المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجد و الحفيد ( قصة طويلة للصغار )



محسن يونس
02-28-2008, 04:42 PM
الجد و الحفيد
قصة للصغار
محسن يونس
ـــــــــــــــــــــــــ
أصدقائي القراء الأذكياء :
العالم المحيط بكم يمكن إدراكه ..
بالطبع لكم حواس خمس ، ولكم عقول أبدعتها قدرة الله عز وجل ، والعقل هو الذي يساعدك على تفسير أية ظاهرة في الحياة .
ما ذكر في الأربعة أسطر السابقة ، هو ما كان يحدث الجد " سلمان " نفسه به ، معتبرا إياه رسالة ، وكان سؤاله لنفسه أيضا هو : كيف أوصل هذه الرسالة إلى عقل حفيدي الصبي " عجيب " ؟!
لنقترب أكثر أصدقائي القراء من الجد سلمان الجميل .. نعلم أنه من هؤلاء المخترعين الهواة، الذين يمتلكون القدرة على الحديث الجذاب ، أقول لكم إنكم ستقعون في سحره ، وسوف يجعل الواحد منكم يصيح :
- لقد فهمت .. أنا أفهم هذه المشكلات العلمية !!
صديقى إن حماسك شيء محبوب ، ولكنك ستجد الجد سلمان عابس الوجه مستنكرا ، وهو يتساءل : مشكلات علمية ؟! هل هذه عبارة صحيحة ؟!
لا تخف أو تتراجع ، فالجد سلمان يحاول مساعدتك على إدراك ما تعرفه من معلومات بواسطة حثك على التفكير العلمي ، وبطريقة مبتكرة خاصة به وحده ، تتوافق مع الموضوع الذي يناقشه ، أو تناقشه معه .
عموما نود أن تعرفوا حقيقة حفيده " عجيب " الذي يمتلك موهبة خاصة ، على طريقته – أيضا – وبقدر ما كانت موهبته هذه تفرح الجد ، إلا أنها كانت تضايقه من ناحية أخرى ، فـ " عجيب " كثير الأسئلة ، يمكن لك أن تصفه هكذا : ملحاح ، لا يترك صغيرة أو كبيرة تقع عليها عيناه إلا صاح : ما هذا ؟! كيف ذلك ؟ متى حدث ؟ إلى أين ؟ أريد أن أعرف تفسيرا ..
كان الجد " سلمان " يرفع يديه عاليا ممسكا بهما رأسه ، فأسئلة " عجيب " تخرجه عن استغراقه ، والمخترع من أمثاله يكون مستوحدا مع أفكاره ، ولا يحب اقتحام عالمه بأي مؤثر يأخذه بعيدا عن هذه الأفكار ..
إليكم رأى الجد سلمان فى هذه الطبيعة المميزة لحفيده الصبي " عجيب " : لا بأس في أن يسأل ، لأن السؤال هو أول باب نفتحه لندخل منه إلى المعرفة ..
هذا رأى رائع ، ونوافقه عليه تماما ، إلا أنه ما زال يتحدث :
- ولكن على عجيب ألا يسأل فقط .. عليه أن يتعب في سبيل الحصول على الإجابات..
أثناء ذلك جاءت اللحظة التى اهتدى الجد سلمان إلى طريقة طريفة سوف يطبقها، والعجيب أن حفيده " عجيب " هو الذي أنار له طريقه ، حين صاح ، وهو يجذب جده لينتبه إليه قائلا
- جدي سلمان .. أنا قررت أن أكون عالما ..
هنا جاءت فرصة الجد سلمان ليلقى بالأسئلة فصاح ، وهو يربت على كتف عجيب :
- إذن قل لى أيها العالم الصغير .. هل يشرب السمك الماء ؟
في البداية فتح عجيب فمه دهشة ، فلم يمر مثل هذا السؤال بذهنه من قبل أبدا ، مع طرافته، بدأت ابتسامة عجيب التى علت وجهه تتحول إلى ضحكة عالية ، ثم سكت ناظرا لجده ، لتمر فى ذهنه هذه الأفكار : " إن جدي يحاول خداعي .. لكن لن يخدع عجيب أي كائن على سطح الكرة الأرضية .. "
التفت عجيب نحو جده ، وهو يقول : ولم لا !! .. على السمكة أن تفتح فمها فيمتلئ بالماء دون الحاجة بها إلى فتح صنبور ، أو إحضار كأس ، أو شراء عبوة مياه معدنية ... السمك يا جدي يشرب الماء ..
تحرك عجيب في سبيله للخروج حتى ينطلق إلى ملعب كرة القدم ، إلا أن جده سلمان لاحقه بسؤال آخر ، لا يقل طرافة :
- صحيح أن السمكة يمكن لها أن تفتح فمها ، فيتسرب الماء إلى معدتها سواء شاءت هي ذلك أم أبت .. لكن قل لى .. أكافية هذه الكمية ؟ وهل تشعر السمكة بالظمأ ؟
هووه .. هوووه ... السؤال صار سؤالين ، ولمعت عينا الجد ، وهو ينظر لحفيده عجيب الذي ظهر مرتبكا فعلا ، مع أنه حاول أن يتماسك ويبدو طبيعيا ، فلا يظن فيه جده الجهل ، وهو الذي فاز منذ أسبوع فقط في مسابقة قومية لصيد السمك ، وقلد ميدالية ، وحمل على صدره كأسا ، وظهر فى أحد البرامج التلفازية مع مذيعة عاملته معاملة الأبطال :
- أنا لست سمكة يا جدي ، اذهب إلى البحر ، واستدع سمكة ، حتى تجيب على أسئلتك هذه..
ها .. هل يحاول عجيب أن يهرب ؟ وهل استطاع الهروب حقا ؟
لا تقسو على عجيب ، فأنا معك أن هذه ليست إجابة من صبى أعلن منذ دقيقتين أنه سيكون عالما !!
كانت راحة يد الجد تمسح بحنو على رأس عجيب ، وكان مبتسما ، وهو يقول : حفيدي عجيب .. أنا معجب جدا بتلك الروح المرحة التى تتحلى بها ..
صديقى .. كل منا له جد ، وكل منا يحب جده بلا شك ، وكل جد يحب حفيده ، هذا لا جدال فيه .. إلا أننا أمام حالة يمكن أن نسميها " اختلاف وجهات النظر "
أطمئنكم أصدقائي جميعا .. إن اختلاف الرأي لايفسد للود قضية ..
نعم .. ولكن – بصراحة – أن " عجيب " لا يرى حوله أحق باهتمامه من صيد السمك ، ولعب كرة القدم ، وقد حاول الجد سلمان جذبه إلى ملعبه – إن صح التعبير – وهو ملعب الابتكار والإبداع والاختراع .. أليس الجد سلمان هو الذي اخترع من قبل " آلة القراءة " ؟ حيث تضع فيها الكتاب المراد قراءته ، ثم تستلقي ، وتغمض عينيك ، وتضع على أذنيك سماعتين ، تنقلان إليك كل ما هو مكتوب بهذا الكتاب مسموعا ، دون إرهاق عينيك ، أو تقليب الصفحات ..
هوووووه !! ما هذا ؟!
كاد هذا الاختراع أن يقابل بالإهمال والفشل .. إذ ما فائدته ؟! ونحن يمكننا شراء شرائط مسجل عليها الكتاب ، أو يمكننا شراء اسطوانة إليكترونية ، أو قرص حينما نريد استخدام الكمبيوتر ( الحاسوب) !! إلا أن الجد سلمان دافع عن اختراعه ، مبينا حسناته ، وتتلخص في : إنك لن تضطر لشراء شرائط مسجل في كل مرة تريد فيها قراءة كتاب جديد ، أو اسطوانة ، أو قرص .. كما أن آلة القراءة توفر نقودك ، فهى أيضا توفر عليك وقتك .. امتلك آلة القراءة مرة واحدة ، وعليك فقط وضع أوراقك داخلها ، وهى تقوم بديلا عنك بكل شيء ..
كان " عجيب " يقول لجده سلمان : ستعلم الناس الكسل يا جدي .. اختراعك هذا لا فائدة منه إلا للكسالى !!
هل تظنون أن هذه الاعتراضات ، أو عدم الاهتمام بأحد مخترعات الجد سلمان تجعله يتوقف عن عمله ؟ .. لا .. أنتم لا تعرفون الجد سلمان ، إنه من هذه النوعية ذات العزيمة والإرادة الحديدية الصلبة .. إنه لا ينظر للخلف أبدا ، ولا يعوقه عائق ، أو يكسر همته فشل ، لذا فقد انكب على اختراع جديد ، ولم يستطع " عجيب " أن يخرجه من استغراقه ، أو ينتزع منه كلمة واحدة ، يفشى بها سر هذا الاختراع الجديد ، فإذا تساءل " عجيب " : ماذا تفعل يا جدى ؟
أجابه الجد : عد بعد ساعة ، وأنت لديك الإجابة على هذا السؤال : هل عدد نبضات قلب العصفور أكثر ، أم عدد نبضات قلب الفيل ؟
ويصيح " عجيب " : أعرف هذه الحيلة يا جدي .. ولكنى .. ولكنى ..
لم يكمل " عجيب " جملته لأن عينيه وقعتا على كلبه " شمشون " ، وهو كما تعرفون كلب من نوع " اللولو" أسود اللون ، ارتفاعه 28 سم فقط ، ولكنه يمتلئ بالحيوية والنشاط ، وكثرة النباح ..
كان الكلب " شمشون " فى ورطة على ما يبدو .. كان ينظر مدققا فى صفحات كتاب على الأرض ، ويحاول جاهدا تقليب صفحاته ، فيفشل ، فيهر حينئذ هريرا مغيظا ساخطا ، ضاربا بأقدامه الأمامية الكتاب ، ثم يعود لمحاولته فى تقليب صفحاته فيفشل مرة أخرى !!
اقترب " عجيب " من كلبه " شمشون " ، وهو يضحك من حركاته مع الكتاب ، انحنى عجيب والتقط الكتاب .. ماذا تظنون كان عنوان هذا الكتاب ؟!
" فصائل الكلاب "
هكذا كان مكتوبا على غلافه ، ألا يحق لشمشون أن يتعرف على أقرانه وأقاربه في هذا العالم ؟!
حينما اعتدل " عجيب " واقفا ، وتصفح الكتاب وجده مزينا بصور عديدة ، لكل نوع من أنواع الكلاب ، وبجانب كل صورة الشرح الوافي عن اللون ، والوزن والطول ، والارتفاع ، وفى أي بقعة من العالم يعيش ، ونوع الاستخدام إما للحراسة ، أو الزينة ، أو الصيد ، أو أعمال الإنقاذ ، أو في أعمال مكافحة الجريمة ، عرف " عجيب " أن أفراد فصيلة الكلاب تعيش في جميع أنحاء العالم باستثناء جزيرة مدغشقر ، ونيوزيلندا !!
كان " شمشون " يعض بأسنانه على أطراف بنطال عجيب ويجذبه ، كان يريد الكتاب !!
لمعت فى ذهن " عجيب " فكرة أسرع فى تنفيذها فورا ..
تتذكرون آلة القراءة التى اخترعها الجد " سلمان " وأهملها ، لكن أين يضعها الجد يا ترى ؟
حينما عثر عليها عجيب كانت في حجرة نوم الجد ، أسرع بوضع الكتاب بداخلها، ثم أطبق السماعتبن حول أذني " شمشون " !!
الطريف والعجيب أن الكلب شمشون استكان وهدأ ، وبدأت عيناه تدوران دهشة، كانت الآلة تعمل ، والسؤال الذي أود أن أسأله هنا هو : هل كانت صور الكلاب الموجودة في الكتاب تصل إلى عقل شمشون ، فيراها حية متجسدة ، تقف أمامه، وتنبحه مثلما يفعل هو في العادة ؟!
لا إجابة عن هذا السؤال عندي ، إلا أن الجد " سلمان " فيما بعد قال إنه يود أن يعمل على جهاز يمكن البشر ، والحيوان على حد سواء من قراءة أفكار بعضهم البعض !!
لا أعرف كيف يمكن للجد سلمان أن يفعل ذلك ، ولكنى أؤكد لكم أن الكلب " شمشون " صار يطلب آلة القراءة ، ولا يستقر أو يهدأ إلا حينما تلتصق السماعتان بأذنيه خاصة حين يكون الكتاب عن الغابات وحيواناتها ، أو عن القطط وأنواعها ، أو الفئران ومعيشتها ..
كان الكلب " شمشون " يهر هريرا متواصلا ، ربما كان دليلا على استمتاعه !!
وكان " عجيب " يضحك عندئذ ، وهو يقول :
- يبدو أن شمشون سيتخصص في علم الحيوان !!
ألا تتذكرون سؤال الجد " سلمان " الموجه لحفيده " عجيب " ؟
لقد جاء الوقت للإجابة عليه ..
- هل وصلت لحل السؤال يا عجيب ؟
- أي حل يا جدي ؟!
- قلب الأرنب أم قلب الجمل .. أيهما أكثر نبضا فى الدقيقة ؟
- لم يكونا أرنبا وجملا ؟
- حوتا وفأرا ؟
- لا .. لا يا جدى .. السؤال كان عن العصفور والفيل ..
- هكذا إذن .. هات إجابتك ..
هرش " عجيب " رأسه ، ووضع إصبعه بين شفتيه وسحبه عدة مرات قبل أن يقول بتردد : أعتقد أنه الفيل فهو يملك جسما ضخما ، ولذا فقلبه يعمل بقوة توافق هذه الضخامة ..
صاح الجد " سلمان " : خطأ يا عجيب .. إياك أن تقع أسيرا لظاهر الأشياء ..
أصدقائي هل تصدقون أن عدد نبضات قلب الفيل الذي يزن وزنه إلى ثلاثة أطنان يصل إلى 46 نبضة في الدقيقة ، بينما عدد نبضات قلب العصفور الذي يزن 8 جرامات يصل إلى أكثر من ألف نبضة في الدقيقة ؟!
لا تندهشوا مثلما دهش " عجيب " ، فهناك تفسير صحيح لذلك ، يتلخص فى أنه كلما صغر حجم الجسم اضطر الكائن لتوليد كمية من الحرارة تفوق بكثير تلك الكمية التى تولدها الأجسام الكبيرة ، نفهم من ذلك أن شدة التمثيل الغذائي لدى الجسم الأصغر تكون أعلى ، فإن قلب هذه الكائنات الصغيرة يضطر للعمل بصورة أنشط وأكثر فاعلية ، بالمقارنة مع قلب الإنسان مثلا ، وبالفعل فإن الحيوان كلما كان أصغر ، زادت سرعة خفقان قلبه !! هذا التعليل كشف سرا ..
كان " عجيب " يخاف جدا كلما حمل كلبه " شمشون " ، قريبا من صدره ، فقد كان يشعر بنبضات قلب شمشون تتصارع ، وكان يظنه مريضا بشيء ما ، وعجبا كان هذا الظن يؤلمه، ولا يجد له حلا ، فهذا المريض دائم الحركة والنشاط .. يقفز ويهز ذيله ، ويدلى لسانه ، ويسحبه ، ويرمش بعينيه ، ويطارد ذبابة فى أنحاء المنزل ، وينبح نباحا لا يهمد أبدا !!
صاح " عجيب " :
- القلب يا جدي جهاز لا يملك الحق في التعب ..
- خطأ يا عجيب .. ما تقوله نظرية خاطئة .. أقول لك .. القلب يرتاح ..
صرخ " عجيب " : القلب يرتاح ؟! هذه كارثة .. سوف تتوقف الحياة لو ارتاح القلب !!
ربت الجد على رأس حفيده ، ثم أخذه إلى الكمبيوتر ( الحاسوب ) في حجرة مكتبه ، وضع الجد اسطوانة فى مكان قراءة الاسطوانات ، فظهر على شاشة ( مرقاب ) الحاسوب قلب إنساني ينبض ، ويضخ الدم ، أمسك الجد بعصا رفيعة من المعدن ، وأخذ يشرح نظريته التى فاجأت حفيده ..
إن دورة القلب تبدأ بتقلص الأذينين – هذا يعرفه تلاميذ المدارس الأولية حتى الصف السادس – انظر .. هكذا .. أما البطينان .. انظر .. فيقضيان فى هذه اللحظة فترة استراحة .. أنت تراهما .. بعد ذلك يستبدل تقلص الأذينين بتقلص البطينين .. هكذا .. ها هما .. وحينئذ .. انظر .. يقضى الأذينان فترة استراحة .. وتقلص الأذينين يستغرق على وجه التقريب بين إحدى عشر جزءا من الثانية .. انظر أسفل الشاشة ، تجد الساعة ظاهرة .. أما استراحتهما بعد كل تقلص فتستمر لفترة ست وستون جزءا من الثانية .. انظر للشاشة ، وبالتالي فإنهما يعملان لفترة لا تزيد عن ثلاث ساعات ونصف الساعة إلى أربع ساعات يوميا ، أما استراحتهما فتبلغ عشرون ساعة تقريبا .. أما البطينان ..
صاح " عجيب " : جدى سلمان ... جدى سلمان .. هذه معلومات خطيرة أعرفها لأول مرة .. هل هذا حقيقي ؟! يبدو أنه حقيقي .. كيف عرفتها يا جدي ؟!
رفع الجد كتابا كان على سطح مكتبه ، وقال : اقرأ هذا الكتاب يا عجيب ، فهو فى علم وظائف الأعضاء ..
تردد "عجيب " وهو يقول : كتاب ؟ أنا أريد معرفة دون تعب .. لا تقل لي استعمل آلة القراءة إياها .. ها .. ها .. ها .. ها ..
عاد " عجيب " يكتسي وجهه بالجد والأسى فى نفس الوقت ، قال : أنا جاهل يا جدي .. حفيدك جاهل ..
ما رأيكم دام عزكم فيما صرح به " عجيب " حالا ؟!
هل حقيقة هو جاهل ؟!
أعتقد أن بطلنا تسرع فى الحكم على نفسه نتيجة لشعوره بالعجز عن فهم بعض الظواهر الطبيعية ، أقول لكم لا توافقونه على وصفه لنفسه ، ولا تنسوا أنه بارع في الصيد ، ولعب كرة القدم ، وحقق إنجازات في هذين المجالين .. فما هي المسألة إذن ؟ وأين توجد ؟
المسألة ببساطة أن القدرات والاستعدادات كامنة داخل كل إنسان ، تحتاج لمن يحركها حتى تنطلق ، مع بعض الثقة بالنفس ، والنهل من شتى فروع المعرفة ، وقديما قيل : " من أراد شيئا وجده "
أنتم تفهمون كل هذا الذي نحاول أن نعبر عنه .. والجد " سلمان " يؤكد : حفيدي عجيب لديه الاستعداد .. سيأتي الوقت .. سيكتشف هو بنفسه ما يريده ..
كان " عجيب " في حجرة مكتبة جده يقف أمام رفوفها ، المحملة بالكتب والمراجع .. أخذ يتأملها ، وتنهد عميقا ، قائلا لنفسه : " لابد أن أنظم وقتي ، ولا أضيعه كله في اللعب .. "
منذ هذه اللحظة ازداد الوقت الذي يقضيه مع جده " سلمان " ، إلى جانب ملاحظة أخرى هامة ، وهى رغبته الشديدة فى أن يكون معاونا جيدا ..
كان اختراع الجد الجديد قد رآه " عجيب " منذ كان فكرة أسر بها جده إليه ، مرورا بما كان عليه فى البداية ، وكان عبارة عن خطوط متقاطعة ، ومتوازية مرسومة على أوراق مفكرة الجد ، ثم الشروع فى عملية التنفيذ ، بداية من صناعة الأجزاء وتجميعها ليظهر الاختراع أخيرا .. حينما قال الجد :
- هل تشاركني الاحتفال باختراعي الجديد يا عجيب ؟ إنه هدية منى للأطفال من عمرك .. سيفرحون به جدا ..
ضحك " عجيب " قائلا :
- وهل قال لك الأطفال يا جدى من أنهم سيفرحون ؟
- سوف ترى بنفسك .. ثم .. أنسيت أنك شاركتني ؟
- ولكنى لم أستطع معرفة سره يا جدى !!
- الآن سوف تعرف .
- بشرط واحد يا جدى سلمان ..
- وما هو هذا الشرط يا حفيدي عجيب ؟
- تدعني أطلق اسما على هذا الاختراع ..
حينما أوقف الجد حفيده أمام مجموعة من الدمى والعرائس التى تستخدم في الزينة ، والمصنوعة من المطاط والبلاستيك أو الخشب أو الجص ، كانت موضوعة على أرفف المكتبة ، بلا حركة طبعا ، ناوله اختراعه ، قائلا : انظر إلى هذه ..
كان الاختراع عبارة عن نظارة تشبه تلك النظارات المستخدمة فى تقريب المسافات البعيدة ، والتي تدعى بـ " النظارات المعظمة "
أشار الجد نحو الدمى والعرائس ..
وجه " عجيب " ساق النظارة من عينه ، موجها طرفها الآخر نحو الدمى والعرائس ، حينها صرخ ، وقفز لأعلى عدة مرات ، وهو يعاود النظر من خلال النظارة نحو الدمى والعرائس..
ضحك الجد ، فقد تأكد من نجاح اختراعه ، وهو يسمع حفيده يقول : هووووووه !! إنها تحفة رائعة .. هوووووه ..!!
كانت الدمى والعرائس التى تقف جامدة على أرفف المكتبة ، تتحرك فى رقصة إيقاعية باهرة المرح كلما نظر إليها " عجيب " من خلال النظارة التى اخترعها جده " سلمان " ..
كان الكلب " شمشون " يشي على قائمتيه الخلفيتين ، كأنه يريد النظر من خلال هذه النظارة العجيبة ، تأمله " عجيب " من خلالها ، وصرخ مرة أخرى ، وضحك، فالذي رآه لا يصدق .. الكلب " شمشون " يرقص أيضا ، كل حركة من حركاته تتحول إلى رقصة بهيجة آثرة ، كان الكلب يقعى رافعا رأسه نحو " عجيب " محدجا له بعين واحدة عابسا ، معلنا عدم رضاه عن صراخ ضحك صاحبه !!
قال الجد " سلمان " :
- أرجو أن تعي يا عجيب أن هذا الاختراع ليس لمجرد الاختراع ..
أنتم يا أصدقائي تعرفون أن كلام الجد حقيقي ، فرسالته من وراء صنع النظارة واضحة ، هل وصلت إليكم ؟
إنه يريد بها أن تقول : الحركة هى سمة الحياة ..
العجيب أن الصبي " عجيب " بعد أن كان يصرخ ويضحك ، ويزهو بهذا الاختراع، هبطت حرارة انفعاله فجأة ، وحل محلها هدوء ، وتأمل ، وبعد فترة رفع رأسه نحو جده .. كانت عيناه تلمعان :
- جدى .. أنا أعلن التحدي ..
هز الجد " سلمان " رأسه وأكتافه قائلا : ماذا تعنى يا عجيب ؟! أنا لا أفهم قولك!!
قال " عجيب " بتصميم : أنت تفهم قصدي يا جدى .. سوف أعرف كيف صنعت هذه النظارة أولا ، وسوف أفاجئك باختراع أكثر طرافة منها ..
رفع " عجيب " كتابا ، رأى الجد عنوانه جيدا ، كان مكتوبا على غلاف الكتاب : " كيف تعمل الآلات "
- لقد درست هذا الكتاب جيدا يا جدى .. وأنا على استعداد لبداية الطريق ..
الآن أقول لكم ، ولى : علينا انتظار " عجيب " ، وماذا سوف يصنع ليكون مخترعا عربيا نعرفه جميعا ..
ادعوا له بالتوفيق .

سالم
03-01-2008, 01:02 PM
الأناقة
الخطاب الأبوي
الرقة
الجمالية
اللغة البسيطة والسهلة الفهم
الفائدة والغاية النبيلة

تلك هي مواصفات قصة أخينا الأستاذ محسن

لذا نقول له شكرا من القلب .. عملك المتميز والهادف والجميل

ومبروك لأطفالنا الحلوين هذه القصة المتميزة والمفيدة

الزهراء
03-01-2008, 01:35 PM
[CENTER]ما زال الابداع هو ديدنك وحضوركَ الذي يجعلنا نتابعكَ بكل ما تكتب أيها الكاتب
الأنيق الذي منحنا نظرة خاصة للأمور, فجعل الشمس لنا نوراً وتفكّراً وجعل القمر
ضوءاً وحكاية نتعلَّم منها آلاف الأشياء, أحيي فيك تلكا لنلقة النوعية الجميلة في
شخصيتك الإنسانية الرائعة, وتنقّلك بين أروقة القصّة من الرمزي الجميل الضخم إلى
الدخول إلى عالم الطفولة والأناقة والشغف والبراءة الذي نتمنى كلّنا البقاءى فيه
والرجوع إليه, تحاور عقليّة الطفل بكلٍّ ذكاء ومرونة وتجعلنا نحن الآخرين نتقازم
أمام الحروف لنكون صغاراً نصغي ونتعلم لحوادث القصّة لنأخذ منها بالنهاية الجمال
والعِلم والفائدة, ولعلَّ هذه القصة لا تختص فائدتها بعالم الصِّغار ولا تكون فقط لهم
بل هي تشمل الكبار والصِّغار فعلى الجميع أن يتعلم, وأن يرى الحياة بمنظار التفكر
والتأمل, وأن يعلم أنّ ما من شيء يأتي بسهولة وأن الحركة هي أساس كل شيء
وعند السكوت والسكون لا يلاحقنا إلا الموت والعدم..
قصة تخاطب العقول والقلوب..
رعاكَ الله وأدامكَ.. كلِّي سعادة بكَ..!

زهراء

محسن يونس
03-01-2008, 07:26 PM
الأستاذ النبيل وأخى الحبيب : سالم المكرم
تحياتى
لى ابنة أكبر قليلا من الزهراء العزيزة الآن ، هى التى دفعتنى للكتابة للصغار عندما تعلمت الكلام فكانت تطلب منى أن أقص عليها قصة ، ولا أعرف لماذا لا تقول حكاية ربما سمعتنى أتحدث مع بعض الأصدقاء الكتاب فى منزلنا عن القصص ، فبدأت أسجل ما أقصه فعلا عليها ، لأنها بصراحة كانت تفاجىء ذاكرتى غير المهيأة ،فأعطتنى درسا آخر ، وهو قيمة الاحتشاد للكاتب ..
أشكر لك قراءتك للنص ولحديثك الطيب واهتمامك لما أكتب ..
تقديرى وامتنانى

محسن يونس
03-01-2008, 07:36 PM
الزهراء الغالية
دائما أنتظر قراءتك لأتعلم .. نعم ولا أبالغ أبدا ..
أتعرفين أن كتابتى للصغار هى بالنسبة لى نوعا من الاستنفار والاحتشاد نحو كتابة أخرى تنتظر التحقق ..
متعت بالذكاء والنبل اللذين أستشعرهما فى شخصك الكريم ..
شكرا لك هذه الدفعة المعنوية التى تعطينها لى لأستمر فى عملى الكتابى ..
تقديرى واحترامى أيتها النبيلة بحق ..

عقيلة
03-02-2008, 07:47 PM
أخي الكريم الكاتب / محسن يونس ..

كم أُكبر الكتابة للصغار ..
فهي أنبل كتابة حين تنفذ إلى عقل الطفل ببساطة ..
شارحة في حديثها خير علمٍ و أفضل حِكَم ..

الجد والحفيد ..
ومن غير الجد يكون للأطفال أقرب ..
قصة رغم اكتنازها بالفائدة ..
اتسمت بالحنان والرقة .. والبساطة ..

أخي الكريم / دام قلمك معطاءً لبناة الغد ..


أرق التحايا

محسن يونس
03-03-2008, 01:42 PM
النبيلة : عقيلة
تحياتى
كان لى جدة لأمى ويالها من جدة عظيمة ، لقد كانت تقص لى ، وتلمع عيناها حين ترانى أدخل منطقة سحر ما تحكى ، أتخيل كثيرا أنها كانت تربى فى داخلى الكاتب الذى سوف أكونه يوما ما .. الله يرحمها ..
شكرا لك والحقيقة كما تقولين من أن الكتابة للأطفال أسمى أنواع الكتابة ..
تقديرى واحترامى

منى عجاجي
03-06-2008, 08:46 PM
الأخ الفاضل والقاص المبدع / محسن يونس
تمتلك الفكر الغني وأدوات القصة بكاملها ايا كانت للكبار أم للصغار
ما يجعل سردك شائقاً لا يخرج عن لب الموضوع وفحواه
ويجعلك دوما مبدعاً تصيغ لنا الجمال والفائدة
وتبدي لنا بإسلوبك المميز الجذاب كثير من المعاني الرائعة
في رسالة تربوية تتضمن الكثير من الاهداف الجليلة !

هكذا أنت وأجمل ..
وشكراً كبيرة على إثراء هذا القسم بما ينفع الطفولة
دام قلمك الفريد عاطراً..

:
:

أطيب التحايا

محسن يونس
03-07-2008, 04:52 PM
النبيلة : منى العلى
تحياتى
أتعرفين شيئا - ربما قال به كاتب يشبهنى .. لا أعرف - أنا أكتب مثلما أحب أن أقرأ .. بمعنى أننى أكتب ما أتمنى أن أقرأه .. وهل فى هذا نوع من غرور كاتب بسيط مثلى ؟ أعتقد أن المقولة والفعل صحيحان ..
الشكلة أن جمهور الأطفال القراء غائب ، لا يقول رأيه فيما يقدم إليه من إبداعات .. وقد واجهت مرة جمهورا من الأطفال لأقرأ له بعض القصص ، وقد فوجئت بمدى الوعى وفضاء أفكارهم الواسع ..
شكرا لك
تقديرى واحترامى