المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة الى عبد الرحمن منيف / إلياس خوري



بسمة
05-06-2003, 11:53 AM
الـمـنـــــام الـبـغــــدادي

أخي عبد الرحمن،

في الأمس رأيت رجب، كان يمشي في شوارع بغداد متكئاً على عينيه المغمضتين ويبحث عنك. استوقفني في الشارع وقال انه يبحث عن مؤلف رواية "شرق المتوسط" كي يخبره كيف سقطت بغداد في ايدي الأميركيين مثل ثمرة مهترئة.

في البداية لم أعرفه. كيف لي أن أتعرف الى رجل لم يوجد الا في كتاب. ثمّ حين قال اسمه ونظر الى البعيد، مثلما ينظر العميان في العادة لم أصدّقه. رجب في رواية "شرق المتوسط"، مات بعد خروجه الثاني من السجن، مصاباً بالعمى. كيف أصدّق ميتاً؟

لكنك ميت"، قلت له.

وأنت أيضاً صدّقت موتي"؟ قال رجب: "كلكم صدّقتم، حتى أختي أنيسة التي شاركتني في الرواية صدّقت الكاتب وكذبتني".

"وماذا تفعل"؟ سألته.

"أبحث عن عبد الرحمن منيف"، قال.

"ماذا تريد منه"؟

"أريد أن أخبره الحكاية التي لم يتابع كتابتها".

"اكتبها انت"، قلت له.

"لا، أنا لا أعرف ان أكتب، ثمّ انني اعمى وأحتاج الى من يساعدني، ففكرت به، لأنني أحبه".

"وما علاقتي أنا"؟ سألته.

"ألست صديقه"؟ قال.

"بلى"، اجبته.

"اذاً اين هو، أريد أن أقول له ان الحكاية لم تنته بموتي، فالحكايات لا تنتهي بالموت. الروائيون ينهون الكتب لأنهم يتعبون أما الكتب فتتابع حياتها".

"تابع حياتك اذاً مثلما تشاء".

"هذا ما فعلته طوال اعوام طويلة، كنت اعرف ان عبد الرحمن يعيش في بغداد، ومع ذلك لم أحاول الاتصال به. قلت اتركه لحياته، لكن الأمور تغيّرت الآن، بغداد سقطت، وانا حزين ومتعب واريد ان أموت".

احترت ماذا أقول له، ضربتني قشعريرة في جميع أنحائي، واحسست انني عاجز عن الكلام وان صوتي يخفق في حنجرتي.

لماذا لا تجاوب"؟ سألني رجب.
***
"قيل لي انه يقيم في بغداد. ذهبت الى حي المنصور، قلت أبحث عنه في منزل صديقه جبرا ابرهيم جبرا، فرأيت المنزل مقفلاً. مات ولا أحد من ابنائه في البيت. فجئت اليك".

أمسكني الأعمى من ذراعي ومشى بي في شوارع المدينة، كان يقودني كأني انا الأعمى. يمشي كمن يرى كل شيء ويحكي عن حياة عاشها في زنزانة العتمة.

هل تعلم سبب سوء التفاهم بيني وبين عبد الرحمن؟".

لم أكن أعرف ان هناك سوء تفاهم بينكما".

بلى، هذا واضح في الرواية. المسألة انه اعتقد ان اصابتي بالعمى كانت الضربة القاضية التي اودت بحياتي، وهنا الخطأ. حين أصبت بالعمى أحسست براحة نفسية كبرى، فجأة أمحت الحدود التي كانت تفصل الأشياء بعضها عن البعض وصرت حراً".

استمعت الى الرجل كمن يغوص في منام يخاف ان يستيقظ منه، واقتنعت. نعم يا صديقي اقتنعت اننا كلنا عميان. الفرق بيننا وبين صاحبك رجب، انه كان يعرف انه اعمى، أما نحن فلقد توهمنا اننا نبصر، لذلك رأى هو كل شيء، اما نحن فلم نر شيئاً.

قال رجب انه حين اصيب بالعمى لم يعد يخاف شيئاً. صار دخوله الى السجن مشابهاً لخروجه منه. فالرعب في زنازين شرق المتوسط ليس التعذيب الجسدي فقط، فالتعذيب ينتهي في لحظة ما. الرعب هو القمة. الزنزانة تشبه قبراً لا منفذ للضوء منه، لذلك يحلم السجناء بالضيق مثلما يتمنى العطشى نقطة ماء. الضوء هو العطش الذي يجتاح السجناء، ويجعل السجن عذاباً ويتراكم الى ما لا نهاية. اما حين لا يكون الضوء تنطفىء العيون على عتمتها الداخلية، عندها يصير السجن بلا معنى.

قال رجب انه حمل زنزانته في عينيه، "صرت سجيناً أبدياً"، قال: "ولم أعد أخاف شيئاً، صرت زنزانة نفسي، فلم يعد الآغا قادراً على اخافتي، فالعمى هو المدخل الأول الى الموت، هل يخاف الميت من الموت؟".

قال رجب ان بغداد كلها صارت ملعباً لعتمته الداخلية، وانه صار قادراً ان يرى ما لا أراه او لا تراه انت. لذلك فهو يريد ان يقول لنا ان بغداد لم تسقط تحت اقدام الغزاة الاميركيين، الا لأنها سقطت في العتمة قبل ذلك بثلاثين عاماً. وحكى لي انه رأى من خلال الدخان المتصاعد والحرائق المشتعلة، كيف غابت بغداد في عتمتها. "المدينة يا صاحبي كانت عمياء، وحين استغلّ المحتلون العتمة التي فرضها الطاغية على المدينة من أجل ان يُسقطوا أسوارها، فتحت لهم بغداد ابواب عتمتها وادخلتهم اليها، فصاروا هم ايضاً اسرى الظلام".

قال رجب انه يحمل زنزانته على ظهره: "انزلها حين أشعر بالخطر، وأدخل اليها واقفل الباب، وعندها افتح عينيّ فأرى كل شيء".

جلس رجب على حافة رصيف مهدّم امام المكتبة الوطنية، وقال انهم نهبوا الكتب مثلما فعل المغول منذ عشرة قرون، لكنهم لا يعلمون اننا نحن الكتب، "انا هو الكتاب فتعالوا واقرأوني"، صرخ رجب قبل ان ينفجر ضاحكاً.

"ماذا يضحكك"؟ سألته.

التاريخ" أجابني، "التاريخ كلب أعمى، انظر اليهم، ألا ترى كيف يريدون اعادتنا الى بدايات القرن العشرين"؟

"وهل عدنا"؟ سألته.

"لم نغادر كي نعود"، أجابني، "الأعمى لا وقت له. الوقت هو الضوء وحين تكون محروماً من الضوء فأنت خارج الزمن".

وفجأة يا صاحبي، فتح الرجل عينيه المغمضتين ونظر إليّ، فرأيت بياضاً متوحشاً افترسهما، ورأيت ما يشبه دجلة وقد غرق البؤبؤان في مياهه المعتكرة.

"هل رأيت"؟ سألني.

***

"اذهب الى صديقي عبد الرحمن، انا اعرف انه يعيش بين بيروت ودمشق، وقل له ان رجب يسلّم عليه، ويقول له انه لا يحق لكم ان تغرقوا انتم في العتمة، لأن الخوف يشلكم. قل له ان الديكتاتورية سلّمت بغداد للاحتلال، وان عليكم ان تفتحوا عيونكم الآن، قبل ان يغرق ضوؤها الأسود في عتمة البياض".

أردت أن أقول لرجب اني لم أزر بغداد منذ ثلاثين عاماً، فماذا اتى بي اليها اليوم، حين انتبهت ان الرجل قد اختفى.

فتحت عيني، ورأيت نفسي أخرج من المنام، والآلام في كل انحاء جسدي، كانت مفاصلي متخشبة، والألم يفترس عيني. فقررت ان اكتب اليك هذه الرسالة، كي اخبرك ان رجب لم يمت، وان حكايته لم تنته.(النهار)

ربا الياسمين
06-12-2003, 09:34 AM
العمى هو الزنزانة الحقيقية
ونحن كلنا عميان ليس من الضروري أن لا ترى النور كي تكون أعمى
ولكن يكفيك أن لا تعرف ما يجري من حولك وما يحاك لك في الكواليس
فالجهل هو قمة العمى وعمى البصيرة أقوى وأشد
نعم كلنا عميان و لعل أعمى العينين يستطيع الرؤية لأنه تخلص من التشويش الذي ينطبع في عقولنا مما نراه كل يوم من أهوال و أكاذيب لا معقولة
نحن عميان العقل و عميان الروح
هذا هو العمى