المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكراك مؤنس الرزاز.



بسمة
02-15-2003, 01:07 PM
مؤنس الرزاز

ربما هم قلة من سمع بالأديب "مؤنس الرزاز" من خارج الأردن.

ربما تتعثر كلماتي في الحديث عنه. بل أنا متأكدة من تعثرها. كيف لك و حرفه كان وجبة افطاري اليومية.
في السابعة الا ربع صباحاً أحتضن بشوقٍ القسم الأول من جريدة الرأي و أمسكها بالعكس أي كأنني أمسك جريدة باللغة الانجليزية لأفتح الصفحة الثالثة في أقصى اليمين من الأعلى هناك كانت تتربع زاوية ضوء اليومية التي كان يكتبها مؤنس الرزاز.

كنت أعشق كتاباته ألتهم حروفها بسرعة و بعد ذلك و كمن يذاكر مادة أعاود قراتها مراراً و تكراراً.


مؤنس الرزاز روائي رائع من أهم رواياته "أحياء في البحر الميت"، كما أنه يكتب القصص القصيرة و مثال على مجموعاته القصصة القصيرة "فاصلة في نهاية السطر".

مؤنس الرزاز ابتكر شخصية ظريفة عميقة ظهرت في الكثير من كتاباته و هي "كثير الغلبة"

في مثلا هذا الشهر من العام الماضي.. غابت زواية "ضوء" ليومين ... شُغل بالي و في اليوم الثالث قرأت نعي مؤنس الرزار. تُوفي رحمة الله عليه.
كم بكيت و كم تألمت. فقد كان و مايزال يعني لي الكثير...

لن أسهب في ذكر مآثره فهو أرفع من أن أفعل. و لأنني أيضا لا أستطيع .. فحين يحب المرء كتابة انسان و يعشق فكره، لا يستطيع أن يتحدث عنه لأنه يظن أن شهادته مجروحة.

و لكنني هنا، -إن شاء الله- سوف أحاول وضع بعض ما قيل عنه في ذكرى وفاته الأولى .
و سوف أضع بعض النصوص سواء أكانت من زاوية ضوء أم من بعض قصصه القصيرة و مقتطفات من رواياته.

رحمك الله مؤنساً
رحمك الله فقد ارتحت من تناقضات هذه الدنيا.
و تركتنا بدونك .. فكم نفتقد كلماتك اللاذعة الحانية الباكية.

بسمة

بسمة
02-15-2003, 01:18 PM
http://www.alefyaa.com/data/stories/news/2003/02/02-06/cols/230.jpg

فخري صالح مؤنس الرزاز نقل الرواية الأردنية الى أفق الحداثة

في الذكرى الأولى لغياب الكاتب والروائي الأردني مؤنس الرزاز (1951 ــ 2001)، الذي توفي في 8 شباط (فبراير) من السنة الفائتة، تقيم رابطة الكتاب الأردنيين في بداية الشهر المقبل ندوة واسعة حول الإنجاز الروائي والقصصي للراحل الكبير يشارك فيها عدد من الكتاب والمثقفين العرب والأردنيين، ومنهم: رضوى عاشور، نبيل سليمان، توفيق فياض، عبدالله ابراهيم، مصطفى الكيلاني، صلاح فضل، هاشم غرايبة، جمال ناجي، غسان عبدالخالق، فخري صالح، إلياس فركوح. هنا قراءة في نتاج الرزاز الروائي، في ذكرى رحيله الأولى.

خلال فترة زمنية قصيرة، ما يقارب العشرين عاماً فقط، استطاع مؤنس الرزاز أن ينجز أحد عشر عملاً روائياً، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين وعدد من الترجمات؛ والأهم من ذلك أنه وضع الرواية في الأردن على خريطة الكتابة الروائية العربية. وكان إصرار مؤنس على إنجاز الرواية تلو الرواية، لا تفصل بين الواحدة والأخرى سوى أشهر قليلة، سبباً في التفات عدد كبير من الروائيين والنقاد العرب إلى ما كان ينجزه الكاتب الشاب الذي لم يكن بلغ الثلاثين من العمر عندما انطلق في رحلته المحمومة لكتابة عدد كبير من الروايات. غزارة إنتاجه في الكتابة الروائية في سنوات حياته الأخيرة تشير إلى أن مؤنس كان يخاف أن يدهمه شبح الموت قبل أن يكمل مشروعه الذي زاوج فيه بين حرفة الكاتب المتملك ناصية النوع الروائي وحرارة التجربة الشخصية التي وزعها الكاتب على أعماله جميعها. وهكذا توالت رواياته، بدءاً من ثلاثيته "أحياء في البحر الميت" و"اعترافات كاتم صوت" و"متاهة الأعراب في ناطحات السراب"، وانتهاء بـ"ليلة عسل"، لتقيم معماراً عز مثيله في مسيرة هذا النوع الروائي في الأردن.

وأدرك مؤنس أن عليه أن يبدأ كتابته مما انتهت إليه الكتابة الروائية العربية في السبعينات وما حققه جيل الستينات من تطوير للكتابة الروائية المحفوظية، ولعل "أحياء في البحر الميت" ترجّع صدى "أنت منذ اليوم" لتيسير سبول و"المتشائل" لإميل حبيبي، إذ يقيم الكاتب تناصاً مع هذين العملين ويخبر القارئ أن روايته تطمح إلى كتابة الواقع بطريقة قريبة من شكل تمثيل الواقع العربي المعاصر في هذين العملين الروائيين الأثيرين إلى نفسه. وتقيم رواية مؤنس الأولى، في الوقت نفسه، جسور نسب مع الرواية الحديثة في العالم ممثلة في "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست و"عوليس" لجيمس جويس وغيرهما من كلاسيكيات الرواية الحداثية في العالم. في تلك الرواية، التي تحكي عن انهيار القيم والمؤسسات القومية، وتشير بصورة غير مباشرة إلى تجربة مؤنس ووالده منيف الرزاز السياسية المرة، يؤسس مؤنس لشكل من الكتابة الروائية تعبر فيه التقنيات والشكل وزوايا النظر وأنواع الرواة عن أطروحة الانهيار التي تسكن أعماله الروائية التالية حيث يعمد إلى العناية بالشكل الروائي والمعمار المعقد للسرد، وتصبح تقنية تعدد الرواة وزوايا النظر حجر الأساس في أسلوب كتابته الروائية.

لم تكن "أحياء في البحر الميت"، في ضوء الطموح السابق، مجرد باكورة روائية، بل كانت عملاً تأسيسياً نجد فيه بذور أعمال الرزاز التالية التي وسعت من أفق أطروحة الانهيار وأقامت من الشخصيات والأحداث والأفكار والتأملات برهاناً على صحتها في الرواية والواقع. كان مؤنس مسكوناً بهذه الأطروحة يحاول تجسيدها في عمله الروائي والتعبير عنها في مقالاته الصحافية حتى تمكنت منه وأصبحت هاجسه وديدنه في الحياة والكتابة. أما في روايته "اعترافات كاتم صوت" فيعيد تركيب أطروحة الانهيار من خلال تحليل واقع المؤسسة الحزبية القومية التي تحولت إلى مؤسسة توتاليتارية مرعبة تأكل أبناءها، وتستبدل الحزب القائد بالقائد الأوحد، مؤدية إلى تبخر فكرة الثورة وعلاقتها بالجماهير التي ادعت أنها قامت من أجلها. وقد استعمل مؤنس، للتعرف على تحولات السلطة وتوالد القمع وازدياد سطوته، تقنية الأصوات وزوايا النظر المتعددة من خلال إعطاء الكلام للقامع والمقموع والشخصيات المراقبة في الآن نفسه. وتجلو هذه الشخصيات في حكاياتها وتأملاتها فكرة التحلل وسقوط القيم والمشاريع القومية الكبرى عبر تآكل الحزب والفكرة التي يقوم عليها. وعلى رغم تخلل سيرة مؤنس الشخصية لـ"اعترافات كاتم صوت"، إذ ان أسرته حاضرة بوضوح في هذا العمل كما هي حاضرة في "أحياء في البحر الميت" وفي أعماله التالية، فإن تقنية زوايا النظر تتيح المجال للكاتب لكي يخفي، ما أمكنه، بعد السيرة الذاتية في العمل، معمقاً هذا البعد الأساسي في أعمال مؤنس الرزاز الروائية جميعها.

تستند روايات مؤنس إلى نتف من حياته الشخصية، والأمكنة التي عايشها، والأشخاص الذين التقاهم أو أقام معهم صداقات عميقة طوال حياته. لكن هذا البعد الشخصي في تجربته الروائية يجرى تغريبه، وتذويبه في مادة الرواية التجريبية التي تقوم لديه على اختبار السرد وقدرته على تصوير الواقع في رواية تشكك بمادتها على الدوام، ما يجعل القارئ في "اعترافات كاتم صوت" (التي تستند في مادتها الروائية إلى حكاية إقامة منيف الرزاز الجبرية في ظل حكم الرئيس العراقي صدام حسين ووفاته وهو رهن تلك الإقامة وعودته إلى الأردن في تابوت) يحار في طبيعة العلاقة بين شخصية كاتم الصوت والرجل الذي يفكر في قتله. إن غاية هذا العمل الروائي هي سبر غور الشخصيات، والتعرف على آليات تفكير مثل هذه الشخصيات العصابية التي يستخدمها الحاكم المستبد للقتل والتخلص من مناوئيه في السلطة.

في "متاهة الأعراب في ناطحات السراب" يبني مؤنس الرزاز رواية الطبقات المتراكبة واللاوعي الجمعي الغائر حيث يستخدم الكاتب نظرية عالم النفس التحليلي السويسري كارل غوستاف يونغ عن طبقات اللاوعي الجمعي، المتراصفة طبقة وراء طبقة والتي تكرر نفسها في لا وعي الأفراد، لبحث كيفية تفكير العرب المعاصرين، والتمثيل روائياً (من خلال توالد الشخصيات من بعضها بعضاً، وحلول الواحدة منها محل الأخرى، والاعتماد في ذلك على عقيدة التناسخ) على شدة تأثير الماضي وأزماته في حياة العرب في الزمان الحاضر.

ولكي يستطيع الروائي إقامة بنائه السردي الذي يستند إلى فكرة مستلة من علم نفس الجماعات، ويجعل بالإمكان تمثيل هذه الفكرة روائياً، من دون أن تتحول الشخصيات إلى مشاجب للأفكار وترجمة للقراءة النظرية للتاريخ، فإن الرزاز يستخدم أسلوب ألف ليلة وليلة السردي، حيث تتوالد الحكايات من الحكايات ويتشابك السرد وينشق وعي الشخصيات الآتية من الماضي السحيق والمقيمة في الحاضر في الآن، مقيماً بذلك معماراً روائياً مركباً يسبر أغوار النفسية العربية في اصطدامها بزمان التكنولوجيا والهيمنة الغربية.

كان مشروع مؤنس الرزاز الروائي شديد الطموح في بداياته، وقد وضعته رواياته الثلاث الأولى، لأسباب تتصل برغبته المحمومة لكتابة رواية مختلفة في الوقت الذي يتواصل مع كتاب جيله والجيل الذي سبقه، في الصف المتقدم من كتاب الرواية العربية. وكانت حرارة تجربته، والتصاقها بالوعي النازف للمثقف العربي في الربع الأخير من القرن العشرين، ومعرفته المتمكنة بميراث الرواية الحداثية في العالم، وتواصله مع المنجز الروائي العربي في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي، من الأسباب التي بوأته هذه المكانة خلال فترة زمنية قصيرة (إذ نشرت رواياته الثلاث الأولى ما بين 1982 ــ 1986). وعلينا في هذا السياق أن نشير إلى أنه قبل مؤنس الرزاز لم تكن الكتابة الروائية في الأردن تواصلت مع النص الروائي العربي الذي حاول الافتراق عن النص المحفوظي، إذ باستثناء رواية "أنت منذ اليوم"، وهي الرواية اليتيمة للروائي الأردني الراحل تيسير سبول، لم يكن هناك إلا روايات قليلة، تعد على أصابع اليد الواحدة، تغلب عليها التقليدية في الشكل وضعف الرؤية السردية والوقوع تحت سطوة الصوت السردي الملتصق بالذات، ما يقربها من النوع الشعري ويبتعد بها عن شكل الرواية المركب. لكن ثلاثية مؤنس الرزاز دفعت بالنوع الروائي إلى مقدمة المشهد الثقافي في الأردن، محرضة آخرين من كتاب الرواية الجدد على إنجاز روايات تنتسب إلى أفق الحداثة وتستخدم أساليب الرواية الحداثية وتقنيتها، وتحاول التواصل مع ما يكتب من روايات لافتة في مراكز الكتابة الروائية في الوطن العربي. (الحياة اللندنية).

بسمة
02-15-2003, 02:04 PM
http://www.alqudsnewspaper.com/articles/data/2003/02/02-13/m17.jpg

سالم
02-15-2003, 03:20 PM
رحمه الله رحمة واسعة
كنت قرأت عنه بصراحة العام الماضي
وشدني موضوع له كان كتبه عن رحلاته ووصفه لبعض مشايخ البلد أو مشايخ الصوفية .. وأعجبني وصفه وطريقة عرضه للأحداث والأشخاص ..
كاتب متميز ورائع - رحمه الله -
كم خسر الأدب .. والبلاد من روعة ...

هاتي مزيدا له من نصوص ورؤى .. بسمة الدرب
جزيت الخير .

بسمة
02-15-2003, 03:30 PM
أخي الغالي سالم
نعم خسر الأدب الكثير برحيل مؤنس الرزاز
و خسرت كذل الإنسانية إنساناً بحق بكل ما تحمل الكلمة من معنى
و خسرت الأمة مناضلاً وَرث نضاله من والده منيف الرزاز
رحمه الله تعالى
و سوف أضع المزيد عن الرائع مؤنس الرزاز.
و قبل أن أضع المزيد. هل تصدقني سالم إن قلتُ لك أنني و منذ وفاة مؤنس الرزاز لم أمسك الجزء الأول من جريدة الرأي؟ و إن فعلت و مسكتها انظر الى الزاوية التي كانت أتفقدها عَليِّ أجد حرفه! و في كل مرة تأكلني الخيبة و اتذكر انه رحل إلى حيث رحمة الله تعالى. و أغلقها...

بسمة
02-15-2003, 03:33 PM
في الذكري الأولي لرحيله:

شاكر النابلسي
خيارات الغلباوي العربي: إما النـزول تحت الأرض، وإما الاعتكاف والزهد، وإما التحرك ضمن الهامش المتاح.
ـ مؤنس الرزاز
(جمعة الغفاري، 1990)
عانيت كثيراً قبل كتابة هذا المقال.
فلقد هزني موت مؤنس الرزاز إلي درجة أنني لم أجرؤ علي التقدم بالعزاء إلي أهله وانا صديقه الحميم وصديق عائلته كذلك.
لم استطع وأنا خارج الأردن أن أرفع سماعة التليفون، وانقل تعازيّ إلي أهله.
فالعزاء لا يليق بمؤنس!
ولم أكتب عنه كلمة واحدة طيلة عام مضي، وما زلت حتي الآن ارتجف عندما اتخيل انه ذهب يغتسل بالثلج ولن يعود كما وعدنا، ولم يعد يكتب عاموده اليومي في جريدة الرأي الأردنية وفي جريدة الزمان اللندنية، كما لم يعد يضخ لنا مزيداً من رواياته المشاكسة والمقلقة التي تفعل فعل المبضع في الورم الخبيث.
لم أصدق موته إلي هذه اللحظة، واتخيله ما زال في مكتبه بوزارة الثقافة كل يوم وإلي الآن يسخر منا ومن أحزاننا عليه، ولذا فأنا ما زلت أطلبه بالتليفـون حتي الآن وبين الحين والآخر. وعندما يردّ عليّ (سنترال) وزارة الثقافة أقفل الخط، وكأنني أسمع عبارة: والله الأستاذ مَجاش اليوم.. جرّب اتصل بُكره .
كنت أعلم في الماضي أن مؤنساً يموت كل يوم، ويعود إلي الحياة من جديد كطائر الفينيق اليومي. فعندما كنت اهاتفه من خارج الأردن من حين لآخر، كان يلوح لي أنه كان يكلمني من العالم الآخر.

كاتم الصوت وكاتم النَفَس

ليس صحيحاً أن مؤنساً مات بغتةً في الثامن من شهر شباط/فبراير 2002 !
فمؤنس الرزاز مات عدة مرات لا تحصي من خلال محاولاته الكثيرة للانتحار، ولكنه كما قال لي عدة مرات كان أكثر جبناً من تيسير سبول في أن يُقدم علي الانتحار. ولو أنه تجرّأ ونفّذ انتحاره فلن يكون انتحاره بواسطة مسدس في الرأس كما فعل تيسير سبول، ولكن بخمس حبات من الأسبرين، وهو أهون وأهدأ أنواع الانتحار. وعندما كان مؤنس يعجز عن تنفيذ فكرة الانتحار كان يلجأ إلي المكوث في المستشفي عدة مرات كما يعلم معظم أصدقائه، نزيلاً لا يعاني سريرياً من أي مرض، في حين أنه كان يعاني من اختناقه الدائم بغاز الكبت العربي: غاز الكبتجين وكتمان النَفَس. وقد مات بـ كاتم النَفَس كما مات أبوه (منيف الرزاز 1919 ـ 1984) بـ كاتم الصوت .
وهذا الاختناق الدائم من غاز الكبتجين الذي كان يعاني منه مؤنس، لم يكن له حل إلا بمعجزة حقيقية وهي أن يتحول المجتمع العربي (بقدرة قادر) من مجتمع مكبوت إلي مجتمع منفتح، ومن مجتمع مستعبد إلي مجتمع حر، ومن مجتمع مضطهد إلي مجتمع متسيّد، ومن مجتمع ديكاريكاتوري (الديكتاتورية الكاريكاتورية) إلي مجتمع ديمقراطي، ومن مجتمع متخلف إلي مجتمع متحضر، ومن مجتمع قبلي وعشائري إلي مجتمع مدني.
لم تنفع كل الأدويـة التي استُعمـلت مع مؤنس (أبو نكـد)، و(النمرود)، و(كثير الغلبـة)، و(الجوّاني)، وزعيم (التنابلة)، و(معلوك الضجر)، و(الديناصور)، وحي من (أحياء البحر الميت)، و(آكل الهواء) و(آكل الخراء) ـ وهي كلها شخصيات صورها في رواياته المختلفة بدءاً من (أحياء في البحر الميت، 1982) وانتهاء بـ (ليلة عسل، 2000) ـ وهو القادم من (بيت المرارة) و(التجارب المريرة) لكي تبعده عن استنشاق غاز الكبتجين الذي كان لديه تجاهه حساسية مفرطة قرأناها في عينيه المحمرتين دائماً، وفي وجهه المكفهر أبداً، وفي جبينه المقطب دوماً، وفي تفتّل شاربه (الغوركي) الكث، وفي أحاديثه التي تنمُّ عن ذكاء التنبل الحاد، وفي تعليقاته الحارقة، وفي عاموده اليومي الضاحك الباكي، وفي رواياته التي تخطي بها الرواية الأمريكية اللاتينية ذات الواقعية السحرية إلي الرواية العربية ذات الواقعية اللامعقولة التي تروي الواقع العربي اللامعقول. تلك الواقعية اللامعقولة التي لخصها مؤنس في تصوره للعالم العربي وهو علي هيئة عمالقة من الوحوش خرجت لتوها من قمقم الكبت المزمن ، فاندفعت نحو حدائق الرغائب الفاتنة، تنهب، وتسبي، وتسلب، وتتلاعب بكل كائن حي أو جماد أو نبات، كما قال في روايته (مذكرات ديناصور، ص64). وهو الذي سُئل ذات يوم عن سبب توجهه نحو أدب اللامعقول هذا، كما بدأ يبرز في روايته (فاصلة في آخر السطر، 1995) فكان رده البسيط علي ذلك بقوله:
ـ لأنني واقعي، وأكتب أدباً واقعياً. وواقعنا العربي واقع كابوسي لا معقول. وما نشهده من حولنا مضاد للعقل والمنطق السليم. نحن نعيش واقعاً لا معقولاً. وإذا كان كتاب أمريكا اللاتينية قد أطلقوا علي أدبهم اسم الواقعية السحرية فإنني أسمي رواياتي (فاصلة في آخر السطر) الواقعية اللامعقولة .
فـ الأدوية التي استُعملت معه أثناء اقامته في بغداد وبيروت ودمشق وأخيراً في عمان، حالت كلها دون تعرضه للاختناق بغاز الكبتجين . فلا دواء انتمائه إلي حزب البعث قد أبعده عن هذا الغاز، ولا دواء تأسيسه لحزب سياسي جديد ( الحزب العربي الديمقراطي) في عمان أفاده، ولا هروبه إلي العزلة حيناً وإلي الصوفية حيناً آخر استطاعا أن يخلصاه من كتمان أنفاسه بفعل هذه الغاز العربي اللعين، غاز الكبتجين ، رغم أنه عندما هرب إلي تكية من تكايا الصوفية في عمان كان جاهزاً لدخولٍ بلا خروج، وكان كما قال له شيخ الحلقة الصوفية: جئت مستوياً (ناضجاً)، فقد أنضجك اليأس ، كما قال مؤنس في مذكراته التي بدأ يكتبها وينشرها قبل موته، ولكنها لم تكتمل. ورغم هذا فحتي الصوفية لم تنجح فيما لم ينجح فيه حزب البعث و(الحزب العربي الديمقراطي) و(رابطة الكتاب الأردنيين) ومنصب المستشار في وزارة الثقافة ورئاسة تحرير مجلة أفكار ، وفوق هذا وذاك اثنتا عشرة رواية وغيرها من الانشطة الثقافية والسياسية، والتي كان غاز الكبتجين أقوي منها جميعاً في انتزاع مؤنس من الحياة. فكما قال مؤنس في مذكراته الناقصة أن كيانه المركب منذ زمن بعيد من عناصر بركانية لم تفلح معها (دروشة الصوفيين) كما لم تفلح معها من قبل (علمنة البعثيين). فمؤنس كان يعيش في العالم العربي في عالم ألف ليلة، ولكن بغير ذلك الحس الفذ بالدهشة. فاللامبالاة حلّت محلهـا، والعالم علي كـف عفريت، والمارد محبوس في قمقم منذ ألف ليلة، ويتحرق شوقا للتحرر من قمقمه والخروج إلي العالم والحياة والناس، لقد صار القمقم الآن هو الملاذ والملجأ، كما قال في روايته (سلطان النوم وزرقاء اليمامة، 1996، ص121).

ذهب ليغتسل بالثلج

وظل هذا الغاز اللعين، غاز الكبتجين ، يلاحقه، ويملأ رئتيه، ويقطع نفَسَه، ويحاول خنقه في طول العالم العربي وعرضه. وفي العام 1991 فكرنا نحن أصدقاء مؤنس أن نخرجه من دوامة العالم العربي وغازه الخانق، بعد حرب الخليج الماحقة وما تركته من آثار مدمرة علي نفسيته، ونأخذه في رحلة استجمام طويلة إلي أوروبا. وكنتُ قد اعتدتُ الاصطياف لسنوات عدة في النمسا، وفي جبال الألب حيث الهدوء والراحة وجمال الطبيعة الخلاب وقلة السكان. وكنت اختار قرية سيفيلد النمساوية الصغيرة الجاثية في جبال الألب علي الحدود النمساوية الألمانية أقضي فيها أشهر الصيف. ودعوت في العام 1991 مؤنساً لقضاء الصيف معنا، وفعلاً جاء مع زوجته بعد الحاح طويل ورجاء لا ينقطع، مستبشراً وفرحاً. ثم ارتاح أكثر، وصفا وجهه صفاء الثلج الذي كان لا يزال علي قمم الألب عندما أخذ يتنـزه لبضعة أيام في حقول سيفيلد وجبالها الجميلة، وكأنه طفل وُلد لتوه قادماً إلي الحياة، وقضي معنا شهراً. ولكن لم تنقضِ أيام وهو في سيفيلد حتي عاد مؤنس إلي وحشته وكآبته وعزلته، ثم ازدادت كآبته عندما توقف نهائياً ـ وهو وسط جبال الألب ـ عن التدخين وهو المدخن المدمن، وعن شرب البيرة وهو المغرم بها، كما حرم نفسه من النبيذ النمساوي اللذيذ، وقلّ طعامه. فقلنا له كيف تكون في عمان تشرب البيرة في مقهي عمون ، وتأتي إلي جبال الألـب فتتوقـف عن الشرب. و(طيّنها) مؤنس أكثر حين توقف عن الكلام ايضاً. وكلما سألته عما فيه ومم يشكو في ذلك الوقت قال لي بأن رئتيه لم تعد قادرتين علي تحمّل التدخين، وأنه يشعر بألم في رئتيه، لأنهما ملوثتان كلياً بغاز الكبتجين العربي، ولا علاج لذلك إلا بالثورة!
فهل حقاً كانت مشكلة مؤنس الرزاز هي الاختناق بغاز الكبتجين بحيث كان نفسه يضيق من وقت لآخر إلي أن كتم هذه الغاز علي نفسه ومات مخنوقاً بفعل هذا الغاز، كاتم النفس ؟

الحرية: المَشْغَل والَمقْتَل

إن من يقرأ مؤنساً في رواياته يري أن همَّ الحرية واشكاليتها كان هو المحور الأول والأخير في هذا الروايات بدءاً من (أحياء في البحر الميت، 1982) وانتهاءً بـ (ليلة عسل، 2000). لذا لم يكن غريباً قول رفاقه القدامي من حزبيي الحرس القديم كمعن بشّور من أن الحرية بالنسبة لمؤنس ليست مجرد علاقة بين حاكم ومحكوم، أو آلية تحكم أنظمة المجتمعات، بل هي قيمة وفسحة وسلوك يومي، كان مؤنس يتلمس غيابها وتنبه إليه ولو في علاقة الأب بأولاده أحيانا، والمعلم بتلاميذه أحياناً أخري، والحزب باعضائه مراراً، والمؤسسة بالعاملين فيها مرات ومرات. فمؤنس إلي جانب غالب هلسا وعبد الرحمن منيف يُعدُّ من أكثر الروائيين العرب الذي عبروا أصدق تعبير عن مأساة الحرية في العالم العربي، وذلك للأسباب التالية:

1 ـ أن هؤلاء الثلاثة جاءوا إلي الأدب من السياسة، وبعد ممارسة سياسية واقعية، خاضوا أثناءها تجربة سياسية قومية طويلة. فكان غالب هلساً شيوعياً فاعلاً قبل أن يصبح روائياً، وكان عبد الرحمن منيف ومؤنس الرزاز بعثيين بارزين قبل أن يصبحا روائيين. أما بالنسبة لمؤنس فقد ولد اضافة لذلك في بيت سياسي عريق وكان أبوه منيف الرزاز واحداً من أقطاب حزب البعث ومن أقطاب الفكر القومي العربي.
2 ـ وهؤلاء الروائيون الثلاثة كتبوا الرواية فيما بعد، بعد أن تسلحوا بثقافة سياسية وفكرية وقومية جيدة. فكانوا عليمين بأسرار السياسة العربية وخفاياها، وبالفكر القومي وتشعباته، وبالفكر الانساني وتجلياته.
3 ـ وهؤلاء الروائيون الثلاثة لم يكونوا مناضلين مثاليين فقط يطلون علينا من الأبراج العاجية العالية، بقدر ما كانوا مناضلين عضويين كما سبق ووصفهم انطونيو غرامشي. فقد خاض ثلاثتهم تجارب مريرة مع أنظمة الحكم العربية في مصر والعراق وسورية. وسجنوا واضطهدوا لسنوات. وهم عندما كتبوا عن الديكتاتورية العربية الكاريكاتورية لم يكتبوا من خلال ما قرأوه وسمعوا به، بل من خلال ما مارسوه وجربوه وانطبع علي جلودهم اختاماً.
4 ـ وهؤلاء الروائيون الثلاثة تخصصوا في الفن السياسي ، وأبدعوا فيه. وهؤلاء الثلاثة كانت تجربتهم الحياتية الكبري هي التجربة السياسية العربية المرّة. ولكن السياسي في نتاج هؤلاء الروائيين لم يكن علي حساب الفني و الجمالي . فلم تتحول رواياتهم إلي منشورات سياسية مجردة والي خطب وبيانات سياسية بقدر ما كانت اعمالاً فنية فيها السر الجمالي وكيمياء البقاء.
وهؤلاء الثلاثة، ومؤنس الرزاز علي وجه الخصوص عانوا معاناة كبيرة من أجل شكل جديد متطور من أشكال الرواية العربية يفلت من سطوة الرواية المحفوظية التي طبعت بطابعها تياراً كبيراً من تيارات الرواية العربية المعاصرة. فكانت روايات مؤنس علي وجه الخصوص تتسم بوضوح الرؤيا السياسية وواقعيتها اللامعقولة (وهو واقع العالم العربي) وبنضج المعمار الفني.
لقد امتاز مؤنس عن غالب هلسا وعبد الرحمن منيف بامتلاكه بئراً لا ينضب من السخرية اللاذعة الراقية. بل إن مؤنساً يُعدُّ من أرقي الروائيين العرب الساخرين. فهو الذي يستطيع أن يفجّر ديناميت السخرية من وسط الموقف التراجيدي، لا بالنكتة السمجة، ولا بالمواقف المضحكة المصطنعة ، ولا بالتلاعب بالألفاظ، ولا بالضحك من خارج الموقف الدرامي كما يفعل الكثير من المستظرفين ، وإنما تأتي السخرية من داخل الموقف الدرامي، لا لتُضحك، وتُطلق القهقهات المحتقنة، وتسيل دموع الضحك، كما هو الحال في السخرية الصاخبة، ولكن لتُسعد بمرارة، ولتُلهب السعادة المريرة. وقد امتلأت رواياته الاثنتا عشرة بأمثلة كثيرة علي هذا النوع من السخرية الراقية.
وتظل هناك نقطة أخيرة تُحسب لفن مؤنس الروائي، وهي تصويره الدقيق لعنف الديكتاتورية العربية من خلال كثير من رواياته وخاصة متاهة الأعراب في ناطحات السحاب و اعترافات كاتم صوت . ففي هاتين الروايتين استطاع مؤنس أن يضع بفنية عالية الحكام (الذئاب) مقابل الشعوب (الأرانب). فبين أسنان الذئاب الحديــــــــدية وأسنان الأرانب الحليبية التي شهــــدناها علي أرض الواقع السياسي العربي وعلي أرض روايات مؤنس الرزاز، ينكسر مغزل الحرية العربية. وهذا التصوير الدقيق لعنف الديكتاتورية العربية لم يأتِ من خلال قراءة تاريخ الديكتاتورية، ولا من خلال سماع أخبارها، ولكن من خلال معرفته بها معرفة شخصية، ونكبة عائلته المتمثلة بموت أبيه من جراء عنفها وقسوتها، وهو ما أنتج رواية فريدة كـ اعترافات كاتم صوت في العام 1986.

لا تحبوا مؤنساً لموته بل أحبوه لأدبه!

مؤنس الرزاز كأديب برواياته وقصصه فقط ـ التي يجب أن تكون جواز سفره الأدبي الوحيد الذي يعبر به حدود الأردن والوطن العربي ـ هو الذي يجب أن يقوّم بعيداً عن إرث والده القومي المجيد، وبعيداً عن البيت الذي جاء منه (بيت التجارب المُرّة)، وبعيداً عن حادثة موته الفجائي مبكراً. ويجب أن لا نفعل بمؤنس الرزاز كما فعلنا في السابق ونفعل الآن بتيسير سبول صاحب الرواية الوحيدة ـ بيضة القبان ـ والتي هي انت منذ اليوم حيث تحولت هذه الرواية إلي ما يشبه ملحمة الأوديسا أو الالياذة اليونانية لا بسبب قيمتها الفنية، ولكن بسبب أن صاحبها مات منتحراً موتاً دراماتيكياً . ولو فعل الأمريكيون بهمنغواي (الذي مات بالطريقة نفسها)، أي أنهم بجّلوه وأجلوه أدبياً نتيجة للطريقة التي مات فيها وليس نتيجة للطريقة التي كتب فيها كما نفعل نحن بتيسير سبول، لكان ذلك اثماً كبيراً وبؤساً عظيماً في حق الأدب والفن.
فأحبوا مؤنساً لا لموته التراجيدي المبكر المفاجئ، ولكن لأدبه المتمثل في رواياته التي كانت سجلاً حافلاً لواقع الحرية اللامعقول في العالم العربي. فالرواية هي (الفاخورة) التي يتحول فيها صلصال المجتمع إلي آنية جميلة للأفكار والثورة.
كاتب وناقد من الأردن


يتبع إن شاء الله

بسمة
02-16-2003, 10:22 AM
مهمها يحدث... على "العرض" ان يستمر. بصرف النظر عن مشاعرنا الرهيفة، و بصرف النظر عن فجائعنا المتصلة... على "العرض" أن يستمر... و هو فعلاً مستمر!!
يسقط هذا، ينجح ذالك... العرض مستمر و الحياة جارية و القافلة تحث الخطى و الممثلون يقفون على المسرح في الوقت المحدد.
إذا مرض ممثل حل "الاحتياط" محله، و إذا انهار راقص تدافع "الكمبارس" فوق جثته و تنافسوا للصعود على أنقاضه.
العرض مستمر طوال الليل و النهار فقط. المهرجان الصاخب متواصل و المهرجون طوابير طوابير !!
و المهرجان مستمر، يفتتح في موعده و يختتم في موعده باحكام و دقة متناهية... يتواصل بياض النهار و سواد الليل فقط لا غير. المهرجون جاهزون على اهبة الاستعداد. فإذا سقط أحدهم كان الكومبارس في الانتظار.. بالمرصاد!
و المهرجان مستمر شأنه شأن الحياة. هذا يقف، ذالك ينبطح، ثالث يتداعى.. "مش مهم" المهم هو ما يلي: The Show Must Go On !





هذا المقال كان في جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 16/5/2001 في زاوية "ضوء"

بسمة
02-17-2003, 12:34 PM
قالوا في رحيلك مؤنس





أحمد يعقوب: شاعر

صوت مميز سيبقى صداه في حفريات الرواية الأولى التي تؤسس للرواية العربية، نخزن لغيابه في هذا الوقت أحد الأصوات الروائية العربية التي حاولت تأسيس مكانة للرواية العربية لتضعها على سكة العالمية. سمات رواياته وشخوصها وأزمانها وأماكنها كانت مرتبطة بالحلم القومي التحرري


سميح القاسم

الخسارة في فقيدنا خسارة ثلاثية خسارة صديق طيب وأصيل ونبيل في زمن أصبح فيه النبل عمله صعبة، خسارة الزميل في إطار الثقافة صحيفة الفينيق الأردنية كنا معا في الهيئة الاستشارية للجريدة بسبب التوافق في الآراء ووجهات النظر والثالثة خسارة المثقف العربي الشجاع في زمن المتلقين


عزت غزاوي: روائي – رام الله

هذا الرحيل الصامت لمؤنس فاجعة لا تخصه هو ككاتب وإنما تخص الحرية والديمقراطية والسجن العربي الذي تكلم عنه في رواياته وبقي وفيا لكل ما كتب

بسمة
02-18-2003, 02:13 PM
[B]
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2002/issue120/photos/7.gif



هل كان رحيل الكاتب العربي مؤنس الرزاز مناسبة للعزاء، أم خسارة كبرى، أم مجرد انسحاب جديد من الحياة الكئيبة في عيون وأرواح المثقفين العرب الملتزمين؟.. كان الموت البهي كل ذلك، وكان أيضا موسما للأسى والمرارة في شتاء لا غيوم فيه غير سحابات الحزن التي تمر في سمائنا وترحل كل مرة محملة بالتوابيت..


ولد مؤنس الرزاز بعد نكبة 48، وكان شابا يافعا إبان نكسة 67، ثم رجلا ناضجا أثناء حرب الخليج، ولقد تداخلت المفاصل الكبرى من حياة الأمة العربية مع مفاصل وخطوط حياته الشخصية، فكان شاهدا على ارتفاع نجم أبيه منيف، ثم انقلاب الأعمام عليه، وانقلاب الفكر القومي، ثم ميتة الوالد منيف تلك الميتة التراجيدية..


كان مؤنس ابنا لعائلة انخرطت حتى النخاع بحلم جبار وعملت لأجله، نشأ ربيبا لهذا الحلم وتفرقت خطاه في العواصم، ولو لم يكن كاتبا روائيا ومثقفا ومتابعا لشئون وقضايا عامة، لمات منذ زمن بعيد، بغصة الوحشة ولتراكمت في روحه الظلال حتى ابتلعته.


إن للأحداث والفواجع في حياة مؤنس، إضافة إلى ما عاناه في السجن، وارتحاله من عاصمة عربية إلى أخرى، أثرا على حالته العقلية والفكرية، إذ انقلب من مناصر ومفكر قومي، إلى نصير للماركسية، إلى مؤمن بالخلاص الصوفي، ثم إلى متبن للفكر الديموقراطي ومحارب لكل الديكتاتوريات الشمولية، وناقد للخلل الذي شهده الفكر العربي القومي وممارساته.


كان الراحل الكبير مؤنس الرزاز، يغني موتا خاصا، أنهى عمرا لم يكن مديدا كأعمار الآخرين الذين جاء انهيار الحلم عليهم اقل وطأة وكآبة.


أدب وفكر وفن من أجل التغيير


اهتم الراحل بأن يثمن كل حركة تغيير في المجتمع، تحديدا في الفن والفكر، ولهذا مارس الرسم والتصوير الزيتي واطلع على الموسيقى مبكرا، مثلما درس الفلسفة ولم يناكف رجالها، بل انسحب إلى صراعاته في دنيا السياسة والأدب.. ولم تحركه من مواقعه الغيبية، إلا الرسوم الكثيرة التي رسمها لجذوره الأولى وصورة الأب الذي غاب، تاركا مأساته التي تتكرر في عالمنا.


تذرع مؤنس بالكسل، وجعل منه غطاء لليأس، الذي نما حوله في كل الأمكنة كعشب بري متوحش نما بين القبور، وكان يعلم أن الحلم الكبير قد نأى بما يكفي كي يمر أكثر من عمر وحول، تعربد فيها عصائب الطير وتسم عصرا بأكمله بالعجز والهزيمة التي لا تنتهي.. الهزيمة متعددة الطبقات والتآويل والجغرافيات.


يقول د. أسعد عبد الرحمن: إن حالة مؤنس الوجودية قد غلفها حبه للحياة، وحبه للرحيل. أما الكاتب محمود الريماوي فيقول: لقد أمضى مؤنس سحابة عمره الغض وهو يقارع جرثومة الكتابة، مرة بالاعتراف بها، ومرة بالسخرية منها، ومرة بالصمود أمامها، لكنها أبت أن تفارق روحه وسويداء قلبه حتى نالت منه.


وخرج الكاتب فؤاد أبو حجلة عن المألوف في رثاء المبدع الراحل حين كتب «أنا لم أكن من أصدقائه المقربين، ولا كنت رفيقا له في الحزب، ولم أكن حتى من رواد المقهى الذي كان يشرب فيه الشاي، لكنني كنت من محبي مؤنس ومريديه، أقرأ رواياته، وأشرب القهوة أحيانا في مكتبه بوزارة الثقافة، وأسمع آخر ما يجول في ذهنه في لحظته المتجددة بالمرارة.. وأغادر لأغيب شهرا أو دهرا» ويمضي الكاتب إلى القول «على سريري في غرفة العناية المركزة بالمستشفى تلقيت خبر وفاته، ولم أدر ما إذا كانت دموعي في تلك اللحظة حزنا على مؤنس أم خوفا على نفسي.. لكنني نجوت، ربما لأشارك في العزاء وأحزن أكثر».


وتضمن العدد الرابع من جريدة عمان، التي تصدرها اللجنة الوطنية العليا لإعلان عمان عاصمة للثقافة العربية افتتاحية بعنوان «مؤنس الرزاز النجم الذي غاب» قال فيها كاتبها: «أين لي بمشاكس عذب اللسان والقسمات، يناكفني ويتشاجر معي صباح مساء؟» إضافة إلى مقالة للكاتب التونسي مصطفى الكيلاني حول مؤنس الرزاز تحت عنوان: جنون الحياة بين حلم المشيمة وقلق الانقضاء.


تجاهلوه في الحياة واستذكروه في الموت تميز رحيل الرزاز باهتمام حكومي واسع، إذ قامت أمانة عمان الكبرى بتسمية أحد شوارع العاصمة باسمه، في حين بث التلفزيون الأردني فيلما توثيقيا عن الروائي الراحل بعنوان: «مؤنس الرزاز.. بين حياتين»، وذلك ضمن برنامج سيرة مبدع الذي يعده القاص يحيى القيسي، وتدعمه وتنتجه اللجنة العليا لإعلان عمان عاصمة للثقافة العربية بالتعاون مع التلفزيون الأردني.


فيلم يرصد حياته ولحظة موته


المخرج الأردني فيصل الزعبي الذي أخرج الفيلم كان قد التقى الراحل الرزاز أكثر من مرة، وحين كان الرزاز يحدثه عن الموت، يرتبك الزعبي ويلح عليه بتغيير الموضوع.


وما أن انتهى الزعبي من إعداد الفيلم حتى فاجأه خبر دخول مؤنس إلى المستشفى، فصوره قبل دخوله في الغيبوبة، وقبل وفاته بيوم واحد، أما مشهده الأخير فكان في مقبرة أم الحيران لحظة تشييعه إلى مثواه الأخير.


عن ذلك يقول القيسي: إن الحلقة الخاصة بالروائي الراحل مؤنس الرزاز، قد تم إعدادها قبل أسبوع واحد من غيبوبة مؤنس ورحيله، ويوضح أنه ربما يحدث لأول مرة في تاريخ التلفزة التوثيقية، أن يتاح لعمل ما، متابعة الشخصية المرصودة لحظة حياتها وموتها.


وتضمنت الحلقة التي تحدثت عن الراحل الرزاز لقاءات عديدة ومتوالية مع مؤنس في منزله وفي رابطة الكتاب وفي الاماكن التي كان يرتادها الروائي الراحل، مثل متنزهات عمان، ومقاهيها والبيت الذي ولد فيه في جبل اللويبدة، والمكتبة التي كان يؤمها الراحل لسنوات طويلة.


من عمان إلى عمان مرورا بعواصم المنطقة شهد الرزاز حلما يقوم من العجز ويمشي إلى أرض يتحقق فيها، وكان قاب قوسين أو أدنى من ذلك لولا خذلان الرجال وخذلان المدن».. هكذا يصف الفيلم حياة المبدع الراحل.


ويتضمن الفيلم أيضا شهادات ابداعية وانسانية في تجربته، حيث تحدث الروائي الياس فركوح عن تجربة الراحل في بيروت وجوانب من ابداعاته، وألقى الناقد عبد الله رضوان الضوء على التقنيات السردية في روايات مؤنس، وتحدثت د. ريما مقطش عن تجربتها في رسالة الدكتوراه التي خصصتها لمقارنة روايات مؤنس بروايات جيمس جويس، كما تحدث مسلم بسيسو، أحد أقرباء مؤنس عن فترة إقامة عائلة مؤنس في دمشق وطفولته بينما تناول عمر الرزاز جوانب من شخصية شقيقه الفقيد.


كتاب الصحف: عاش مقهورا ومحبطا كالحال العربي العام





وعلق معظم كتاب الصحف الأردنية على موت مؤنس بالرثاء والتحليل، فكتب محمد كعوش: «إن حياة مؤنس كانت خلاصة هذه الحالة الطافحة بالحلم العربي، والعذاب الإنساني، والإحباط العام».. ووصف ناهض حتر الروائي الراحل بالمواطن العماني البسيط والمتواضع، الذي نال حصته من القهر الروحي مضاعفا.. بينما رأى جميل النمري أن نقد الرزاز الساخر للدكتاتوريات وللواقع العربي، وللتجربة القومية بأخطائها وخطاياها مقنع ومؤثر. في حين يعتقد المفكر العربي معن بشور أن «الرزاز قد رحل اختناقا، فقد التهمته ألسنة الحريق الشاروني المتجول في فلسطين، وحاصرته آهات أطفال العراق اللاهثين، وأطبقت عليه قضبان كل السجون العربية دفعة واحدة، ولم تبق سياط الجلادين في جسده الغض نقطة دم»، أما موسى برهومة فيضيف، بأن التأمل في الحال العربي البائس قد مزق مؤنس.


هكذا صار العمر ضيقا لا يتسع لمخيلة مؤنس الرزاز وأحلامه، بل باتت شخصياته تضيق ذرعا من انحباسها الطويل، وكأنما كان يستشعر موتا مبكرا فأطلقها في الروايات الأخيرة، وأطلقها من روايته الشخصية، فكانت تلك أوجها لمؤنس مثلما انها من الممكن أن يصادفها المرء في أي شارع عربي.


ويجمع أصدقاء الرزاز من كتاب وفنانين وصحفيين على أن الراحل كان إنسانا كبيرا وكاتبا كبيرا ترك يأسه الباب مفتوحا دائما كي يأتي الموت، وتلك علامة حملتها بعض شخصيات رواياته منذ «أحياء في البحر الميت».. وظلت كذلك في «اعترافات كاتم صوت» و«متاهة الأعراب في ناطحات السحاب» و«جمعة القفاري» و«قبضتان ورأس واحدة».. وسواها.. شخصية واحدة متنامية في غير اتجاه هجرتها أحلامها ولم يبق حولها سوى تلك الوحشة.


رحيل مبكر


ذهب مؤنس مستعجلا بصوته وجسده وترك تلك الوحشة في البيت الذي نشأ فيه، بيت بأقواس وأدراج ونوافذ ومداخل، وسروتين سامقتين، وشجرة تين عجوز وأعشاب، نمت كيفما اتفق هنا وهناك وارجوحة وظلال كثيفة كأنما لم يكن هناك احد. ذهب الطفل الذي كان هناك يشاغب.. ذهب في خطفة عين، أو رفة قلب.. ذهب بعيدا الى العالم الذي سبقه اليه آخرون، أحبهم وامتلأت حياته بضحكاتهم، وأشواقهم، وآلامهم الكبيرة.. اولئك سيقولون له: لقد بكرت في المجيء، سيقول: انتم ذهبت مبكرين أيضا، ولم تبق سوى صوركم في جدران البيت الواسع، وجدران الحلم الواسع.


ولأن مؤنس قد اعتاد أن يلامس بمقالاته هم المواطن العربي بشكل عام، والأردني بشكل خاص، فقد أخذ يعتب في أحد مقالاته على تقطيع شجرات في دوار الحاووز في منطقة سكنه «اللويبدة». حتى ليشعر المرء، انه كان يكتب وصوته يتهدج من غصة في الحلق، فثمة من اعتدى على تذكاراته وجرفها، وألقى بها بعيدا عن حياته.


في رثائه كفنان


«في كل موت نبتدع دائما مناخات جديدة او شبيهة لتجميله لكنه يبقى الموت ذلك الاكيد الذي يسلبك الحضور كأنه الغياب الابدي في عتمة ما».


يتحدث الفنان خالد خريس عن موت مؤنس فيقول: لقد افتقدت إنسانا وصديقا من نوع خاص جدا في إنسانيته وتعامله وصدقه الذي لا يحد. وقد ساهم مؤنس في اظهار الرواية الاردنية على المستوى العربي وللاسف رحل مبكرا وهو في أوج عطائه وفقدانه قد شمل كل محبي مؤنس الرزاز ليترك لنا مثالا عطرا ومنتجا ضخما ومهما في المجال الابداعي فهو شخصية لن تتكرر بالنسبة لي.


في حين يقول المخرج نادر عمران: كان مؤنس الرزاز صديق الجميع وكان يتميز بأخلاق مبدع حقيقي، ويضيف: لقد خسرنا مبدعا شريفا ونظيفا نعزي أنفسنا بفقده قبل أن نعزي الآخرين.


أما الفنان حسين دعسه فيقول: رأيته في ايامه الاخيرة، وكان اكثر قربا من جمر ووهج الذات الباحثة عن التنسك والتصوف.. لكنه لم يفارق دعابته المعتادة، او تلك الفوضى الرائعة التي كان يريد لها ان تعم العالم. وتقترب من عالمنا، حتى تهزه، وذلك ما حاوله في معظم رواياته. ويضيف: هو أيضا الفنان الذي عاش كما أراد، يرى في الحياة فرصة للصمت العميق، وأخرى للاكتواء بالجمر اللاهب، جمر الاعترافات المعيقة لمسار حياتنا.. لقد قال لي في مرات كثيرة: «لقد كنت ترسم عصابتي الداخلية، وتفهم شبكاتها المؤلمة، الموجعة».. وكنت - كفنان بسيط - عاجزا عن عرض جميع ما رسمت من روايات مؤنس، او تلك القصص التي فاقت ما كتب عربيا وعالميا عن حالنا المهلكة..


ويرثيه الفنان التشكيلي رفيق اللحام بقوله: أبو منيف لقد كنت وستبقى علما في عالم الثقافة في الاردن والعالم العربي، وسيذكر الاصحاب جميعهم صراحتك، واحلامك بوحدة امتك، وعشقك للحرية الذي لم تغيره الاحداث ولا الظروف القاسية التي مررت بها. وقلائل هم الذين يعرفون انك كنت تعبر عن آرائك بفرشاتك كما كنت تعبر بقلمك.


بينما يقول الفنان محمود طه: فوجئت بخبر وفاته. لقد مات الروائي المبدع والمناضل الذي لم أنقطع عن رؤيته، ففقدت ساحتنا الثقافية واحدا من رموزها.


عشرون عاما من البعد


وسنوات غزيرة الإنتاج


عاد الرزاز إلى العاصمة الأردنية عمان بعد عشرين عاما من البعد، ورغم كل ما كابده وكابدته عائلته من مصاعب، فقد كان مسكونا بالإبداع، راغبا في وضع الكتابة القصصية، والروائية الأردنية على خريطة الأدب العربي، فكتب «اللسان الصغير» و«النمرود»، وكانت روايته «أحياء في البحر الميت» باكورته الروائية الأولى التي تحدث فيها عن تجربته في ثلاث عواصم ومكابدته في أدب الحداثة، الذي كان مهووسا به إلى حد الحلم بكتابة «يوليسيز» عربية يستلهم فيها عالم جيمس جويس الروائي.


وتوالت أعمال الروائي الراحل من «اعترافات كاتم صوت» و«متاهة الأعراب في ناطحات السحاب» إلى «جمعة القفاري: يوميات نكرة»، و«عصابة الوردة الدامية»، و«حين تستيقظ الأحلام» ثم كان في صدد إصدار روايته «اعترافات - سيرة جوانية» وعاجله الموت قبل إتمامه.


وتميزت السنوات الأخيرة بغزارة في إنتاج الأديب الراحل، فقد كان يصدر الرواية تلو الرواية غائصا في تجربته الحياتية، وكأنه يسابق الزمن.


وينتمي الرزاز إلى سلالة روائية مكونة من تيسير سبول، وعبدالرحمن منيف، وإميل حبيبي، وصنع الله ابراهيم، وجمال الغيطاني، وإلياس خوري، ويوسف حبشي الاشقر، تلك السلالة الروائية التي رغبت في التعرف على اسس الخراب الذي يقضم حياتنا العربية في الزمان الراهن فكتبته في نصوص روائية تخالف السائد وتجدد شكل الرواية العربية بعد نجيب محفوظ.


ما قبل الموت وما بعده


شهدت أروقة رابطة الكتاب الاردنيين قبل وفاة الرزاز بأسبوعين حضورا يوميا له، حيث التقى بعدد كبير من الكتاب والأدباء، وكان يحدثهم عن مشروع روايته الجديدة «اعترافات»، لقد بدا مسرورا جدا بهذه الرواية التي نشر جزءا منها في مجلة «أفكار» التي رأس تحريرها لسنوات، وكان الوسط الثقافي أيضا سعيدا بعودة مؤنس الى رابطة الكتاب الأردنيين، لكن هذه السعادة صدمتها سرعة الموت الذي باغت الوسط بفقده، ولم يمكن مؤنس من رؤية روايته الجديدة في كتاب مطبوع.


«هو الموت إذن لا خشخاش ولا وسواس.. وإنما موت محدود الفكرة وغير قابل للتأويل»..


لقد جمع مؤنس الرزاز قبل رحيله بين الإبداع والأخلاق في سياق واحد، وكان من ابرز الكتاب الذين سخروا أقلامهم لأجل حرية الإنسان والدفاع عن كرامته أينما وجد، وقد انعكس ذلك ليس فقط في كتابته الإبداعية التي تجلت بشكل خاص في رواياته المتعددة وإنما أيضا عبر كتاباته اليومية في صحيفتي الدستور والرأي، وتمثلت كذلك في شخصيته وخلقه وتواضعه الرفيع وسعيه الدائم إلى التوفيق بين الكتاب والزملاء، الذين تتعارض توجهاتهم الفكرية ورؤاهم النضالية، فليس غريبا إذن أن يشهد يوم رحيله تواجد المئات من كتاب وشعراء وقاصين وروائيين وفنانين، وفنانين تشكيليين، إضافة إلى عدد كبير من ألوان الطيف الفكري والسياسي، الذين وحدتهم حادثة الموت في مشهد مؤثر.


فقرات بقلم الراحل


أخذ الرزاز في أواخر أيامه يتذكر ويكتب حياته في مجلة (أفكار) التي اختارها لأن قراءها قليلون، كما لو أنه يريد أن يتحدث إلى نفسه فقط، شأنه في ذلك شأن الذي أخذه يأسه إلى أن يصبح عجوزا. يقول الراحل الرزاز، في فقرات من كتابه «اعترافات - سيرة جوانية» نشرها في آخر عدد صدر من المجلة قبل رحيله، وهو العدد 161 1978» مصحة بادون هاوس - هارو - لندن: ادخلوني الى مصحة الامراض النفسية مرة أخرى.


استقبلني الدكتور تونكس بابتسامة باهتة وقال: آمل أن «تطوع» بطريقة افضل هذه المرة.


انهم يحاولون اعادة تأهيلي كي تقبلني مؤسسة الناس.. انهم بقيادة الطبيب تونكس يرغبون في قولبتي، وتنميطي، يسعون عبر قصفي بالمهدئات، ذات الآثار الجانبية المرعبة الى تقليم مخالب مرض كآبتي المزمنة، واعادة نصف جنوني الى جادة الصواب واقتلاعي من رمال ادمان الكحول المتحركة واثابتي الى طريق الرشد.


لم اكن قد قرأت اعمال ميشيل فوكو بعد ان كانوا في المصحة، يعدون العدة لدفع نمردتي نحو الانصياع الكامل والاستسلام، وكانت غالبيتي متواطئة معهم. فقد أدركني الرهق من فرط السباحة ضد التيار».


إن نوبة المرض الأخيرة التي ألمت بالرزاز لم تكن عسيرة المقاومة، لكنه كان مستسلما تماما لها، لم يجعل روحه ترتجف كي يستيقظ الجسد، بل حول الجسد إلى نافذة واسعة تنطلق منها الروح.

بسمة
02-19-2003, 06:30 PM
http://www.alarweqa.net/eb/photo/mounes1.jpg
الذاكرة المستباحة قصة

اتخذ المحاربون القدامى مجالسهم المعتادة في الصالة. كانوا جميعًا يحدقون إلى وجه الأستاذ.
عبد الرحيم الذي اختلفت عليه الخطوب والأهوال، قال وهو يفرد أصابعه السليمة على ركبته ويخفي أنظاره بينها. قال وبصره يتنقل من إصبع إلى إصبع:
ـ لو أخذ ابن الكلب مصاري.. لو أخذ.. لكن ألبوم الصور.. لماذا؟ لقد سرق ذاكرتي.
اضطرب قدح القهوة في يد أحد الشيوخ حين قال بعصبية:
ـ لماذا لم تستجر بالشرطة؟ هل أنت متأكد من أن الخادمة لم تتواطأ معه؟
عكست ملامحه التباسًا بين الصحو والغفلة. قال بصوت حالم، إنه يخاف من انتقام المجرم من منقذ. إنه يحمل مدية. قد لا تثبت عليه التهمة، قد يفرجون عنه. فيستبيح البيت مثل كل ليلة... وينتقم من منقذ. ثم قال بصوت متهدج:
ـ لم يبق لي في هذا العالم سوى منقذ. أما الخادمة فلا علاقة لها بالموضوع. إنه مجرد لص حقير.
تبادل المحاربون القدامى نظرات ذات مغزى اختلسوها في غفلة الأستاذ عبد الرحيم اختلاسا. كانوا جميعًا يعرفون أن منقذا عاجز عجزا شبه كامل عن التعامل مع العالم.. وأنه يعاني من مرض ملغز. مال أحدهم نحو أذن الرجل الأصم. وقال بلهجة تنم عن يأس من يدرك أنه يتحدث إلى جدار:
ـ إنه الرجل المريض. أقصد منقذ.
ضرب عبد الرحيم طرف عصاه بالأرض بعصبية وقال:
ـ لو تعرفون أي صور يضم هذا الألبوم!
سأله محارب قديم منهوك الجسم، غائر الفم منخسف الخدين باهتمام شديد وهو يضيق ما بين عينيه:
ـ هل يضم صور عرسكما؟ أقصد.. أنت وأم منقذ. صور زواجكما أعني.
قال عبد المنعم وقد شرد بصره وسرحت خواطره، إنه لم ير بين النساء أضوأ من أم منقذ. ثم تذكر السؤال فقست عيناه، وأحس بأن في أعماقه طبقات فوق طبقات تهتز بعنف، كأن زلزالاً على وشك أن يفجرها. تماسك في ترفع وكبرياء. وهتف بقسوة:
ـ ماذا؟ سرق صور زواجنا؟ لقد سرق ذاكرتي يا عزيزي. هل تعرف ماذا تعني الذاكرة لرجال في مثل أعمارنا؟... حياتهم. لقد سرق حياتي كلها. كانت الصور تبعث الحياة في ذاكرتي الشاحبة.. تشعلها بضياء الوضوح. تبعث التفاصيل، الروائح، النكهة المذاق، الإحساس بالبرد بالحرارة.. التفاصيل الصغيرة تبعث حية من جديد، أعيشها مرات ومرات، أستعيد كل ثانية منها.. بكل ما تكتنزه هذه الثواني من مشاعر وأحاسيس وانطباعات و...
سكت الختيار فجأة حين أحس إحساسًا مباغتًا أنه بالغ في الكشف عن عواطفه. عن الإنسان الشفيف المرهف الذي يواريه خلف أقنعة وجهه ونظراته التي توحي بأنه ما زال الفارس المتأهب للنزال في أي لحظة. حيث لا متسع للعواطف والمشاعر والرهافة. حيث لحظة الخطر التي تطلب من القادة اتخاذ هيئة توحي لمقاتليهم بالصلابة الجبارة، والقسوة الباردة، والجرأة الضارية.
المحارب القديم الأصم خرج عن صمته لكنه لم يزحزح ذقنه عن مقبض عصاه. قال والبهجة تطل من عينيه:
ـ سوف أفاجئكم بنبإ أخفيته عنكم.. بانتظار اللحظة المناسبة.
التفتت إليه الوجوه ذاهلة واجمة، ورنت إليه العيون مستطلعة متلهفة. قال وهو يلحس شفته السفلى بلسانه:
ـ قرر مجلس أمانة عمان الكبري.. أن يسمي شارعًا باسمي. إنهم يتذكرونني.. أنا لم أطلب ذلك.
وبدأ صوته يتهدج، وعيناه تلمعان بمقدمات دمع. فأطبق شفتيه مرغمًا. وسكت وهو يغالب دموعه. كان يرغب في الحديث عن هذا النبأ الخطير بإسهاب، لكن لعن الله العواطف الجياشة.. المعيبة. فضل السكوت على الإسهاب الذي يواري في أحشائه احتمال نوبة نحيب عاطفية.. لا ينبغي أن تظهر في العلن مثل فضيحة.
ضرب أحد المحاربين القدامى كفّا بكف وعلق:
ـ الناس بالناس.. والقطة بالنفاس.
وعلق آخر وهو يشير إلى عبد الرحيم:
ـ أما حضرة الأستاذ.. فلم يتذكره سوى لص لعين، ولكن لماذا يسرق اللص ألبوم صور؟ لماذا لم يبحث عن مال أو ذهب؟
قال آخر بأسى وهو يهز رأسه:
ـ أنا لا يتذكرني أحد. لا لص، ولا أمين العاصمة، ولا شارع.
ضرب عبد الرحيم طرف عصاه بالأرض وقال مستنكرًا وقد ومضت في باله فكرة بعثت مشاعر الزهو والاعتداد في نفسه:
ـ ليته كان لصّا. أقول لكم إنه لم يكن لصّا. أؤكد لكم أنه عميل لجهاز استخبارات دولة استعمارية هرمة.
أصر الأستاذ عبد الرحيم على عدم التطرق إلى قصة عشيق (آريا). لم يقل إنه كان يراه يتسلل إلى البيت كل ليلة. وإنه كان يبصره وهو يستبيح البيت القديم من دون مقاومة. ولم يقل إن عشيق آريا (هذا الوغد) كان يستغل عجزه ومرض منقذ.
ضرب محارب قديم كفّا بكف وقال:
ـ هذا جائز. فالمخابرات الاستعمارية لا تنسى المحاربين القدامي. نعم. الاستعمار لا ينسانا.. بينما يشطبنا الجيل الجديد من ذاكرته، وتنسانا الشوارع التي زرعناها خطى مجيدة.. هل تذكرون؟
وقال أحدهم إنه على استعداد لإعارة الأستاذ عبدالرحيم مسدسه القديم، إذا لم يكن يملك سلاحًا. وراح يمتدح مسدسه ويحكي عن المسدس كما لو كان يحكي عن سيرة حياة رفيق العمر.
امتعض الأستاذ عبد الرحيم. فتجاهل عرض الصديق وقد دار في خلده أن صديقه يبطن في كلامه عن المسدس، عجز محارب قديم عن التصدي للص تافه.


ولم يرن الهاتف. ولم يتصل أي مرشح ملتمسًا مساعدة الأستاذ، ولو عبر خطاب محشور في شريط آلة تسجيل. ولم يطلب منه أحد أن يوقع على تلك الإعلانات الانتخابية التي تبرزها الصحف وتقول إن (فلانا) و(علانا) يؤيدان المرشح المناضل فلان الفلاني. مع أن سجل فلان وعلان النضالي لا يمكن أن يقارن مع سجله أو أن يجاريه. أين الثرى من الثريا؟
أمسك الأستاذ عبد الرحيم عن الكلام والإيماء، وأضرب عن الطعام حردًا من العالم. منقذ قال إن الأستاذ زعل منذ أن سمع أن مرشحًا يساريّا طلب من الدكتور عبد الرحمن شقير أن يسجل كلمة خطابية تدعمه في مهرجان سينما القدس الانتخابي. وإن غضبه وحرده تضاعفا حين بلغه أن المرشح الشركسي منصور سيف الدين مراد تذكر الأستاذ بهجت أبو غربية ومشهور حديثة وطلب منهما أن يشاركا في المهرجان الخطابي لدعم حملته الانتخابية. طار عقله. علق منقذ. قال إن د. عبد الرحمن شقير شبه مقعد مثله. وإن مشهور حديثة أحد أبطال معركة الكرامة وبهجت أبو غربية الذي شارك في ثورة الـ 36 ليسا أقدر منه في ميدان الخطابة. وإن سجله النضالي حافل مثل هؤلاء الثلاثة. فلماذا لم يتذكره أحد؟ وطاش عقله (حسب رواية منقذ) حين قرأ في الصحف تواقيع شخصيات لا يقارن نضالها بنضاله، وتاريخها المتواضع بتاريخه الحافل بالمواقف النضالية الباهظة الثمن... قرأ: فلان وفلان وفلان إلخ يؤيدون المرشح العلاني. لماذا لم يطلب أحد توقيعي؟!
احتقن وجهه وقال بلهجته من يواسي نفسه ويعزيها إنه متأكد من أن الانتخابات لن تكون نزيهة، وإن الحكومة سوف تطبق المادة (هـ) من (القانون 18) الذي يحظر على الحزبيين المشاركة في الانتخابات.


مقطع من راوية للكاتب الاردني الراحل مؤنس الرزاز

كارلوس
02-19-2003, 06:59 PM
و منكم نستفيد

معلومات رائعة و ثمينة

الف شكر بسمة
1

بسمة
02-20-2003, 12:32 PM
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2000/10/7/image_personal1998_3.jpg

عمان - ياسر أبو هلالة

مؤنس الرزاز
غدت كتب الروائي الأردني مؤنس الرزاز الأكثر مبيعا في الأردن بعدما غيبه الموت عن 51 عاما. وبرحيله المفاجئ إثر عارض صحي خسرت الساحة الثقافية واحدا من أبرز رموزها تاركا وراءه أكثر من 15 عملا أدبيا، ما بين قصة ورواية ومسرحية وترجمة.


والروائي الأردني سليل بيت فكر وسياسة، فوالده القيادي البارز في حزب البعث منيف الرزاز الذي أثرت تجربته الدامية في أعمال مؤنس لا سيما رواية "اعترافات كاتم صوت" التي كرسها لإدانة التصفيات والاغتيالات وتكميم الأفواه.


درس الرزاز في جامعة أكسفورد عاما واحدا أتقن فيها الإنجليزية، وبعدها درس الفلسفة في بيروت لكنه لم يكمل تعليمه أيضا بسبب الحرب الأهلية، ولم يكمل تعليمه إلا في بغداد. ولم يتم دراسة الماجستير في أميركا أيضا ودرس فيها عاما واحدا فقط.


انتخب رئيسا لرابطة الكتاب الأردنيين وأمينا عاما للحزب العربي الديمقراطي، ولكنه استقال من المنصبين احتجاجا على ما سماه العقليات الفئوية والجامدة.


انشغلت الصحافة العربية والثقافية والأردنية تحديدا برحيله وخصصت له ملاحق، واعتبر المفكر اللبناني معن بشور أن الرزاز رحل "اختناقا" وهو ما أحس به وهو ما زال فتى حتى أجهز عليه أخيرا، فرحل آخر الأحياء في البحر الميت وانطوى اللسان الصغير تعبا من تحدي العالم الكبير وتحول كاتم الصوت إلى كاتم النفس وكانت ليلة العسل هي ليلة الانسحاب من العمر لا ليلة الدخول إلى أجمل أيامه.

وأضاف بشور أن التنابلة خسروا "أباهم الروحي الذي لم يكن في الحقيقة إلا متنكرا بالتنبلة تمويها لروح وثابة وتضليلا للمتربصين بكل حيوية والحاقدين على كل صاحب همة".


أبرز روايات الرزاز "أحياء في البحر" وفيها يغور في أعماق المواطن العربي المحبط الذي صدمته الهزائم وتكسرت أضلاعه في التحرير والحرية والديمقراطية والوحدة.


واتسمت كتاباته بسخرية فريدة لا ينقصها عمق في الفكر والثقافة والتجربة، ومن أمثلة ذلك رواية "ليلة عسل" التي جاءت ثمرة للتحدي بينه وبين صديق اعتبره عاجزا عن كتابة رواية حب فكانت حلقة في سلسلة تجربته الحرة.

وكذلك "سلطان النوم وزرقاء اليمامة" و"عصابة الوردة الدامية" و"متاهة الأعراب في ناطحات السراب".

وأطلقت أمانة عمان اسم الروائي الراحل على أحد شوارع عمان، واستعدت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت لإصدار مجموعته الكاملة لا سيما أنها أصدرت جميع أعماله من قبل.

المصدر :الجزيرة نت