المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آن للأمير أن ينام



عقيلة
04-25-2008, 10:35 AM
من أين لهذه السماء هذا الإشراق .. أكانت تستمده من سناها ؟
أم أخذها جنون الغيرة فراحت تسكب ضياءها ,, خيوطاً تتلألأ على جدائل شعرها ,,
من أين تأتي هذه الصبية بكل هذا الحسن؟!
وكيف يترنم هذا الماء المنحصر في هذه النافورة مع مداعبة كفيها لقطراته !
أهذه الموسيقى تغريد الطيور في حديقته الغنّاء,, أم عزف ضحكاتها الرقيقة تماوجاً مع لعبها البريء !
اقترب منها بتؤدة .. ماشياً الهوينى .. متأملاً خصلات شعرها المحمر المسترسل على كتفيها ,, نصاعة وجهها
تورّد وجنتيها الصافية .. رقة شفتيها الناعمين ..
اقترب منها أكثر .. أمسك بكفها الصغيرة يلثمها ..
ضحكت ليزداد تورّد خديها .. راكعاً .. كراهبٌ يبتهل أمام آلهة !
وانقلب ذلك الغناء حوله إلى وشيش أعاده لعالم الصحو !
تقّلب على فراشه .. يحاول غسل عينيه من آثار ما رأى .. ويعيد ارتشاف واقعه من جديد ..
مجدداً كبين كل فترة .. كصاحب يأخذه الشوق فتجمله رجليه إلى مواعيد اللقاء ... يجد هذا الحلم طريقهُ إليه !
على أن حبوره الكائن في عالم اللاوعي .. سرعان ما ينقلب إلى غيظٍ شديد في حالة الوعي !
لو أن فرويد استيقظ على ذات الحلم ذات يوم .. لخلق من تفسيره للأحلام كتاباً آخر ,,
فقط لو يستطيع إيجاد نهر فليغتون .. كي يغسله من هذا الإثم .. كي ينسيه ما يكون في هذا الحلم الآثم !
كيف ينحني كبرياؤه لصبيةٍ حقيرة .. فيجثو أمامها معلناً انصياعه لجلالتها ..
تُرى أيبعثر الحب جبروته ؟ ويخلق منه إنساناً آخر ؟!

نادى خادمه مزمجراً ..
سعيد .. ويلك من مغبون .. لئن لم تحضرن اللحظة .. موّهت ملامحك المأفونة !
يحضر سعيد مسرعاً يتعثر في خوفه .. فيأمره بإحضار مستشاره حالاً ..
يحضر المستشار ,, وقد ارتدى خفان و غلالته البسيطة تدل على عجلته .. فلم يأمر به الأمير بهذه الساعة إلا و قد حضر عنده قنطروس .

يزفر الكلمات عن صدره ,, يبعثرها على أذني مستشاره
طالباً منه رغوةً تغسله من جنونه .. ماءً يزيل هذا الزبد !
يبتسم الأخير ,, كأن أجنحة النور قد انتشرت مبددةً غيوم الغلسة ..
ينادي سعيداً للبحث بين خادمات القصر .. عن أنثى أخاذة الحسن ..
قد حرمت الأمير لذيذ الكرى .. وتركت بجفونه ساعات الأرق !

انتشر الخبر في القصر ..
كل خادمةٍ راحت تتأمل مرآتها .. لعلها تخلق منها أحلامها .. بسعادة نزلت من السماء ,, لم تطف يوماً مداعبة جفونها !
فرقعت زوجتيه أصابعها .. توتراً .. و قضمن أصابع الغيرة .. تحفزاً لهذه القادمة تنازعهما عرشاً
لا تدريان إن كانت فعلاً قد ارتقتاه ..

تجتمع الخادمات .. تهمسن .. أي سعيدةٍ هذه التي عُقد قدرها أبيضاً في ليلة قدر .
يتهامسن حولها.. وهي لفرط براءتها .. ترسم بسمةً خجولة يتورد فيها وجهها أكثر ..
هي القادمة على قارب حزن .. رماها العوز .. لتُشترى أو تُستخدم .. هي أيضاً لا تدري ..
قد دخلت هذا القصر .. خادمةً ولن تخرجَ منه ,, إلا حين تعطيها سيدتها كلمة إعفاء !
بعثرت أحلامها .. فلعل القدر يبتسم لها أخيراً .. لتعيد رسم حياتها أميرةً مدللة.. ستغدق على الخادمات بالعطايا ..
وستنقل أهلها من دنيا الفقر ..
ستنجب ولداً أو اثنين .. يرثان حسنها ,, ويجانبان قسوةَ أبيهما !
ومشت إلى الأمير على استحياء .. تداعب جدائلها ذات الثامنة عشر عام ..
تمشي كـأميرة .. تعزف خطواتها .. كراقصة باليه ترفرف على حلبة جليد !

دخلت القاعة ,, تنشر ابتسامتها على مُحياها ..
يتفحصها الأمير ومستشاره .. ويأمرها الأخير برفق جميلٍ أن تقترب أكثر ..
تقترب فيسألها الأمير : ما اسمكِ ؟
يتورد وجهها وهي تجيب : جُمان ..
يأمرها الأمير : ارفعي الغطاء عن شعرك يا جُمان .. وافتحيه مسترسلاً ..
يتضرج وجهها بالحمرة أكثر .. مستجيبةً لأوامر صاحب الجنة !
يتأملها .. فيضحك ..
ترسم على وجهها الحسن نصف ابتسامة خجول !
يُخاطبها قائلاً : أتدرينَ يا جُمان أنكِ حرمتِ صاحب العظمة لذيذ النوم ..
تُطرق برأسِها حياءً .. وقد زادتْ ابتسامتها اتساعاً ..

ينادي الأمير سعيد ويأمره :
امسح وجودها من الأرض , وابعث لأبيها بمائة ألف قيمة روحها ..
وحدها .. جُمان .. لا تعلم أتبكي لعمرها المسفوح !
أم تبتسم لعطاءٍ يكفل لأخوتها قوت يومهم !
نظر المستشار إلى الأمير وقد علته الدهشة , و أربكته قسوة الأمير
فأجابه قائلاً : الآن أستطيع أن أنام
قد آن للأمير أن ينعم بلذيذ النوم !


** * *

هوامش :
(1) فليغتون : نهر الدم .. نهر النسيان .. النهر المُطهر من الذنوب .
(2) قنطروس : كائن خرافي نصفه رجل ونصفه حصان ,, يرمز للعنف والغضب

الزاهي
04-25-2008, 10:44 AM
وصف يتدحرج مقاطع موسيقية عذبة ، تصف جمال صبية وقسوة أمير ، أعان الله جمان بدت في المشهد طفلة بريئة تقاد لمقصلة أمير غشوم
الأخت عقيلة أمتعنا فشكراًً

سالم
04-27-2008, 08:26 AM
قصة جميلة

أعجبتني الالتفاتة حول الدخول المباشر في الموضوع .. فكان نمط الدخول مغايراً وفيه نوع من الجذب المهم لعناصر القص الحديث ...

كانت الاسقاطات اللفظية الخرافية مناسبة ومعبرة تماماً وفي مكانها ...

الإيحاء في القصة معبر عن حالة إنسانية تجسد الظلم والبراءة بآن معا
أو لنقل الفكرة في القصة جسدت لحظة جبروت الإنسان حيت يستكبر حتى على مشاعره فيقتلها عبر قتل روح ضعيفة مستكينة مستسلمة ..
جعلت للضحية منفذاً للرضا والقبول بالأمر الواقع عبر تقديم نفسها كضحية أو قربان .. مما جعلنا نقبل ونقر بكونها لم تثور ولم ترفض ما آلت إليه ...

وجمالية القصة أنها جعلتنا نستشعر جبروت الأمير ..
وبنفس الوقت نستشعر مأساة ووداعة الخادمة ( الأميرة المقتولة)

فشكراً ..
وآمل أن تكون قراءتي مقبولة ..

منى عجاجي
04-28-2008, 07:21 PM
قصة غاية في الروعة يا صديقتي
احييكِ عليها واهنئ انفسنا بوجود قلم وفكر سامق / كأنتِ معنا

ولعل المغزى فيها هو كيف أن الإنسان النرجسي
والمصاب بجنون العظمة لا يرضيه شيء
حدا معه يتجرء على قتل احلامه الجميلة
فاحيانا يكون الجمال من حوله والحب ملك يديه
لكنه في ذات الوقت يخشي الضعف والاستسلام امام الخير والحب
فـ يسلمهما للسياف يعمل فيهما قتلاً وتمثيلاً !
و يخسر بذلك كل شيء في لحظة تتسم بالغرور والوحشية..
لكن هل سينام حقا مرتاح الضمير وهناك البراءة والاحلام تقتل
على يديه كل صباح !
لايهم ابدا ..فالمهم هو أن ينام الامير ممتلئا بذاته وحسب !

دام ابداعك يارائعة..

:
:

أطيب التحايا

عقيلة
04-30-2008, 12:16 PM
وصف يتدحرج مقاطع موسيقية عذبة ، تصف جمال صبية وقسوة أمير ، أعان الله جمان بدت في المشهد طفلة بريئة تقاد لمقصلة أمير غشوم
الأخت عقيلة أمتعنا فشكراًً


أخي الكريم الزاهي ..
أحيانا تنبثق الفكرة كومضة
تحتاج للتنفس فنتركها على ساحة الكلمات ..


شكراً لمرورك أخي الكريم

أرق التحايا

عقيلة
05-04-2008, 11:55 AM
أخي الكريم سالم

شكراً لهذا الحضور المختلف
بتحليل القصة ونقدها
ورؤيتها ..

قراءة جميلة
فشكراً مجدداً


أرق التحايا

عقيلة
05-04-2008, 11:57 AM
روعة الروح ..

كما تفضلتِ
فالقلب الذي يسكنه الظلم يطرد منه الحب
تشجيعك لي يدعمني كثيراً
واطراءك رحب أرجو أن حروفي تطاله

دمتِ أيتها الغالية


أرق التحايا