من هذه الخرافات .. ومنذ متى تتذكر احلامك من الأصل .
    فليكن فلأتبعه ولن يخلو الأمر من استمتاع .
    وضع السيجارة فى فمه ومضى يسير بخطوات هادئة , اعتقد انه مثلى لاهدف له سوى التسكع , لكن تسكعه نبيل لا شك فى هذا , اذكر انه انسان صاحب اخلاق , انا متأكد مما اقول , ومتأكد ايضاً اننى حين عرفته لم يكن يدخن , فأنا لا انسى ابداً ذكريات المزاج سواء كانت تدخين او حشيش او خمر .
    توقف عند بائع الصحف واشترى صحيفة لم استطع ان اعرف ما هى , لكننى رأيت وجهه وهو يعطى البائع النقود , كان وجهه متجهم خالى من الإبتسامة الصافية التى اعرفه بها, ربما حدث له حادث قاسى , ربما فقد احد افراد اهله المقربين .
    لكننى اتذكر انه فى اقسى لحظات الحزن كان يبتسم ابتسامة صافية تهوّن علينا مآسينا , كيف اتذكر كل هذا عنه ولا اتذكره !! .
    لا وقت الآن للتفكير يجب ان اواجهه واحادثه , يجب ان نعود اصدقاء كما كنا فى الماضى – لا اعرف كيف سقط من ذاكرتى هذا الجزء من الماضى – سأذهب له اعرّفه بنفسى ونجلس معاً فى احدى المقاهى واثرثر معه واقول له اننى غداً سأحصل على ترقية وترتفع سلطاتى ويزيد مرتبى , واننى سأبتاع هدية لأمى بمناسبة عيد الأم حتى لا يتكدر البيت , واننى سأتفق مع زميلى احمد على على الزواج من اخته الجميلة حتى اتخلص من مشاكلى الجنسية .
    لكنه لا يبتسم , اخشى ان يكون حزين وازعجه بتطفلى , لكن دورى كصديق يحتّم علىّ ان اواسيه مثلما كان يواسينا فى الماضى .
    ولعله عندما يرانى تعود له ابتسامته المشرقة .
    اسرعت وربتت على كتفه :
    - مساء الخير هل تتذكرنى انا خليل .. خليل عبدالمحسن
    فظهرت على ملامحه الحزينة علامات عدم الفهم
    - ربما لم نتقابل منذ زمن بعيد , لكننا كنا اصدقاء يوماً ما , اتمانع ان تتناول معى كوب من الشاى فى اى مقهى .
    فلم يهتم بما قلت ومضى فى طريقه المجهول .
    كانت علامات وجهه تؤكد انه يعتبرنى مجنون .
    انتظرت طويلاً ان يبتسم ابتسامة التعارف ولم يفعل , لكننى لاحظت الجريدة التى كان يمسكها كانت جريدة غريبة اسمها (فى محراب الفن) اتذكر .. انه كان عنوان كتاب ليحيي حقى , لكننى اتذكر شئ آخر اننى سمعت هذا الإسم منه فى يوم ما .
    لكننى لم ار هذه الجريدة سوى اليوم , لست اتابع الصحف الأدبية والفنية , لكن اسم مميز مثل هذا كان يجب ان يتعلق بذهنى .
    فكرت ان اعود واشترى الجريدة من بائع الصحف الذى اشتراها هو منه – فأنا اعرف مكانه جيداً – لكن هذا يعنى ان افقد اثره , لا تهم الجريدة , لأتابعه وربما يتعرّف علىّ .. ويبتسم .
    ظللت اتابعه , توقف بوجهه الغائبة عنه الإبتسامه عند محل ملابس فخرجت منه امرأة فى نهاية العقد الثالث – عمرى وعمره تقريباً – وقفت اشاهدهم ولم اجرؤ ان اقترب لأستمع للحوار, تحادَثت هى معه , كان يرد بكلمات مقتضبة – ولم يكن يبتسم – كان تضحك احياناً وهو بنفس الوجه الحزين لا اثر فيه للإبتسامة الصافية التاريخية .
    ولم تكتمل اللحظة حتى وجدت وجهها غاضب واخذت تتكلم بعصبية غير عادية ورأيته يلقى الصحيفة – التى كانت بيديه – فى الأرض وسار تاركاً المرأة بوجهها الغاضب , فكرت ان اذهب والتقط الجريدة الغامضة لكن المرأة التقطتها وسارت فى الطريق المعاكس .
    ( لو كنت فى موقف آخر لكنت تابعتها – لم تكن جميلة لكنها تمتلك وقار جذاب -)

    كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحاً حينما رأيته يدخل محل للخمور وخرج منه وفى يده زجاجة خمر غالية الثمن - لا اتذكر ابداً انه كان يتعاطى الخمر – ومضى فى الشوارع يشرب من الزجاجة دون حياء , بدون ان يفقد توازنه – وبدون ان يبتسم –
    رآه شرطى ومعه زجاجة الخمر فتشاجرا معاً والقى الزجاجة فى الأرض وتهشمت فصفعه الشرطى – لا اعرف لماذا توقعت ان يبتسم فى هذه اللحظة لكنه لم يفعل – اصر الشرطى على اصطحابه الى القسم لكننى تدخلت ورشوته , وبعد ان انهيت الموقف قال لى الشرطى :
    - هذا الوقح يومياً يقوم بهذا العمل المشين وسأضطر يوماً الى اصطحابه للقسم .
    - ولماذا تمنع نفسك من هذا يومياً
    - اولاد الحلال مثل حضرتك دائما يتدخلون
    اذن فأنا لست وحدى الذى اعرفه
    اذن فهو حقيقة
    الشرطى قال انه حقيقة
    ومضى الشرطى وتركنا , فأومأ لى كأنه يشكرنى على كوب ماء وهم بالمسير ولكننى امسكته بقوة :
    - انا اعلم جيدا انك تعرفنى , واننا كنا اصدقاء فى الماضى , وصدقنى انا اعرف كل شئ عنك لكن الذاكرة لا تسعفنى الآن , لكننى اتذكر ابتسامتك الصافية ووفائك لأصدقائك وحديثك عن جريدة مجهولة تسمى ( فى محراب الفن) , انا لا اريد منك شئ سوى ان نستعيد تلك الصداقة وان ارى ابتسامتك الصافية مرة اخرى , ارجوك اقتنع بما اقول , الساعة الآن الثانية وغداً ينتظرنى يوم حافل سأحصل فيه على ترقية ويزيد مرتبى وسأبتاع هدية لأمى فى عيد الأم حتى لا يتكدر بيتنا وسأتفق على الزواج من شقيقة زميلى الجميلة حتى اتخلص من المشاكل الجنسية التى تؤرقنى , اتفهمنى .. انطق .. تحدث الىّ ارجوك
    فوضع يديه فى جيوبه كأنه يبحث عن شئ واخرجها فارغتين وقال :
    - معك سيجارة ؟
    فأعطيته علبتى فأخذها كلها ومضى
    ولم يبتسم

  2. #2

    افتراضي

    قصة جميلة وذات مغزى أخي الحبيب

    من يمكنه الابتسام في زحمة الضمير ووجع الأيام ..

    في القصة ملامح وشخصيات ورؤى متعددة ورموز إنسانية هادفة

    أتمنى أن أقرأ لك مزيد .. وأكثر كي نتعلم ونستفيد

    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  3. #3
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    المشاركات
    24

    افتراضي

    شكرا اخى سالم على اطرائك وقرائتك للقصة
    على فكرة .. انا نشرت القصة لأستفيد انا فى المقام الأول
    اكرر شكرى

  4. #4

    افتراضي

    رائع شعورك و{ايك أخي الغالي

    نكتب لنستفيد

    الحقيقة أعجبني ما تنحو إليه

    وأنا من ناحيتي رأيت قصتك جميلة ورائعة
    وأتمنى لو سمحت لي أن أضمها لعدد ( مجلة درب الياسمين السادس )
    وأتمنى أن تفيدنا بمزيد من عطاءات روحك ...
    وفقك الله
    أغنية الشلال: إني أهب بفرح مائي كله .. مع أن القليل منه يكفي للعطاش


    سألت فأس الحطاب الشجرة مقبضاً ... . فما ردتها الشجرة خائبة .

    طاغور

  5. #5
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    المشاركات
    24

    افتراضي

    مازلت اكرر شكرى اخى سالم على اهتمامك
    ويشرفنى بالطبع ان تنضم قصتى لمجلة الدرب
    فهذا يزيدنى ويزيد القصة فخر

  6. #6
    لون الشمس الصورة الرمزية عقيلة
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    6,297

    افتراضي


    هذه القصة تحتاج مني لتأمل ..
    فيها شيء ما .. حافز يدعوني للتأمل والتفكير ..
    لاستخرج معانيها تامة ..
    قصة جميلة ... بها شيء إنساني مميز .. ألقت الضوء ..
    أحتاج البحث وراء عمقها ...

    شكرا للكاتب , ونتمنى منه المزيد
    أحاول فهم هذا العالم

  7. #7
    Junior Member
    تاريخ التسجيل
    Dec 2003
    المشاركات
    24

    افتراضي

    اذا كنت نجحت فى استفزازك للتأمل
    اذن فأنا وصلت الى ما اريد حتى مع ضعف المستوى

    شكرا على اطرائك الغير مباشر

+ الرد على الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك