المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ويح القوافي (ابن الرومي)



سالم
06-11-2003, 09:58 AM
= 1=


ويح القوافي !


يبدو أن عبقرية ابن الرومي في الإبداع الشعري , وهي عبقرية كشفت عنها الدراسات الأدبية الحديثة , بعد أن ظل ذكره مطموراً خاملاً في مكتبة التراث العربي , لا يذكر إلا مع ذكر شعراء الهجاء المقذعين , يبدو أن هذه العبقرية قد أصبحت من الوضوح والانكشاف واتفاق الرأي عليها بحيث لا تتطلب شرحاً أو إفصاحاً أو إبانة , لدرجة أن محقق ديوانه – الدكتور حسين نصار- يذكر في كلمته التي تتصدر الديوان أنه من العبث أن يحاول الإنسان تقديم أديب مثل أبي الحسن علي بن العباس بن جريج الذي اشتهر بابن الرومي . "

أيقول إنه ولد في سنة مائتين وإحدى وعشرين هجرية وتوفي في سنة مائتين وأربع وثمانية ؟ .

أم يقول : شاعر الطبيعة في الأدب العربي ؟

أو شاعر الهجاء الساخر؟

أو شاعر الحياة اليومية في عصره , أو شاعر الأوهام والأشباح ؟

أو شاعر المزاج الحاد المتقلب؟

أو شاعر الإطالة والاستقصاء وتوليد المعاني ؟

أم يقول مع العقاد : "العبقري النادر" . كان شاعراً في جميع حياته , حياً في جميع شعره " .


يتبع

سالم
06-11-2003, 10:01 AM
= 2=

ثم يذكر الأستاذ المحقق – الدكتور حسين نصار –

بعض الكتب عن ابن الرومي , التي منحت الرجل صورة شائقة باقية
مثل كتاب : "ابن الرومي حياته من شعره" لعباس محمود العقاد ,
وابن الرومي : حياته وشعره لروفون جست ,
والمجلد الخامس من دراسات قصيرة في الأدب والفلسفة
والنقد للدكتور عمر فروخ ,
و " ابن الرومي " لمحمد عبد الغني حسن ,
ولمدحت عكاش ولحنا نمر ,
و" ابن الرومي في الصورة والوجود " للدكتور علي شلق ؟ .

أيا ما كان الأمر , فابن الرومي نموذج دال على إهمال القدماء وإنصاف المحدثين , وهو إهمال لا يغفره اهتمامهم بغيره , بل يزيد منه ويؤكده , لأن ابن الرومي كان أحق بالإنصاف والتقدير , ولأن عبقريته في الإبداع الشعري لم تكن خافية أو مستورة أو بعيدة عن معاصريه أو لاحقيه .


لكننا ونحن نتأمل ابن الرومي في هذا النموذج الشعري الجميل الذي نقدمه إلى القارئ عنواناً على جمال العربية , يطالعنا في ابن الرومي سمت لم يلتفت إليه بما يستحق الالتفات من دراسة وتأمل وتحليل. إن ابن الرومي يبدو في هذه القصيدة وفي غيرها من شعره شاهداً على عصره , وعلى التحولات الكبرى فيه , راصداً لما أصاب الكاتب والأديب والمبدع – وفي زمانه – من إهمال وسوء حال في مقابل من يسميهم بالتجار والسفلة والبهائم الذين يتبوؤن أعلى المناصب ويستمتعون بالخيرات وأطايب الحياة ويعتلون صهوة المجتمع دون وجه حق . إن قلبه ينزف في مواجهة سلم القيم الذي انقلب , وتردي الأحوال الذي كاد يصبح قانوناً , وانعدام الموهبة أو القدرة الذي صار شرطاً لتولي الأمور والمسؤوليات الجسام .

سالم
06-11-2003, 10:05 AM
وابن الرومي , الشاهد والراصد , يجد دواء نفسه في تلك السخرية اللاذعة , وفي ذلك التهكم المرير الذي ينفس به عن الإحساس المؤلم بالضعة والهوان والإهمال , وهو المستحق للتقدير والتكريم لو كان هناك من له بصيرة أو لديه حظ من وعي وحس وإدراك . لكنه الزمان الذي فسد والأوضاع التي انقلبت والأمور التي بلغت غايتها من السوء والتدني.
وفي هذا النص الشعري الفاتن لابن الرومي يطالعنا تساؤله المرير الساخر عن مصيره مع قوافيه وأشعاره . لقد أحكمها وسددها وثقفها وأقام مفادها وقوم سنادها , فما لها لا تجزيه إلا إيلاماً ووخزاً وكأنه أرهفها لتظعن حظه وتصيبه في مقتل , وكأنه جلاها لتنقض عليه بدلاً من أن تكون عوناً له وسنداً .
وهو لا يخفي تلك النبرة الحزينة المنكسرة التي يطلقها بين ثنايا قصيدته , يتأوه ويتأفف , ويستجمع كل ما لديه من زفرات وحسرات في قولته : لهفي على الدنيا , وهي قولة تتضمن حكمه الأخير على حصاد الرحلة وخيبة المسعى وعودته صفر اليدين أول الأمر فهو يسعى لبلوغها, ثم خلفها من ورائه , وها هو ذا ينظر فيها ويتأمل . ما الذي أعطته خمسون عاماً من المعاناة واللوعة والتجريب ؟ وماذا يفيده الآن لو أنه عاش مائة عام هذه نصفها وهو لا ينتظر خيراً بعد ولا أملاً يأمله .
ترى هل جاء شعر ابن الرومي في وقته , كاشفاً عن زماننا , دالاً على فساده وتدنيه , وشكوى المبدع الحقيقي فيه .
إن الشعر الحي , الدائم الحيوية والتجدد , هو الذي يفيض علينا - زماناً بعد زمان وعصراً بعد عصر – من حمياه المتوهجة ومن ناره المقدسة , وما يشعلنا وما يشغلنا بجماله وجلاله وصدق نفسه وعمق جلواته . وهذا هو حالنا مع شعر ابن الرومي , في هذا النص الشعري الجميل وفي غيره , في شكواه وفي سخريته وفي تندره , وفي غضبه أو يأسه وقنوطه .
إن هذا النص الجميل يكتمل بنص آخر لابن الرومي , يناجز فيه الزمان والوضع المتردي والأحوال المقلوبة , وفي جرأة وشجاعة واعتداد .



يقول ابن الرومي :

طار قوم بخفة الوزن حتى
************لحقوا رفعة بقاب العقاب

ورسا الراجون من جلة الناس
***********رسو الجبال ذات الهضاب

وما ذاك للئام بفخر
**********لا,ولا للكرام بعاب

سالم
06-11-2003, 10:07 AM
وفي قصيدة ابن الرومي التي نطالعها الآن سيطرة بحكمة على الموسيقى , وتمكن من هذه القافية المزدوجة التي تجمع بين حرفي الفاء والتاء , وكأنها التزام لما لم يلزم , أو هي متابعة للمعري في لزومياته , حين كانت قافيته تنتظم ثلاثة حروف يلتزمها في بعض قصائد ديوانه اللزوميات , رغبة في التحدي , وإظهار للقدرة والتمكن وزيادة في جرعة الموسيقى التي تحدثها القافية . وإذا كان المعري قد جعل شعاره في مقتبل عمره :
وإني وإن الأخير زمانه
****************** لآت بما لم تستطعه الأوائل


*******
فابن الرومي يعلن – في جهر ووضوح – عن تمكن من فنه الشعري , وقدرته على ترويض قوافيه , وإحكام صنعته حين يقول :


ألم تكن هوجاً, فسددتها
******************** ألم تكن عوجاً فثقفتها

كم كلمات حكت أبرادها
******************** وسطتها الحسن وطرفتها

ما أحسنت إن كنت حسنتها
******************** ما ظرفت إن كنت ظرفتها

سالم
06-11-2003, 10:09 AM
وبعض هذه القدرة الشعرية المتمكنة يكشف عنه هذا الولع بالتقابل ونحن نطالع : هوجا وعوجا , وسددتها وثقفتها , ووسطتها وظرفتها , وفي هذه الصياغة الشعرية الشديدة السلاسة والبساطة والعفوية والتدفق, لكنها كما يقول البلاغيون السهل الممتنع , الذي لا يمكن تقليده ولا محاكاته , خاصة عندما يقول ابن الرومي :
لهفي على الدنيا , وحول لهفة
*************** تنصف منها إن تلهفتها

كم آهة لي قد تأوهتها
************* فيها , ومن أف تأففتها

حتى يقول :
قبحاً لها , قبحاً , على أنها
**************** أقبح شيء حين كشفتها

نحن هنا بإزاء شاعر يتدفق كالنبع السيال , لا عنت في إبداعه الشعري ولا مشقة , لا معاظلة ولا تكلف , وإنما هو كما كانوا يقولون عن غيره , يغرف من بحر , وليس كالآخر الذي ينحت من صخر‍!.
ثم هذه القدرة على الاستقصاء وتوليد المعاني والأفكار تلك التي من أشار إليها الدكتور حسين نصار في تقديمه للديوان ’ وهي قدرة لافتة مدهشة , لا يبقى إلا لمن عمر وجدانه بمخزون هائل من التجارب الإنسانية والمواقف الحياتية , واتسع عقله وفكره لحصاد كبير من المعرفة والوعي بالحياة والأحياء . وبقدر ما يستقطر شعر ابن الرومي خلاصة ثقافة عصره , كما استقطب الشاعر نفسه ثقافة قومه اليونان , فإن انتماءه للعربية إبداعاً ولغة وطرائق تعبير هو الذي حفظ له هذه المكانة الباذخة بين شعراء العربية الكبار , وجعل لشعره هذا الاغتناء الغني وهذا الحضور المتوهج .



**
يتبع إن شاء الله