المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن زريق البغدادي



الزاهي
04-27-2008, 06:53 PM
أعلم أن فيكم عشاقاً للكلمة الموحية ، مطبوعين على عشق الشعر العربي الأنيق ، الخالد خلود الدهر ، لذا أتيتكم اليوم بتحفة يتيمة ، وقطعة قيمة ، فيها تناهيد عاشق ، وتهاويم محب وامق ، فيها ألم وأمل ، عتاب والتياع ، قصة حقيقية التقطتها عدسة شاعر بإحساسه ، وحفظها لنا على هاردسك يعزى اكتشافه للخليل بن أحمد الفراهيدي ، إنه بحر البسيط .
يتجلى جمال هذه المقطوعة الشعرية في أنها تصوير لحالة شعورية محزنة اضطرت الشاعر للغربة عن وطنه فراحت زوجته تعاتبه وتلومه على بعده عن عشه ووكر صغاره ، تمزج العتاب بالدمع ، تستحضر الفراق عند اللقاء ، وتترجى اللقاء إثر الوداع ، والشاعر الواقع تحت ضغط الظروف لم يملك حيلة ً سوى أن يسكب هذه الأحاسيس شعراً يصور مدى تأثره بلوم شريكة حياته وبلسم عمره ويرسم لوحة ً من المعاناة التي عايشها هذان الإلفان الحبيبان ، وكيف من خلال حرف العين والهاء عزف الشاعر على سيمفونية حنين لاذع .
فإلى ذوقكم الرفيع أبيات ابن زريق البغدادي اليتيمة التي لم يعثر له على سواها ، فيا لله وللروعة والجمال كيف يكون نصيبهما اليتم والفرادة وفقدان النظير :


لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حداً أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً ... من عذله فهو مضنى القلب موجعه



تأملوا توصيفه لحاله : فهو مضنى القلب موجعه .
يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروعه

هذا البيت من الإف 16 . لوعة التنفنيد : ألم العتاب الذي يحاصر الملوم بعنف .

ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر بالبين يجمعه
كأنما هو من حل ومرتحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه


يعبر عن كثرة إيابه وغيابه في مشاوير لا تنتهي به عند حد .ثم يسترسل في الأبيات التالية للحديث عن رزق الله للعباد وآية اختلافهم فيه وعنائهم في طلبه .

إن الزمان أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السد أضحى وهو يزمعه
وما مجاهدة الإنسان واصلة ... رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
قد وزع الله بين الخلق رزقهم ... لم يخلق الله من خلق يضيعه
لكنهم كلفوا حرصاً فلست ترى ... مسترزقاً وسوى الغايات تقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرىء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه ... إرثاً ويمنعه من حيث يطعمه


الآن يأتي لوصف صبره عن الجمال الذي ما عنه صبر ، يا ربي أستودعك قمراً ببغداد
لا يقولها هكذا بل يقولها بصيغة ألذ وأغرى ممزوجة بالألم لحال الدنيا المفرقة للأحباب

أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
استعار لها الفلك وسماها بالقمر ، أي دلال وحب بين زوجين صادقين كهذا . ولا أفتك للقلب من هذا البيت :


ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه

إنه من مسيلات الدموع حقاً .دموع الفراق واللقاء أيضاً . ثم يأتي لتصوير لحظة الرحيل بين إلفين متصادقين قضت الظروف أن ينأيا عن بعضهما غصباً ورغماً عنهما .


كم قد تشفع بي أن لا أفارقه ... وللضرورة حال لا تشفعه
وقد تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه

لاحظ قوة الكلمات التي عبر بها ( تشفع ) (تشبث ) وكيف امتزجت الدموع واختلطت بالبكاء منهما عليهما . يا ألله كم هي محزنة ومؤلمة مواقف الفراق ووداع الأحبة ، هل من لوحة لبرناردشو أو فان جوخ أو ليورنارد دفنشي لتصور أعمق أثراً وآحز في النفس من هذا الموقف ؟؟ كلا فيما أعلم .والله أعلم .لا أكذب الله ثوب الصبر منخرق ... عني بفرقته لكن أرقعه


إني أوسع عذري في جنايته ... بالبين عني وجرمي لا يوسعه

إنه اعتراف منه بأنه خانه صبره ولم يبر به حلمه في هذا الموقف الأليم ، إنه يعكس إحساسه بالتقصير تجاه حبيبته وأليفة عشه .والأبيات التالية تفصح عن هذا الحدس :
رزقت ملكاً فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكر عليه فإن الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته ... كأساً أجرع منها ما أجرعه

ندر أن نجد نصاً شعرياً هام فيه شاعر بزوجته هذا الهيام الذي تحكيه هذه الأبيات والتالية




كم قائل لي ذقت البين قلت له ... الذنب والله ذنبي لست أدفعه
ألا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعه
إني لأقطع أيامي وأنفدها ... بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له ... بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضطجع وكذا ... لا يطمئن له مذ بت مضجعه
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى البين فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حقي وتمنعه
قد كنت من ريب دهري جازعاً فزعاً ... فلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل العيش الذي درست ... آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك عيشتنا؟ ... أم الليالي الذي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه ... كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني ... به ولا بي في حال يمتعه
علماً بأن اصطباري معقباً فرجاً ... فأضيق الضيق إن فكرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه

وإن تنل أحداً منا منيته ... فما الذي بقضاء الله يصنعه
[/color][/font][/size]


هذا وفاء عزيز ، وحس عاطفي بليغ من زوج شاعر لزوجته في لحظات غربة عسيرة فلله درهما إن لم ينجبا سوى هذه اليتيمة كفاهما بها فخرا .
أطيب المنى .
** ابن زريق البغدادي أبو الحسن علي (أبو عبد الله) بن زريق الكاتب البغدادي.
? - 420 هـ / ? - 1029 م
انتقل إلى الأندلس وقيل إنه توفي فيها.
لكم احترامي على وقوفكم هنا .
مع خالص الاعتذار عن سوء التنسيق