المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مـقالات مـختارة



الحالم
09-16-2007, 12:01 PM
(1)

مقاربة فوكو للإسلام
أحمد خريس

مقدمة المترجـــم :

على الرغم من كون الاقتباسات التي تنسبها هذه المقالة إلى فوكو لا توحي بالصرامة الأكاديمية، والعمق الفكري، اللذين ميزا كتابات المفكر الفرنسي، فإن مقاربته للإسلام كما يكشف عنها الكاتب الإيطالي "أرماندو سلفاتوري" تمتلك أهمية كبرى. ومن نافلة القول إنّ فوكو يعد أحد أبرز فلاسفة الاختلاف، ولقد اشتهر بأنه فيلسوف التخوم والخارج، مكرِّساً جل وقته في محاولة كتابة تاريخهما، وبادئاً بمقاربة الجنون في افتراقه الخالص، واختلافه الحقيقي، قبل كل اقتناص لـه من جانب العقل.
يعقد "هابرماس" في كتابه "الخطاب النقدي للحداثة" مشابهة بين عمل فوكو في تاريخ الجنون، وتجربة شوبنهور في غوصه إلى العالم الشرقي، غير أن ثمة معوقات تعترض مقاربة فوكو للإسلام، مما يوجب الحذر عند النظر إلى مقاربته هذه كمقاربة شاملة للإسلام، تستنطق سياقاته النصية والتاريخية، وأولى هذه المعوقات تتجسد في كون الإسلام يمثل آخرية خارجية أو مطلقة بالنسبة إلى الثقافة الغربية، على خلاف ما عرفته هذه الأخيرة من آخرية داخلية، فإنْ أقُصيَ المجنون أو المريض العقلي أو المجرم جغرافياًُ، وزُجّ بهم في مستشفى المجانين، والمصحات العقلية والسجن، فالغاية إعادة دمجهم ثقافياً واجتماعياً أو -وفقاً لفوكو- الحد من آخريتهم.
أما ثاني هذه المعوقات فيتمثل في ما أشار إليه إدوارد سعيد؛ قائلاً: ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق أو يفكر فيه، أو يمارس فعلاً متعلقاً به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ، على محمل الجد، الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والعمل.
فالحديث عن الشرق لابد وأن يفضي إلى مماحكة المؤسسة الاستشراقية التي يوحي التفريق الذي أقامته بين الشرق والغرب بتلك الثنائيات القائمة بين الخير والشر، وبين المركز والهامش بصورة تبدو فيها هامشية الهامش –مثلاً- سبباً في التمكين لمركزية المركز.
ويتمثل ثالث هذه المعوقات فيما تتسم به مادة فوكو الوثائقية حول الإسلام من فقر. وقد أشار المفكر الفرنسي نفسه إلى ما يصيبه من حرج إن هو تحدث عن الفكر الإسلامي، ذلك أن معرفته بالإسلام لا تسمح لـه بتدشين بناء نظري حوله. فضلاً عن أن فوكو اتهم من جانب بعض المفكرين الغربيين بنوع من الشوفينية، فعلى الرغم من غنى مادته الأرشيفية فقد غلبت عليها المصادر الفرنسية.
ويمثل ترادف مفهوم السلطة في الفكر الفرنسي الحديث مع الشر رابع ما نشير إليه من معوقات. فقد كان البحث في جينالوجيا السلطة بحثاً في أصول الشر، وعلى الرغم من كون فلسفة السلطة لدى فوكو أكثر تعقيداً من المزاوجة بينها وبين الشر، فإنه ظل شغوفاً بأنموذج الإنسان المنبوذ الذي يقلق الوحدة السعيدة للدولة، مما يوحي بأثر بعيد للرومانسية. ولعل النفور الذي طبع موقف فوكو إزاء الثورة الإيرانية، بعد أن احتلت هذه الأخيرة موقع السلطة، ما ينهض دليلاً على صوابية الفكرة السابقة. وإذا أضفنا إلى كل ما تقدم ارتهان مقاربة فوكو للشروط الجمالية عند معاينته الثورة الإيرانية، أدركنا الحدود المعوقة التي أحاطت برؤيته للإسلام.
لكن من المهم الإقرار أن مقاربة فوكو تقع خارج المقاربات المتوارثة التي دأبت على المسارعة إلى الأمثلة الناجزة من التاريخ الغربي كالثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، وثورة أيار 1968، لتجعل منها معياراً، ومرجعاً كونياً. ويلعب اختلاف فوكو هذا المستوى خاصة دوراً معرفياً وأخلاقياً مكناه من رؤية الإسلام رافداً ثرًّا لذاتية خلاقة، على النقيض من الاستشراق الكلاسيكي الذي رأي في الإسلام كابحاً للذاتية.



النص المترجم*:

خضعت تغطية فوكو إلى استقصاء تحليلي حذر، فتزامن اهتمام المفكر الفرنسي بها مع بروز إشكاليَّة تثمين "الثورة في عالم لا روح له"، ولم يبقَ حينها غير التموقع حول الفهم الغربي السائد للإسلام في تلك الحقبة الزمنية. وإذْ تفترض هذه الدراسة، بصورة متسرعة، أن الغموض يطبع الجهد الذي اضطلع به فوكو، فإنني سأعمد إلى إغفال الدلالات السياقيَّة والنَّصية التي توحي بأهمية العلائق التي تربط بين أزمة المفكر الشخصية؛ متمثلة في التحول الأكثر حدة واستيلاءً على المثقف الغربي في سبعينيات القرن الغابر، وبين الإخراج الإعلامي "للأزمة"، الذي ترافق مع تزايد اهتمام وسائل الإعلام بـ "الدور الذي يلعبه الإسلام".
وتنماز دراسة "ستوث" Stauth بمحاولة الربط بين انشغال فوكو بالثورة الإسلاميَّة في إيران، و "نظريته السياسيَّة" كما تبدت في كتابه "المراقبة والمعاقبة"، الذي صدر في العام 1975، غير أن فيما سبق استغلالاً تنميطياً لذلك المرجع، يحجبنا عن معرفة المدى الذي زج فوكو نفسه فيه فيما يختص بالمسألة الإيرانية؛ وهو انهماك كان مبثوثاً برهافة في الطريق الحرج لمسيرته الفكريَّة، التي بدا خلالها وقد تجاوز عمله المربك في كتاب "السلطة والمعرفة"، مع بدايات العقد السابع من القرن المنصرم.
ومن المتوجب تبني منظور أكثر ديناميَّة في تثمين "تأويلات الإسلام"، على شاكلة ذلك الجهد الذي انخرط فيه فوكو بصورة غير مباشرة في التقارير التي كان يرسلها من إيران. ونحن نعثر –في صلب هذا العمل- على تحول يثير الفضول. الأول : يختص بعلاقة المفكر الفرنسي بما اصطلح على تسميته بـ "الكتابة الصحفيَّة الفلسفية"، فلم يعد ذلك يعني إنجاز ضرب من الكتابة الصحفية من منظور فلسفي "كما فعل سالفاً قبل دراسته لنص كانت Kant (ما هو التنوير)"، وإنما إنتاج خطاب فلسفي عبر الصحافة. ذلك أن فوكو لم يعد ينظر إلى الكتابة الصحفية الفلسفية بوصفها ملحقاً ثقافياً حسب. وقد ظهرت تباشير هذا التحوَّل جليَّةً في كتاباته الأولى حول الثورة الإيرانيَّة.
وتقدِّمُ هذه القصة، كذلك، بعض الدلالات التي تلقي ضوءاً ساطعاً على السبب الكامن وراء التحول الثاني بالغ الأهميَّة. فقد تحوَّل الاهتمام لديه من إعمال الفكر حول سؤال حاضر الغرب إلى إعمال الفكر حول حاضر بقعة من العالم "الآخر"، وحين طلبت الصحيفة الإيطاليَّة Corriere della sera"" إلى فوكو تزويدها بمقالات فلسفيَّة عام 1977م، قدَّم الأخير صورة مغايرة لما جرى عليه التقليد الصحفي في إعداد تحقيق حول حدث بعينه. وقد أمضى في إيران أسبوعين، أحدهما في أيلول من العام 1978م، وثانيهما في تشرين الأول من العام نفسه. كتب خلالهما سلسلتين من المقالات: فجاءت الأولى لتسرد لقاء فوكو الأول مع الانتفاضة الشعبيَّة التي رفعت لواء "الحكومة الإسلاميَّة"، بكل ما في ذلك من إثارة وإمتاع بالغين. وسوف أعمدُ إلى تحليل هذا النتاج، الذي تمخَّض عن هذه التجـربة الأولى من خـلال الروايـة الأكثر وجاهـة وتكـثيفاً، مجسَّـدة بمقالـة فوكـو الـتي نشرتـها صحيفـة "Le Nouvel observateur" في منتصف تشرين أول من العام 1978م، وقد تفردت هذه المقالة تفرداً واضحاً في إعطائها تقويماً أولَّياً للثورة إثر رحلة فوكو الأولى. وكانت تلك المقالة التي حملت في ثناياها تشوُّفاً متقداً، على النقيض مما كتبه لدى إقامته الثانية، وإن لم تصدر عن هذه الأخيرة رؤية جديدة ثاقبة. وعلى الرغم من أن مقالة فوكو هذه تجسد موقفه إبَّان الانتفاضة تجسيداً كبيراً، فمن الواجب أن تحلَّل متوازية مع نصين آخرين هـما :حوارٌ ومقالة، أتيا بعد أن نجحت الثورة وشرعت بالكشف عن وجهها العنيف.
لقد بدا فوكو متردداً في تثمينه للدور الذي لعبه الإسلام في انبعاث الروحيَّة السياسيَّة. ولم يكن السؤال الذي تصدر ما عداه: هل يعدَّ الإسلام قوة حقيقيَّة، أو أنه قناعٌ لقضايا أخرى؟ وإنما غدا السؤال : هل كان الإسلام يمثَّل تقليداً راسخاً في مقاومته للطغيان، أو أنَّه مصدر ثرُّ ليوتوبيا حازمة ومتطلَّعة؟ كان فوكو حذراً من إبراز هذا السؤال عبر ثنائيَّة الحداثة والتقليد، وما تستدعيه من توتر واحتدام. ومما لاشك فيه أن إسقاطه لهذه الثنائيِّة جعله يتوصل، عبر بعض الفقرات الهامة، إلى صيغة مكثفة لمعنى الثورة. وهي ليست ثورة بالمعنى التحليلي التقليدي للمصطلح. وإنما مساس بجوهر الثورة بوصفها :"نهوض أمة بأكملها ضد أية سلطة تضطهدها". غير أننا نجد، بعد تفحص مليّ، أن تثمينه للثورة الايرانيَّة يذهب إلى مدى أبعد من ذلك، نحو الحد الذي يبدو معه متطابقاً مع ذلك التصوُّر الذي أبرزه في السنوات اللاحقة حين علَّق ثانية وبصورة أكثر تكثيفاً على نص كانت : (ما هو التنوير) نقرأ :
"إن السؤال الذي بدا لي وكأنه يطرح للمرة الأولى هو سؤال الحاضر، وسؤال اللحظة الراهنة. ما الذي يحدثُ اليوم؟ ما الذي يحدث الآن ؟ وما ماهية هذه (اللحظة) التي نقيم فيها جميعاً، والتي تحدَّدُ الزمن الذي أكتب فيه الآن ؟..." لم يعد هذا السؤال بالنسبة للفيلسوف سؤالاً حول انتمائه لمجتمع بشري بصفة عامَّة. وإنما حول انتمائه لـِ (نحن) متعينة ومحددة؛ (نحن) تتناظر مع مجموعة ثقافيَّة بعينها، يجمعها بالفيلسوف "حاضر" واحد. وليس من شكّ أن فوكو رأى تمظهر مفهوم الكينونة الذي يقترب من هذه الـ "نحن" خلال ثورة الشعب الإيراني ضد الشَّاه. والمفارقة الكامنة هنا أن هذه الـ "نحن" الغربية قد انوجدت بينهم "في الشرق/إيران". وبدا السؤال "ما هو التنوير؟" قد وضع متوازياً مع سؤال أكبر، برز في سياق ظهور نمط حديث من التمييز الفكري بين الأشياء: إنه سؤال مونتسيكو : كيف يمكن للمرء أن يكون فارسيَّاً؟ إنه سؤال يعبِّرُ عن الحيرة التي تصيبُ العقل الحديث حين يتواجه مع آخريَّة راديكاليَّة. وقد استثمر فوكو، بصورة أكيدة، السؤال الأخير، وهو بصدد الإجابة عن السؤال الأول. غير أن تلك الإجابة لم يثر ما اتسمت به من عرضيَّة استغرابنا. فقد أملاها ما بدا لـ "فوكو" أنَّه إعادة تعريف للذات الحديثة متوقفاً، في ذلك المفصل التاريخي، عند فهم القوة المسيَّرة للانتفاضة الإيرانية ونجاحها الباهر. وعلى خلاف الوضعية الكانتيَّة، فقد بدا من المحال، في لحظة بعينها، أن يعبِّر الفيلسوف عن خطاب سياسي حديث، بالاتكاء على المجتمع "المابعد ثوري" الذي ينتمي إليه، إذ غدا من غير الممكن العثور على العلامة الحقيقيةَّ؛ أي الحدث ذي القيمة. نقرأ :
"أي علامة؟ علامة على وجود قضيَّة أبديَّة وعابرة للتاريخ قادت الجموع على طريق التقدّم... أهي الثورة بوصفها مشهداً لا إيماءة، الثورة كبؤرة لحماسة شهودها لا كمبدأ لانتفاضة المشاركين فيها، بصرف النظر عن مدى نجاحها أو إخفاقها غير ذي الصلة بموضوع التقدم، أو على الأقل كإشارة إلى التقدُّم الذي نرنو إليه".
لقد نُظر إلى الثورة كنقطة أساس في الكشف عن الذاتيَّة السياسيَّة الحديثة. ولم يتحرَّج فوكو، تأسيساً على هذا التصور، من مقارنة مضمون الثورة الإيرانية بالأهميَّة التي تعزى إلى الثورة الفرنسيَّة كما أبرزها "فوريه" Furet في كتابه الشهير الذي صدر متزامناً مع الثورة الإيرانية عام 1978م. حيث صورت الثورة حدثاً وتجربـة ساميـين.
إن المراقب ليعثر أن وراء اهتمام فوكو بتلك المرحلة من التاريخ الإيراني ما يتعدى انشغاله بقضيَّة على أرض الواقع. فثمَّة التماعة تسهم في حل مسألة متعددة الأوجه، يمكن تصنيفها في خانة السؤال : هل توارتْ روح الثورة من التاريخ؟ وإلى أين ذهبت؟ إنه سؤال حول مصير الروحيَّة السياسيَّة للحداثة، أو هو سؤال "الذاتيَّة" في بعدها العابر للأفراد، إن شئنا استخدام المقولة التي بدأت بإعادة تشكيل خطاب فوكو حول الحداثة، واحتلال مركز أساس فيه، لاسيما في تلك السنوات الحرجة.
ولم يكن بمقدور فوكو، عند هذه النقطة، أن يرجئ السؤال حول "الدور" الذي لعبه الإسلام في يقظة الروح هذه. وقد شرع إبان الانتفاضة باقتراح الإجابـة التاليـة :
"اخترعت بلاد فارس الدولة منذ فجر التاريخ، ثم استودعت الإسلام مناهجها الخاصة، وعمل إداريُّوها كوادر للخلافة الإسلامية. ومن الإسلام نفسه استخلصت ديناً منح معتنقيه موارد غامضة لمقاومة سلطة الدولة. فهل يتوجب علينا أن نرى عبر نشدان حكومة إسلاميَّة، تصالحاً، أو تناقضاً، أم أننا على أعتاب تحديث ما؟".
إن سؤال فوكو الذي كان مصوغاً جيداً لاكتناه الإسلام، لحظة عمله، في أكثر المراحل السياسيَّة أصالة، لم يكن تمظهراً لذلك الموقف السياسي المجزوء، الذي طبع الاتجاه الغربي العام في رؤيته للإسلام ككابح للذاتيَّة. نقرأ :
"ربما كمنت روح الثورة حين قال الإيرانيون لأنفسهم وهم ينتفضون : يتوجب علينا أن نغيَّر هذا النظام ونقتلع هذا الرجل (الشاه)... لكن علينا أن نغيَّر ما بأنفسنا في المقام الأول... وينبغي، أيضاً، على طريقتنا في الحياة، وبالنظر إلى العلاقة التي تجمعنا بالآخرين والأشياء والأبديَّة والله ... أن نتغير بصورة كاملة. ولن يكون هناك ثورة حقيقيَّة إذا لم يتحقق هذا التغيُّر الراديكالي في تجربتنا الحياتيَّة. أعتقد أن الإسلام في هذا المستوى تحديداً قد لعب دوراً... فلقد كان الإسلام بالنسبة إليهم الوعد والضمانة باجتراح أمر يغيَّرُ، بصورة راديكالية، ذاتيتهم".
ومن غير الجائز أن نتغاضى عن الكيفية التي افترض فيها فوكو ارتباط ما رأى فيه روح الثورة الإيرانية بالإسلام، ارتباطاً غير عرضي. يقول في إحدى محاولاته النادرة لتعريف الحداثة :"عوداً إلى نص كانت، فإنني أتساءل ألسنا نرى الحداثة موقفاً أكثر من كونها مرحلة تاريخية. وأعني بموقف شكلاً من الارتباط بواقع معاصر، وخياراً إرادياً يُتبنَّى من جانب أناس بعينهم. وفي المحصلة، فإن طريقة في التفكير، وصورة من الحساسيَّة، هما كذلك، يعبران عن طريقة في التصرف والسلوك تعيَّنُ في الوقت نفسه علاقة انتماء وتطرح نفسها غاية".
ما من ريب أن فوكو لا يقوم بالتنظير للإسلام الحديث، ولا يتناول بالدرس "عودة" الدين كأداة سياسيَّة. لكن من الممكن، وغير العارض، أن يكون بمقدور المفكر الفرنسي تقديم إسهام جوهري يتصل بالخطاب الفكري الغربي حول الإسلام عبر انخراطه الخاص بحدث جديد ومذهل يجري في قلب سيناريوكوني لأزمة متعددة الجوانب، يقول :
"أشعر بالحرج إذا تحدثت عن الحكومة الإسلامية بوصفها (فكرة) أو (مثالاً)، لكنها أثارت إعجابي لأنها (إرادة سياسية). لقد أعجبني فيها جهدها باتجاه التسييس، كردة فعل للإشكالات الحقيقية، والبنى القارّة؛ اجتماعياً ودينياً".
وعلى الرغم من كون فوكو مجبراً على المثنوية التأويلية للإسلام السياسي، مثله كمثل أي مستطلع غربي في ذلك الزمن، فإن موقفه العقلي في "التوجه نحو الشرق"، والنظر إلى ما كان يحدث في إيران، كانا ملائمين للبحث في عامل "التمثل" (وهو مكون مركزي بالنسبة إلى طريقة المستشرق الكلاسي في البحث عن جوهر الإسلام) في مشروع تكون نتيجته النهائية مجافية لنوع تيار المستشرقين العام (وربما، بصورة أدق النزوع الفيبري*). الذي حُدِّث من جانب "برنار لويس" Bernard Lewis، متمثلاً في أن تجاوز الإسلام هو الصيغة الأكثر احتمالاً لتطوير ذاتية دينامية.
إن المرء عاجز أن يسقط من حسابه، بصورة شكلية محضة، الشروط الجمالية التي حكمت هذا المشروع، وجعلت وجوده ممكناً، لكنه غير قادر على موافقة تلك الطائفة من نقاد فوكو التي مالت إلى التقليل من قيمة مقاربته، وجعلها مرواغة ثقافية محضاً ذات مصطلحات جمالية خالصة.
يتوجب علينا أن ندرك سبباً أكثر أهمية ودلالة لتحولات الفضاء "العابر للثقافة". على المرء أن يستدعي، فقط، كيفية لجوء فوكو لاحقاً في تعريفه للحداثة، إلى صيغة "بودلير" Baudelaire، بما احتوت عليه "من موقف يتيح القبض على البعد (البطولي) للحظة الحاضرة... فهو ليس ظاهرة تعبر عن الحساسية إزاء حاضر زائل... وإنما إرادة لتحويل الحاضر إلى بطل" إن مفهوم الحداثة هنا يتشكل حيث تتحد الأبعاد الجمالية بالأخلاقية دون فكاك. فهل أبصر فوكو وميض تلك الحداثة في الثورة الإيرانية؟ من الجائز أكثر أن ما وافق هذا التعريف للحداثة تمثل في تجربة سرده المتعاطف مع الثورة الإيرانية. إن تلك الثورة، كما رويت على لسان ميشيل فوكو؛ المفكر الغربي الطليعي، لهي ما شكل خلخلة (وإنقاذاً في الوقت نفسه) لتراث الحداثة.
لم يبذل فوكو ذاته، على أية حال، جهداً كبيراً في التغطية على مدى إعجابه بالثورة، فالسيناريو كان آسراً لأن أصالته بدت غير غربية، فهو "شرقي" بالكامل، فضلاً عن الهيئة المحيّرة للزعيم الموقر، ذي اللحية وهو يتوسط المنصة، والجموع تلهج باسمه بوصفه محررها، وبصبره منتظراً دوره وهو قابع في المحيط الباريسي "كل شيء أفاد الاعتقاد بقوة الرواج الغامض المتصل بعجوز منفي مدة خمس عشرة سنة، وشعب يعول عليه. إن طبيعة ذلك الرواج هي ما أثار إعجابي".
إن "الرواج الغامض" هو ما فهمه فوكو، ربما، سراً للثورة، وثُمِّن كخبرة فائقة الإدهاش، لذا لم يكن بالإمكان استقراء الثورة وفق المبادئ المقررة في الغرب، حيث يتوجب انضواء معنى الثورة ضمن "جهد ضخم يدرج الفوضوي في التاريخ العقلاني الطيع". وكنتيجة لذلك، فإن المفكر الفرنسي عجز عن تلافي الإحساس بعدم الراحة عندما أصغى إلى ما صرحت به شخصيات الانتفاضة الرئيسة ذاتها : أن ما كان يحدث يمكن ترجمته بدقة بواسطة تصنيفات التجربة الغربية :
"إن أحدنا ليقول إن تعريفات الحكومة الإسلامية ليست دقيقة. ويتوجب القول أنها تبدت لي عادية جداً، ووضوحها غير مطمئن قليلاً، كتوليفة أساس تجمع بين الديمقراطية والبرجوازية والثورية. وقلت إننا لم نتوقف عن تكرارها بصورة مضجرة منذ القرن الثامن عشر، وأنتم تعرفون إلى أين يقود ذلك. لكنهم أجابوا بحزم أن القرآن كان قد أقرها قبل فلاسفتكم، وإذا ما كان الغرب المسيحي والصناعي قد فقد معناه، فإن الإسلام –في المقابل- قادر على حماية قيمتها وفاعليتـها".
لقد صرف فوكو اهتمامه منذ الانطلاقة الأولى للمغامرة الإيرانية، إلى صعوبة إيجاد التوازن بين العالمية والفرادة في تفسير الحدث الذي كان يرقبه. لكن لم يبد أن تلك الصعوبة تسبب له حرجاً. إن قراءته الكاملة للثورة الإيرانية أصيلة ومؤثرة بالنظر إلى أنها لا تحاول التقليل من قيمة عنصر على حساب آخر، فما أراد فوكو رؤيته راسخاً هو فكرة الخلخلة، وفوق ذلك، قدرة الروحية السياسية على البقاء. إن النتيجة التي خلص إليها، ربما، أن ليس ثمة تاريخ دون فتنة خاصة به، كما دون في مقالته الأخيرة حول المسألة الإيرانية :
"ليس لأحد الأمر أن يقرر بأن هذه الأصوات المرتبكة تصدح بأفضل مما للبقية، وتجهر بالصدق الأبلغ. فكافٍ أنها موجودة لتعطي إحساساً بضرورة الاستماع إليها ومحاولة اكتشاف ما تود قوله. أهو سؤال أخلاقي ؟ ربما. أهو سؤال واقعي؟ بالتأكيد. فكل محاولات التحرر من سحر التاريخ لا تفيد شيئاً. إن الأمر راجع إلى وجود بعض الأصوات التي تجأر بأن الزمن البشري لا يتخذ صيغة تطورية خطية، وإنما له شكل التاريخ".
إن الخلاصة النهائية لاهتمام فوكو بالثورة الإيرانية، تتمثل –على أية حال- في المدى الذي عولت فيه مقاربته على قوة الإدهاش، التي عملت كأداة مخففة من وجهة النظر العالمية تلك، وكذا فقد تمثلت في مقاومته الاحتفاء بما خبره في إيران بوصفه عرضاً حديثاً لـ "يوتوبيا" أو "مثال" (كما يرضينا أن نظن، وكما باح لفوكو كثير من الإيرانيين المشاركين في الثورة).
لقد كان المفكر الفرنسي متحرقاً للمراهنة على "شيء قديم جداً، وضارب، كذلك، بجذوره في المستقبل".
إن أزمة الحديث والتراثي السابقة، أو أزمة الإسقاط على المستقبل أو الانكباب على الماضي، تغدو، ببساطة، مطلقة، عبر القدرة الفريدة للثورة كونها"حقيقة" و "إرادة":
"الناس يثورون، هذه حقيقة. ومن هذه الناحية فإن الذاتية تتخلل التاريخ وتهبه روحها".
إن المرء ليحار، حقاً، أهذا التصوير لغياب التوتر وانسجام التاريخ، أو ما يفترض أنه "جوهره الحق"، قادر على أن يتماسك دون إحساس فوكو الجمالي لما كان قد خبره :
"إن ما يثير إعجابي، الآن، في إيران، أن ليس ثمة صراع بين عناصر شتى. وما يهب الأمر ذلك الجمال، وفي الوقت نفسه، تلك الرصانة، وجود مجابهة وحيدة بين الناس جميعاً والدولة التي تهددهم بأسلحتها وشرطتها".
إن هذا لهو، على أية حال، نوع معين للفرادة، وليس ببساطة حدثاً يتعامل معه بتعاطف، وإنما بالخبرة العالية التي امتلكها فوكو لأنه متداخل غربيٌّ لم يحاول أن يتخفى في "تقريره" بصورة المراقب المحايد، ومن الجائز القول أن محصلة التركيز على الإسلام لا كقانون وإنما كنقيض للقانون أو كذاتية مبدعة، جرت على خلاف جوهر المذاهب التي حواها تراث المستشرقين وسمحت بعدِّ الإسلام، لاسيما في نسخها ذات التشدد الواضح، متبنياً، بصرامة، تأويلاً متصلباً للنص والقانون، ونافياً لأي متنفس لتأويل الذات. إن مقاربة فوكو أيدت قلب المعضلة "الفيبرية" دون وجود مثال بديل، ذلك لأن المعرفة الحقة بالإسلام لا يمكن مؤازرتها بتحديث قوتها على الإدهاش حسب.
لقد اتهم المفكر الفرنسي لدى الجمهور، وعبر امرأة إيرانية، بالخلط بين مفهومي الروحية والتعصب الديني" فالمرء قادر على قول ذلك عن اليسار الغربي المهووس بالمنهج الإنساني، أما الإسلام فإنه مستحب... لكن في مكان آخر".
لقد عبرت هذه الهجمة عن نفسها بمصطلحات قاسية وساخطة، ملمحة إلى طبيعة "الخلخلة" المشار إليها في تقرير فوكو.
ومن المفاجئ بعض الشيء أنه ردَّ بموقف دفاعي خالص دون أن يتبنى سؤال الخلخلة ذاك. إن ردّه الجامع توافق في جزئه الأول مع الصفة المشتركة لكل بناء فكري حول "الإسلام السياسي" منذ مداخلة برنار لويس، أما رده، لاسيما في جزئه الثاني، فلا يعبر إلا عن الحالة الأدنى في اعتبار الإسلام السياسي مستقلاً عن التأثير الضار للمقولة التلفازية "... أن مشكلة الإسلام كقوة سياسية، لهي مشكلة جوهرية بالنسبة إلى عصرنا، ولسنوات قادمة. إن الحالة الأوْلى للتعامل معها، بغض النظر عن مدى حصافتها، ليست –بالتأكيد- مبادأتها بالعداء".

الحالم
09-16-2007, 12:06 PM
(2)

العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية

عبدالله إبراهيم

.مدخل:

دار جدل طويل خلال العقد الأخير حول تفسير التنازعات الكبرى القائمة في العالم، أقصد تلك التنازعات التي توجها ايدلوجيات كبرى،وتغذيها رؤى تستند إلى تصورات ثقافية أو دينية أو عرقية، وأنتهى الأمر إلى الأخذ بتفسيرين، أولهما صراع الحضارات، وثانيهما صراع الأصوليات، وفي موضوع جدالي مثل هذا تترتب فيه النتائج في ضوء زاوية النظر، ليس المهم الاتفاق الاصطلاحي حول المفاهيم، إنما المهم الاتفاق على الحيثيات الموجهة لتلك التنازعات، ومع أن المجتمعات في العصر الحديث قد طورت ما يكفي من أسباب التنازع كالايديولوجيات المطلقة، والاستبداد، والاستغلال، والمصالح، لكن الأمر الذي يقترحه هذا البحث، هو أن التنازعات الكبرى هي نتاج لمركزيات ثقافية وجدت لها باستمرار تسويغا من أطراف التنازع. وبسبب غياب التصورات النقدية التي تجرّد تلك المركزيات من غلوائها،في نظرتها المغلقة إلى نفسها وإلى غيرها، فقد تصلّبت تصوراتها،واصطنعت لها دعامات عرقية أو دينية،أدت إلى زرع فكرة السمو والرفعة في الذات والدونية والانتقاص في الآخر،ومع أن كثيرا من أطراف العالم قد تداخلت في مصالحها وثقافاتها،وأفكارها،لكن ضعف الفكر النقدي حال دون أن تتلاشى المركزيات الكبرى،وبقدر تعلّق الأمر بالعالم الإسلامي،يجد هذا البحث أنه من المناسب ان يقف على تلك المركزيات المتصلة به، فيحاول أن يضعها تحت مجهر التحليل والنقد،لتخفيف شحنة التفاضل المتأصلة فيها،وسنحاول تقديم تحليل ثقافي لظاهرة التمركز الثقافي المهيمنة في العالم الآن.

لايمكن تجاوز المحدّدات الثقافية التي تلعب أدوارا حاسمة في تثبيت المعايير التفاضلية بين الشعوب،وكثيرا ما صاغت أو أعادت صوغ جملة من المعطيات الخاصة بمجتمع ما لتجعله يتصوّر بأنه أفضل من غيره،وهي قادرة بفضل موقعها الرفيع على أن تجيز وتهيمن وتحلّل وتحرّم،وأن تخفض منزلة شيء ما أو ترفع من مقامه؛الأمر الذي يعني قدرتها على أن تكون الوسيلة الأساسية لتثبيت التّمايز في المجال الذي تعبّر عنه،وقد كان هذا شائعا في الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى،ويمكن اعتبار المكوّن الثقافي أحد أهم المكونات المؤثرة في قضية التراتب والتفاضل بين دار الإسلام ودار الحرب،وقد ظلت الثقافة بوصفها منظومة للتصورات الذهنية حاضرة في كل الصراعات عبر التاريخ ؛ومن ذلك فقد استخدمت الثقافة في الفكر الغربي الحديث كوسيلة لتثبيت ضروب من التمايزات بين ما هو غربي وما هو غير ذلك،وبدأت تبنى على ذلك سلسلة من التراتبات الثنائية بين ما للغرب وما لسواه . فأهل الطرف الأول من الثنائية ،أهل الغرب،هم الأصل، وهم أصحاب المكانة الرفيعة ، أما أهل الطرف الثاني،خارج مجال العالم الغربي، فهم الشواذ التابعون، وأهل المكانة الدنيا. وماكان لأحد أن يفلت من التأثّر بهذا التمايز طوال العصر الحديث في كثير من البلاد التي وقعت تحت السيطرة الغربية. فقد كان ينظر إلى الثقافة الغربية على أنها المعيار المناسب للتفريق بين ما للغرب وما لغيره، وبين مَنْ هم من الجنس الأعلى ومَنْ هم من الجنس الأدنى، ولم يبق ذلك أسير الأفكار المجرّدة إنما شمل علوم اللغة والتاريخ والأعراق والفلسفة والأنثربولوجـيا، وحتى علم الأحياء ، وكلها وظِّفت في إبراز هذا التمايز.

إن الثقافة وسيلة خطيرة وفعّالة لأنها الأكثر من غيرها قدرة على تثبيت التصورات والقيم والرؤى ،وترسيخ المرجعيّات الفكرية التي تصدر عنها المواقف، إلى ذلك قدرتها على اختراق الحواجز واجتياز الموانع، وبتوظيف وسائل الاتصال الحديثة أصبح من الصعب الحديث عن ثقافات غير قابلة للاختراق، فالثقافة المعاصرة بوجوهها الإعلامية والإعلانية والفكرية والعلمية أصبحت عابرة للقارات، فالتمايز على أسس ثقافية، يضع الثقافات التقليدية أمام احتمالين: إمّا ذوبان الهويات الثقافية الأصلية إذا لم تتشبّع بالخصائص الشعورية والذهنية والتاريخية المتصلة بسياقاتها الثقافية، وتكون - في الوقت نفسه-قادرة على تجديد نفسها، أو الانكفاء على الذات بسبب هيمنة الثقافـات الأجنبية، وعلى وجه التحديد الغربية. وفي هاتين الحالتين تتعرّض الثقافات لخطر الانقراض أو الاحتماء بمفاهيم الماضي والانحباس في أسوار الحقائق الكبرى،والدوائر المغلقة، وإنتاج صور متخيّلة عن عصور الشفافية الأولى كمعادل موضوعي لحالة الخوف من الثقافات الأخرى. وهكذا تواجه الثقافات الأصلية تحدّيْين في آن واحد: الذوبان أو الجمود، وهو أمر يعطّل من قدرة تلك الثقافات على الوفاء بوعودها كأنظمة رمزية تحتضن شؤون التفكير والتعبير.

إن الثقافات تتمازج، وتنشأ هويات ثقافية جديدة،وتتشكّل مجتمعات حقيقية أو متخيّلة، ثم تنحلّ، ومع ذلك فإن الثقافات الأصلية مازالت هي التي تحدّد معالم الثقافات الجديدة،ما انفكت تلك الثقافات تستأثر بالأهمية،ولم نصل بعد إلى الثقافة العالمية،واختفاء جانب من الثقافات المحلية لا يعني تلاشيها كما يذهب كثيرون إلى ذلك،فالثقافة هي أكثر من مجرد ما يظهر للعيان، إنها أعمق من ذلك بكثير، فالثقافات تتـمازج لكنـها لا تتلاشى. يبدو هذا التفسير لأوضاع الثقافات في ظل العولمة كثير التفاؤل. والحق أن تعارض الأنساق واصطدامها يلحق ضرر بالغا بالثقافات الأصلية،وقد يفضي إلى انهيارها .

يصحّ هذا التصور حين يكون التبادل متكافئا بين الثقافات،لكن ماذا يحصل في حالة غياب التكافؤ؟ ففي المجتمعات التقليدية، لايمكن الكلام عن تبادل ثقافي مع الغرب،ذلك أن التبادل الثقافي مع الغرب بالنسبة لها،شأنه شأن أي تبادل آخر يُختزل إلى تدفّق من جانب الغرب فقط. فهذه الثقافة تتلقّى منشّطات يومية تصل إليها بشكل مناهج أو مفاهيم أو رؤى أو أفكار أو فرضيات وحتى نتائج .ومن المعلوم أن كل تلك المنشّطات ظهرت تدريجيا في إطار ثقافي –سياسي معيّن فأصبحت جزءا من أنساق ثقافية مشروطة ببعدها التاريخي. فحينما يصار إلى الأخذ بها لمعالجة ظاهرة ما ، فهذا يعني إقحاما لأنساق ثقافية في شبكة من الأنساق المختلفة،وهنا لا تُقصى فقط الشروط التي تمنح تلك الأنساق فاعليتها،إنما يؤدي ذلك إلى تدمير الأنساق الثقافية الأصلية؛فالأولى تجرّد من محاضنها،والثانية تنهار لأنها تُستبعد وتحل محلها انساق أخرى.

إن الحديث عن التبادل الثقافي غير المتكافئ لا يعتبر موضوعا صعبا إنما يعتبر خاطئا، فالأمر إنما هو" استعارة " أنساق ثقافية بهدف معالجة مشكلات استبعدت أنسـاقها الأصلية. ولا يخفى أن لذلك أسبابه التاريخية والاجتماعية والسياسية؛ فمن جهة أولى تمكّن " الغرب " من بلورة منظومة ثقافية ذات بعد علمي وفلسفي اتصفت بكفاءة ظاهرة،منظومة تمركزت حول نفسها،وأنتجت أيدلوجيا محدّدة حول خصوصيتها العرقية والدينية والفكرية،وهذه الايديولوجيا اختزلت " الآخر" إلى مكوّن هامشي ليندرج بمرور الزمن في علاقة تبعية مع الغرب ومنظومته الثقافية،وبالمقابل لم تطوّر الثقافة الإسلامية،بتعدد هوياتها اللغوية والعرقية القائمة الآن في دول كثيرة،أية منظومة خاصة بها في العصر الحديث،وإنما اخترقتها ثقافة "الآخر" ومزقت نسيجها الداخلي،فلم يكن ثمة تداخل فعّال بين الثقافتين،إنما وقع نوع من " التهجين" المنقوص إذ انهار كثير من مكونات تلك الثقافة،واستبدّت بها انساق أخرى.هذا "التهجين الثقافي المشوّه" لم يكن كذلك إلاّ لأنه لم يستند إلى علاقات متكافئة وسويّة،بل كان مجرد" استعارة" من"الآخر"،وظل هذا المبدأ قائما في أشدّ مناحي الفكر أهمية كالمناهج النقدية والتربوية والمفاهيم والفرضيات،وأفضى ذلك إلى تفريغ الأنساق من مضامينها وشحنها بمعان مختلفة. وبدأت أكثر القضايا خطورة وحساسية تعـالج على هامـش قضايا الفكر الغـربي. وبالإجمال كان ذلك" التهجين" قد نشأ في ظل غياب كامل لـ"الحوار المعرفي"، وكلما مضى الزمن تفاقمت الصعاب،فأصبح كل تغيير يحتاج إلى آلة خارجية ، بما في ذلك قضية التحديث الاجتماعي والسياسي. وهذا يكشف أن الثقافة الغربية شأنها شأن كل ثقافة في هذه الحالة،لم تتحول إلى منشّط يغذّي الثقافات بالأسئلة الجديدة، إنما أدرجتها في سياق التبعية، ثم الذوبان، واعتصم جانب منها بذاته تحت وهم الخصوصية المطلقة والمقاومة،وفي ظل العولمة سيتفاقم الأمران، ولا يخفى أن هذه هي الإشكالية الأساسية التي تميّز الثقافات التقليدية في هذا العصر.



2. تعريف التمركز:

يمكن تعريف التمركز بأنه نسق ثقافي محمّل بمعانٍ ثقافية (دينية، فكرية، عرقية) تكوّنت تحت شروط تاريخية معينة،إلاّ أن ذلك النسق سرعان ما تعالى على بعدهِ التاريخي،فاختزل أصوله ومقوماته إلى مجموعة من المفاهيم المجردة التي تتجاوز ذلك البعد إلى نوع من اللاهوت غير التاريخي،وهو تكثّف مجموعة من الرؤى في مجال شعوري محدد،يؤدي إلى تشكيل كتلة متجانسة من التصورات المتصلّبة،التي تنتج الذات،ومعطياتها الثقافية،على أنها الأفضل،استناداً إلى معنى محدد للهوية،قوامه الثبات،والديمومة،والتطابق،بحيث تكون الذات هي المرجعية الفاعلة في أي فعل،سواء باستكشاف أبعاد نفسها أو بمعرفة الآخر،ويشمل ذلك الذات المفكرة الواعية لذاتها أو تلك الذات غير الواعية التي تقيم تصوراتها على نوع من المخيال المنتج للصور النمطية لها ولغيرها. ولا يقتصر الأمر في التمركز على إنتاج ذات مطلقة النقاء،وخالية من الشوائب التاريخية،إنما - وهذا هو الوجه الآخر لكل تمركز - لا بد أن يتأدّى عن ذلك تركيب صورة مشوّهة للآخر.وبين الذات الصافية التي تدّعي النقاء المطلق،والآخر الملتبس بالتشوه الثقافي (الديني والفكري والعرقي)،ينتج التمركز أيديولوجيا إقصائية استبعادية ضد الآخر، وأيديولوجيا طهرانية مقدسة خاصة بالذات؛ فينقسم الوعي معرفياً على ذاته،لكنه أيديولوجيّاً يمارس فعله المزدوج بوصفه كتلة موحدة لها منظور واحد.
استمد مفهوم التمركز،مكوناته من الدلالة المباشرة لـ Egocentricity التي تفترض غلبة وجهة نظر الذات وصوابها، وهي متصلة بعالم الطفولة،إذ تتجلى الأنانية المفرطة التي توافق مرحلة من نمو الطفل،تجعله يركّز العالم في أناه،لأن وجدانه لا يتفتح على الآخرين إلاّ بقدر ما يكون هؤلاء مجموعة من العناصر في أفقه الذاتي،فيصعب عليه أن يفهم الأشياء من غير منظاره الخاص،ولا يُعطي أي اعتبار للآخرين واهتماماتهم،الأمر الذي يؤدي إلى أن يختلط لديه الموضوع بالذات.
ينبغي التأكيد على أن كل مركزية تقوم على فكرة الاختلاق السردي الخاص لماض مرغوب يشبع تطلعات آنية، ويوافق رغبات قائمة،فهذه سُنن المركزيات،وبمواجهة الحاجة إلى توازن ما تُصطنع ذاكرة توافق تلك التطلّعات،أو يتم تعويم صور من الماضي،لغايات خاصة.وقد ذهب "إدوارد سعيد" إلى مضمون هذه الفكرة،حينما أكد أن "ثمة منهجا لاستخدام الذاكرة بشكل انتقائي من خلال التلاعب بقطع معينة من الماضي ،وذلك بطمس بعضها وإبراز بعضها الآخر بأسلوب يؤدي وظيفة من نوع ما ..ومن هنا ليست الذاكرة بالضرورة أصيلة،بل هي على الأصح، ذاكرة نافعة...وذلك يعود إلى أن الاهتمام بالذاكرة من أجل ماض مرغوب فيه يمكن استعادته هي ظاهرة محمّلة مشحونة، وقد برزت إلى الوجود حديثا نتيجة التغيرات المربكة في مجتمعات كبيرة تفوق التصور،مجتمعات بشرية ضخمة،واسعة الانتشار،وقوميات متنافسة، ولعل الأمر الأكثر أهمية،فيما يخص ظهور الذاكرة التي يمكن الانتفاع بها لأداء وظائف تحتاجها الأمم والمجتمعات،في واقعها المعاصر،هو تناقص فعالية الأواصر الدينية والعائلية والروابط السلالية،ويتطلع الناس الآن إلى هذه الذاكرة المتجدّدة، لا سيما في شكلها الجمعي،ليمنحوا أنفسهم هوية متماسكة،وسرد قومي،ومكان في العالم". إنّ الأمثلة في عالمنا المعاصر أكثر من أن تحصى في مجال اختلاق ذاكرات تاريخية وعرقية ودينية، والبحث المسكون بأوهام كبرى للانتساب إلى ماض عريق كمعادل موضوعي لوهن قائم، أو لانتزاع شرعية في عالم محتدم بصراع الهويات والتطلعات والآمال، ومشبع في الوقت نفسه بحالات انكسار للقيم التقليدية الموروثة،وانهيار لنسق العلاقات القديمة،وهذا التوتر يضخّ رغبات دائمة تريد استخدام الماضي استخداما إيديولوجيا بما يضفي على الأنا سموّا ورفعة،والآخر خفضا ودونية.وإعادة قراءة المرويات الإسلامية في ضوء هذه الحاجات،يسهم في هذا الضرب من الصراعات،فالأمم تتساجل فيما بينها عبر الصور الاكراهية التي تشكلها بواسطة السرود لغيرها.وقوامها إن هو إلا نسيج متشابك من التصورات والمرويات الخاصة بها عن نفسها، وعن الأمم الأخرى. وغالبا ما تحمل تلك التصورات عبر التاريخ مدونات وصفية أو تخيلية،تتوارى فيها الصور الكلية للمشاعر والتطلعات والتجارب، والقيم الدينية والنفسية والأخلاقية.واستنطاق تلك المتون إنما هو استنطاق لذاكرة.ونقدها إنما هو محاولة لوقف استخدامها كإيديولوجيا حيّة في نزاعات معاصرة،ولم يكن تشويه الآخر،قد أثمر عن فائدة حقيقية ،ولن يكون ممكنا وقف ذلك إلا استنادا إلى رؤية نقدية تكشف ذلك النسغ المتصاعد في الفكر والسلوك المعاصرين.


3. نقد التمركزات الثقافية

ولعل أول ما ينبغي الانصراف إليه هو نقد يكشف التناقضات الكامنة في صلب الثقافة المتمركزة حول ذاتها،فالنقد هو الذي يدفع بتلك التناقضات إلى أن تفصح عن مضمراتها؛لأنه يتتبع بدقة الممارسات الملتوية للمفاهيم التي تكوّنها.ولا تقف مهمة النقد عند إظهار أخطار التمركز،إنما يهيئ الأمر لهوية ثقافية جديدة قائمة على مسار متحوّل ومتجدد ومتشعّب الموارد من المنظورات والمكوِّنات الثقافية المنتجة أو المعاد إنتاجها في ضوء الشروط التاريخية للذات الثقافية. وبما أنّ هوية التمركز تظهر مجردة عن بعدها التاريخي بوصفها هوية قارة وكونية في آن واحد،فإنّ الهوية الثقافية التي تقوم على الاختلاف لا تقر بالثبات ولا الشمول وتحرص على بعدها التاريخي،وفيما تصطنع هوية الثقافة المتمركزة أصولاً عرقية ودينية وفكرية توافق مضمونها،فإنّ هوية الاختلاف تتجنب إنتاج أيديولوجيا لها صلة بهذه الركائز؛ فاتصالها بهذه الركائز اتصال تاريخي طبيعي ليس له بعد أيديولوجي متصل بمعنى الهوية.
وأخيراً فيما تقوم هوية الثقافة المتمركزة بطمس كل العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهوية كما أنتجتها تلك الثقافة واستبعادها،بحيث تجعل الهوية أسيرة شبكة من المفاهيم التي تحميها من المتغيرات التاريخية،فإنّ هوية الاختلاف تجعل من تلك العناصر مكوِّنات فاعلة فيها،وهي تمثل جانباً من جدلها الذاتي مع نفسها وغيرها. النقد هو الممارسة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية.ونقد «المركزية الغربية»و" المركزية الإسلامية"،إنما يتصل أساساً بواقع الثقافة العربية الحاضرة،ثقافة المطابقة،وهو نقد اقتضاه بالدرجة الأولى حضور الثقافة الغربية وهيمنتها في معطيات الثقافة العربية،وحضور ثقافة الماضي بسياقاتها الأولى التي نشأت فيها،وهو نقد لا يعني بأي شكل من الأشكال إصدار حكم قيمة بحق ظاهرة ثقافية لها شروطها العامة،وهو نقد لا يدّعي تقديم بدائل جاهزة،وليس في مقدوره استبدال معطىً بآخر،لأنه نقد لا يقرّ بالمفاضلة،إنما هو ممارسة فكرية تحليلية كشفيّة استنطاقية،غايتها توفير سياقات تمكّن من إظهار تناقضات الفكر المتمركز حول نفسه، وإبراز تعارضاته الداخلية،ومصادراته،واختزالاته للثقافات الأخرى. تنبغي الإشارة أيضاً إلى أن النقد هنا،لا يؤمن بتغليب مرجعية على أخرى،وهو لا يدّعي القدرة على الإجهاز فوراً على كتلة ضخمة ومتصلبة من الممارسات المتمركزة على نفسها سواء أكان ذلك على مستوى العلاقات الواقعية أم العلاقات الخطابية.فالنقد أبعد ما يكون عن كل هذا،فلا يصار أبداً الإجهاز على ظاهرة من خلال إبداء الرغبة في ذلك،فـ «التفكير الرغبوي» تفكير انفصالي، بطبيعته عن موضوعاته،لأنه يكيّف نظرياً مسار الوقائع للرغبة دون الأخذ بالاعتبار الهوّة التي تفصل الرغبة عن موضوعها،إنما يريد النقد أن يمارس فعله عبر الدخول إلى صلب ظاهرة ثقافية كبيرة، والتفكير فيها، ولكن ليس التفكير بها.هو نوع من العمل المنهجي الذي يتصل بموضوعه وينفصل عنه في الوقت نفسه،إنه يتصل بالمركزيات على مستوى اشتغال مفاهيمها وفروضها وقضاياها وإشكالياتها بهدف استكناه طبيعتها الداخلية، وخلق «ألفة» نقدية من التواصل مع ركائزها وآلية عملها،ولكنه انفصال واضح عنها،لأنه يهدف إلى ضبط مصادراتها وإقصاءاتها،وإبراز تناقضاتها الضمنيّة. بعبارة أخرى،النقد هنا،لا يقبل لنفسه،بوصفه ممارسة واعية،أن يتهرب من الاقتراب الحقيقي إلى الظاهرة التي يدرسها،إنما هو مدفوع للوقوف تفصيلاً على التشكّلات الداخلية لتلك الظاهرة،والارتباطات الخفيّة بين المفاهيم المكوّنة لظاهرة التمركز،ووصف شُحن الغلواء التي تمورُ بها،دون أن يعني ذلك – بأي شكل من الأشكال - انتقال تلك الشُحن إليه هو. إنه يريد أن يتجاوز التذلل والولاء،فيُدخل موضوعه في سياق نقدي شامل،دون ادعاء أية حقيقة وأي يقين،كما أنه لا يصدر عن مرجعيات تجريدية ثابتة ترتبط بهذه الثقافة أو تلك.
إن هذا النقد ممارسة معرفية واعية تنتمي إلى ذاتها،تتوغل في تلافيف الظاهرة،وتضيء الأنوار في العتمة الداخلية لها،لتكشف أمام الأنظار طبيعة الظاهرة،وآلية الممارسات التي تقوم بها،سواء في إنتاج ذات تدّعي النقاء أو في اختزال الآخرين إلى نمط يوافق منظور تلك الذات.والهدف من ذلك، توسيع مديات الوعي فيما يخص طبيعة الظواهر الثقافية القائمة في عالمنا المعاصر،وتخصيب تشعَّباته،وإعطاء أهمية للبعد التاريخي للثقافات دون أسرها في نطاق النزعات التاريخية.إنه،في نهاية المطاف،ممارسة حرة واعية بشرط حريتها،وهو تفكير في موضوع التمركز،من أجل إبطال نزعة التمركز وتكسير مقوماتها الداخلية،وفصل الوقائع المُختلطة ببعضها،والمنتجة في ظروف تاريخية متصلة بـ «الذات» و«الآخر».وهو نقد لا يتقصّد إيجاد قطيعة بين الاثنين،إنما ترتيب العلاقة بينهما وفق أسس حوارية وتفاعلية وتواصلية؛بهدف إيجاد معرفة جديدة تقوم على مبدأ الاختلاف الرمزي عن الذات المتمركزة وخرافاتها،والآخر المتمركز ومصادراته.ولا يمكن أن تكون «معرفة الآخر» معرفة مفيدة إلاّ إذا تمّ التفكير فيها نقدياً،والاشتغال بها بعيداً عن سيطرة مفاهيم الإذعان والولاء والتبعية،وبعيداً أيضاً عن أحاسيس الطهرانية الذاتية وتقديس الأنا. أخيراً فإنّ من الأهداف الأساسية لهذا النقد،تغيير مسار التلقّي،الذي نقصد به الطريق الذي تأخذه الأفكار الأخرى للدخول في وعي الذات،فتتشكّل ضمنها ،وهي حاملة معها دلالاتها،دون أن تخضع لمراجعة،بحيث تحتفظ بمحمولاتها وسياقاتها الأصلية، وهو ما يحدث انقساماً شديداً في الذات الثقافية، لأنها لم تُكيّف تلك العناصر،بسبب غياب الإطار المنظّم والمكيّف القادر على إعادة إنتاج تلك العناصر،بما يجعلها مكوِّنات في هذه الذات،وليس جزءا غريبا عنها،مهيمنا عليها،وما يحصل أنّ تلك العناصر،ستمارس أفعالها كأنها ضمن نسقها الثقافي الأصلي،وهذا يقود إلى تعريض مكوِّنات الذات إلى انهيارات داخلية؛لأن تلك العناصر نُضّدت جنباً إلى جنب،ولم تركّب محمولاتها وفقاً للشروط التاريخية للذات الثقافية. وظيفة النقد المعرفي هي المساهمة في تغيير مسارات التلقي، واقتراح كيفيات لاندراج عناصر الثقافات الأخرى في الذات الثقافية؛فالثقافة الإسلامية أصبحت حقل صدامات لا نهائية بين المفاهيم والمقولات والرؤى والتصورات المستعارة، وذلك سببه،فيما نرى،عدم الاهتمام بمسار تلقي الأفكار الذي يؤدي إلى أن تحافظ المكونات الغريبة على نفسها دون الانصهار في نسق الثقافة الجديد الذي يحتضنها.وهذا الأمر يتصل بموضوع التمركز،فالأفكار تمارس أفعالها المتمركزة إذا لم تندمج في أطر الثقافة الأخرى على أنها مكوِّنات فاعلة فيها.وبالنظر إلى أن التمركز ظاهرة ثقافية،وباعتبار التمايز بين الطبيعي والثقافي،فإنّ كل خروج على ما هو طبيعي يندرج في مجال الثقافي،وعلى هذا ينبغي استبعاد العامل الطبيعي من شبكة التمركز؛ ولأن التمركز متصل بالمنظور الثقافي للإنسان في رؤيته لذاته ولغيره.


4. وسائل التمركز

أنتجت القرون الوسطى مرويات ثقافية إسلامية تضمنت تصورات شبه ثابتة للأعراق والثقافات والعقائد،وكانت تلك التصورات تمثّل معيارا يتدخّل في رفع قيمة ما أو خفضها لدى أي مجتمع أو ثقافة.وليس خافيا أن الحكم المسبق على ظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو دينية سيؤدي إلى نتيجة تضفي مكانة رفيعة عليها أو تسلبها مكانتها الحقيقية،والصور التخيلية المتشكّلة في أذهان المجتمعات،بفعل الخلافات الدينية،والصراعات السياسية،وتباين المنظومات القيمية،والأنساق الثقافية،أدّت خلال تلك الحقبة الطويلة إلى ترسيخ صور منقوصة لبعضها.ومادامت تلك المرويات توجّه أفكار المؤرّخين والجغرافيين والرحّالة والمفكّرين والفقهاء،وكل مَنْ يصوغ الصور الجماعية الذهنية الخاصة بالآخر،وبخاصة المدونات الوصفية والسردية والعجائبية،فمن المنتظر الحصول على سلسلة متواصلة من الأحكام غير المنصفة بحق الآخر المختلف.
لم يكن الأمر خاصا بتلك المرويات في الإسلام وحده؛ فالقرون الوسطى تميزت بأنها تعنى بثبات المعايير وتكرارها،والنظام الفكري الشائع خلالها ينظر إلى الظواهر الطبيعية والبشرية والثقافية نظرة قارّة،فالإحساس بالتغيّر محدود جدا،وثمة ثقة شبه كاملة بضرورة خضوع الظواهر البشرية والثقافية والدينية لتفسيرات مركزية مطلقة،وغير خاضعة للتغيرات الزمنية،وكان ذلك النظام يستعين بطرائق تحليل تقليدية تفتقر إلى قوة التعليل،الأمر الذي جعل المعرفة الخاصة بتلك الحقبة هشّة،وضعيفة،وتنطوي على تناقضات كثيرة،لم تصمد بوجه النقد ؛لأنها قائمة على التنميط غير المعلّل، أو الذي يفتقر إلى تعليل يأخذ في الاعتبار العناصر الحقيقية للظاهرة في سياقاتها الثقافية والتاريخية،وليس في حالة تجريد تام كما كان التصور القديم يفترض ذلك،ولما كانت تلك المعرفة تقوم على ركائز ناقصة، وغير متكاملة، ومتعالية على شرطها التاريخي، فمن الطبيعي أن تتّصف عموما بالنقص وعدم الإحاطة بموضوعاتها، والاختزال الواضح في الأسس التي تقوم عليها. كان هذا التصور التقليدي للآخر إبان تلك الحقبة يقيم معرفة تخيلية ملتبسة مع نفسها، يتم تعميمها وفرضها استنادا إلى السجال ، وليس إلى التجربة والمعاينة والاكتشاف المباشر، وقد لا تراعى في كل ذلك الجدوى المستخلصة منها، ولا الهدف المراد تحقيقه، سوى الامتثال للفكرة الراسخة القائلة بالتفاضل، فالأنا مفعمة بقيم سامية، والآخر يفتقر إليها، الأنا فاعل، والآخر منفعل. حينما تصهر معا كل العناصر المكونة لظاهرة ما، يمكن الحديث عن اقتراب إلى حقيقة الشيء.
تضافرت المرويات من أجل تمثيل الذات والآخر استناداً إلى آلية مزدوجة الفاعلية أخذت شكلين:ففيما يخص الذات أنتج "التمثيل" ذاتاً نقيّة،وحيويّة، متعالية، ومتضمّنة الصواب المطلق، والقيم الرفيعة ، والحق الدائم؛ فضخّ مجموعة من المعاني الأخلاقية المنتقاة على كل الأفعال الخاصة بها،وفيما يخص الآخر أنتج "التمثيل" "آخر"يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً،والخمول والكسل أحياناً أخرى، وذهب فيما يخص الأقوام في المناطق النائية إلى ما هو أكثر من ذلك، حينما وصفهم بالضلال والحيوانية والتوحش والبوهيمية ،وبذلك أقصى كل المعاني الأخلاقية المقبولة عنده،واستبعد أمر تقبّل النسق الثقافي له، فحُمّل الآخر، من خلال تفسير خاص، بقيم رتّبت بتدرّج لتكون في تعارض مع القيم الإسلامية.وبذلك اصطنع "التمثيل" تمايزاً بين الذات والآخر ، أفضى إلى متوالية من التعارضات والتراتبيات التي تسهّل إمكانية أن يقوم الطرف الأول في اختراق الثاني،وتخليصه من خموله وضلاله وبوهيميته ووحشيته،وإدراجه في عالم الحق. وباستثناء حالات محدودة خاصة بالعالم الشرقي،وبخاصة الهند والصين،فمن النادر الحديث عن تمثيل محايد،فالمرويات الكبرى لا تنقطع عن مرجعياتها الثقافية،وهي سرود شاملة لا تعرف البراءة في التمثيل،وليست شفافة،إنما تشتبك مع مرجعياتها في نوع من التمثيل الكثيف،وتصوغها صوغا رمزيا،فترشح من تضاعيفها كل المواقف القيمية والثقافية. هذه الآلية التي وفرت اعتصاماً بالذات وتحصناً وراء أسوارها المنيعة، وإقصاء للآخر وتشويه حالته الإنسانية،هي من نتائج ثقافة التمركز حول الذات داخل الإسلام، والتمركز نمط من التفكير المرتفّع الذي ينغلق على الذات، ويحصر نفسه في منهج معين ،ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته.ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة مقولاته . ويحتاج هذا النمط من التفكير إلى نقد متحرر من أية مرجعية ثابتة،سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية،فالمرجعية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية التحليلية الجريئة التي تتعرّض لفك التداخل بين الظواهر التي تلازمت فأوجدت هذا التفكير الذي يقوم على الرغبة والحاجة،وليس على جمع المعطيات الكلية التي توفر له درجة من الموضوعية والحياد والصدق.
لقد كان هذا النموذج الفكري مهيمنا في القرون الوسطى ،وتغلغل في تضاعيف التصورات العامة،وتحكّم في توجيه الأفكار وصوغها،وركد مطمورا،ولكن بفاعلية كبيرة،تحت أكداس الخطابات والتصورات والتخيّلات، فحجب ولمدة طويلة،كل إمكانية للبحث في أمر تعديلها.وهو أمر يوجب إعادة النظر مجدداً في كثير مما اعتبر من المسلّمات الثقافية في ذلك العصر،من أجل كشف فداحة الأوهام ،وخطورة المصادرات،ثم القيام ،وبكيفية جديدة، بطرح القضية الملتبسة دائماً،قضية "الأنا"و"الآخر".ليس بوصفها قضية تاريخية انقضى عصرها،إنما باعتبارها ممارسة فكرية نقدية متجدّدة، تقوم بتحرير الذات من أوهام التمركز والتفوّق والأفضلية،عبر نقدها من أصولها، وفكّ الالتباس الناشئ من علاقة غير صحيحة مع الآخر،تشكّلت في ظروف أخرى،وفي ظل موجهات لم تعد قائمة بصورتها الموروثة.تمارس الأصول ضغطا شديدا في تحديد مجال الأفكار،ونمط المواقف،ونوع التصورات.تلك المرويات تمثل ذاكرة يصار إلى استعادتها طبقا لحاجات متصلة بالوعي الجماعي في ظروف معينة من أجل أهداف مشتركة،والبحث في الصور المتشكّلة في المخيال الإسلامي للآخر ليست موضوعا أغلق عليه كتاب الماضي، إنما هي قضية تتصاعد بفعل الظروف المعاصرة، ويتم استخدامها نفسيا لإعادة التوازن،فالماضي يدفع به ليكون جزءا من صراعات الحاضر،وهذا الاستخدام لمعطيات الماضي، يجعله مباحا،وقابلا للاختلاق في كل موضوع يستعصي على الحل، وهو،يحجب النظر عن القضايا الحساسة،ويتسبب في عماء دائم، يحول دون التفكير الموضوعي بالواقع.


2.أصول التمركز الغربي.

يتعذّر،على وجه الدقّة،تحديد اللحظة التي ولد فيها مفهومان متلازمان هما:«أوروبا» و«الغرب».فهما من تمخّضات تلك الحقبة الطويلة والمتقلِّبة التي يُصطلح عليها «العصر الوسيط»، الحقبة التي طوّرت جملة من العناصر الاجتماعية والدينيّة والسياسية والثقافية،فاندمجت لتشكّل «هويّة» الغرب،وبانتهاء تلك الحقبة،ظهر إلى العيان مفهوم «الغرب»،بأبعادهِ الدلالية الأولية، وسرعان ما رُكّب من المفهومين المذكورين مفهوم جديد هو «أوروبا الغربية».
هذا المفهوم ذو الدلالات المتموّجة،لم يمتثل أبداً للمعنى الجغرافي الذي يوحي به،فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينيّة،ومن ثمّ ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينيّة على أنها ركائز قارّة،تشكّل أسس هويته،وغذّى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو «المركزية الغربية».وتتجلى إشكالية هذا المفهوم من أنه تقصّد أن يؤسس وجهة نظر حول «الغرب»،بناء على إعادة إنتاج مكوِّنات تاريخية، توافق رؤيته،معتبراً إياها جذوراً خاصة به،ومستحوذاً في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة،وقاطعاً أواصر الصلة بينها و المحاضن التي احتضنتْ نشأتها،إلى ذلك تقصّد ذلك المفهوم،أن يمارس إقصاءً لكلّ ما هو ليس غربياً،دافعاً به إلى خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح «الغرب» مركزه،على أن يكون مجالاً يتمدد فيه،وحقلاً يجهّزه بما يحتاج إليه.إن ولادة «العصر الحديث» اقترنت بالممارسة الغربية في ميادين المعرفة والاكتشافات الجغرافية،ومؤسسة الدولة بركائزها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية. ومن الواضح أنّ صفة «الحديث» التصقت بالمضمون الإيديولوجي الذي أشاعته الثقافة الغربية بما يوافق منظورها،ويترتب ضمن الأفق العام لتصوراتها،فيما يخص العالم والإنسان.وأفضى كل ذلك إلى نوع من التمركز حول الذات بوصفها المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته،وإحالة «الآخر» إلى مكوّن هامشي،لا ينطوي على قيمة بذاته،إلاّ إذا اندرج في سياق المنظور الذي يتصل بتصوّرات الذات المتمركزة حول نفسها. وجدير بالذكر أنّ الانتماء الديني كان طوال العصر الوسيط شكّل نوعاً من الوحدة الشعورية، لعب دوراً أساسياً في تكوين «الإمبراطوريات الدينيّة» المتصارعة،التي ركَّبت لنظائرها صوراً مشوّهة،ومختزلة،لم يُشف من آثارها إلى الآن.ومع أنّ مهمة المبشّرين النصارى أتت أُكُلها متأخرة جداً،ذلك أنهم انتهوا من نحو «سنة ألف إلى تنصير وثنيّي أوروبا».إلاّ أنّ انتشار المسيحية في أوروبا بدأ يُعرف منذ القرنين الرابع والخامس الميلاديين،وهو انتشار بطيء اقتصر في معظمه على الشريط الجنوبي لأوروبا.ويمكن القول تجوّزاً أنه شاع أول الأمر،فيما كان يسمى من قبل بـ«أوروبا الرومانية».وفي القرن العاشر أمكن استكمال مشروع تنصير «أوروبا البربرية» التي يمكن اعتبارها، بصورة عامة، سلف «أوروبا الغربية» بالمفهوم الحديث وطبقاً لشروط الجغرافيا.
كان التحدي الديني الخارجي قد ذوّب التعارض الذي كان قائماً في قلب أوروبا،وشدّ أزرها فظهرت بوصفها قوة طالعة، جديدة،تهدف - من بين ما تهدف إليه - تحقيق مجموعة من الدعاوى ذات الأهداف المزدوجة،وفي طليعتها:القضاء على الوثنية من جهة، ووقف التحديات الخارجية من جهة أخرى.ويمكن القول إن أوروبا قد أسفرت،بسبب تلك الأهداف،عن وجهها المسيحي،لإيجاد نوع من توازن القوى، وامتصاص التعارض الداخلي القائم آنذاك.وكل هذا جعل المفكر "دوفيز" يضع استنتاجه الآتي;وهو: إنّ «أوروبا تتطابق في الهوية أكثر فأكثر مع المسيحية... إنّ أوروبا هي حامل راية،وجندي المسيح. إن التصور الجغرافي لعصر الحملات الصليبيّة بسيط،لكنه منطقي:«أورشليم مركز العالم». القدس إذن «سُرّة العالم» والهدف المسيحي في هذه الحقبة يخضع للفرضية الآتية:بما أنّ «أوروبا بلاد المسيحيّين» فإنّ «إفريقيا وآسيا يجب تنصيرهما».الأصح كما يؤكد دوفيز «إعادة تنصيرهما ما دامت هذه الأراضي كانت جزئياً مسيحية في العصر القديم» يصعب الآن البرهنة على سلامة تلك الفرضية،فهي معرّضة للطعن من كل جانب.أولاً:لا تلزم النتيجة المطلوبة عن المقدمة الموضوعة(هل يجب تنصير آسيا وأفريقيا لأن أوروبا مسيحية؟).وثانياً: مهما حشدت الأسباب للقول إنّ آسيا وإفريقيا ينبغي «إعادة تنصيرهما»، فإنّ الأمر تمحّل محض، ذلك أنّ المسيحية لم تُعرف إلاّ في نطاق محدود جداً في هاتين القارتين قبل ظهورها في أوروبا. وتحديداً فإنّ مهد المسيحيّة كان الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. فإذا وضعنا في الاعتبار هذا التعسّف المقصود في الإساءة لتاريخ المسيحيّة المتحدّرة من أصول شرقية،فإنّ الحوار مع تلك الفروض يصبح ممتنعاً.إنها فروض مركّبة على مضامين اقتضتها ودفعتها إلى الأمام فكرة السجال اللاهوتي في القرون الوسطى،ذلك السجال الذي اعتاد أن يختزل كل شيء إلى فروض مستمدة من المنطق القياسي دون مراعاة لواقع المطابقة بين الموضوع والمحمول. كانت أوروبا تغادر حقبة العصور الوسطى ولم تفلح بعدُ في إضفاء صفة على شعوبها، لم تظهر كلمة «أوروبي»ولم تندمج الأعراق التي تستوطنها في هوية محددة،إلاّ الشعور الديني الذي يشكّل بطانة داخلية للتواصل الروحي.وكان هذا الشعور يتنازعه قطبان،كثيراً ما تداخلت وظائفهما وسلطاتهما:البابا والإمبراطور.
دخلت أوروبا العصر الحديث حينما طوّرت منظومة من الممارسات والأفعال والأفكار المتداخلة التي دُمجت معاً،ووُظّفت لتكوّن نسغاً حيّاً يجري في العروق التي جمدتها تناقضات العصور الوسطى.ومن خلالها بدأ الكيان الأوروبي،يظهر مؤثراً في العالم. ويعدد دوفيز ما يمكن اعتباره أهم العوامل التي أظهرت أوروبا بوصفها مكوِّناً متجانساً ومؤثراً:
1.اللغة اللاتينيّة.
2.الأدب القديم.
3.الانتلجنسيا التي بدأت منذ القرن الثالث عشر تدرس في جامعات متماثلة.
4.طبقات حاكمة لها الميول والأذواق نفسها.
5.البعثات الأولى إلى الشرق الأقصى في القرن الثالث عشر.
إذا نظرنا الآن إلى تلك العوامل،نجد أن فعاليتها تتجه في الأساس إلى إيجاد قاسم مشترك تتمحور حوله الذات الأوروبية. وكما هو واضح فإنّ الاهتمام انصبّ على النُظم الرمزية، وبخاصة الأدب الإغريقي والديانة المسيحيّة،وإعلاء شأن اللاتينيَّة لأنها الوسيط والحامل لتلك النُظم. وسرعان ما اقتضى الحال أن تُضفى القداسة على اللاتينيّة؛لأنها لغة الحقيقة الدينيّة،لغة الإنجيل،لغة اللاهوت،ولغة الكنيسة.ورافق الشوق إلى استلهام الماضي،الاهتمام بالحاضر،سواء في أوساط طبقة المثقفين أو الفئات الحاكمة،ثم المحاولات الأولى للتعرّف إلى «الآخر» بواسطة «الرحلات الأولى إلى الشرق».لكنّ التعبير الحقيقي عن أوروبا تأخر إلى نهاية القرن الخامس عشر،وكشف عن نفسه في ظاهرتين مهمتين،لهما أثر غاية في الأهمية في التاريخ الحديث:
1.الكشوف الجغرافية .
2.الثورة العلمية والفكرية.
الكشوفات حسب تودروف هي الحدث الذي دشّنَ وأسس هوية الغرب الحديثة،إذ «لا يوجد تاريخ أنسب لتمييز بداية العصر الحديث من عام 1492،العام الذي يَعْبر فيه كولومبوس المحيط الأطلسي،ونحن جميعاً - الكلام على لسان تودروف - الأحفاد المباشرون لكولومبوس،بقدر ما لكلمة «بداية» من معنى».فاعتباراً من هذا التاريخ يصبح الغرب يعيش زمناً جديداً «لا يشبه أي زمن آخر».فقد انكمش العالم وصار صغيراً.ارتهنت أوروبا كقوة بلذة الاكتشاف،ووصف «العالم الجديد»، بأنه «أمريكا»،ومنذ أن وطأت قدما الأميرال الأسباني «أمريكو فيسبوتشي»هذه الأرض،أُعلنت نسبتها إليه،أُلغي وجودها وتاريخها الذاتي، وأُعلنت ملكيتها بـ «التسمية»،وأصبحت علاقة هذه الأرض،بكل ما فيها،أشبه بعلاقة النوع بالجنس في الفلسفة القديمة.فمنذ «الاكتشاف»لا تُعرف هذه الأرض إلاّ بعلم معرّف بذاته. إنّ التسمية بذاتها تنطوي على ممارسة إقصاء فريد من نوعه.لقد انتسب هذا العالم،منذ اللحظة التي عرفه فيها الغرب إلى الغرب نفسه، وأُخمل أصله تماما.أيكون هذا الإجراء إيذاناً بالتعبير عن استراتيجية التمركز التي سترتّب علاقتها بالآخرين،بمقدار ما يندرج الآخرون في نطاق تصوراتها؟ الواقع،أنّ تلك التسمية الاستملاكية قد عُمّدت بالدم،شأنها في ذلك شأن أي اغتصاب، غايتهُ كما يقول تودروف، الاستحواذ والإخضاع،وذلك بـ«اقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري».هذا العماد بحد ذاته أول ما عبّرت به أوروبا عن وجهها الحديث لتأسيس هويتها. وتراجيديا اكتشاف أمريكا انطوت على هدف مزدوج:الإعلان عن الذات الغربية بالقوة، واكتشاف الآخر بالعنف الذي يماثل الاغتصاب،وكأن ثمن الشطر الأول من الهدف،لا بد أن يكون الثاني. أظهرت الكشوفات لأوروبا عالماً «ثرياً وخاملاً». وكما ازدوج هدف الاكتشاف،فقد ازدوج هدف الاستثمار،فقد رافق المستكشفين باحثون عن الذهب،وحاملون للإنجيل.الفئة الأولى غايتها نقل الثروة إلى أوروبا،وغاية الفئة الثانية بثّ الحيوية الروحية في ذلك «الخمول الوثني».وظهر تبادل غير متكافئ قوامه،كما يقول "ريجيس دوبريه":«ذهبك في مقابل إلهي.أعطني الدراهم وإليك المطلق،إنني أنهب، ولكنني أُهدي للحق». ومعلوم أن الكشوفات تمت تحت غطاء ديني،فكولومبوس يكتب إلى «البابا» أن رحلته ستكون «لمجد الثالوث المقدس ولمجد الدين المسيحي».وأنّ ما يفعله هو أمر«جليل ومن شأنه زيادة مجد ونمو الدين المسيحي المقدس» وهدفه «نشر اسم الرب المقدس وإنجيله في أرجاء الكون».وجملة ما ينتظره كولومبوس من ذلك هو «استخدام ما سوف يتم كسبه في ردّ الديار المقدسة إلى الكنيسة المقدسة»، ويخص الكاثوليكيين بالخير الوفير، قائلاً: «إنّ أخيار الكاثوليكيين فقط هم الذين يجب أن يكون لهم موطئ قدم هنا،بما أنّ الهدف الأول للمشروع هو دائماً نشر الصليب والعقيدة المسيحيّة».ولكن تحت هذا الغطاء كان يتم استنزاف كامل ونهب لم يسبق له مثيل لثروات البلاد المكتشفة،التي لم تلبث أن حُوّلت إلى مستعمرات. أفضى الفتح -الاكتشاف إلى شعور جارف بالتفوق والقوة، فالفاتح،سواء أكان مكتشفاً أم مقاتلاً أم باحثاً عن الذهب أم راهباً وجد نفسه في مواجهة منظومة قيم مغايرة لمنظومة القيم التي يحملها.فكلّ الأهداف التي عبر المحيطات من أجل تحقيقها غير مفهومة من أهالي البلاد،كما يظهر ذلك بجلاء في علاقة الشعوب بالفاتحين في كل مكان وصلوا إليه،ومثال ذلك حالة العداء المستحكم التي قوبل بها البرتغالي"دلبوكيرك"خلال طوافه المتواصل لحوالي عشر سنوات في سواحل الجزيرة العربية واليمن وعمان ثم الشواطئ الهندية، دون أن ينجح بصورة نهائية في الاستقرار بمكان ما، فكان الأسطول البرتغالي هو المكان المفضل له،يقطع فيه طرق السفن،ويستولي على حمولاتها من الفلفل وغيره،فيصادرها ويبعث بها إلى البرتغال في مطلع القرن السادس عشر،وفي الوقت نفسه يبدي في كل لحظة تعلّقا بالقيم المسيحية التي جعلته موجودا في هذه الأصقاع لنشر الفضيلة وخدمة الكنيسة منبع الخير الأبدي التي ينبغي أن تعم سلطتها العالم من أجل تطهيره من ذلك العفن الوثني كما يرى"دلبوكيرك" .وتنبثق المفارقة من التضاد الذي يسبب صدمة بين الأخلاقيات المسيحية المعروفة والعنف المبالغ فيه الذي يمارسه "دلبوكيرك" ضد المسلمين حيثما يراهم باسمها،كما يصور ذلك ابنه بالتبنّي في السجل الخاص والضخم لأعماله الكاملة في البلاد الشرقية. والحق فإنّ الاكتشافات الجغرافية وضعت ولأول مرة منظومات القيم في صراع مباشر. وتمخّض عن ذلك انهيار قيم وظهور أخرى،ومن وجهة نظر الفاتح الغربي، فإنه بقوته وحضارته وأهدافه قد اخترق سكون ذلك العالم الخامل.ولكنه في الوقت نفسه كان يقوِّض نظم العلاقات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية،دون أن يكون معنيّاً بالنتائج التي تترتّب على كل ذلك.لقد تم الإجهاز على المقومات الخاصة بتلك الشعوب والجماعات البشرية،وأُلحقت بنموذج غربي أصبح يغذّي تلك المناطق بالحياة،لأنه امتد بنفوذهِ إلى أعماقها، وسيطر على المفاصل الرئيسة فيها.كان كل شيء يرتبط بأوروبا التي أصبحت مركز العالم، والعالم غير الأوروبي يحيا بها. أما فيما يخص الثورة العلمية والفكرية فإن أوروبا خرجت من العصر الوسيط حينما أظهرت الانتلجنسيا إلى الوجود حساً جديداً من خلال الفن والأدب والفلسفة والعلم. وبدأت الرؤى والتصورات الجديدة تتعارض مع تلك الموروثة،وانحسر نفوذ الكنيسة في الأوساط الثقافية عمّا كان عليه من قبل،وأصبح الاتصال بالماضي اليوناني والروماني محكوماً بعلاقة متحررة من سلطة التقاليد والكنيسة،ثم تفجّرت الثورة العلمية التي استبدلت بكثير من المعتقدات أخرى جديدة، وأصبح العالم مجالاً للممارسة العقلية الغربية فـ«البنية الذهنية للأوروبيين لا ترتضي حقاً إلاّ بمبادئ واضحة وجلية تفضي بسلسلة استنتاجات إلى نتائج تفرض نفسها بجلاء». وفكرة الكونية،الداعية إلى عولمة القيم والثقافات والعلاقات الاجتماعية،بدأت تتخلى عن مضمونها الديني الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى،وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم.ويرى ديكارت أنّ البناء العلمي الذي تشيّده أوروبا من أجل العالم كافة،ومنفعة التفلسف لها أهمية كبيرة،لأنها وحدها «تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيّين».
صار الغرب مصدرا لمدنية جديدة،فيما وسم العالم الآخر بالتوحش والهمجية،وأصبح القول بـ«حيوية أوروبا» و«خمول العالم» شائعاً،فـ«أكاديمية علوم باريس» تؤكد في القرن الثامن عشر«أنّ أوروبا هي ما تغيّر وما يتغيّر بتقدم معارفنا» و«كل أجزاء العالم الأخرى هي في الجمود».ثنائية جديدة تحل محل ثنائيات تناسلت من بعضها قبل ذلك:في العصور الوسطى كان الإيمان يوضع قبالة الكفر،ومن قبل كان الرومان يوضعون مقابل البرابرة.وجاء الآن دور ثنائية الحيوية والخمول، والتمدن والتوحش.
يعبّر أحد الرحالة في القرن التاسع عشر عن هذه الفكرة بقوله إنه في آسيا لا شيء يتغيّر «آسيا هي الجمود،أوروبا بالعكس،تغيّر دائم»وأصبحت الثقافة ممارسة روحية وعلامة مميزة للمتحضرين، يؤكد هيغل هذه الفكرة بقوله:«في أوساط المتمدنين يسعى الإنسان إلى إعلاء قيمته بالثقافة الروحية، وذلك لأن تغيرات الشكل والسلوك وسائر المظاهر الخارجية لا تكون من نتاج الثقافة الروحية إلاّ لدى المتمدنين وحدهم».وتحتشد النتاجات الفكرية والأدبية بالثنائيات الضدية:المدني في تعارض مع الهمجي،الإلهي في تعارض مع الطبيعي،الروحي في تعارض مع الحسي،وهي تستعيد جميعها روح الثنائيات الضدية المترسبة في المخيال والعقل على حد سواء،والمتأصلة في الثقافة والتصورات العامة.
برزت أوروبا بوصفها مكوِّناً ثقافياً، وحيثما شاعت نظمها الفكرية والسياسية والاقتصادية تكون أوروبا.ويبدو وكأن الفكرة الرومانية يُعاد إنتاجها مرة ثانية، فقد اختزل العالم حضارياً لكي ينطوي تحت شمول أوروبا.فالفتح والكشف والتبشير والاحتلال كان ينتظم في سياق فكرة واحدة هي: بناء هوية أوروبا. وهذا البناء يلزم الإجهاز على المكوِّنات الحضارية القائمة في العالم، وإذا تعذر ذلك فاختزالها إلى أنماط معيقة لعلاقات جديدة تهدف إلى وحدة الإنسان والتاريخ،وحسب مونتسكيو، فإنّ «أوروبا لم تعد سوى أمة مؤلفة من أمم عديدة» ونشر الدين المسيحي يقوّي روابط هذه «الأمة»، فقاموس «تريفو» الصادر في عام 1771 يقول إنّ «أوروبا أصغر قارات العالم،لكن لها على الأجزاء الأخرى مزايا كثيرة:المزية الرئيسة هي:الدين الحقيقي الذي حفظته على النحو الأفضل والذي تنشره بشكل رئيس منذ قرنين في أجزاء الكون الأخرى».وفي الموسوعة التي أشرف عليها «ديدرو» و«دالمبير» يكتب «جوكور» في نهاية القرن الثامن عشر معرّفاً «أوروبا»، بأنها «تفرض نفسها بالمسيحية التي لا تميل أخلاقها الخيِّرة إلاّ إلى سعادة البشرية».وقبل ذلك كان «لامارتنير» يؤكد أن «أوروبا هي الجزء الأعظم بالدين المسيحي الذي أصبحت شطره الأثمن ونوعاً ما مورده». و«الموسوعة» التي أشرنا إليها، والتي اعتبرت أنموذجا للتنوير العقلي،تعدد فضائل أوروبا، وتختتمها بـ«المسيحية»،أما الأوروبيون في قاموس «تريفو».فتُنضَّد لهم الخصائص الآتية:«الأوروبيون هم شعوب الأرض الأكثر تهذّباً،الأكثر تمدّناً،والأحسن صُنعاً.يبزّون جميع شعوب سائر العالم في العلوم والفنون...في التجارة، في الملاحة،في الحرب،في الفضائل العسكرية والمدنية،إنهم أكثر بسالة، أكثر فطنة، أكثر كرماً، كثر نعومة،أكـثر اجتماعية، وأكثـر إنسانية».
إنّ فكرة «السمو الأوروبي» وفكرة «امتدادية أوروبا»وشموليتها، وفكرة «أوروبا مركز العالم» ستفرض نفسها في القرن الثامن عشر. بحيث تصبح أوروبا حسب دوفيز «الوسيط للتقدم الكوني» و«السيد المعطاء» الذي ينبغي على العالم أن يكون «معتمداً عليها سياسياً وتكنولوجياً» ذلك أنّ ما تهدف إليه الحضارة الغربية، كما يذهب توينبي هو «جمع العالم الإنساني كله في مجتمع كبير واحد، والسيطرة على كل شيء فوق هذه الأرض، وفي البحار والأجواء، التي ستصل إليها الإنسانية عن طريق التقنية الغربية الحديثة».
تضافرت إذن منذ بداية القرن السادس عشر مقومات ظهور الغرب الحديث المتمركز على نفسه،الذي سعى إلى تجاوز تناقضاته،بإعلان ضمني ومن طرف واحد:اعتبار العالم بأجمعه ميداناً للاستثمار الاقتصادي والفكري والسياسي.اقتضى هذا الهدف السيطرة على معظم ما كان يعرف بـ «العالم القديم»خارج «القارة». والكشف عن «عوالم جديدة»،وإلحاقها بأوروبا بالقوة،وتجاهل خصوصياتها وقيمها،وإعلان ولادتها طبقاً لطقوس كنسية.ولا غرابة أن يخلع كولومبوس على المدن التي «اكتشفها» في «العالم الجديد» تسميات مثل:سان سلفادور، وسانتا ماريا،أو اقتداء بملوك البلاط الإسباني وأميراته مثل إيزابيلا،وفرناندا وجوانا.مستعيناً بكل الموروث الديني والزمني لإضفاء أسماء جديدة على كل المناطق التي يمر بها، معلناً أنها من أملاك الكنيسة والملك الإسباني لأنها مُنحت الأسماء الصحيحة المعبرة عنها،وكذلك فعل "دلبوكيرك" في الشرق.فـ«إطلاق الأسماء على الأشياء يساوي امتلاكها».وحيثما وصلت الغربيون،أُعلنوا أنّ الهدف هو إدراج «العالم الخامل» في سياق التاريخ الإنساني الحيوي.وظهرت رسالة «الرجل الأبيض» مثلَّث الوجوه:الفاتح المسلح، والمبشر الديني،والباحث عن الثروة.
ترتّبت علاقات الأوروبي بغيره في ضوء علاقة جديدة.هي علاقة المتبوع بالتابع.وقد عبّر الأدب الروائي رمزياً عن هذه العلاقة الملتبسة على لسان «دانيال ديفو» في روايته «روبنسن كروزو» إذ يقوم «كروزو» الأبيض، بتعليم «فرايدي» الملوّن: التفكير والفهم والسلوك، ليوفّق في خدمته، خدمة الرجل الأبيض. وإذا وضعت تلك العلاقة تحت النظر العقلي لتحليل مكوِّناتها.نجد أنّ العلاقة بينهما كمتبوع وتابع تقوم على الركائز الآتية:قيم روحية وقيم فكرية وقيم سلوكية.أي أنّ الأبيض يلقن الملوّن: الدين والعقل والأخلاق.إنّ المتبوع يبشر بهذه القيم، كغطاء مخفف لواقعة التبعية ذاتها، أما التابع فيتلقاها لا لكي يحقق بها ذاته،وإنما ليخدم بها سيده،ويكون ماهراً في التعبير عن ولائه وطاعته. الكلمة الأولى التي يتعلمها التابع من المتبوع هي"نعم" بلغة السيد.الطاعة أولا. إنّ التبعيَّة تعني تفوق طرف على آخر،وهي تنظم العلاقات بناء على هيراركية (تراتبيّة) خطيرة تحجب معرفة الآخر، بقدر ما تحجب معرفة الذات على حقيقتها.


3.أصول التمركز الإسلامي

إنّ العودة إلى مرويات الثقافة الإسلامية(يقصد بالمرويات كل تعبير يقوم بوظيفة تمثيلية للمرجعيات الثقافية والعرقية،بغض النظر عن الصيغة)وبخاصة الجغرافية والتاريخية والدينية والتخيلية،وكتب الرحلات،طوال القرون الوسطى تبين بجلاء أن صورة الآخر مشوّشة،ومركّبة بدرجة كبيرة من التشويه الذي يحيل على أن المخيال الإسلامي المعبّر رمزيا وتمثيليا عن تصور المسلمين للعالم،قد أنتج صورا تبخيسية للآخر. فالعالم خارج الإسلام-كما قامت تلك المرويات بتمثيله- غفل،مبهم،بعيد عن الحق،وهو بانتظار عقيدة صحيحة لإنقاذه من ضلاله،ولا تخفى التحيّزات الخاصة بذلك التمثيل،فهي مكشوفة وواضحة،وكانت صورة الآخر الدونية مثار قبول واحتفاء في كثير من الأحيان لدى المؤرخين والجغرافيين،ولم يجر نقد معمّق لها، ولا كشف التنميطات الثقافية الجاهزة للآخر. كشف صورة الآخر في أعين المسلمين، خلال القرون الوسطى( هنالك اختلاف حول الدلالة الزمنية لهذا المفهوم بين المؤرخين بحسب الأمم والثقافات،كما هو معروف) لا يراد منه سوى تفريغ الأوهام المستبدة بنا،والتأكيد على ضرورة النظر إلى الماضي، وصورته في أذهاننا،نظرة تستبعد أية إمكانية لإغفال التدرج التاريخي الطبيعي للأمم،وهو يسهم، كما نرى، في وضع مسافة نقدية تمكن من كشف انخراط فهمنا التقليدي في عمل خطير،وهو يريد ألا نظل أسرى التطابق مع صور بعينها من الماضي ،إنما التفكير في نوع من الاختلاف ، وهذا الاختلاف يقتضي النظر للذات والأخر بعيدا عن التحيّزات الأيديولوجية الجاهزة.فالمركزيات تصاغ استنادا إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه المرويات الثقافية(الدينية والأدبية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأنثروبولوجية) للذات المعتصمة بوهم النقاء الكامل، والآخر المدنّس بالدونية الدائمة، فالتمركز هو نوع من التعلق بتصوّر مزدوج عن الذات والآخر،تصوّر يقوم على التمايز والتراتب والتعالي يتشكّل عبر الزمن بناء على ترداف متواصل ومتماثل لمرويات تلوح فيها بوضوح صورة انتقيت بدقة لمواجهة ضغوط كثيرة.
يلاحظ أن مصطلح "العالم الإسلامي" قد بدأ يحل محل" دار الإسلام" وهذا يتسبب في نشأة وضع آخر،وهو التفكير في البحث عن المصطلح الذي يمكن إطلاقه على" العوالم الأخرى"،فمادام قد غُطي هذا العالم بغطاء ديني،فما الذي يمنع من خلع أغطية مماثلة على العوالم الأخرى التي تشترك بالعقائد والثقافات واللغات؟ إلى ذلك فالمصطلح الجديد إنما هو تشكيل رمزي له القيمة الثقافية ذاتها التي كانت اللب المكوّن للمصطلح القديم، فشأن هذا شأن ذاك، لايمكن أن يُعبّأ بغير الأبعاد الثقافية.ومادام التفكير في ( الأنا) يتمّ في ضوء سلّم محكم من القيم الدينية،فمن الطبيعي أن يظهر (الأخر) المختلف.ولكن هل يمكن أن نكون أكثر دقة لو استخدمنا مصطلح" العالم الإسلامي" ؟ الواقع ينبغي التحسّب أيضا عند استخدام هذا المصطلح ؛ فهذا الوصف يشوبه نوع من عدم الدقّة من جهة، والتعميم من جهة أخرى. فهو لا يأخذ في الاعتبار ما تمور به هذه المناطق الشاسعة التي استوطنها المسلمون كأغلبية، أو شكلّوا في بعضها أقليات ضخمة،لها خصوصيات عرقية، ولغوية، وتاريخية.
ولم يكن المسار التاريخي للإسلام خاضعا بصورة كاملة لفهم مجموعة عرقية،أوحقبة تاريخية، أو منطقة جغرافية. فقد كان هذا المسار ولا يزال متصفا بتنوّع مميّز بحسب الأعراق والأقاليم،والثقافات .وهذا الوصف لن يُنقصه في شئ، إنما يضفي عليه حيوية لأنه يستجيب للبنية الاجتماعية الخاصة بالمؤمنين به كنسق ثقافي وعقائدي، ويتفاعل معها،بما يظهر إسلاما متنوعا. لقد بُذل جهد كبير للحفاظ على وحدة دار الإسلام خلال القرون الوسطى بوجه التحدّيات الخارجية والداخلية في محاولة لبلوغ أكبر درجة ممكنة من الوحدة الدينية والثقافية،لكنّ ذلك لم يتحقّق الاّ بعد التفكّك السياسي الذي لحق بتلك الدار، وخلال ذلك وقع تفاعل واسع المدى بين شعوب تنتمي إلى أرومات وثقافات وتقاليد مختلفة، وبرزت الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى إلى الوجود من خلال عملية التفاعل هذه، بل كادت تكون في الحقيقة نتيجة لها .
ليس من الحكمة الآن النظر إلى واقع (دار الإسلام) كما كان ينظر إليها حينما كانت قائمة بالفعل؛ولكن من المهم التأكيد على خاصية الوحدة المتنوعة بشريا وثقافيا لها،وتجنب تكريس المصطلح للتعبير عن دلالة رغبوية كامنة في الوعي الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحدّيات حقيقية، فينظر إلى الماضي نظرة شفافة تستبعد الخصوصيات التي أضفت على الإسلام الثقافي أبعادا خصبة في كل مكان وصل إليه. من الصحيح أن الإسلام كان عقيدة دينية، لكنّ مفهوم دار الإسلام كان يتأكّد وجوده من كونه عالما واسعا يشترك في تصورات ثقافية وأخلاقية متقاربة أكثر ممايمتثل لوحدة سياسية ودينية مطلقة.وكان هذا معروفا عند القدماء، وجرى التعامل معه كحقيقة واقعة.نريد من كل هذا التأكيد على أن العالم كمجال ثقافي سيبقى مضمارا للمنازعة والمدافعة، وقد تأخذ المنازعة أشكالا، وتنتظم في أهداف، لكنها تستعين بالمكون الثقافي-العقائدي كمنشّط في صراعها مع الآخر. مازلنا بعدين عن تصور حقيقي يمارس وظيفة فاعلة في دمج التكوينات الثقافية داخل أطر تفاعلية، تستبدل بالمساجلات الحوار.ومادام الأمر قائما فليس ثمة إمكانية حقيقية للتخلّص الآن نهائيا من التسميات التي تحمل معها مستنداتها الثقافية والدينية ، كـ"دار الإسلام" أو"العالم الإسلامي" أو "الغرب" وحتى "دار الحرب" فالمفاهيم والتسميات تعبّر عن حقيقية ظاهرة أو مضمرة،ولكن من المفيد التنبيه إلى ضرورة تفريغ دلالاتها القديمة.المفاهيم التي توجّه الأفكار لها سُنن تطور خاصة بها.ولايراد استخدامنا لبعضها موافقة لدلالاتها، إنما نهدف إلى تعديل الدلالات الموروثة فيها.
يشير مصطلح" العالم الإسلامي"الآن إلى ذلك المجال الشعوري الذي تتراسل فيه منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والعقائدية التي انبثقت عن القرآن،وعزّزت بفهم المسلمين لطبيعة الرسالة التي يتضمنها، وهو تراسل يتجاوز الانتماءات العرقية والثقافية والجغرافية، ولكنه لا يهملها ولا يتقاطع معها، ذلك أن الإسلام لم يضع أية شروط محددة للتوفيق بين العرق والعقيدة ،فهما انتماءان لا تعارض بينهما في المنظومات الدينية، يتوازيان ويلتقيان ويتماسان دون أن يلغي أي منهما الآخر، وهذا الأمر بذاته هو الذي يظهر إلى الوجود إسلاماً متعدد الأبعاد، يتم تلقيه وإنتاجه والتفكير به طبقاً للخصوصيات الثقافية والاجتماعية،لكن الإسلام كمنظومة قيم روحية وعقائدية عامة ينتظم في نسق واحد شامل، فهو يضم هذه التصورات، ويهضم الاختلافات والخصائص الثانوية، وذلك أمر شائع يفرضه واقع حال المسلمين المتصلين بأعراقهم الكثيرة،والمنتمين إلى هويات ثقافية متعددة،داخل إطار الثقافة الإسلامية العامة. وهذه الحقيقة دفعت محمد أركون لأن يحتج على برنارد لويس الذي يستخدم في كتبه مصطلح "العالم الإسلامي". ومؤدى اعتراض أركون يتمثل في أن هذا المصطلح إنما هو مفهوم شمولي وضبابي يغطي تحته عدداً كبيراً من المجتمعات والمجموعات البشرية المختلفة. وهذه الفئات والمجتمعات شديدة التنوع والابتعاد عن بعضها في الزمان والمكان. إنها من التباعد والاختلاف بحيث أن مفهوم "العالم الإسلامي" يفقد كل فعالية حقيقية ،وبالتالي فيصعب استخدامه دون أخذ احتياطات كثيرة.


3.تنازع المركزيات الثقافية: مجتمعات تقليدية ومجتمعات مدنية

يصعب تخليص صورة الآخر من الآثار المباشرة التي تتركها عليها الثقافة المتمركزة على نفسها،وقد كانت المركزية الإسلامية،ممثلة بدار الإسلام،ونظامها القيمي المعياري،هي الموجّه الأكثر فاعلية في صوغ ملامح تلك الصورة،وهي في عمومها صور رغبوية تتأدّى مكوناتها عن رغبة في تفخيم الأنا الثقافية الأمر الذي يقود إلى خفض قيمة الآخر.كان هذا التصور كامنا في صلب الحضارات القديمة والوسيطة،ولم تتمكّن الحضارات الحديثة من التخلّص منه بصورة تامة،إذ مازال فاعلا في توجيه المواقف والأحكام، وتحديد طبيعة المنظورات التي تنظر بها المجتمعات إلى غيرها؛ذلك أن العصر الحديث لم يفلح في التخلّص من مؤثرات الماضي،كما ينبغي ،وهو في كثير من الحالات يعيد بعث الصور والأحكام القديمة التي كوّنتها ظروف تاريخية مختلفة، فيبني عليها مواقف يرغب فيها، ويحتاج إليها في نزاعاته ذات الأوجه المتعددة،وعلى نحو خاص نزاعات الهويات الثقافية. ولئن ذوبت نزعات الحداثة والعولمة بعض التخوم الرمزية الفاصلة بين التجمعات القومية والعقائدية، وفكّت الانحباس التقليدي المتوارث فيها، فإنّها بذرت خلافا جديدا تمثله مفاهيم التمركز والتفوق والتفكير بسيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر،وهو أمر نشّط مرة أخرى المفاهيم التناقضية-السجالية التي تخمّرت في طيّات القرون الوسطى،وصارت تُبعث اليوم بصورة إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة.وينبغي التأكيد على أمر يكاد يصبح قانونا ثقافيا،وهو أن البطانة الشعورية-العقائدية،وهي تشكيل متنوّع من تجارب الماضي والتاريخ والتخيّل والاعتقاد واللغة والتفكير والانتماءات والتطلعات،تؤلّف جوهر الرأسمال الرمزي للتجمّعات المتشاركة بها،أقول إن تلك البطانة المركّبة تعمل على جذب التجمعات البشرية الخاصة بها إلى بعضها،وتدفع بها إلى قضايا حساسة وشائكة لها صلة بوجودها، وقيمها،وآمالها، وقد تتراجع فاعليتها التأثيرية في حقبة بسب ضمور فاعلية عناصرها، لكنها قابلة للإنبعاث مجددا في حالة التحدّيات والتطلّعات الحضارية الكبرى .ولا يُستبعد أن تُغذّى بمفاهيم جديدة تدرج فيها من أجل موافقة العصر الذي تتجدّد فيه.
وهذا هو الذي يبعث التفكير ثانية في الماضي الذي يصبح حضوره ملحّا حينما تشرف المجتمعات على حالات تغيير جذرية في قيمها وأخلاقياتها وتصوراتها عن نفسها وعن غيرها.ينبثق تفكير ملح بالماضي حينما يكون الحاضر مشوّشا،وعلى عتبة تحولات كبيرة أما بسبب مخاضات تغيير داخلي أو بفعل مؤثرات خارجية.تعيش المجتمعات الإسلامية حالياً ازدواجاً خطيراً تختلط فيه قيم روحية وقيم مادية،ولم تفلح أبداً في فك الاشتباك بين الاثنين على أسس عقلية واضحة. فالقيم الأولى حبيسة النصوص المقدّسة وحواشيها ،وقد آلت إلى نموذج أخلاقي متعال يمارس نفوذاً يوجّه الحاضر انطلاقاً من الماضي، أما القيم الثانية فقد غزت الحياة بشتى جوانبها، باعتبارها إفرازات مباشرة لنمط العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العصر الحديث، وبالتحديد بفعل المؤثر الغربي. وهكذا فقد اصطدمت وتداخلت جملة من القيم المختلفة في مرجعياتها ووظائفها، فلم تعد تلك المجتمعات قادرة لا على الدخول إلى قلب الحداثة ولا الانفصال عن الماضي. هناك زمنان يحملان قيماً ثقافية مختلفة يتواجهان في وسط هذا العالم الكثيف بشرياً: العالم الإسلامي (بوصفه منظومة ثقافية) الذي لم تستطع شعوبه أن تنجز فهماً تاريخياً متدرّجاً ومطوّراً للقيم النصيّة الدينيّة،بما يمكّنها من إدراج تلك القيم في صلب السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي،ولم تستطع في الوقت نفسه هضم كشوفات العصر الحديث في كل ما يتصل بالحياة والمشاركة فيها. وبعبارة أخرى فإنها لم تتمكّن من إعادة إنتاج ماضيها بما يوافق حاضرها، ولم تتمكّن أيضاً من أن تتكيّف مع الحضارة الحديثة المنبثقة أساساً من الغرب،وعلى هذا فقد انشطرت بين قيم متعالية وقيم غربية، وحينما دفعها سؤال الحداثة إلى خانق ضيق،طرحت قضية الهوية، كقضية إشكالية متداخلة الأوجه.فالقائلون بالهوية التقليدية المميزة قدّموا قراءة هشّة للإسلام تقوم على فهم مدرسي ضيّق له يعنى بالطقوس والأزياء والتمايز بين الجنسين والحلال والحرام والطهارة والتكفير والتحريم،والتأثيم الدائم للنفس،وحجب فعالية العقل المجتهد،والذعر من التحديث في كل شيء، وإخضاع الكون والبشر لجملة من الأحكام،التي يسهل التلاعب بها طبقا لحاجات ومصالح معينة،وإنتاج أيديولوجيا استعلائية متعصّبة لا تأخذ في الاعتبار اللحظة التاريخية للشعوب الإسلامية،ولا العالم المعاصر،ولا تلتفت إلى قضايا الخصوصيات الثقافية والدينية والعرقية للأقليات، وسعوا إلى بعث نموذج أنتجته تصورات متأخّرة عن الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام،نموذج يقوم على رؤية تقديسية للأنا وإقصاء للآخر،يحبس الإسلام في قفص ذهبي، دون أن يسمح له بالتحرّر من سطوة الماضي،وينخرط في التفاعل الحقيقي مع الحاضر.وحجبوا عن الإسلام القيم الكبرى التي اتصف بها كنسق ثقافي يقر بالتنوع والاجتهاد،ويحثّ على التغيير والتجديد..وهنا سوف يصطدم هؤلاء بحقيقة لا يمكن تذويبها، وهي:أنه ليس من الصعب فقط استدعاء نموذج أنتجته سجالات القرون الوسطى وفروضها وتعميمه على الحاضر،إنما من المستحيل تطبيق فهم مختزل وهامشي للإسلام،أنتجته العصور المتأخّرة، فهم يقوم على التمايز المذهبي، والتعارض الطائفي،والانغلاق على الذات، وتبجيل السلطة ،وتسويغ طاعتها،والتكفير،ونبذ الاجتهاد، وتجهيل الناس بحقيقة أحوالهم الاجتماعية، كل هذا ضمن نمط من الحياة والتفاعل والمصالح والعلاقات الاجتماعية التي تكاد تختلف كلياً عما كان شائعاً إبَّان تلك الحقبة التي يفترض أن النموذج المطلوب قد ظهر فيها. ليست هذه وحدها هي العقبة الكأداء، إنما ترافقها أخرى لا تقل أهمية،وهي أنه لا يمكن تبنّي نموذج لمجرّد الرغبة فيه، فذلك أدخل بباب المحالات،فلا بد من كفاءة وتنوع يفيان بالحاجات المتكاثرة للناس ،وفي جميع الأحوال لا يمكن تطبيق أي نموذج مستعار من الماضي لاستيعاب الحاضر، فالأحرى اشتقاق نموذج حي ومرن وواسع ومتنوع وكفء من الحاضر نفسه، يأخذ في الاعتبار كل أوجه الحاضر ، ويتجدّد بتجدّده، ولا ينغلق على نفسه،ولا يدّعي اليقين، ولا يزعم أنه يوصل إلى الحقيقة المطلقة،ويتفاعل دائماً مع المستجدّات الداخلية، ويتناغم مع حركة التاريخ بشكل عام. ويكون جريئاً في الحوار مع نفسه وغيره، ويتجنّب الانحباس داخل قمقم مغلق،ويترك للآراء والاجتهادات والرؤى أن تتفاعل فيما بينها، ولا يتّكئ على السجالات الكلامية والمنطقية، إنما يقدّم نفسه كنموذج مفتوح يُثرى بالاقتراحات والممارسات، ويفكّ نفسه من الأقواس التي تقيّده، فلا يدّعي أنه يقدّم الخلاص، ولا يعد بالنّجاة الكاملة.أما القائلون باحتذاء الغرب، واستعارة حداثته،والاندماج بعالم يمور بالكشوفات العلمية والفكرية والاقتصادية،باعتبار أن الغرب استكمل حلقة التحديث الأساسية، وأنجز التطوّر في معظم مجالات الحياة العملية، وضَمن للإنسان حقوقه كفرد وكمواطن وكفاعل اجتماعي،ورسّخ سنناً قانونية وحقوقية واجتماعية تحول دون إلحاق ضرر مقصود وعام بالمجتمع والفرد على حدّ سواء،فإنهم يتخطّون حقيقة لا تخفى، وهي: أن النموذج الغربي تولّد من نسق ثقافي خاص،وأنه نتيجة لتمخّض شهده الغرب منذ القرن السادس عشر الميلادي،وأنه أُشتّق من حالة الغرب الخاصة، وتكمن كفاءته في أنه زبدة ذلك الواقع،لأنه متّصل به اتصال الجنين بالرحم.وقد تطور استجابة لواقع الغرب الذي تجري محاولات من أجل تعميمه ليشمل العالم،بكل الصيغ الممكنة، ولكنّ ركائزه الأساسية مبنية على وفق الخصوصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية الغربية. وتكمن الصعوبة في تقليده ومحاكاته، ناهيك عن نقله وتبنّيه. وبافتراض إمكانية ذلك، فإنه سيكون في نوع من التعارض مع جملة القيم الموروثة التي أشرنا إليها. والحقيقة فإنّ التوتّرات القائمة في العالم الإسلامي حالياً،يتّصل كثير منها بالصدامات الظاهرة والضمنية بين النموذجين اللذين ذكرناهما. في النهاية لا يمكن تجريد نموذج من خصائصه الذاتية وفرضه على حالة مختلفة سواء أكان نموذجاً دينيّا مستدعى من الماضي أم نموذجاً غربياً مستعاراً من الآخر.الواقع يفرض نموذجه الخاص الذي لا يُشترط فيه التقاطع مع النماذج الأخرى،إنما التفاعل معها.ولكن تُشترط خصوصيته واختلافه.
ينطوي الكلام عن الحداثة،بالنسبة للمجتمعات الإسلامية،على مفارقة لايمكن تخطّيها بأي شكل من الأشكال، لأنها متصلة بسلسلة من التطلّعات الحالمة الخاصة بالتحديث من جهة، وبسلسلة مضادة من الإخفاقات الحاصلة في الواقع من جهة أخرى. وقد أصبح معروفا أن الحداثة الغربية قد أنجزت كثيرا من وعودها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية،وأن النقد يثار الآن حول بعض النتائج التي أفضت إليها الحداثة العقلانية، وليس إلى الشك في كامل منجزها الذي أحدث نقلة لايمكن إنكارها في البنية الاجتماعية بما في ذلك الفكر والعلاقات الاجتماعية والتطور التقني وحقوق الإنسان وغير ذلك، لكن القضية المثيرة للاهتمام هي أن المجتمعات الإسلامية لم تقترب بعد من هذا المخاض، ومازالت تتخبّط دونها، ولم تطوّر مفهوما خاصا بحداثتها؛لأنها لم تراكم معرفة عقلية- نقدية تمكّنها من الاقتراب إلى خيار الحداثة وما بعد الحداثة كمشروع لتغير البنى التقليدية في المجتمع والأفكار. وفي ضوء ثورة الاتصالات وطموحات العولمة والتفكير بعالم موحد الرؤى والآمال فإننا نعود أدراجنا شئنا أم أبينا إلى خوض غمار تلك التجربة مرة ثانية بأشكال جديدة قد تكون أشد مرارة هذه المرة. لقد فقدنا الفرصة التي عبرها كان يمكن أن ننجح في الوصول إلى ما نحتاج إليه فعلا، والحق فان الرهان المشوّه للتحديث الذي وصفناه قد بعث نسقا من التفكير المضاد، يقول بالاعتصام بالذات،وتشكيل هوية ثقافية خاصة وثابتة تسعى إلى بعث نموذج مستعار من الماضي ، بإلحاح من فكرة إننا بذلك النموذج نحقق الصفاء الكامل ،ونبعث الخصوصية ،وندرأ حالة الذوبان في الآخر. من الواضح أن هذا التيار وضع نفسه في تعارض لما هو قائم من آثار الغرب، وذلك يعني ضمنا أن المجتمع انشطر شطرين كل منهما يأخذ بمناقضة الآخر والحطّ من شأنه. ومهما أدرنا التفكير في المناحي المتعدّدة لهذه الإشكالية وقلّبناها على وجوهها فإننا لا نجد سوى التوتّر وسوء التفاهم بين التيارين، فكل منهما يصدر عن جملة من المسلّمات الأولية التي يعتقد بصحتها المطلقة ،وتغلغلت هذه الازدواجية في تضاعيف الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية، وضربت الإنسان في الصميم، فهو يجد نفسه على حافة خيارين ، ولم يفلح بعد في إدراج هذين الخيارين في إطار من الحوار والتفاعل ليصل إلى خيار ثالث مختلف عنهما لكنه غير متقاطع معهما، وهذا الخيار هو الذي نصطلح عليه (الاختلاف) بوصفه بديلا عن (المطابقة) التي هي امتثال سلبي للماضي والآخر معا.
إن كل معالجة تحليلية لسؤال الحداثة لايمكن لها أن تتجاوز هذه القضية، لأن ثقافة المطابقة قد أصبحت مرجعية لأنساق التفكير والتعبير في حياتنا بكل مستوياتها الأساسية، إذ في ضوئها تترتب شؤون الفكر. وفي حالة معقدّة مثل هذه يغيب التفكير النقدي الجذري، ويتراجع الإبداع الأصيل، ويحل محلهما الاقتباس الذي يقوم على التشويه والتلخيص والاستنساخ، وتحل ثقافة التجميع محل ثقافة الإبداع، ويتجه التفكير إلى البحث عن أصول حتى لو اقتضى الأمر تلفيق تلك الأصول، أصول قد تبعث من طيات الماضي أو تستعار من الآخر. إنها حالة من التوتّر التي يحدثها انتماء مزدوج إلى رؤيتين وعالمين وزمنيين ومكانين وثقافتين ونسقين من القيم في آن ؛ فيما الحداثة الفاعلة موقف فكري جديد، ورؤية فلسفية للنظر إلى الذات والعالم طبقا لمنظورات مختلفة عن المرجعيات التقليدية الموروثة والمرجعيات المستعارة من الآخر، وغايتها إعادة ترتيب الواقع والفكر طبقا لحاجات اللحظة التاريخية المتجدّدة فالحداثة المنشودة لاتقرّ بالثبات إنما تتطلّع دائما إلى التجدّد ،وبذلك تنتج فكرا يتحوّل باستمرار متخطّيا فكرة الهوية القارّة واليقين الثابت،وبهما تستبدل هوية ثقافية وقيمية متحوّلة ومنفتحة،تقر بنسبية علاقتها مع نفسها وتاريخها وفرضياتها بالدرجة نفسها التي تقر فيها بنسبية الهويات الأخرى،وتشكّل مضمونها من نسيج متنوع الموارد يقوم على فكرة الحوار والتواصل والتفاعل،ثم تقليب المفاهيم والنظريات والمرجعيات الموروثة والمستعارة على كل الأوجه والاحتمالات عبر ممارسة نقدية جريئة ، فبدون النقد تظل العلاقة مع المؤثرات الأخرى علاقة استتباع وخوف وقلق وتوتّر. إنّ التمعّن العميق في الثقافة الإنسانية لا يظهر وجود ثقافات كونية حقيقية محتكرة فقط من قبل ثقافة معينة،حتى ولو كانت تلك الثقافة هي الثقافة الغربية، فكونيّة القيم، واعتبارها نماذج فوق تاريخية وفوق وجودية إنما هي وهم يماثل أفكار أفلاطون، واعتراض الثقافة الغربية على أنساق ثقافية أخرى في العالم لا يتصل أساسا بموضوع عبادة القيم الكونية، إنما هو متصل بالمصالح الغربية التي تبشر بثقافة من طرز خاصة تخدم أهدافها، وبما أن معاني الأنساق الثقافية مختلفة، فمن الطبيعي أن يظهر عدم قبول للثقافة الغربية التي لها حيثياتها الخاصة بها، وعليه ينبغي علـى الغرب قبل أن يحقق الـعولمة الموعودة- كما يقـول لاتوش- أن يسأل عن : طبيعة الحضارة الغربية، بل وحتى تعصّبها في نظر الآخرين، فهنالك أشياء عديدة في الأخلاق والعادات الغربية تبدو شنيعة ووحشية في نظر المجتمعات غير الغربية، وإذا كانت هذه المجتمعات قد سمحت بها أخيرا، فإن ذلك عائد إلى أنه لم يكن لديها خيار آخر، ولم تستطع منع ممارسات شائعة في الغرب مثلما يستطيع الغرب منع الممارسات التي تبدو للغربيين غير محتملة . إن الشروط التي تتبلور العولمة تحت رعايتها تكشف عمق التناقض بين السياقات التاريخية والقيمية الخاصة بالثقافة الغربية المتمركزة حول نفسها،والسياقات التاريخية والقيمية للثقافات التقليدية.والاختيار بين ذوبان محتمل،وانكفاء أكثر احتمالا بدأ يتشكل في أفق التفكير.وكل اختيار حاسم من هذا النوع تسبقه عملية اصطناع أو بعث تواريخ أو صور رمزية ، لتسويغ الذوبان أو الانكفاء .
يصلح الماضي أن يكون ذخيرة لا تستنفد لكل ذلك،ففي حالات الحراك الكبرى، والخيارات الصعبة،تفتح جعب التاريخ،ويطلق سراح التصورات الخبيئة في طياته.وبمواجهة عناد يأخذ طابعا تاريخيا مصيريا،ينبغي التحذير من صور الماضي عبر نقدها،فالنقد يسهم ، مرة أخرى ،في تأكيد الحقيقة التي تغيب في مثل هذه المنعطفات، وهي أن الذات كانت مكونا عاما ومشتركا،تبلور في ظروف تاريخية معينة،وإن التحديات المعاصرة لا ينبغي أن توهم أحدا بالتفرد المطلق في الزمان والمكان.

الحالم
09-16-2007, 12:09 PM
(3)

العلاقة بين الروح وفلسفة الحضارة في التاريخ العالمي عند هيغل

يوسف سلامة

مما لاشك فيه أن (الخبرة الجدلية) ـ من حيث هي ذلك الحوار الدائب بين المتناهي واللامتناهى،أو بين الواقعي والمثالي ـ تجد تأصيلها النظري الكامل، سواء على مستوى) روح) في (ظاهريات الروح)، أو على مستوى (اللوغوس) في (علم المنطق) في تلك التحليلات الجدلية المطولة والمعمقة والمعقدة، والتي قد يصح إيجازها بأنها تبرهن على صحة )الكوجيتو أنا أفكر) من ناحية، وعلى فعالية (النظرة المثالية) إلى العالم من ناحية أخرى حين تنتهي (الظاهريات) إلى القول: (إن الفكر وجود)، أو (إن الذات هي الموضوع)، وحين ينتهي (علم المنطق) من تحليله لهذه الحقيقة الأخيرة إلى (أن الوجود ذات) أو إلى (أن الموضوع في حقيقته ذات)، فتكشف الخبرة الجدلية نتيجة لذلك عن أن الحقيقة التي تشكل صميم الجدل وجوهره الحي إنما هي (الذات) من ناحية، و (اللامتناهى) من ناحية أخرى، وإذا لم تكن )الذات واللامتناهى) سوى حقيقة واحدة تعرب عن نفسها بطريقتين مختلفتين، ولكنهما في حقيقتهما متطابقتان تطابقاً تاماً، فهذا يعني أن (الذات) تتلخص في إنكار (المتناهى( ونفيه وسلبه، وإذا لم يكن (للامتناهى) أن يهتدى إلى ذاته إلا (بوضع هذا المتناهى ورفعه )دونما انقطاع) أبداً، فإن هذا الوضع المستمر للآخرية الذي تقوم به الذات هو حقيقة الأنطولوجيا الجدلية وعصبها الحي، فـ (الآخرية) ليست إلا لحظة ضرورية لنمو الذات التي تضعها وترفعها. على أن ما تضعه الذات في مقابل ذاتها ـ وهو الموضوع ـ وما تطرحه المثالية بوصفه ضداً لها ـ وهو المتناهى ـ إنما هو تعبير حي عن حقيقة واحدة، وهي أن الذات ـ بما تنطوي عليه من إرادة ومعرفة وفكر ـ هي الجانب الحي في الصيرورة الكونية الشاملة، وأن ما عداها يتحدد بها مهما بدت الحوادث في بعض الأحيان توهم بأن (الذات) و (الفكر) يتحددان بعوامل خارجة عنهما. فالذات ـ وحقيقتها الفكر ـ هي النقطة الأرشميدية الحقة التي يرجع إليها في نهاية المطاف كل التحديدات والتعينات التي تضعها لتتعرف على ذاتها فيها إلى حين، لأنها لا تلبث أن ترفعها حينما تتبين أن مقاصدها الحقيقية تنّد عما وضعته وأنها لم تتعرف على ذاتها في ما وضعته إلا تعرفا جزئياً، فيستبين لها اضطرارها إلى المضي في (الوضع والرفع) إذا ما أرادت تحقيق الاهتداء إلى نفسها. هذه الحركة التي لا تعرف نهاية لها، والتي لا تكف عن وضع الآخرية ورفعها بالعودة منها إلى ذاتها، هي (المثالية) أو (النظرة المثالية إلى العالم( التي تعد كل ما هو في تقابل معها ضرباً من (التناهى) يجب رفعه بإحالته هو ذاته إلى جزء لا يتجزأ من حياة الفكر أو الذات في تطورهما إذا ما كان يجب له أن يكون ذا معنـى. فسلـــــــــــب (المتناهى) هو ما يخلع عليه معناه ودلالته إذ ما يلحقه نهائياً بالذات التي وضعته. فـ (المثالية) هي ذلك الجهد الخلاق أو تلك الطاقة المبدعة التي تسمح للفكر أو الذات بوضع الآخرية ورفعها. أو أن (المثالية) هي ذلك الجهد التصوري المنتج الذي يشهد على ارتباط (الحقيقة بالمفهوم) وعلى اتحاد (الفكرة بالواقع)، مما يشير إلى أن )المفاهيم) ـ وهي حقيقة الذات ـ والتي تبلغ أوجها في (الفكرة)، أغنى من الوقائع ويتعذر تفسيرها إلا بها لما في المفاهيم ـ وهي جوهر المثالية أيضاً ـ من فائض بوسعه وضع الواقع وتفسيره في آن معاً. فالمفهوم ـ وهو اتحاد الوجود بالماهية ـ وذروته (الفكرة) ـ وهي اتحاد المفهوم بالواقع- هما حقيقة الفعالية المثالية التي هي حقيقة النشاط الذهني والعقلي المبدع لآخريته، أو للواقع الذي تجسد (الفكرة) نفسها فيه بلا انقطاع. ولما لم تكن الفكرة تضع في آخرها إلا ذاتها، كانت فعاليتها في حقيقتها هي فعالية (الوعي الذاتي) إذ يحاول التعرف على ذاته في العالم فيكتشف في كل مرة أنه قائم من وراء ما يتطلع إلى التعرف على ذاته فيه. فحقيقة (الفكرة) في لحظة من لحظاتها قائمة في آخرها، أي في الواقع أو في الطبيعة، وذلك في أول مستوى من المستويات التي تجسد الفكرة نفسها فيها، على أن (الطبيعة( ليست إلا لحظة لابد للفكرة من أن تطويها أو ترفعها مثلما وضعتها لكي تهتدي إلى نفسها فيما يجاوز) الطبيعة) أي في (الروح) ذاته الذي هو ثمرة لارتداد (الفكرة) إلى نفسها من غربتها الأولى في (الطبيعة). وهنا يتجلى التقدم الجدلي بأوضح ما يكون: إذ يبرهن (السلب( ـ من خلال السلب وسلب السلب ـ على فعالية عظيمة تتخطى كل عقبة وتتجاوز كل محنة: فإذا كانت (الفكرة) في الأنطولوجيا الجدلية هي (اللوغوس) ثم تسلب نفسها فتصير )طبيعة)، فإنها عندما تسلب ذاتها ثانية (أي سلب السلب) لا تعود إلى ما كانت عليه قبل تحولها إلى )طبيعة)، أي إلى (لوغوس)، بل هي تتقدم إلى الامام إذ تتحول إلى (روح) . وهكذا يتكشف (السلب الجدلي( عن فعالية تدفع بحركة الواقع إلى الامام بلا حدود. إن تحول (اللوغوس) إلى طبيعة معناه تحول الروح إلى صورة (الآخرية) نتيجة لتحول) اللوغوس) من مفهوم يوحد بين الماهية والوجود إلى فكرة توحد بين المفهوم والواقع.

وبما أن الفكر من حيث المبدأ " هي سلب لذاتها من خلال كونها متخارجة في الطبيعة، فإن الطبيعة ليست خارجية بالنسبة لهذه الفكرة فحسب (وإنما أيضاً بالنسبة للوجود الذاتي للروح نفسه) بل هي متجسدة على اعتبار أن الطبيعة هي تعين للتخارج determiantion of externalityوما تكشف عنه الطبيعة في تخارجها هذا هو (الضرورة والعرضية وليس الحرية ) ومع ذلك فثمة نوع من الترابط بين أجزاء الطبيعة أو مراحلها إذ "يجب النظر إلى الطبيعة على أنها نسق من المراحل الواحدة منها تنشأ عن الأخرى بفعل الضرورة، وتكون الحقيقة القريبة لما صدرت عنه، ولا ينبغي النظر إلى ذلك على أنه تولد طبيعي natural engendering للواحدة عن الأخرى، بل أنه تولد داخل الفكرة الباطنية التي تكون أساس الطبيعة. وهنا يصبح التحول مطلباً للفكرة وذلك لأن التطور ليس بشيء سوى آخرية للشيء نفسه alteration of same ولما كان الروح هو آخرية الطبيعة، كان تطور الطبيعة يفضي بالضرورة إلى نسخها لذاتها لكي تعود الفكرة إلى ذاتها في الروح فتثبت بذلك لنفسها أنها إيجاب ذاتي أو سلبية مطلقة، ومع أن الطبيعة تتكون من سلسلة من المراحل التي تنشأ الواحدة منها عن الأخرى، فإنها مع ذلك تشكل " كلا عضوياً في ذاتها، وبعبارة أدق فإن الحركة التي تتكون عبرها سلسلة مراحلها مبنية من الفكرة وهي تضع ذاتها كما هي موجودة على نحو ضمني، أي أن الفكرة تعبر إلى نفسها بالنشوء عن مباشرتها وتخارجها الذي هو موتها.

وهي تفعل ذلك ـ من حيث المبدأ ـ كي تتخذ مظهر الكائن الحي ولترفع أيضاً هذه التعينية التي تكون فيها حياة فحسب. ولكي ترتقي بوجودها إلى مستوى وجود الروح، الذي هو حقيقة الطبيعة والهدف الجوهري لها Ultimate . والوجود الفعلي للفكرة. إنّ القضاء على تخارج الطبيعة والذي هو موتها لا يكون إلا باماتة هذا الموت نفسه. وهذا الموت الثاني إنما هو في حقيقته يقظة للفكرة وإدراك ذاتي أعمق لذاتها يفضي بها إلى التحول من طبيعة إلى روح. وما يدل على تحقق هذا التحول هو أن الهوية مع الكلية، التي تحققت هنا، هي رفع للتضاد أو التقابل الصوري بين الفردية في فرديتها المباشرة وبين كليتها. إنها على أية حال ، موت الوجود الطبيعي، والذي لا يزيد عن كونه جانباً واحداً، ولكنه فضلاً عن ذلك الجانب المجرد من هذا الرفع وعلى أية حال ففي فكرة الحياة الذاتية الفكرة هي على نحو ضمني الوجود المطلق في الذات للوجود بالفعل، فضلاً عن الكلية العينية، ومن خلال هذا الرفع لمباشرة حقيقتها reality فإن الذاتية تتطابق مع نفسها والتخارج الذاتي الأخير للطبيعة يكون مرفوعاً، بحيث أن الفكرة، التي ليس لها في الطبيعة إلا وجود ضمنى تصبح من أجل ذاتها، وبذلك تنتقل الطبيعة إلى حقيقتها، إلى ذاتية الفكرة، والتي موضوعيتها ذاتها هي المباشرة المرفوعة للفردية، أي الكلية العينية، وعلى ذلك فإن الفكرة توضع باعتبارها تمتلك الحقيقة التي تتطابق معها. أي الفكرة باعتبارها وجوداً متعيناً، وهذا هو الروح. ومع هذا التحول الأخير، تحول الطبيعة إلى روح، يتحقق للطبيعة كامل معناها لأن حقيقة الطبيعة روح، وهكذا نجح السلب الجدلي في أن يستخرج طبيعة من قلب (اللوغوس) وفي أن يولد روحاً من قلب الطبيعة من خلال المراحل المتعاقبة والمتطورة لنمو الفكرة التي هي وسيلة الروح في التعبير عن الذات وفي إحرازه لوعي ذاتي بذاته.

على أن اغتراب (اللوغوس) في الطبيعة من خلال اغتراب الفكرة فيها. ثم عودة الفكرة إلى ذاتها ـ بعد قهرها لغربتها ـ على هيئة روح، لا يعني أن الروح حدث متأخر يأتي على أعقاب حدث متقدم، بل الحقيقة هي أن الروح ماثل دوماً ومنذ البدء وأن جملة الفعاليات الفينومينولوجية والأنطولوجية، التي تحددت من خلالها طبيعة (اللوغوس)، ما هي في الحقيقة إلا فعاليات للروح ذاته، فالروح هو الافتراض المسبق الوحيد ليس فقط للوغوس والطبيعة، وإنما أيضاً للروح ذاته، وهذا يعني أن فعالية الروح هي الفعالية النهائية التي يستند إليها كل ما عداها، في حين أنها لا تستند إلا إلى ذاتها. وإذن فإن كل شيء يحدث داخل الروح وبواسطة الروح ذاته. وأما ما يستهدفه الروح من وراء كل هذه التحركات والمبادءات والفعاليات التي تبدأ منذ أن كان الروح لا يوجد إلا وجود البذرة أو الجرثومة، أي وجوداً بالقوة ، وحتى صيرورته آخر الأمر روحاً بالفعل، من خلال الفن والدين والفلسفة، فهو تحقيق الوعي الذاتي بالذات من خلال صيرورته قادراً على التعرف على ذاته في آخره أو في ضده. إن انقلاب الآخر إلى ذات أو التعرف على الذات في الآخر. وكأن الذات في بيتها، هو مطلب الوعي الذاتي فعلاً. وهذا الوعي الذاتي ، الذي يترجم الروح بواسطته عن نفسه لنفسه في شتى المستويات الأنطولوجية والابستمولوجية ـ وهي اللوغوس والطبيعة والروح ـ هو الفكرة .

إن الروح يظل في المؤخرة آمناً بعيداً عن التعرض لأي خطر، لأن الفكرة المبثوثة في العالم ـ في أرواح الناس وانفعالاتهم وعواطفهم ، وفي كل ما يخوضونه من حروب، وفي كل ما ينتجونه من فنون وآداب راقية وديانات سامية وفلسفات باقية ـ هي التي تخوض معركة الروح إذ يحصّل وعيه الذاتي بذاته من خلال المواجهات الكبرى بين البشر، ومن خلال الصدامات الشاملة بين الأمم، ومن خلال ما يبدعه البشر من صناعات وعلوم وفنون في أثناء استعدادهم لقضاء الواحد منهم على الآخر، أو على الأقل في أثناء استعداد الفرد والأمة للدفاع عن النفس في وجه أمة غازية تستهدف جعل الأمة المغزوة رهطاً من العبيد، أو جماعة تابعة محرومة من الإحساس الحقيقي بأن لها وعياً ذاتياً يخصها. ذلك أن الصراع الذي تخوضه الفكرة في سبيل تحصيل الوعي الذاتي للروح بذاته صراع جدى عماده المخاطرة بالحياة ذاتها. ولذا فإن الغلبة فيه تكتب دوماً لمن يمضي في الصراع إلى نهايته، للطرف الذي هو أعظم استعداداً لتقبل الموت ثمناً لوعي ذاتي مستقل يترجم عن نفسه بحرية للذات قد تكون تبعية الآخر. ولربما استرقاقه أحياناً، جزءاً لا يتجرأ منها والفكرة لا تنكص أبداً أمام خطر الموت، إنها على استعداد دوماً للمخاطرة بالحياة كي تحقق أعظم قدر من الحرية أو من الوعي الذاتي بالذات الذي يستشعر الروح من خلاله الخلاص والرضى والمتعة الأبدية التي يحصلها من صيرورته قادراً على التعرف على ذاته في ضده أو في آخريته على وجه الاجمال. وهذه المخاطرة بالحياة منطقية بقدر ما هي تراجيدية في آن معاً فهي منطقية لأن مقولة الفكرة مثلاً مفهوم منطقي خالص ونقى تماماً من كل ما ليس بنظري: غير أن هذه الصفة المنطقية البادية هي محصلة لسلسلة طويلة من التناقضات والصراعات التي يمكن وصفها فعلاً بأنها تشكل مأساة الفكر البشري وتترجم عن روحه الممزق، والفكرة كالفكر ذاته، ذات طابع قصدي، ولذا فهي دائبة السعي إلى تعمق ذاتها من أجل أن تحصّل معرفة أصدق عن ذاتها، وهذا ما يضطرها في كل مرة إلى الانخراط في فعل مأساوي جديد، لا ينفك بحال من الأحوال، عن الجدل ومتناقضاته. وإذ تتكثف سائر الكليات الأنطولوجية وتتوحد داخل المقولة الأخيرة في (علم المنطق)، وتقذف الفكرة بنفسها، وبصورة حرة، داخل الطبيعة فتفقد نفسها، أو هي على الأقل تغترب عن نفسها، وهي في الحالين تخاطر بوجودها وباستقلالها، لأن انتشارها في المكان والزمان ينطوي على تهديد جدى باضمحلالها إذا ما عجزت عن استجماع ذاتها من الكثرة التي انتشرت فيها نتيجة لتخارج الفكرة في الطبيعة: " فبينما السمة المميزة للفكرة المنطقية هي الوجود المباشرة والبسيط داخل الذات، فإنها بالنسبة للطبيعة التخارج الذاتي للفكرة. فالفكرة ـ وهي الوعي الذاتي للروح ـ تعبير متطور عن المدى الذي وصل إليه الروح في التعبير عن نفسه ووعيه بذاته، فالمنطق ـ وإن كان هو العلم النظري الحقيقي الذي يضطلع بصياغة المنهج الجدلي في أنقى صورة له، وما المنهج إلا التعبير العقلاني عن طبيعة الروح وحياته ـ فإن تحول الفكرة من المنطق أو الأنطولوجيا ـ حيث يكون وجودها وجوداً مباشراً لا فرق بينه وبين الذات لأن كل الوجود في هذه الحالة يكون موضوعاً داخل الذات نفسها ـ إلى الطبيعة ـ حيث تنجح الفكرة في التعبير عن نفسها خارج نفسها لأنها تتخارج إذ تنتشر في المكان ـ دليل على أن الفكرة قد مضت خطوة إلى الامام في اكتساب قدرة أعظم وأصدق في التعبير عن الروح وهو يحقق وعيه الذاتي بذاته. على أن التخارج الذاتي للفكرة في الطبيعة ـ أو فلسفة الطبيعة ـ ليس إلا خطوة على هذا الدرب الطويل، درب الجلجثة: طريق الآلام الذي لا مندوحة للروح عن سلوكه إذا ما أراد التعرف على ذاته على حقيقتها. فالطبيعة ـ أو فلسفة الطبيعة ـ ليست إلا جزءاً من حقيقة الروح " أما تطور هذه الحقيقة، فيستكمل فقط بفلسفة الروح بأكملها" إذ أن الفكرة في فلسفة الروح تستعيد هيمنتها على ذاتها لأنها تقضى على ما لحق بها من اغتراب نتيجة لتخارجها في الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة هي السلب الأول للفكرة وغربة الفكرة عن ذاتها. فإن التحول من الطبيعة إلى الروح، والذي تنجح الفكرة في تحقيقه، هو السلب الثاني أو سلب السلب الذي تستدمج الفكرة بفضله الآخرية أو الطبيعة وتحولها إلى جزء لا يتجزأ من الذات نفسها، وفي فلسفة الروح يتحول عمل الذات أو الفكرة ـ وهو سلب في جوهره أو ضرب من التحقق الفعلي للسلب ـ إلى ضرب من التموضع أو الموضعة أو إلى الفعالية التي ينجح بمقتضاها الروح في موضعة نفسه وإذا كان كل هذا النزاع أو الصراع الذي يتخذ شكل سلب تاريخي متعين هما إنما يقع في الروح وبالروح ومن أجل الروح، فهذا يعني (أن الروح في حرب مع نفسه وعليه أن ينتصر عليها بوصفها العقبة الرئيسية التي ينبغي عليه أن يقهرها. وهذا هو الموضوع الأساسي الذي تضطلع فلسفة الروح ببسطه وبشرح شتى جوانبه المختلفة.

على أن هذا الانتصار لا يتحقق للروح تحققاً مباشراً ، إذ الروح بطبيعته غير مستغن عن التوسط في إدراكه لحقيقته التي هي الوعي بالحرية، وإذا كان التوسط المنطقي يستند إلى التناقض والتقابل الذي يكاد يبلغ حد المأساة وصولاً إلى التركيب، فإن التطور بالمثل في مجال الروح يتسم هو الآخر بأنه (صراع قاس لا متناه للروح مع نفسه، وهو في ذلك مناقض للتطور الطبيعي السلمي. إن ما يستهدفه الروح هو التحقق بحقيقته وهي الوعي الذاتي بالحرية، وهذا يعني أن التوسط في مجال التاريخ ليس أقل أهمية ولا ظهور مما هو عليه في المنطق: ذلك أن التطور أو التقدم في التاريخ ـ كالمنطق تماماً ـ مرهون هو الآخر بالتوسط أيضاً ولكن إذا كان التوسط في المنطق يتحقق من خلال التناقض والتقابل بين الحدود، فإن فكرة الروح وحياته تتحقق في التاريخ " بتوسط الوعي والإرادة" فالفعل الانساني في التاريخ ـ الذي هو حصيلة حية للوعي والإرادة اللذين يستهدفان الحرية الشخصية، ولكن دهاء العقل يستخلص من رغباتهما شيئاً كلياً أشمل منهما هو حرية الروح بما هو كذلك ـ هو الذي يضطلع لكل عمليات التوسط التي يتحقق من خلالها التقدم أو التطور الذي يفضى آخر الأمر إلى إحراز الروح للوعي الذاتي بالحرية. إن تناقض الإنسان مع الطبيعة من ناحية وتناقض الإنسان مع الإنسان من ناحية أخرى، هو الفعل الذي تتحقق من خلاله كل الوساطات الضرورية التي تسمح للروح بالتقدم والتطور وبأن ينشر من خلال هذه الوساطات كثرته في التاريخ أيضاً، إن الحاجة إلى التوسط في التاريخ الذي يكشف عن مضمون الروح ذاته والذي يترجم عن نفسه من خلال الفعل، راجع إلى أن الروح يكون بادئ الأمر لا يتمتع إلا بوجود طبيعي يتعين عليه تحطيمه ليستبدل به وجوداً روحياً بفضل الوساطات التي يترجم عنها الفعل من خلال ما يمتلكه الانسان من إرادة ووعي: " فالروح يبدأ ببذرة لإمكانية لا متناهية، لكنها إمكانية فحسب، تشمل وجوده الجوهري في شكل غير متطور، بوصفه موضوعاً وهدفاً لا نصل إليه إلا في نتيجته، وهذه النتيجة هي تحققه الواقعي الكامل. ويبدو التقدم في الوجود الفعلي أنه سير من شيء ناقص إلى شيء أكثر كمالاً، لكن الناقص ينبغي أن لا نفهم فهماً مجرداً على أنه المفتقر إلى الكمال فحسب، وإنما على أنه شيء يتضمن نقيضه الصريح، أو ما يسمى بالكامل بوصفه بذرة أو دافعاً. وهكذا فإن الإمكان يشير نظرياً على الأقل إلى شيء يستهدف أن يصبح واقعياً بالفعل.

فالوجود العام للروح يتطابق مع كونه بذرة تنطوي على إمكانية لا متناهية تعبر عن الوجود الجوهري غير المتطور للروح. وهذا الهدف الذي يوجد وجوداً مباشراً أول الأمر في باطن الروح، يتعذر إدراكه أو تحقيقه، لأنه مباشر من ناحية، ولأن الوساطات الضرورية لم تتحقق بعد بحيث تكشف عنه إلى العلن من ناحية أخرى. ومع ذلك فإن هذا الوجود غير المتطور للروح، والذي يكون مباشراً أول الأمر، هو العلة الغائبة أو سلب السلب الذي يستمد الحركة كل إمكانها منه بعد استخلاص النقيض أو الأضداد المتعددة التي يتم حل التناقض أو التقابل بينها وبين المباشرة التي صدرت عنها في الحد الثالث الذي هو الغاية التي لا تكف عن التحقق. إن الإمكان الذي ينطوي عليه الروح، والذي هو أيضاً طريقة وجوده، هو كلية مباشرة لابد من تحطيمها بالكشف عما فيها من متناقضات وأضداد يسمح تفجيرها بدفع حركة الروح قدماً وباستخراج ممكناته الواحد بعد الآخر إلى أن تتحطم هذه الكلية المباشرة بفضل حركة متناقضاتها الباطنية.

والتقابل الرئيسي أو التضاد الأساسي داخل هذه الكلية المباشرة قائم بين الناقص والكامل . فالناقص ينطوي على ذاته، أي هو ينطوي على النقيض بشكل أقل نقصاً ولكنه ليس بالكامل في ذاته ولأجل ذاته، أي هو ينطوي على النقص بشكل ما. وهكذا يستمر هذا الجدل داخل الروح من خلال السلب وسلب السلب إلى أن يصل الروح إلى وعيه الذاتي بالحرية عندما يتعرف على ذاته في أضداده ، أو عندما يستشعر الهيمنة على الذات في الآخر، أي عندما يستشعر أن هذا العالم من صنعه هو، وأنه حصيلة لإرادته ولوعيه الذاتي بذاته. والتاريخ الكلي هو الذي يضطلع بعرض هذه الخبرة الروحية التي يتلخص مضمونها في الوعي بالحرية.

التاريخ العالمي خلاصة للتحققات العينية للسلب لأنه يبسط قصة الروح أمام الروح ذاته منذ أن كان كلاً جوهرياً لا تمايز فيه للجزئي والفرادى إلى أن نجح الروح بنشاطه الخاص في دحض هذه الكلية الجوهرية وجرد من نفسه نوعا من الموجود الفردى الذي استشعر ضربا من الوعي بالذات جسده على هيئة مبدأ جمالي، ولم تلبث هذه الفردية الجمالية أن تعمقت فرديتها إلى أبعد نقطة ممكنة في أغوار الفردية ذاتها فنتج عن ذلك أن تحولت إلى ما يشبه الكلية المجردة بعدما استبدلت بنفسها صيغا قانونية مجردة اتخذت منها معيارا لحياتها الشخصية والعامة، أي قاعدة لها وغاية في أن معا؛ غير أن الروح قد نجح في المرحلة الأخيرة من تطور التاريخ العالمي في استعادة الكلية العينية، أو هو قد نجح على الأصح في ابتداعها حينما وحد بين الفردية الجمالية، بعدما تم اغناؤها بالذاتية المسيحية، وبين الكلية في صورتها المتطورة في مركب أسمى هو كلية عينية ماهيته ذاتية تهتدى إلى نفسها في كلية هي بطبيعتها البيت الذي تحيا فيه الفردية والذاتية دون أن تستشعر أي قيد خارجي تصطدم به حين حين تتفاعل مع هذه الكلية. إنها المصالحة النهائية بين الزماني والأبدى، وبين الذاتي والموضوعي، أو بين الطبيعيتين الإلهية والإنسانية وعند هذا الحد من التطور الذي ينجزه لنفسه يكون التاريخ العالمي قد وصل إلى نهايته، ويكون الروح قد بلغ نوعا من الوجود الأبدى، الوجود المثالي، الوجود الذي يتأمل فيه ذاته من حيث هو طاقة فكرية محضة، من حيث هو فن ودين وفلسفة، فهل يكون التاريخ بذلك أكتمل او مات بصورة نهائية، ام أن الذي مات وانتهى شيء آخر غير التاريخ، وبالتالي كائن، غير الإنسان الذي ليس للروح أن يحقق أي شكل من أشكال الوجود إلا به ومن خلاله؟ تلك مسألة لا تصح مناقشتها والإجابة عليها إلا بعد الفراغ من بسط مفهوم التاريخ العالمي بسطا يسمح بالوقوف على ماهيته وعلى نطاقه وحدوده أيضاً.

إن ماهية التاريخ العالمي تكمن في ذلك المركب الفريد الذي يوحد بين العناصر الأساسية السلب، أي العنصر الإبستمولوجي والعنصر الأنطولوجي، وأخيراً عنصر التحققات العينية الذي يوحد توحيدا جدليا بين العناصر المنتجة للسلب من خلال مفهوم الحرية – وبالأحرى من خلال فعل الحرية الذي هو فعالية منتجة وواضعة وليس عملا من أعمال التأمل فحسب – هذا المفهوم – أي مفهوم الحرية- هو من الناحية النظرية التركيب الحقيقي بين الروح والفكرة، لأن الحرية صفة للذات، والذات هي حقيقة الروح والفكرة، ومن ثم فإن الحرية هي حقيقتها الجدلية؛ ومن الناحية التطبيقية فإن مفهوم التغير – وما ينطوي عليه من مقولات فرعية كالتطور والتقدم والتجدد ـ ومفهومي الأمة والدولة تعد جميعها ضربا من النمو العيني أو التحقق الفعلي لمفهوم الحرية في العالم؛ وإذا لم تكن الحرية تشير في النهاية إلا إلى الذات ـ والسياق هنا يدل على الذات الكلية القائمة من وراء كل ذات جزئية – وكانت الذات تدل الروح على الروح الكلى الذي لا انفصال له عن ماهيته، أي عن الحرية، لم يكن العنصر الذي يتحقق من خلاله التاريخ العالمي إلا التحقق الفعلي للروح في كامل باطنيته وخارجيته على حد سواء. إن التاريخ العالمي هو المحكمة التي يصدر فيه الحكم بسبب من كليته المطلقة، فالجزئي ـ أي آلهة المنزل والمجتمع المدني والأرواح القومية في تحققها الفعلي المنوع Variegated- ماثل فقط باعتباره شيئاً مثاليا asonlyideal كما أن حركة في هذا العنصر هي ما تتجلى من خلاله هذه الحقيقةFact فالكلّى هو حقيقة التاريخ العالمي، أي الروح الذي يتحقق تحققاً حراً من خلاله الجزئيات التي لا توجد إلا وجوداً مثالياً، أي وجود لا يخرج عن ملكية الروح أو عن ملكية الفكر والذهن الذي وجود الأشياء جميعها بالقياس إليه ليس إلا لحظات برفعها إذ يطويها في باطن ذاته ويردها إلى الأصل الذي صدرت عنه كلما عاد الروح إلى ذاته في نهاية كل تخارج أو تحقق فعلى له خارج ذاته. ولما لم يكن ثمة شيء خارج الروح، لم يكن الروح يحقق ذاته إلا داخل ذاته بقوة السلب اللامتناهية أو بفعل الطاقة الذاتية التي يمتلكها على رفع أحواله المتعاقبة واستدماجها بلا انقطاع في صميم ذاته الحرة. ولما كان من المتعذر وجود الحرية منفصلة عن العقل وكان عقلا بالفعل، وكان العقل موجودا صراحة بالنسبة لذاته في الروح منفصلة عن العقل وكان الروح عقلا بالفعل، وكان العقل موجودا صراحة بالنسبة لذاته في الروح بوصفه معرفة، فإن التاريخ العالمي هو التطور الضروري للحظات العقل وللوعي الذاتي والحرية والروح عن مفهوم حرية الروح فحسب. وهذا التطور هو التأويل والتحقق الفعلي للروح الكلي وهذا يعني أن التاريخ العالمي ليس حكما للقوة المحضة، أي الضرورة المجردة وغير العاقلة لقدر أعلى وهذا يرجع لكونه معقولا ولا مفهوما نتيجة لكونه تحققا للعقل الذي يمثل الفعالية الماهوية للروح إذ يكشف الروح عن نفسه بوصفه معرفة، وبخاصة بوصفه معرفة للذات فالروح في صميمه عقل بالفعل، والعقل على وعي بوجوده الذاتي الصريح في الروح بوصفه معرفة، وربما أن التاريخ العالمي هو قبل كل شيء تاريخ للروح، فإن هذا التاريخ لا يعود سوى التطور الضروري، للحظات العقل أو للحظات الوعي الذاتي وحرية الروح. وما تطور هذه اللحظات جميعها عن مفهوم حرية الروح إلا( التأويل) أي الفهم والفض والكشف والتعبير عن الروح الكلي، هذا الفهم أو التأويل الذي يبلغ ذروته في التحقق الفعلي الروح الكلي. ذلك أن الجدل لا يعرف الفصل بين المعرفة والعمل ولذا فإن المعرفة وجود مثلما ان الوجود ذات ومن هنا فإن ماهية الشيء هي تاريخه، مثلما أن ماهية الموجود لا تخرج عن فعله الذي يضطلع هو ذاته فيه بإنتاج ماهيته الذاتية. ولذا فإن تاريخ الروح هو فعله الخاص Its own act والروح ليس إلا ما يعمل، وعمله أن يجعل من ذاته موضوعا لوعيه.

وعمل الروح في التاريخ هو أن يحرز الوعي بذاته من حيث هو روح، وأن يعرف ذاته من خلال تأويله لذاته بذاته. وهذه المعرفة هي وجوده ومبدؤه، واكتمال المعرفة في إحدى المراحل هو في الوقت نفسه دحض لتلك المرحلة وتحوله له إلى مرحلة أسمى من سابقتها. وبصيغة مجردة، أن الروح العارفة بهذه المعرفة مجددا، أو العائد إلى ذاته من دحضه للمرحلة الأدنى من المعرفة هو روح المرحلة الأعلى من تلك التي كان الروح عندها في معرفته السابقة هذه هي الخبرة الفينومينولوجية او الإبستمولوجية التي ينخرط الروح فيها بالعمل فلا يلبث أن يكتشف أن العمل معرفة أو هو على الأقل يؤدي إليها. وإذا كان عمل الروح هو صناعة للتاريخ – أو استحداثه للعمران بكل ما في الكلمة من معنى – فإن المعرفة ليست إلا علم الروح بأنه هو الذي ينتج هذا العمران من ناحية، وبأن ماهيته قائمة في وعيه بأن ما ينتجه ليس إلا ذاته. وهذا هو الوعي الذاتي الذي هو الشرط الجوهري لكل عمران، ولكل معرفة على حد سواء. فعمل الروح معرفة مثلما أن معرفته عمل. وإذا كان الروح – على مستوى الوعي الإنساني في الخبرة الإبستمولوجية ينتج السلب في كل مرة استطاع أن يرفع متناقضات مرحلة معرفية بأكملها وتقدم، على سبيل المثال، من الوعي إلى الذاتي إلى العقل، فإن الروح الكلي يمر بتجربة مماثلة في التاريخ العالمي. وبما أن الروح يتخذ من ذاته موضوعا لذاته – أي أن الوعي الذاتي هو الركيزة الأساسية في حياة الروح – فإن التاريخ – وهو تاريخ الروح بالدرجة الأولى هو الإهاب الذي ينتح فيه الروح ذاته ويتعرف فيه على ذاته أيضاً، فإنتاج الروح لذاته ما هو إلا المعرفة بذاته، لأن العمل الحق هو الذي يفضي آخر الأمر إلى جعل الذات موضوعا لذاتها. وقدرة الروح على معرفة ذاته هي وعي بما عمل، ولذا فإن التداخل بين المعرفة والعمل، أو بين العلم والممارسة، هو الطابع المميز لكل تفكير جدلي أصيل. فالوعي هو الذي يدفع بالذات إلى ما وراء ذاتها، وهذا الوعي ليس تأمليا فحسب لأنه ينطوي على الفعل أو العمل، على تلك المقاومة التي تلقاها الذات حين لا تتعرف على ذاتها في موضوعها في المستوى الوصفي أو السلبي للمعرفة، المعرفة القائمة على التلقي والإذعان للمعطى، فلا تجد بداً من تغييره أول الأمر ثم تدميره، وأخيراً سلب هويته الغائبة سلبا تاما تمهيدا لخلع هوية الذات عليه، أي منحه القيمة والوجود. وفي الوقت الذي تنجح فيه الذات بالنفاذ إلى موضوعها إذ تلحقه بهويتها الذاتية تكون قد تعرفت على موضوعها، او بالأحرى تكون قد تعرفت على ذاتها فيه وفي الوقت نفسه تكون قد نسخته ومضت إلى ما ورائه. فالمعرفة فعل وليس تأملا فحسب، وهي أيضاً تقدم بالذات وبالموضوع المعروف من حال للذات إلى حال أسمى من سابقه. وهذا هو على وجه الحصر جوهر ما يحققه الروح الكلي في التاريخ العالمي أيضاً. وكون المعرفة لا تنفصل عن الفعل، من وجهة النظر الجدلية، أمر يميز الجدل عن سائر الفلسفات التي تكتفي بالنظر إلى المعرفة على انها وصف للمعطى واستسلام له آخر الأمر إن الارتباط الذي يقيمه الجدل بين المعرفة والفعل هو الذي يسمح بالوقوف على ما للعنصر المعرفي من دور حاسم في تطور عملية السلب داخل التاريخ، ذلك أن اكتشاف الوعي للمتناقضات هو ( فعل رفعها) مثلما أن فعل رفع المتناقضات هو (الوعي بالمسافة التي ما تزال تفصل الوعي عن حقيقته). أما العنصر الأنطولوجي في التاريخ العالمي، فيكشف عن نفسه من خلال تلك الكلية الجوهرية التي تستند إليها الأمة في قيامها، والتي لا تكف عن التخصص والتعين بشكل متساوق مع تطور الأمة وتحولها من طور إلى آخر عبر الصيرورة الروحية الشاملة لهذه الأمة. على أن العنصر الأنطولوجي لا يكون كلية جوهرية إلا في عمومه، أي من حيث هو مبدأ أو بذرة عامة تخرج منها الممكنات من حيز القوة إلى حيز الفعل غير أن هذه الكلية الجوهرية أو البذرة العامة عندما تكون أساسا لأمة بعينها، فإنها تستحيل إلى مبدأ جزئي متعين تستمد منه هذه الأمة خصوصيتها وما يميزها عن سواها من الأمم، وتقوم في هذه الحالة بدور المبدأ الطبيعي والروحي الذي يفسر حياة هذه الأمة، أو الذي لا سبيل وتطور الروحي والمادي لها أو لغيرها من الامم إلا بالاستناد إلى هذا المبدأ عينه. على أن هذه الكلية الجوهرية، التي تستحيل إلى مبدأ متعين وجزئي وعندما يكون الامر متعلقاً بأمة محددة ما هي إلا لحظة جزئية ـ ولكنها ماهوية ـ في مسيرة العمل الكلي للروح العالمية : " ففي مسيرة هذه العمل، عمل الروح العلمي، تنهض الدول والأمم والأفراد مدفوعة بمبدئها المتعين الجزئي الذي يجد تأويله وتحققه الفعلي في دساتيرها وفي المستوى الكلي لحياتها ووضعها وبينما يكون وعيها محدداً بدساتيرها ومستواها الكلي وتكون مستغرقة في مصالحها الدنيوية فإنها تكون في استمرار أدوات غير واعية للروح العالمي الذي يفعل من خلالها فضلاً عن كونها أعضاء له وبينما تضمحل الأشكال التي تتخذها، فإن الروح المطلق يتهيأ وينجز انتقاله إلى مرحلته اللاحقة والأشد علواً. "ولو صح القول أن العنصر الأبستمولوجي في السلب يحيى من خلال انغماس الوعي في المتناقضات وأخيراً من خلال قدرته على رفع هذه المتناقضات بالمضي إلى ما ورائها والانغماس في غيرها، فإنما يصح قوله عن العنصر الانطولوجي في السلب، والذي يتخذ في ظهوره شكل مبدأ جزئي متعين، هو انه ذلك التناقض المعين أو تلك القوى أو الطاقة الجدلية التي يضطلع باطلها بتعيين هوية الأمة الذاتية بالنسبة لتلك الأمة التي تستند في وجودها إلى هذا المبدأ الجزئي المتعين، بينما يكشف ظاهرها أو تجلياتها إلى العلن عن الكثرة التي تنطوي عليها هذه القوة علماً بأن الكثرة هي التعبير الصادق عن الوحدة في حين أن الوحدة هي التعبير الزائف عن نفسها إذا لم تنجح في نشر كثرتها أو تحويل ممكناتها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

على أن التحليل الجدلي يحيل هذا المبدأ الجزئي المتعين إلى كلي ويرقب حركة انقسامه على ذاته وحركة عودته إلى ذاته من خلال التركيب وفي النهاية لا بد لصيروة حياته من أن تبلغ ذروتها، وعند هذا الحد من التطور الباطني لهذا المبدأ، والذي لا يكف عن التجلي في الخارج في مجمل تاريخ الأمة يفقد هذا المبدأ حيويته أو ما فيه من دافع حيوي خلاق ويكف عن أن يكون مبدأ إبداعياً يستطيع انتاج التطور والتقدم والتجدد فيسقط وينهار، وبسقوطه وانهياره تسقط أمة وتنهار ثقافة وتطرد جميع منجزاتها إلى الذاكرة بغير أن يستبقى المبدأ الجديد الذي يخرج من قلب المبدأ القديم إلى الجوانب التي ما تزال فعالة وحية في ذلك المبدأ القديم، ولكن بعد أن يعيد إنتاجها ويخلع عليها هوية المبدأ الجزئي الجديد الذي سيسود بدوره إلى حين. إن قصة حياة الروح هي قصة التاريخ العالمي، وماهية التاريخ العالمي قائمة في تلك (السلوب) المتعاقبة والمتداخلة التي كانت قادرة دوما على إبقاء الروح حيا ومتطورا ومتقدما ومتجددا. ولئن لم يكن السلب إلا المتناقضات والوعي بها – أي الانطولوجيا والإبسستمولوجيا على التعاقب – فإن التحقق العيني للسلب من خلال التاريخ العالمي قد اجتاز أربع مراحل أساسية في كل منها تكثف عدد ضخم جداً من المبادئ الجزئية والمتعينة التي استند إلى كل منها أمة في قيامها وتقدمها. وكل مرحلة من هذه المراحل الأربعة أو كل عصر من هذه العصور الأربعة قد انطوى على جملة من المبادئ الجزئية والمتعينة المشتقة من مصدر واحد، والتي شكلت في مجموعها عصر، أو بالأحرى روحا لعصر بأكمله لا تفسر هذه المبادئ إلا به مثلما انه هو لا يفسر إلا بها أيضاً. فالعصور الأربعة أرواح ساد كل منها في حقبة بعينها فجاءت كل حقبة مطبوعة بطابع روح عصر بعينه قد سيطرت فيه على الإنسانية – أو على الأمم الفعالة في ذلك العصر أو تلك الحقبة – مجموعة من الأفكار والرؤى والتصور هي بمنزلة الذات من مجموع ما أنتجته من عمران أو ما أبدعته من حضارة مادية وقيم روحية ومبتدعات مثالية قد تم التعبير عنها في فنون تلك الأمم وأديانها وفلسفاتها. فالأمم الشرقية مثلا قد قامت على مبدأ مشترك يجمع فيها بينها. ولذا شكلت بمجموعها عصرا محدد المعالم واضح القسمات. وهذا المبدأ بمنزلة الذات من العصر بمجمله. عير أن هذا المبدأ المشترك على إطلاعه هو كلية جوهرية قد تخصصت في كل أمة فاتخذت شكل مبدأ جزئي متعين ميز الأمم عن بعضها داخل الواحد – وهذا هو التعين الذي ينتج التمايز والتناقض – بينما حافظت الكلية على الوحدة والاستمرارية، أو على الهوية المشتركة لروح هذا العصر، الهوية التي تسمح بوصف عدد من الأمم أو الثقافات بأنها تنتمي إلى أصل واحد او إلى مبدأ واحد هو (الشرق) على سبيل المثال. على أن بعض التصحيح هنا قد يكون ضروريا في صياغة الأفكار السابقة: ذلك أن الحقبة الممتدة من الإمبراطورية الصينية حتى مصر وفارس حقبة متطاولة في الزمان وتغطى رقعة شاسعة في المكان وعلى الرغم من أن ثمة مفهوما واحداً أو ذاتا واحدة تغلغل فيها جميعا، فإن هذه الحقبة غنية ومتنوعة إلى الحد الذي لا تكاد كلمة (العصر) معه تقول ماهيتها.

أن كلمة( العالم) هي الوصف الأكثر ملائمة لمراحل التاريخ العالمي الأربع التي تبسطها (فلسفة الحق) باعتبارها المراحل الأساسية لتاريخ العالم. أو بالأحرى تاريخ الروح الكلي. وفلسفة الحق ذاتها تسير على هذا المنهج عندما تقرر أن الصيرورة الروحية الشاملة قد مرت في أربعة عوالم أساسية هي العالم الشرقي، والعالم اليوناني، والعالم الروماني، والعالم الجرماني، وكل ما قيل عن العلاقة بين الكلية والتعين، أو الهوية والتمايز داخل العالم الشرقي ينطبق على العوالم الثلاثة الأخرى دون استثناء. وتطور الروح في التاريخ العالمي صورة لانطباق المنهج الجدلي على احد موضوعاته الأساسية وهو التاريخ، وبالأحرى هو صورة لانطباق الروح على ذاته طالما أن المنهج ليس إلا الحياة الباطنية للروح الذي ينتج مضمونه، بحركته الخاصة، عندما تبلغ هذه الحياة حدا معينا من تطورها عندها يتحول الكم إلى كيف تحولا مفاجئا، مثلما تستخرج الصورة – وهي المنهج ذاته – مضمونها من ذاتها، وبالأحرى انها تنكر ذاتها فتستحيل هي ذاتها إلى مضمون لذاتها وكما ان المنهج الجدلي يسير من الكلية إلى الجزئية إلى الفردية، او من الجوهرية إلى الذاتية على الإجمال، كذلك أيضاً فإن الروح في التاريخ العالمي يتبع إيقاعا مماثلا في تطوره، أي من الكلية والجوهرية إلى الذاتية والفردية استناداً إلى مبدأ السلب الذي يتمتع بتطبيق شامل داخل النسق الجدلي بأكمله. وإذ ينخرط الروح في إنتاجه لذاته أو في وضعه لوجوده من خلال خلقه لذاته داخل التاريخ العالمي، فإن الروح في تجليه الأول يتخذ كمبدأ له شكل الروح الجوهري، أي شكل الهوية التي تكون الفردية مستغرقة فيها، في ماهيتها وفي مزاعمها التي لا تكون إدراكا صريحا أما المبدأ الثاني، فهذا هو الروح الجوهري المفعم بالمعرفة بحيث يكون الروح في أن معا المضمون الإيجابي والمحتوى الخاص بذاته وكذلك الوعي الذاتي awareness- self الفرد الذي هو الصورة الحية للروح. وهذا المبدأ هو الفردية الأخلاقية بوصفها جمالية as beauty. وأما المبدأ الثالث، فهو التعمق الباطني لهذا الوعي الذاتي الفردي وللمعرفة حتى يصل إلى الكلية المجردة ومن ثم إلى التعارض اللامتناهي مع العالم الموضوعي الذي يصبح من خلال العملية نفسها روحاً مهجورا.
أما مبدأ التجسد الرابع، فيتمثل في الرجوع من هذا التعارض بحيث يتلقى الروح في حياته الباطنية حقيقته وماهيته العينية، بينما يكون في الموضوعية مهيمناً على ذاته ومتصالحا معها وهكذا فإن الروح المرتد إلى الجوهرية التي بدأ بها هو الروح الذي عاد من التعارض اللامتناهي والذي ينتح حقيقته ويعرفها بوصفها فكرا وبوصفها عالما من القوانين الفعلية "وواضح من هذا المسار أن ثمة نزاعا أساسيا يخوضه الروح ضد نفسه لا يستهدف من ورائه إلا إحراز الوعي بالذات من ناحية، وقهر الآخرية أو الموضوعية التي يضعها الروح بنفسه لينمو عليها حين يؤكد ذاتيته اللامتناهية في مقابلها من ناحية أخرى. وما عوالم الروح الأربعة – أو رجوعه إلى ذاته – إلا درجات لوعي الروح بذاته تبدأ عند الجوهرية المطلقة وتنتهي بأسمى درجة للذاتية بوسع الروح أن يبلغها، وهي ضرب من الذاتية المطلقة التي تنتفى في مقابلها كل فعالية للآخرية لأن الروح يكون قد عقل كل لا معقوليتها فأحالها بذلك إلى بعد حقيقي لذاته لها أي استقلال أو قيام بالذات في مقابله. فتنامى السلب هنا. الذي يتجلى من خلال قدرة الروح على الانتقال من عالم إلى عالم آخر تكون فيه الذاتية أعمق وأوضح، هو الشاهد على أن الروح قد تحول من مستوى إلى مستوى أعمق للوعي الذاتي من ناحية، وهو الشاهد، من ناحية أخرى، على الارتباط الصميمي بين الوعي الذاتي والسلب. وفي العالم الأول – العالم الشرقي – يكون الروح كلية جوهرية لا تمايز فيه للفردى من الكلى إلا تمايزا عرضيا لو نظر إلى هذه الكلية ذاتها على أنها هوية، فإن الفردية تكون مستغرقة في ماهيتها دون أن يكون بوسع المرء العثور على أي شكل من أشكال الاغتراب بين الفردية وماهيتها بحيث تفقد تعددية التعبير عن الوحدة، وبحيث لا تعبر الوحدة عن ذاتها إلا تعبيرا ناقصا، لأن الوحدة تعبر عن نفسها هنا بالوحدة ذاتها. هذا الحذف للتناقض، أو على الأقل هذا التجاهل له، هو الذي يؤدي مباشرة إلى حذف كل سلبية من العالم عندما ينظر على هذا النحو، وهو الذي ينتج هذه الكلية الجوهرية التي هي إيجاب في صميمها، وإن كانت السلبية قائمة في باطنها على نحو ضمني، وهو الذي ينتج هذه الرؤية الأولى إلى العالم ويجعل منها رؤية جوهرية خالية من التمايز الباطني ومن ثم لم تكن تصدر إلا في الجماعات التي تحكم حكما أبويا أو بطرياركيا ووفقاً، لهذه الرؤية، فإن الصورة الدنيوية للحكومة تكون صورة الهية، كما أن الحاكم نفسه يكون هو الكاهن الأعظم أو الإله نفسه، وأما الدستور والتشريع فيكونان في الوقت نفسه ديناً، كما تكون الأوامر الدينية والأخلاقية بالأحرى استخدامهما – أوامر طبيعية وقوانين وضعية. وفي بهاء هذا العالم – ككل – تضّيع الشخصية الفردية حقوقها وتضمحل؛ أما عالم الطبيعة الخارجي، فيكون إما إلهياً على نحو مباشرة او تجليا للآله نفسه gods ornament، كما يكون تاريخ الواقع المتحقق بالفعل شعرا فالطاغية الشرقي – الذي هو أب في الوقت نفسه – بجمع في شخصه بين صفات الآله والكاهن والحاكم، كما أن القانون إلهى على المرء أن يحدد ما إذا كان قانونا إلهياً أو شريعة وضعية نظرا لأن مصدره ألهي، في حين أن تطبيقه إنساني. وفي إهاب هذا العالم الذي تسيطر عليه كائنات إلهية تتقمص صور البشر وقوانينهم، فإن الشخصية الإنسانية والفردية البشرية تكون محرومة من الإحساس بذاتها فتضيع حقوقها بسبب انعدام وعيها الذاتي بذاتها الذي ينتهي بها إلى الاضمحلال في الكلية الجوهرية للعالم الشرقي الذي تستحيل عنده الطبيعة ذاتها إلى محل تحل فيه القوى الالهية في (الضياء) أولاً، في (النبات) ثانيا، وفي (الحيوان) ثالثا، وأخيراً في ( الطبيعة التي طوعها الإنسان الصانع ) بكلتا يديه في المنحوتات والمعابد والتماثيل التي جعل الإنسان منها موضوعا لتقديسه ولكن الوعي الذاتي مع ذلك شق له طريقا من قلب هذه الكلية الجوهرية فأحرز الروح لنفسه بذلك نوعا من الوجود الفردي المستقل في مقابل كلية الروح وجوهريته. ولما كان الوعي الذاتي الفردي هو الصورة الحية للروح، فهذا يعني أن الروح قد أخضع نفسه للسلب، ومن ثم فقد أبدع من التوازن بين المضمون الإيجابي للروح وبين الوعي الذاتي الفردي، وهذا المبدأ الجديد – مبدأ العالم اليوناني – الذي انبثق على هذا النحو هو الفردية الأخلاقية بوصفها جمالاً، وإن لم يكن بعد قد استقل بذاته تماماً، لأنه ما يزال قائماً داخل ضرب من الوجود المثالي، داخل "هذا العالم اليوناني المستحوذ على الوحدة الجوهرية بين المتناهي واللامتناهي في صورة خلفية غامضة مكبوتة في الأعماق المظلمة للذاكرة، وفي الكهوف Gave والصورة التقليدية. وهذه الخلفية التي تولد أيضاً عن الروح – الذي يتمايز هو نفسه إلى ذهنية فردية – تظهر إلى ضياء المعرفة ويتم تعديلها، وتحويرها إلى جمال وإلى حياة أخلاقية حرة غير مضطربة. وفي عالم كهذا ينبثق مبدأ الفردية الشخصية.، وإن كان ما يزال بعد غير منطو داخل ذاته self-enclosed-self بل محفوظا في وحدته المثالية. وما يترتب على ذلك هو أن الكل ينقسم إلى مجموعة من الأرواح القومية الخاصة. وأما القرار الأعلى، فلا ينسب إلى ذاتية الوعي الذاتي المستقل بصورة صريحة، وإنما إلى سلطة تعلوه وتوجد خارجه؛ ومن ناحية أخرى فإن الإرضاء المطلوب لحاجات الجزئية لا يكون قائما بعد في دائرة الحرية بل يكون مدفوعا به على وجه الحصر، إلى طبقة من العبيد" إن خروج هذه الفردية من قلب تلك الكلية الجوهرية لا يعني أن الفردية اليونانية قد كانت فردية شاعرة بذاتها ومستقلة بمصالحها، بل إن الفرد في المجتمع اليوناني ظل ينظر إلى نفسه بطريقة تقربه من الكل أكثر مما تنأى به عنه، ولذا كانت تلك الفردية الجماعية أخلاقية بالدرجة الأولى تجمع في ذاتها بين المتناهي واللامتناهي، وإن كان هذا الجمع قد اتخذ صورة لاشعورية وغامضة، ولذا لم يكن القرار النهائي فرارا للفرد بل لسلطة تعلوه وتتجاوزه هي المصلحة العليا للكل لا مصلحة فرديته هو. ومع ذلك فإن هذه الفردية الأخلاقية الجمالية المتوازنة قد شابها، انقسام الناس إلى أحرار وعبيد اضطلعوا بإنتاج ما هو ضروري لحرية الأحرار، في حين أن الأحرار استهلكوا حرية عبيدهم. على أن المبدأ الجمالي للحياة اليونانية قد تطور إلى حد تجاوز نفسه أو سلبها عندما وضع الوعي اليوناني من الكوميديا الذي سخر فيه الإنسان من الآلهة ومن الأفكار ذات الطابع الاجتماعي التي توحد الناس بعضهم ببعض وتسمو فوق أنانياتهم الخاصة، فإنها بذلك التوازن الرائع بين الفردية والجماعية داخل مدينة الدولة، هذا التوازن الذي تم التعبير عنه من خلال مبدأ جمالي أخلاقي عندما خلع الفرد على نفسه قيمة الكلي، وعندما أضفى على الجماعي قيمة جزئية، فأصبح الفرد نتيجة لذلك هو المركز الذي تتم لمصلحته سائر العملية الروحية والمادية داخل الكل، فتم بذلك سلب المبدأ الذي استندت إليه الحياة اليونانية، وظهر مبدأ جديد للحياة هو ( الفردية المجردة) التي بلغت حدها الأقصى من التجريد في شخص الإمبراطور الروماني أو سيد العالم. وبذلك سلب الروح مرحلة كاملة من حياته عندما تحول من العالم اليوناني إلى العالم الروماني.

إن تحول الروح من العالم اليوناني إلى العالم الروماني هو في حقيقته تحول للوعي الذاتي –وهو الطاقة الحية للروح – من وعي ذاتي كلى إلى وعي ذاتي جزئي يضع نفسه في مقابل الكلية الروحية للعالم بأكمله. إن تعمق الوعي الذاتي الفردي اليوناني لنفسه – هذا الوعي الذي وجد نفسه وجها لوجه مع الآلهة حتى وصل إلى الكلية المجردة وإلى التعارض اللامتناهي مع العالم الموضوعي، الذي أضحى من وجهة نظر هذا الوعي روحا مهجورا بعدما خلع هذا الوعي الذاتي الفردي الكلية على ذاته فلم يعد للعالم في مقابله إلا قيمة شيء يمتلك، وبالأحرى يستعمل، من قبل هذا الفرد أو ذاك، أو لمصلحته هو دون سواه من الآخرين – هو الذي أنتج المبدأ الروحي الذي استندت إليه الحياة في العالم الروماني، أي مبدأ الفردية المجردة، وذلك عندما تحقق في هذا العالم" التمايز بين الأشياء حتى نهايته، كما أن الحياة الأخلاقية تتمزق تمزقاً لامتناهياً حتى النقاط القصوى للوعي الذاتي الجزئي للأشخاص من ناحية، وحتى الكلية المجردة من ناحية أخرى. وهذا التعارض يتخذ صورة نزاع بين الحدس الجوهري للأرستقراطية وبين مبدأ الشخصية الحرة في صورة الديمقراطية. وينمو هذا التعارض، فإن أول هذين الخصمين يتطور إلى خرافة وإلى سلطة Power فظة لا تبتغي إلا ذاتها بينما يزداد الثاني فساداً إلى أن يغرق في العامة. وأخيرا ينحل الكل ويحل البلاء العام وتتحطم الحياة الأخلاقية. وأما الأبطال القوميون، فإنهم ينحلون ويموتون في وحدة البانثيون. كما يرتد جميع الأشخاص إلى مستوى الأشخاص الخاصين Privateوكل منهم يتساوى مع الآخر من خلال استحواذهم على حقوق صورية، وأما الرابطة الوحيدة فيما بينهم، فهي الإرادة الذاتية التعسفية المجردة Abstrtract insaliable self-will فإذا كان الصراع الأساسي في العالم اليوناني قد كان قائما بين الوعي الذاتي والكلية الروحية الجوهرية، فإن اضمحلال أهمية هذه الكلية هو الذي سمح بالانتقال من العالم اليوناني إلى العالم الروماني هذا العالم الذي لم تشغل فيه هذه الكلية الروحية أو الجوهرية إلا مكانة ثانوية، وبالتالي لم يكن التعبير عن السلب ، داخل هذا العالم، يتم من خلال نزاع الفرد مع المجتمع ، بل من خلال نزاع الفرد مع الفرد الذي اتخذ صورة صراع بين الإشراف والنبلاء الذين استحوذوا على السلطة فكانوا الأرستقراطية الحاكمة، وبين العامة والعبيد الذين دافعوا عن أنفسهم من خلال الدفاع عن الديمقراطية وما أسفر عنه هذا النزاع بين الفريقين هو حلول البلاء العام وتحطيم الأخلاقية الذي تمثل في اختزال الأفراد إلى أفراد خاصين أو جزئيين متساوين في الحقوق تساويا صوريا لا مضمون له فنشأ عن ذلك أن كانت العلاقة بين هؤلاء الأفراد تمثل رابطة تعسفية جائرة ومجردة. هذه الرابطة المجردة والظالمة، أو هذا الاعتساف هو الكلية أو العالم الموضوعي في مقابل فردية الوعي الذاتي. وبين هذين الحدين نزاع يتعذر فيه على أحد الطرفين أن يتعرف على نفسه أو أن يهتدي إليها في الآخر، وبذلك تنحل الكلية الروحية للمجتمع وينهار المبدأ الذي قامت عليه الحياة في هذا العالم، وبذلك يتم التحول من العالم الروماني إلى العالم الجرماني بصورة نهائية.

وعند هذا الحد من تطور الروح يبلغ السلب النقطة القصوى له عندما يعود الوعي الذاتي للروح من التعارض اللامتناهي الذي كان يمزقه داخل العالم الروماني إلى الجوهرية التي انطلق منها – ولكن في صورتها المرفوعة – تلك الجوهرية التي تركب بين حياته الباطنية، التي تشتمل على حقيقته وماهيته العينية، وبين الموضوعية التي يكون فيها مهيمناً على ذاته ومتصالحا معها. وهذا الارتداء للروح إلى الجوهرية التي بدأ بها هو الذي يولد حقيقة الروح من حيث أن هذه الحقيقة هي فكر من ناحية، ومن حيث أنها عالم من القوانين الفعلية من ناحية أخرى. هذا الارتداد إلى الجوهرية الذي يؤلف بين الفكر والموضوعية، أو بين الذات والجوهر – والذي كف فيه عن أن يكون لأي عنصر دور في تكوين حقيقة الروح خلال الروح ذاته قد ارتقى بالروح إلى وحدة خصبة لا انفصال فيها بين الفكر وبين القوانين الفعلية للعالم بعدما أصبح الفكر- وبتلقائيته الحرة – ينتج موضوعه الذي هو ذاته وفقا القوانين العالم الفعلية التي ما هي إلا النمو والاستمرار الحي للفكر إذ يتخارج أو يشرع في نشر كثرته الضمنية في عالم من الوقائع الفعلية التي لا قانون لها غير قانون الفكر ذاته.
هذه الوحدة الحية والإبداعية بين الفكر وموضوعه هي الجوهرية التي كان الروح يستهدف تحقيقها منذ اللحظة الأولى لنشاطه عندما بدأ في العالم الشرقي بذرة كلية لا تمايز فيها بين الكلى والفردي، ولكنه الآن يحققها لنفسه مكتملة تماماً. وإذ يحقق الروح هذا الهدف لنفسه، فإن مبدأ السلب يوشك أن يكون قد استنفد تماماً وحقق جميع أغراضه، وعندئذ تنقلب حياة الروح - وفقا لذلك – إلى ضرب من الإيجاب الذي يجعل التقدم التاريخي، أي تجاوز النقطة التي بلغها الروح، موضع سؤال جدي ذلك لأن الروح يكون هنا مرتداً إلى ذاته في أقصى درجة لسلبيته المطلقة. وهذه هي نقطة التحول، فالروح ينبثق من هذه الحالة ويدرك الإيجاب Positivity اللامتناهي لطابعه الباطني هذا، أي أنه يدرك مبدأ وحدة الطبيعيتين الإلهية والإنسانية، المصالحة بين الحقيقة الموضوعية والحرية بوصفها الحقيقة، وبين الحرية البادية في الوعي الذاتي والذاتية، المصالحة داخل تحقيق مبدأ الشمال، مبدأ الشعوب الجرمانيــة هذه المصالحة التي عهد بها إلى هذه الشعوب" هذا هو آخر سلب بوسع النسق الجدلي تحقيقه، وبالأحرى هذا هو آخر سلب للسلب ينجزه لأن قصة حياة الروح ستستحيل بعد ذلك إلى فصول لانهاية لها من الإيجاب اللامتناهي. فعند هذا الحد من تطور الروح يكون الروح قد وصل إلى الدرجة القصوى من سلبيته المطلقة، وعند هذا الحد تتحقق نقطة التحول الكبرى التي يتكشف من خلالها أن السلبية قوة لا بد لها أن تضمحل، وان ظهور الطبيعة الحقيقة للروح هو محصلة لاضمحلال طاقته السلبية. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن السلبية في الجدل ليست جزءاً من الكذب أو البطلان أو الزيف أبدا، لأن حالة الإيجاب التي أدركها الروح هنا ما كان لها أن توجد إلا باعتبارها نتاجا للسلب ذاته. ومن هنا فإن السلب – وإن كان يتحول في نهاية المطاف إلى قوة ثانوية في حياة الروح – فإنه يظل جزءاً ماهويا مقوما في ماهية الروح لا تفهم للروح ماهية بغيره، ولا تقوم للتاريخ حياة ولا قائمة لو تم تصور عالم قد خلى من السلب تماما. وإذ يتم رفع السلب وانبثاق الإيجاب من جوفه، فإن هذا الإيجاب يعبر عن نفسه من خلال إدراك الروح - وبصورة نهائية – أن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية متماثلتان، بل هما طبيعة واحدة لا اثنتين، من ثم فإن الوحدة قائمة فيما بينهما على الحقيقة وليس من باب التفكير المجازي أو التمثيلي في الدين وبعبارة أخرى، أن هذه الحقيقة حقيقة فلسفية أو علمية تكشف عن نفسها من خلال رفع الأضداد التي كانت تعذب الروح عبر التمزق الذي كان يحياه الوعي الذاتي بلا انقطاع. وإذا ( رفع الأضداد) هو الصورة السلبية لحالة الروح الجديدة – الحالة الإيجابية – فإن صورته الإيجابية تتمثل في تلك المصالح) بين الحقيقة الموضوعية والحرية بوصفها الحقيقة وبين الحرية البادية في الوعي الذاتي والذاتية)، هذه المصالحة التي لا تتم إلا عبر تحقيق مبدأ الشمال، مبدأ الشعوب الجرمانية، لأن هذه المصالحة قد عهد بها من قبل الروح إلى الشعوب الجرمانية لتقوم بتحقيقها وبإنجازها إنجازاً فعليا في التاريخ العالمي للروح.
ومن غير الضروري هنا الحديث ولو بكلمة واحدة عن التعصب القومي الذي يصل إلى حد الأسطورة والخرافة حين يربط الفيلسوف ربطاً محكماً بين تحقق التاريخ تحققاً نهائياً يستنفذ كل ما في الروح من طاقة سلبية ويضعه في حالة من الإيجاب المطلق – فتلك أسطورة لم تكن أمة لعبت دوراً في التاريخ إلا ادعتها – وبين أمة بعينها – كالأمة الجرمانية مثلا التي أناط بها الجدل مهمة كهذه – بل المهم فعلا هو التساؤل – بعد ما ظهر بوضوح أن التاريخ العالمي مكافئ للتحققات العينية للسلب وخلاصة له – عما إذا كان التاريخ قد اكتمل بذلك أو مات بصورة نهائية أم أن الذي مات وانتهى شيء آخر غير التاريخ، وبالتالي شيء أو كائن غير الإنسان. الذي ليس للروح أن يحقق أي شكل من أشكال الوجود إلا به ومن خلاله إن الإجابة عن هذا السؤال بطريقة دون أخرى قد تسمح بإعادة بناء الجدل بأكمله، او بإعادة تحديد طبيعته، ومن ثم بإعادة إنتاج تصوره للمستقبل على نحو قد يتضح معه أن التاريخ لا يموت، وأن بطله الأوحد – النوع الإنساني – هو الآخر لا يموت. ذلكم هو ما يجب اختتام التاريخ العالمي أو تعاقب الحضارات الإنسانية بإبرازه والإلحاح عليه إلحاحاً لا ينتهي.

الحالم
09-16-2007, 12:14 PM
(4)

الدولـة في فكرنا العربي الإسلامي المعاصر

تركي علي الربيعو

يحتدم الجدل في خطابنا العربي / الإسلامي حول إشكالية الدين و الدولة ، و الجدل كما يقول ابن منظور هو شدة الاختلاف ، و لكن القرآن الكريم يدعو إلى جدال بالتي هي أحسن ، فعسى أن تجنى الفائدة للأمة كلها ، و مع احتدام الجدل ، تكثر التساؤلات و ما أكثرها في مجال نقد الذهنيات كما يقول المفكر المغاربي عبد الله العروي ، و بالأخص إزاء تاريخ بعيد للدولة وللعقل السياسي العربي ، لم نستدل عليه بالكيفية اللازمة ، و لا يزال يغري بشتى أنواع التأويل و الأدلجة التي تعبر عن نفسها تحت رايات إيديولوجية لا تزال تستعير معظم بواعث التعبير عن نفسها من الماضي البعيد كما يرى محمد أركون، لنقل ، من التاريخ الأموي و العباسي ، الذي تحولت فيه الخلافة إلى ملك عضوض راح بدوره يستعير معظم بواعث التعبير عن ملكه من المستبد الآسيوي بحسب تعبير العروي ، أو من أبيه أردشير ( الملك الساساني ) بحسب توصيف محمد عابد الجابري في بحثه عن مبدأ الطاعة الذي جعل من الدين طاعة رجل، و الذي جعل من الطاعة عبر تمجيدها فضيلة الفضائل ، و الذي تمكن من أن يغزو الثقافة العربية في عقر دارها و يجيرها لصالح الاستبداد الآسيوي كما تعبر عن ذلك وصية أردشير التي سنعود إليها لاحقا (1)0
هناك إقرار علني عند أغلب الباحثين العرب في إطار إشكالية الدين و الدولة ، بأن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين و الدولة غير مدروسة ، و بالتالي غير مضاءة (2)0 يقول العروي : " عندما نتكلم اليوم عن الدولة الإسلامية نعني بالضرورة مركب من العناصر الثلاثة – العربي و الإسلامي و الآسيوي – إلا أننا لا نستطيع أن ندرك ذلك المركب و هو محقق في التاريخ لأننا لا نملك شهادة معاصرة عليه . كل ما نستطيع هو أن نتصوره ، أن نتخيله ، اعتماداً على أخبار مؤرخين متأخرين نسبياً " (3)0
إن غياب الشهادة المعاصرة للدولة الإسلامية في بداية العصرين الأموي و العباسي ، هو الذي فسح المجال للتأويلات العديدة و التضييقية التي تنتهي إلى القول بأن الإسلام دين و دولة ، المقولة التي رفع راياتها في منتصف القرن الماضي الشيخ و الإمام حسن البنا ،والتي استلهمتها الحركات الإسلامية الراديكالية في سعيها للاستيلاء على السلطة بحجة حماية الدين ، و في تجييشها لإيديولوجيا الكفاح ضد الإمبريالية و التي ساهمت في طمس كل المحاولات الرامية إلى الفصل بين الذروتين الدينية و السياسية ، أو تلك التي تصر على أن الدولة شأن تدبيري سياسي و ليس شأناً عقيدياً كما تراها الكثير من الحركات الراديكالية المعاصرة أو الإيديولوجيات الجاهزة التي ما تزال تعشعش في " ثقافة العامة " و التعبير للشيخ علي عبد الرزاق و تحول دون الوصول إلى أصول جديدة للحكم ، تستمد أصولها من أحدث ما أنتجته العقول البشرية و ما أبدعته الأمم الحديثة .
كان الشيخ علي عبد الرازق هذا العقوقي كما يراه الخطاب الإسلامي ،والذي سيستعاد دوماً من قبل التيار الليبرالي العربي كنموذج للشيخ المستنير ، و كقرينة و شاهد على بطلان القول بأن الإسلام دين و دولة كما يرى تيار الإسلام السياسي . أقول كان الشيخ عبد الرازق على وعي بإشكالية العلاقة بين الدين و الدولة ، وعلى وعي بالآفاق الحديثة للدولة المعاصرة التي من شأنها أن تقطع مع إرث الدولة المملوكية، وأن تؤسس لأصول جديدة في الحكم . من هنا ، فقد كان كتابه ، و على ما جاء به من أفكار أصيلة و طريفة و جدية و جديدة ، قد مثل إعلاناً عن تفجير المعركة الفكرية السياسية داخل الاجتماع الإسلامي التقليدي (4) فهو يعيب على " المسلم العامي " و على " رأي جمهور العلماء من الإسلام " اعتقادهم بأن الإسلام يمثل وحدة سياسية و دولة أسسها الرسول صلى الله عليه و سلم يقول: " المسلم العامي هو من يعتقد أنه عليه السلام كان رسولاً و ملكاً ، و أنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية ، كان هو ملكها و سيدها . لعل ذلك هو الرأي الذي يتلاءم مع ذوق المسلمين العام . و لعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين . فإنك تراهم ، إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع ، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية ، و دولة أسسها النبي" (5)0
يقر عبد الرازق في سعيه للتأكيد على أن السياسة شأن تدبيري و ليست شأناً عقيدياً " أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه ما يكون من مظاهر الحكومة السياسية و آثار السلطنة و الملك "(6) و أن " هناك الكثير مما يمكن اعتباره أثراً من آثار الدولة "(7) و لكنه يفند الرأي الذي يرى أن الإسلام دين و دولة ، و أن " الخلافة تنوب عن الشرع في حفظ الدين و السياسة ، شاملة للملك و الملك مندرجاً تحتها " كما كان يرى ابن خلدون ، الذي لم يكن يستند ، كما يرى عبد الرازق ، إلى حجة أو دعامة أو سند .(8) و النتيجة التي يقودنا إليها :
أولاً ـ" ما كان محمد صلى الله عليه و سلم ، إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين . لا تشوبها نزعة ملك و لا حكومة" .
ثانياً ـ" وأنه صلى الله عليه و سلم لم يقم بتأسيس مملكة ، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة و مرادفاتها" .
ثالثاً ـ و إنه كان صلى الله عليه و سلم" كإخوانه الخالين من الرسل ".
رابعاً ـ و إنه لا كان ملكاً و لا مؤسس دولة ، و لا داعياً إلى ملك .(9)
لا يمل عبد الرازق ، من تفنيد الاحتجاج الشائع بأن " الخلافة مقام ديني " و يرى ذلك على أنه من الأخطاء الشائعة التي تسربت إلى عامة المسلمين ، الذين خيل إليهم أن الخلافة مركز ديني ، و أن من ولي أمر المسلمين فقد حل منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله (صلى الله عليه و سلم ) ، لا بل أنه يعتبر ، أن استمرار هذا الاعتقاد يصلح لأن يكون شاهداً على استقالة العقل عند المسلمين الذين أصيبوا بشلل ، في التفكير السياسي ، و النظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة و الخلفاء (10)
أعود للقول ، إن الشيخ عبد الرزاق ، يرى أن السياسة شأن تدبيري ، و هذا ما يجب عليه أن تدركه ما يسميها ب " الزعامة الجديدة " التي يلح عليها عبد الرازق ، و التي هي في جوهرها ، زعامة سياسية " زعامة الحكومة و السلطان ، لا بل زعامة الدين "(11).و هو بذلك إنما يفتح باباً للمسلمين إلى ولوج عالم أصول الحكم ، كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه . يقول في خاتمة كتابه الذي اعتبر بمثابة ضربة قاسية لخديوي مصر الطامح إلى خلافة المسلمين " أن لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى ، في علوم الاجتماع و السياسة كلها ، و أن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له و استكانوا إليه ، و أن يبنوا قواعد ملكهم ، و نظام حكومتهم ، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية ، و أمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم "(12)0 ولكن أصول الحكم هذه كانت موضع استنكار من قبل الشيوخ الأزهريين الذين هاجموه وجردوه من ألقابه العلمية ومن وظيفته وكذلك الراديكاليين الإسلاميين الذين لم يغفروا للشيخ علي عبد الرازق هذا التطاول فراحوا يصفونه بأنه دعوة للانفكاك عن النص الديني لصالح تبعية الغرب والاندماج به(13) وذلك دون أن ننسى إعجاب شيوخ آخرين به،وأخص بالذكر منهم الشيخ ابن باديس الذي أبدى إعجابه بالشيخ عبد الرازق وبتجربة كمال أتاتورك في بناء الدولة الحديثة،واصفا إياه"بأنه أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث وعبقري من أعظم عباقرة الشرق"،وذلك دون أن ننسى أيضاً مرافعات الشيخ خالد محمد خالد في دفاعه عن عبد الرازق وذلك في كتابيه"من هنا نبدأ،1958"و"الديمقراطية أبدا،1953" الذي هاجم فيهما الدولة الدينية وكهنتها الجدد على حد تعبيره وراح يشيد بديمقراطية الإسلام0(14)
كان أواسط عقد الخمسينيات من القرن المنصرم قد شهد تجاذباً حاداً بين الأحزاب و التيارات السياسية و المثقفين العرب ، فثمة من يرى أنه لا يمكن للأمة أن تنهض إلا بفصل الدين عن الدولة و جعله أمراً خاصاً بين العبد و بارئه وذلك انطلاقا من رؤية ليبرالية ترد تخلف الأمة الى الاستبداد(15) ، و ثمة من يرى أن الإسلام دين و دولة ، مصحف وسيف كما ذهب إلى ذلك الشيخ حسن البنا في قوله الشهير:"الإسلام:عبادة وقيادة،ودين ودولة،وروحانية وعمل ،وصلاة وجهاد،وطاعة وحكم،ومصف وسيف،لا ينفك واحد من هذين عن الآخر وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"(16) فالدولة من خلال تعاليمه هي دولة إسلامية،بصورة أدق،هي دولة الدعوة ودولة الرسالة لأن"الدعوة أساس الدولة،والدولة حارس الدعوة،وهما معا قوام الحياة الإنسانية الصحيحة المستقيمة(17)0
في هذا السياق جاءت محاولات فكرية عديدة لفض الاشتباك بين الدين والدولة والتأسيس لحداثة سياسية ولمجال سياسي جديد بعيدًا عن المجال الديني،أو زيادة الالتحام بينهما من خلال القول بأن الدولة حارسة للدين وحامية له وأن الهدف هو بناء الدولة الإسلامية، أو التوفيق بين هذا وذاك على اعتبار أن التوفيقية تمثل جوهر الحضارة العربية كما يذهب الى ذلك محمد جابر الأنصاري في بحثه عن حقيقة التوفيقية في حياتنا العربية المعاصرة(18) 0وقد شهدت العقود الثلاثة المنصرمة من القرن المنصرم نقارًا حادًا بين المفكرين والمثقفين العرب حول سلم الأوليات:الدين أم السياسة أو التوفيق بينهما كما أسلفنا،نقارا يشهد على حيوية فكرية في بعض الأحيان وفي أغلبها على عقلية تخوين واستبعاد بقيت تستبطن الخطاب السياسي العربي في سعيه الى بناء مجال سياسي جديد؟


الدولـة كافلـة الديـن :
من موقعه كمعاين حصيف لعلاقة أوروبا بالإسلام كما يشهد على ذلك كتابه الموسوم بهذا الوسم(أوروبا والإسلام:صدام الثقافة والحداثة) ، و علاقة أوروبا بالدين و التي اعتبرت نموذجاً للقياس و ليس للاستئناس كما يرى الجابري في نقده للخطاب العربي المعاصر،وبخاصة عند الليبرالي العربي الذي لا يزال ينظر الى الفصل بين الدين والدولة كشرط للنهضة(19) ، راح هشام جعيط يبدي الكثير من القلق على مستقبل الدين في الدولة العلمانية الأصولية العربية و ذلك نظراً لأن الدولة العلمانية القومية هي دولة دهرية تقوم على تفوق الدولة على الدين . فالدولة في منظور جعيط الذي يستند إلى رؤية ابن خلدون دون أن يصرح بذلك هي كافلة الدين و حافظة لاستمراره ، و ليس من حقها أن تكون علمانية كما يطمح إلى ذلك المثقفون العرب العلمانيون . فالدين الإسلامي لم يكن و لن يكون مسألة خاصة ، إنه دين الأمة ، الذي لا يجب أن يكون مجرد صورة كاريكاتيرية و التعبير لمحمد أركون كما فعلت " الكمالية " الأتاتوركية(20) .
في كتابه " الشخصية العربية الإسلامية و المصير العربي ، 1974" و الذي سيصفه العروي لاحقاً بأنه " أهم ما أنجز في مجال النفسانية الجموعية العربية "(21)و يقصد بالنفسانية هنا فكرة الفرد و الجماعة عن الحكم و الدولة .راح هشام جعيط و في إطار بحثه عن العلاقة بين الدين و الدولة يكتب : إن رأينا هو أنه يجب على الإسلام البقاء كدين للدولة ، بمعنى أن الدولة تعترف به تاريخياً ، و تهبه حمايتها و ضمانها " و يضيف " ليس للدولة أن تكون علمانية بمعنى أنها لا تهتم بمصير الدين معتبرة إياه مسألة خاصة "(22)0 من هنا نفسر رفضه لأن يكون الدين أداة تتلاعب بها الدولة و ذلك لغايات سياسية أو إدخال إصلاحات داخلية علية من لدنها ، يقول جعيط " ينبغي تجنيبها ذلك لأن الدين قضية تهم الأمة الإسلامية قاطبة ، أمة الأمس و اليوم ، و غداً "(23) .
انطلاقاً من أن الدولة العربية القديمة ( دولة بني أمية و دولة بني العباس ) كانت كافلة لاستمرارية الدين ، فإن جعيط كما أسلفت ، ينذر الدولة العربية القائمة بحسب تعبير العروي ، إلى حماية الدين و الحفاظ على استمراره ، و هو هنا يبدي مزيداً من المخاوف و هواجس الحاضر و شواغله الإيديولوجية و الظرفية الجامحة التي من شأنها أن تقطع مع الدين و تراثه التليد . هذه المخاوف التي تعود بجذورها إلى العصر العباسي والتي عبر عنها ابن عقيل و ابن الجوزي ، فثمة مخاوف حقيقية من طغيان السياسة على الشريعة و عدم التزام الحكام بالشريعة (24) . فثمة خوف حقيقي من سلوك الدولة العلمانية العربية ، التي تتستر إما وراء دولة دهرية معادية للدين ، أو المضمرة بنزوع طائفي معادٍ للدين . من هنا قوله : إنه يجب مكافحة كل إرادة منظمة واعية مجبرة من قبل الدولة أو الطوائف المؤثرة ، تريد إخلاء الضمائر من الإسلام ، و إعاقة الشعائر ، و الحط من الدين (25 )0
لم يكتف جعيط بذلك،فراح يؤكد في بحثه عن "بناء الدولة الإسلامية:الدولة النبوية" من أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك وراءه دينًا ودولة0 يقول جعيط : ترك النبي ، عند وفاته ، ديناً مكتملاً و دولة مهيمنة على الجزيرة العربية كلها ، مترابطين بشكل لا يقبل الانفكاك . فمن خلال اعتناق الإسلام و ممارسته ، لا سيما الصلاة و الزكاة ، تم انصياع الأفراد و الجماعات للدولة الجديدة ،، و قد دخل مسلمو الساعة الأولى ، المتأثرون بدعوة كانت تخاطب الأفراد أولاً ، دخولاً طبيعياً في نظام الدولة . فالوظيفة النبوية تؤلف بين الدنيوي و القدسي ، بين العالم المرئي و العالم اللامرئي . و يقوم سلطانها على كلام الله مثلما يرتكز على التوجيه الفعلي للأمة . ولا شك أن العرب ما كان يمكنهم ، لولا الحركة النبوية ، أن يتوحدوا و لا أن ينتظموا و يرتفعوا إلى درجة أخلاقية أرفع . و بالتالي ما كان يمكنهم الدخول في التاريخ . و على هذا النحو ، كانت النبوة تطرح نفسها كأمر يمد بأخلاقية و بوحدة و بمصير"(26)0
لا يتصور جعيط إمكاناً لنهضة عربية بعيدة عن الإسلام ، فالدولة العلمانية العربية المعادية أو الداعية إلى فصل الدين عن الدولة ، تخالف التاريخ ( لأن وظيفة الدولة كما رأى ابن خلدون هي حفظ الدين و سياسة الدنيا ) و تخون جوهر الحضارة العربية الإسلامية . و لكن على ما يبدو فقد فقد جعيط إيمانه بروح الأجداد التي غذاها حيناً في كتاباته المؤدلجة ، فراح يتحدث لاحقاً و مع مطلع الألفية الجديدة عن نهضة جديدة يمكن لها أن تمثل عودة باتجاه الحداثة الغربية التي من شأنها أن " تمج الإسلام جملة " . و ذلك في معرض حديثه عن " أزمة الثقافة الإسلامية " ( 27) .

مفهوم الدولـــة :
بين نهاية عقد السبعينات من القرن المنصرم ، و بداية عقد الثمانينات ، كان العروي الرجل الملتزم بمغامرة النهضة العربية على حد تعبير هشام جعيط الذي تبادل والعروي مزيداً من التقريض(28). قد فقد إيمانه بالنخبة المثقفة و قدرتها على عقلنة المجتمع العربي بكيفية شاملة و مسترسلة ، و بالتالي المثقف الثوري الذي يتشكل بتأثير خارجي ، فقد أقض مضجعه هذا المثقف ، بمزاجه العكر و تقلباته المستمرة ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار(29) ، و في هذا السياق الذي يتحرك فيه هذا " العروبي التاريخي " و الوصف أيضاً لجعيط ( 30) راح العروي يوسع من إطار ما يمكن تسميتها باستراتيجيته التاريخانية ، فأصدر سلسلة المفاهيم ( مفهوم الأدلوجة ،1980و مفهوم الحرية1981 ثم مفهوم الدولة1981 و مفهوم التاريخ 1993 و أخيراً مفهوم العقل 1996) و ذلك انطلاقاً من رؤية ترى أن الفهم و الإفهام أساسيان و لكنهما لا يتأتيان إلا بوضوح المفاهيم التي يؤدي غيابها إلى كل هذه التخبطات في خطابات المثقفين العرب .
إذن ، مع بداية عقد الثمانينات من القرن المنصرم ، جاء كتاب العروي " مفهوم الدولة ، 1981 " عسى أن يؤسس لما سّماها ميشيل فوكو ب " إرادة المعرفة " التي غابت و تزحزحت لصالح " إرادة الإيديولوجيا " التي تدمغ و تمهر معظم خطابات المثقفين و التي تشهد على " أزمة المثقفين العرب ، 1974 " التي راح العروي يرصد مظاهرة مع بداية مطلع السبعينات من القرن المنصرم(31) .
في تمهيده للكتاب ، يقول العروي : كل منا يكتشف الدولة قبل أن يكتشف الحرية ، أو بعبارة أدق ، تجربة الحرية تحمل في طياتها تجربة الدولة لأن الدولة هي الوجه الموضوعي القائم في حين أن الحرية تطلع إلى شيء غير محقق " (32 )0 من هنا مصدر قوله إن " التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة و المجتمع "(33) .
يؤثر العروي في تناوله لمفهوم الدولة و إشكالياتها و منحاها الإيديولوجي في الخطاب العربي المعاصر ، أن يرتفع إلى مستوى التجريد ، فيتكلم عن الدولة إطلاقاً ، أي عن الشكل العام لتنظيم السلطة العليا في الدولة العربية على طول مسارها ، بحيث تنتفي الصفات العرضية ، المذهبية و القبلية و الجنسية . باستثناء صفة واحدة هي الصفة الإسلامية(34). و هنا يتساءل العروي : ماذا نعني بالدولة الإسلامية ؟ و بالتالي على أية مادة نعتمد لنتصور واقعها التاريخي و نحلل آلياتها و جهازها ؟ و من وجهة نظره ، إن الاتجاه الذي يجعل من الدولة تجسيداً للمثل الأعلى ، لنقل ، للإسلام الحق ، هو اتجاه مثالي و إيديولوجي بآن ولا ينفع في مجال الدراسة ، صحيح أنه يعبر عن همٍ عام و عن تشكيلة اجتماعية و عن وضع سياسي ، فيقدم حلاً لا يعدو أن يعكس المشكلات القائمة . فلا يهتم بالدولة الحالية لأنها غير شرعية في نظره ، و بالتالي غير كائنة . و هذه مثالية مطلقة كما يرى العروي. تتوه في البحث عن الدولة كما يجب أن تكون ، لا عن الدولة كما هي في الواقع (35) . و من هنا فهو يرى أن القول بأن الإسلام دين و دولة ينتمي إلى الطوبى ، إلى المؤلفات الشرعية و المؤلفات الإيديولوجية اللاحقة للحركات الإسلامية التي تتحدث عن الدولة كما يجب أن تكون ، لا عن الدولة كما هي واقع . أضف إلى ذلك " أن العبارة – الإسلام دين و دولة – هي وصف للواقع القائم منذ قرون كما يرى العروي ، أي لحكم مملوكي و دولة مملوكية حافظت على الدين و قواعد الشرع لأسباب سياسية محضة "(36) ، و العروي يلمِّح إلى أمر آخر، فمقولة " الإسلام دين و دولة " تقوم على واو الربط الدال على التساكن بين الدين و الدولة و ليس على الاندماج و الانصهار . من هنا وجه المقارنة العجيبة في خطابات أغلب السلفيين و أغلب الراديكاليين الجدد . فهم يظنون بالقول إن الإسلام دين و دولة أنهم يعبرون عن خصوصية الإسلام ، في حين أنهم يصفون الإمارة الشرعية و لا يتعرضون في شيء للخلافة . من هنا فإن القول بأن " الإسلام دين و دولة " لا يعبر عن واقع مختلف ، فالنصرانية بحسب تعبير العروي ، أو الغرب بحسب تعبير محمد أركون و هذا ما يجمعهما في نقدهما لهذه المقولة ، هما دين و دولة ، أوليست النصرانية ديناً يعيش بجانب دولة في نطاق مؤسسة مستقلة ؟(37)0
ما يجمع العروي بهشام جعيط ، هو إدراكهما التاريخي للسياق الذي جاءت فيه مقولة الإسلام دين و دولة ، فثمة ظروف تاريخية قادت إلى القول بأن الإسلام دين و دولة ، و الجديد من وجهة نظر العروي " أن المقولة كانت آنذاك ، أي في عصر الغزو الاستعماري الحديث للمنطقة العربي ( أوائل القرن الثامن عشر ) ضرورية و مطابقة للمصلحة القائمة (38) . فقد لاحظ الفقهاء و على مدى قرون طويلة في ظل الدولة الإسلامية انفصال الشرع و العدل عن العمران ، في حين أن التجربة الأوربية التي باتت نموذجاً يحتذى هي شاهد على ارتباط العدل بالعمران ، فتنادوا إلى القول بضرورة الربط بين التقدم و العدل الذي لا يتحقق إلا بالشرع لأن العدل بالشرع و الشرع بالعدل (39)0 و العدل يعني تقييد الحاكم المستبد بقواعد الشرع . و قد وجد الفقهاء في ذلك فرصة للمطالبة بالرجوع إلى السياسة الشرعية و إلى الدولة الشرعية العادلة التي من الممكن لها أن تتجاوز أزمة الحكم المملوكي التي انتهت إلى آفاق مسدودة ، و أن تمهد القاع للرد على التحديات الغربية ، و هذا هو موقف مصلحو القرن الثامن عشر الذين راحوا يبحثون عن " أقوم المسالك لمعرفة أحوال الممالك " كما يشهد على ذلك كتاب خير الدين باشا التونسي ، الذي يجمعه بعلي عبد الرزاق هو هذا البحث عن " أقوم المسالك " أو " أصول الحكم " كما يراها عبد الرزاق (40).
كان العروي على وعي بمأزق الدولة القائمة حالياً في الوطن العربي و بمأزق المثقفين معاً ، و من وجهة أخرى بمأزق السلفيين الذين ظلوا مشدودين الى طوبى الخلافة و السياسة الشرعية دون أن يطرأ على مواقفهم أي تغيير و بمأزق الليبراليين الذين التقوا مع السلفيين على نقد الدولة القائمة دون أن يجّدوا السير باتجاه البديل ،وما يضاعف من قلق العروي على مستقبل الأمة ، أن معظم الأسئلة التي تدور من حول الدين و الدولة و ما أكثرها في مجال نقد الذهنيات ، تصطدم بالجدار الصلد للدولة المملوكية الاستبدادية المستمرة إلى اليوم كما تعبر عنها الدولة العربية القائمة اليوم ، و ما يضاعف من القلق تلك الحالة من التساكن و التعايش بين الفقهاء و الدولة المملوكية المستبدة ، لنقل ، بين طوبى الخلافة و ما رافقها من طوباويات عن المدينة الفاضلة و بين الجهاز القمعي الصرف للدولة المستبدة . كذلك بين المثقفين العرب المشدودين إلى طوبى الليبرالية أو طوبى الماركسية و حتى طوبى الدولة العربية الكبرى التي أضعفت الدولة القطرية و لم تنجز الدولة الكبرى و بين الدولة الاستبدادية الحديثة ، و العروي لا يعجب من ذلك " فالمفكرون العرب لا يهتمون بالدولة القائمة " و الأهم من ذلك غياب علم سياسي يبحث في اجتماعيات الدولة ، فهذا العلم لا يزال مهجوراً كما يرى العروي و ذلك في مجموع البلاد العربية وما يؤسف له أن ما أنجز من دراسات في هذا المجال تمَّ في إطار معاهد أجنبية (41)0 و هذا ما يرجِّح من كفة الفقهاء على حساب المفكرين و المثقفين العرب الذين ظلّوا يجهلون الدولة و هنا يقرر العروي أن المفكرين الوطنيين متخلفون وكذلك رواد النهضة ، في مسائل السلطة ، عن معاصريهم الفقهاء و أن العلامة الفارقة لأبحاثهم هي "غياب نظرية الدولة " في فكرهم ، و هذا ما يفسر من وجهة نظره تلك الاكتشافات المتوالية لابن خلدون و التعبير له و العجز بنفس الوقت عن تجاوزه (42).
في محاولة من العروي ، إلى القطيعة مع الطوباويات السائدة عن الدولة ( طوبى الخلافة و الطوباويات الماركسية والليبرالية " يدعونا العروي إلى " نظرية في الدولة " تقطع مع الدولة الاستبدادية التي ما تزال سائدة ، و تؤسس بنفس الوقت لما يسميها ب " الدولة الحق " التي هي اجتماع و أخلاق ، قوة و إقناع ( هنا يركز العروي كثيراً على أن الدولة التي لا إيديولوجيا لها تضمن درجة مناسبة من ولاء و إجماع مواطنيها لا محالة مهزومة "(43) و هذه الدولة تقوم على القواعد التالية :
ـ لا نظرية حقيقية بدون تفكير جدي في أخلاقية الدولة .
ـ إذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة .
ـ إضفاء الأخلاق على دولة القهر و الاستغلال غبن .
ـ تحرير الدولة من ثقل الأخلاق حكم عليها بالانقراض .(44)
أعود للقول ، إذا كان التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة و المجتمع ، فإنه يمكن القول إن نظرية الدولة عن العروي ، التي تربط الأخلاق بالسياسة ، و العدل بالتقدم ، إنما هي دعوة للقطيعة مع الدولة المملوكية المستبدة و التأسيس للحرية ، و بنفس الوقت ، تقوية جهاز الدولة باعتبارها أداة التقدم و التحديث ، شرط أن تكون الدولة بخدمة المجتمع و ليس المجتمع بخدمة الدولة ، و هذا ما يفسر تساؤله مع بداية الألفية الجديدة في بحث له عن " إرث النهضة و أزمة الراهن ": هل عرف أي قطر عربي في أية فترة من تاريخه حالة تسبيق المجتمع على الدولة ؟ أو حالة توظف فيها قدرات الدولة لتأسيس المجتمع على شكل يؤهله للاستغناء لاحقاً و بالتدريج عن كثير من صلاحيات تلك الدولة ؟"(45)0
على العكس مما يشتهي العروي ، فقد شهد عقد الثمانينات احتلالاً صهيونياً لبيروت عاصمة الثقافة العربية ، و عايش هذا العقد حروباً أهلية و ثورات جياع امتدت على طول الساحة العربية من مصر إلى الجزائر ، و خاضت هذه الدولة أو الدولة القائمة بحسب تعبير العروي ، حروباً ضد المجتمع انتهت بتدمير المجتمع و تجييره لصالح السلطة الاستبدادية ، و بدا للعيان ذلك الاستقطاب الحاد بين الرافعين لشعار " لا حاكمية إلا لله " و الذي هو كلمة حق يراد بها باطل كما فهمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و كما فهمه المتبصرون من المسلمين على حد تعبير رضوان السيد(46) وأ ن الإسلام دين و دولة، و بين القائلين أن الإسلام دين و أن الدولة شيء آخر .
في هذا السياق جاء كتاب محمد عمارة ليقدم إجابة توفيقية تشهد على مكر الخطاب السياسي الإسلامي في سعيه الى تلطيف الإجابة بهدف طمأنة الليبرالي العربي وتهدئة مخاوفه من الدولة الدينية التي طرحتها الحركات الإسلامية الراديكالية بعنف ، و التي راحت تنعت القومية العربية كرابطة سياسية بأبشع النعوت ، معتبرة إياها صنماً فكرياً و بديلاً ممقوتاً عن فكرة الخلافة الإسلامية التي من شأنها أن تؤسس لإقامة الدولة الإسلامية الكبرى ( 47)0
في كتابه " الدولة الإسلامية : بين العلمانية و السلطة الدينية ،1988" و الذي يحيلنا عنوان الفرعي إلى ذلك الاستقطاب الحاد بين العلمانيين الذين يؤكدون على أن الإسلام دين و ليس دولة و بين القائلين ـ و هم هنا رواد الحركات الإسلامية الراديكالية ـ بأن الإسلام دين و دولة . أقول بين هذا و ذاك ،راح عمارة يسوق أمامه مجموعة من التعريفات و المفاهيم ليذكي في الختام رؤيته التوفيقية ونتائجه الهزيلة التي طبعت الخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة كما يرى الجابري في تحليله للخطاب الإسلامي، فمع إقراره بأن قضية السلطة الدينية هي قضية " قديمة ـ جديدة " فهو يرى-أي عمارة- إن السلطة الدينية التي تعني " أن يدَّعي إنسان يتولى منصباً دينياً أو سياسياً أو مؤسسة فكرية أو سياسية ما لنفسه صفة الحديث باسم الله و حق الانفراد بمعرفة رأي السماء و تفسيره ، و ذلك فيما يتعلق بشؤون الدين أو بأمور الدنيا .."(48) هو رأي غريب على الفكر الإسلامي الذي لا يقره و ذلك باستثناء الشيعة ، فكل تيارات الفكر الإسلامي و مذاهبه تنكر وجود السلطة الدينية (49 )0 و إذا كان عمارة لا يقر بوجود السلطة الدينية في الإسلام ، فهو يرفض بنفس الوقت و بزخم بلاغي أن تكون العلمانية هي الحل . فالاستقطاب الحاد بين العلمانية و السلطة الدينية ، هو شاهد على غربة " المصلح و الثوري العربي و المسلم "(50 ) عن واقع أمته الإسلامية و بقائه مرتهناً ، بوعي منه أو بغير وعي ، للحضارة الأوروبية الغازية . يقول عمارة : عندما نواجه القلة من " علماء " الدين الإسلامي الذين جعلوا من أنفسهم " كهنة و رجال دين " فإننا لا نواجههم " بالعلمانية " ، التي تعزل " الدين " عن الدولة ، و إنما نواجههم " بالإسلام : الدين "، الذي ينكر الكهانة و السلطة الدينية ، و الذي لم يحدد للمسلمين نظاماً معيناً و مفصلاً في الحكم ، أو في السياسة أو في الاقتصاد ؟ … و الذي ـ في ذات الوقت ـ لم يدر ظهره لأمور الدنيا و شؤون الدولة ، و إنما وضع القواعد العامة و الأطر المرنة ، و القوانين الكلية ، ثم أطلق للعقل و التجربة العنان ليضعا النظم و القوانين و النظريات المتغيرة دائماً و المتطورة أبداً ، وفق المصلحة ، و على ضوء هذه المثل و الكليات ( 51) فالعلمانية ليست سبيلنا إلى التقدم (52 ) .
كما أسلفت ، فإن عمارة يتخذ موقفاً وسطاً ، مثله مثل كثيرين من قادة الرأي في التيار الإسلامي السني ، و ذلك في إطار جوابه على التساؤل : هل الإٍسلام دين أم دولة ؟ فمن وجهة نظره إن الوسطية التي تجمع "شيئاً من هذا الطرف و شيئاً من ذلك الطرف " هي التعبير الحي عن خاصية الحضارة العربية الإسلامية في الموازنة و التوازن ، و هذا الموقف الوسط هو ما يسميه عمارة بموقف " الدين " و " الدولة " و الذي ينطوي كما لمَّح العروي على شيء من التساكن . و الذي فيه كما يرى عمارة :
أ-"أن يكون الحاكم الأعلى في المجتمع نائباً عن الأمة ووكيلاً لها فيما تفوضه إليه من سلطات . و لها عليه الرقابة و الحساب و العزل . عند الإخلال بشروط التفويض .."0
ب ـ" أن يكون منفذاً للقانون ، الذي وضعه مجتهدو الأمة ، بالشورى و الرأي و النظر ، في إطار كليات الدين و مثله العليا ووصاياه العامة .. أي أن الأمة هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايات الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت و القطعية الدلالة ، طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها" .
ج ـ إن " للدين " مدخل في " الدولة " ، لكنه لا يرقى إلى مستوى " الوحدة " ، كما أن علاقتهما لا تنزل إلى مستوى " الفصل " بينهما ، و إنما هو " التمييز " بين " الدين " و "الدولة " ."فالتمييز" هو المصطلح الأصح و الأدق للتعبير عن نوع هذه العلاقة بينهما ".( 53)
إن التوفيقية التي يستند إليها عمارة ، هي التي تدفعه إلى التفكير بصورة مثالية عن الدولة الإسلامية كما يجب أن تكون ، لا كما كانت في التاريخ ، و لا كما هي في الواقع الحالي،وهذه هي شيمة الخطاب السياسي العربي المسكون بالمثال لا بالواقع، و في رأيي أن المثالية و التوفيقية اللذان يستبطنان رؤية عمارة للدولة الإسلامية، أو الدولة الحق كما يجب أن تكون ، يفصحان عن شواغل ظرفية و إيديولوجيا جامحة . فعمارة يريد أن يسحب البساط من الدعاة أو من قادة الحركات الإسلامية الراديكالية الذين يرفعون شعار " الحاكمية " و الذين يهدفون من وراءه إلى تجريد الأمة من أية سلطات و من أية سلطان في دنيا " الدولة" و "الحكومة السياسية "(54)والذين يستعيرون معظم بواعث التعبير عن إسلامهم من إسلام أعجمي و هو هنا الإسلام الهندي ، بصورة أدق ، إسلام أبو الأعلى المودودي(55)0


في مأزق الدولة العلمانية وطريقها المسدود:
بيان من أجل الدولة الديمقراطية؟
في كتابه " الدولة و الدين : نقد السياسة،1991 " لاحظ برهان غليون أنه مع بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، أخذت الضغوط و الطلبات تزداد على الفكرة الإسلامية من قبل الشارع ، و من قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان ، في حين شهدت الفكرة القومية و العلمانية التي ارتبطت بها شيئاً فشيئاً ، تراجعاً كبيراً على المستوى النفسي و العقدي و السياسي . بل لقد أصبحت الوطنية ، بما هي تأكيد على الاستقلال الذاتي ، و رفض للتبعية و عداء لهيمنة الغرب الحضاري ، تبحث عن مصدر نموها و إلهامها في الفكرة الدينية نفسها . و ما كان يظهر كصراع بين الجامعة الإسلامية و الدولة القطرية ، أو بين السلطة الخلافية و السلطة القومية ، أصبح يتخذ اليوم صورة الصراع بين السلطة العلمانية و السلطة الدينية . فقد حل مفهوم الدولة الإسلامية محل مفهوم الخلافة أو الإمامة ، في حين أصبحت العلمانية رديفة للحداثة القومية .و هكذا أعيدت صياغة التعارض البدئي في النظر السياسي العربي المعاصر على أسس جديدة أكثر قوة في التمايز و الانغلاق مما كانت عليه في أي حقبة ماضية ، بقدر تطورها في المنحى المعرفي و الفلسفي ذاته . و تأكدت بذلك من جديد القطيعة التقليدية المتزايدة بين فريقين ، يعتقد الأول أن بناء الدولة لن يستقيم إلا إذا أخذ بما يظن أنه نظرية الدولة الحديثة بامتياز ، أي فلسفة العلمانية كدين للدولة . و يؤمن الثاني بأن العرب و المسلمين لن يتمكنوا من الخلاص و تحقيق الأمن و الاستقرار و السعادة الأرضية و الأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة العربية على الأسس ذاتها التي قامت عليها دولة الرسول الكريم ، و التي كانت وراء تحول العرب من قبائل و عشائر مقسمة و متخلفة إلى أمة عظيمة و إمبراطورية عالمية "(56 )
و سعياً منه إلى تعميق إشكالية الدين و الدولة في الخطاب العربي المعاصر و بالتالي تأسيس المجال السياسي من جديد،وتجاوز حالة الاستقطاب السائدة و التي تحكم على السجالات العربية بالعقم والاستحالة ( سبق لغليون أن اشتكى مراراً من العقلية السجالية و ذلك في كتابه عن " اغتيال العقل "(57)) ، راح غليون يحف مشروعه بمزيد من الأسئلة التي تتعلق بماهية الدين و بماهية السياسة ، و علاقة الدين بالسياسة ، و بماهية الدولة و مفهومها ..الخ :هل الدولة هوية جماعية تجسد نفسها في كيان سياسي متميز يعكس روح الجماعة و إرادتها المستقلة ، أم نقصد بها جهازاً إدارياً و تقنياً ، و بالتالي نربط مفهومها بنوعية الوظائف الإدارية و القسرية و الدفاعية التي تقوم بها ؟ و هل نقصد بالدولة النظام السياسي ، أو بنية السلطة و مصدرها و طبيعة تنظيمها و ما يطرأ عليها من صفات و خصائص ، و طرق ممارستها في المجتمع و في الدولة ، أم نعني بها المبدأ الأخلاقي العام المقوم للمجتمع و الناظم له ، الذي يجعل منه اجتماعاً مدنياً ، و نطابق مفهومها و مفهوم السياسة بما هي تحديد لأهداف الممارسة ، و توظيف للسلطة و توجيه لها000الخ ؟(58 )0
و انطلاقاً من سعيه إلى تكوين مجال سياسي تمارس فيه السياسة بعيداً عن الدين ، يؤكد غليون بأن الإسلام " لم يفكر إذن بالدولة ، و لا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله ، و إلا لما كان ديناً ، و لما نجح في تكوين الدولة . لكن الدولة كانت ،دون شك ، أحد منتجاته الجانبية و الحتمية "(59 )0 فالدين هو روح الدولة التي ستصبح بدورها جسد الدين و سلاحه و ذراعه ( 60) و يضيف غليون" إن الدولة الإسلامية لم تكن بحال دولة الله ، بل دولة المسلمين بما هم كائنات بشرية قابلة للخطأ و الصواب ، و بما هم جماعة مدنية ذات مصالح متضاربة .الخ"(61)0
ما يشفع لغليون ، هي ، كثرة استدراكاته و التي تحول بينه و بين الوقوع في شراك الاستقطاب و فخ الإيديولوجيات المتساجلة حول الدين و الدولة ، و هذه الاستدراكات تنطلق من أهمية الموقع الذي شغله الدين الإسلامي في الدولة الإسلامية ، فقد كان الدين على مسار تاريخي طويل روحاً للأمة و الدولة التي كانت بدورها جسداً للدين ، ترعاه و يرعاها (62). و لكن ـ أي هذه الاستدراكات ـ تبحث في النهاية عن حل لها ، و هذا الحل يجده غليون في الدولة الديمقراطية التي تمهد للمصالحة بين الدين و الدولة ، بين غلاة التطرف من الجانبين ، لنقل بين أصوليتين وصلتا حد المأزق و الطريق المسدود ، في تنظيرها لدولة الاستبداد التي عايشناها أو تلك المرتقبة ، ممثلة بالدولة الدينية أو الدولة المستبدة العلمانية التي فاقت في استبدادها جميع أِشكال القهر التاريخية التي عرفتها الدولة العربية الإسلامية في مصيرها الطويل ، يقول غليون : يعتقد الإسلاميون أن قضية الشرعية مرتبطة بتطبيق القيم الدينية ، باعتبار أن الحكم في النهاية لله وحده ، و يعتقد العلمانيون أن الشرعية مستمدة من القيم الوطنية الحديثة و في الحالتين ترتبط الشرعية بالعقيدة ، باعتبارها التعبير عن الأهداف و القيم الاجتماعية السائدة .لكن ما يجمع النظرتين و بوجههما الواحدة معاً ضد الأخرى هو كونهما تنطلقان في الواقع من فرضية الدولة الاستبدادية ، فلو انطلقنا من فرضية الدولة الديمقراطية لأدركنا أن مبدأ السيادة الشعبية قادر بنفسه على حل هذا التناقض الحقيقي في القيم ، ذلك لأنه لا يهتم مسبقاً بالقيم و المعايير و الأفكار التي ينبغي على هذه السيادة أن تلتزم بها ، و إنما يحدد فقط الطريقة الإجرائية التي يمكنها أن تساعد الجماعة على الوصول إلى إجماع في موضوع هذه القيم و الأفكار "(63 ) .
كما أٍسلفت ، يؤكد غليون على المأزق العقيدي و السياسي للعلمانية العربية ، فالسعي إلى علمنة الدولة التي يبني عليها كما سنرى محمد أركون آمالاً كبيرة ، أي تسليحها بعقيدة وضعية خاصة ، في مقابل العقيدة أو التنوع العقائدي السائد على مستوى المجتمع ، و كأنه نكوص نحو الماضي ، لا يختلف كثيرأ عن النكوص الذي يمثله السعي إلى إعادة بناء الدولة حسب النموذج التاريخي (64) 0فالدولة العلمانية تضع الصراع العقائدي في مقدمة الصراع السياسي ، و أحياناً بديلاً عنه ، و بالتالي تدفع بالمعركة الإصلاحية إلى طريق مسدود كما يقول غليون ؟.
يتفق غليون مع العروي ، بالقول إن الهدف هو بناء الدولة ذاتها ، لأن كل دولة في نظره دنيوية و مدنية . و هذا ما لم يدركه المثقفون العرب و الذين ما زال قسم كبير منهم يناحر وحش الدولة الاستبدادية العلمانية الجديدة ، فالمشكلة ليست محاججات نظرية بين المثقفين ، و لا حجج عقلية أو تاريخية بحسب برهان غليون ، فالمسألة تتعلق بتعيين الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع و السياسة على السواء "(65) ، وهذا ما انتبه إليه العروي كما رأينا في فقرة سابقة و ما أهمله جيش المثقفين و المفكرين الذين راحوا يناصرون الدولة العلمانية على عماها، ويقرؤون بصورة انتقائية التراث التنويري العربي الممتد من علي عبد الرزاق إلى طه حسين إلى محمد أحمد خلف الله . و بخاصة بعدما أصبحت الدولة ضد الأمة بحسب العنوان الشهير لكتاب برهان غليون الذي يحمل هذا العنوان (66)0
يعزي غليون استمرارية إشكالية الدين و الدولة في خطابنا المعاصر ،إلى غياب مفهوم الدولة و ضعف الاشتغال عليه من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة . و كذلك غياب مفهوم السياسة من قبل الحركات العلمانية كنشاط متميز عن الدولة أو عن الصراع من أجل السلطة (67) 0ومن هنا نفسر دعوته إلى ضرورة التمييز بين السياسة و الدولة ، و ليس الدين و الدولة ، و الذي من شأنه أن يوفر المناخ لبلورة مفهوم الدولة الديمقراطية التي تجعل من السياسة حقلاً مستقلاً ، لنقل حقلاً من انتاج المجتمع بحيث تنحصر وظيفة الدولة في تنظيم هذا الحقل كمجال حيوي للمجتمع السياسي المرتقب الذي يهيأ القاع للنهوض بالدولة و المجتمع ، و لحماية المجتمع من فك الدولة و غولها المفترس (68)0
إذا كان غليون قد بين مأزق الدولة العلمانية،فإن الشيخ راشد الغنوشي يرفضها نهائيا ويصفها ب"دولة التجزئة العلمانية الدكتاتورية" وينعت نخبتها السياسية ب " الكهنوت الجديد " (69) الذي يسعى إلى فرضه دينه الجديد على المجتمع العربي الإسلامي عنوة ، و هذا ما يثير مخاوف و قلق الشيخ راشد ، الذي يبدي في الحقيقة قلقاً مضاعفاً من واقع عربي ، ينوس بين بين ، بين الدكتاتورية العلمانية التي تزعم الحداثة و التقدم و لكنها بممارساتها الاستبدادية تخون كل هذه المزاعم ، و بين الدكتاتورية الدينية و التعبير له التي تجعل من الدولة الإسلامية أصلاً من أصول الدين ، و تنتهي بالتالي إلى ممارسة مزيد من الغلو و التطرف . و في محاولة منه للإنعتاق من هيمنة الاستبداد الفكري الذي تمارسه الحركات الإحيائية الإسلامية التي ترى في الدولة شأناً عقيدياً ، و من هيمنة استبداد الدولة العلمانية التي صادرت المجتمع العربي و الحياة العربية ، راح الشيخ الغنوشي يصيغ بيانه الجديد عن " الحريات العامة في الدولة الإسلامية ،1993" و أشير إلى كتابه الصادر مع بدايات عقد التسعينات من القرن المنصرم و الذي يحمل العنوان السابق ؟
إن التفكير في الحرية كما مر معنا ، هو تفكير في الدولة و المجتمع معاً ، و بالتالي هو اكتشاف للدولة قبل اكتشاف الحرية كما يرى العروي ،من هنا فإن البحث في الحريات العامة سيدفع بالشيخ راشد الغنوشي كإسلامي مستنير ـ إذا كان لا بد من هذا الوصف ـ إلى التفكير ب " المبادئ الأساسية للحكم الإسلامي " التي تقطع مع القول بأن الإسلام دين و ليس دولة كما جاء بها علي عبد الرزاق ذلك " الداعية العلماني " كما يسميه الشيخ الغنوشي ، و ذلك على الرغم من أنه أزهري و من داخل المؤسسة الدينية التقليدية . أو تلك التي تجعل من الدولة شأناً عقيدياً كالصلاة و الصوم . فمن وجهة نظر الشيخ راشد ، أن السلطة في الإسلام ضرورية ، لأن سنن الاجتماع تقتضي ضرورة قيام السلطة من وجهة نظره هي قيامة الدين . فللسلطة كما يقول " وظيفة اجتماعية لحراسة الدين و الدنيا ، و أن القائمين عليها ليسوا إلا موظفين و خداماً عند الأمة "(70) ،فالدين أس و السلطان حارس . و يضيف الغنوشي " السلطة بهذا الاعتبار ، سلطة مدنية من كل وجه ، لا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة إلا من حيث علوية سيادة الشريعة أو التقنين الإلهي "( 71) .
إذا ضربنا صفحاً عن هذا الخلط بين الدولة و السلطة الذي يجعل منهما وجهان لحقيقة واحدة في خطاب الغنوشي ، فإن خطاب الغنوشي يثير الحيرة و يدفع إلى التناقض ، بين ضرورة الدولة كونها من سنن الاجتماع و بين وظيفتها التي تكمن في حراسة الدين و إذكاء مثله الأعلى . بين ديمقراطيتها التي عليها أن ترعى المجال السياسي للأحزاب بمختلف أشكالها ، و بين نزوعها الديني الذي يجعل منها دولة دينية ، و بين هذا و ذاك ، يظل خطاب الشيخ راشد توفيقياً ، و التوفيقية تأتي من كونه يفكر في المثال على حساب الواقع التاريخي ،لأن الواقع التاريخي يقول إن الدولة لم تكن حارسة للدين بل هو الذي حرسها و هذا ما سنراه لاحقاً في أطروحة رضوان السيد في هذا المجال ، أضف إلى ذلك أن مقولة حراسة الدين مستعارة بالجملة من ثقافة أخرى لم ينتبه الغنوشي إلى جذورها البعيدة ، فسعى عبر ذلك إلى التوليف بين الماضي و الحاضر ، لنقل بين السلطة الدينية و الديمقراطية على أمل أن يجد في ذلك مخرجًا على طريقة عمارة، يرضي به الطرفين و يساهم في خروجنا من نفق الاستبداد الذي تحاصرنا به دولة الاستبداد التي قطعت مع كل العقود التي يسعى الغنوشي إلى تسويرها بها من خلال قوله بأن " الإمامة عقد " أو أن العلاقة بين الحاكمين و المحكومين تقوم على عقد هو البيعة التي لا يصح في غيابها أن تكون هناك طاعة الحاكم .

تجديد الرهــان على الدولة العلمانية:
إذا كانت الدولة العلمانية قد انتهت إلى طريق مسدود و أفضت إلى مأزم ( هو الطريق الضيق بين جبلين بحسب ابن منظور) أو إلى مأزق بحسب برهان غليون ، فإن الدولة العلمانية بقيت موضع رهان عند الباحث في الإسلاميات التطبيقية و أقصد محمد أركون .
ما يأسف له أركون أن الدولة العلمنة كانت ممكنة في الخمسينيات من القرن المنصرم ، و لكنها تراجعت في نهاية القرن المنصرم ، و هو لا يعزي هذا التراجع إلى قصور فكري أو عقائدي أو لأنها أعطت الأولوية للسياسة على العقيدة في سعيها إلى علمنة الدولة و المجتمع معاً ، بل يعزي تراجعها إلى أمرين ، الأول تنامي إيديولوجيا الكفاح ضد الإمبريالية ، التي أخرَّت على الرغم من إيجابياتها و موهت مرة أخرى دراسة المشاكل الحاسمة و الضخمة للعلائق بين الدين و الدولة و الدنيا ، فقد أصبحت هذه المشاكل مؤجلة نظرياً لضرورات الكفاح الوطني ، و أخَّر ذلك من العودة النقدية للمجتمعات الإسلامية على ذاتها (72)0 و الثاني و يتمثل في صعود الحركات الإسلامية الراديكالية التي يتناوب في خطابها الحديث عن الدولة الدينية أو دولة الخلافة و التي ترفع شعار " لا حاكمية إلا لله " و الإسلام دين و دولة ، فهيجان المناضلين المسلمين على حد تعبير أركون، أجل الحسم المؤجل في مسألة الدين و الدولة و نحَّى جانباً تلك النزعة النقدية و الاجتماعية عند المفكرين الإسلاميين و المفكرين العرب في قراءتهم لإشكالية الدين و الدولة.
في بحثه عن إشكالية الدين و الدولة و الدنيا ، يتوقف محمد أركون عند نقاط عدة :
أولاً ـ إن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين و الدولة و الدنيا غير مدروسة ، و غير مضاءة ، و ذلك فيما يخص الإسلام بشكل جيد حتى الآن .
ثانياً ـ إن الصورة قد أصبحت أكثر إظلاماً نتيجة هيجان المناضلين الإسلاميين الذين جعلوا من عبارة الإسلام دين و دولة شعاراً ايديولوجياً لهم .
ثالثاً ـ إنه ينبغي علينا تبيان المبالغات و التطرفات و الانحرافات التي يقع فيها الكتاب الإسلاميون المعاصرون عندما يتحدثون عن هذه المسألة . و ينبغي أن نفعل ذلك عن طريق التذكير بالآراء الذكية و التحليلات المرنة و الأفضل توثيقاً للكتاب المسلمين الكلاسيكين و التي هي أكثر جدية بكثير من الخطابات الإيديولوجية التي تنهمر علينا من كل حدب وصوب (73)0
إن الخلط بين الدنيوي و المقدس ، بين الدين و الدولة ، يمكن إرجاعه من وجهة نظر أركون إلى خضوع العلماء للسلطة :"فقد راح العلماء الدنيويين يخضعون للسلطة السياسية في تاريخ الإسلام ، و بالتالي حصل الخلط واقعاً بين الذروتين الدينية و السياسية ،هذا في حين أن الفصل بينهما كان قد حدد بشكل صريح من الناحيتين النظرية و العملية . و راح الناس يتوهمون فيما بعد أن الخليفة ، أو ، السلطان يتمتع فعلاً بمشروعية دينية وهيبة قدسية "(74).
في هذا السياق الداعي إلى الفصل بين الدين و الدولة ، ليس غريباً أن يثني محمد أركون على الشيخ علي عبد الرزاق و الذي هو موضع إشادة من الجميع و ذلك على الرغم من محدوديته كما يرى غليون . و على الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض إطاعة أمر الخليفة في إحدى مسائل العقيدة و بذلك ثبَّت حدود و صلاحيات الخليفة التي ينبغي ألا تتعداها .(75) و الذي سيبعث من رماده من جديد كنموذج للمثقف المبدئي في مواجهة السلطة كما يسعى إلى ذلك محمد عابد الجابري في كتابه " المثقفون في الحضارة العربية ،1996"(76) .
من العروي إلى محمد أركون إلى رضوان السيد الذي قام بالتحقيق والتقديم لأهم المؤلفات الكلاسيكية للفقهاء المسلمين في مجال الدين و الدولة ، و من الماوردي إلى الطرطوشي (77) . هناك تأكيد على أن الفقهاء الأقدمين الكلاسيكيين كانوا أكثر نجاعة و حصافة و شجاعة في قراءتهم لإشكالية الدين و الدولة ، و أنهم يسبقون بالعديد من المرات ، الكتابات الإيديولوجية المعاصرة التي تذكيها خطابات الإسلام السياسي أو تلك التي يذكيها مثقفون عرب علمانيون معاصرون . و التي تكشف عن عمق الهوة و عن مدى المأزق الذي يوجه مسيرة الفكر العربي المعاصر في قراءته المؤدلجة للماضي و الحاضر و المستقبل و التي تنحدر علينا من كل حدب و صوب ،المأزق الذي من شأنه أن يكشف عجز الخطاب العربي وعلى مدى قرن كامل من انتاج خطاب عقلاني في هذا المجال؟0
ثمة شكوى عند أغلب المثقفين العرب ، من أن الغرب هو الحاضر الغائب في خطاباتهم ، فقد أصبح الغرب نموذجاً للقياس و ليس للاستثناس كما يرى الجابري (78) . و قد انتبه غليون إلى ذلك في بحثه عن مأزق الدولة العلمانية التي تقيس على الغرب في سعيها إلى علمنة الدولة و المجتمع ، و التي تهمل دور الدين في بناء الدولة و الجماعة و هذا ما فعله على أكمل وجه الدين الإسلامي ، و هذا ما حذَّر منه هشام جعيط كما مر معنا ، و لكن أركون و على الرغم من حصافته الفكرية و سعة اطلاعه على إحداثيات الفكر الإسلامي ، يظل أسير هذا النموذج ، فلا مخرج إلا بالعلمنة التي يراها ممكنة في الإسلام (79) و التي تظهر في خطابه كإنجاز برجوازي غربي قاد إلى وضع الأسس للدولة العلمانية الحديثة ، في حين قاد غياب البورجوازية في الواقع العربي إلى كل هذا التخبط و التراجع الفكري عند الحركات الإسلامية التي راحت تبشر بدولة الخلافة ، مع أن دولة الخلافة كما يرى أركون قد أصبحت من الماضي البعيد،وهذا ما يشكل قاسماً في أغلب كتابات الحداثيين التي تاهت في بحثها عن الطريق من خارج الغابة و التعبير للجابري في نقده للخطاب العربي المعاصر (80) .
يسيِّج أركون سعيه إلى فض الاشتباك بين الدين و الدولة بمزيد من الأسئلة التي يمكن لها أن تقطع مع الدولة الدينية و كذلك الدولة الاستبدادية : هل يمكن للبشر أن يقبلوا بأن يتسلط عليهم بشر آخرون و يتحكموا بشخوصهم و حياتهم كمصائر روحية مثبتة و محددة من قبل الله (الشيخ السلفي أو الشيخ المستنير يرفض ذلك كما لاحظنا في خطابي عمارة والغنوشي) ؟كيف ، و ضمن أية شروط ، يمكن للسلطة التي يتحكم بها شخص واحد ، أو مجموعة أشخاص ، أن تصبح سيادة عليا مرتبطة بسيادة الله ذاتها و تسيطر على القلوب و النفوس عبر الكلام الموحى ؟ (81)0 و لكنه لا ينجح في فض الاشتباك بين الدولة و الاستبداد ، لنقل بين الدولة العلمانية و الاستبداد ، فقد فاق استبداد الدولة العلمانية ما عداها كما أسلفنا ، و لكن أركون و على الرغم من سخريته من الدولة الأتاتوركية العلمانية الكاريكاتورية كنموذج ، لا يقوم بنقد النموذج العلماني لدولة شرق المتوسط على حد تعبير عبد الرحمن منيف و ذلك يعود من وجهة نظرنا ، إلى أنه يحتفظ بالمثال العلماني على حساب التاريخ الفعلي 0 إنه يركز هجومه على دولة الخلافة ، وهذا ما يفسر كثرة أسئلته التي يمكن اختصارها بسؤال واحد و ينسى أن الخلافة زالت منذ أمد بعد ، و أن الخلافة كانت من الشرعيات الفرعية المؤقتة كما يكتب رضوان السيد(82)، كذلك تناقضاته ، فهو يرى أن التطور التاريخي اللاحق في العصر العباسي ، و هناك من يذهب من الباحثين في تاريخ الدولة إلى أبعد من ذلك ، قد سار باتجاه الفصل لا الوصل : أي في اتجاه تشكيل دائرة سياسية بعيدة عن الدائرة الدينية و مفصولة عنها (83) . و أن صلاحيات الخليفة قد حددت من قبل الفقهاء فيما يتعلق بمسائل العقيدة والذين تحدوه في أحيان كثيرة ( من أحمد بن حنبل إلى العز بن عبد السلام في العصر المملوكي ) و الذي حصروا طاعته فيما يخص السلطات الخاصة بجهاز الدولة . و لكن أركون المتعلق بالنموذج العلماني يسهو عن ذلك ليحصر حديثه في نقد الخلافة و ذلك على الرغم من نقده الهام و المميز للحركات الإسلامية في جذرها التاريخي و الكلاسيكي ؟

دولـة عربية أم"مشروع دولـة " ؟
لم يقتنع محمد أركون بمأزق الدولة العلمانية الذي وضَّحه برهان غليون و لم يلتفت إليه ، و بنفس السياق لم تفلح مطارحات عزيز العظمة في بحثه عن "العلمانية في منظور مختلف ،1992" في تجاوز الأزمة ، لنقل أزمة الدولة العلمانية ، و لم يأت مختلفه بالجديد و ذلك على الرغم من مساعيه لتجاوز النموذج الأوروبي العلماني و القياس عليه (84)0 فقد تاه في البحث عن وجوه العلمانية المتعددة ( وجهها المعرفي و المؤسسي و السياسي و الأخلاقي ) و كذلك قواها التاريخية الفاعلة و لكنه لم ينجح في إعادة الاعتبار للعلمانية و لا لما سمَّاه ب " التاريخ الفعلي " في بحثه عن الدلائل القاطعة على علمنة السياسة في الفكر الإسلامي و التي من شأنها أن تدعم ما سماها أيضاً ب " الدلائل القاطعة " (85) عند علي عبد الرازق ، هذا الذي سيبقى بمثابة الحاضر الغائب و المضمر في معظم خطابات التقدميين العرب في بحثهم عن الدين و الدولة و الدنيا ، و الموجه لمعظم دراساتهم الانتقائية في التراث و التاريخ معاً ؟.
في سعيه إلى" إعادة فهم الواقع العربي " المهدد بالتشرذم و التذرر و التفتت ، كما بينه النموذج العراقي في أعقاب حرب الخليج الثانية 1990، راح الأنصاري في كتابه " تكوين العرب السياسي و مغزى الدولة القطرية ، 1994" يهاجر في الاتجاه المعاكس و بعيداً عن المساجلات البيزنطية بين المثقفين العرب المنقسمين على أنفسهم بين تيار يناحر العلمانية و يقرأ التاريخ العربي و التراث كما أسلفنا بصورة انتقائية ليثبت ما يسعى إليه ، و بين من يرى أن الإسلام دين و دولة و أن الدولة شأن عقيدي ، و التي اعتبرها الأنصاري خير شاهد على أزمة المثقفين العرب التي كثر الحديث عنها في عقد التسعينات 0
من وجهة نظر الأنصاري ، إن أعراض الأزمة تمتد من الماضي إلى الحاضر . و أن " الاضطراب الذي شمل الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية منذ نشأتها يجب أن يرد في النهاية إلى خلفيته التاريخية الواقعية قبل الإٍسلام و في التاريخ العربي القديم ، و ألا يقصر على مجادلات كلامية و نظرية بين دعاة الدولة و معارضيها في الإسلام قائلين إن الإسلام دين و دولة ، و من قائلين إن دين في الأساس (86). و يضيف الأنصاري بقوله " أساس المشكلة ، في تقديرنا ، ليس في أن الإسلام لم يدع إلى إقامة دولة ، فالإسلام دين و دولة ، و طبيعة تعاليمه و شريعته تستدعي وجود دولة ، بل إن المشكلة الأساسية تمثلت ، من حيث الواقع التاريخي ، في أنه كان على الإسلام أن يبدأ في إقامة دولته من نقطة البداية ، أو بالأحرى ، من نقطة الصفر حيث لم يكن في المنطقة التي ظهر فيها و انطلق منها شمال الجزيرة العربية وجود لدولة أو لنواة دولة ، أو حتى لحكومة "(87 ).
يلح الأنصاري على " أساس المشكلة "، فكما كانت المشكلة في الماضي ، هي في الحاضر ، فقد قامت الدولة في الإسلام من نقطة الصفر ، و تقوم الدولة القطرية العربية الحالية وريثة عهد الاستقلال من الصفر ، و لذلك ليس غريباً أن يرى الأنصاري أن الدولة الحالية ما زالت تمثل " مشروع دولة " و لم تصل بعد ، إجمالاً ، إلى مرحلة الدولة المكتملة التكوين و النضج و المؤسسات و التقاليد و النظم (88).
كان العروي قد رأى في بحثه عن وجود الدولة القطرية أو الدولة القائمة فعلاً ، أنها موضع شك و تساؤل ، و هذا ما ينتهي إليه الأنصاري ، و من هنا تركيزه على أن المطلوب أولاً هو " نضج مؤسسات الحكومة و الدولة و مرتكزاتها في المرحلة الراهنة "( 89) و هذا ما لم يفهمه الكثير من المثقفين و الديمقراطيين الداعين إلى تفويض سلطة الدولة القطرية العربية المقوَّضة أصلاً و التي تحتاج إلى مزيد من الدعم و البنيان بدلاً من تقويض أسسها ، بحجة عجزها مرة ، و كونها عقبة في طريق التوحيد الشامل كما يرى القوميين العرب . و في الحقيقة و بمقدار ما يصيب الأنصاري في تصويبه لنقاط ضعف و عجز الدولة القطرية الدائمة ، فإنه يحيلنا إلى إشكال كبير ، فإذا كانت السلطة العربية هي " حاضنة الدولة " و ليس العكس (90). و أن حاكمها " الفرد " هو صمام الأمان للدولة التي تمثل تطوراً مدنياً و حواضرياً قياسياً بالحالة المجتمعية للبلد العربي المتذررة بكل أطياف اللون العشائري ، فإن الحركات الاحتجاجية التي تطالب بالديمقراطية تظهر على أنها تعاكس حركة التاريخ لأنها تهدف إلى تقويض السلطة المستبدة وبالتالي تقويض الدولة الناشئة والحالة العراقية بعد الاحتلال الأميركي خير شاهد على ذلك؟(91)0

هل الدولــة حارسة للدين:نحو رؤيـة جديـدة للذات والآخر؟
من موقعه كباحث عن الطريق من داخل الغابة لا من خارجها بحسب تصنيف الجابري لخطاب المثقفين العرب (92)، راح رضوان السيد يحث الخطى بتأن يقطع مع الخطاب الإيديولوجي السائد و نزعته التحزبية السجالية ، و يدفع باتجاه مزيد من الاستدراكات التي من شأنها أن تحد من هاجس الأسئلة الزائفة التي تطبع خطابات المثقفين العرب بشأن العلاقة بين الدين و الدولة ، و أن تضع حداً للقراءة الانتقائية التي تعود إلى استنطاق النصوص التاريخية و تسويرها بمزيد من الأسئلة المعاصرة التي من شأنها أن تدفع إلى إجابات آنية و غير ملائمة ، و هذا ما طبع أغلب نتاجاته ، و دفعه إلى تعديل موقفه أحياناً بشأن الدين و الدولة و إشكالية الوعي التاريخي بهما (93). و قد عمل في هذا المجال بتواتر كبير و على مدى عقود عدة من القرن المنصرم ، من خلال أبحاثه في هذا المجال أو من خلال ترؤسه لمجلة الاجتهاد التي اعتبرها الأنصاري أبرز علامة متميزة في انعطافة الفكر الإسلامي المعاصر " ، فقد سعى رضوان السيد و عبر منهجية جادة و من داخل الإيمان الإسلامي على حد تعبير الأنصاري الى رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي و أضاف عبر مؤلفاته في الدولة و السلطة و الحضارة رؤية جديدة لا يمكن إغفالها في مجال إعادة تأسيس النظرة الإسلامية الجديدة للذات و الآخر"(94)0
في بحثه عن الدين و الدولة و إشكالية الوعي التاريخي 0 يقر رضوان السيد بأن ماهية العلاقة بين الدين و الدولة تعود لتحتل الصدارة في وعي الجماعات الإسلامية المعاصرة "(95) و أنها تمثل عودة لإشكالية قديمة و ليست بالجديدة . من هنا فهو يتوجه إليها و عبر أبحاث عديدة و عبر حفريات غير مسبوقة في إشكالية الدين والدولة في هذا المجال .
يتفق رضوان مع الأنصاري بقوله : إن التاريخ السياسي لأمتنا لم يكتب حتى اليوم "( 96 )0 و يضيف " كما أنه يمكن القول إن هذا الخلف كان وراء عدم تكون دولة بالمعنى الكامل لذلك في تاريخنا كله "(97)0 و من وجهة نظره ، أن الدعوة الملحاحة إلى إعادة النظر في علاقة الدين بالدولة كما يعبر عنها الخطاب العربي المعاصر ، هي شاهد على أزمة ، فالدعوة هذه تتم عادة في أوقات الأزمات الخانقة . و من وجهة نظره أنها طرحت في العقود الأخيرة من القرن المنصرم للأسباب التالية : فقد طرحت في مواجهة الدعوة المتصاعدة لعلمنة الدولة و المجتمع ، و طرحت أخيراً في ظل نظرية الحاكمية عند المودودي و سيد قطب و الإمام الخميني (98). و ما يلمحه رضوان و كما يعبر عنه واقع الثلث الأخير من القرن العشرين ، أن الدعوة إلىأن الإسلام دين و دولة ، قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم و ذلك من موقع نموذج بديل للسلطة والحاكم (99). المرحلة التي تنامت مع عولمة الحركات الإسلامية الراديكالية و ظهورها على صعيد عالمي (100). و لعل ما يثير الاستغراب هو أن الاتجاه التقدمي الرامي إلى علمنة المجتمع و الدولة يقف بدون وعي منه على نفس الأرضية التي تقف عليها الحركات الإسلامية الراديكالية منها و المعتدلة و التي ترى في الإسلام ديناً و دولة . فالاتجاه التقدمي الذي يستعير معظم بواعث التعبير عن نفسه من التجربة الاشتراكية ، يرى في الدولة حارساً لدين البروليتاريا ، و هذا ما انتبه إليه رضوان السيد (101) و ما حذر منه برهان غليون في نقده لمأزق الدولة العلمانية بنزعتها الأصولية الجديدة .
كسابقيه ، و في محاولة منه لتجاوز المأثور الإيديولوجي السائد حول الدين و الدولة ، يسعى رضوان السيد إلى إثارة المزيد من الأسئلة حول إشكالية الدين و الدولة ، و ذلك بهدف الرد عل القائلين من الإحيائيين الإسلاميين بأن الإسلام دين و دولة ، و الذين يعتقدون بأن وظيفة الدولة هي حراسة الدين كما جاء في المأثور الفكري للماوردي . فمن وجهة نظر رضوان السيد ، أن كون الدين الإسلامي يتضمن ديناً و سياسة ، فهذا شأن سائر الأديان ، و هذا ما ركز عليه محمد أركون أيضاً و لكن السؤال المهم كما يرى هو : هل الدين و الدنيا أو الدعوة و الدولة تتضمنهما مؤسسة واحدة أو مؤسستان ؟و ما مدى صحة الاعتقاد و " الصورة " السائدة بين الباحثين العرب المعاصرين من أن عصر النبي و الراشدين شهد توحد الدعوة و الدولة في مؤسسة واحدة ؟ و الأهم من كل هذه الأسئلة : هل صحيح أن الشريعة كانت تحتاج للدولة من أجل تطبيقها ، ثم : هل صحيح أن الدولة أو الإمامة حرست الشرع أو الدين ؟(102).
ما يطمح إليه رضوان السيد ،هو ، فك الاشتباك بين الدين و الدولة ، فعلى مسار تاريخي طويل كان لكل منهما مؤسسته الخاصة ، عل أن الأهم من ذلك أن الدولة الإسلامية لم تكن حارسة للدين كما نذرها الماوردي ، و كما ينذرها الاحيائيون الإسلاميون الذين يطمحون إلى الاستيلاء على الدولة لتطبيق الشريعة ، و هنا يلفت نظرنا السيد إلى أن مقولة الماوردي عن الإمامة كحارسة للدين و سائسة للدنيا ، مستعارة بالجملة من التراث الساساني ، فقد كانت الزراداشتية كديانة تدين بوجودها للدولة الساسانية ، و ما أن انهارت الساسانية حتى انهارت الزرادشتية ، أما واقع الإسلام فمختلف عن ذلك ، فعلى مسار تاريخي طويل ظلت الدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها . و أن السلطة السياسية في الإسلام لم تحرس الدين بل إن الدين هو الذي حارسها ، و ضاعت الدولة و لم يضيع الدين (103).
ما يخلص إليه رضوان السيد في حفرياته الدقيقة في تراث الدين و الخلافة و عبر تحقيقاته العديدة لأهم الكتب ،" أن تاريخ السلطة الإسلامية مع الشريعة و ممثليها (و ليس مع الدين ) هو تاريخ صراعي أو نزاعي أفضى إلى انفصال السياسة عن الفقه و أحياناً عن الشريعة ، و قيام مجالين أحدهما سياسي و الآخر شرعي . و قد سلم كل من الطرفين للآخر بمجاله ، و استمر التجاذب على أطراف المجالين حسب توازن القوى و الظروف . فالصورة التاريخية السائدة عن أن الانفصال حديث مع الدخول الغربي إلى العالم الإسلامي ، و ظهور القوانين المدنية ، و الدول القومية ، هذه الصورة تحتاج إلى تعديل كبير .على أن ظهور حركات " الصحوة الإسلامية " الداعية ـ بأساليب مختلفة ـ لقيام الدولة الإسلامية ، و تطبيق الشريعة ، يدل على أن مسألة الدين بالدولة في مجالنا الثقافي و السياسي ما تزال تبحث عن مستقر لها ، مستقر ما مكنتنا تجارب القرون الماضية من الوصول إليه "(104). و يضيف بكثير من الحصافة : الأخطر من ذلك كله اهتزاز فكرة الدولة أو السلطة في وعينا الثقافي و ليس في تاريخنا . فالصورة السائدة لدى الفقهاء و المؤرخين ، و كتاب نصائح الملوك ، أن السلطة كانت دائماً منقوصة الشرعية ، إما لخروجها على مقتضيات الدين أو مقتضيات العرف أو هما معاً ، لكنها كانت ضرورية لمنع الفوضى و سقوط المجتمع ( سلطان غشوم خير من فتنة تدوم ). و قد أدى ذلك إلى تعمق " طوبى " الخلافة الراشدة أو أفكار المهدية ، و أدى في الحقبة المعاصرة إلى ظهور فكرة تطبيق الشريعة أو الدولة الإسلامية . فلابد من الالتفات إلى تيارات هامشية في القديم و الحديث ، كانت و ما تزال ترى إمكان الدولة العقلانية ، دولة الحزم و السياسة ،أو الدولة المدنية (105)
إن غياب دولة العقل و المدنية ، و سيادة نموذج الاستبداد ، هو ما قاد في نهاية القرن المنصرم ، إلى تصالح الشيخ و الليبرالي ، بصورة أدق ، في تصالح الشيخ مع الليبرالي ، فكثيراً ما ردد الليبرالي العربي أن تخلفنا يرتد إلى بعدنا عن الحرية (106)، و ها هي دولة الاستبداد تقف كحجر عثرة في وجه تطورنا ، و في هذا السياق ، شهدت الأعوام القليلة من القرن المنصرم و بداية الألفية ، اتجاهين اثنين ، الأول ينطلق من الفرضية التي ساقها محمد جابر الأنصاري ، من أن السلطة الاستبدادية العربية هي حاضنة الدولة ، و ما أن تتراجع كما حدث في العراق ، حتى تتراجع الدولة ، و قد ذهب بعض أصحاب هذا الاتجاه إلى تبرير ما سمي ب " دولة الإكراه " التي رآها البعض ضرورة تاريخية في تاريخ تطور الدولة ، من دولة الإكراه إلى دولة المؤسسة ، و ذلك مهما رافقها من آلام ، بحجة وجود العدو الخارجي (107). هذا الاتجاه الذي يضفي كل بركاته على السلطة الاستبدادية ، يسقط ما سماها العروي ب " أخلاقية الدولة " حيث أن تحرير الدولة من الأخلاق يحكم عليها بالانقراض . و هذا ما لم يصحوا عليه أصحاب هذا الاتجاه إلا مع وقع خطى الغزو الأجنبي الرافع لراية التحرير مع أنها كلمة حق يراد بها باطل ؟
الاتجاه الثاني هو الذي يسعى عبر حفرياته الجديدة في جذور الاستبداد الى القطيعة معه ،وهذا ما عبر عنه كل من كمال عبد اللطيف ومحمد عابد الجابري0
ما يشغل كمال عبد اللطيف في كتابه " في تشريح أصول الاستبداد : قراءة في نظام الآداب السلطانية ، 1999" هو مبدأ الطاعة و كيف تم " تمجيد الطاعة " في الآداب السلطوية ،و ذلك انطلاقاً من أن الآداب السلطوية هي ثقافة سياسية تنشئها المؤسسة السلطوية و تتبناها لخدمة مشروعها السياسي ؟ .
و من وجهة نظره أن الطاعة هي المقابل الموضوعي للسلطة الباغية و المستبدة عبر التاريخ ، بحيث أصبح مبدأ الطاعة بحسب رضوان السيد الذي يستشهد به كمال عبد اللطيف ، في سياق الجدالات الإيديولوجية و الكلامية و السياسية جزءاً من العقيدة السياسية لأهل السنة و الجماعة ، بل أصبح مناط إجماعهم ؟ و يرى عبد اللطيف أن مفهوم الطاعة يعكس المبدأ السياسي الملازم للسلطة في تاريخ الإسلام ، و تشهد نصوص الآداب على أهميته البالغة في الفلسفة السياسية السلطوية ، من هنا هذا التمجيد للطاعة و مدحها في أغلب النصوص الإسلامية ، باعتبارها عز الملك و الأداة التي تمكن المـَلِك من المـُلك ، و تمنح الرعية السلطة الضامنة للاستقرار . يقول عبد اللطيف " عندما يرد الحديث في بعض الفصول عن حقوق الرعية ، أثناء الحديث عن سياسة العامة ، فإن الأمر لا يتعلق بشروط ترتب علاقة الحاكمين بالمحكومين ، بقدر ما تشير إلى عملية تدبير بؤرتها المركزية : الأمر السلطاني و الإرادة الملكية . فالأمر السلطاني أدرى بمقتضيات الجماعة و مصالحها . و ضمن هذا الإطار المسلِّم بلزوم الطاعة و الخضوع و بصورة مطلقة ، تتأسس الخطط السلطانية ، أي تتأسس سياسة التدبير " (108).
هناك إجماع عند الدارسين للآداب السلطانية و المحققين لها ، أن مبدأ الطاعة الأردشيري – نسبة إلى الملك الفارسي أردشير – يحضر في مختلف متون الآداب السلطانية و قد أحصى الدكتور رضوان السيد في كتابه " الجماعة و المجتمع و الدولة ،1997 " موارد حضور النص الأردشيري عن الطاعة الذي يجعل طاعة الملك من طاعة الله ، في كتب السياسة و السمر العربية فبلغت ستة و أربعين موطناً منها ثمانية مواطن في كتب الماوردي وحده (109).
يحذر رضوان السيد بكثير من الحصافة و الاستدراك ، من القياس على النص الأردشيري الذي يجعل " الدين و الملك توأمان لا قِوام لأحدهما إلا بصاحبه ،لأن الدين أس و الملك حارس ..إلخ " فمع إقراره بقدرة هذا النص على دخول الآثار العربية في السمر و السياسة و مرايا الأمراء و كتب الفقه ، إلا أنه يرى أن الفقهاء و المتكلمين كانوا الأقل تأثراً بهذا النص ، من هنا تحذيره أيضاً من القياس على النص الأردشيري ، فثمة فارق تاريخي واضح بين الدين و الدولة في المجال العربي الإسلامي ، فالدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها ، و ليس العكس كما هو الحال في الحالة الساسانية ، حيث ضربت الزراداشتية بعد سقوط الملك الساساني باعتباره حارساً للدين (110).
في كتابه " في تشريح أصول الاستبداد " يتبع كمال عبد اللطيف خطى رضوان السيد في تحذيره من ما يسميها عبد اللطيف بمزالق النص الملتبس ، و يقصد بذلك " عهد أردشير "الذي يتم فيه استحضار تجربة من أهم تجارب التاريخ الآسيوي في مجال الثقافة السياسية و الحكمة العملية . فمن وجهة نظره أن " النص الملتبس " يفرض على الباحث في إشكالية العلاقة بين السياسي و الديني أن ينتبه إلى موضوع العلاقة بين الدين و السياسة يعتبر من الموضوعات المعقدة جداً في تاريخ الفكر الإنساني عموماً ، و في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي على وجه الخصوص . و هو موضوع مليء بالأحكام المسبقة و الآراء الجاهزة . و من وجهة نظره أن هذه الأحكام المسبقة و الجاهزة تشكل عقبة نظرية جديدة تضاف إلى صعوباته المتعددة فتتضاعف الإشكاليات و تختلط القضايا ، و تنشأ الأحكام المتحزبة ، فتزداد الغشاوة سمكاً أمام الأعين فلا يعود الدارس يرى شيئاً . من هنا نفسر تمييزه بين صورتين أساسيتين في العهد الأردشيري ، الصورة التاريخية الفعلية التي ترويها كتب التاريخ عن الملك الفارسي أردشير الذي وحّد المدائن في دولة واحدة و أعاد إحياء الديانة الزرادشتية . و الصورة التي حفظها " العهد " في صياغته العربية و التي تم استيعابها في النسيج النصي لمرايا الأمراء و التي أصبحت نموذجاً و قاعدة في التدبير السياسي العام لمجتمع بلا فتن و مؤسس على تعالي الملك و استبداده معا(111)ً .
لم يأبه محمد عابد الجابري باستدراكات رضوان السيد و لا بتحذيرات كمال عبد اللطيف وخوفه من الأحكام الجاهزة و المسبقة و التي تقود عادة إلى أحكام إيديولوجية ، فمع إقراره بأن أزمة القيم كانت و ما تزال ، راح الجابري يحفر في الجذور التاريخية للمستبد العادل ، لنقل للمستبد الشرقي ،الذي ظهر مع تحول الخلافة إلى ملك عضوض و غشوم " ملك غشوم خير من فتنة تدوم " و ذلك في أواخر العهد الأموي ، و بالضبط مع هشام بن عبد الملك . و في هذا السياق لاحظ الجابري في كتابه " العقل الأخلاقي العربي : دراسة تحليلية لنظم القيم في الثقافة العربية ،2001 " أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا مبدأ الطاعة و كذلك الإسلام ، و السؤال الذي يبحث الجابري عن إجابة له هو : من أين جاء مبدأ الطاعة ؟
في بحثه عن جذور مبدأ الطاعة ، يقف الجابري عند عهد أردشير و كيف قدر لعهد أردشير أن يغزو حقل الثقافة العربية ليجعل من الدين طاعة رجل(112)، و ما يقلق الجابري هنا هو تنامي الاتجاه نحو الطاعة الكسروية غير المشروطة و غزوها للموروث الإسلامي المحض الذي لم يعرف في الأصل هذا النوع من الولاء و هذا النوع من الطاعة التي تجعل من طاعة الملك طاعة لله . و في هذا السياق ، سياق تغلغل الموروث الفارسي في التراث الشيعي أولاً ، و لا حقاً للموروث السني في ظل ما يسميه رضوان السيد ب " تبادل الأسلحة " يتابع الجابري حفرياته في التراثين ، حفرياته المحفوفة بالكثير من الأحكام الجاهزة ليعزو تخلفنا الحضاري و النهضوي إلى طاعتنا العمياء لأردشير الحاضر ، فما لم ندفن أردشير لن تكتب لنا نهضة(113) و لا نهضة إلا بالثورة على المستبد الآسيوي ممثلاً بأردشير الذي تمكن في وضح النهار من غزو الثقافة العربية في عقر دارها ومن التأسيس لدولة الفتنة بذريعة اتقاء الفتنة و بالتالي تبرير العيش و الاستكانة في ظلال الطاغية الجديد ؟ .
في الخاتمة000يمكن القول إنه إذا كان الخطاب السياسي العربي قد تميَّز بالهجانة والضحالة والقياس على الآخر في العقود المنصرمة من القرن المنصرم،فأن نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة،شهدت حفريات جديدة في تاريخ العقل السياسي العربي،أي تاريخ الدولة، من شأنها أن تؤسس لفهم جديد للدولة ووظيفتها في خدمة المجتمع،وهذا ما نطمح إليه ؟

الهـوامش و المراجــــع :
1 ـ محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ،2001).
2 ـ محمد أركون ، الإسلام : الأخلاق و السياسة ، ترجمة هاشم صالح ( بيروت ، مركز الإنماء القومي ، 1990).
3 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ( بيروت ، المركز الثقافي العربي ، 1980).
4 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين : نقد السياسة ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ،1993)ص 6 و الإشارة هنا إلى الطبعة الثانية من الكتاب .
5 ـ علي عبد الرزاق ، الإسلام و أصول الحكم ، دراسات و وثائق محمد عمارة (بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 2000) ص 145.
6 ـ علي عبد الرزاق ، المصدر نفسه ،ص 146.
7 ـ المصدر نفسه ،ص 146.
8 ـ المصدر نفسه ، ص 150.
9 ـ المصدر نفسه ، ص 154، انظر تعليق محمد عمارة في كتابه " الدولة الإسلامية بين العلمانية و السلطة الدينية ، الصفحات 200،205،207،208.
10 ـ علي عبد الرزاق ، المصدر نفسه ،ص 180.
11 ـ المصدر نفسه ، ص 174.
12 ـ المصدر نفسه ،ص 182.
13 ـ عبد المجيد الشرفي ، مشكلة الحكم في الفكر الإسلامي الحديث ، مجلة الاجتهاد ،ص 87 العدد /14/ ، السنة الرابعة ، شتاء 1992، 1412 هجرية .
14 ـ عبد المجيد الشرفي ، المصدر نفسه ، ص 91.
15 ـ عبد الله العروي ، الإيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت ، المركز الثقافي العربي ،1996) و كانت الطبعة الأولى من الكتاب قد صدرت في العام 1970 عن دار الحقيقة في بيروت .
16 ـ ابراهيم البيومي غانم ، مفهوم " الدولة الإسلامية " المعاصرة في فكر حسن البنا ، مجلة الاجتهاد ، العدد /14/ ، ص 147.
17 ـ ابراهيم البيومي غانم ، المصدر نفسه ، ص 147 .
18 ـ محمد جابر الأنصاري ، الفكر العربي و صراع الأضداد : الاحتواء التوفيقي للجدليات المحضورة ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ،1996).
19 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر : دراسة تحليلية نقدية ( بيروت ، دار الطليعة ، 1985) فقد بين الجابري أن الخطاب العري المعاصر هو خطاب قياسي إما على الماضي الديني أو على الحاضر الأوروبي ، و بالتالي فهو خطاب سلفي بشقيه و المطلوب هو فك إساره من قبضة النموذج السلف ص 57 .
20 ـ محمد أركون ، تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ترجمة هاشم صالح ( بيروت ، مركز الإنماء القومي ،1986 )ص 278.
21 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ، 146 .
22 ـ هشام جعيط ، الشخصية العربية الإسلامية و المصير العربي، ترجمة المنجي الصيادي (بيروت ،دار الطليعة ،1984)ص 118.و قد صدر الكتاب بالفرنسية في العام 1974.
23 ـ هشام جعيط ، المصدر نفسه ،ص 118.
24 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ( بيروت ،دار الكتاب العربي ، 1997 ) ص 360.
25 ـ هشام جعيط ، المصدر السابق ، ص 120 .
26 ـ هشام جعيط ، الفتنة : جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر ، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت ، دار الطليعة ،1991) ص 13، و انظر مراجعة صلاح الدين الجورشي للكتاب في مجلة الاجتهاد ، العدد /13 / خريف 1991 .
27 ـ هشام جعيط ، أزمة الثقافة الإسلامية (بيروت ،دار الطليعة ، 2000) ص 11.فقد أبدى مخاوفه من نكوص باتجاه الحداثة من شأنه أن يمج الإسلام جملة ؟
28 ـ هشام جعيط ، أوروبا و الإسلام (بيروت ،دار الطليعة ، 1995)ص 100.
29 ـ عبد الله العروي ، محاورة فكر عبد الله العروي (بيروت ، المركز الثقافي العربي ،2000) ص 26، 27 .
30 ـ هشام جعيط ،أوروبا و الإسلام ، ص 102 .
31 ـ عبد الله العروي ، أزمة المثقفين العرب ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 1974 ) و الكتاب هو فصول من كتاب العروي ( العرب و الفكر التاريخي ، 1973 ).
32 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ، ص 145 .
33 ـ عبد الله العروي ، المصدر نفسه ، ص 145 .
34 ـ عبد الله العروي ، المصدر نفسه ،ص 89 .
35 ـ المصدر نفسه ، ص 89 ، 90 .
36 ـ المصدر نفسه ،ص 122.
37 ـ المصدر نفسه ، ص 122.
38 ـ المصدر نفسه ، ص 135.
39 ـ المصدر نفسه ، ص 135 .
40 ـ خير الدين باشا التونسي ، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ( بيروت ، دار الطليعة ).
41 ـ عبد الله العروي ، مفهوم الدولة ،ص 145 .
42 ـ المصدر نفسه ، ص 141 .
43 ـ المصدر نفسه ، ص 148 .
44 ـ المصدر نفسه ، ص 157.
45 ـ عبد الله العروي ، إرث النهضة و أزمة الراهن ، ص 289 ، ضمن كتاب مقدمات ليبرالية للحداثة ( بيروت ، المركز الثقافي العربي ، 2000 ) بالتعاون مع مؤسسة رينيه معوض و مؤسسة فريدريش ناومان .
47 ـ جمال البنا ، كلا ثم كلا ( القاهرة ، دار الفكر الإسلامي ، 1994 ) و الذي يرى أن القومية العربية صنماً فكرياً .
48 ـ محمد عمارة ، الدولة الإسلامية ،ص 14 .
49 ـ المصدر نفسه ، ص 14 .
50 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
51 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
52 ـ المصدر نفسه ، ص 175 .
53 ـ المصدر نفسه ، ص 176،177 .
54 ـ المصدر نفسه ، ص 202 .
55 ـ المصدر نفسه ، ص 203 .
56 ـ برهان غليون ، الدين و الدولة ، ص 11، 12 .
57 ـ برهان غليون ، اغتيال العقل : محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية ( بيروت ، دار التنوير ، 1987 ) ص 43 و ما بعد .
58 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين ، ص 12 ، 13 .
59 ـ المصدر نفسه ، ص 54 .
60 ـ المصدر نفسه ، ص 71 .
61 ـ المصدر نفسه ، ص 89 .
62 ـ المصدر نفسه ، ص .
63 ـ المصدر نفسه ، ص 458 .
64 ـ المصدر نفسه ، ص 486 .
65 ـ المصدر نفسه ، ص 505 .
66 ـ برهان غليون ، محنة الأمة العربية : الدولة ضد الأمة ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993 ).
67 ـ برهان غليون ، الدولة و الدين ، ص 524 .
68 ـ برهان غليون ، المصدر نفسه ، ص 525 .
69 ـ راشد الغنوشي ، الحريات العامة في الدولة الإسلامية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993 ) ص 94 .
70 ـ راشد الغنوشي ، المصدر نفسه ،ص 93 .
71 ـ الغنوشي ، المصدر نفسه ، ص 93 .
72 ـ محمد أركون ، الإسلام : الأخلاق و السياسة ، ص 73 .
73 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 45 .
74 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 51 .
75 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 51 .
76 ـ محمد عابد الجابري ، المثقفون في الحضارة العربية (بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996 ).انظر الفصل الخاص بمحنة ابن حنبل .
77 ـ انظر تقديم رضوان السيد لكتاب أبو الحسن الماوردي ، قوانين الوزارة و سياسة الملك ( بيروت ، دار الطليعة ، 1979 ) . كذلك مقدمته عن " صراع الفقهاء على السلطة و السلطان في العصر المملوكي في تقديمه لكتاب الطرطوشي " تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك ) ( بيروت ، دار الطليعة ، 1992 ).
78 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر ، ص .
79 ـ محمد أركون ، المصدر السابق ، ص 60 .
80 ـ الجابري ، المصدر السابق ، ص 11 .
81 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 71 .
82 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ،ص 58 .
83 ـ محمد أركون ، المصدر نفسه ، ص 48 .
84 ـ عزيز العظمة ، العلمانية من منظور مختلف ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1992 ) ص 11 .
85 ـ عزيز العظمة ، المصدر نفسه ، ص 38 .
86 ـ محمد جابر الأنصاري ، تكوين العرب السياسي و مغزى الدولة القطرية ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994 ) ص 27 .
87 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 27 .
88 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 186 .
89 ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 187 .
90ـ الأنصاري ، المصدر نفسه ، ص 190 .
91 ـ هنا يكمن الخوف من مكر الخطاب السياسي العربي في سعيه إلى تبرير تصرفات السلطة الاستبدادية العربية ، و ذلك مع العلم أن الأنصاري واع ٍ لذلك .
92 ـ محمد عابد الجابري ، الخطاب العربي المعاصر ، ص 11 .
93 ـ رضوان السيد ، الأمة و الجماعة و السلطة : دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي ( بيروت ، دار إقرأ ، 1986) ص 20 .
94 ـ محمد جابر الأنصاري ، مساءلة الهزيمة ( بيروت المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 2001 ) ص 105 ، 106 .
95 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ، ص 359 و انظر إلى جانب ذلك الدراسة القيمة للفضل شلق عن الأمة و الدولة ( بيروت ، دار المنتخب العربي ،1993) و الذي يرى أن تأسيس الجماعة الإسلامية كان مشروعاً سياسياً رائعاً و أن السلطة السياسية تظهر كتدبير لاحق لتدبير الجماعة ص12و13.
96 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 364.
97 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 364.
98 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 360.
99 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ،ص 360.
100 ـ جهاد عودة و عمار علي حسن ، عولمة الحركة الإسلامية الراديكالية : الحالة المصرية ، 2002 ، ضمن سلسلة " كراسات استراتيجية ، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام ـ القاهرة .
101 ـ رضوان السيد ، المصدر السابق ، ص 383 .
102 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 278 ، 279 .
103 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 287،288.
104 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 412.
105 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 412.
106 ـ العروي ، الإيديولوجيا العربية المعاصرة ، ص 42،45 .
107 ـ عماد فوزي شعيبي ، دولة الإكراه (دمشق ،دار كنعان ،2001 ).
108 ـ كمال عبد اللطيف ، في تشريح أصول الاستبداد : قراءة في نظام الآداب السلطانية ( بيروت ،دار الطليعة ، 1999).
109 ـ رضوان السيد ، الجماعة و المجتمع و الدولة ، ص 386 .
110 ـ رضوان السيد ، المصدر نفسه ، ص 385 ، 386 .
111 ـ كمال عبد اللطيف ، المصدر السابق ، ص165 و انظر الصفحات 228 و ما بعد .
112 ـ محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي ، ص 151 و ما بعد .
113 ـ الجابري ، المصدر نفسه ، ص 621 .

الحالم
09-16-2007, 12:18 PM
(5)

من آراء الغزالي في الابستيمولوجيا
إلياس بلكا

تتجلى عبقرية أبي حامد الغزالي- المتوفى سنة 505هـ- في مظاهر عدة، من أبرزها أن الغزالي إمام لا في علم واحد فقط، بل في علوم شتى،بلغ في بعضها درجة لم يلحقه فيها إلا أفراد قلائل في تاريخ الفكر. لهذا كتب الغزالي في الفقه وأصوله، وفي الفرق وعلم الكلام وفي المنطق والفلسفة، وأيضا في التصوف والتربية.....
وهذا المقال يهدف إلى التعرف على بعض آراء الغزالي الأساسية في "فلسفة العقل" ونظرية المعرفة، وعلاقة ذلك بمجال العقائد والإيمان ... وهذه القضايا كانت – وما زالت- هامة وحيوية. مدارك المعرفة وترتيبها:
أعترف الغزالي بتنوع مدارك المعرفة ووجوه الاستدلال والتناظر فهي عنده :
1. الحساسيات، أي المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة.
2. العقل المحض.ومثل له الغزالي بمبدأ عدم التناقص، وذلك أن القسمة- من حيث الوجود- ثنائية، قال: فإن أدعى قسمها ثالثا كان منكرا لما هو بديهي في العقل.
3. التواتر، أي الخبر المستفيض الثابت.
4. نوع من القياس فيه"يكون الأصل مثبتا بقياس أخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة، إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات". فهذا القياس- إذن- يؤول إلى أحد المدارك الثلاثة السابقة.
5. السمعيات،أي الوحي.
6. مسلمات الخصم،في حال المناظرة، حيث"يكون الأصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته،فإنه وإن لم يقم لنا عليه دليل، أو لم يكن حسيا ولا عقليا، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في قياسنا، وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه .
7. والذوق والمكاشفة الذوقية.

قال الغزالي- في ترتيب هذه المدارك من حيث سعتها أو أهميتها-: اعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة.فإن المدارك العقلية والحسية عامة مع كافة الخلق... وأما المتواتر فإنه نافع، ولكن في حق من تواتر إليه...وأما الأصل المستفاد من قياس آخر، فلا ينفع إلا مع من قدر معه ذلك القياس... وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر، وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك المذهب. وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه.... وكذلك المكاشفة لا تنفع إلا صاحبها، أو من يقلده فيها.
لكن الإنسان لا يزود بهذه المدارك دفعة واحدة، بل على التدرج. فهو- في البداية- يكون خاليا لا يعرف شيئا. ثم يعرف العالم- أولا- بواسطة الحواس. وأول ما يخلق فيه منها- يرى الغزالي- هو حاسة اللمس، ثم البصر، ثم السمع، ثم الذوق... ويستمر الطفل معتمدا على حواسه إلى أن يخلق فيه التميز- وهو قريب من سبع سنين- فيجاوز عالم المحسوسات ويدرك أمورا زائدة عليه، وهو طور من أطوار وجوده... ثم يترقى إلى طور ثالث، فيخلق له العقل، وبه يدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات....


أقسام العقل:

وهذا أحد أقسام العقل، وهو- إلى حد كبير- العقل المنطقي القائم على مبدأ عدم الجمع بين النقيضين وارتفاع التناقض. وذلك أن الغزالي يرى أن أسم العقل يطلق بالاشتراك على أربعة معان، بل إنه يتفاوت بتفاوت الناس . والقسم الأخر هو الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده المحاسبي حيث قال في حد العقل: إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية، وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لأدراك الأشياء . وسائر الأقسام هي الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجرى الأحوال... الرابع: أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة... فهذان عقلان: عقل تجريبي، وعقل أخلاقي.



أصل المبادى الأولية للعقل:

وذلك كقولنا الكل اكبر من الجزء، ولكل حادث محدث، واستحالة الجمع بين النقيضين ... ونحو ذلك مما اختلف فيه الفلاسفة على رأيين: فمن قائل إنها فطرية تولد مع الإنسان، ومن قائل أنها تكتسب مع الوقت ومن تجارب الإنسان. والألوان اختلفوا، فاعتبر بعضهم أن أصل هذه المبادى إلهين فهي عطاء الخالق لخلقه؛ وقال آخرون : إنها تعود إلى بداهة العقل فلذلك تفرض نفسها بنفسها. ويبدو أن الغزالي متردد بين الرأيين الأخيرين ، أو لعله يرى الأفكار الأولى تثبت بالفطرة الإلهية وبالعقل البدهي معا، أو نقول- في نوع من الجمع بين الرأيين-: إن الفطرة الالهية وضعت في الإنسان هذه المبادى على درجة من السلطة والبداهة لا تترك للإنسان سببا ولا فرصة للشك فيها. ولعل هذا ما يمكننا أن نحمل عليه هذا النص حول العلوم العقلية، قال الغزالي: ونعني بها ما تقضي بها غريزة العقل ولا توجد بالتقليد والسماع. وهي تنقسم إلى: ضرورية، لا يدرى من أين حصلت وكيف حصلت. كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين والشي الواحد لا يكون قديما، موجودا معدوما معا. فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورا عليها، ولا يدري له سببا قريبا، وإلا فليس يخفى عليه أن الله هو الذي خلقه وهداه. وإلى علوم مكتسبة، وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال. وكلا القسمين يسمى عقلا.


النبوة... طور وراء العقل:

وإذا كان الحس مجرد مرحلة في الإدراك، يأتي بعدها دور آلة أخرى في التعرف على الموجودات هي العقل... فلا شيء يثبت أن هذا العقل هو آخر المدارك، وأن ليس فوقه طور آخر وإدراك أخر... وهو النبوة. يقول الغزالي:"الأيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات . وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبي مدركات النبوة وأستبعدها.وذلك عين الجهل،إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه... وقد قرب الله تعالى ذلك على خلقه بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة، وهو النوم . وذلك لان في النوم تحدث الرؤيا التي يدرك بها الإنسان بها بعض الغيب، رغم ركود جسم النائم وغيبته عن الوعي. فالمنام يعطينا فكرة عن النبوة،لأنه أسلوب غير معتاد في الإدراك البشري، ليس من جنس المحسوسات ولا المعقولات... وليس لك أن تقول: أنني أقتصر على تصديق ما جربته فقط. لأن هذا- في الحياة- لا يمكن الوفاء به دائما، والإنسان يعجز عن تجربة كل شي بنفسه. ولذلك هو محتاج للنبوة ومضطر إليها، ولو بالتقليد.
لكن فيم تفيد النبوة مع توفر الإنسان على نور العقل، فإنها إن وافقته كانت زائدة، وإن خالفته كيف نصدقها؟ يجيب الغزالي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم يرد مخبرا بما لا تشتغل العقول بمعرفته، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف؛ فإن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد، ولا يفرق بين المشقي والمسعد، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير. ولكنه إذا عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع، فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء والدواء. ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أخر، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام بمعجزات وقرائن وحالات، فلا فرق. فكلا من الديني والعقل هداية مزدوجة وضرورية للبشر.


ازدواج العقل والشرع:

إن الغزالي لا يلغي العقل لصالح الوحي، أو لصالح الإشراق الصوفي. بل للعقل- عنده- مكانته، ولذا تحدث- في الأحياء ، وغيره- عن:شرف العقل .... فلا بد من العقل والشرع معا، قال: لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل. فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور. فإياك أن تكون من أحد الفريقين، وكن جامعا بين الأصليين.... فالعقل مع الشرع: نور على نور... ولذلك حين ذم بعض المتصوفة العقل، أجابهم الغزالي بأن العقل" نور البصيرة التي بها يعرف الله ويعرف صدق رسله، فكيف يتصور ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه. وإن ذم فما الذي بعده يحمد؟ لكن كيف الخروج من حالة اختلاف فحوى النصوص من مقتضيات العقل؟


قاعدة في تعارض النقل والعقل:

وقد ذكر الغزالي الجواب على هذا السؤال ضمن قاعدة عامة في علاقة الوحي بالعقل . وذلك أن في الأشياء ما يعلم بدليل العقل دون الشرع، وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ما يعلم بهما معا. فمثال الأولى: حدوث العالم، ووجود محدثه، وصفاته من قدرة وعلم وإرادة... ومثال الثانية: أمور الآخرة. وذلك أن العقل يجوز وقوع كلا الأمرين، ودور السمع هو تخصيص أحد الجائزين بالوقوع، وذلك حين يعين الوحي الواقع منهما .
أما ما توارد الشرع والعقل منهما.
1. إن العقل مجوزا لما أخبرنا به الوحي، فيجب تصديقه، سواء كان السمع قطعيا أم ظنيا.
2. فإن قضى العقل بالاستحالة... أولنا السمع، أي حملناه على المعنى الاخر الذي يحتمله النص، والذي كان- من قبل- مرجوحا. وذلك- كما قال الغزالي- لأنه"ل لا يتصور أن تشمل السمع على قاطع مخالف للعقول" . والجدير بالذكر أن الاستحالة التي يعنيها الغزالي هي: الاستحالة المنطقية، لا العادية- أي التي تخرق العادة الجارية- ولا الطبيعة- أي التي تخالف مألوفاً في الخارج-، بل التي تناقض تماما المبادى العقلية الأولى.
3. فإن توقف العقل، فلم يحكم بجواره ولا استحالة، وجب التصديق أيضا بأدلة الوحي، "إذ يكفي في وجوب التصديق: انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على القضاء بالتجويز . أي يقول العقل: هذا ليس بمستحيل ولا أدري هل هو جائز. وإنما لا يحكم العقل على الشرع، لان " العقل قاصر ومجاله ضيق منحصر .


في نسبية المعرفة البشرية:

ويضرب الغزالي مثالا لهذا القصور وللحدود التي يخضع لها العقل، فيروي لنا هذه الحكاية: " اعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه. فقالوا لابد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا اليه لمسوه، فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا قد عرفنا. فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فأختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل: إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر، إلا أنه ألين منها. وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول، بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه. وليس في غلظ الاسطوانة أصلا بل هو مثل عمود. وقال الذي لمس الأذن: لعمري هو لين، وفيه خشونة.. ولكن .. ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ. فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه، إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل. فأستبصر في هذا المثال واعتبر به، فإنه مثال أكثر ما أختلف الناس فيه . فالمعرفة البشرية لا تحيط بموضعها من جميع نواحيه، بل تتعلق بأطراف أو أجزاء منه فقط... ولذلك تجد من ينكر أمور الغيب- كنعيم القبر وعذابه- ويستبعدها، لمجرد أنه لم يصادفها في تجارب حياته، ويقول: إنا نرى شخص الميت مشاهدة، وهو غير معذب. ويرد عليه الغزالي بأن هذا ممكن ينكر على النائم أحواله، لأنه يراه ساكنا لا يتحرك. قال: بل الناظر الى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره. ولو أنتبه النائم وأخبر- عن مشاهداته والامه ولذاته- من لم يجر له عهد بالنوم، لبادر إلى الإنكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه...
فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير أتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالإضافة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب... (ف) ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن ينكر بمجرد الاستبعاد . وهذا منشأ غلط الفلاسفة، قال الغزالي: أكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات مبني على هذا الجنس، فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدروا استحالته .





خطر العادة:

وينفرد الغزالي عن كثير من المفكرين قبله بالتنبيه على عامل هام يحد من العقل ومن قدراته، ألا وهو العادة- بما فيها العادة الفكرية- فهي تجعل الوهم يسبق إلى ما ألفة الإنسان واستأنس به، أة رآه، او أقترن – في تجاربه- بأمر ما؛ فقد خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم إجراء العادات . وشرح ذلك الغزالي بما عرف- فيما بعد- بـ الارتكاس الشرطي لبافلوف.
ولذلك كان بلوغ كمال الموضوعية في النظر إلى الأشياء... أمرا صعبا جدا، قال: وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه. وإن اردت ان تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت له إنه مذهب الاشعري- رضي الله عنه- لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به، مهما كان سيء الظن بالاشعري، إذ كان قُبح ذلك في نفسه منذ الصبا. وكذلك ( العكس، أي تعرض على الاشعري مذهب المعتزلي دون أن يعرف ذلك في البداية)... ولست أقول هذا العوام، بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم... وإنما الحق ضده، وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا، وينظر الى الدليل ويسمى مقتضاه حقا ونقيضه باطلا...



قصور العقل في الالهيات ونموذج علم الكلام:

وأكثر ما يتجلى عجز العقل عن الإحاطة بالوجود... في موضوع الإلهيات بصفة خاصة، وشؤون الغيب على العموم. ولهذا لم يتوسع الوحي في إخبارنا ببعض الحقائق الغيبية، مثل صفات الباري، قال الغزالي: لانه "لو ذكر في صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء، لم يفهموه... وبالجملة فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال، أو مما كانت له من قبل. ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره، ثم قد يصدق بأن بينهما تفاوتاً في الشرف والكمال. فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ذلك أكمل وأشرف، فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه، لا على ما أختص الرب تعالى به من الجلال .
ولا يعتقد الغزالي أن علم الكلام قادر على الوصول إلى الحقائق الامور، قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه. وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف. وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا،فامسع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبع التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام، وتحقق أن الطرق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لاينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام ... وذلك لأن لعلم الكلام دورا محددا هو تثبيت العقيدة والرد على من يورد عليها شبها عقلية، فأما" كشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه، وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه ألفاظ هذه العقيدة، فلا مفتاح له إلا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن الشوائب المجادلات . فالتعبد والمكاشفة يقربان حقائق العقيدة أكثر مما تفعله صنعة الكلام.
ولكن لما كان لهذه الصنعة دورا تقوم به، على كل حال... فإن الغزالي اختار التفصيل في الحكم على الكلام، فقال: "اعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بحمده في كل حال: خطأ، بل لابد فيه من تفصيل. والقدر الضروري منه" أنه لابد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقلن يدفع شبه المبتدعه التي ثارت في تلك البلدة، وذلك يدوم التعليم ( أي لابد من تدريس الكلام لضمان استمراره). ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم، كتدريس الفقه والتفسير... فهو- إذن- فرض كفاية تقوم به نخبة من أهل العلم الذين يحرصون ما أمكن على لجم العوام عن الاهتمام بقضايا هذا العلم.


الغزالي والفلسفة:
نقد الغزالي الفلسفة المشائية نقد خبير مطلع، ولم يتهمه أحد بجهلها وجهل مراميها البعيدة. بل إن الغزالي- قبل أن يتفوق في نقد الفلسفة الإغريقية، كما صاغها الفارابي وابن سينا- كان قد تفوق في عرضها وشرحها. ولذلك يعتبر كتابه" مقاصد الفلاسفة" من خيرة الكتب التي ينصح بها المختصون كل من يريد الاطلاع على فلسفة المشائين وفهمها.
وقد كانت اول مرحلة في النقد الذي قام به الغزالي هو تمييز علوم الفلاسفة، وإعطاء كل علم منها حكما خاصا. فهو-مثلا- حين ذكر الطبيعيات، أورد أقسامها، ومنها ما يتعلق بالأجسام وأحوالها، والمعادن، والنبات، والحيوان، والطب، والفلك، والكيمياء...الخ. وذلك"ليعرف أن الشرع ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها... وليس يلزم مخالفتهم شرعا في شيء من هذه العلوم" . إلا في أربعة مواضع: الأول: حكمهم بأن الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم ضروري لا يتخلف. والغزالي يرى- مع ألا شاعرة- أنه اقتران لا عقلي، وهذه النظرية أخذ بها فيما بعد مالبرانش وهيوم وبعض الوضعين. والمواضع الأخرى سبق ذكرها، كإنكار بعض الفلاسفة لخلود النفس، والبعث الأخروي بالأجساد ...
فمن الواضح أن هجوم الغزالي كان على الميتافيزيقيا، لا على الفلسفة بجميع فروعها( أيام كانت موسوعية). فقد أعترف الغزالي بقيمة علوم الرياضيات والمنطق والتجريبيات والطبيعيات... في حين وجد أن قسم الإلهيات- في الفلسفة- نموذج مظلم للخبط والخلط. وهذا الموقف جد متقدم، بل- لو نظرنا إليه بمنطق العصر- وجدناه موقفا حداثيا ممتازا. لكن الذين لهم أزمة فكرية تجاه تاريخ الامه وتجاه جسمها الأكبر ومثليهما من العلماء والمفكرين... يرفضون هذا الموقف العقلاني العظيم لأبي حامد وأمثاله، ويرتدون قرونا إلى الوراء، فيفضلون عليه فلسفات اليونان وأحلام افلوطين في" نظرية الفيض"، معتبرين أنها نموذج العقلانية الموؤودة في تاريخ الإسلام. لكنهم إذا قرءوا لكانط، هللو له وصفقوا... برغم أن الغزالي هدم الفلسفة الميتافيزيقية بالشرق، قبل أن يهدمها كانط بالغرب.. وهكذا تنقلب كل الاوضاع راسا على عقب: فنقد الغزالي لمبدأ السببية كارثة أصابت العقل العربي الاسلامي لكن هذا النقد نفسه إذا صدر عن هيوم اعتبر فتحا جديدا في عالم الفكر والفلسفة!
لقد كان عمق الاختلاف بين الغزالي والمشائين ابستيمولوجيا، فالمعرفة عند هؤلاء لا تأتي من التجربة، بل أصلها ما يسمونه: إشراق الصور العقلية من العقل الفعال على العقل الانساني. ولذلك اعتبروا العقل قوة العقل مطلقة قادرة على النفاذ إلى كل شيء وفهم كل حقيقة... ومن ثم، فهو قادر على الاستقلال بالمعرفة، ولا يحتاج لوحي ولا رسالة... ولا للتجربة... يكفي التأمل... والغزالي يرفض هذا الموقف المتخلف، والذي كان مسؤولا عن تضليل قسم كبير من البشرية، على مستوى الاعتقاد... كما كان مسؤولا عن أود نمو العلم والتقنية، بإلغائه للتجربة، أو تقليله من أهميتها.
فهنا كان رأي الغزالي واضحا وهاما: إن العقل بطبيعته عاجز عن إدراك حقائق الامور في الالهيات، وليس هذا ميدانه ... بل ميدانه هو العالم المشاهد، والسبيل في فهمه ومعرفته هو التجربة والملاحظة، لا العقل بمجرده.
ويوجد عامل هام يفسر لنا سبب نجاح نقد الغزالي للفلاسفة، بل- أهم من ذلك- يفسر لماذا لم تلق الفلسفة اليونانية والمشائية قبولا واسعا في البيئة الإسلامية... وهذا العامل شرحه جيدا المرحوم محمود عبد الحليم، حيث قال: إن البحث العقلي في الالهيات أمر طبيعي بالنسبة للمفكرين الذين نشؤوا في أقاليم لم يوجد فيها كتاب مقدس. من الطبيعي أن يوجد في هذه الاقاليم رجال يحاولون ابتداع مذهب فيما وراء الطبيعة. ذلك أن الانسان بفطرته طلعة، وهو يحاول دائما معرفة العلل والاسباب، ويتشوف إلى رؤية المجهول، ويتطلع إلى الكشف عن عالم الغيب. أما في البيئات التي فيها نص مقدس، يحتفظ بنضرته، ولا يشك إنسان في صحته، فإنه من غير الطبيعي أن ينشأ بجوار هذا النص المعصوم اختراعات ذهنية تتصل بعالم الغيب. أن ثمرة التفكير الانساني عرضة للخطأ. والخطأ في الذات الالهية، الخطأ في عالم الغيب- على وجه العموم- فيه خطورة كبيرة. الطريق المستقيم –إذن – هو ألا ينشأ بجوار النص المقدس اختراع عقلي يتصل بعالم الغيب ...

المصادر والمراجع :
1. احياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي. طبعة 2، 1992. دار الكتب العلمية، بيروت.
2. التفكير الفلسفي في الاسلام، لمحمود عبد الحليم. دار الكتب اللبناني، بيروت،1982.
3. تهافت الفلاسفة، للغزالي. تحقيق سليمان دنيا. دار المعارف بمصر، طبعة 2، 1955.
4. الاقتصاد في الاعتقاد، للغزالي. دار الكتب العلمية، بيروت.ط1، 1988،
5. المنقذ من الضلال، للغزالي. مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت.ط3، 1991.

الحالم
09-16-2007, 12:22 PM
(6)

بوشكين والقرآن الكريم

عـرض : حواس محمود

بوشكين والقرآن الكريم
تأليف : مــالك صقــور ، دمشق ، دار الحارث ، ط1، 2000م

يُعد كتاب "بوشكين والقرآن" حدثاً ثقافياً متميزاً ، وإضافة هامة إلى رصيد الاهتمامات الغربية بالثقافة والتراث الإسلامي والعربي ، ويقول مؤلف هذا الكتاب الأستاذ مالك صقور: قلة هم الذين يعرفون بوشكين في وطننا والأقل يعرف أن الشاعر الروسي الكبير هذا قد كتب قصيدة بعنوان"محاكاة القرآن" ، أهتم بوشكين بالقرآن وأعجب به بل شغف به شغفاً عظيماً ، ومن فرط إعجابه تأثر بآياته وبسيرة وشخصية النبي العربي محمد ?، فكتب قصيدة من تسعة مقاطع مختلفة هي بحد ذاتها قصيدة "محاكاة القرآن" موضوع الكتاب .

الهدف من الكتاب : يرى المؤلف أن الهدف من هذا الكتاب هو تسليط الضوء على تأثير الثقافة العربية الإسلامية في الثقافة الروسية بشكل عام ، وتأثير القرآن الكريم في بوشيكن بشكل خاص ، وتأثر بوشكين بشخصية النبي العربي ?، من خلال إبداعاته التي استلهم موضوعاتها وأفكارها من الثقافة العربية ومن القرآن ومن السنة النبوية .

روسيا والعرب : تعود علاقة روسيا بالعرب إلى عصور قديمة عصور الفتوحات الإسلامية وعصر الخلافة العربية التي يسرت وصول التجار العرب المسلمين إلى الشمال الروسي (يؤكد على ذلك المؤرخ وول ديورانت صاحب العمل الضخم قصة الحضارة) ، ويؤكد المستعرب الكبير اغناطيوس كراتشكوفسكي أن اسم العرب قد ورد في مخطوط قديم جداً ، يعود إلى القرن الحادي عشر الميلاد هو "حكايا السنين الغابرة" ويقول بأنه نتيجة وصول التجار العرب والمسلمين إلى المدن الروسية ، ونتيجة الاحتكاك مع الشعوب المجاورة التي تعتنق الإسلام ، وكذلك ذهاب الحجاج الروس المسيحيين إلى فلسطين دخلت اللغة الروسية الكثير من الكلمات العربية التي ما زال بعضها يستخدم حتى الآن ، هذا وتجدر الإشارة إلى أنه من الذين لعبوا دوراً هاماً في نقل الثقافة العربية إلى روسيا كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي – الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورغ ، والمستشار "برتبة عقيد" ففي عام 1919م تم الاحتفال بالذكرى المئوية لجامعة سانت بطرسبورغ وقد بدأ بالاستعداد لهذا الاحتفال قبل الثورة ، ويمكننا الاستنتاج – في نهاية هذه الفقرة – أنه منذ مطلع القرن التاسع عشر بدأ تأثير الأدب العربي في روسيا واضحاً جداً فقد كتب سينوفسكي "قصص شرقية" وترجمها إلى الروسية بولدوف ، وقد أعجب بوشكين بها ، وخاصة قصّة "فارس الحصان الأشقر" ص42 .


الموضوعة العربية في إبداع بوشكين : يرى المؤلف أنه من الطبيعي جداً لشاعر مرهف جداً أن يعكس الجمال الغرائبية ، وسحر الطبيعة التي رآها وعاش في أحضانها ويتأثر بالأعراف والعادات والتقاليد للشعوب الإسلامية التي عاش بينها فترة نفيه في الجنوب ، لكن سرعان ما انعكست حياة الشعوب الإسلامية وتأثرها بالثقافة العربية في أشعار بوشكين وقد تجلى ذلك في قصائد كثيرة نذكر منها "إلى نتاليا" و "إلى أختي" و "أيتها الفتاة" و "الوردة ، مكبل أنا بالأصفاد" .

ويعتمد بوشكين على "ألف ليلة وليلة" في ملحمته الشعرية الأسطورية "رسلان ولودميلا" والتي كانت سبب شهرته الواسعة وهو في مقتبل العمر إذ يأخذ بوشكين الفكرة الرئيسة التي بني ملحمته عليها من هذه الحكايات (المقصود حكايات ألف ليلة وليلة) والفكرة هي خطف العروس في ليلة زفافها من بين المحتفلين بالعرس ..
لقد تأثر بوشكين بسيرة الرسول ? فكتب قصيدة بعنوان : "المغارة" يقول فيها :
"وفي المغارة السرية
في يوم الهروب
قرأت آيات القرآن الشاعرية
فجأة هدأت روعي الملائكة
وحملت لي التعاويذ والأدعية"
هذه الأبيات تؤكد مرة أخرى أن بوشكين أطلع على سيرة الرسول ?ويعرف تفاصيل الهجرة ، وقصة لجوء الرسول وصاحبه أبي بكر الصديق إلى غار حرّاء ، وملاحقة المشركين لهما ، ونزول آية 40 من سورة التوبة . ص83 .

محاكاة القرآن الكريم : تتألف قصيدة "محاكاة القرآن" من تسع مقطوعات مختلفة الــطـول والـبـحـر وتتنـاســب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها بوشكين وأســـس عليها أشعاره ، وقد وضع أرقاماً باللاتينية لهذه المقطوعات من واحد إلى تسعة ، ويسمى المؤلف مقطوعة أو منظومة بدلاً من القول "قصيدة" لأن العنوان العام هو "المحاكاة" .

المحاكاة الأولى : يستهل الشاعر قصيدته بالقسم مقتبساً شكل القسم الوارد في القرآن الكريم مستخدماً كلمة "أقسم" بدلاً من (واو) القسم ، لأن اللغة الروسية لا يوجد فيها حروف القسم ، وتأكيداً على جواب القسم يتابع الشاعر في الرباعية الثالثة من المحاكاة قائلاً : "ألست أنا الذي سقيتك
يوم العطش بماء الصحراء؟..
أما وهبتك لساناً فصيحاً
وعقلاً راجحاً فوق كل العقول؟
أما في الرباعية الأخيرة عند بوشكين فيأمره : كن رجلاً شجاعاً ، ولا يكتفى بهذا ، بل احتقر الغش والخداع ، وأجعل الحقيقة هدفك ، اتبعها وبشر به ، والرباعية الأخيرة هي صوت الشاعر ، إذ جعل هذا النداء بروح القرآن ، مخاطباً الثوري في أيامه ليشحذ الهمم ويحرض على الانتفاضة .

المحاكاة الثانية : يقتبس الشاعر أبيات المحاكاة الثانية من سورة الأحزاب الآيات : 32 ، 33 ، 54 متنقلاً إلى موضوع آخر ، وهو موضوع العظمة والحشمة والخطيئة متخذاً من هذه الآيات مثالاً يُقتدى به ، من حيث تعلم الآداب العامة ، وحسن السلوك ، سواء في موعظة النساء أو في آداب الضيافة وحسن التصرف في حضرة الرسول الكريم ، الذي يكره الثرثارين ، والكلام الفارغ ، وضياع الوقت في التوافه ، فيما يستحي الرسول أن يطلب إلى الضيوف التخفيف من الزيارة أو عدم الإطالة بالأحاديث عديمة الجدوى (ولكن الله لا يستحيي من الحق) ويمكن إيجاز مدلول هذه المحاكاة بأن بوشكين قد حاول أن يدخل إلى الحياة الاجتماعية من خلال تلك الآيات .

المحاكاة الثالثة : يتناول الشاعر في هذه المحاكاة موضوعين رئيسيين وهما :
1 – يتناول موضوع التكبر والغرور ، يقول : "لماذا يتكبر الإنسان
ألانه جاء عارياً إلى هذه الدنيا
أم لأنه يعيش عمراً قصيراً
أو لأنه يموت ضعيفاً كما ولد ضعيفاً"

2 – يتناول في الرباعيتين الأخيرتين من هذه المحاكاة وصف يوم القيامة ، وقد استلهم أفكاره من الآيات 18 و 40 من سورة النبأ ، والآيات 33 إلى 42 من سورة عبس مستخدماً الصورة ذاتها ، وحتى الكلمات دون تعديل تقريباً :"فيهرب الأخ من أخيه
ويفر الابن من أمه"
وفي القرآن ?يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه? عبس33

المحاكاة الرابعة : يستلهم بوشكين هذه المحاكاة المؤلفـــة من مقطع واحــــد وأربعة عشر بيتاً من الآية الكريمة 258 من سورة البقرة ، وتختلف المحاكاة الرابعــة عن غيرها – برأي المؤلف – لأن بوشكين اكتفى بمضمون النص القرآن عدا الأبيات الثلاثة التي يستهل بها هذه المحاكاة التي تدين التكبر والغطرسة ، وجنون العظمة ، والتي كان يكرهها بوشكين ، وربما لهذا اكتفى بمضمون الآية الواضح وعقاب الله لهؤلاء وإذلاله لهم .

المحاكاة الخامسة : يتابع بوشكين في المحاكاة الخامسة استلهامه لآيات القرآن التي تشير إلى قدرة الله تعالى مثل الآية العاشرة من سورة لقمان ?خلق السموات بغير عمد? ويوشكين يقول : هامدة هي الأرض ، أو ساكنة في حركتها الظاهرية ، مستمداً من قوله تعالى : ?وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون ، وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون? (الأنبياء 31-32) ، ثم ينتقل إلى آية النور بالمعني الديني المباشر ، وبالمعني المجازي ، ثم ينتقل إلى قدرة الله الخالق القادر الذي ينعم على الأرض بالماء والفيء وينتهي في الرباعية الأخيرة :
"هو الرحيم على محمد
أنزل القرآن المقدس
بتنزيله : نقلنا إلى النور
وانقشعت الغشاوة عن العيون"

المحاكاة السادسة : يؤسس بوشكين المحاكاة السادسة على آيات من سورة الفتح وعلى آية من سورة آل عمران ، مستلهمماً آيات الجهاد ، من أجل نضاله ونضال رفاقه الذين كانوا يستعدون لانتفاضة شهر كانون الأول التي أطلق عليها "الديسمبربين" .

المحاكاة السابعة : تختلف المحاكاة السابعة عن غيرها ، إذ لا يستخدم الشاعر التربيع ، ويكتفي بمقطع واحد من أثنى عشر بيتاً وشطراً وتأتى بعد ، النصر ، والفتح ، فيقدم الشاعر صورة الرسول المنتصر ، مفرقاً بين (صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق) أي مبشّراً بالنصر ، وبدخول المسجد الحرام ، وبين الرؤيا المخادعة والمخاتلة ، والأفكار الحزينة ، وتأتي مرحلة الاستقرار النفسي ، وعلى الرسول المجاهد والمحارب والمنتصر ، أن يقوم للصلاة ، ويتفرغ لقراءة القرآن الذي يطلق عليه الشاعر (الكتاب السماوي) ، وتارة أخرى يطلق عليه : القرآن .

المحاكاة الثامنة : يؤسس بوشكين هذه المحاكاة على الآيات التي تركز على العطاء وعلى الصدقات والزكاة وعلى فعل الخير ، كما ويركز على يوم الحساب الرهيب ، يوم يتساوى الجميع أمام الحق وعلى الصراط ، ولا يشفع عند الله إلا عمل الخير ، من هنا جاء شعر بوشكين وقد فهم يوم الحساب ، يوم القيامة حيث يقول :
"وفي يوم الحساب الرهيب يتساوى الحقل والغيم
ايه يا ناشر الخير
نتائج أعمالك ستعود إليك"

المحاكاة التاسعة : هذه المحاكاة الأخيرة جاءت في ستة مقاطع ، كل مقطع من ستة أبيات ، على خلاف سابقاتها ، وقد أخذ الفكرة من سورة البقرة والكهف ... وفي هذه المحاكاة حاول بوشكين أن يصور عام السبيل في الصحراء تصويراً واقعياً حيث يلقى كل عابر سبيل في الصحراء المصير ذاته ، فالقيظ الشديد ، والعطش ، وفقدان الماء ، وكثافة الغبار ..



دوافع اهتمام بوشكين بالقرآن
يعيد المؤلف أسباب اهتمام بوشكين بالقرآن الكريم إلى اربعة أسباب هي :
السبب الأول : يعود إلى اهتمام أوروبا بشكل عام ، واهتمام روسيا بشكل خاص بالمشرق العربي وثقافته ، وبو شكين بالذات كان على دراية تامة باهتمام أوروبا ومنها روسيا بالثقافة الشرقية والإسلامية والعربية .

السبب الثاني : يعود إلى دوافع ذاتية تتعلق بأصول بوشكين الشرقية – الأفريقية الإسلامية وجذوره ، ونسبه ، إذ ينّحدر بوشكين من جهة أمه من أصول أفريقية – إسلامية ، فجّد أمه هو الزنجي إبراهيم هانيبال الذي خلده بوشكين باشعاره ، وكتب عنه رواية قصيرة بعنوان "عبد بطرس العظيم"

السبب الثالث : يتعلق بموهبته وقدراته العقلية التي كانت بلا حدود من حيث استيعاب ثقافات أخرى تغني الثقافة الروسية ، وتفاعلها في ذهنه ليغني من ثم الشعر القومي الروسي بخلاصة هذه الثقافات والحضارات الأخرى التي اطلع عليها ومنها الثقافة العربية الإسلامية الغنية التي كانت أوروبا ومنها روسيا ، تفتقر لهذه الثقافة الواسعة بنماذجها الخيرة ، وصورها الإبداعية الرائعة .

السبب الرابع : وهذا السبب يتعلق بالزمان والمكان ، ويعني ذلك المناخ السياسي والوضع الاجتماعي ، والحالة النفسية للشاعر ص142 .

الحالم
09-16-2007, 12:25 PM
(7)

استشراق إداورد سعيد وعلاقات الشرق بالغرب دراسة في النص والوعي والواقع

رضوان السيد

1
في فصل بكتاب: "تغطية الإسلام"، حاول إدوارد سعيد أن يدلل ظاهراً على نقيض الفكرة التي جهد لإثباتها في "الاستشراق". قال سعيد: إنّ المستشرقين ما خانوا المصادر التي دخل من خلالها الوعي الأميركي بالإسلام. بل إنّ هذه المعرفة مهما بلغ من ضآلتها وتشوشها إنما جاءت بسبب الربط بين الإسلام والقضايا المهمة إعلامياً كالنفط أو إيران أو أفغانستان أو الإرهاب. ويرجعُ ذلك لأمرين: فالمختصون لا يقرؤهم غير المختصين، ثم إنّ أكثرية المستشرقين ما كانت ذات مستوى فكري متميز بحيث تصبح آراؤهم ملحوظة. وباستثناء كتاب مارشال هودجسون: "مغامرة الإسلام" ما كان هناك –بحسب إدوارد سعيد- كتابٌ علميٌّ شاملٌ عن الإسلام وحضارته في مكتبات الولايات المتحدة حتى مطلع الثمانينات1.
لكنه، حتى وهو يحاول (في كتاب: الاستشراق) أن يثبت سواد "الرؤية الاستشراقية" للشرق، أي الصورة الناجمة عن الامتلاك الاستعماري، ما كان يذكر الذين نعرفهم تحت هذا المصطلح من المختصين بفيلولوجيا اللغات الشرقية، وتاريخ الشرق؛ بل يذكر أمثال الروائي فلوبير وكرومر وآرثر بلفور ولورنس ولامارتين وكامي ودزرائيلي وكونراد وكبلنغ. وهؤلاء سياسيون وشعراء وروائيون وموظفون استعماريون، وقد تشاركوا جميعاً وتعاقبوا عبر قرنين من الزمان في صنع الشرق المستعمر أو الصورة عنه. أما المستشرقون (بالمعنى المتعارف عليه) من سلفستر دي ساسي وإلى فستنفلد وماكدونالد وغولدزيهر.. وشاخت وهورغرونيه وماسينيون وهاملتون غب - فليسوا أكثر من كاريكاتير أو أنهم قاموا بجهودٍ "شبه علمية" لتثبيت الصورة المصنوعة أو بلورتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى ستينيات القرن العشرين. فالاستشراق عقليةٌ Mentality إذا صحَّ التعبير، وليس تخصُّصاً لأنّ المتخصصين ما صنعوهُ أو طوروهُ، بل هم عملوا واعين أو غير واعين في خدمة سلطان القوة، واضعين على وجوههم أقنعة الأكاديمية والمعرفة!
ومع ذلك؛ فإنّ بين المستشرقين (الهامشيين أو المهمَّشين في الثقافة الغربية، وفي التأثير) أشراراً لا يمكن التغاضي عنهم أو المغفرة لهم. وإدوارد سعيد يمثلُ لهذا الصنف بعدة شخصيات أهمها إدوارد دلين وإرنست رينان قديماً، وبرنارد لويس وغرينباوم حديثاً، وبين هؤلاء الأوباش شخصيتان إشكاليتان هما لويس ماسينيون وهاملتون غب. وتطوف من حول المحاور الثلاثة شخصياتٌ أكاديمية كثيرة تقترب إلى هذه الدرجة أو تلك من أحد الأقطاب طوال المائة عامٍ الأخيرة. يرى سعيد أنّ المؤسِّس للاستشراق "العلمي" كان سلفستر دي ساسي. أمّا رينان فهو ممثل الاستمرارية، وهي استمراريةٌ أثريةٌ إذا صحَّ التعبير، لأنها تستند إلى حفريات اللغة ودثائرها. فاللغة لدى رينان والفيلولوجيا (علمها): "هو العلمُ الدقيقُ للموجودات الذهنية. وهو يقومُ من العلوم الإنسانية مقام الفيزياء والكيمياء من العلوم الفلسفية"2. وهنا تحدثُ الواقعةُ التي تتجوهرُ عندها الأشياء، فاللغة أو فقهها ليس أداةً للتاريخ، إدراكاً وتدويناً وحسب؛ بل يكاد التاريخ أن يكونَ أداةً لها. وبذلك تستحيل الفكرة التطورية التي سادت النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ليس في فهم التاريخ وحسب؛ بل في سائر حقول علم الإنسان. وليس من همّنا هنا دراسة كيفية التحاق علم اللغة بوضعانية أوغست كونت؛ بل المهمُّ –في نظر إدوارد سعيد- كيف أثرت هذه الرؤية في شلّ علم التاريخ أو تجميده جزئياً في المجال الشرقي الاستشراقي على الأقل. كان الانتباهُ متوجهاً إلى الضربات التي وجهها علمُ اللغات إلى إلهية اللغة (اللغة العبرية على الخصوص)، لكن الإصابة نزلت أيضاً بالساميين أنفسهم بوصفهم بشراً. فمن خلال علم الساميات المقارن راح رينان يصدر أحكاماً على الإنسان السامي. وهكذا صار العرقُ السامي عرقاً غير مكتمل... فهو يفتقر إلى ذلك التنوع، وذلك الثراء الذي يعرفه العرق الهندو- أوروبي... والأمم السامية لم تعرف إلا جردة ضئيلة من الإبداع المخصب.. هي أممٌ في حالة تثبيت طفولي، كما تدل على ذلك بدائية لغاتها3.

2
يصل إدوارد سعيد بعد قراءة طويلة في كتب رينان عبر خمسين عاماً، واقتباسات دالة منها على أنّ السياسيين الاستعماريين أفادوا من بحوث رينان، كما أفاد هو من التقدم في العلوم الطبيعية والاجتماعية. لكن هل يمكن بعد هذا الاستنتاج اعتبار رينان هامشياً ومقلداً؟ سعيد حاسمٌ لجهة أهميته في علمنة "فقه اللغة"، وعلمنة "حياة المسيح"، وتمركزه ضمن "التقليد الرئيسي" للعلم الاجتماعي والتاريخي الفرنسي. فهل يمكن القولُ إذن بأنّ الاستشراق تحول أواخر القرن التاسع عشر إلى "تخصص"؟ نعم، ولا. نعم من حيث تحديد ذاك العلم بوصفه قائماً على فقه اللغة والتاريخ، أو اللغة التي تتخذ من التاريخ أداةً لها! وأما "لا" فتأتي من أنّ الصورة أو الوظيفة التي وضعها المستشرق لنفسه، ما كانت من اختراعه، ولا بقيت مصونة وراء أسوار الأكاديميا، كما أنّ "الاستشراق" ظلَّ كلَّ شئ من تاريخ الهند وإلى تاريخ الفراعنة، فاللغات السامية، وفلسفة الحياة الصينية، والديانات الأسيوية الكبرى!
بيد أنّ إشكاليات التقليد والمؤسسة تتعرض للتصدع عندما نصل مع إدوارد سعيد إلى سيرة وإنتاج الشرير الأكبر برنارد لويس! يصل إدوارد سعيد للقبض على لويس من خلال مقالة لفاتيكيوتس ضد اليسار وأفكاره الثورية. ويكون علينا هنا أن نلاحظ أنّ إدوارد سعيد يهاجم في فاتيكيوتس ولويس ما ليس استشراقياً بالتحديد. ثم إننا معهما نكونُ قد تجاوزنا الحرب العالمية الثانية ودخلنا في الحرب الباردة، وهذان يمثلان الوجه اليميني والكريه والرجعي لها. فاتيكيوتس يستشهد بمقالةٍ للويس عن "الثورة"، وأنّ المفرد يستدعي بالعربية الهياج والثوران والثور، وإثارة الفتنة4. ولأنّ "لويس"، المعادي بالتأكيد للثورية العربية، يسرف في إيراد التعبيرات المعجمية التي تعنيها كلمة (ثورة)، ويذكر من بينها: ثار الجمل إذا نهض؛ فإنّ سعيداً يفقد صبره معه، ويقول : إنه يريد من وراء ذلك تحقير العرب، والإلماح إلى قصورهم عن القيام بأي عمل جادٍ وصولاً إلى اتهامهم بالعجز الجنسي5! والواقع أنّ "لويس" لا يكره العرب ولا الإسلام، لكنه يمينيُّ صهيونيُّ، كان ينعى على العرب عندما كانت القومية العربية هي أيديولوجيا الصراع مع إسرائيل، وهو ينعى الآن على الأصولية الإسلامية؛ لأنها صارت بدروها معتقد المواجهة. بيد أن تكتيكاً جديداً داخل فكره في التسعينات، فهو الآن يسرف في امتداح الإسلام الكلاسيكي والعثماني، ويذهب إلى أن المسلمين المحدثين هم الذين أساءوا، وليس الإسلام! وهكذا فإدوارد سعيد يدين "لويس" وبحق بسبب موقفه السياسي المنحاز وغير الإنساني في الصراع بين العرب وإسرائيل، وقبل ذلك في موقفه من الاستعمار الذي يعتبر أنه كان خيراً على العرب مقارنة بحكوماتهم الثورية والتوتاليتارية المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي. على أنّ "لويس" شأنه في ذلك شأن أستاذه هاملتون غب لا يحب أن يسمى نفسه مستشرقاً، بل يقول : إنه مؤرخٌ مهتمٌ بالشرق الأوسط أو مختصٌّ بتاريخ هذه الناحية من العالم. بيد أنّ أحكامه القيمية بدت أكثر فجاجة لإيثاره "التاريخ الثقافي" على "التاريخ السياسي"، وميله في كتاباته إلى نمط المستشار والخبير، وليس الأكاديمي الصرف، وإن لم يستشره أحدٌ فيما يبدو إلا بعد 11سبتمبر 2001م .
وإذا كان إدوارد سعيد واثقاً من رؤيته لبدايات "الاستشراق" السلبية مع أمثال وليم لين ورينان، ولتطوراته العصرية مع غوستاف فون غرينباوم وبرنارد لويس- فإنه ليس كذلك بالنظر إلى مرحلته الوسطى –إذا صحَّ التعبير- مع هاملتون غب ولويس ماسينيون. هاملتون غب ، البريطاني، المولود بمصر- نموذجٌ لابن االمؤسسة الأكاديمية الإنجليزية، وللحفاظ على تقاليدها. وإدوارد سعيد معجبٌ بنزاهته ودقته في أحكامه، لكنه لا يحب مؤسسته ولا سلطته المرجعية البارزة6. كما لا يحب له احترامه للتقليد الكلاسيكي الإسلامي. ولكي يكون واضحاً ما أقصدهُ أذكر رأي غب في تقدم الفقه في الاعتبار على علم الكلام لدى المسلمين من أهل السنة، كما أذكر رأي غب في التطورات الحديثة لحياة المسلمين الاجتماعية والثقافية، وكيف أنها غريبة عن التقاليد الإسلامية الأصيلة7. إدوارد سعيد يرى ذلك كله كلاماً فارغاً أو متحذلقاً أو واهماً من جانب غب التقليدي، الذي يملك صورة ثابتة واستشراقية عن الإسلام والشرق. ولست أرى في الأمرين، سواءٌ أكانا صحيحين أم مخطئين حرجاً ولا مذمةً ولا عقلية استشراقية من نوعٍ خاصّ. وإذا تجاوزنا هذه النظرية الأولية نجد أنّ الحكم الأول بتقدم الثقافة الفقهية على ما سواها في الإسلام السني الكلاسيكي صحيحٌ إلى درجةٍ كبيرة، وهكذا لا يستحق غب ولا هورغرونيه أو شاخت الإدانة أو التخطئة من أجل ذلك. ثم إنّ الفقه المصعد عقدياً هو السائد في الإسلام الأصولي المعاصر أيضاً. وبذا يكون سخط إدوارد سعيد هنا منصباً في الحقيقة على الإسلام السني الأكثري الذي يزعجه بتقليديته، كما أزعج الإصلاحيين والسلفيين المتشددين في العصور الحديثة على حدٍ سواء. فالصورة "التقليدية" لإسلامٍ مرتبٍ وهانئٍ ومنفتحٍ ومطمئنٍ إلى نفسه وقدراته أثارت إعجاب غب الارستقراطي البريطاني، بقدر ما أثارت سخط إدوارد سعيد الطليعي النخبوي الثوري. وهكذا يكون مفهوماً لماذا يتأمل غب زوال ذلك الإسلام بحزن وأسىً، في حين يعود سعيد لاتهام غب بالنوستالجيا والاستشراق لأنه أسي على ذلك الإسلام المنقضي. وقد كان الإنجلوسكسونيان هاملتون غب وولفريد كانتويل سميث في الخمسينات مترددين بشأن قدرات الإسلام التحديثية أو إمكان تجديد التقليد الإسلامي. والواقع أنّ الأمرين مختلفان. فالرجلان ما كانا يقولان بوجود ثابتةٍ جوهريةٍ يتمحور حولها الإسلام، ويضيعُ بتحطمها أو ضياعها. لكنهما كانا يشهدان فوراناً إسلاميّاً بالهند وإندونيسيا والمشرق العربي، لا تستوعبه محاولات تجديد تقاليد المذاهب الإسلامية. بل إنّ سميث (الذي كان يراقب متغيرات الإسلام الهندي) تنبه إلى أنّ هذا "القلق" الإسلامي يقطعُ على نحو ما مع التقليد بطرائق تذكر بالأصوليات البروتسانتية. وقد أزعجت تلك الثورية الإسلامية القاطعة كلاً من سميث (أستاذ الدين المقارن)، وغب (المؤرخ والمستشرق)؛ في حين كان التخوف من الثورية لديهما مبرراً للإدانة والاتهام بالاستشراقية من جانب إدوارد سعيد.
ولندع أكاديمية غب الهادئة، وثقافة الحرب الباردة لدى لويس للحظات، لنتأمل المستشرق الإشكالي الآخر الذي كان مثار إعجاب إدوارد سعيد، أعني لويس ماسينيون ماسينيون الذي حضر دروس إرنست رينان في شبابه كان شيئاً آخر تماما! فهو المثقف المتضلع بلغاتٍ كثيرة، والمتناول من شتى العلوم بطرف، والعميق بكاثوليكيته، تقلب بين الأديان والثقافات والتقاليد الروحية، وآمن بالتقليد الروحي الإبراهيمي المؤاخي بين الديانات الثلاث المتنافرة. وكتب في كل شيء له علاقة بالإسلام من خطط الكوفة وإلى استشهادية وصلب الحلاج. عالي الحساسية ودقيقها، متوقد الوعي، ورافقه طوال حياته قلقٌ روحي غلابٌ يتدفق فيصل إلى العذاب المرّ أو الطمأنينة الحالمة8. وقد أعجب إدوارد سعيد فيه كلَّ ما أزعجه في هاملتون غب دون أن يتخلى عن النزاهة أو الأكاديمية. ما ذكر سعيد مثلا أنّ ماسينيون عمل في شبابه مع المخابرات والسلطات الفرنسية بالمشرق. مع أنّ تلك السنوات من حياته هي التي وضعته في تماس مع لورنس العرب، كما قيل، والذي كان بدوره يعمل للسلطات الاستعمارية البريطانية. بيد أنّ هذا ليس وجه الشبه الوحيد أو الرئيسي بينهما، بل هو القلقُ الروحي الغلاب الذي يدينه سعيد لدى لورنس، ويقدره لدى ماسينيون. ماسينيون تمرد على المؤسستين: السياسية والأكاديمية، وظل مرجعية كبرى لديهما وفيهما. بينما لفظت المؤسسة البريطانية لورنس، ومات منزوياً في حادث لو لم ينزل به لانتحر ولا شك. وكما أطربت سعيداً في ماسينيون تمرداته على المؤسسة - أطربه فهم ماسينيون التجاوزي للإسلام. كما أعجبه خروج الرجل على السننية السنية من طريق الانغمار في روحانيات وشطحات وانتحاريات المتصوفة والمجذوبين وشهداء العشق الإلهي والقمع السلطوي. لكنْ ما لا يعرفه سعيد عن ماسينيون أنّ الرجل كان معجباً بالورعية الحنبلية المتشددة بقدر إعجابه بتهويمات الشبلي والحلاج وابن سبعين! فالإبراهيمية عند اليهود والمسلمين نصٌّ وتقليد، وعند المسيحيين نصٌّ متجسد، وما كان بوسع ماسينيون أن يضيع أحد الركنين أو يتجاهله، وإن ظلت عواطفه مع الروح المتجسد! وماسينيون عند إدوارد سعيد لا يخضع للأحكام التي يمكن للمرء أن يصدرها على الاستشراق، لكنه ما كان ليصل إلى تلك الآفاق المجهولة، لو لم يبدأ مستشرقاً.

3
حدد إدوارد سعيد "الاستشراق" باعتباره ذلك التبادل الحيوي بين مؤلفين أفراد وبين المؤسسات السياسية الواسعة التي شكلتها الإمبراطوريات الكبرى الثلاث: البريطانية والفرنسية والأميركية، التي أنتجت الكتابة الاستشراقية ضمن حدودها الفكرية والتخيليــــة9. وهو أراد أن يثبت في كتابه عنه أن الإسلام قد صور جوهرياً تصويراً سيئاً في الغرب10 (من خلال الاستشراق؟) وهذه السياسات الإمبراطورية المستمرة من نوعٍ ما هي السبب الرئيسي في العلاقة الفاسدة فساداً سرطانياً بين "الشرق" و"الغرب"، لكنْ ما دورُ الاستشراق في ذلك؟ وعندما نسأل عن دور الاستشراق فنحن نعني به بالتحديد التخصص الأكاديمي الكتابي المعروف، أو ما آل إليه وأوشك أن يكتمل عنده ما بين منتصف القرن التاسع عشر، ومنتصف القرن العشرين. وهو التخصص الذي يتخذ من الفيلولوجيا والتاريخ أساسين للعمل الأكاديمي في تصوير الحياة والثقافة في حضارة المشرق في القديم في الأصل، واستطراداً حتى مشارف العصور الحديثة. ولأن إدوارد سعيد يكرهُ النمذجة على طريقة ماكس فيبر (1864-1920م) لم يلتزم إلا بالتحديد العام: العقلية الاستعمارية، والتبادل الفعال بين الأفراد والمؤسسات السياسية. لكنه قال : إنه مهتم بالدرجة الأولى أو بالجزئيات وبالبحث الميداني في التفاصيل، والتفاصيل الدقيقة. وفي التفاصيل الدقيقة نصل إلى نوعٍ من الاستقراء الناقص يتنوعُ فيه "الاستشراق" بقدر ما يتنوع الأفراد، وتتنوع كتاباتهم. وهنا ندخل في البحث عن الجدلية الحوارية بين الوعي والنصّ والواقع. الواقع –كما يقول سعيد- تمثيل وتصوير، وهكذا فهو شكلٌ من أشكال الوعي؛ يزيد من تعقيداته إعادة تركيبه من خلال نصٍ فيه المسكوت عنه واللا مفكر فيه. بل إنّ النصًّ لدى إحدى مدارس النقد الأدبي قناع. ولذلك هناك سؤالان أو استشكالان على نص إدوارد سعيد في "الاستشراق": طبيعة "المعرفة" الاستشراقية الأكاديمية، ودور تلك "المعرفة" في سوء علاقة الغرب بالشرق. فبالنسبة للاستشكال الأول يبدو لي أنّ للمعرفة شروطها وإرغاماتها. ولو تحدثنا عن مصادر المعرفة (الاستشراقية) في نطاق الإسلام الكلاسيكي مثلاً لوجدناها تستند إلى المصادر الأصلية التي تكتمل تدريجياً مع التعرف على المخطوطات العربية ونشرها الكثيف من جانب المستشرقين طوال أكثر من قرن. وهذا جانبٌ مهم لم يتناوله سعيد بالدراسة مع تأكيده على أهمية الفيلولوجيا في الاستشراق. بل إنَّ الأمر تجاوز ذلك كما هو معروف ليشمل كلَّ العلوم التاريخية في القرن التاسع عشر، والتي استندت إلى الفيلولوجيا، وفقه اللغات الهندو أوروبية، واللغات السامية.. إلخ. والألمان، مؤرخين ومستشرقين، أهمُّ حملة المنهج التاريخاني، وقد تجاهلهم إدوارد سعيد تجاهلاً شبه تام. وبذلك ازداد نقص الاستقراء عنده، ليس لأنه لا يعرف الألمانية؛ بل لأسباب تتعلق بمنهجه ذي الخطوتين الأساسيتين: جدلية السلطة (الاستعمارية هنا) والمعرفة، ونقض الموروث (العلمي) الاستعماري (ليس في الاستشراق فقط بل في الأنثروبولوجيا والأدب والفلسفة والتاريخ والدين). فالسلطة –بحسب فوكو- تحدّد المعرفة أو المعارف إلى حد كبير، والمعرفة المنتجة بالشروط السلطوية تعود لتشارك في تحديد الوعي والتصرف. وقد افتقد الألمان (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على الأقل) أحد ركني هذه الجدلية، حيث كانوا منهمكين ليس في بناء إمبراطورية خارج الإشكالية التي كانت مختلفة إلى حدٍ ما لدى البريطانيين والفرنسيين من جهة، والألمان من جهةٍ ثانية آنذاك، فقد رأى سعيد أنه من الملائم لأطروحته: سلطة/ معرفة الاستشراق، أن يتجاهل الألمان باستثناء المرور العابر على أسماء بعض مشاهيرهم مثل رانكه وبيكر.
ودعونا نعتبر أنّ الفيلولوجيا تقنية وأداة، وليست أيديولوجيا، مع أنها كانت أكثر من ذلك كما يلاحظ سعيد لدى دي ساسي ورينان وغيرهما. فماذا عن الثقافة والوعي؟ لقد كان المستشرقون الأوائل (ألماناً وغير ألمان|) أوروبيين في الثقافة والوعي، وفي فهم التاريخ ومعناه ووظائفه، وفي ارتباط ذلك بالدولة سواءٌ في تاريخهم للرومان أو للإمبراطورية الرومانية المقدسة أو للمسلمين. وبسبب ارتباط التاريخ أو الكتابة التاريخية بالدولة، نجد أنّ الاستشراق (العلمي) نشأ في فرنسا (على يد دي ساسي)، وفي بريطانيا على يد "إدوارد لين" حيث كانت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا تنشئ إمبراطورية تحتاج في استكشاف آفاقها، وإدارتها إلى معرفة. ونحن نعلم أنّ فلايشر وفيشر - المستشرقان الألمانيان الكبيران ذهبا إلى باريس للدراسة عند سلفستر دي ساسي، الذي درس عليه رفاعة الطهطاوي أيضا. كما نعلم أن سنوك هورغرونيه أحد أهم المستشرقين الهولنديين، كان خبيراً لدى سلطات بلاده الاستعمارية، في إندونيسيا. وهكذا، ألا يتيح ذلك لإدوارد سعيد ولنا اعتبار الاستشراق (بالمعنى الأكاديمي، وليس بمعنى العقلية العامة) مثل الأنثروبولوجيا، علماً استعمارياً؟ بحيث نستطيع ممارسة النقد الاستعماري عليه بالمعنيين: معنى المعرفة/ السلطة، ومعنى الوعي العام بضرورة إنتاج نصوص ذات توظيف خاص؟! إدوارد سعيد يكرر في ثمانية مواضع من كتابه أن المستشرقين الأكاديميين كانوا هامشيين ومتخلفين باستمرار تقريباً ولجهتين: لجهة مناهجهم العلمية، ولجهة مواقعهم الثقافية والسياسية في بلدانهم. فالمؤثرون والمتميزون في الاهتمام بالشرق كانوا غالباً من السياسيين الاستعماريين أو الرحالة أو المبشرين أو الرومانسيين من الروائيين والشعراء والرسامين. وقد أنتج هؤلاء معارف وإبداعات كانت لها علائق فعلاً بالسلطة (السياسية والمعرفية). وإذا تركنا تهمة التخلف والجهل التي يؤكد عليها سعيد، جانباً - نجد أن الهامشية الأكاديمية تعطي حرية معتبرة وإن تكن نسبية طبعاً، بسبب ضعف الرقابة أو انعدامها.
بيد أن الأجواء الثقافية العامة تظل حاسمة التأثير، وهذه تتصل بالوعي وبالثقافة، لا بالدولة وسياساتها في الغالب. وهكذا فإذا لاحظنا وعلى مدى مائة عامٍ تقريباً ما بين أبراهام غايغر (1837م)، وفلهام رودلف (1927م)، بل بعد ذلك، رفض اعتبار القرآن كتاباً مستقلاً يمكن فهمه بتأمله داخلياً؛ فإن ذلك يعود للثقافة والوعي، وليس للنظرة الاستعمارية أو التمييزية الاثنية، وكذا الأمر في الكثير من الأطروحات الأخرى التي ظلت سائدة لزمن طويل رغم توافر المصادر، والتقدم في مناهج القراءة والمناهج التاريخية الجديدة. وإدوارد سعيد الذي يصدر أحكاماً شاملة أحياناً، يصغي أحياناً أخرى لوقع وقائع الخصوصيات والفرديات؛ من مثل ما تصرف به إزاء موضوع دراسته المحبب كونراد، وإزاء ماسينيون.

تبلغ العلاقات بين الغربين الأميركي والأوروبي من جهة، والعرب والمسلمين من جهة ثانية إحدى أكثر مراحلها خطورة وتوتراً. وفي ظروف كهذه يكون من المفيد (بل من الضروري) القيام بكشف أو جردة حساب. وهذا ما حاول إدوارد سعيد القيام به في كتابيه المهمين: الاستشراق (1978م)، والثقافة والإمبريالية (1993م). بيد أن "الاستشراق" ولا شك ليس العامل الثقافي الأول أو الثاني أو الثالث في توتر العلاقة وفسادها. وقد ظل نقاد الثقافة الاستعمارية يتناقشون طوال أكثر من خمسين عاماً في ماهية الاستشراق الأكاديمي هذا، وهل هو تخصص أو فرع من فروع الدراسات التاريخية. والمعروف أن خصوصيته في الأساس ما جاءت من ارتباطه بالاستعمار أو بالمعرفة الضرورية للمستعمرين؛ بل من ارتباطه بفقه اللغات السامية، ثم من صعود فكرة المجالات الثقافية المستقلة (الانثروبولوجيا الثقافية)، فدراسات المناطق. وبعد كتاب إدوارد سعيد الإداني الماحق ما عاد أحدٌ يريد أن يسمى مستشرقا وبخاصة الشبان الذين يدرسون الآداب العربية، أو يقدمون قراءات جديدة للنص القرآني أو الكتابة التاريخية العربية أو الفنون الإسلامية أو الحركات الإسلامية الراهنة.
في محاضراته المجموعة في كتيب بعنوان: "تعقيبات على الاستشراق" يشير إدوارد سعيد إلى برنارد لويس ومايكل كوك وباتريشيا كرون ومارتن كريمر ودانييل بايبس في سياقٍ واحد11. والواقع أن برنارد لويس تاريخاني من المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية، أما تلامذته هؤلاء وغيرهم فهم من سنخ آخر، وهم يسمون أنفسهم نقديين جذريين. لقد انتهى الاستشراق التاريخاني، وإدوارد سعيد أحد أولئك الذين أسهموا في إنهائه؛ بالإضافة لثورة العلوم الاجتماعية، والعلوم التاريخية، وحاجات الدول إلى الخبراء والمستشارين المباشرين فعلاً، وتصاعد موجات العداء للعرب وللإسلام. إن ما نشهده في العقدين الأخيرين من دراسات حول الإسلام القديم والحديث يشكل بمجمله تحولا من الاستشراق التاريخاني إلى الأنثروبولوجيا. وإرنست غلنر الذي لا يحبه إدوارد سعيد، هو أحد أولئك الرواد المنظرين للمستشرقين الجدد، أو لدعاة أنثروبولوجيا الإسلام. وما كان الاستشراق التاريخاني بالغ العظمة بحيث يستحق الترحم عليه؛ لكن مناهج أنثروبولوجيا الإسلام، والتي حمل عليها طلال أسد منذ زمن طويل، تنذر وسط الظروف الراهنة بأن تكون مطيــة لدعاة "الحرب على الإسلام" في الغربين الأميركي والأوروبي12.


_______________________

1 إدوارد سعيد: تغطية الإسلام. ترجمة سميرة نعيم خوري. مؤسسة الأبحاث العربية، 1983، ص47-48. وقارن بص، 38-40 حيث يجري الحديث هناك عن ف.س.نيبول. ويتحدث سعيد مرةً أخرى عن نيبول في: تأملات حول المنفى. ترجمة ثائر ديب، الجزء الأول، دار الآداب، ص ص87-92، وثالثة في: الثقافة والإمبريالية، ص 321-322.
2 الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء. ترجمة كمال أبوديب. مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1981، ص153. وقارن عن علاقة رينان الأفغاني من وجهة نظر سعيد: الثقافة والإمبريالية، مرجع سابق، ص319-320.
3 الاستشراق، مرجع سابق، ص ص 164-168.
4 يخطئ المترجم كمال أبو ديب هنا فيذكر العجي، والمقصود به عند لويس: عضد الدين الإيجي صاحب "المواقف العضدية" في علم الكلام (الاستشراق، ص312).
5 الاستشراق، ص ص 312-317. ويعود سعيد لذكر لويس في: تعقيبات على الاستشراق، ترجمة صبحي الحديدي، بيروت 1996، ص ص116-120.
6 وقارن بالثقافة والإمبريالية لإدوارد سعيد، ترجمة كمال أبو ديب، الطبعة الثانية، 1998، ص ص 368-370 حيث يثني على مشروع أدونيس الثوري في قراءة التراث، ومصارعة "التقليد المتحجر"!
7 الاستشراق، ص ص 276-284.
8 الاستشراق، ص ص 267-276.
9 الاستشراق، ص49.
10 الاستشراق، ص 274.
11 تعقيبات على الاستشراق، مرجع سابق، ص 63-64.
12 قارن بدراستي: من الاستشراق إلى الأنثروبولوجيا؛ في كتابي: الصراع على الإسلام، بيروت 2004، ص ص105-119.

الحالم
09-16-2007, 12:30 PM
(8)

الأثر اليوناني في البلاغة العربية: بلاغة النص وبلاغة الخطاب
عبدالجبار الشرافي

يطرح هذا المقال قضية أن البلاغة العربية تعد من بين العلوم العربية الأصيلة التي تشمل العلوم اللغوية والتي كما يقول ابن خلدون عنها : أنها ولدت في البيئة العربية لخدمة مقاصد عربية محضة. ويأتي على رأس هذه المقاصد منع اللحن الذي كان قد بدأ يزحف على اللغة العربية مع دخول الشعوب غير العربية الإسلام. وإلى مثل هذا يشير أيضا الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" (2002: 80). وبهذا فإن أطروحة هذه المقالة ترد على المزاعم التي طرحها الدكتور طه حسين في أحد مقالاته التي كتبها باللغة الفرنسية قبل ما يزيد عن ثمانين عاما وخلاصة هذه المزاعم أن الفيلسوف اليوناني أرسطو لم يكن المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة فحسب وإنما كان كذلك في علم البيان (1).

سأعرض في القسم الأول من هذه المقالة لطبيعة البلاغة العربية ، وفي القسم الثاني سأعطي موجزا مختصرا عن تاريخ البلاغة العربية ، وفي الجزء الثالث موجزا مختصرا عن البلاغة اليونانية لكي أبين أن كل تراث من هذين التراثين البلاغيين كان له بدايات وإرهاصات وتاريخ مختلف عن الآخر. ثم بعد ذلك في الجزء الرابع من المقال أتناول أقسام البلاغة العربية ، وفي القسم الخامس أقسام البلاغة اليونانية لأصل إلى خلاصة مفادها أن أقسام البلاغتين تختلفان اختلافا جوهريا. وفي القسم السادس من هذه المقالة أتحدث عن أنواع البلاغة العربية ، وأما الجزء السابع فيتناول أنواع البلاغة اليونانية لكي نصل إلى نتيجة أن التقسيم مختلف بينهما كذلك. وفي القسم الثامن أتعرض لموضوع التأثير اليوناني في البلاغة العربية ثم اختم بتلخيص النقاط المهمة في هذا المقال.

قبل أن أدخل في الموضوع لا بد من توضيح يتعلق بالمصطلحين الذين ظهرا في عنوان هذا المقال (النص والخطاب) .
فالنص: هو مصطلح يقصد به - في إطار هذا المقال - النص المكتوب.
والخطاب: مصطلح يقصد به - في إطار هذا المقال - النص المكتوب والمسموع أيضا.

1. طبيعة البلاغة العربية
يشير المستشرق المعروف فيرستيغ إلى أن الأثر اليوناني على المعارف العربية رغم أنه كان شائعا في العديد من الجوانب المعرفية إلا أنه من المؤكد أنه لم يشمل ما كان يسمى بعلوم العربية مثل العلوم اللغوية (1977: 1) . ومما يجدر ذكره أن العلوم اللغوية العربية بدأت قبل بداية التأثر بالثقافة اليونانية، فكما يقول ابن الأنباري أن أول مؤلف في النحو العربي قام بجمعه أبو الأسود الدؤلي في الثمانينيات من القرن السابع الميلادي تقريبا، ويعزو ابن الأنباري في كتابه نزهة الألباء بدايات اهتمام العرب بالنحو ودراسة اللغة بشكل عام إلى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ويروي القصة التالية دعما لهذا الموقف: يقول أبو الأسود الدؤلي أنه جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، ورأى مخطوطا في يده فسأل أمير المؤمنين عنه فأجابه قائلا: " لقد كنت أفكر في لغة العرب ولاحظت أنه قد كثر اللحن فيها باختلاطنا مع هؤلاء الأعاجم ، وأردت أن أقوم بعمل شيء ما من أجل أن يعتمدوا عليه"، ثم ناول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أبا الأسود المخطوط الذي كتب عليه " اللغة اسم وفعل وحرف. الاسم هو ما دل على شيء والفعل ما دل على حدث ، والحرف هو ما دل على معنى" وقال لأبي الأسود الدؤلي "أُنْحُ هذا النحو وأضف إليه ما تجد" (نزهة الألباء ، ص 4)

من هذا نجد أن البدايات الأولى للدراسات اللغوية في الحضارة العربية كانت عربية أصيلة بل كانت لعلاج ما أفسدته ألسنة الأعاجم من إدخال اللحن في العربية ، ولم يكن ذلك بتأثر من أي ثقافة أجنبية.

2. موجز في تاريخ البلاغة العربية
نجد في الدراسات والمؤلفات تعريفات عدة لكلمة بلاغة ولكنها تلتقي في النهاية على مفهوم واحد يحدد طبيعة هذا العلم. ففي الموسوعة الإسلامية نجد أن كلمة بلاغة تعرف بأنها "اسم مجرد من بليغ وأصلها بلغ أي تحصل الشيء المراد" وعلى هذا فهي تعني الوصول إلى المقصود من الكلام والتأثير في السامع. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموسوعة الإسلامية تشير إلى أنه وبالرغم من أن هنالك إشارات متكررة إلى أن هذه التعريفات أو تلك إنما كان منشؤها أمم أخرى غير العربية كالفارسية واليونانية والهندية إلا أن هناك إشارات واضحة تدل على أن المفهوم نشأ في عمق البيئة الثقافية العربية".

والبلاغة العربية كانت نتاجا للظروف السائدة في المجتمع العربي بعد الإسلام، وكانت قد بدأت كفرع من فروع الدراسات اللغوية القرآنية التي تعنى بتفسير القرآن الكريم، والتي كانت تهدف أساسا لإثبات إعجاز القرآن الكريم الذي تحدى العرب وهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة أن يأتوا بسورة من مثله. من ثم فإن اهتمام العلماء كان منصبا أساسا على فكرة بحث جوهر هذا التحدي. وكما نرى فإن البلاغة العربية من يومها الأول اصطبغت بصبغة الدراسات التحليلية للنص القرآني الموجود بين دفتي المصحف كنص مكتوب. وكان أول من اهتم بدراسة المجاز في القرآن الكريم هو الفراء المتوفى سنة 207 هـ/830 م، والذي ألف كتابا في هذا المجال تحت عنوان "معاني القرآن"، وتلا ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 210 هـ/ 833م، والذي ترك لنا كتابا في هذا المجال بعنوان "مجاز القرآن". بعد ذلك يأتي ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ 889 م وهو الذي ألف كتابا بعنوان " تأويل مشكل القرآن". وفي هذه المؤلفات نجد تصريحات عامة عن المجاز والذي كان يعني بالنسبة لهم الأسلوب.

واستمر الأمر على هذه الحال من التناول اللغوي لقضية مجاز القرآن، والذي كان غالبا ما يقصد به أسلوب القرآن في تلك الفترة من مراحل تطور الدراسات اللغوية والبلاغية في التراث البلاغي العربي حتى كان عصر الجاحظ الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري وتوفى سنة 255هـ / 868 م، ويعتبر الجاحظ وريث تراث لغوي وبلاغي اهتم بدراسة النص القرآني وتحليل أساليبه إلا أن الجديد في فكر الجاحظ أنه أدرج أمثلة كثيرة من خارج النص القرآني وأنه أعمل فكره الاعتزالي في طرح القضايا البلاغية في كتابيه المشهورين " البيان والتبيين" و "الحيوان"، وكان من بين الآراء التي طرحها الجاحظ فكرة أن الإعجاز لا يكمن في المعاني ولكن في الصياغة وحسن السبك، لأنه - وحسب رأي الجاحظ - فإن المعاني موجودة ومتوفرة للجميع، ولكن قليل من يحسن وضع هذه المعاني في قوالب بديعة الرصف ولطيفة السبك والصياغة ، تبين الجمال والإبداع.

وفي عام 274هـ/ 887م كتب ابن المعتز كتابه "البديع"، والذي استخدم فيه القرآن الكريم والحديث ليبرهن على أن البديع لم يكن مما استحدثه المبتدعون في الشعر العربي، وإنما هو فن أصيل له ما يؤيده في القرآن الكريم والحديث الشريف. والجدير بالذكر أن الدكتور طه حسين لم ير كتاب ابن المعتز قبل أن يكتب تلك المقالة التي أشرت إليها سابقا في مطلع هذا المقال، والسبب أنه في ذلك الوقت لم يكن كتاب ابن المعتز قد حقق بعد وخرج إلى النور، حيث تمت طباعته فيما بعد في انجلترا بعد أن قام بتحقيقه المستشرق كراتشوفسكي في عام 1935 م. ومن الإشارات لهذا الكتاب في مصادر أخرى وليس من الكتاب نفسه قام الدكتور طه حسين بتكوين فكرة عما يمكن أن يحتويه الكتاب، وادعى حسين في مقالته أن كتاب ابن المعتز قد ينطوي على الكثير من التأثر بالثقافة اليونانية. ولكن لسوء حظ الدكتور طه حسين فإن توقعاته لم تكن في مكانها فقد اتضح بعد تحقيق الكتاب ونشره كما يقول الدكتور شوقي ضيف (1965: 70) أنه خلا تماماً من أي من هذا التأثر بالثقافة اليونانية ، وأن الكتاب كان ينهل من تراث بلاغي عربي أصيل ومصادر عربية صافية ، وكان من أبرز هذه المصادر بالطبع أبو عمر الجاحظ.

وكان المبرد المتوفى سنة 285هـ / 898 م قد ألف كتابا في النحو سماه "الكامل" وأشار فيه إلى بعض أنواع الصور البلاغية مثل الحذف والتقديم والتأخير والتشبيه. وقد قام المبرد بمناقشة هذه الموضوعات في فصل مستقل في كتابه المذكور. وجاء من بعده الرماني المتوفى سنة 386 هـ 996 م وألف كتابا سماه "النكت في إعجاز القرآن". وقسم الرماني كتابه إلى ثمانية أجزاء كل منها مختص بمظهر من مظاهر الإعجاز، وأحد هذه المظاهر هو البلاغة والتي قسمها إلى ثلاثة مستويات: البلاغة الرفيعة وهي بلاغة القرآن الكريم ، والمستويين الثاني والثالث هما بلاغة البلغاء على درجات متفاوتة. أما العسكري المتوفى سنة 395هـ /1005 م فقد ألف كتابا في هذا الفن وسماه "الصناعتين" وقصد به صناعتي الشعر والنثر. وقد التزم العسكري خط مدرسة المتكلمين في الدراسات البلاغية من أمثال الجاحظ.

ويرى الباقلاني المتوفى سنة 403هـ/1013 م في كتابه "إعجاز القرآن"؛ أن جميع مظاهر البلاغة الموجودة في القرآن الكريم تدل على أنها بلاغة في اللفظ والمعنى. وقد تحدث القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 419هـ/1024 م عن الإعجاز في القرآن الكريم في الجزء السادس عشر من كتابه المغني في أبواب التوحيد والعدل، وفي معرض حديثه يطرح القاضي عبد الجبار القضية في إطار الفكر المعتزلي كسلفه الجاحظ ، وجوهر القضية أن الإعجاز في القرآن الكريم يقع في اللفظ وحسن السبك.

وعلى رأس هذا التراث البلاغي العربي يأتي عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471هـ/ 1078 م ليؤسس للبلاغة العربية في كتابيه المشهورين "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". لم يكن عبد القاهر من المعتزلة الذين نظروا إلى اللفظ كمحدد أساسي لإعجاز القرآن، ولم يكن الجرجاني كذلك ممن يقولون : إن الإعجاز يقع في المعنى دون اللفظ بل كان صاحب نظرية جديدة في البلاغة العربية تتلخص في أن إعجاز القرآن يكمن في النظم وهو التركيب والصياغة.

أما أبو يعقوب السكاكي المتوفى سنة 626هـ/1226م فقد نهج طريقا مغايرا لمنهج الجرجاني والتزم منهج المتكلمين وخصوصا المناطقة منهم فترى كتابه "مفتاح العلوم" وقد امتلأ بالتقسيمات والتفريعات المنطقية لأقسام البلاغة وأنواع المجاز. ويأتي بعده ابن الأثير المتوفى سنة 637هـ /1237 م والذي ألف كتابا أسماه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" والذي نجد فيه الكثير من الاهتمام بتنظيم وترتيب أنواع المجاز مثل الاستعارة والكناية والتشبيه. ونري أن غالبية الأمثلة التي يعرضها ابن الأثير مأخوذة من القرآن الكريم والحديث الشريف. وفي أوائل القرن الثامن الهجري - أوائل القرن الرابع عشر الميلادي كان مجيء الإمام يحي بن حمزة العلوي اليمني والذي ألف كتابا في البلاغة والإعجاز سماه "الطراز في أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز" والذي قدم فيه منهجية تهتم باللفظ والمعنى جنبا إلى جنب في تناول قضية الإعجاز في القرآن الكريم. أما ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 750هـ/1350م فقد ألف كتابا سماه "كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلوم البيان". وقد أودع ابن القيم في هذا الكتاب تعاريف مختلفة للفصاحة والبلاغة وأثار عدة نقاشات حول قضايا البلاغة العامة مثل الحقيقة والمجاز وغيرها من الموضوعات البلاغية ، ويرى أن الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى.

في هذا الجزء من المقال حاولت أن استعرض تاريخا موجزا للبلاغة العربية، وأن أبين أن طبيعة البلاغة العربية ونشأتها كان لغرض أساس هو إثبات أن القرآن الكريم معجز في لفظه كما رأينا عند بعض البلاغيين العرب، أو أنه معجز في معناه كما رأينا عند بعضهم الآخر، أو أنه معجز في لفظه ومعناه، أو أن إعجاز القرآن يقع في النظم كما في منهجية الجرجاني. ولا يكاد يخلو كتاب أو مؤلف من مؤلفات البلاغة العربية إلا ويعد موضوع الإعجاز جزءًا أساسياً من أهدافه. وعليه فإنه من المستبعد جدا أن يقوم هؤلاء العلماء ، وهم ما انبروا إلا ليدافعوا عن القرآن وليثبتوا أوجه الإعجاز فيه - أن يستوردوا أفكارا أو حتى يتأثروا بأفكار من ثقافة كانوا يعدونها وثنية ، ومن فلسفة كانوا يصفونها بالزندقة!

3. نظرة على بدايات البلاغة اليونانية
لقد كان البلاغيون اليونان متأثرين بالتغيرات الاجتماعية التي حدثت في القرن الخامس قبل الميلاد في بلاد اليونان. ففي كتابه "سيناجوج" يعزو أرسطو نشأة البلاغة إلى تسياس وكوراكس الصقليين في الربع الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، وكان هذان الشخصان بارعين في التحدث أمام العامة ، وماهرين في إقناع الآخرين بوجهة نظرهما. وبعد طرد الطغاة والمستبدين من سيراكوس وإقامة نظام حكم ديموقراطي فيها ، قام ملاك الأراضي التي كانت قد صودرت أيام حكم الدكتاتوريين بإجراء مرافعات قانونية لاسترداد أراضيهم وأملاكهم. ولهذا احتاج هؤلاء إلى مساعدة كوراكس وتيسياس في هذه المرافعات. ومما يجدر ذكره أنه وخلال هذه الفترة شهدت اليونان نوعين من الإصلاحات كان لهما الأثر الكبير على تطور فن البيان في اليونان القديمة. كان الإصلاح الأول الذي شهدته أثينا في تلك الفترة هو الإصلاح السياسي الذي قام به كليسثينيس في العام 450 قبل الميلاد، والذي نتج عنه إنشاء نوع من الحكم الديموقراطي. أما الإصلاح الثاني فقد تمثل في الإصلاح القضائي الذي قام به إيفياليتس في العام 462 قبل الميلاد. ولقد مكنت تلك الإصلاحات السياسية جميع المواطنين الأثينيين- ولو من حيث المبدأ - من أن يصبحوا أعضاء في البرلمان الأثيني ، وأن يصوتوا في الأمور العامة مما أدى إلى وجود حركة اجتماعية كبيرة في مجتمع أثينا لأنه أصبح من الممكن لأي من المواطنين الحق ، ولو نظريا، في التطلع إلى امتهان السياسة أو العمل في سلك الخدمة المدنية وبهذا زادت الحاجة إلى مهارات التحدث ومهارات الإقناع. أما الإصلاح القضائي فقد كان له أكبر الأثر في إعطاء الناس الحرية في طرح قضاياهم والدفاع عن أنفسهم ومقاضاة الآخرين بأنفسهم، وعرض مرافعاتهم أمام هيئة محلفين حيث لم يكن هناك محامون بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وغالبا ما كان يصل عدد أعضاء هيئة المحلفين إلى مائتي فرد نظرا لأن المقاضات كانت أكثر علنية مما هي عليه اليوم (انظر Conely 1990، Dixon 1971 ، Kennedy 1994). في ضوء هذه التغيرات أصبحت الملكة البلاغية وأصبح فن التحدث وإقناع العامة أمرا غاية في الأهمية في المجتمع اليوناني في تلك الفترة، واصبح من أهم معاني البيان أو البلاغة هو التحدث بشكل جيد ومؤثر ومقنع. ويذكر Kennedy 1994 أن إيسوكريتس كان يتقاضى مبالغ كبيرة، وكان يدفع له بسخاء نظير قيامه بتدريب الناس على مهارات التحدث بشكل جيد أمام العامة.

ومن هذا العرض المختصر لمقاصد البلاغة اليونانية يتضح أنها ظهرت لخدمة أهداف مغايرة تماما للمقاصد التي جاءت من أجلها البلاغة العربية. ولعل الأمر الأكثر أهمية في هذا الصدد أن البلاغة اليونانية ركزت أول ما ركزت على الحديث أو على الكلمة المسموعة، وهذا على خلاف الاهتمام الرئيسي للبلاغة العربية والتي اهتمت بشكل أساسي ومنذ بدايتها على دراسة النص المكتوب وهو القرآن الكريم ومظاهر الإعجاز فيه.

4. أقسام البلاغة العربية
أصبح من المتعارف عليه تقسيم البلاغة العربية إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: البيان والمعاني والبديع ، وهذا التقسيم الثلاثي كان موجودا حتى عند القدماء ولا سيما في كتابات المتأخرين منهم مثل السكاكي والعلوي. أما علم البيان فهو العلم الذي يبحث في أنواع المجاز والتشبيه، وهو العلم المختص بالتمييز بين الاستخدامات اللغوية التي تحمل على وجه الحقيقة، وهو الأسلوب الطبيعي كما يراه البلاغيون العرب القدماء والاستخدامات اللغوية المجازية وهو الأمر الاستثنائي عندهم. وأنا لست هنا بصدد تمحيص هذا الموقف أو دراسته أو نقده لأن هذا ليس المكان المناسب، وإنما أريد أن أعرض هنا لأقسام البلاغة كما كان يراها أئمة البلاغة في تلك الفترة. والقسم الثاني من أقسام البلاغة العربية هو ما يسمى بعلم المعاني، ويقصدون به علم التراكيب و علم دراسة مناسبة تركيب الجملة للموقف والسياق الذي قيلت فيه. أما القسم الثالث فهو علم البديع ويقصد به أوجه صياغة اللفظة لكي تكتسب جرسا صوتيا معينا يؤثر في السامع.

5. أقسام البلاغية اليونانية
أما البلاغية اليونانية فقد استقرت في وضعها النهائي كما نجدها في كتابات شيشرو في القرن الأول قبل الميلاد وفي كتابات كوانتلين في القرن الأول الميلادي على خمسة أقسام (انظر Kennedy 1994، Dixon 1971). القسم الأول هو الابتكار، وهذا هو القسم المتعلق بابتكار الموضوع والمادة الخام للنص . وبالنسبة للبلاغيين اليونانيين فهذا القسم بالذات مهم جدا لأن اختيار الموضوع واختيار المادة التي سيتم الحديث عنها بالغ الأهمية، ويؤثر كثيرا على قناعات السامعين. والقسم الثاني هو ما يطلقون عليه الترتيب أو التنظيم، ومقصود به هنا الترتيب المنطقي للأفكار والموضوعات والمقدمات والنتائج، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بمصطلحات علم اللغة الحديث بالتركيب البنيوي للنص، وضمان توفر التناسق والانسجام بين مكوناته. في هذا القسم نجد أن المتحدث أو الكاتب يقوم بتقسيم النص إلى مقدمة وسرد وبراهين وخاتمة، وفي كل من هذه التقسيمات الفرعية يكون هناك أيضا تفريعات أخرى ومقاصد مستقلة. على سبيل المثال في المقدمة يهدف الخطيب إلى اجتذاب سماع الجمهور والاستحواذ على اهتمامهم بما يقال. أما القسم الثالث فهو الذي يتناول أساليب الفصاحة وصياغة الألفاظ وتحسين العبارة وأناقة الرصف والسبك. وهنا يكون الاهتمام منصبا على الشكل والصياغة واللفظ. وهنا يبرز مصطلحان من مصطلحات البلاغة اليونانية هما "المفردات" "والتركيب"، وهذان المصطلحان يشبهان إلى حد كبير مصطلحين مهمين أصبحا من أهم مبادئ البنيوية اللغوية الحديثة التي تأسست على يد العالم السويسري فردناند دو سوسير في عام 1916م. هذان المصطلحان هما "الترتيب الباراديجماتي" ويقصد به الاختيار من بين المفردات، و"الترتيب السينتاجماتي" ويقصد به الربط بين المفردات وتركيبها في تراكيب لغوية معينة. ومما يجدر ذكره أن العلامة اللغوي الروسي المولد والأمريكي الموطن رومان ياكوبسن قد توصل إلى مصطلحين يشبهان إلى حد كبير هذين المصطلحين وسماهما في بحث نشره في عام 1971م "الاختيار" و"الترابط"، ويقصد بذلك أننا نقوم باختيار الألفاظ من مستودع الألفاظ ثم نقوم برصف وربط هذه الألفاظ في تراكيب لغوية مختلفة حسب قواعد معينة. وهذان المصطلحان كذلك يشبهان إلى حد كبير مصطلح "الفئة" و"التركيب" اللذين أتى بهما العلامة اللغوي الإنجليزي مايكل هاليدي في نظريته المسماة باللغويات المنظوماتية الوظيفية المنشورة في كتاب عام 1985م.

أما القسم الرابع فهو المتعلق بحفظ الخطبة أو النص الخطابي عن ظهر قلب وما يصاحب ذلك من مهارات التذكر والاستحضار. والقسم الخامس هو الإلقاء وهو الأداء الفعلي وما يصاحب ذلك من أساليب التشويق و الحركات الجسدية المصاحبة للإلقاء والتي تعطي معاني إضافية للنص. وكل قسم من هذه الأقسام يعد علما في حد ذاته.

أما إذا نظرنا إلى البلاغة العربية فنجد أنها بأقسامها الثلاثة تقع ضمن إطار القسم الثالث من أقسام البلاغة اليونانية. فلو أن البلاغة العربية تأثرت بالبلاغة اليونانية كما يزعم الدكتور طه حسين في مقاله- لوجدنا تشابها وتأثرا فيما يتعلق بالأقسام الأخرى.

6. أنواع البلاغة العربية
لا توجد أنواع للبلاغة العربية وإن كان هناك أنواع للخطابة مثل الخطابة السياسة والدينية والاجتماعية. ولعل هذا يقودنا إلى التفريق بين البلاغة والخطابة. فالخطابة فهي الفن والنشاط الذي يقوم به بعض الناس إما بالسليقة وإما عن طريق التدريب والتعلم. أما البلاغة فهي العلم الذي يدرس ويضع الأصول والقواعد لفن الخطابة. وحسب علمي أنه وإن كانت قد وجدت الخطابة بأنواعها المذكورة فإنه لم يوجد ما يوازي ذلك من علم يدرس ويضع القواعد لها في التراث العربي إذا استثنينا ما ذكره الجاحظ بشكل مقتضب في كتابه البيان والتبيين عن الجوانب الأسلوبية للخطابة أو ما ذكره غيره في كتبهم وهو عبارة عن ملاحظات عامة لا ترقى إلى مستوى التأصيل والتقعيد لعلم الخطابة".

7. أنواع البلاغة اليونانية
أما البلاغة اليونانية فتدين بالفضل للفيلسوف أرسطو الذي قدم تصنيفا ثلاثيا لأنواع البلاغة اليونانية بصفتها العلم الذي يدرس أنواع الخطابة ويضع لها القواعد والأسس. هذا التصنيف الثلاثي الذي جاء به أرسطو يتلخص في أن هناك ثلاثة أنواع من البلاغة هي: بلاغة الخطاب السياسي وبلاغة الخطاب القضائي وبلاغة الخطاب الأدبي. وفي الفصل الثالث من الكتاب الأول من الخطابة يقدم لنا أرسطو هذا التقسيم ، وينص على أن معيار التقسيم كان على حسب طبيعة ودور جمهور المستمعين للنص. فإذا كان مطلوب من المستمعين أن يصدروا حكما في أمور ماضية كان نوع الخطاب قضائيا ، لأن الخطيب يتحدث عن أحداث حدثت في الماضي لكي يتسنى لهيئة المحلفين أن يصدروا حكما بشأن هذه الأحداث. وإن كان يطلب من المستمعين إصدار حكم على أمور مستقبلية كان نوع الخطاب سياسيا ، لأن الخطيب يتحدث عن أمر عام في المجلس النيابي ربما يتخذ بشأنه إجراء أو يصدر حكما بشأنه في المستقبل. أما إذا كان الجمهور غير مطلوب منه أن يصدر حكما فإن أرسطو يطلق على هذا النوع من النص الخطاب الأدبي. إلا أن أرسطو يعود ويؤكد في الفصل الثامن عشر من الكتاب الأول من الخطابة أنه حتى في الخطاب الأدبي يوجد هناك نوع من إصدار الحكم بمعنى أن الجمهور في هذا النوع من الخطاب لا يكون سلبيا وإنما يكون له موقف ووجهة نظر حول مدى تأثير الخطيب وقدرته على جذب اهتمام السامعين وهو ما يحدث عادة عن قراءتنا للأدب فإننا نقرؤه أو نسمعه ونحكم على قدرة الكاتب أو المتكلم الأدبية.

مما سبق يتبين لنا أن البلاغة العربية تختلف اختلافا جذريا عن البلاغة اليونانية سواء من حيث المقاصد والأهداف ، أو من حيث الطبيعة والتقسيمات والأنواع فكيف لهذه البلاغة أن تكون مدينة للمعلم الأول أرسطو ؟!

8. التأثير اليوناني على البلاغة العربية:
لقد ترجم العرب خلال العصور الوسطى كما هائلا من التراث الثقافي اليوناني، وفي الحقيقة أن بعض المؤلفات اليونانية لم تصلنا اليوم إلا عن طريق الترجمات من العربية إلى اللغات الأوروبية لأن الأصل اليوناني كان قد ضاع فما كان من المؤرخين إلا أن عادوا إلى المخطوطات العربية واسترجعوا بعض نماذج هذا التراث. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها وهي في الحقيقة مظهر طبيعي من مظاهر التوارث الحضاري بين الأمم والثقافات. إن استفادة العرب من الثقافات الأخرى مثل الثقافة الفارسية والثقافة الهندية والثقافة اليونانية أمر ليس موضع النقاش هنا، وإنما ما هو موضع للنقاش هو نطاق هذا التأثر ومجالاته في الثقافة العربية فيما يسمى في الغرب بالعصور الوسطى. وبينما كان التأثر واضحا في مجال العلوم الطبيعية والفلك والرياضيات والفلسفة لسبب يسير أن العرب لم تكن لديهم هذه العلوم فيما سبق وإنما اكتسبوها بعد احتكاكهم بالثقافات الأخرى ومنها الثقافة اليونانية، إلا أن وجود هذا التأثير اليوناني في العلوم العربية المحضة وهي العلوم اللغوية العربية وعلى رأسها البلاغة العربية لا يزال موضع جدل واسع، وتوجد كما بينا وسنبين فيما يأتي أراء قوية تقول أن تأثير البلاغة اليونانية على البلاغة العربية لم يكن ذا بال على عكس ما يقوله الدكتور طه حسين من أن أرسطو هو المعلم الأول للمسلمين في البلاغة.

لقد ألمح الدكتور طه حسين في مقاله المذكور إلى أن البلاغة العربية مدينة للبلاغة اليونانية وبالأخص للإطار البلاغي الأرسطي، وفي مواضع كثيرة في هذه المقالة حاول الدكتور طه حسين أن يتتبع أثر البلاغة اليونانية على البلاغة العربية، وكانت الخلاصة التي توصل إليها هي: " وإذا لا يكون أرسطو المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة وحدها؛ ولكنه إلى جانب ذلك كان معلمهم الأول في علم البيان".

ويمكن سرد الملاحظات التالية للرد على هذا الادعاء:
أولا: كانت البلاغة اليونانية نتاجاً لتغيرات سياسية واجتماعية في المجتمع الأثيني، وكان لهذه التغيرات أعمق الأثر في صبغة البلاغة اليونانية بصبغة خاصة بها، والتي نتج عنها أن تكون البلاغة اليونانية في الأساس تعني فن التحدث والخطابة أمام العامة. وبالمثل كانت البلاغة العربية نتاج البيئة العربية والمقاصد العربية المحضة ، ولقد كان الباعث الديني هو الموجه الرئيس للبلاغة لإثبات إعجاز القرآن الكريم. ولقد نتج عن هذا الهدف أن أصبح جل اهتمام الدراسات البلاغية في الثقافة العربية هو دراسة القرآن الكريم كنص مكتوب مما أفاد في تطور الدراسات الأسلوبية في البلاغة العربية تطورا كبيرا منذ عهد بعيد. على عكس البلاغة اليونانية التي اهتمت بمختلف أوجه الخطابة كنص مسموع ونص مكتوب أيضا.

لقد كانت البذور الأولى للبلاغة العربية عبارة عن معالجات لقضايا الأسلوب، وكانت هذه المعالجات منثورة في كتب النحويين ، وظلت البلاغة العربية تظهر اهتماما كبيرا في تركيب العبارة وتركيب الجملة حتى ظهرت إشارات عامة في كتابات الإمام عبد القاهر الجرجاني وفي كتابات المتأخرين من أمثال العلوي إلى النص كوحدة للتحليل أكبر من الجملة. والتأكيد هنا على النص المكتوب سواء كان نصيا دينيا من القرآن والسنة أو نصا من الشعر العربي أو حتى من فن الخطابة العربية. وعلى عكس البلاغة اليونانية التي تتسم بأنها بلاغة تركيبية لأنها تركز على تركيب النص منذ مراحله الأولى كمراحل ابتكار الأفكار، مرورا بترتيب وتنظيم الأفكار، ومن ثم المظاهر الأسلوبية والحفظ والاستذكار ، وأخيرا الإلقاء، فإن البلاغة العربية كانت بلاغة تحليلية تهتم بتحليل النص الموجود أصلا ودراسة المظاهر الأسلوبية فيه.

ومن الناحية التاريخية، فإن ترجمة كتاب الشعر لأرسطو إلى اللغة العربية كان أولا على شكل مختصر قام به الفيلسوف العربي الكندي المتوفى سنة 252هـ/865 م، وكما يقول الدكتور شوقي ضيف (1965م) : إن الفلاسفة العرب في العصور الوسطى كانوا مهتمين بتقديم الأعمال الأدبية لأرسطو للغويين العرب لكي يستفيدوا منها. وعندما شعر هؤلاء الفلاسفة أن الملخصات لم تف بالغرض بدؤوا بترجمة كاملة لكتابي أرسطو المشهورين في هذا المجال وهما كتاب الشعر وكتاب الخطابة. أما الأول فقد قام بترجمته أبو بشر بن متى ابن يونس المتوفى سنة 328هـ/941 م، والذي يقول الدكتور طه حسين نفسه عنه : إنه لم يفهم هذه الترجمة أحد في ذلك العصر.(2) ويروى أن كتاب الخطابة كانت له ترجمتان، إحداهما قام بها حنين ابن إسحاق والأخرى - والتي يسميها ابن النديم الترجمة القديمة - التي رآها في كتيب من مائة صفحة قام بترجمتها السرخسي وهو تلميذ الكندي. وعلى كل حال فإنه من الواضح من كتاب البيان للجاحظ أنه لم يطلع على هذه الترجمة القديمة لأنه لا توجد أي إشارة لها في كتابه وهذه نتيجة توصل لها الدكتور شوقي ضيف في كتابه (1965م) وأشار إليها الدكتور طه حسين نفسه في مقاله المذكور.(3)

وإذا كان الجاحظ مؤسس البيان العربي - حسب رأي الدكتور طه حسين نفسه - لم يقرأ ترجمة كتاب الخطابة لأن الترجمة جاءت متأخرة أي بعد وفاة الجاحظ - فإنه من الصعب المجازفة بالقول بأن البلاغة العربية قد تأثرت بالبلاغة اليونانية أو أن البلاغة العربية مدينة للبلاغة اليونانية. وإذا كان الجاحظ لم ينهل من المؤلفات البلاغية اليونانية بشكل عام، ومن الفكر البلاغي الأرسطي بشكل خاص - فالاحتمال الوحيد هو أن الجاحظ كان ينهل من تراث بلاغي عربي خالص ، وهذه النتيجة تصبح أكثر تأكيدا عندما نعلم أن الجاحظ نفسه لم يشر إلى أي مصدر غير المصدر العربي فيما يتعلق بالأفكار التي كان يطرحها في كتبه. هذا فيما عدا القصص التي كان يوردها عن تعريف البلاغة عند الفرس والهنود واليونان.

يشير طه حسين في مقاله إلى أن البلاغيين العرب والفلاسفة العرب لم يفهموا كتابي أرسطو في الخطابة والشعر لأن العرب لم تكن لهم الأجناس الأدبية التي كانت عند اليونان. وقبل هذا وذاك لم تتوفر لدى العرب كذلك الظروف السياسية والقضائية التي تستدعي تدريب الناس على التحدث أمام العامة ولذا فهم لم يفهموا الكثير مما كان يتحدث عنه أرسطو في هذين الكتابين. وكثيرا ما يردد الدكتور طه حسين أن البلاغيين العرب فهموا إلى حد ما الجزء الذي يتحدث عن الأسلوب من كتاب الخطابة لأرسطو أفضل بكثير من غيره من الأجزاء، وهذا لعمري دليل واضح على أن العرب عند ترجمة كتاب الخطابة إلى اللغة العربية كان لديهم تراث بلاغي عريق يبحث ويدرس فن أسلوب صياغة اللفظ وبناء العبارة والجملة ومن ثم النص. ولذلك فهم البلاغيون العرب هذا الجزء أكثر من غيره.

ستيتكيفيتش يلقي الضوء على هذا الموضوع ويؤكد أن "تتبع أي أثر للثقافة اليونانية في العلوم اللغوية العربية أمر في غاية الصعوبة. وأن بدايات الدراسات النحوية العربية تشير إلى أنه لا يوجد أي أثر لهذا النوع من التأثر مطلقا. أما فيما يخص المصطلحات النحوية والصرفية فهذه تعد جزءا لا يتجزأ من علوم عربية أصيلة"(4) .

في مقدمته لتحقيقه لكتاب "أسرار البلاغة" للجرجاني في عام (1954م) فإن العلامة ريتر ينفي المقولة التي تقول بتأثير الهيلينية على البلاغة العربية ، ويستبعد أن يكون للثقافة اليونانية هذا التأثير على البلاغة العربية في إشارة إلى مزاعم طه حسين وغيره. ويعتمد ريتر في جداله على أساس أن المؤلفات العربية في البلاغة كانت قد ظهرت حتى قبل ظهور الشاعر أبي تمام، والذي يعزو إليه الدكتور طه حسين البدايات الأولى لتأثير الهيلينية على البلاغة العربية. وهذا دليل آخر على أن البلاغة العربية كانت - ولا تزال بالفعل – اهتماماً عربياً خالصاً وجد لتحقيق مقاصد محددة يأتي على رأسها المقصد الديني.

وأختم هذا المقال بالاستشهاد بما يقوله الدكتور محمد عابد الجابري : "إذا كانت الفلسفة هي "معجزة" اليونان فإن علوم العربية هي "معجزة" العرب"(5) . وهذا الاستنتاج الذي يسوقه الدكتور محمد الجابري يعد دليلا قويا، خصوصا أن الدكتور يتحدث عن تكوين العقل العربي فيما يسميه بعصر التدوين والذي يعده العصر الذي تشكلت فيه الثقافة العربية والعقل العربي.

خاتمة
تدور مناقشة الدكتور طه حسين حول ثلاث دعاوى : الأولى هي أن الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" كان ينهل من البلاغة اليونانية. ويمكن رد هذه الدعوى بأن الجاحظ لم يشر إلى أي مصدر يوناني في كتابه وكثيرا ما كان يؤكد أن البديع وهو المصطلح الذي كان يطلق على كل مظاهر البلاغة في ذلك الوقت هو خاصية فريدة يتميز بها العرب دون سواهم من الأمم. وكما أشرت سابقا فإن كتاب الخطابة لأرسطو لم يترجم إلى العربية إلا بعد وفاة الجاحظ. الدعوى الثانية تتلخص في أن الدكتور طه حسين كان يعتقد أن كتاب ابن المعتز كانت مظاهر التأثر بالثقافة الهيلينية فيه واضحة بجلاء ولكن الكتاب بعد أن تم تحقيقه وطباعته لم يبين أي دليل على هذا التأثر كما يقول الدكتور شوقي ضيف. أما الدعوى الثالثة فهي أن عبد القاهر الجرجاني في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" وخصوصا في الكتاب الثاني "أسرار البلاغة" لم يكن سوى فيلسوف ينهل من الفلسفة اليونانية التي كانت قد ترجمت إلى العربية آنذاك. وهذا الزعم يرد عليه العلامة ريتر الذي حقق كتاب "أسرار البلاغة" والذي أكد أن دعوى تأثر البلاغة العربية بالبلاغة اليونانية دعوى لا أساس لها ولا ترتكز على سبب أو تنهض على أي دليل.

_____________________
(*) كاتب وأكاديمي من اليمن .
(1) أنظر ترجمة هذه المقالة في مقدمة نقد النثر لقادمة بن جعفر تحقيق الدكتور طه حسين وعبدالحميد العبادي ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر (1940)
(2)أنظر مقال الدكتور طه حسين المذكور ص (15).
(3) المرجع السابق ص (11-12)
(4) أنظر كتاب ستيتكيفيتش (1970:3)
(5) أنظر كتاب الدكتور محمد الجابري تكوين العقل العربي (2002) صفحة (80) .
_____________________
ابن الأنباري نزهة الألباء في طبقات الأدباء. تحقيق عطية عامر. استوكهولم (1962).
الجابري، محمد عابد (2002) تكوين العقل العربي. الطبعة الثامنة. مركز دراسات الوحدة العربية: بيروت.
الجرجاني، عبد القاهر أسرار البلاغة. تحقيق ?. ريتر (1954) مطابع وزارة التعليم: استانبول.
الخولي، أمين (1947) فن القول في معهد الدراسات. دار الفكر العربي: القاهرة.
الخولي، أمين (1961) مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب. دار المعارف: القاهرة.
حسين، طه (1940) تمهيد في البيان العربي. مقدمة في كتاب نقد النثر لقدامة بن جعفر، تحقيق طه حسين وعبد الحميد
العبادي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.
خطابي، محمد (1991) لسانيات النص: مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
ضيف، شوقي (1965) البلاغة: تطور وتاريخ. دار المعارف: القاهرة.
فضل، صلاح (1991) شفرات النص. دار الفكر: القاهرة.
مطلوب، أحمد (1978) دراسات بلاغية ونقدية. دار الرشيد: بغداد.

Al-Sharafi, AbdulGabbar (2004) Textual Metonymy: a semiotic approach.
London: Palgrave Macmillan
Beaugrande de, R. and Dressler, W. (1981) Introduction to
Textlinguistics. London: Longman
Conely, T. (1990) Rhetoric in the European Tradition. Chicago:
University of Chicago Press
Dijk, T. V. (1985) Discourse and Literature. Amsterdam: John
Benjamins
Dixon, P. (1971) Rhetoric. London: Methuen
Halliday, M.A.K. (1985) An Introduction to Functional Grammar.
London: Arnold.
Jakobson, R. (1971) ‘Two Aspects of Language and Two Types of
Aphasic Disturbances’ in Jakobson, R. and M. Halle (eds)
Fundamentals of Language. The Hague: Mouton
Kennedy, G. (1963) The Art of Persuasion in Greece. Princeton
University Press
Kennedy, G. (1994) A New History of Classical Rhetoric. Princeton
University Press
Saussure, F. de (1983) Course in General Linguistics. Trans. and
annotated by Harris, R. London: Duckworth
Stetkevych, J. (1970) The Modern Arabic Literary: Lexical and Stylistic
Development. Chicago: Chicago University Press
Versteegh, C.H.M. (1977) Greek Elements in Arabic Thinking. Leiden:
E.J. Brill
Versteegh, K. (1997) Landmarks in Arabic Linguistic Thought. London:
Routledge .

الحالم
09-16-2007, 12:35 PM
(9)

الصراع على القيم أزمة "المعرفة الإنسانية" بين الغرب والإسلام
رضوان زيادة

يعتبر الأنثربولوجي الشهير آرنست غيلنر أن العالم المعاصر الآن تسوده ثلاثة مواقف أساسية هي : الأصولية التي تؤمن بواحدية الحقيقة وتعتقد بأنها تملكها .والنسبية التي تتلبس جملة متنوعة من الصيغ؛ وتنكر فكرة الحقيقة الواحدة ، لكنها رغم ذلك تحاول التعامل مع كل رؤية خاصة وكأنها صادقة .أما الموقف الثالث، والذي ينحاز له غيلنر ، فهو يستبقي الإيمان بواحدية الحقيقة من الأصولية ؛ غير أنه يختلف عنها في أنه لا يعتقد بأننا استطعنا امتلاكها ـ أي الحقيقة ـ بشكل نهائي وكامل في أيِّ وقتٍ من الأوقات ، وهذا الموقف لا يستخدم أي إيمان اعتقادي جوهري ليؤسس سلوكه العملي والبحثي ، بل مجرد نوعٍ من الولاء لبعض القواعد الإجرائية المعيّنة على حد تعبيره(1) .
الجديد في تقسيم غيلنر هذا هو الاعتراف الضمني بوجود رؤيةٍ أخرى مختلفة عن السياق الغربي ، ورغم أنه يرفضها ، إلا أنه يعترف بها ويعتقد أن الكثيرين في العالم الإسلامي ما زالوا يخضعون لقيمها ويؤمنون بها.
إن غيلنر اعتمد الموقف من الحقيقة كمعيارٍ تصنيفي للتفريق بين المواقف الرئيسية الثلاثة ، فالأصولية تقول بأن جوهر الدين ليس الاقتناع بحقيقة العقيدة ، وإنما الالتزام بها انطلاقاً من الدافع الإيماني ، إذ ليس من الضروري أن تعقل حتى تؤمن ، فعندها يفقد الإيمان دافعه الحقيقي والجوهري ، وهو الإيمان لمجرد أنه يشكل جزءاً من جوهرة العقيدة التي تؤمن بها ،وهذا هو الانعطاف الوجودي الذي يربط الإيمان بالهوية وليس بالدليل البرهاني .
بعد ذلك يسحب غيلنر مقاربته النظرية تلك للأصولية ليقارنها مع الدين الإسلامي ، الذي يطرح الأصولية بوصفها نظاماً معرفياً على الجميع الخضوع له .وانطلاقاً من ذلك فإن غيلنر يجزم أن هناك ممانعة بين الإسلام والعلمنة ، والاعتقاد أن العلمنة يمكن أن تنتشر في الإسلام هو اعتقاد زائف في أصله ، وينبع سبب ذلك في رأيه من طبيعته الاعتقادية أولاً ؛ ومن الغياب النظري لطبقة رجال الدين ثانياً ، فليس هناك مكانة مقدسة متميزة في الإسلام تفضل المرشد الديني للطقوس الشعائرية عن جمهرة المؤمنين من عامة الناس ، وهذا ما حجب الإسلام عن الإصلاح السياسي الذي حدث في المسيحية ، ذلك أن لغة الصراع السياسي في المسيحية كانت قائمة على إلغاء أفضلية هذه الطبقة في حين أنها لم تؤد في الإسلام إلا إلى تكرار وتعاقب الأشخاص في نظام اجتماعي ثابت لا يتغير ، وبذلك ثبت الإسلام في صيغته الحالية على نموذج الإصلاح النهائي الذي يمكن أن يصل إليه ، فليس من الضروري إذاً مناقشة أسسه الفكرية والعقائدية بقدر ما يفرض علينا أخذه بعين الاعتبار سياسياً ، وعدم إلغاءه ،والاعتراف بحجمه التأثير الهائل الذي تحقق من خلال الوجه الطهراني والمساواتي الذي يطرحه الإسلام عن نفسه مما جعله ديناً لكثير من المستبعدين والمهمشين في العالم .
يخلص غيلنر في النهاية إلى عددٍ من النتائج خاصة فيما يتعلق بالأصولية التي يماهيها مع الإسلام حصراً ،فانتشار الوفرة الاقتصادية على عكس ما يرى علماء الاجتماع لن يؤدي إلى تآكل وإضعاف الالتزام الديني . فحتى الثروة النفطية الهابطة من السماء ، والتي لم تُكتسب بالجهد والعرق ، لم تملك مثل هذا التأثير ، يضاف إلى ذلك أن الإسلام قد أثبت قدرته على اختراق المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية الغربية وضمها وتوحيدها مع الإيمان الراسخ والتماهي في الإسلام ، بكل ما يمتلكانه من قوة وانتشار، ولا يبدو أن الدين العالمي الإسلامي مقررٌ عليه بالضرورة أن يتآكل أو يضعف بتأثير الأوضاع والظروف الحديثة ، بل على العكس قد تقدم له هذه الظروف والدعم والمساندة .
أطلنا قليلاً في تقديم وجهة نظر غيلنر للإسلام ، ليس من باب الاستئناس بآرائه بحكم كونه مختصاً في أنتربولوجيا الإسلام ، إذ عاش فترة لا بأس فيها في المغرب ومصر ، وكتب كتباً عدة عن ذلك ، وإنما للتعامل مع وجهة نظره خاصة فيما يتعلق بالنظام المعرفي .
فالإسلام بالنسبة إليه يمتلك نظاماً معرفياً خاصاً به ، وبنيته التكوينية قارة أو ثابتة لا تتغير مع تغير الأزمنة والدهور ، على الأقل بالنسبة لمعتنقيها والمؤمنين بها ، وأصواته الأصولية التي تخرج من هنا وهناك وتتكاثر يمنة ويسرة لا تمثل خروجاً عن نسقه المعرفي أو السيستام النظري الخاص به ، لا، بل إنها تمثل تعبيراً صريحاً عن مكنونه الفكري ومعتقده الإيماني ، ولذا ، يبدو مكتوباً على جميع المحاولات النظرية والعملية التي تسعى إلى موائمة الإسلام مع العصر ، أو تلك التي تحاول أن تفترض انسجاماً بين الإسلام والقيم الكونية ، يبدو مكتوباً على جميع هذه المحاولات الإخفاق والفشل الذريع ، وعلى الغرب ، بوصفه يمتلك نظاماً معرفياً مغايراً ومختلفاً ، أن لا يضيع وقته في محاولات يائسة وبائسة لإدخال الإسلام في الحداثة ، بل عليه أن يحاذر الأصولية سياسياً التي ستشهد صعوداً يخشى فيه .
سطّر غيلنر رؤيته تلك قبل أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 بعشر سنين تقريباً ، واستحضارها اليوم لقراءتها بعد هذه الأحداث ليس المقصود منه إظهار بعدها التنبؤي أو التحذيري ، لا ، فالمقصود غير ذلك تماماً ، وهو إظهار الصراع الخفي على " القيم الكونية " أو " Universal " .
لا يعني الصراع هنا تلك الصورة الحاضرة في مخيلتنا من الإرث الماركسي عن " الصراع الطبقي " ، ولا تلك التي أثارها هينتغنتون في نظريته عن " الصدام بين الحضارات " ( Clash of Civilization ) ، وإنما هي أقرب إلى الجدل الدائر والمتجدد دوماً حول الخصوصية والعالمية أو الهوية والعولمة .
إذ بغض النظر عن إقرارنا بمفصلية حدث 11 أيلول سبتمبر أم لا(2) ، وسواءً اتفقنا أم اختلفنا أن الإدارة الأمريكية استثمرت حدث 11 أيلول / سبتمبر لتنفذ برنامجها الخاص (3)، فإن هذا الحدث قد أطلق حواراً مباشراً أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى بين الرؤيتين الغربية والإسلامية للعالم .
صحيحٌ أن هناك أصواتاً ارتفعت لدى الطرفين تنادي بالصدام وحتى الحرب بين الحضارات وتقسم العالم إلى فسطاطين كما هي حال بن لادن ، أو تقسمه إلى طرفين أحدهما مع الإرهاب والآخر ضده كما هي حال الرئيس الأمريكي بوش ، إلا أن الرأي العام في كلا الطرفين كان يرى في الحوار مدخلاً ليس ضرورياً فحسب وإنما وحيداً لتعزيز التفاهم والتبادل والتوصل إلى رؤى مشتركة .
برز من بين هذه الدعوات بيان الستين مثقفاً و مفكراً أمريكياً الذي حمل عنوان ( من أجل ماذا نحارب ؟ : رسالة من أمريكا ) و كان من أبرز الموقعين عليه فرانسيس فوكوياما و صاموئيل هنتغنتون و صومائيل فريد مان و توماس كوهلر و نيل جيلبرت و هارفي مانسفليد و روبرت بوتمان و غيرهم و رعاه بشكل رئيسي معهد القيم الأمريكية الذي يرأسه ديفيد بلانكنهورن و يدافع بشكل رئيسي عن القيم الأمريكية في المجتمع و الأسرة و الدين و الاقتصاد و يقود حواراً مهماً حول جميع هذه القضايا في الولايات المتحدة الأمريكية و العالم.
يمكن القول أن هذا البيان قد أطلق حواراً من نوع فريد حول معنى ومفهوم" القيم الكونية "أو "اليونيفرسال" كما يجري تداولها الآن في الفلسفة الفرنسية و الأمريكية بشكل كبير .
و بالرغم من أن البيان قد صيغ بشكل رئيسي لتبرير الحرب الأمريكية على أفغانستان بوصفها حرباً عادلة إلا أنه في تعليله ذاك لجأ لتوظيف "القيم الكونية" بوصفها ملجأ شرعياً على الجميع أن ينضوي تحتها، بل إنه يخاطب المسلمين مطالباً إياهم بالوقوف إلى جانبهم لمجابهة الأصولية الإسلامية "التي تدعي النطق باسم الإسلام لكنها تخون المبادئ الإسلامية الأساسية لأن الإسلام يقف ضد هذه الوحشية الأخلاقية"، و لذلك علينا أن نسترد الإسلام ممن خطفه و قاتل باسمه تشويهاً لصورته و سمعته .
على العموم، فالبيان يشدد على خمس حقائق أساسية تتصل بكل الناس من غير تفرقة ،هي :
1ـ إن البشر يولدون متساوين في الكرامة كما في الحقوق .
2ـ الشخصية الإنسانية هي العنصر الأساسي في المجتمع ،و تكمن شرعية دور الحكم في حماية هذه الشخصية و المساعدة في تأمين فرص التفتح الإنساني لها .
3ـ يرغب البشر بطبيعتهم في البحث عن غاية الحياة و مقاصدها .
4ـ حرية الضمير و الحرية الدينية من الحقوق التي لا يمكن انتهاكها في الشخصية الإنسانية .
5ـ القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله، و هو يشكل خيانة عظمى لكونية الإيمان الديني (4).
و يعقب البيان قائلاً " بناءً عليه فنحن نحارب للذود عن أنفسنا و دفاعاً عن هذه المبادئ الكونية ".
بدايةً ينبغي أن نذكّر أن هذا البيان ربما لا يعبر عن وجهة نظر كل المثقفين الأمريكيين و لا حتى عن معظمهم بحكم التعدد و التنوع الكبير الذي يحظى به المجتمع الأمريكي، بيد أنه يجب أن نذكر و بنفس الوقت أيضاً أن رؤية هؤلاء المثقفين الأمريكيين بغض النظر عن حضورهم ووزنهم الأكاديمي و المعرفي -و هو عملياً ليس بالشيء القليل أبداً - فإن رؤيتهم تفتح لنا باباً ثرياً للجدال حول كونية القيم و عالميتها، فهذا السؤال يشكل اليوم هاجساً يؤرق الفلسفة المعاصرة و يطرق بابه معظم و أشهر الفلاسفة المعاصرين من دريدا و بودريار في فرنسا إلى هابرماز في ألمانيا مروراً بعديد الكتاب و الباحثين و المحللين و حتى السياسيين أنفسهم كما ورد عمداً أو سهواً على لسان سيلفيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الإيطالي الذي اعتبر أن "الغرب متفوق حضارياً على العالم الإسلامي "(5).
و من هذا المنطلق يأتي تركيزنا على هذا البيان -الرسالة و على التعقيبات المتتالية التي استتبعها سواء من المثقفين السعوديين الذي عقّبوا عليه في رسالة جماعية أو المثقفين العرب الذين توالت ردودهم أو حتى المثقفين الألمان الذي دخلوا في جدالٍ فكريٍ عميق مع بيان المثقفين الأمريكيين مما استدعى ردوداً متعاقبة من كلا الطرفين .
مهما يكن فإن البيان ـ الرسالة ينطلق من مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي يعتبرها كونية، إذ هي موجودة لدى كل الشعوب دون تمييز كحرية الكائن وحق اختيار الدين الشخصي وإدانة القتل كمبدأ لأنه مناف للأديان جميعها . لا يختلف المثقفون السعوديون ولا الألمان معهم في ذلك ، فالسعوديون الذين ينطلقون من كونية القيم الإسلامية يعتبرون أن :
1ـ الإنسان من حيث كينونته هو مخلوقٌ مكرم ، فلا يجوز أن يُعتدى عليه مهما كان لونه أو عرقه أو دينه ، قال تعالى (ولقد كرّمنا بني آدم ) .
2-تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق ، بل قتل نفس واحدة ظلماً عند الله كقتل الناس جميعاً ، وحماية نفس واحدة من القتل كإحياء الناس جميعاً .
3ـ كما لا يجوز إكراه أحد في دينه ، قال تعالى : ( لا إكراه في الدين ) ، بل إن الإسلام نفسه لا يصح مع الإكراه .
4ـ إقامة العلاقات الإنسانية على الأخلاق الكريمة أساسٌ في رسالة الإسلام .
5ـ المسؤولية في الجنايات الخاصة فردية فلا أحد يؤخذ بجريرة غيره ، كما أن العدل بين الناس حقٌ لهم و الظلم محرّم فيما بينهم مهما كانت أديانهم أو ألوانهم أو قومياتهم ، قال تعالى ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) .
6ـ أما الحوار والدعوة فإنما يتمان بالحسنى ، قال تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (6).
فالمثقفون السعوديون ـ واعتقد أن معهم الكثير من المثقفين العرب والمسلمين ـ يرون أن المبادئ الكونية التي يبشر بها المثقفون الأمريكيون قد" أرساها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً وقبل أن توجد منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية"(7).
أما المثقفون الألمان فقد أكدوا اتفاقهم حول الاشتراك في المعايير الأخلاقية المتضمنة احترام الكرامة الإنسانية . بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين ، واعتبروا أن الكفاح من أجل الديمقراطية يمثل أساساً هاماً لحماية الكرامة الإنسانية والحريات الأساسية والحرية الدينية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة (8).
يبدو أن الجميع متفق على المبادئ الكونية العامة من مثل احترام الإنسان وحقوقه وحريته الدينية وغير ذلك . وهو ما يشعرنا بأن " القيم الكونية " باتت كونيةً حقاً ، بيد أن الاختلافات الجوهرية والثانوية لا تلبث أن تطالعنا عند التدقيق في آلية تطبيق هذه القيم الكونية على أرض الواقع ، بمعنى أن هناك اتفاقاً في الرؤية، بيد أننا نجد اختلافاتٍ شاسعة في تطبيق هذه الرؤية ، حتى ضمن الثقافتين الأمريكية والأوروبية رغم أنهما يعودان إلى أصول غربية واحدة ، وهو ما سنعّرج عليه بعد قليل .
فانطلاقاً من هذه المبادئ نفسها يرى الأمريكيون في بيانهم أن " الهدف من جريمة 11 أيلول / سبتمبر كانت الجريمة نفسها " ، وبالتالي " فمهاجمينا لا يحتقرون فقط حكومتنا بل هم يحتقرون طريقة عيشنا ومجتمعنا كلّه . وفي الأساس ، لا يتناول غضبهم ما يقوم به قادتنا فحسب ، بل أيضاً بما نحن كائنون به " .
والكينونة الأمريكية تلك تتحدد بعددٍ من القيم ليست جاذبةً للأمريكيين فقط ، بل إنها تصح كذلك أيضاً بالنسبة إلى كل الناس وفي كل مكانٍ من العالم وتقوم على أن :
" كل الأشخاص يمتلكون كرامة إنسانية مكتسبة ، هي حقٌ لهم بالولادة " ، ووفقاً لذلك " فالديمقراطية هي الصيغة السياسية الواضحة التي تمثل هذا الإيمان بالكرامة الإنسانية السامية ، والتعبير الثقافي الأوضح عن هذه الفكرة هي تأكيد المساواة في الكرامة بين الرجال والنساء " وثانية هذه القيم " هي أن القناعة بأن الحقائق الأخلاقية الكونية موجودة بالفعل ،ويمكن لكل الناس الوصول إليها وهي التي اسماها الآباء المؤسسون بقوانين الطبيعة والفطرة الإلهية " ثم تأتي " القناعة بعدم القدرة على الوصول إلى الحقيقة ، أفراداً وجماعات ، لذلك فكل الاختلافات حول القيم تستدعي الروح المدنية والانفتاح على وجهات النظر الأخرى " وأخيراً " فحرية الضمير والحرية الدينية ،هي من بين الحريات الأساسية المعترف بها ،كانعكاسٍ للكرامة الإنسانية الأولية ، وكشرطٍ مسبق لقيام الحريات الفردية الأخرى " هذه القيم التي يمكنها أن تنطبق على كل الناس وبلا تفرقة على حد تعبير البيان ، تفسر لماذا بإمكان أيٍّ كان أن يصبح أمريكياً . " فما من أمةٍ صنعت هويتها ، أو كتبت دستورها وسائر وثائقها المؤسسة ، كما فهمها الأساسي لنفسها ، بهذه الدرجة من المباشرة والإفصاح بالاستناد إلى القيم الإنسانية الكونية " . فما اعتبره البيان في بدايته قيماً أمريكية أصبحت في نهايته قيماً إنسانية كونية ، وكأن "القيم الأمريكية" غدت عند الموقعين هي ذاتها " القيم الكونية " دون الإدراك أن هذه القيم لم تصبح كونية بذاتها إلا كناتجٍ لاستيعاب المحصلة الإجمالية لجهد الحداثة(9) .وعلى هذا فالحضارات والثقافات جميعها شريكة عبر صيرورتها التاريخية في بلورة هذه " القيم الكونية " ولم تكن أبداً حكراً على ثقافةٍ واحدة بعينها ، صحيحٌ أن تعبيرها الأجلى والأوضح برز في السياق التاريخي لتطور الحضارة الغربية،إلا أن نفي جهد الحضارات الأخرى يكون كمن يقول أن عقارب الساعة لم تكن متساوية قبل اكتشافها على حد تعبير فولتير.
بيد أن البيان نفسه يتوقف لحظةً عند هذه النقطة ليتساءل"يؤكد البعض أن هذه القيم ليست كونيةً البتة، بل هي تنحدر بالأخص من حضارة الغرب المسيحي .وهم يحاججون بأن الإقرار بكونية هذه القيم يُلغي خصوصية الثقافات الأخرى .نحن نخالف ذلك. نحن نعترف بالطابع الناجز لحضارتنا ، لكننا نؤمن بأن الناس جميعهم خلقوا متساويين . كما نؤمن بالحرية الإنسانية ،كإمكانية كونية ورغبة ،وبأن هناك حقائق أخلاقية أساسية معينة يشترك كلُّ العالم في الإقرار بها " .
لاغبار- بكل تأكيد- على أن الحرية الإنسانية والكرامة هي محط تبجيل من قبل الثقافات جميعها. بيد أننا نعود للقول مجدداً أن فهم هذه الثقافات للحرية يختلف من ثقافةٍ إلى أخرى ، وهو ما استدعى السعودية والصين ، كمثالين فقط يعبران عن ثقافتين مختلفتين ، للتحفظ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 بحجة أنه يناقض في عددٍ من بنوده القوانين المرعية في كلا البلدين التي تؤكد على الخصوصية الثقافية لكلٍ منهما .
لكننا إذا عدنا إلى بيان المثقفين الأمريكيين وتجاوزنا ديباجيته المطوّلة هذه التي تدور حول فكرة " القيم الكونية " لنرى ما المطلوب من هذه القيم أن تشتمل عليه أو تحققه ، لوجدنا أن البيان صيغ بشكلٍ رئيسي وكما قلنا لتبرير الحرب الأمريكية على أفغانستان ، وأن هدف المثقفين الأمريكيين الأول من بيانهم هو كما ذكروا ذلك صراحةً في ردهم على رد المثقفين الألمان هو " أن نسعى إلى الاستناد إلى مفهوم الحرب العادلة لكي نظهر أن استخدام القوة العسكرية ضد مجرمي 11أيلول و أولئك الذين يساعدونهم ليس مبرراً أخلاقياً فحسب ، بل إنه ضرورة أخلاقية كذلك "(10) .
تجد هذه"الحرب العادلة " تبريرها الأخلاقي الموضوعي في " اعتبار الحرب أحياناً دفاعاً عن وجود المجتمع المدني وعن عالم قائمٍ على العدل" وفكرة الحرب العادلة " تجد جذوراً لها في تقاليد أخلاقية مختلفة ،إذ تحتوي التعاليم اليهودية والإسلامية على نظراتٍ جدية في مجال تعريف هذه الحرب" ،لكن لا يُعقل لأي حربٍ أن تقع دون أن يسقط كنتيجةٍ لها ضحايا مدنيون ، ارتفع عددهم بشكل كبير في الحرب الحديثة بالرغم من استخدام الأسلحة الذكية ، لكن البيان يجد لذلك تبريراً أخلاقياً أيضاً من زاوية أنه "غير مقصود لكنه متوقع " ما دامت الحرب مبررة أخلاقياً لا بل ضرورية . ويُنهي البيان كلماته بتكثيفٍ معبر عندما يقول " إن هؤلاء القتلة المنظمون ذوو البعد العالمي يهدوننا اليوم جميعاً . ولذلك فباسم المبادئ الأخلاقية الإنسانية العامة ، وبوعي كامل لقيود ومتطلبات الحرب العادلة ، نؤيد قرار حكومتنا ومجتمعنا باستخدام السلاح ضدهم " .
إن المثقفين الألمان وفي تعقيبهم الأول على بيان المثقفين الأمريكيين يثيرون نقطتين بالغتي الأهمية ، أولاهما هي أن الدول الديمقراطية تمتلك وسائل متطورة بما فيه الكفاية ووفق القواعد القانونية لمحاصرة الجريمة ضمن حدودها، وهنا دار ويدور جدلٌ كبير بين الأمريكيين والأوروبيين حول المنزلة القانونية الني تحتلها أحداث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر ، فإذا كانت جريمة إرهابية كما يصرُّ الأوروبيون على توصيفها فإنها ستجد معالجةً لها عبر الوسائل القانونية المحلية والدولية وتشديد دور الاستخبارات وأجهزة الأمن لتفكيك الخلايا المسؤولة عن مثل هذه الأعمال ، أما الأمريكيون فإنهم يرون في حدث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر بمثابة إعلان الحرب الموجهة ضدهم ، وهم بذلك يمتلكون كل الشرعية والأحقية القانونية في الرد على الحرب المعلنة ضدهم (11) .
أما النقطة الأخرى التي يثيرها المثقفون الألمان هي أن البيان الأمريكي إياه لا يذكر ولو بكلمة واحدة حوادث القتل الجماعي التي تعرض لها السكان المدنيون الأفغان لدى قصفهم من قبل القوات الأمريكية ، فحصانة الكرامة الإنسانية تنطبق ليس على الناس فقط في الولايات المتحدة وإنما على الناس أيضاً في أفغانستان وحتى جماعة طالبان وسجناء غوانتانامو في كوبا .
وهكذا كما يعلّق المثقفون الألمان "لا تنطبق المعايير الأخلاقية الإنسانية التي وضعتموها إلا على أنفسكم، وبمثل هذه الازدواجية والانتقائية في الاستعمال توضع هذه المعايير العالمية على المحك وتُثار شكوك حقيقية حولها" .كما يغمز المثقفون الألمان من قناة المثقفين الأمريكيين ومن دوافعهم وأهدافهم الإنسانية النبيلة ، عندما يذكّرونهم أنهم يصمتون أيضاً عن الأهداف الحقيقية للإدارة الأمريكية الحالية من وراء حربها على أفغانستان والتي تعود في معظمها إلى خيارات جيواستراتيجية عبر السيطرة على طرق نقل النفط وتقوية موقعها المهيمن ليس على حساب روسيا فحسب، وإنما على حساب القوة الإقليمية الصاعدة المتمثلة في الصين ومقابل أوروبا واليابان وترسيخ هيمنتها لعدة عقود قادمة .
يبدو واضحاً من هذه الاتهامات المتبادلة أن القيم الكونية قد تبددت تماماً على مذبح السياسة ، وأن ما صدرته البيانات جميعاً في مقدماتها تبخر مع نهاياتها عندما تغوص في وحول السياسة ورمالها المتحركة ، ذلك أن المثقفين الأمريكيين وجدوا في الرد الألماني استفزازاً من نوع خاص(12)، حيث أنهم لا يتخذون أيّ موقف ذي منطق متماسك من أخلاقية استخدام القوة ، لا بل إنهم يصفون تقليد الحرب العادلة التي يدعو لها المثقفون الأمريكيون "بالمفهوم التاريخي الفاسد" .
فهل يدفعنا ذلك إلى القول أن السياسة هي من يحرك الثقافة ويحدد أطرها ، أم على العكس إنما تنطلق السياسة في مبتدأها من مبادىء فكرية وثقافية هي الأصل التي تتغذى منه وتقوم عليه . يمكن متابعة ذلك بوضوح بالنظر إلى تعقيب المثقفين السعوديين والرد الأمريكي عليهم ، إذ يتساءل السعوديون لماذا لم يختر منفذوا جريمة الحادي عشر من أيلول /سبتمبر بلداً أخر غير الولايات المتحدة ممن يتبنى القيم الغربية ؟ طالما أن البيان الأمريكي اعتبر أن القيم الأمريكية هي المستهدفة من هذه الجريمة ، ثم يتساءل البيان السعودي مرة أخرى "لماذا لم يتوجه هؤلاء إلى دولٍ ومجتمعاتٍ أخرى تدين بالوثنية في آسيا وأفريقيا هي أولى بالحرب لو كان دافعهم هو محاربة من يختلف معهم في القيم ؟" .
في الواقع نصل هنا إلى نموذجين في التفكير متناقضين تماماً أولاهما يصرُّ على البحث عن الأسباب القريبة والبعيدة التي دفعت مرتكبي جريمة 11أيلول /سبتمبر لتنفيذ فعلتهم،والآخر يعتبر أن سؤالاً من هذا النوع هو نوعٌ من "العمى الأخلاقي" ،فالإرهاب شرٌّ بطبيعته ويجب ألا نسأل عن مصدره ،بل أن نبحث في طرق استئصاله ،فما حدث في 11 أيلول/سبتمبر لا يدخل في باب الإرهاب ذي المقصد أو المغزى السياسي ، وإنما هو نوعٌ من العدمية اللاأخلاقية ، فالضحايا المدنيون الذين قضوا في هذا الحدث لم يكونوا من طرفٍ أو نوعٍ واحد بل كانوا من كلّ الجنسيات والألوان والأعراق ، واستهدافهم كان لسببٍ وحيد هو أنهم على أرضٍ أمريكية ، وعند ذلك تنتفي كل الأسباب والمبررات (13).
بيد أن الرأي السائد والذي اتخذته الإدارة الأمريكية الحالية نهجاً لها . لا يُسأل عن سبب الإرهاب ، وإنما علينا مكافحته . يعلّق المثقفون الأمريكيون في ردّهم على الرًّد الألماني المتسائل عن سبب غياب أيِّ ذكرٍ للضحايا المدنيين الأفغان في مانفيستو " من أجل ماذا تحارب " ، يعلّقون بالقول " أحزنتنا تلك التعليقات ، إذ من العمى الأخلاقي أن تساووا بين ضحايا مدنيين سقطوا على نحو غير متعمّد على مسرح حربٍ دوافعها عادلة وهدف محاربيها عدم تجاوز الحد الأدنى من الخسائر في أرواح المدنيين ، والقتل المتعمد للمدنيين في مكاتبهم في المدينة وهو قتلٌ دوافعه غير عادلة ، وهدف مرتكبيه تحقيق الحد الأقصى من الخسائر في أرواح المدنيين ". مهما يكن ، فإذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر قد وحّدت الثقافة الغربية لفترةٍ قصيرة و دفعت رئيس تحرير جريدة لوموند الشهيرة جان ماري كولومباني ليكتب في اليوم التالي لحدث 11 أيلول /سبتمبر (كلنا أمريكيون) فإن الكاتب نفسه وبعد الإجراءات التي اتخذتها إدارة بوش في حربها ضد أفغانستان وإطلاقها لوصف (محور الشر ) تسائل في كتابٍ له ( هل صحيحٌ أننا كلنا أمريكيون ؟ ) ليعتذر فيه عن اندفاعه المبدئي ، ويمارس نقداً بالغ الحدة والعنف للسياسات الأمريكية . بيد أن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير ، فالغرب نفسه أصبح موضع تساؤل ، ألم يتحدث أناتول ليفين عن " نهاية الغرب " ، ثم أتت الحرب الأمريكية البريطانية على العراق لترسم شرخاً واسعاً وعميقاً بين الثقافتين الأوروبية والأمريكية مما يدفعنا للقول مرة أخرى أنه ربما تكون " القيم الكونية " متفقاً عليها بين الجميع ، بيد أن الزاوية التي ننظر إليها إلى هذه القيم تختلف بين ثقافة وأخرى اختلافا شاسعاً، لا ،بل إنها اختلفت ضمن الثقافة نفسها ،وهي الثقافة الغربية .
فبعد الحادي عشر من أيلول / سبتمبر تمحورت الفكرة الأوروبية على ضرورة توسيع أطر الأنظمة القضائية الجزائية التي كانت تعمل على المستوى المحلي لكي تصبح في المستقبل أكثر شمولية ، وعندما خاضت بعض هذه الدول الحرب على أفغانستان مع الولايات المتحدة فإنما دخلتها من باب تعاطفها الأوّلي مع الولايات المتحدة بعد مصابها . وكرهها لنظام طالبان الاستثنائي في قيمه ورؤيته للعالم . بيد أن الولايات المتحدة أرادت من خلال " حربها على الإرهاب " أن تخوض حرباً مستمرة ودائمة لتحقيق أهدافها وطموحاتها ، وهو ما وضع الولايات المتحدة ضد البقية على حد تعبير فوكوياما ، ذلك أن معظم دول العالم أصبح يؤمن أن القوة الأمريكية وليس الإرهابيين المزودين بأسلحة الدمار الشامل هي من يزعزع استقرار العالم وتبدو هذه القناعة راسخة لدى العديد من الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة .
وقد تعزز الافتراق الأمريكي عن الآخرين مع تعزيز الرؤية الأحادية الأمريكية وترسيخ العزلة الخاصة بها عن طريق الانسحاب من الاتفاقية المضادة للصواريخ البالستية،وسعيها بنفس الوقت إلى بناء الدرع الصاروخي وخروجها من "اتفاقية كيوتو" المتعلقة بارتفاع درجات حرارة المناخ العالمي ، ويضاف إلى هذه القائمة معارضة واشنطن لحظر استخدام الألغام الأرضية واعتراضها على اتفاقية حظر الحرب البيولوجية ، ثم معارضتها للمحكمة الجنائية الدولية.كلُّ ذلك عزَّز التفكير لدى الأوروبيين في البحث عن ثقافتهم وقيمهم الخاصة بهم ، التي راحوا يجدونها عبر التمايز والمفارقة ، فالأمريكيون على سبيل المثال ميّالون لأن يروا لأية شرعية ديمقراطية وجوداً يفوق ما تتمتع به الدولة القومية من شرعية،أما الأوروبيون فعلى العكس تماماً،إذ يرون أن الشرعية الديمقراطية إنما تنبع من إرادة المجتمع الدولي أكثر من كونها مستمدة من أية دولة قومية منفردة على الأرض (14). ويعود الخلاف في الرؤى حول الشرعية الديمقراطية إلى الخلاف حول دور القانون الدولي و أوّلها انعدام توازن القوى بين الولايات المتحدة الأمريكية وأية دولة أخرى سواها . مما يدفع الدولة العظمى الوحيدة في العالم للانفلات من القيود وإلى تحرير قدرتها على الفعل .
كما أن الأوروبيين يعتبرون أن سلوكهم في مواجهة المشكلات أكثر براعةً وتنوعاً بحكم خبرتهم التاريخية وخبرتهم تلك هي التي دفعتهم إلى اتخاذ موقفٍ سلمي من الحرب على العراق مما شكّل تناقضاً جذرياً مع الثقافة الاستراتيجية التي سادت في أوروبا طوال أربعة قرون ، وهكذا فقد تبادل الأمريكيون والأوروبيون مواقفهم ووجهات نظرهم ، فالانكفاء الأمريكي عن التدخل أصبح جموحاً بعد قرنٍ من الزمان أما الحماسة الأوروبية للصراع والتدخل فقد قلمت أظافرها و أصبحت تنشد السلام أكثر من رغبتها في الحرب .
غير أن أوروبا اليوم لا تستطيع أن تكبح جماح الولايات المتحدة في حروبها المتكررة ، فهي لم تستطع مثلاً أن تمنعها عن خوض الحرب على العراق ، لكنها تسعى وباستمرار إلى السيطرة على الوحش من خلال إيقاظ ضميره وتذكيره بماضيه (15).
لكن المحافظين الجدد الذين يسيطر معظمهم على المواقع الحسساسة في الإدارة الأمريكية الحالية (16)يؤكدون بما لا يقبل الشك ، أن أمريكا وأوروبا قد أصبحتا منتميتين إلى عالمين مختلفين ، أحدهما متحدر من الزهرة وثانيهما من المريخ ، وأنهما ، تالياً ، لا يؤمنان بالقيم نفسها .
فمن الصحيح كما قلنا أكثر من مرة أن " القيم الكونية " تكاد تكون هي ذاتها ، إلا أن طرق تطبيقها يزداد تبايناً حتى ضمن الثقافة نفسها ، كما نجد في الثقافة الغربية ، فالأوربيون والأمريكيون يمتلكون قيماً أساسيةً مشتركة ، لكنهم لا يشتركون في فهمٍ واحدٍ لهذه القيم المشتركة .
فعلى سبيل المثال كلا الطرفين يمجدان الكرامة الإنسانية ، إلا أن الأوربيين يرون في عقوبة الإعدام انتهاكاً لها، لكن الأمريكيين يستمرون في تطبيقها ، كما أن أوروبا تتحول أكثر فأكثر إلى تبني العلمانية ،في حين يمثل الدين مكانة مهمة في الحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية ،و الرئيس بوش نفسه يفاخر بتدينه العميق (17) .
والولايات المتحدة تنزع نحو تفردٍ أكثر فأكثر وضوحاً في القرار والقيادة ، معتبرةً أن المعاهدات الدولية ليست سوى قيود غير مبررة تكبل السيادة الأمريكية ، أما الأوروبيون فيدعون ، اقتناعاً وتركيباً وحاجةً ، كما يقول باسكال بونيفاس ، إلى تعددية قطبية لأنهم مقتنعون بأن قواعد الحق تحمي الجميع ولا سيما الأضعف .
إن الأوربيين وعلى رأسهم الفرنسيين ينتهون إلى القول أن " العالم الغربي الذي طالما وقف صفاً واحداً إلى جانب الولايات المتحدة بمواجهة التهديد السوفيتي ، يميل اليوم إلى التصدع . وما عاد مؤكداً أننا نشترك بالعزم نفسه في تبني القيم نفسها والتصور نفسه للتهديدات والمخاطر وأساليب المواجهة .
لم يعد من المجدي التغافل عن هذا الواقع متذرعين بوازع التضامن الغربي ، والأحرى بنا ، إذا أردنا أن نقيم علاقة عبر أطلسية جديدة ، أن نقيمها على أسس جديدة وواضحة وليس على أسس مفترضة مسبقاً وبعيدة كل البعد عن الواقع " (18).
أما الأمريكيون فيعلنونها صراحة " علينا أن نكف عن التظاهر بأن للأمريكيين والأوروبيين رؤية مشتركة عن العالم ، لا بل عن الإدعاء بأنهم يعيشون على الكوكب نفسه "(19).
فإذا كان التصدع قد أصاب الثقافة الغربية ذات الأصل التاريخي المشترك والهوية المسيحية اليهودية الواحدة والتحالف السياسي الاقتصادي الاستراتيجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، فإنه من الأسهل علينا القول إذاً أن "الثقافة الكونية " التي يبشر بها البعض (20) ، أكثر بعداً ونأياً مما نتخيله . فالصراع على القيم في جوهره هو اختلافٌ على المصالح والرؤى وامتلاك الأفضلية ،وأن التفوق الحضاري الذي يشمل تفوقاً فكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً سيفرض حتماً تفوقاً قيمياً لصالحه ، هذا ما يعلّمنا إياه التاريخ ، والواقع المعاصر لا يبدو أنه يشذُّ عن تاريخه ، لا بل إنه يصدقه ويؤكده .
بيد أن ذلك يجب أن لا يعني بأي حالٍ من الأحوال انغلاق الثقافات وراء متراس خصوصياتها ، إذ في ذلك انتحارٌ لها، وإنما انفتاحٌ على الآخر المختلف بما فيه اغناءٌ لها وبها ، وسعيٌ حثيث باتجاه الإنساني المشترك منعاً ومحاصرةً للأصوليات التي لا تهدد "القيم الكونية" فحسب وإنما تفجر الخصوصيات الثقافية ذاتها وتدمرها .


__________________________
(*) كاتب وباحث من سوريا.
1) أرنست غيلنر ، ما بعد الحداثة والعقل ، والدين، ترجمة معين الإمام (دمشق :دار المدى ،2001) وقد نشر الكتاب للمرة الأولى بالإنكليزية عام 1992، وللمزيد حول سيرة ورؤية غيلنر يمكن مراجعة الحوار الذي أجراه جون ديفيز تحت عنوان (حوار مع أرنست غيلنر : الخروج من الهامش ) التسامح ، العدد 3 ، السنة الأولى،صيف 2003 .
(2) يعتبر كتاب الباحث الفرنسي أوليفيه روا (أوهام 11أيلول ) من أهم الكتب التي تناقش وترفض بنفس الوقت اعتبار حدث 11أيلول /سبتمبر حدثاً مفصلياً ، أي يشكل قطيعة استراتيجية بين ما قبله وما بعده ، انظر :
Olivier Roy ,Les Illusions du 11sptember (Paris: Sueil ,2002)
وانظر مراجعات هامة للكتاب في: النهار ،( بيروت ) ،16/10/2002، والحياة ، (لندن )، 19/1/ 2003
(3) يمكن القول أن هذه النتيجة لم تقتصر على فريق المحافظين الجدد المحيطين بالإدارة الأمريكية الحالية فقط كما يجري ترديد ذلك في الإعلام العربي، بل إن أصواتاً يسارية أمريكية أو معارضة للإدارة الحالية رأت في حدث 11 أيلول / سبتمبر فرصة لكي تعيد الولايات المتحدة ترتيب أوضاعها عالمياً ، ربما ليس بطريقة الإملاء التي تنتهجها الإدارة الحالية وإنما عبر الحوار وتعزيز الشراكة ، انظر : هنري كيسنجر ، كيف ستؤدي هجمات 11 سبتمبر إلى صياغة النظام العالمي للقرن 21 ؟ ، الشرق الأوسط، ( لندن ) ، 3 / 12 / 2001، بقي أن نذكر أيضاً أن العديد من الأنظمة في العالم استثمرت حدث 11 أيلول / سبتمبر لحسابها الخاص أيضاً وأولهم الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة شارون في صراعه مع الفلسطينيين ، انظر : زبيغنيو بريزينسكي ، بوتين ـ شارون ـ فاجبايي ـ جيانغ زيمين اختطفوا تعريف بوش للإرهاب، الحياة،( لندن )، 9 / 9 / 2002 بالاتفاق مع ( New York Times ) ،وحول تحميل إدارة بوش برنامجها الخاص على حدث 11 أيلول / سبتمبر، أنظر :جون كينبري ، إغراءات السياسة الاستباقية،الحياة ،( لندن ) بالاتفاق مع (New York Times ) حيث يتهم كينبري أستاذ الدراسات الجيوسياسية في جامعة جورج تاون أن الإدارة الأمريكية الحالية تنطلق من رؤية إمبريالية جديدة تعين فيها الولايات المتحدة نفسها مصدراً لترسيم القواعد الدولية وتحديد الأخطار المحتملة واستعمال القوة وإقامة العدل ، وتتغذى هذه الرؤية من إغراء القوة الأمريكية العظمى بوصفها القطب الوحيد في العالم .
(4) What We`re Fight For :A Letter from America ,February 2002,Instute for American values ,see: www..americanvalues .org


(5) انظر : السفير ، (بيروت ) ، 28/9/2001 .
(6) How we can Coexist? ,see www .islamtoday .net
ومن أبرز المثقفين السعودييين الموقعين على البيان (كيف لنا أن نتعايش ؟ ) تعقيباً على رسالة المثقفين الأمريكيين سفر الحوالي والشيخ سلمان العودة ود. مانع الجهني و د. منصور الحازمي وغيرهم .
(7) انظر : الفضل شلق ،خطاب المثقفين الأمريكيين ومصير السياسة بعد 11أيلول ، وأيضاً : رضوان السيد، إجابة عربية على رسالة المثقفين الأمريكيين ، الاجتهاد ، العدد 54،السنة 14، ربيع 2002، ص215-229وص 267-278بالترتيب.
(8) A World of Justice and Peace would be Different
Frankfurter Allgemeine ,May 2,2002,see :www.americanvalues .org
(9) انظر:صالح بشير ،حسن منيمنة وحازم صاغية ،تعقيب على البيان-الرسالة للمثقفين الأمريكيين الستين،الحياة،(لندن)،31/3/2002 ،ويعتبر هذا التعقيب من ألمع الردود العربية وأوجزها بياناً.
(10) Is the Use of Force Ever Morally Justified ?,August 8,2002 .A Response from Americans to Colleagues in Germany , see :www.americanvalues .org
(11) للمزيد حول ذلك، انظر : دافيد هيلد ،العنف والقانون والعدالة في زمن العولمة ، المستقبل،(بيروت )،5/9/20023 .
(12) وصف ديفيد بلانكنهورن ،مدير معهد القيم الأمريكية وصاحب مبادرة رسالة الستين مثقفاً أمريكياً ، وصف الردود التي أتت على هذه الرسالة بأنها كانت في معظمها قاسية وسلبية ، وكان الغضب والاتهام يغلب عليها ، انظر الحوار التي أجرته معه صحيفة الحياة ، (لندن )، 10/9/2002 .
(13) اعتمد اليسار الأمريكي المعارض للإدارة الأمريكية الحالية ، واليسار الأوروبي في مجمله على عددٍ من المحاججات النظرية لتفسير الارهاب في 11أيلول /سبتمبر ، كمثل القول أن الإرهاب سيء بيد أن الأمريكيين أسوأ ، فهم الإرهابيون الأولون الذين عمموا شرهم في أمريكية اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وأنهم إنما يحصدون الآن جزءاً مما زرعوه ، أشهر من يمثل ذلك نعوم تشومسكي وغور فيدال ، انظر : Gore Vidal , Perpetual War for per Perpetual Peace - How We Got to be so Hated
(New York . Thunders Mouth press/Nation Books ,2002 )
والجدير ذكره أن فيدال وجد صعوبة حقيقية في نشر كتابه هذا (حرب دائمة من أجل سلام دائم - كيف صرنا مكروهين إلى هذا الحد ) في الولايات المتحدة ، وحول ذلك انظر أيضاً ما كتبته الروائية البريطانية الهندية أرونداتي روي في صحيفة الغارديان البريطانية بعد الحادي عشر من أيلول وبعد حرب أفغانستان ، إذ اعتبرت أن الحرب= =على أفغانستان ليست انتقاماً لنيويورك وواشنطن . بل فعل إرهابي جديد ضد أناس العالم .كل شخص برىء يقتل في خضم هذه الحرب ينبغي أن يضاف إلى ضحايا نيويورك وواشنطن لا أن يضع في مقابلهم. ومن النظريات الأخرى الذي اعتمد اليسار على ترويجها أيضاً هي نظرية " الارتداد" التي تنسب غالباً لشالمرز جونسون والتي تدين أمريكا لعقدها الصفقات مع الأشرار ( أو خلقهم كما بن لادن ) والذين يوظفون قدرانهم ومهاراتهم بعد ذلك ضد أمريكا حين يجدون ذلك مناسباً لأغراضهم السياسية . الهجمات بالتالي مستحقة ، إنها رد على الدعم الغير الأخلاقي لأمثال هؤلاء الأشرار الذين يدافعون الآن عن استقلاليتهم ، وللمزيد حول ذلك انظر : ديك هوارد ، نقد النظريات المبررة للإرهاب عبر البحث عن جذوره ، المستقبل ( بيروت ) ، 10/9/2002 .
(14) فرانسيس فوكوياما ، الولايات المتحدة ضد .. " هم " ، الاتحاد ، ( أبوظبي ) 12/9/2002 .وأيضاً: فرانسيس فوكوياما ، انشقاق في المنظور الغربي للشرعية الديمقراطية ؟ ، الحياة ، ( لندن ) 7/9/2002 .

(15) روبرت كاغان ، القوى الأمريكية والضعف الأوروبي ، النهار ، ( بيروت ) ، 13 / 8 / 2002 . بالاتفاق مع
( Le monde) . ويشبه كاغان الدور العسكري الأوربي الحالي بأنه بمثابة "غسل للصحون " بعد أن يكون الأمريكيون قد تكفلوا بطهي العشاء كما حدث في كوسوفو و أفغانستان،وانظر:اريك هوبزباوم،إلى أين تمضي الامبراطورية الأمريكية؟، اللموند ديبلوماتيك،12/2003،وأيضاً:ريجيس دوبريه، أيها الأمريكيون ، لوكنتم تعلمون،لوفيغارو ، 5-6/9/2003 .
(16) انظر: د. محمد كمال ، المحافظون الجدد : صنع قرار الشرق الأوسط في إدارة بوش ( دمشق : المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، العدد: 25 ، آذار / مارس 2003) .
(17) حول ذلك انظر : اد فوليامي ، بوش والرب ، المستقبل ، (بيروت ) ، 8 /3 /2003 ، وأيضاً : بل كيللر ، الإنجيليون الجدد وحقيقة تأثيرهم على الرئيس بوش ،New York Times , may 19,2003 .
(18) أرتور بايشت وبسكال بونيفاس ، قيمٌ مشتركة ، رؤى متباينة ، مستقبل ، ( بيروت ) ، 10 / 1 / 2004 . نقلاً عن(لوفيغارو).لا بد أن نذكر أن هناك عدداً من المثقفين والمفكرين الفرنسيين لا يتفقون إطلاقاً مع هذه الرؤية الفصامية بين أوروبا وأمريكا وعلى رأسهم أندريه غلوكسمان و الكسندر أدلر و آلان فينكلكروت و برنارد هنري ليفي ، إذ جميعهم يرى أن دعم الولايات المتحدة هو أمرٌ غير قابل للنقاش بذريعة أننا ننتمي إلى المعسكر نفسه ، هو معسكر الحضارة الغربية المحاصرة بالبربرية والمهددة بالإرهاب بحسب تعبير غلوكسمان الذي أيّد بشدة الحرب ضد العراق في كتابه ( غرب ضد غرب ) .
(19) هذه العبارة للمفكر الأمريكي المحافظ روبرت كاغان الذي اعتبر أن أوروبا وأمريكا ينتميان إلى كوكبين مختلفين أحدهما يعيش على الزهرة والآخر على المريخ ، وحول ذلك أنظر : أناتول ليفين ، نهاية الغرب ، الحياة ، ( لندن ) ، 11 / 9 / 2002 ، بالاتفاق مع ( New York Times) .
(20) انظر : خالد الحروب ، تفكيك التراتيبات الدينية والحضارية شرطٌ لمصالحة الخصوصية الثقافية مع الكونية القيمية ، ضمن كتاب(الإسلاميون والمسألة السياسية )مجموعة من الباحثين( بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية ، 2003 )ص 217 ـ 234 .

الحالم
09-16-2007, 12:38 PM
(10)

العقل والعدل والأخلاق مرايا اللغة والدين والفلسفة

فيصل الحفيان

توطئة
سأتناول "العقل والعدل والأخلاق" من ثلاثة جوانب: أولها: التأسيس الدلالي لهذه الألفاظ من خلال وضعها أمام مرايا لغوية، تمهيداً للتأسيس الاصطلاحي بوضعها مرة ثانية أمام مرايا الدين والفلسفة، ثم أنتقل من بعد إلى مرايا من نوع آخر (متقابلة)، تبغي كشف الجدل القائم بينها، وما يربطها من علاقات بينية.
كانت عيناي وأنا أقلب الفكر في ما أكتب على عدد من الجهود السابقة، منها ذلك الدرس المعمق والطويل الذي اضطلع به محمد عابد الجابري، وتجلى في سلسلته المتصلة بـ "العقل العربي" تكويناً، وبنية، ثم منعوتاً بـ "السياسي" و"الأخلاقي" وقد أمكنه أن يقارب هذه المفردات من زوايا عديدة مقاربات علمية منهجية، مستنداً في ذلك إلى مراجع ومصادر غنية ومتنوعة، عربية، وأجنبية. رجعت إلى بعضها، وتوقفت عندما أريده منها. كما لم تغب عني دراسات أخرى من مثل الدراسة التي قدم بها د. حسين القوتلي لكتابي الحارث المحاسبي "العقل" و"فهم القرآن"، ودراسات أخرى تضمنها كتاب د. "رضوان السيد" "الأمة والجماعة والسلطة".
حرصت على ذكر هذه العناوين لأدل على أني وضعت في حسباني ما كتبه هؤلاء، وأفدت منه من ناحية، وحاولت أن أضيف إليه أو أعمقه أو أناقشه أو أثير فيه أو حوله بعض الأسئلة الجديدة، إذ لا يخفى أن مسألة التأسيس وتحديد المفاهيم مسألة قابلة للنظر باستمرار.
-1-
مرايا اللغة
(الدلالات)
يقول ابن فارس: "العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطرد، يدل عُظمه على حُبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل(1)".
وينقل عن الخليل: "العقل نقيض الجهل. يقال: عقل يعقل عقلاً، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله.. (2)".
يكشف النص الأول عن أصل واحد لمادة (ع.ق.ل) ، وإن احترز بلفظ "عظمه" عن دلالة أو دلالات أخرى. أما النص الثاني المنقول عن الخليل فيخرج من إسار الدلالة اللغوية (الحسية) الضيقة البسيطة والمباشرة إلى أفق أوسع. فإذا كان "الانزجار" داخلاً تحت "الحبسة" فإن "المعرفة" لا يمكن إدخالها تحت أصل ابن فارس إلا بافتعال ظاهر. كأن الخليل قد تمكن مبكراً من إدراك التطور الدلالي للمادة، ووضع يده عليها، فالعقل ليس ذلك الشيء الذي يحبس أو يمنع صاحبه من الوقوع في الأقوال والأفعال الذميمة، بل هو أعلى من ذلك، إنه "نقيض الجهل" أو هو الذي يعرِّف صاحبه ما كان يجهله، والمعرفة - بلا شك - أشمل نفعاً وعائدة على الإنسان من مجرد الابتعاد عن الخطأ أو ذميم القول والفعل. على أن هذا الفهم لا يسلم لنا إذا أكملنا مقولة الخليل: "أو انزجر عما كان يفعله"، وبخاصة مع وجود "أو" التي تفيد التخيير أو التساوي، ولو كانت الواو مكان "أو" لاستقام الأمر بجعله من قبيل عطف الخاص على العام أو نحو ذلك، ولقلنا - دون تردد أو حذر - إن الخليل قد خطا خطوة واسعة في تطوير الدلالة اللغوية لـ "عقل" أو التعبير عنها، إذ إن قوله يجعل من "العقل" ليس مجرد حابس أو رابط لصاحبه، بل هو الفهم الذي يعني الخير بأوجهه المختلفة، إقداماً وإحجاماً، فعلاً وكفّاً. وقد يمكننا أن نساوق ابن فارس فنقول: إن العقل هو ذلك (الشيء) الذي يحبس مساحة الجهل لدى الإنسان ويقيدها، مما يعني ضرورة اتساع مساحة المعرفة عنده.
إن الأصل الواحد الذي أشار إليه ابن فارس (الحبسة أو ما يقاربها) يرجع إلى قولهم: "عقلت البعير أعقله عقلاً، إذا شددت يده بعقاله، وهو الرباط(3)" وهي دلالة حسِّية مشخَّصة. وفي الحديث السائر: اعقلها وتوكل "أي اربطها. ومن هذه الدلالة (الحسية) قالوا: عقل الطعام بطنه، إذا أمسكه. والعَقول من الدواء: ما يمسك البطن. واعتقل رمحه، إذا وضعه بين ركابه وساقه. واعتقل شاته، إذا وضع رجلها بين فخذه وساقه فحلبها، واعتقل لسان فلان، إذا احتبس عن الكلام.. وعقل الظبي يعقل عقولاً، إذا امتنع في الجبل(4)". ويلاحظ على هذه الأمثلة كيف تطور استخدام المادة وتلون، لكن ظل "الربط" وما يتصل به من إمساك واحتباس وامتناع يجمع بينها.
ويفسر بعضهم العقل بـ الحفظ "فقد قيل: "عقلت دراهمي(5)" أي حفظتها، وهذا (الحفظ) متطور أيضاً من الحبسة أو الربط، فعقل الناقة يحفظها على صاحبها، فلا تبعد ولا تهيم، فتضيع، وعقل البعير يمنعه من أن يثور، فيؤذي أو يؤذى، مما يحفظه أيضاً على صاحبه. إن "الحفظ" شديد القرب من "الربط" في حياة العرب وبيئتهم.
ويفسره بعضهم بأنه "الجمع" فقد قالوا: "عقلت البعير، إذا جمعت قوائمه(6)".
لقد وقع ابن فارس حقّاً على الأصل الأول أو الدلالة الأولى للمادة، كما أن الخليل لم يغفل عنه أو عنها، لكنه (أي الخليل) رأى في الحفظ" أصلاً جديداً موازياً، خلع إهاب "الحبسة" واستقل بنفسه، بدليل أن ابن الأعرابي علَّل لإطلاق "عقيلة" على كريمة القوم بأنها عقلت (أي منعت) صواحبها عن أن يبلغنها. أثبت ذلك ابن فارس نفسه، ثم نقل عن الخليل (مرة أخرى) سبباً آخر، قال (أي الخليل): "بل معناه: عقلت (أي حفظت) في خدْرها(7)".
نحن - إذن أمام ثلاث دلالات لغوية: الحبسة أو الربط أو المنع، والحفظ، والجمع. الأولى أصل الأخيرتين بلا شك، لكن لها ظلالاً، تجعلها أحياناً غير مقبولة، فقد ذكر العسكري أن الله لا يوصف بالعقل إذا كان العقل مأخوذاً من "عقل البعير، إذا شدَّه فمنعه من أن يثور، لأنه "لو كان العقل منعاً لكان الله عاقلاً (أي حابساً) لذاته(8)". أما الثانية (الحفظ) فهي خلو من تلك الظلال، ولهذا ارتُضيت مع الله سبحانه، ولم يُتحرج منها. وكذا الأمر في تاليتها (الجمع).
وإذا كانت الدلالات الثلاث متشابكة، وتستصحب "الحسي" و"المشخص" فإن الدلالة الرابعة (المعرفة) نقلت المادة (العقل) - كما سبق - نقلة جديدة عن طريق المعنوي والتجريدي، لكن ثمة خيطاً يشدها إلى الأصل، فالعقل - عبر الدلالة الأصلية (الحبس) يقيد ويجمع ويحفظ ما يصل إليه عبر الحواس، ويعمل فيه قوته بوصفه أداة أو قوة للتحليل والتركيب وتجريد الصور والمعقولات واكتشاف العلاقات، وهكذا يقترب أو تقترب منه دلالة المعرفة والفهم والتمييز والاكتساب لتتراكم من بعد دلالاته الاصطلاحية المعقدة والمصبوغة بالثقافات والمعارف المختلفة.
وليست كلمة "العقل" وحدها في دلالتها الأخيرة هذه (المتطورة) بل هناك كلمات أخرى مرادفة، منها: الأدب، والنُّهى، والحجا، والذهن، والفكر، والفؤاد، والقلب، واللب. وبعض هذه الكلمات قرآنية، استخدمها القرآن بديلاً لـ "العقل"، مثل: الفؤاد، والقلب، واللب، والفكر (بعضها بهذه الصيغ نفسها، وبعضها بصيغ أخرى مشتقة من موادها الأصلية)، علماً بأن "العقل" هكذا بصيغته (اسماً) لم يستعمل فيه.
على أن هذا الترادف (الاستعمالي) لا يمنع من وجود فروق دقيقة بين كل لفظ وآخر، فقد فرَّق العسكري بين العقل واللب، والعقل والأدب، والعقل والنهى، والعقل والحجا، والعقل والذهن(9).
ومن مرادفات العقل أيضاً: العلم، والنفس، ولكن الكلام في ذلك يدخلنا في الدلالات والمفاهيم الاصطلاحية، لذا سنؤجله إلى موطنه.
***
يقول ابن فارس: "العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج. فالأول: العدل من الناس: المرضيُّ المستوى الطريقة ... والعدل: الحكم بالاستواء. ويقال للشيء يساوي الشيء: هو عدله.. والمشرك يعدل بربه.. كأنه يسوي به غيره.. والعدل: نقيض الجور "ويوم معتدل، إذا تساوى حالا حرِّه وبرده. وثانيهما: يقال في الاعوجاج: عّدْل، وانعدل، أي انعرج(10)".
المادة - إذن - من المواد المتضادة، أي تلك التي تدل على الشيء ونقيضه، وهي ظاهرة معروفة في العربية .. ومن أمثلتها: جلل، للعظيم والحقير، وجَوْن، للأبيض والأسود. وبيِّن أن دلالة "نقيض الجور" هي المرادة في سياق موضوعنا. وهي دلالة يحتويها رداء الأصل الأول (الاستواء) الذي يدل على استقامة واعتدال بين شيئين، في حين إن الجور (الظلم) هو الميل عن الطريق. وإذا كان ابن فارس قد فسر الاستواء بأنه الاستقامة والاعتدال بين شيئين، فإن العسكري قد لمح بينهما فرقاً: "الاستواء تماثل أبعاض الشيء ... ونقيضه التفاوت، وهو أن يكون بعض الشيء طويلاً، وبعضه قصيراً، وبعضه تاماً وبعضه ناقصاً والاستقامة: الاستمرار على سنن واحد. ونقيضها: الاعوجاج، وطريق مستقيم: لا اعوجاج
فيه(11)".
إن ما يكشف الفرق بين الاستواء والاستقامة نقيضاهما: التفاوت والاعوجاج. وأحسب أنهما (النقيضين) ملموحان في المادة (ع.د.ل) فالعدل : استواء على مستويات متعددة: المقاييس التي يلجأ إليها العادل، فهي واحدة لا تفاوت فيها من أي نوع، والمعدول (المحكوم) بينهم، فهم جميعاً على قدم المساواة لا تمييز بينهم. والعدل: استقامة: يلتزم فيها العادل (الحاكم أو من يقوم مقامه) طريقاً واحداً لا اعوجاج فيه (مستوياً) لا يميل فيه لأحد، ولا ينحرف في اتجاه.
وأحسب أيضاً أن ما يجمع المعنيين معاً (الاستواء والاستقامة) هو المثلية، المثلية في مقابل التفاوت، والمثلية في مقابل الاعوجاج. ولهذا فرق العسكري بين العدل والفداء، بأن هذا الأخير "ما يجعل بدل الشيء لينزل على حاله التي كان عليها، سواء كان مثله أو أنقص منه، وأن الأول ما كان من الفداء مثلاً لما يفدى منه. ومنه قوله - تعالى - : (ولا يقبل منها
عدّل(12)) "إن المثلية - كما يبدو - من النص هي العنصر الأبرز في مادة (ع.د.ل).
ولهذا جاء في المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية: "عدل في أمره عدلاً: استقام. وعدل في حكمه: حكم بالعدل. وعدل الشيء: قوَّمه. وعدل فلاناً بفلان: سوَّى بينهما". فالعادل إذن" هو المستقيم الذي يسوي بين الناس، ويحترم حقوقهم، ولا يخضع لميل أو هوى، ولا يجور في حكمه على أحد(13)". وعلى هذا جاء تعريف مسكويه لـ "العادل" بأنه "هو الذي من شأنه أن يساوي بين الأشياء غير المتساوية(14)". وهو تعريف يقترب كثيراًَ أو يباشر معنى المثلية الذي أشرت إليه.
وذكر صاحب المعجم الفلسفي أن "العدل" إذا كان نعتاً للشيء (غير العاقل) دل على المثل والنظير والمساوي أو على المطابق للحق الوضعي، أو الحق الطبيعي، كالجزاء فإن وصفه بالعدل يدل على مطابقته للحق .. وإذا كان نعتاً للعاقل دل على اتصافه بالإنصاف، أي على حكمه بالعدل لإعطاء كل امرئ ماله وأخذ ما عليه(15)". وفي هذا الأخير (معنى الإنصاف) تطوُّر عن المعنى الأصل، إذ الإنصاف ثمرة لـ " التسوية".
***
يقول ابن فارس : "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء .. من ذلك (الأول) الخُلق، وهو السَّجيَّة، لأن صاحبه قد قُدِّر عليه. والخِّلاق: النَّصيب، لأنه قُدِّر لكل أحد نصيبه.. والخُلُق، خَلْق الكذب .. وهو اختلاقه. وتقديره في
النفس(16)".
يبدو من النص أن الأصل الأول (التقدير) يجمع الأمرين الخَلْق، أي الإيجاد، والخُلُق، أي السجية، فكل منهما تقدير، الايجاد يسبقه تقدير، والسجية كذلك، هي مقدرة على صاحبها، أو مقدر صاحبها عليها. وقد كان العسكري أوضح في التعبير عن هذا الجمع بين الخَلْق والخُلُق حيث يقول في سياق التفرقة بين الفعل والخلق والتغيير وبعد أن يسوق أمثلة: خلقت الأديم إذا قدرته خفاًّ أو غيره، والخُلق: العادة التي يعتادها الإنسان، ويأخذ نفسه بها على مقدار بعينه.. والمخلق : التام الحسن، لأنه قُدر تقديراً حسناً، والمتخلِّق: المعتدل في طباعه، وسمع بعض الفصحاء كلاماً حسناً، فقال : هذا كلام مخلوق، يقول : "وجميع ذلك يرجع إلى
التقدير(17)".
بل إنه (العسكري) يرى أن (خ.ل.ق) أصل واحد لا أصلان، كما يرى ابن فارس، هو التقدير، إذ إنه يدرج تحته في السياق المذكور آنفاً أمثلة من مثل: خلق الثوب وأخلق: لم يبق منه إلا تقديره، والخلقاء: الصخرة الملساء، لاستواء أجزائها في التقدير. واخلولق السحاب: استوى. (18) وهذه أمثلة أدرجها ابن فارس تحت الأصل الثاني عنده (ملاسة الشيء).
على أن هذه الكلمة ليست وحدها في دلالتها، ثمة أيضاً كلمة أخرى قرنها الجابري بها هي "أدب"، كلتاهما يعبر بها عن الأوصاف التي يوصف بها السلوك البشري: لكنهما - في ما يرى - غير مترادفتين مع أن الواحدة منهما قد تنوب مناب الأخرى في كثير من الأحيان. ولأنهما غير مترادفتين فإن ثمة فرقاً دقيقاً بين عبارة (أو تركيب ) " سوء الخلق" و"سوء الأدب" قد لا يلمسه المرء لأول وهلة، لكن هذا الفرق يكشف عن نفسه بوضوح في عبارات أخرى، مثل: "ولد مؤدب" أو "قليل الأدب" يقول الجابري: "فنحن لا نستطيع - على صعيد المألوف - أن نضع مكانها: "ولد مخلق" أو قليل الخلق(19)". والفرق الذي يقصده هنا وارد من قبل أن الخلق فطري، أو غرزي، هامش الكسب فيه ضيق ومحدود، في حين إن الأدب كسب وتعليم كله. وعليه فإن "مخلق" بما تشير إليه الصيغة المأخوذة من "فَعَّل" غير ملائمة في هذا السياق، وكذلك الأمر في كلمة "الخُلُق "مقترنة بـ "قليل" فكل إنسان لديه خُلق فطره الله عليه، كريم أو غير كريم، فالقلة والكثرة غير واردة.
ولعل في نص ابن فارس الذي أدرج السجية (الخلق) ضمن أصل "التقدير" الذي رسمه للمادة، ونص العسكري الذي جعل "التقدير" ملاك المادة كلها = ما يؤيد فطرية الخلق وغرزيته، نستعيد ما قاله ابن فارس في هذا الغرض تحديداً: "ومن ذلك الخلق، وهي السجية، لأن صاحبه قد قدر عليه". كأن الخلق سابق على الإنسان، أو أن الإنسان تال له، أعني أن الإنسان مقدر على الخلق، وليس الخلق مقدراً على الإنسان.
ويقترب ابن منظور بنا أكثر من دلالة الخُلق عن طريق الربط مع الخَلق، كأنه يجسد لنا المعنوي، ويشخصه، فيقول: "وحقيقته (أي الخُلق) أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها. ولها (أي النفس) أوصاف حسنة وقبيحة. والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة(20)".
وإذا كان الخُلق غرزياًّ أو فطريًّا مقدراً من الخالق، كالخلقة التي لا شأن للإنسان بها، فكيف ساغ للعسكري (في نصه الذي أوردناه آنفاً) ونستعيده هنا مرة أخرى: "والخُلُق : العادة التي يعتادها الإنسان، ويأخذ نفسه بها على مقدار بعينه(21)" = أن يجعل منه عادة، والعادة من العَوْد الذي يعني - كما هو معلوم - تكرار الأمر. وهو ما عَبَّر عنه ابن فارس بأنه "تثنية في الأمر(22).
يبدو أن العقل اللغوي العربي، وعلى الرغم من تقريره غرزية الخُلُق وفطريته، يرى أن الإلحاح على أمر ما وتكراره قد يجعل منه خلقاً، مصداق ذلك ما قاله ابن فارس: "والعادة: الدربة والتمادي في شيء حتى يصير له سجية" واستشهد على ذلك بـ "الزموا تقوى الله واستعيدوها(23)" أي تَعَوَّدُوها. وليس ذلك 0أي العقل) بدعاً. فثمة ما يؤيده - إن صح التعبير - لدى الفكر الفلسفي، على إطلاقه.
-2-
مرايا الدين والفلسفة
(الاصطلاحات)
تعد كلمة "غريزة" قاسماً مشتركاً في تعاريف العلماء المسلمين المشتغلين في العلوم الدينية لـ"العقل".
فالإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) يقول: "العقل غريزة، والحكمة فطنة(24)".
والمحاسبي (ت 243هـ) يرى في العقل "غريزة (أيضاً) وضعها الله - سبحانه - في أكثر خلقه(25).
وأبو الحسن التميمي (ت 371هـ) يستبدل بغريزة كلمة "نور(26)".
وينقل الماوردي (ت 450هـ) رأياً يقول بأن "العقل هو العلم بالمدركات
الضرورية(27)"، ويصحِّحه.
ويختار إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) كلمة "صفة" ويرى أنه "إذا ثبتت تأتَّى التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضرورويات(28)".
وغرزية العقل في الإنسان تعني - كما فهم د. رضوان السيد" أن فيه (أي في الإنسان)، يكمن بدؤه، كما تكمن نهايته، شأنه في ذلك شأن الدوافع أو الغرائز الأخرى من مثل الأكل والشرب" كما أنها تعني "الشيوع في الإنسان من ناحية، وتساوي الناس فيها من ناحية أخرى(29)".
ولعل خير ممثل لهذا الفهم الحارث بن أسد المحاسبي، فقد ترك رسالة مستقلة في "ماهية العقل وحقيقة معناه" كما عرض للعقل في كتابه" فهم القرآن" وكتبه الأخرى. ولهذا سنتوقف عنده قليلاً حتى تتضح صورة العقل في ذهن العلماء المسلمين.
يرى المحاسبي - كما سلف - أن العقل "غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقه لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض، ولا اطلعوا عليها من أنفسهم برؤية، ولا بحس، ولا بذوق، ولا طعم.. وإنما عرَّفهم الله إياها بالعقل منه (30)". ويؤكد هذا المفهوم في موطن آخر: "والذي هو عندنا غريزة، والمعرفة عنه تكون(31)".
العقل - على وفق رؤية المحاسبي - فطرة فطرها الله في العقلاء من خلقه، وهم أكثرية. وعن هذا العقل الغرزي ينتج ما سماه (المحاسبي) بـ "الفهم لإصابة المعنى، وهو البيان لكل ما سمع .. أو مس أو ذاق أو شَمَّ" كما ينتج ما سماه بـ"البصيرة والمعرفة (32)". "فهم البيان "هذا مشترك بين أهل الهدى والضلالة، و"فهم البصيرة" هو الفهم (أو العقل) عن الله تعالى، وهو أعلى درجة. ولذلك فإن "من زال عن ذلك ومعه غريزة العقل التي فرق الله تعالى بها بين العقلاء وغيرهم، فهو غير عاقل عن الله عز وجل، وهو عاقل للبيان الذي لزمته من أجله الحجة(33)".
العقل - إذن - عند المحاسبي ثلاثة: عقل غريزة، وهو تلك الملكة التي تفرق بين العاقل والمجنون، وعقل فهم، ويشترك فيه العقلاء من المؤمنين وغيرهم، وعقل بصيرة، وهو للعقلاء حقاَّ الذين فهموا الفهم الحق عن الله. فسمعوا وانتهوا. وهذان الأخيران ثمرة الأول.
وضع المحاسبي نظرية متكاملة في العقل يمكن جمع أطرافها من مؤلفاته آنفة الذكر، وغيرها مما لم نذكره، وأهم ملامح هذه النظرية:
أ- تقسيم العاقلين إلى أربع فرق:
- فرقة عقلت، فأطاعت وخشعت.
- وفرقة عقلت، ثم جحدت كبراً وعناداً من أجل الدنيا.
- وفرقة عقلت، ثم طغت، فعميت، وظنت أنها على حق، وهي على باطل.
- وفرقة عقلت، ولم تجحد، ولكنها عصت وضيعت.
هذا التقسيم مرتبط بأنواع العقل عند الرجل. الفرق الأربع - بداهة - لديها عقل الغريزة، الأولى منها هي التي امتلكت أزمَّة العقول الثلاثة، ففهمت (عقل الفهم) ثم بصرت (عقل البصيرة) والثلاثة التالية عقلت ففهمت، لكنها إما استكبرت فعطلت فهمها فكأنها لم تجاوز عقل الغريزة، وإما طغت وأعجبت فقلبت الفهم إلى نقيضه، فأنكرت، وإما ضعفت فعصت وضيعت.
ب- تقرير تفاوت العقل عن الله:
والعاقلون عن الله هم المنتمون للفرقة الأولى، لكنهم متفاوتون في الدرجة، فثمة من يخاف الله، وهو العاقل، وثمة من يخاف منه، وتجتمع في قلبه قوة اليقين به، وحسن البصر بدينه، وهذا هو كامل العقل عن الله.
ج- تقرير الفرق بين الخوف واليقين:
على الرغم من أن الخوف من اليقين، فإن العاقل قد يكون خائفاً لكن يقينه ليس قويًّا.
د- أدلة العقل:
للعقل أدلة أو مرتكزات ينبغي الاعتماد عليها، وهي نوعان:
- عيان ظاهر.
- وخبر قاهر.
أما العيان فهو " "خلق الله" وأما الخبر فهو "ما جاء به الرسل" ويعبر المحاسبي عنهما بأنهما" حجتان "ويربط بينهما وبين العقل، فهما في العقل، والعقل فيهما، والعاقل هو المستدل، وهما علة الاستدلال وأصله. ومحال مكون الفرع (الاستدلال) مع عدم الأصل (العقل)، وكون الاستدلال (أداة الاستدلال) مع عدم الدليل (العيان والخبر). العقل - إذن - هو الأداة، و"الخلق" و"الخبر" هما الدليل.
هـ- عمل العقل:
حتى يعمل العقل بحق، ويصل إلى غرضه لابد - في رأي المحاسبي - من أمرين:
- استحضاره، بمعنى "أن تجمع فهمك حتى لا يكون فهمك متفرقاً في شيء غير طلب الفهم".
- جمعه، بمعنى "أن لا تشغل جوارحك بما لا يشتغل به عقلك، وأن تستعمل كل جارحة بما يعينك على الفهم، وتمنع عقلك من كل فكر وذكر".
أطلنا الوقوف عند كلام المحاسبي ، لأنه يكشف لنا مفهوم العقل عند السلف. ولكلامه أبعاد أخرى لا يتسع المقام لها.
وعلى أية حال فإن العقل لم يبعد كثيراً عن معناه اللغوي الأصلي، فالعقل لغة - كما قلنا - ربط، وحفظ، وجمع، وفهم، وعلم. والعقل مفهوماً أو مصطلحاً إسلامياً: فهم وبصيرة.
والجمهور يطلق العقل على ثلاثة أشياء كما ذكر الغزالي:
- وقار الإنسان وهيئته في الاختيار والكلام والحركات والسكنات.
- التجارب التي يفيدها، وتكون حصيلتها معاني في ذهنه تكون مقدمات لاستنباط أغراضه ومصالحه.
- قوة غرزية تقوم بعملية الإدراك والتمييز(34).
كيف يبدو العقل في مرآة الفلسفة؟
إذا كان العقل في مرآة الإسلام (الديني) غريزة بما تعنيه من لا مادية ولا جوهرية، فإنه في مرآة الإسلام (الفلسفي) أمر أو أمور أخرى:
- إنه شيء مستقل، أو كما يعبر عنه الكندي (ت نحو 252 هـ)" جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها(35)" و"الجوهر" في اصطلاحهم هو الموجود القائم بنفسه، ويقابله العرض، و"البسيط" الشيء الذي لا جزء له أصلاً، ويقابله المركب.
- وهو على حد تعبير الفارابي "مفارق للأجسام غير محتاج في قوامه إلى شيء آخر مما هو دونه من جسم أو مادة أو عرض(36)". والمعنيُّ بالمفارقة عدم الحلول في جوهر آخر (لو كان كذلك لكان صورة) ولا محلاً لجوهر آخر (إذن لكان هيولي) ولا مركباً منهما (الصورة والهيولي) (إذن لكان جسماً).
- وهو سائس للنفس، مدبر لها، فهو "الذي يسوسها عن طريق إخراجها من حالة كونها عاقلة بالقوة إلى حالة كونها عاقلة بالفعل(37)".
وإذا كان العقل عند المحاسبي ثلاثة - على ما سبق - فهل العقل عند الفلاسفة واحد أم متعدد؟
يقول الكندي بعقل أول، وعقول ثلاثة ثوان. الأول هو الذي يخرج النفس من حالة كونها عاقلة بالقوة إلى حالة كونها عاقلة بالفعل ويسميه "المستفاد" لأنه أتاها من خارج ليسوسها. والثلاثة الأخرى تدخل في العقل الإنساني الجزئي.
ويقول الفارابي بالعقل الفعال، وهو الأول عند الكندي. ومنزلته من الإنسان منزلة الشمس من البصر، فكما أن الشمس تعطي البصر الضوء فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصراً بالفعل بعد أن كان مبصراً بالقوة، كذلك العقل يفيد الإنسان شيئاً يرسمه في قوته الناطقة منزلة ذلك الشيء من النفس الناطقة منزلة الضوء من البصر.
والعقل - عند الفلاسفة - قضية شائكة، وبعضهم يرى الله عقلاً، وقد يطلق عليه العقل الفعال، أو العقل الكل(38).
الصورتان متناقضتان في المرآتين، وقد صرح التميمي (ت 371هـ) بالخلاف "العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور كالعلم(39)". وأفسد الماوردي مذهب الفلاسفة مستخدماً لغتهم وطريقتهم سالكاً في ذلك وجهين" أن الجواهر متماثلة فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجب سائرها" و"أن الجوهر يصح قيامه بذاته، فلو كان العقل جوهراً لجاز أن يكون عقل يكون بغير عاقل، كما جاز أن يكون جسم بغير عقل(40)".
***
كلمة "العدل" في سياقها الديني (الإسلامي) ترتبط بكلمة "العادل" الأكبر، وهو الله تعالى. وهي محملة بزخم فكري، وعقدي، وتاريخي، لا يوجد له نظير في أية ثقافة أخرى، وتستدعي قضايا فكرية شائكة: الحرية؛ حرية الإنسان ومسؤوليته، وعقدية: صفات الله وما يترتب عليها، وخلق الأفعال (لله أم للبشر) واستحقاق الإنسان للثواب والعقاب، ونظرية الكسب الأشعرية. كما تستدعي مصطلحات وتعبيرات من مثل: الجبر، والاختيار، والاعتزال، والسنة، والمجبِّرة، والتوحيد (هذا يرتبط عضويًّا بالعدل) والمعطلة، والقدرية .. الخ.
إن العدل جزء رئيس من علم الكلام الإسلامي، بل يمثل شطر هذا العلم، والتوحيد شطره الثاني. التوحيد يبحث في ذات الله وصفاته، والعدل موضوعه أفعال الله. وهما معاً" علم الكلام الإسلامي".
وقد ظهرت الكلمة في التاريخ الإسلامي بملامحها وظلالها الدينية والعقدية على يد مؤسس فرقة المعتزلة واصل بن عطاء. ولعل الاعتزال كله ظهر ليتغيا فكرة "العدل" العدل الإلهي في مواجهة الظلم أو الجبر الذي قال به الأمويون، في سبيل انتزاع الخلافة أولاً، ثم في تثبيت أركانها لهم، واستمرارها فيهم ثانياً.
ولأن فكرة "الجبر" تقول بـ "قدرة الله" ومشيئته السابقة وعلمه القديم فإن المواجهة بدأت بالبحث في صفات الله، فنفتها حتى لا يتعدد القدماء "الذات والصفات" ووحَّدت "الذات والصفات" (التوحيد) نفياً للشرك، فأبطلت - من وجهة نظرها - حجة السياسة "الجبر" التي تقوم على علم الله بما يحدث وإرادته له وقضائه على الناس، ثم انتقلت إلى أفعال الله فنزهته عن القبح والظلم (العدل) وحمَّلت الإنسان مسؤولية أفعاله.
والعدل يقوم على ما يسمى في تراثنا العقدي عامة، والمعتزلي خاصة، بـ "خلق الأفعال "الأفعال الشريرة والقبيحة (ومعها بداهة الأفعال الخيرة والحسنة) ومن المسؤول عنها: الله - سبحانه، أم الناس أنفسهم. إن كان الله فنحن ننسب إليه القبح والظلم في رأي المعتزلة. القبح ظاهر. والظلم لأن الإنسان سيحاسب على ما لا خيرة له فيه، وليس من كسبه. والله منزه عن هذا وذاك. وإن كان الإنسان فنحن ننفي عن الله صفات العلم والإرادة والقدرة في رأي أهل السنة. ويترتب على ذلك مسألة: الثواب والعقاب في الآخرة. فالأولون يرون أن الإنسان ما دام مخيراً فالثواب والعقاب مرتبط بعمله، والآخرون يرون أن (الثواب والعقاب) ليس مرتبطاً بعمل الإنسان بل هو مرهون بمشيئة الله.
وقد لخص أحد الباحثين (د. عبد الكريم عثمان) الموضوعات التي تبحث في "العدل" على النحو التالي:
- الكلام في الأفعال، وأنها تنسب للعباد، وإثبات الأفعال المتولدة والمباشرة.
- الكلام في أحكام الأفعال، وأنها قد تقبح وتحسن لوجوه تكون عليها.
- الكلام في ما يتعبدنا به تعالى من العبادات والشرائع.
- الكلام في ما يضاف إلى الله أو ما يضاف من وجوه الأفعال المختلفة(41).
على الرغم من أن مباحث "العدل" فلسفية تناولها الفلاسفة قديماً وحديثاً، فإن القضية بصورتها المتكاملة هذه هي قضية دينية إسلامية، بدأها "المعتزلة" وشاركت فيها الفرق الإسلامية، حتى أصبحت جزءاً أساسيًّا في الفكر العقدي الإسلامي.
***
تشير الدلالة اللغوية لمادة (خ.ل.ق) - كما أسلفنا - إلى غرزية الأخلاق وفطريتها، وفسَّر اللغويون العرب "الخُلق" تفسيرات تدل على ذلك فقالوا إنه السجية والطبيعة، لكنهم أضافوا إلى هذه التفسيرات "العادة" وبين العادة والطبيعة مسافة بعيدة. الأولى كسب، والثانية جِبلة، فكيف يبدو "الخلق" في مرايا الدين والفلسفة؟
ثمة نص للراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يفصل القول فيه في الخلق تفصيلاً، ويحسن بنا أن نسوقه، يقول:
"وأما الخُلق في الأصل فهو كالخَلق، كقولهم: الشُّرب والشَّرب، "لكن الخُلق يقال في القوى المدركة بالبصيرة، والخُلق في الهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وجعل الخُلق تارة اسماً للقوى الغريزية .. ولهذا قال (ص): فرغ الله من الخلق والخلق والرزق والأجل. وتارة يجعل اسماً للحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقاً أن يفعل شيئاً دون شيء، كمن هو خليق بالغضب لحدة مزاجه. ولهذا خُص كل حيوان بخلق في أصل خلقته، كالشجاعة للأسد، والجبن للأرنب.. ويجعل الخُلق من الخلاقة، وهي الملابسة، وكأنه اسم لما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة: وقد يروى "أفضل الأعمال الخلق الحسن". وروي "ما أعطى أحد أفضل من خلق حسن(42)".
نقرأ النص مرة أخرى، فنضع أيدينا على ما يلي:
- الخُلق والخَلق واحد في الأصل. ولعله يقصد أن دلالتهما اللغوية الأصلية واحدة، على ما سلف في مرايا اللغة، ثم إن تشبيههما بـ الشرب والشرب "يهدف إلى ضبط بنيتهما اللفظية. ولم يحالفه التوفيق تماماً في التشبيه، إذ إن الشرب بالفتح عند اللغويين المصدر، وبالضم عندهم اسم، وليس هذا معتبراً بين الخلق والخلق.
- الخُلق يطلق على القوى المدركة بالبصيرة (قوى النفس) والخَلق يطلق على الهيئات المدركة بالبصر (الأشكال والألوان).
- للخلق بالضم أربعة إطلاقات أو استعمالات:
القوى الغرزية (النفسية) أي الطبائع التي لا دخل للإنسان فيها، والتي تصدر عنها الأفعال بصورة تلقائية. ويؤيد ذلك الحديث الذي يجعل الخُلق من خلق الله، شأنه شأن ما قرن به.
- ما أسماه "الحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقاً أن يفعل شيئاً دون شيء". وعلى الرغم من أن "المكتسبة" في مقابل "الغرزية" فإن هذه الحالة غرزية أيضاً، لكنها ثمرة لاستعدادات عضوية. وقد عبَّر عنها الراغب بـ "المزاج".
- العادات ما عبر عنه بأنه "ما مرن عليه الإنسان من قواه بالعادة".
- المرويان اللذان ساقهما، أولهما يؤيد استعمال الخلق في العادة، وثانيهما يؤيد كون الخلق عطاء أو غريزة من الله.
وثمة نص آخر للراغب أيضاً يضيف إلى ما سبق، ونقتطف منه ما يلي:
"فجعل الخُلق مرة اسماً للهيئة الموجودة في النفس .. وجعل مرة اسماً للفعل الصادر عنه باسمه، وعلى ذلك أسماء أنواعها، نحو: العفة والعدالة والشجاعة. فإن ذلك يقال للهيئة والفعل جميعاً، وربما تُسمى الهيئة باسم، والفعل الصادر عنها باسم كالسخاء والجود، فإن السخاء اسم للهيئة التي عليها الإنسان، والجود اسم للفعل الصادر عنها(43)".
وتتلخص إضافات هذا النص بما يلي:
- الخُلق يطلق على فعل الغريزة ، فالشجاعة تطلق على قوة النفس، وعلى فعل الإنسان نفسه.
- ليس ما سبق على إطلاقه، فقد تُخص القوة بلفظ، والفعل بلفظ آخر، كالسخاء والجود.
- هذا التردد في الخُلق ومسألة تغيره أو تغييره الذي رأيناه عند الراغب (وهو محسوب على الدين) نجده أيضاً في الفكر الفلسفي، ففي الفكر اليوناني نجد أن أرسطو يرى أن "الأخلاق كلها عادات تتغير، وأنه ليس شيء منها بالطبع، وأن الإنسان يمكنه أن ينتقل من كل واحد منها إلى غيره بالاعتياد والدُّربة(44)".
ويأتي جالينوس من بعد فيفصل الأمر ويصنف الأخلاق إلى نوعين: "ما يكون طبيعيًّا ومن أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب.. وما يكون مستفاداً بالعادة والتدرب. وربما كان مبدأه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أوَّلاً أوَّلاً حتى يصير ملكة
وخُلقاً(45)".
وتظل قضية غرزية الخلق أو اكتسابه مثارة، سواء على مستوى النصوص الدينية (الإسلامية) أو الفهم البشري لها من خلال التأويل، كما تظل مثارة على مستوى الفكر الفلسفي القديم (اليوناني وغيره) أو الفكر الفلسفي الإسلامي.
-3-
مرايا العلاقات
(الجدل)
لنا أن نتصور ثلاثية العقل والعدل والأخلاق على شكل هرم مقلوب، رأسه العقل، وقاعدته العدل والأخلاق. والعلاقات بين الزوايا الثلاث علاقات تفاعلية، ذهاباً وإياباً في جميع الاتجاهات، وإن كان العقل بالطبع هو الأكثر تأثيراً ومحورية، كما سيتضح بعد.
لقد كشفنا من خلال المرايا اللغوية والاصطلاحية عن العقل ودلالاته، وتبين لنا أنه حبس أو ربط، وجمع، وحفظ، وفهم، ومعرفة، وعلم، وقوة غرزية في الإنسان، ونور، وصفة، بل إن بعضهم (الفلاسفة) قالوا بأنه "الله". إذا كان الأمر كذلك فلنا أن نتخيل مدى العلاقة القائمة بين العقل بهذه المعاني و"العدل"، سواء كان المقصود به "نقيض الجور" أو المثلية والمساواة أو الاستقامة بالمعنى اللغوي، أو الفضائل بالمعنى الفلسفي (الفضائل عدل لأنها توسط بين رذيلتين)، أو نفي القبح والظلم عن الله، وتحميل الإنسان مسؤولية أفعاله، بالمعنى الكلامي (الاعتزالي).
على صعيد المعنى اللغوي لا يمكن تصور الإنسان عادلاً إذا لم يكن ذا عقل بأي دلالة من الدلالات التي أشرنا إليها، إن الكلام أو الحكم على غير عاقل بأنه" عادل" نوع من العبث وربما الجنون، إذ إن انتفاء العقل يسلب ما يصدر عن الإنسان قولاً أو فعلاً قيمته وغايته، ويجعل منه شيئاً غير واع ولا محسوب، سواء كان متوجهاً به إلى نفسه، أو إلى غيره.
ولا يختلف الأمر على صعيد المعنى الفلسفي، فالعدل هو الفضيلة بين رذيلتين، والفضيلة - كما يرى أفلاطون - هي العلم بالخير والعمل به، والعلم - كما سبق - عقل، أو ثمرة له. وكما يرى أرسطو- هو الاستعداد الطبيعي أو المكتسب للقيام بالأفعال المطابقة للخير. و"الاستعداد" هو - بلا شك - من قوى النفس، التي يرجع بعضها لـ "الحكمة" أي العقل.
أما على صعيد علم الكلام الإسلامي (الاعتزالي تحديداً) فإن نظرية "العدل والتوحيد" كلها ثمرة من ثمار العقل، فقد أرادوا (المعتزلة) أن يدحضوا القول بالجبر، فكان ما كان من نظرهم في ذات الله وصفاته، وأفعاله مما أداهم في خاتمة المطاف إلى القول بـ "التوحيد والعدل".
ودخولاً في تفصيلات النظرية القائمة في جزء منها على "خلق الأفعال" ثم بـ"مسؤولية الإنسان عن أعماله "لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ضرورة "العقل"، فهو مناط التكليف إذ بدونه لا تتحقق مسؤولية الإنسان، فلا يثاب على أفعاله الحسنة، ولا يعاقب على أفعاله القبيحة. بعبارة أخرى العلاقة بين العقل والعدل هي علاقة بين أداة المسؤولية والمسؤولية نفسها، بين صاحب القرار في الفعل، والفعل ذاته. وهنا لابد أن نذكِّر بكلام الحارث في العاقلين ودرجاتهم وتفاوت العمل وطريقة عمله. وليس معنى التذكير به أنه يقول بمذهب المعتزلة في التوحيد والعدل وما يتصل بذلك من خلق العباد لأفعالهم، فالرجل يعد الاعتزال بدعة وضلالة، لكنا قصدنا إلى تبيان قيمة العقل عنده، وهو من أهل السنة. صحيح أن العقل عنده يستظل بمظلة القرآن، لكن ذلك لا يضعف من قدر هذا العقل، استمع إليه وهو يقول بعد أن استشهد بآيات من القرآن الكريم: "لأنه (الله) جعل العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الفهم، ومعقل العلم ونور الأبصار(46)".
كان ذلك عن حضور العقل في "العدل" فماذا عن الاتجاه المعاكس حضور العدل في العقل؟ إذا كنا لا نستطيع أن نتصور مجنوناً عادلاً، مستقيماً أو مقوماً (مصلحاً) أو حاكماً بالحق، ولا مجنوناً فاضلاً يزن الأمور ويختار أوسطها، ولا مجنوناً يدخل في قضايا كلامية (فلسفية) تسعى لدحض الحجة بالحجة، فإننا بالتأكيد أيضاً لا نستطيع أن نتصور عاقلاً ظالماً لنفسه أو لغيره، ولا عاقلاً يُفْرِط أو يُفَرِّط، فيرتكب حماقات الانزجار أو التهور مثلاً، ولا عاقلاً لا يعمل عقله في ما يعرض له من مشكلات، ويهرب أو يتغاضى عنها، ليصيبه الضرر أو تحيط به الشرور.
***
في جدل علاقة العقل مع الأخلاق تثار قضايا كثيرة، منها:
علام تتأسس الأخلاق؟ على العقل أم على غيره؟ على العقل أم على الدين، أم على العرف، أم على المنفعة، أم على الضمير؟.
وعلى الرغم من أن لكل عنصر من هذه العناصر من يتبناه، سواء على مستوى النخبة عبر العصور وفي مختلف المجتمعات، أو على مستوى العامة، فإن الذي لا شك فيه - ودون الدخول في تفصيلات لا يتسع لها البحث - أن العنصر الأبرز والأكثر خطراً وقبولاً هو "العقل"، فهو - من ناحية - يتحرك في مساحات كبيرة من دائرة النشاط الإنساني بمختلف أشكاله، وهو - من ناحية أخرى - يشكل جزءاً أساسياً، لا يمكن عزله أو الاستغناء عنه في العناصر الأخرى.
ولنضرب مثلاً بعلاقة العقل بالدين. نعلم أنها علاقة وثيقة للغاية، فالعقل أصل الدين كما ورد عن الرسول الكريم "والعقل أصل ديني"، والأجور يوم القيامة مقسومة بحسب العقول في إشارة إلى أهمية الوعي بغاية العمل والنية التي صدر عنها "الناس يعملون الخيرات، ويعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم". العقل هو مناط التكليف الشرعي (عقيدة وعبادة وعملاً)، فهو أداة الاتصال بالله والناس والكون. إن معرفة الله نفسها والإيمان به - على جلالة قدر هذه الغاية - لا تكون إلا به.
نعم ثمة من قال إن الدين (لا العقل) هو أساس الأخلاق، ولكن هل نستطيع أن نتصور أن بالإمكان تأسيس خلق في غير ذي عقل؟! وبالمقابل فإن الأخلاق أو الأحكام القيمية على الأشياء لابد لها من مرجعية تستند إليها. هذه المرجعية قد تكون ديناً أو فكر إنسانيًّا أو عرفاً اجتماعيًّا.
وبالطبع فإن "الدين" هو أهم هذه المرجعيات وأقواها أثراً. إننا لا نستطيع تصور العقل شيئاً معلقاً في فضاء، بل لابد أن يحيا في الإنسان وبين الناس، وهذه الحياة هي التي تغذى هذه القوة وتصبغها بصبغتها وتلون اتجاهاتها ومفاهيمها وحركتها. وإذا كان العقل - كما سلف - عقولاً، أو درجات، فإن بالإمكان الحديث عن دوائر تتحرك فيها هذه العقول أو المستويات منها. قد يكون هناك عقل أو مستوى من العقل كافياً للحكم أو التمييز في دائرة أولية، لكن الدوائر الأخرى محتاجة إلى عقول أخرى تسهم المرجعيات الأخرى في تشكيلها والتأثير فيها. وقد يشتد أنسنا أو قبولنا لمثل هذا المذهب إذا ما استرجعنا الأقوال المختلفة والمتباينة في العقل. مرة هو غريزة، ومرة هو كسب. وتارة هو استعداد، وتارة أخرى هو "علم" أو مجموعة من المعارف الضرورية .. والأخلاق لابد أن يتردد فيها صدى ذلك العلم وتلك المعارف.
وليس ما قلناه هذا فصلاً، فالدكتور الجابري يرى أن "النص الديني في الحضارة العربية الإسلامية - ولو أنه يغطي من الناحية المبدئية جميع مظاهر الحياة فإنه ترك مع ذلك للأخلاق مجالها الخاص الواسع العريض. وهذا الوضع ينتج عنه أن الدين في الإسلام ليس هو أساس الأخلاق، والذين لا يقبلون هذه العبارة لكونها تقلق الضمير الديني، يقبلون - بدون قلق - التصريح بأن الدين في الإسلام ليس وحده أساس الأخلاق، ليس وحده مصدر الحكم الأخلاقي. بل هناك بالمقابل إجماع على أن مصدر الحكم الأخلاقي هو العقل(47)".
وشأن الدين هو شأن العناصر الأخرى، من عرف، ومنفعة أو لذة، وضمير عند الجابري. إن الأمر - كما يراه - هو أن العقل ما دام أساس الأخلاق، فإن ذلك يعني استبعاد العناصر النفسية والاجتماعية، ثم يقول: "ومع أن جميع الذين تناولوا المسائل الأخلاقية في الفكر الإسلامي يعترفون لـ "اللذة" بدور ما في السلوك البشري، فإن هناك إجماعاً على أن مصدر الرذيلة هو الهوى (هوى النفس، ومنه اللذات والشهوات) وأن الفضيلة تعتمد حكم العقل. أما العرف والعادة فالجميع يعترف بهما كموجهين للسلوك، ولكن الفصل في أخلاقية هذا السلوك - كونه فضيلة أو رذيلة - يرجع أولاً وأخيراً للعقل(48)".
ولأن المسألة لم تحسم ولن تحسم، فسأكتفي بإثارة بعض الأسئلة، وأتركها غُفلاً دون جواب:
- أليس أقرب للعقل أن لا تجعل الأمور في مواجهة بعضها، أعني أن يجزم بأن العقل وحده أساس الأخلاق؟
- هل نستطيع أن نغفل أثر العناصر الأخرى كلية، ونحن نشاهد اختلاف القيم بين مجتمع وآخر، ونرى المستهجن في بعضها مقبولاً في بعضها الآخر، والمستحسن هناك، مكروهاً هناك.
- إن سلم القيم أو الأخلاق مختلف بين فرد وآخر وجماعة وأخرى، فمن وراء هذا الاختلاف؟ هل هو عقل الإنسان الجزئي، أم هو عقل الجماعة، وكيف يمكن أن يتشكل العقل الجمعي، ويتوحد أو يقترب في أحكامه من التوحد؟.
ننأى عن هذه الأسئلة، لنشير إلى أن الأخلاق، سواء كانت فطرية، أو مكتسبة، فإن أثر العقل فيها واضح. إن اكتسابها الذي أرجعوه إلى الاعتياد والدربة محتاج أيضاً إلى العقل، إذ الاعتياد والدربة يعكسان في الغالب رغبة الإنسان وقدرته العقلية في هذه الفضيلة أو تلك، وفي الحد من سيطرة هذه الرذيلة أو تلك عليه.
بقى أن ننظر في الاتجاه المعاكس أيضاً: من الأخلاق إلى العقل، ونتساءل : هل الأخلاق منفعلة أم أنها أيضاً فاعلة؟
إذا كان العقل يؤسس الأخلاق أو يشارك في تأسيسها، ويكتسبها أو يساعد على اكتسابها، فإن الأخلاق - سواء كانت فطرة أو كسباً - ترتد بالخير على العقل نفسه، إذ إنها جزء من العلوم والمعارف والخبرات التي تزيد من رصيده، وتضيف إليه فهماً واحتراماً وإصابة للغرض الذي يسعى إليه. ولعل من هذا الباب كان التوحيد بين العقل والأخلاق عندما جعلوا الأخلاق أحد أوجه العقل، فقد ذكر الغزالي أن العقل يطلق على وقار الإنسان وهيئته، وعندها يكون حد العقل:" هيئة محمودة للإنسان في كلامه واختيارة وحركاته وسكناته(49)". أليس كلام الإنسان شكلاً ومحتوى واختياراته التي تعني ميله إلى شيء على حساب شيء آخر، وحركاته وسكناته، أي أفعاله، جزءاً من الأخلاق؟.
***
العدل والأخلاق قد يكونان من قبيل الجزء والكل، أو الخاص والعام، فالعدل هو الفضيلة، والفضيلة وسط بين رذيلتين. أما الأخلاق فتكون حسنة، وتكون قبيحة. الأخلاق إذن أعم، والعدل أخص. وإذا كان العدل الفضيلة، والفضيلة من الأخلاق بمفهومها العام، فالأخلاق كل، والعدل بعض. هل يصح إذن أن نقول إن العدل هو الأخلاق الفاضلة؟
العلاقة بين العدل والأخلاق واضحة إذا نظرنا إلى الأخلاق من زاوية شمولها للحسن والسيء، لكن كلمة "أخلاق" "أو "خلق" تنصرف عند الإطلاق إلى الصفات الحسنة، فإذا ما قلنا" فلان ذو خلق" كان القصد أنه ذو خلق حسن أو جميل، في هذه الحالة تكون العلاقة بين العدل والأخلاق علاقة مطابقة أو ترادف على وجه ما.
خلاصة القول أن العدل أو العدالة هو الأخلاق (الكريمة أو الحسنة)، أو الفضائل. وهذا ما يتضح من سياق الفكر الفلسفي اليوناني، الذي يقسم الخلق إلى فضيلة هي مبدأ لما هو كمال، ورذيلة هي مبدأ لما هو نقصان، وغيرهما وهو ما يكون مبدأ لما ليس شيئاً منهما، وذلك كله مرتبط بقوى النفس الثلاث: العقلية والشهوية والغضبية: الأولى للتمييز بين المصالح والمفاسد، والثانية لجذب ما ينفع البدن من المآكل والمشارب، والثالثة لدفع ما يضر ويؤلم. ولكل واحدة أحوال ثلاث: طرفان ووسط. والفضيلة هي الأوساط، وسط العقلية الحكمة، ووسط الشهوية العفة، ووسط الغضبية الشجاعة. وعندما تجتمع هذه الأوساط للنفس وتمتزج تكون النتيجة ما يسمونه "العدالة".
خـــاتمة
كانت هذه ثلاثية العقل والعدل والأخلاق، كما ظهرت لنا في مرايا اللغة والدين والفلسفة، ويبقى أن نقول إن ما أظهرته مرايانا محكوم بحدود البحث ومساحته والوقت الذي أتيح. ولا شك أن الصورة تحتاج إلى إكمال، وذلك - بلا شك - مرهون بجهد آخر، علَّه يكون قريباً.

_____________________
(*) باحث وكاتب من سورية، منسّق معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
(1) ابن فارس: مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي)، 1369هـ، ج4، ص69.
(2) نفسه.
(3) نفسه 4/72.
(4) نفسه.
(5) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة. بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط3، 1979.ص 76.
(6) ابن منظور: لسان العرب. بولاق (القاهرة)، (عقل).
(7) ابن فارس: مقاييس اللغة (مصدر سابق) ج4، ص 73.
(8) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (مصدر سابق) ص 75.
(9) نفسه 76، 7.
(10) ابن فارس: مقاييس اللغة (مصدر سابق)، ج4، ص 246.
(11) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (مصدر سابق)، ص 149.
(12) نفسه 295.
(13) جميل صليبا: المعجم الفلسفي. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1971، ج2،ص42.
(14) مسكويه: تهذيب الأخلاق، تحقيق قسطنطين زريق. بيروت، 1966، ص115.
(15) جميل صليبا: المعجم الفلسفي (مصدر سابق) ج2، ص42.
(16) ابن فارس: مقاييس اللغة، (سابق)، 1366هـ. ج2، ص 213.
(17) نفسه.
(18) ابن فارس: مقاييس اللغة (سابق)، ج2، ص 213.
(19) محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001، ص 31.
(20) ابن منظور: لسان العرب (سابق)، (خلق).
(21) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة (سابق)، ص 129.
(22) ابن فارس: مقاييس اللغة (سابق)، ج4، ص 181.
(23) نفسه.
(24) أبو يعلى الفراء: العدة في أصول الفقه، تحقيق أحمد بن علي سير المباركي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1980، ج1، ص 89.
(25) المحاسبي: العقل وفهم القرآن - تحقيق حسين القوتلي. بيروت: دار الكندي، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص 201، 202.
(26) أبو يعلى الفراء، العدة (سابق)، ج1، ص 84.
(27) الماوردي: أدب الدنيا والدين. الآستانة: مطبعة الجوائب، 1299هـ، ص4.
(28) الجويني: البرهان في أصول الفقه، ج1، ص112، 113.
(29) رضوان السيد: العقل والدولة في الإسلام (ضمن كتاب الأمة والجماعة والسلطة)، ط2. بيروت: دار إقرأ، 1406هـ- 1986م.
(30) المحاسبي: العقل وفهم القرآن (سابق)، 201، 202.
(31) نفسه 205.
(32) نفسه 208.
(33) نفسه 210.
(34) الغزالي: معيار العلم. القاهرة: دار المعارف، 1961.
(35) الكندي: رسالة في حدود الأشياء ورسومها (ضمن رسائل الكندي الفلسفية)، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة. بيروت: دار الفكر العربي، 1950، ج1، ص165.
(36) الفارابي: السياسة المدنية، تحقيق فوزي النجار. بيروت: دار المشرق، ص 32.
(37) الكندي: رسالة في العقل (ضمن رسائل الكندي الفلسفية) (سابق) ج1، ص348، 353.
(38) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق علي دحروج. بيروت: مكتبة لبنان، 1996، ج2، ص1194.
(39) أبو يعلى الفراء: العدة (سابق) ج1، ص84.
(40) الماوردي: أدب الدنيا والدين (سابق)، ص 5.
(41) عبد الكريم عثمان: نظرية التكليف: آراء عبد القاضي الجبار الكلامية "بيروت: مؤسسة الرسالة، 1391هـ-
(42) الراغب الأصفهاني: الذريعة .. (سابق)، ص 114.
(43) نفسه.
(44) الفارابي: الجمع بين الحكيمين، بيروت: دار المشرق، 1986، ص 95.
(45) مسكويه: تهذيب الأخلاق (سابق)، ص31.
(46) المحاسبي: العقل وفهم القرآن (سابق)، ص 266.
(47) محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي (سابق)، ص 103.
(48) نفسه.
(49) الغزالي: معيار العلم (سابق)، ص 162.

الحالم
09-16-2007, 12:42 PM
(11)

مدخل إلى تاريخ التأويل (الهيرمينوطيقا)

محمد شوقي الزين

ذه الدراسة هي بمثابة مدخل إلى تاريخ الهيرمينوطيقا من خلال أصوله وجذوره وكذا فصوله ومراحله. فبحثنا يتضمن حفريات وجتيالوجيا التأويل في الثقافة الغربية التي تمتد من العصر اليوناني إلى العصور الحديثة مروراً بالعصر الوسيط. إذ انصبّ اهتمام هذا الأخير على ظاهرة التأويل لأن النشاط الفكري الذي هيمن فيه هو قراءة وتفسير النصوص المقدسة. ومنطلق التراث التأويلي كان هو حركة الإصلاح اللوثرية. مع دانهاور ابتدأ التفكير المنهجي والتقني حول الهيرمينوطيقا وأساليب وطرق تفسير وتأويل النصوص، وتم تطبيق أيضا قواعد التأويل على التراث العلمي. أهمية الذات العارفة في تأسيس موضوع المعرفة الذي افتتحه عصر كانط كان له دور لا يستهان به في إعطاء دفع جديد للهيرمينوطيقا كنظرية تأويليه تحتضن التصورات الذاتية كعوامل لا مناص منها في إضفاء المعنى والدلالة وإعطاء الفهم والاستيعاب. لكن هذه الحرية الذاتوية كانت لها قيود وعوائق حصر منها الرومانسيون الألمان (آست، شليغل، شلايرماخر) الذين فرضوا قواعد وقوانين صارمة في قراءة النصوص وتأويل محتوياتها ومضامينها. مع بوخ ودرويزن ودلتاي تمّ إزاحة المشكل الإبستمولوجي للتأويل بالبحث عن قواعد وأسس من شأنها أن تساهم في بناء "علموية" (Scientificite) العلوم الإنسانية أو علوم الفكـــــر (Geisteswissenschaften). لكن مع هيدغر سيتم قلب كل المشكلات الإبستمولوجية للهيرمينوطيقا والعلوم الإنسانية، ليصبح الفهم طابع إنساني يميز جذريا علاقة "الدازاين" (Dasein) بالعالم وبذاته. على منوال هيدغر، يركز هانس جيورج غادامير على فينومينولوجيا التأويل من خلال تفكير إبستمولوجي ومنهجي حول ظاهرة الفهم.

حفريات الهيرمينوطيقا:
الهيرمينوطيقا عبارة عن تفكير نظري حول نشاط التأويل. فهي على نوعين: 1) هيرمينوطيقا تقنية أو معيارية: فهي كفيلة باستبعاد إعتباطية الأحكام الذاتية، خصوصا وأن التأويل في تاريخه النظري والعملي نظر إليه على أساس أنه إعتباطي ويخضع لاعتبارات ذاتية وتصورات الأحكام الذاتية.
2) هيرمينوطيقا فلسفية: فهي تنتقد الطابع المعياري للهيرمينوطيقا التقنية وتدعو إلى تفكير فلسفي ونقدي حول ظاهرة التأويل والتي لا تنحصر في تفسير النصوص والآثار المكتوبة، بل تحدد مستويات وجودنا في العالم، التاريخي والأنطولوجي.
باختصار، الهيرمينوطيقا عبارة عن نظرية في التأويل بمعنى تأمّل فلسفي وتفكير فينومينولوجي حول نشاط عملي يتخذ طابع التفسير أو التأويل. والتأويل معناه إيضاح مقاطع غامضة وغير مستعابة من النصوص، لأن المعنى الجليّ والواضح لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل، وقد يحتاج إلى تأويل ليكون معقولاً. نظرية التأويل تدور أساساً حول إيضاح وتفسير الأشياء لتصبح مفهومه ومعقولة. وهدف نظرية التأويل هو تعميم مشكل الهيرمينوطيقا على جملة الممارسات الفردية والاجتماعية والتصورات والأفعال والمقاصد، بمعنى تهدف إلى فهم صحيح للتجربة الإنسانية برُمّتها.
الهيرمينوطيقا في دلالتها الإغريقية (Hermeneutike) لها ثلاثة معاني:
1) تعبير (نطق، كلام، ترجمة)
2) تأويل (تفسير، إيضاح)
3) ترجمة (نقل، تعويض الألفاظ)
لكن التأويل والترجمة، في اللسان الإغريقي، لهما نفس الدلالة، لأن ترجمة النص واستبدال ألفاظه ومنطوقاته هو بالضرورة تأويل محتوياته وإيضاح مضامينه. فالمترجم له وظيفة إيضاح وبيان الألفاظ الأجنبية والغربية: "كما ترى غالبا- خاصة في الإستعمال الفلسفي- أن نشاط المؤول (Hermeneus) هو بالضبط ترجمة (أو نقل وإيضاح) العبارات الغريبة والمبهمة إلى لغة مفهومة ومستعابة من طرف الجميع"، أما التعبير فهو منطوق يكشف عن المقصود والمتواري، بمعنى الكشف عن خبايا النفس وسائر الضمير عبر الكلام التصريح. وكان هذا لبّ الموضوع الذي تطرق إليه أرسطو في منطقه لأن العبارة هي حامل يفهم الآخر ما أردنا التعبير عنه والإشارة إليه. وهذا تقسيم رواقي عريق بين اللوغوس الباطني أو الداخلي واللوغوس الظاهري أو الخارجي أو بين المحتوى والشكل، الفكر واللغة، "الهيبونويا" والإطار اللفظي. وعليه كان المشكل قائما، خصوصا مع أفلاطون، حول كيفية تجسيد الإلهام أو الإيحاء أو المعنى الباطني في العبارة، وخصوصا أن الهيرمينوطيقا كانت في جل تاريخها التقني والفلسفي النظرية التي تتوخى فهم الروح الذي يتكلم عبر الحرف، بمعنى نسبتها إلى المقدس والإطار الديني والأخلاقي. فالمؤول أو المترجم ينحصر نشاطه في الكشف عن المعنى الخفي دون أن يتوصل إلى ربط هذا المعنى بالحقيقة المتوارية التي تميّزه، لأنه من اختصاص الحكمة السامية. أتخذ المؤول، في الأدب الإغريقي، دوماً دلالة الوساطة، فهو وسيط بني النصوص المتلقاة والأفراد الذين يسعون لفهمها واستيعابها. فهو يشغل بذلك وظيفة مماثلة كالتي يشغلها النبي أو الرسول لأن هذا الأخير اتخذ، بدوره في الأدب اليوناني، دلالة الوساطة بين الرسالة الإلهية والبشر. من هنا كان "هُرمُس" حامل خطاب إلهي إلى البشر، يسعى إلى ترجمته ونقله وتفسيره.
إذا كان مشكل نقل الفكر من الداخل إلى الخارج ليتجسد في العبارة قد شغل الأدب والفكر الإغريقيين لأنه لوغوس أو عقل نابع عن ذات ناطقة ومفكرة، فإن المشكل الذي أغرق هذا الفكر في تأويلات وتقنيات تفسيرية هو مشكل "الأسطورة" والتأويل الرمزي والذي أشار إليه أفلاطون وأرسطو وقبلهما الرواقية. فالمشكل هو إمكانية إنطواء التعبير على دلالة أخرى يعبر عن شيء ليفهم في دلالة أخرى مغايرة أو هو تعبير موجّه في شكل خطاب أو بيان أو إعلان للجمهور العام، (ومنه "الأغورا" Agora أين تتمّ المحادثات العمومية) لكنه يحتمل دلالة أخرى مختلفة يستعيبها من له الرويّة والفراسة والذكاء الخارق. فالتأويل الرمزي جاء ليدلّ على معنى متواري عسير الإدراك ولا يمكن بلوغه إلا بتقنيات رمزية وإشارات ليست في متناول العموم، ويؤدّي العقل الإشتقاقي (etymologie) دورا بالغا في تحديد مدلولات الألفاظ، لأنه يخترق طبقات اللغة ليكشف عن التشكيلة الأصلية لهذه المدلولات. بهذا المعنى، تكشف اللغة عن خباياها وتحيل إلى مدلولات لم تفصح عنها في العبارة. فالفهم والتأويل يقصدان ما هو خفي وراء اللفظ الظاهر. ولعبت الخطابة اليونانية دوراً هاماً في نقل المعنى والكشف عن الكنوز الدلالية الدفينة في اللغة.
يهدف التأويل الرمزي إلى تطهير الخطاب الأسطوري من شوائبه الخرافية والمفارقة. هكذا يتمفصل هذا الخطاب مع خطاب اللوغوس على اعتبار أن هذا الأخير يتضمن في ثناياه على عناصر أسطورية، لكنها في حدود العقل وحده. بهذا المعنى يحافظ التأويل الرمزي على التراث الأسطوري (الدعامة الرئيسية للأدب والشعر اليوناني) من كل كهانة ورجم بالغيب وشعرنة (Poetisation) مخالفة لنظام القيم. لهذا السبب ظل الشعر الأسطوري على هامش النسق الفلسفي الأفلاطوني.

جنيالوجيا الهيرمينوطيقا:
1) التأويل الرمزي والنمطي:
عمل فيلون الإسكندري في كل أثره الأدبي والفلسفي على ترقية وتطوير التأويل الرمزي في سبيل إنارة وتوضيح مقاطع غامضة وغير مستعابة من النص المقدس. فهناك علامات متوارية في نسيج هذا النص تسمح بتأويل عباراته والاتفاق حول مضامينها ودلالاتها.
حسب فيلون، إذا ذكر العهد القديم كلمة "شجرة" فإنه يوحي بدلالة تتجاوز الإطار الحسي لتدلّ على مدلول أبعد غوراً: الشجرة ليكشف عن مدلولات رمزية ضمنية. هكذا يصبح الحرف والمعنى عند حجب الدال ليبلغ المدلول الخفي وغير المرئي وهو نشاط وممارسة ليس في متناول الجميع وإنما يقتضي السلوك الروحي والباطني للتحكم فيه والأخذ بزمامه. يسلّم فيلون بأنّ الخطاب الديني هو بالضرورة خطاب روحي وباطني (esoterique) يشير إلى أشياء خفية وعوالم غريبة ومفارقة وأسرار باطنية. والتأويل الرمزي وحده القادر على فك عقدها وحلّ ألغازها.
أوريجان يتحدث عن دلالة ثلاثية للنص المقدس: معنى حرفي ومعنى نفسي ومعنى روحي. على غرار هوية الإنسان: جسد ونفس وروح تتمتّع هذه الدلالة بمراتب وتراتبات قيمية حسب درجات الناس وطاقة عقولهم: المعنى الحرفي للعامة والمعنى النفسي للخاصة والمعنى الروحي لخاصة الخاصة. طبقات المعنى المؤسسة للنص المقدّس تسمح باختراق القشر الظاهر لبلوغ اللبّ الباطن. هذه النمطية التي ارتضاها أوريجين من شأنها أن تجد روابط ومناسبات بين العهد القديم والعقد الجديد. فهو يعتبر أن النص ينطوي على معنيين ملتحمين: معنى حرفي يدعّمه ويرتقي به إلى مصاف البُعد الروحي أو المعنى الكريستولوجي (المسيحي). وهذا يدلّ على أن كل حرف من النص المقدس يتضمن على أسرار وحقائق ودقائق تدرك بمفاتيح التأويل الرمزي والنمطي. فالحرف هو حامل سرّ الروح والمعنى مثلما الجسد في أسطورة العربة الأفلاطونية هو حامل النفس الأزلية. الحرف في النص المقدس هو حامل روح الإله ولا يتمّ اعتناق هذه الروح سوى بالإنعتاق من المحسوس.

2) هيرمينوطيقا الأعماق وبداهة الآفاق:
أصالة أوغسطين تكمن في اعتبار اللفظ والمعنى شيئا واحدا. فاللفظ يدل على المعنى وهذا الأخير ليس شيئا مفارقا ومتعاليا على القالب اللفظي الذي يحتويه وينطوي عليه. والبحث عن المعنى في الكتابات المقدّسة ليس مجرّد بحث معرفي بواسطة آليات وتقنيات محددة وإنما هو في الأساس بحث أنطولوجي يميّز كينونة الإنسان في رّمتها. ما يهدف إليه التأويل الأغسطيني هو إيضاح وتفسير المقاطع الغامضة من النص المقدّس. فهذا الأخير لا يحتاج إلى إنارة رمزية تعمّ أجزاءه وتفاصيله، لأنه خطاب واضح ويديهي وإنما يتطلّب تفسيرا من أجل فهم واستيعاب دلالته المستعصية على الإدراك.
يستعيد أوغسطين التقسيم الرواقي بين اللوغوس الداخلي واللوغوس الخارجي ليقرّر بحقيقة اللفظ الجوّاني (Verbum interius) في فهم مضامين النص. فهو لفظ غير مادّي لأنه ينبع من أعماق القصدية. ويميّز أوغسطين بين كلمة الإله الأزلية المجاورة والملازمة له وكلمته المتجسّدة في شخص المسيح الذي اتخذ صورة إنسانية لتبليغ تعاليم إلهية. فهذه الكلمة المتجسّدة في الحسّ والتاريخ هي صورة طبق الأصل الأزلي، لكنها أيضا شيئا آخر مختلف عن أصله ومنبعه. اللفظ الناسوتي لا يضاهي اللفظ اللاهوتي وجودا ومعرفة. والعلامات الدالة على الأشياء لا تكفي بذاتها وإنما تحيل إلى هذه الأشياء كموضوعات معرفية يستحيل سبر أغوارها واستنفاد طاقاتها. فهناك بحث مفهوم عن شيء مفهوم لا يعتريه التوقّف أو الركون إلى حقائق خالدة وسرمدية، بل حوار مفتوح ولا نهائي مع حقائق هذه الأشياء كمسار مستمّر وغير مكتمل. هذه الفكرة أفادت معظم الفلسفات التأويلية من كلدينيوس وحتى غادامير، لأن جدلية اللفظ البراني واللفظ الجوّاني تعكس في الواقع جدلية السؤال الجواب في مسار لانهائي. يعتبر دلتاي أن التأويل لم يعرف النسقية والتنظير إلاّ مع البروتستانتية وخصوصا مع حركة الإصلاح عند مارتن لوثر. لكن نشاط هذا الأخير انحصر في ترجمة وتفسير الكتابات المقدسة. ينطلق لوثر هو الآخر من مبدأ وضوح وبداهة الكتابات المقدسة ويرفض التأويل الرمزي كما تبدّى عند فيلون وأورجين ليركز نشاطه التفسيري على المعنى الحرفي للنص المقدّس. فالمعنى ليس شيئا مفارقا وإنما هو محايث للدلالة التي يختزنها الحرف. فهم الحرف (أو الكتابة) يؤدّي إلى تفجير ينابيع المعنى التي تتواجد في طبقاته وأغواره. فحسب لوثر، ينبغي إذن الإلتفات إلى الكلام الإلهي والتعلّق بما يمليه في حرفيته (sui ipsius interoses). ففي حرفيته تتجلّى روحانيته. لقد سعى لوثر بإصلاحه البروتستانتي إلى الانشقاق عن سلطة فهم الكنيسة للتراث القديم. إذ عملت هذه الأخيرة على تقنين قواعد وأساليب في قراءة الكتابات المقدسة وبالتالي احتكار المعنى الذي تكشف عنه هذه الكتابات.
أحد تلامذة لوثر وهو ماتياس فلاسيوس توصل إلى تأسيس نظري للهيرمينوطيقا من خلال محاولة جادّة ولامعة "مفتاح الكتابات المقدسة"(1567). فهو يقدّم مفتاحا لغويا ومعرفيا ثمينا قصد إيضاح وإنارة المقاطع الغامضة التي تنطوي عليها هذه الكتابات. غير أنه على غرار لوثر يعتبر هذه الكتابات واضحة بذاتها ولا تنحو عكس الرغبة الإنسانية في المحبة والخلاص. ما هو غامض ومبهم يعكس في الحقيقة قصور "الأورغانون" (الآلة) اللغوي والمنطقي المستعان به في قراءة وتفسير هذه الكتابات. التحكّم في المنهج وحسن قراءة النص من شأنهما أن يبرزا الحقيقة الكونية للكتابات المقدّسة. لكن رغم ألحاحه على الطابع الألسني في قراءة هذه الكتابات، لم يتحرّر فلاسيوس مطلقا من التأويل الرمزي الذي كان يفتتن لاحقيه. فالهيرمينوطيقا التي اكتملت صورتها التمهيدية والتأسيسية مع فلاسيوس لم تنفصل عن عجائب الروح أو المعنى وهي تدعو إلى التمسّك بقوالب الحرف أو المبنى لفهم مضامين النص ومقاصده.
ما تمّ الإشارة إليه هو المنحى الباطني والرمزي الذي سلكه فيلون وأورجين في سبيل قراءة ما لا يقرأ بأعين محدودة النظر، لأن هذا المنحى يخترق سُمك العبارة ليدرك المعنى الذي يقبع خلفها. والكشف عن المعنى الروحي المتواري سبيله السلوك والإلتزام بالتعاليم. نشاط أوغسطين جاء ليذكر بالتراث الرواقي الفاصل بين لوغوس الأعماق (اللفظ الجواني) ولوغوس الآفاق (اللفاظ البّراني). لكن بالنسبة لأوغسطين لا يتعلق الأمر بحقيقتين متعارضتين: إدراك اللفظ الجوّاني والكشف عنه سبيله اللفظ البّراني. وهذا الأخير إذا تمّت ترقيته وقراءته بعمق وصرامة مستعنين بآلية لغوية ونحوية، فإنه سيكشف بنفسه عن متحواه المراد إدراكه كما يذهب فلاسيوس. ما يمكن إستنتاجه هو أنّ قراءة وتأويل النص من أوغسطين إلى فلاسيوس لم تغادر تربة الخطاب المقدس، وهو أمر عادي في العصر الوسيط لأن الكتابات المقدّسة كانت تعبّر عن الحياة الفردية والجماعية برمّتها. في العصر الوسيط المتأخّر وبداية النهضة أصبحت الحاجة إلى ميتودولوجيا نقدية أمرا ضرورياً. تمّـت صياغة هذه المنهجية مع روجيه بيكون "الأورغانون الجديد" (1920) كبديل عن الأورغانون الأرسطي الذي غذّى معظم الكتابات اللاهوتية والأدبية في العصر الوسيط.
3) الهيرمينوطيقا النقدية:
مع دانهاور إستعملت للمرة الأولى مفردة "هيرمينوطيقا" (1654). كان هدفه هو تبيان أنّ كل المعارف والعلوم إنما قاعدتها التأويل، بمعنى تفسير منهجي ووجيه للأشياء والتصوّرات. اعتُبرت الهيرمينوطيقا في هذه الفترة كعلم تمهيدي وعام يمنح العلوم الأخرى أدوات معرفية قصد تبيان دلالة الأشياء وترجمة ما هو غامض ومبهم في النصوص. واصطلاح دانهاور على هذا العلم التمهيدي إسم "هيرمينوطيقا عامة". فقد أدرج في هذا العلم المنطق الأرسطي والتحليل الذي ينطلق من القضايا المركبة إلى عناصرها البسيطة. إذا كان المنطق الأرسطي يراعي صحة أو خطأ القضية، فإنّ تأويلية دانهاور لا تعتدّ بمصداقية القضية أو المقولة بقدر ما يهمّها جوهر ما هو مفكَّر فيه أي جوهر المعنى بمعزل عن معيار الحقيقة التي يتحلىّ بها.
من جهته، يميّز يوهان كلادينيوس بين آلية العقل في إنتاج وإنتاج النصوص والروائع والآثار وبين فن التفسير في تأويل هذه المنتجات الفكرية والنظرية. يشير كلادينيوس كغيره من فلاسفة التأويل في العصور الحديثة إلى الجانب المبهم والغامض من الكتابات والنصوص. ونشاطه التأويلي يعتمد على النقد Criticus (تقنية شائعة في عصر النهضة) في سبيل إعادة قراءة وتنقيح وتصحيح الكتابات، وهو ما سيعمل شلايرماخر على ترقيته وتطبيقه في مؤلفاته: "النقد هو التقييم الصحيح لمصداقية الكتابات والنصوص وقراءتها وفقا للشهادات والمعطيات الكافية". بهذا المعنى تتمفصل الهيرمينوطيقا مع النقد. فهذا الأخير له خاصية التقييم والتمحيص ليعقبه نشاط الهيرمينوطيقا في التفسير والفهم.
بتعبير آخر، ينصّب اهتمام النقد على الشكل والمبنى، بينما تهتم الهيرمينوطيقا بالمضمون والمعنى. فيما وراء الطابع المنطقي للتأويل، يركّز كلادينيو على الجانب العملي والتربوي: "ليس التأويل سوى تزويد المريد أو الطالب بمفاهيم ضرورية لفهم كامل للنص". وهو ما يفسر لجوء الباحث عن دلالة النص إلى القواميس والمجازات والأشعار. معنى النص يتشكّل بمبناه البيداغوجي والذي يتمثّل في تفسير الألفاظ (لعبة الهوية والإختلاف في المفردة أو المقولة) من خلال الترادف أو التضادّ، والبحث عن الإستعارات والصّور الحيّة للمقولة. هذه الإرادة في البحث والتفسير هي برانية (أدوات وآليات لغوية) بقدر ما هي جوّانية (رغبة النفس في التعلّم والإدراك). وهي إرادة تربوية لأنها تمكّن الذات من التعبير عن كوامنها: قوّة المجاز، جماليات الأسلوب، فنون الشعر إلخ. كان هدف كلادينيوس هو بناء نظرية حول مفهوم الرأي كوجهة نظر تربوية وتأويلية تمكّن كل كاتب أو فاعل اجتماعي أو سياسي من التعبير عن آرائه. وقد لاحظ جون غروندان أن محاولة كلادينيوس هي تأويليه على المستوى الفكري وديمقراطية على الصعيد السياسي لأنها فرصة لكل فاعل حضاري في التعبير عن كينونته الإجتماعية والثقافية والسياسية.
الطابع التربوي للتأويلية عند كلادينيوس هو في نظر جيورج ماير محدود لأنه يخصّ بالدرجة الأولى النصوص المكتوبة. إذ هدف ماير هو تمديد البعد العالمي للهيرمينوطيقا إلى كل العلامات البشرية والطبيعية سواء أكانت نصوصا أو تشكيلات خطابية أو فنون جميلة أو معادلات رياضية. محاولة ماير هي سيميوطيقا تأويلية لأنها تخص كل العلامات دون استثناء ولا تخص فقط النص المكتوب/ المقروء. تأويل العلامات هو نظره معرفة الدلالة التي تحتملها العلامة بناءا على العلاقة التي تقيمها مع العلامات الأخرى (الصيغة البنيوية) وتبعا لنمط العلاقة التي تربطها بالأشياء والوقائع (الصياغة التاريخية). الصيغة البنيوية هي محل اهتمام ماير، بينما الصيغة التاريخية هي النشاط التأويلي الرئيسي الذي إعتمده دلتاي كما سنرى لاحقا. سيميوطيقا ماير تقترب من فلسفة ليبنتز التي تربط كل علامة أو شيء مع العلامات أو الأشياء الأخرى داخل فضاء غير متناهي من العوالم الممكنة. مونادولوجيا ليبنتز (المونادات أو الذرات الروحية) تقترب في جوهرها من سيميوطيقا ماير التأويلية لأنّ الأولوية التي تعطيها للعلامات هي أولوية بنيوية وسانكرونية داخل وحدة مركبة. هذه السيميوطيقا هي نقدية بقدر ما هي أخلاقية لأن التأويل الذي يرومه الفاعل الحضاري هو سبق وجودي للكمال. مثلما أنّ المونادات تحقق علاقة تكامل وانسجام كوسمولوجي على الصعيد الميتافيزيقي، فإنّ الفاعل الحضاري يسعى لتحقيق تكامل إجتماعي مع الأفراد والهويات تتجلّى آثاره في السياسة (إختيار وحُكم ديمقراطي) والثقافة (تعبير فنّي وفكري عن الشرط الوجودي) والاجتماع (الحريات الفردية والجماعية).
لكن النزوع العالمي للتأويلية في عصر الأنوار مع دانهاور وماير وحتى ليبنتز سيجد في طريقه معضلات ثقافية وهو كون التأويل توجّه صوب القراءة الكلاسيكية للنصوص بدل الإستعمال الحرّ للعقل في تقويم التمثّلات والحكم على التصوّرات القديمة.

4) الهيرمينوطيقا الرومانسية:
ثمة إنفصالات وطفرات في العبور من الأنوار إلى العصر الرومانسي وهو كون أنّ مفكّري التأويلية في القرن التاسع عشر مثل شلايرماخر كان لهم اهتمام بالتأويل اللاهوتي ولم يكن لهم علم بما استحدثه القرن الثامن عشر من بحوث وتنظيرات حول الهيرمينوطيقا الفلسفية مع كلادينيوس وماير. وهذا الانفصال ظهر خصوصا مع نظرية كانط حول الظاهرة الممكن إدراكها بالملكات العقلية والشيء في ذاته الذي لا يمكن إدراكه ويظلّ في دائرة المجهول واللا مفكر فيه. هذا التمييز الكانطي بين ما يمكن إدراكه عقليا وما لا يمكن الإحاطة به سيساعد شلايرماخر في تشكيل نظرية حول "فن الفهم" تأخذ بعين الاعتبار الحقل النفسي في المعرفة أو البُعد الذاتوي. هذا البعد عمل على تروجيه فريدريك آست في مؤلفه "أسس النحو والتأويل والنقد". المشكل الفلسفي الذي عمل آست على تبيانه هو: كيف نفهم الروح المعرفية والشاعرية التي تميز بها القدماء (العصر الإغريقي) والتي لا تزال تنتج تفاعلاتها في عصرنا (الأنوار)؟ هذا التساؤل يهدف إلى فهم الهوية والاختلاف بين عصر آفل وعصر قائم يحمل في طيّاته الروح الفكرية والأدبية لأسلافه. وهذا الفهم التاريخي يصبح فهما ذاتيا لأنه يخصّ العصر القائم وطريقة مقاربته للحياة والتاريخ والهوية. على غرار آست، عمد فريدريك شليغل إلى الكشف عن مشكل الفهم الذاتي الذي يجد جذوره الرومانسية في الروح الحضارية للعصر اليوناني أي في التراث الفني والأدبي للعصر التأسيسي. لكن هذا الفهم الذاتي قد يجد في سبيله عوائق اللافهم لأن ترجمة محتوى الروح الحضارية للعصر اليوناني تبدّل من مسار القصدية والمعنى. فما كان ممكنا في العصر التأسيسي يصبح مستحيلا في عصر الأنوار وعكسه. فثمة إذن إزاحة في الدلالة الأصلية أو ما يسمّى في الأدبيات المعاصرة "التحوير" أو الخيانة: الترجمة هي خيانة لأنها لا تستهدف المعنى الأصلي بل تعمل على تحويره واحتكاره ممّا يولد حالة اللافهم تجاه العصر التأسيسي. بتعبير آخر، الفهم هو عدم إدراك جوهر الماضي المتجسّد في قوالبه النصية والتراثية. على خطى شليغل، سيعمل شلايرماخر على البحث عن أسباب عدم الفهم التي تمّيز كل ذات واعية. إذا كان التأويل هو الرجوع إلى المصادر الأولى لإدراك القصدية والمعنى الأصلي، فإن هذا الرجوع يتعثّر لأسباب نفسية وموضوعية منها مشكل المسافة الزمنية (بين الحاضر والماضي) ومشكل الاحتكار الإيديولوجي للدلالة الأصلية (خصوصا فيما يتعلق بتأويل النصوص المقدّسة).
الهيرمينوطيقا عند شلايرماخر هي فن الفهم أي إدراك المعنى المتواري في ثنايا الخطاب. وهذا الفهم يتأرجح بين الدلالة الذاتية أو الفردية وهو كون كل فرد مسؤول عن الفكرة التي يشكّلها حول النص أو الواقع أو الماضي وبين الدلالة الموضوعية التي تخضع الآراء الفردية لامتحان لغوي صارم قصد الكشف عن الرأي السليم من جملة الآراء المعبَّر عنها. يسمّى شلايرماخر الدلالة الذاتية "التأويل التقني" ويصطلح على الدلالة الموضوعية اسم "التأويل النحوي". يدرس التأويل النحوي اللغة تبعا للاستعمال الاجتماعي العام، بينما يبحث التأويل التقني عن قصدية متوارية في النص. هذا التأويل يعبّر عمّا يسميه "فن الفهم" لأن مصطلح "التقنية" ينطوي في اشتقاقه على مفهوم الفنّ بمعنى آلية أو أداة في المقاربة لا تخلو من جمالية وشاعرية. لكن المشكل الرئيسي الذي راود شلايرماخر هو عدم الفهم: عندما ندّعي أننا فهمنا نصا أو فكرة فهل الفهم في هذه الحالة كامل؟ أليس هناك بقايا عدم الفهم يؤكد علهيا لاحقاً مشكل النسيان وإعادة النظر والتخلّي عن الحقائق المدركة؟ هذا المشكل دفع شلايرماخر إلى تحبيذ التأويل الموضوعي الذي يسعى إلى إعادة بناء المعنى الأصلي للنص بدلا من التأويل الذاتي الذي يضيفي على النص دلالة أو قصدية لم يعبّر عنها الكاتب. لكن نراه ينغمس في توفيقية فلسفية عندما يقول بأنّ أفضل فهم للنص هو "محاكاة" الكاتب أي أن نتموضع في موقعه وعصره لندرك معنى ما أراد قوله في خطابه. هنا يتبدّى التناقض الفلسفي الذي وقع فيه شلايرماخر بين الأولوية التي يعطيها للتأويل الموضوعي (منهج وصرامة) وإمكانية أن يكشف التأويل الذاتي عن حقيقة النص عبر تجربة التكهّن (التموضع في موقع الكاتب). العامل النفسي في فهم النص لم يكن مقتصرا على رومانسية شلايرماخر وإنما شغل أيضا أبحث دلتاي، هذا الأخير الذي إدّعى بأنه من الممكن فهم الكاتب بإضفاء المعنى الذي يراه المؤوّل مناسبا. "الحقيقة والمنهج" لغادامير هو في مجمله احتجاج على هذه "النفسنة" الشاملة لمشكل التأويل.
في الواقع، محاولات شلايرماخر هي الوجود في فضاء معرفي يتعالى على التأويلات الموضوعية والذاتية، لأنّ الهمّ التأويلي يتلخّص عنده في مسألة الحوار أو جدلية السؤال والجواب بين المؤول والنص. فالتأويل عنده "هو فن الفهم الصحيح لخطاب الغير وعلى وجه الخصوص الخطاب المكتوب". فالتأويل يتأرجح بين نزوع ذاتي في إدراك حقيقة النص وهمّ موضوعي في استعمل الآليات اللغوية والنقدية في حصر هذه الحقيقة. تأويل النص هو فتح حوار خلاّق معه وطرح المشكلات والأسئلة حول حقيقته التاريخية والوجودية، لأنّ النص يحتمل فراغات يملؤها القارئ بالأسئلة الإشكالات. فالتأويل في جوهره حوار وجدلية في المساءلة والتساؤل: مساءلة النص وتساؤل حلو ما يمكن أن يمنحه النص للقارئ رغم المسافة الزمنية (عصور مباعدة) والثقافة (الأنا والآخر أو الشرق والغرب).

5) الهيرمينوطيقا التاريخية:
العامل التاريخي للتأويلية جاء من فكرة "الدور التأويلي" التي ابتكرها آست. تعني هذه الفكرة أنّ حياة الفرد تتجلّى في حلقة واسعة هي المجتمع والحضارة والحياة الكلية للمجتمع أو الحضارة تتبدّى في سلوكات وتصورات كل فرد على حدة. التاريخانية ظهرت على إثر هذه الفكرة التي تسلّم بأنّ كل ظاهرة فردية تدرك وتفهم بناءا على سياقها التاريخي.
لكن هذه الفكرة تنطوي على معضلة إبستمولوجية: إذا كانت كل ظاهرة أو حدث يدرك تبعاً لسياقه فإنّ المعطيات لا يمكن تطبيقها على الأحداث الأخرى لأنها وليدة حدث خاص له معاييره ولا يمكن اختزاله.
مشكل التاريخانية هو العلاقة المبهمة بين الفردي والكوني. للخروج من هذا الدور التأويلي، عمدت التاريخانية إلى التفكير في الشروط الموضوعية للمعرفة التاريخية أي التفكير في ميتودولوجيا معرفية همّها المنهج أو طريقة قراءة الأحداث وسبر الوقائع. تستعين التاريخانية بالفيلولوجيا كطريقة في إعادة تأسيس المعرفة بناءا على التشكيلات اللغوية (إشتقاق، مجاز، منطق، الخ). إذا كانت الهيرمينوطيقا في جوهرها فن في الفهم، فإن الفيلولوجيا تعيد تأسيس الظواهر المعرفية والنفسية قصد صياغة هذا الفن. والفهم ليس معرفة أولى أو تأسيسية أو أصلية كما أعلن أوغست بوخ وإنما هو إدراك لما تمّ معرفته مسبقا. النص هو معرفة مركبة لما تمّ معرفته وحصره والفهم هو "معرفة المعرفة" أو إدراك ثانوي لجملة تأويلات ومعارف مبتكرة بآليات فيلولوجية صارمة. في مواجهة المنهج الوصفي والفيلولوجي عند بوخ، يجعل يوهان درويزن من الفهم صُلب المعرفة التاريخية والت يهي ليست مجرّد معالجة فيلولوجية. صحيح أن الفهم في تاريخ الهيرمينوطيقا كان يعني قبل كل شيء إدراك قصدية الذات في العبارة اللغوية. ولكن للعبارة أو النص تاريخ وسياق. لهذا السبب إكتسى الفهم في الدراسات التاريخية أهمية كبرى. هدف درويزن هو رفع العلم التاريخي إلى صرامة ومنهجية العلم الطبيعي. الهمّ الإبستمولوجي عنده هو: لماذا نجحت العلوم الطبيعية (الفيزيائية والرياضية) في تشكيل موضوعها المعرفي بطريقة منهجية وعلمية وأخفقت العلوم الإنسانية (التاريخية والفلسفية) في هذه المحاولة؟ هذا لا يعني أنّ درويزن يريد تطبيق المنهج الطبيعي على الدراسات التاريخية. فهو يقول فقط بأنّ على العلم التاريخي أن يستحدث نموذجه الخاص قصد ضمان إنسجام منهجي محكم. محاولته "الفن والمنهج" (1867) تهدف إلى بناء ما يسمّيه "التاريخي" وهو جملة شروط موضوعية في تشكيل ليس قوانين التاريخ وإنما قوانين المعرفة التاريخية. على إحياء دلالة مطموسة وإنما الكشف عمّا خفي في الماضي من وقائع وأسرار. بهذا المعنى يضحى الفهم التاريخي مجرّد تعريف لما تمّ معرفته في السابق. أكثر من مجرّد همّ معرفي، الفهم التاريخي هو أيضا سلوك خلقي لأنه مقاربة مباشرة لتواريخ محلية تخصّ القانون والأسرة والدين والحاضرة والاقتصاد، الخ. العمل التاريخي مثل وظيفة الطبيب وعالم النفس وموظّف الأمن: ثمة بُعد إيتيكي يشترط الصرامة والمنهجية والبحث. فالمؤرّخ ينتقل من وضعية خاصة وفردية إلى الصورة الإجمالية التي تضفي المعنى على التاريخ كجملة قراءات وتأويلات في السلوك الفردي والجماعي سواء أكان سلوك ماضي مثبّت في النصوص أو الوثائق أو سلوك حاضر في مختلف الميادين الحياتية.
فالمؤرخ ينتقل من وضعية خاصة وفردية إلى الصورة الإجمالية التي تضفي المعنى على التاريخ كجملة قراءات وتأويلات في السلوك الفردي والجماعي سواء أكان سلوك ماضي مثبّت في النصوص أو الوثائق أو سلوك حاضر في مختلف الميادين الحياتية. هذه التواريخ المحلية والواقعية تصنع مفهوم التاريخ بوصفه وعيا ذاتيا لبشرية تنحو صوب غائية أخلاقية: معرفة وفهم الذات. والفهم التاريخي للذات هو عملية معقدة ومستمرة. معرفة نهائية للذات هي مجرّد وهم. لهذا السبب كانت نهاية التاريخ (أو غائية التاريخ) ذات طبيعة تكرارية، تعيد صياغة دلالة تاريخية بشكل مستمر ومنتظم لمختلف الأزمنة والأمكنة.
دلتاي إنطلق هو الآخر من مشكل الفهم التاريخي. إرادته في نقد العقل التاريخي مكنته من تدشين تفكير إبستمولوجي حلو العلوم الإنسانية. إذ كان همّه المعرفي هو إيجاد قاعدة علمية تستند إليها الإنسانيات. وهذه القاعدة تتمثل في التجربة كانعكاس مباشر لبنية الوعي البشري. فالوعي الإنساني المتمثل في العقل هو الذي يفرض أنماطه الصورية وأنظمته القبلية على نظام الأشياء. هذا التنظيم القبلي يصبّ في منبع واحد هو النظام البعدي أي التجربة. ترى هنا تأثير كانطي مباشر على إبستمولوجيا دلتاي التاريخية. لكن سرعان ما تتحوّل علموية دلتاي إلى سيكولوجيا همّها البحث عن الأصول المتعالية للإدراك البشري. وكأنّ الوصول إلى موضوعية العلوم الإنسانية لابد أن يمرّ عبر بنية الوعي الإنساني. في استناده إلى الوعي، يرى دلتاي بروز معضلة الفهم وليس مشكلة التفسير. لأن التفسير يتمتع بمنهج موضوعي قوامه أدوات لغوية ومنطقية وبحث نظرية وصورية، بينما الفهم هو ذو طبيعة نفسية وجوانية. التفسير هو عمليات فردية تفيد التعدد والتشتت بينما الفهم هو وحدة نفسية في إدراك دلالة النص أو مغزى الحياة. فليس غريبا أن تكون مفردة "الفهم" في اشتقاقها اللغوي هي "أخذ شامل وكوني وجماعي com- prendre". فالفهم هو إدراك حياة خاصة أو فردية في ضوء الحياة الاجتماعية المعاشة أي في سياق حدث أو تاريخ. لهذا كان دلتاي يردّد في الغالب "إننا نفسّر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية"، لأن الطبيعة علامات وقوانين والنفس هي وحدة ذهنية وروحية مركبة تدرك ذاتها بشكل حدسي ومباشر. من هذه السيكولوجيا الوصفية استخلص دلتاي مفهوم التجربة المعاشة أي علاقة الوعي بذاته ومحيطه كبنية أولية تمّيز معظم تصوراتنا للوجود وأحكامنا القيمية. وهي التجربة نفسها التي تميّز علاقة العلوم الإنسانية بذاتها وبموضوعها: نوع من التأمل الذاتي في الأصول والمبادئ والغايات، أي شكل من أشكال الحوار مع الذات أو المونولوج. لكن المأزق الذي وقع فيه دلتاي وأشار إليه هايدغر وغادامير هو تأرجحه بين النزوع العلموي في إيجاد قاعدة كونية تستند إليها العلوم الإنسانية وبين تاريخية الفهم الإنساني التي تفيد التناهي والنزوع الذاتوي.

6) الهيرمينوطيقا الفينومينولوجية والوجودية:
مقولات التجربة المعاشة وعالم الحياة النفسية التي وظفها دلتاي في قراءته لظاهرة الفهم وجدت صداها النظري عند إدموند هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا أو الظاهرية. رغم نفوره من القراءات التأويلية للنص لأن التأويل ليس علم صارم وإنما هو إجتهادات فردية بمعية أدوات وتقنيات، قام هو سيرل على الرغم منه بإرساء القواعد الأولية لهيرمينوطيقا فينومينولوجية. لم يكن همّه المعرفي هو تأويل الظواهر وإنما الظواهر ذاتها كما تتبدى للوعي الإنساني. التأويل هو مجرّد تقنية في الوصول إلى جوهر الأشياء أو القصدية المتعالية الكامنة في النص. والفهم بوصفه جوهر التأويل هو الانتقال من العبارة إلى الدافع النفسي أو من الخطاب إلى التساؤل الذي يحركه. هذه المشكلات التأويلية ميزت معظم أعمال هوسيرل رغم تمسكه القوي بالفكر الذي نذر له وهو الفينومينولوجيا. لماذا نفور هوسيرل من التأويل؟ لأن إدراك الأشياء ذاتها هو من نشاط الرؤية وليس الخطاب. الفينومينولوجيا هي رؤية حدسية تستهدف جوهر الشيء بعيدا عن صخب الخطابات والتأويلات التي تحول حول الشيء بشكل "زوبعي" ولا تدركه في الصميم. ما يريد هو سيرل التنبيه عليه هو أن الخطاب حول الشيء لا يعني أننا ندرك هذا الشيء في وهره. لهذا جاءت الرؤية كبُعد معرفي في إدراك غور الأمور. لكن هل تكفي الرؤية وحدها دون لغة تحصرها في قوالب وحروف وتمنحها هكذا الاستمرارية والخلود؟ ما يهّم هو سيرل على وجه الخصوص هو الظاهرة الأصلية كما هي معطاة للرؤية والوعي. وتأويل الظاهرة هو مجرّد بناء على بناءات أخرى تحجب أصالة الظاهرة بقدر ما تبعد الوعي عن جوهر الأشياء. بين الخطاب والظاهرة ثمة فراغات وعتمات تكشف عنها الفينومينولوجيا بتقنياتها التأويلية: الحدس والإرجاع الماهوي والتجربة المعاشة، إلخ. وخصوصا مع مفهوم "القصدية" الذي يشكل صلب الالتحامبين الهيرمينوطيقا والفينومينولوجيا، لأنه يرسي القواعد الأولية لمفهوم أفق المعنى كما يراه أو يدركه الوعي القصدي وينزل مفهوم الذات من عليائه الذاتوية.
على منوال هوسيرل، عمد مارتن هايدغر إلى تفكيك مفهوم الذات والتفكير في الأصول الفينومينولوجية والأنطولوجية لظاهرة الفهم. يخلص إلى نتيجة مفادها أن الوجود الإنساني هو "وجود- مؤوَّل" بمعنى وجود يتجسّد في اللغة، على اعتبار أن التأويلات هي خطابات لغوية وبناءات على ما تمّ تشكيله في اللغة. لهذا السبب يرفض التأمّل الإبستمولوجي حول الفهم الذي افتتحه درويزن ودلتاي معتبرا أن هذا التفكير الفلسفي كان في جوهره تأويل ثانوي وسطحي لمشكل الفهم. الفهم عند هايدغر هو الإحاطة بالشيء ذاته (وهنا يظلّ وفيا للتراث الفينومينولوجي لهوسيرل) وفق نمط في الوجود وليس وفق نمط في المعرفة. أن نفهم الشيء أو النص ليس فقط أن نقتني بشأنه معارف وعلوم وإنما نمارس نوعاً من الفنّ وجمالية في الاستعمال أي تقنية في المقاربة هي في جوهرها حدوس وأذواق وليس مجرد تصورات وإدراكات. المشكل الرئيسي هو كيف أتعامل مع النص وليس كيف أدرك النص بناءا على معارف أمتلكها؟ بتعبير آخر، المستويات الوجودية التي يقيم فيها الوعي الإنساني تتطلب إبتكارات فردية وإمكانات ورؤى وليست مجرّد طرق استعمال أو برامج جاهزة. لهذا يلحّ هايدغر على مفهوم "الهمّ" كأرضية متوارية لكل سلوك بشري. الهمّ الأنطولوجي هو التعامل مع الأشياء والحقائق بوصفها مشاريع وإمكانات وليس كبرامج وخرائط. الفهم هو في جوهره لعبة شطرنج يستدعي الذكاء والحيلة والحذاقة ولا يعتمد على معارف مسبقة أو بيانات جاهزة. قبل هايدغر كانت العملية الفكرية هي أن نفسر أكثر لنفهم أفضل. لكن مع فيلسوف فرايبورغ إنقلبت هذه العملية ليصبح الفهم ذا أولوية مقارنة مع التأويل وهذا الأخير هو مجرد إيضاح الوضعيات الأنطولوجية للفهم. بتعبير رمزي، الفهم هو الوعي داخل أنفاق الوجود المظلمة والتأويل هو المصباح الذي ينير سبيله في طريقه نحو سبق مشاريعه وإمكاناته. التأويل هو مجرد إيضاح أو إنارة لما تمّ تعتيمه في الفهم.
فالفهم ليس مجرد قبض بديهي وسعيد لدلالة النص وإنما يتعثّر أمام الوضعيات الغامضة والمبهمة من القصدية الكامنة في هذا النص. فهو يستعين بالتأويل من أجل رفع الحجب والكثافات التي تحول دون إدراكه لذاته عبر الغيرية المتجسدة في النص. ما يريد هايدغر قوله هو أن الفلسفة عبر كينونتها التأويلية هي إنارة وإيضاح بمعنى تخليص وتحرير. في الظلمة والعتمة نحيا في الظلم والقهر والاستبعاد لأن وجودنا مكبل بسلطة التعتيم والتحوير والاحتكار أو ما يسميه هايدغر "صخب الكائن" أي الشعارات الإيديولوجية والبيانات السياسية التي تبتر الإنسان عن أرضيته الأنطولوجية. لكن في الضوء والرؤية والإنارة، فإننا نحيا في الحرية والإنعتاق ونستطيع بفضل هذه الإنارة التمييز والإفلات من قهر الخطابات والإرادات. باختصار، هيرمينوطيقا هايدغر هي مكينة حرب ضدّ "الاستلاب": ضدّ إستلاب الوعي في كينونته الوجودية. هذا الإستلاب هو في الوقت نفسه من صنع الهوية (أوهام، جنون العظمة، أنانية...) ومن أداء الغيرية (سلطة، قهر، إستعباد..). لهذا جاءت هيرمينوطيقا هايدغر تقنية في "الهدم" بمعنى تفكيك هذه الإستلابات التي تحول الوعي دون تحقيق كينونته وسبق مشاريعه. ينطلق هذا العمل التفكيكي من فكرة مفادها أن الفهم يتجاوز الطبيعة الذرية للغة وإن كان يحيا في قارة المنطق والمنطوق. هدف هايدغر هو إبعاد التشكيلات الصورية (قضايا منطقية، معادلات رياضية..) التي تحول الوعي دون التمفصل مع العالم. وهو السبيل الذي سيسلكه غادامير عندما يرى في اللغة تحقيق فعلي لتناهي الكائن وليس مجرد علامات ألسنية وقضايا منطقية. مجاوزة الطابع الذري والمنطقي للغة هو قراءة ما لم تقله هذه اللغة بمعنى الغوص في الأرضيات التحتية لما تريد التعبير عنه تلميحا ولم تقله تصريحا عبر علاماتها وقضاياها. الكشف عن "إرادة التعبير" في اللغة ذاتها هو من عمل النشاط التأويلي كما يرى هايدغر. في حلقة قادمة سنعود إلى مشكل الفهم والتأويل عند آخر أقطاب الفلسفة التأويلية هانس جيورج غادامير.

___________________

(*) كاتب ومفكر جزائري مقيم في فرنسا.

الحالم
09-16-2007, 01:05 PM
(12)
ظاهريات التأويل قراءة في دلالات المعنى عند بول ريكور

محمد هاشم عبدالله
تمتاز مسيرة الفيلسوف الفرنسي المعاصر؛ بول ريكور (مولود سنة 1913م- ولا يزال حياً) الفلسفية بقدرتها على استيعاب إنجازات الفلسفة المعاصرة في ميدان "التأويل" وتطويعها لإدراك الأعماق البعيدة لآلياته المختلفة، فقد استوعب صاحب المسيرة انجازات الفينومينولوجيا، والبنيوية، والفرويدية وغيرها، واستفاد منها، إلا أنه لم ينقد إلى أي منها انقياداً أعمى، بل كشف عن أوجه قصورها في إضاءة حقل الهرمنوطيقا إضاءة كاملة. والواقع أن نقطة البدء التي اتخذ منها ريكور منطلقاً له نحو إقامة مشروعه الفلسفي تمثلت في "الأنا أفكر" باعتبار أنه هو "الأنا موجود"، ومن أجل هذا عارض كل التأويلات التي استهدفت ردّ اللغة إلى شيء آخر غير حقيقة "الكوجيتو"؛ فعارض على سبيل المثال؛ الفلسفة البنيوية؛ لأنها اهتمت فقط بالتنظيم الشكلي والسياقي للأساطير ولم تهتم ببيان غرض المعنى وثرائه، ولذا فإنها تنجح –في رأيه- كلما كان هناك تنظيم أكبر ومعانٍ أقل، كذلك عارض ريكور معنى التأويل عند فرويد، وذلك في كتاب كامل أفرده لهذا الموضوع، وفيه بيّن كيف اهتم فرويد بكوجيتو مزيف أطلق عليه "اسم النرجسية" ومن ذلك انتهى ريكور إلى أن إذابة "الكوجيتو الزائف" يجب أن يتم قدماً –وفي نفس الوقت- مع شرح "الأنا الحقيقية"؛ والفيلسوف في رأيه هو الذي يقدم المعنى، وهذا المعنى لا يمكن التوصل إليه إلا في آن واحد مع إذابة السراب.

مفهوم التأويل
يذهب ريكور في كتابه "صراع التأويلات" إلى أن مفهوم التأويل قد نشأ في بداية الأمر في إطار النصوص "الدينية" ومن بعدها النصوص "الدنيوية"، وهذا ما شكل –في الواقع- الهرمنوطيقا بوصفها علم قواعد التأويل.
ويحمل النص –في رأيه- معاني مختلفة للمؤوّل الذي لا تواجهه إشكالية المعاني المتعددة إلا عندما يأخذ الكل بنظر الاعتبار حيث تتبين أحداث وشخصيات ومؤسسات وحقائق طبيعية، أو تاريخية تتشكل كنسق كلي، أي كمجموعة دلالية كلية وهذا هو الذي يسمح بتحويل المعنى من "التاريخي" إلى "الروحي"؛ ففي "تعدد المعنى" في تراث العصر الوسيط تتبين المستويات الأربعة لمعاني الكتاب المقدس عبر وحدات نصيّة عريضة1. لكن إشكالية المعنى المتعدد لم تعد اليوم إشكالية التأويل بمعناه "الديني"، أو حتى بمعناه "الدنيوي" فقط، وإنما هي في ذاتها إشكالية ذات طابع يمسّ فروعاً علمية متعددة، وذلك بحكم كونها ظاهرة دلالية تمكّن تعبيراً ما من أن يقول شيئاً، ويعني شيئاَ آخر في آن واحد، وبغير أن تتعطل الدلالة الأولى، وهي الوظيفة "الأليجورية" للغة بالمعنى الحرفي للكلمة (الليجوري Alle- gorie- أي قول شيء عبر قول شيء مغاير)2. ومن هنا رأى ريكور أن تأويل الرسالة لا يتحقق إلا مع النص ككل، كما أن التحليل العلمي "البنيوي" لا يتحقق إلا مع وحدات النص، أي مع جزئياته، وهنا تكمن الإشكالية. "فالتأويل" و "التحليل" – كما يعرّفهما ريكور- لا يتلاحمان لأنهما يعملان على مستويين مختلفين، ففي طريقة "التحليل" تنكشف عناصر الدلالة قبل أن تكون لها علاقة بما يقال. وفي طريقة "التأويل" التي تعتمد على "التركيب" أو "التأليف" Synthese تنكشف وظيفة الدلالة التي هي "البلاغ" وفي آخر الأمر "الكشف"3. ويشير ريكور في هذا الصدد إلى أنه "لا توجد نظرية عامة أو قانون واحد للتأويل؛ بل توجد نظريات متعددة ومتصارعة"4. فالتأويل الفينومنولوجي في بُعده الوجودي في صراع مع التأويل الفرويدي، والبنيوي، والماركسي، والنيتشوي...، وهكذا.
والواقع أن دلالات التأويل عند ريكور قد اختلفت باختلاف توجهاته الفكرية. فنجده في بداية اهتمامه "بالرمزية" يشير إليه باعتباره "علم قواعد فك الشفرات الخاصة بلغة الرموز الدينية"5. ونجده في فترة اهتمامه بالبنيوية، والفرويدية يركز على العلاقات الجدلية بين مختلف التأويلات؛ أما في الفترة الأخيرة التي اهتم فيها فقط "بتأويل النصوص"؛ فنجده يعلن عن أن نوع التأويل الذي يدعمه ويرعاه يبدأ من معرفة المعنى الموضوعي للنص المستخلص بجلاء من القصد الذاتي للمؤلف. وهذا المعنى الموضوعي ليس شيئاً مختفياً في النص، ولكنه شفرة موجهّة إلى القارئ. فالتأويل عبارة عن نوع من "الطاعة" لما يطبعه فينا النص، وما يوحي به إلينا، ولهذا فإن مفهوم "الدائرة التأويلة" لا يتجاوز حدود هذا التحول في نطاق التأويل. إنه علاقة "بين ذاته" Inter- Subjectivite، تربط "ذاتية المؤلف" "بذاتية القارئ". أو بمعنى أصح: "خطاب النص" "بخطاب التأويل" ربطاً جدلياً يحيل كلاً منهما إلى الآخر، وإلى أفقه الخاص به، وذلك على نحو ما ذهب "جاداما Gadamer" الذي وجّه مسار تفكيري- هكذا يقول ريكور- بأن جعلني أحل السؤال: ماذا يعني تأويل النص؟ محل السؤال الذي كنت أطرحه دوماً في أعمالي السابقة، وأحاول الإجابة عليه في كل واحد منها تقريباً وأعني به: ماذا يعني تأويل اللغة الرمزية؟ ولقد كان للبنيوية فضل كبير في توجيه هذا المسار. والواقع أن هذا التحول الذي تم داخل الهرمنوطيقا والذي بموجبه انتقلت من كونها مجرد اتجاه رومانطيقي يعتمد بالدرجة الأولى على "المزاجية" في معالجة مشكلات التأويل، إلى كونها اتجاهاً أكثر موضوعية وانضباطاً في الممارسة والتعبير إنما يعد في الحقيقة بمثابة المحصلة والثمرة لهذه المرحلة الطويلة مع البنيويـة6.
والواقع أننا نود أن نشير إلى أن ريكور لم يهتم بتنظيم التأويل في خطوات واضحة وآليات محددة كما فعل "شليرماخر"، و"دلتاي"، و"جاداما"، و"حسن حنفي"، وإنما اندفع إلى ممارسته بشكل علمي، فأعطى من خلاله وفي ضوئه، قراءة شمولية لأهم تيـارات الفلسفة المعاصرة، فقام بتأويل خطاباتهم الفلسفية، ومن ثم كتـب "تناصــا" Inter-textu alite على نصوصها الأصلية، وأعني "بالتناص" هنا: وضع النص لنفسه في علاقة تفاعلية مع نصوص أخرى مختلفة. وقد جاء هذا التناص تأويلياً، ومن هنا يمكن القول بأن ريكور قد استخدم المفاهيم والابستيمات الخاصة بتلك المذاهب كمراجع تأويلية لبعضها البعض. والحق أن التـأويل عند ريكور يستمد شرعيته ومبرر وجوده من واقع "الفكر التأملي"، ومن منطق "ثنائية المعنى"، وهذا المنطق لا يعد في الحقيقة منطقاً صورياً، وإنما هو منطق متعالٍ يؤسس نفسه في نطاق الشروط الملائمة لرغبتنا في أن نكون، وليس في نطاق الشروط التي تؤسس "موضوعية" العلوم الطبيعية. وفي إطار هذا المعنى الخاص بمنطق "ثنائية المعنى" يمكن وصف التأويل بأنه تأويل متعال. ومن هنا ذهب ريكور إلى أن التأمل وحده هو القادر على تبرير "السيمانطيقا" الخاصة "بثنائية المعنى". أما فيما يتعلق بهدف التأويل عنده فيتمثل في غزو المسافة بين العصر الذي ينتمي إليه النص وبين المؤوّل نفسه، ويتم ذلك في رأيه بأن يجعل المؤول نفسه معاصراً للنص بقدر الإمكان حتى يمكنه أن يحدد معناه، وأن يجعل ما هو غريب فيه مألوفاً لديه ولدى القارئ، وبذلك يتم نمو فهم المؤول الخاص لذاته من خلال فهمه للنص، وللعصر الذي كتب فيه. وهكذا يمكننا القول بأن كل تأويل يعد بشكل جلي أو ضمني، فهماً ذاتياً يتم عن طريق وسائل "فهم الآخرين" والحق أننا كما يقول ريكور لا نعرف أي شيء مقدما، أو بصورة مسبقة وإنما بصورة بعدية لاحقة وذلك على الرغم من أن "رغبتنا في فهم أنفسنا" هي التي تقودنا وتدفعنا إلى تلك المعرفة.
وبناء على ذلك ذهب ريكور إلى أن "تأويل النص" لا يحصرنا في مدار عالم المعنى المغلق المثالي، وإنما يجعلنا ننفتح على عالم الوجود المعاش. ويرجع السبب في ذلك إلى أن اللغة عنده تعكس كل ما كان موجوداً قبل النص فهي ليست مجرد انعكاس للكينونة، وإنما هي علاقة شاملة تشكل علاقتي بالعالم أجمع . إنها اللعبة التي نتشارك فيها جمعياً ولا نجد سواها متنفساً للتعبير عن أنفسنا، وبناءً عليه يصبح فعل التأويل بمثابة السبيل إلى إعادة صيرورة الخلق التي أدت إلى وجود مؤلف النص، لكن ليس بغرض فهم هذا المؤلف في حد ذاته وإنما بغرض الوصول إلى التجارب والظروف المعاشة التي تسبق لغة النص المؤلَّف. وهذا النص المؤلف نفسه لا يجد اكتماله إلا داخل الذات المؤوّلة. وقد رأى ريكور أن هذا الفهم لعلاقة النص برؤية الذات هو الذي يحقق الترابط والتكامل بين الهرمنوطيقا ككل وبين "فلسفة التأمل الذاتي" فمن جهة أولى يمر فهم الذات عبر فهم رموز الثقافة التي تتوثق الذات داخلها وتتكون. ومن جهة أخرى لم يعد فهم النص يمثل غاية في ذاته، بل أصبح يتوسط علاقة الذات بنفسها، تلك الذات التي لن تستطيع أن تجد معنى حياتها الخاصة داخل التأمل الذاتي المباشر، بل عن طريق الرموز والعلاقات والآثار الثقافية المكتوبة في نصوص مختلفة.
وعند هذه الحدود تكون الوظيفة النقدية للتأويل قد لامست بدورها حدود المستوى السيمانطيقي الخالص، ذلك المستوى الذي تظهر حسناته أمامنا بوضوح على النحو التالي:
أولاً : يجعل المنحى السيمانطيقي التأويل في اتصال دائم مع المناهج كما تمارس في حقل التطبيق، ومن ثم لا يقوم بمخاطرة فصل مفهوم"الحقيقة" عن مفهوم "المنهج".
ثانياً : يؤكد المنحى السيمانطيقي عملية توطيد التأويل داخل نطاق الفينومنولوجيا، كما تؤكد الفينومنولوجيا نفسها في إطار التأويل بواسطة نظرية المعنى وذلك على نحو ما تطورت في كتاب هوسرل "بحوث منطقية"، ومعلوم لدينا أن هوسرل لم يقبل إطلاقاً فكرة إمكانية "تعدد المعنى" إذ استبعدها تماماً في المبحث الأول من كتابه آنف الذكر. والحقيقة أن هذا هو السبب في أن فينومنولوجيا بحوث منطقية ليست فينومنولوجيا تأويلية، فإذا أردنا أن ننطلق من هوسرل كما يقول ريكور فإن ذلك سيكون في الواقع في إطار نظريته الخاصة بالتعبيرات الدالة حيث يبدأ الانحراف عن نظرية المعنى الواحد، وتبدأ نظريته في فينومنولوجيا "العالم المعاش" Lebenswelt.
ثالثاً: وأخيراً، يمكن القول بأنه عن طريق نقل المناقشة إلى مستوى اللغة، فإن الشعور بالوقوف مع "فلسفات الحياة" و "التجربة الحية" على أرض واحدة يصبح مؤكداً. وبالطبع فإن سيمانطيقا التعبيرات المتعددة تقف ضد النظريات الميتالغوية التي تأمل في أن تعيد صنع اللغة الوجودية طبقاً لنماذج مثالية، والتعارض هنا في الحقيقة قاطع بالنظر إلى نظرية هوسرل المثالية في آحادية المعنى Univoque. وعلى الناحية الأخرى يدخل هذا المستوى السيمانطيقي المتعلق بالمعاني المتعددة Multivoque في حوار خصب مع المذاهب التي ارتفع شأنها منذ كتاب "فتجنشتاين" "بحوث فلسفية" ومنذ تحليل اللغة العادية في الأقطار الأنجلوسكسونية إنه – أي هذا المستوى السيمانطيقي- يعيد ربط التأويل العام بالأعمال السابقة المتعلقة بالتأويلات الحديثة للكتاب المقدس التي يعدّ "بولتمان" ومدرسته (مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية) آباء روحيين لها. ويرى ريكور في هذا الخصوص أن هذا التأويل العام يعد بمثابة مساهمة كبيرة تصب في تلك النوعية من "فلسفة اللغة" التي نفتقر إليها اليوم. فبعد أن امتلكنا في عصرنا الراهن علوم المنطق الرمزي، والتأويل، والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي أصبحنا قادرين ربما ولأول مرة على تطويق المشكلة المتعلقة بضرورة تكامل الخطاب الإنساني. والواقع أن التقدم في هذه النظمة المتباينة وإن كان يبدو جلياً إلا أنه يعمل من زاوية أخرى على تشويش هذا الخطاب بسبب الطبيعة الصراعية التي تحكم علاقة هذه الأنظمة ببعضها البعض. والحق أن وحدة الكلام الإنساني تعدّ فيما يقول ريكور مشكلة المشكلات اليوم.
ومن هذا المنطلق، فإنه يمكننا القول بأن مهمة فلسفة التأويل ستظل منحضرة في اكتشاف النماذج الكثيرة المعتتمدة على الذات (أي المعتمدة على الرغبة الموحية بالحفر وراء الموضوع أو المعتمدة على الروح الموحية بالغائية أو المعتمدة أخيراً على"المقدس" الموحي بالآخرة). والحق أنه من خلال تطوير هذه الأركيولوجيا وتلك الغائية بالإضافة إلى ما يتعلق بشؤون الآخرة يمكن للتأويل في إطار ذلك كله أن يتجاوز نفسه باستمرار .
والواقع أنه يمكننا القول في نهاية هذا العرض بأنه إذا كان ريكور قد رأى أن التأويل قد وضع منذ "دلتاي" في بُعد التاريخ والعلوم الإنسانية، فإن الموجود البشري قد صار بموجب ذلك كائناً تاريخانياً. واصبحت مهمة التأويل بموجب ذلك أيضاً منصبة على دراسة العلاقة بين "المعنى" و "الذات" وذلك من خلال الفهم الأونطولوجي لهما. ولا يوجد فهم على ذلك النحو كما يقول ريكور إلا في إطار توسط الرموز والنصوص، بين الوعي والعالم.
وهكذا على هذا النحو تعد الأونطولوجيا في نظر ريكور بمثابة "أرض الميعاد" بالنسبة للفلسفة التي تتخذ من تأمل اللغة نقطة انطلاق لها. ولكن مثلما حدث للنبي موسى من قبل فإن موضوع "الكلام" و "التأمل" يمكنه أن يوحي بهذه الأرض قبل الموت وقبل الامتلاك الحقيقي لها.
هذه هي مجمل الدلالات التي يمكن إنتاجها من معنى التأويل في إطار الظاهريات عند ريكور، وهي دلالات توحي بكل قوة بالسؤال الذي يطرح نفسه الآن في محيط ثقافتنا العربية الإسلامية في بُعديها: "المعاصر" و "الموروث" ويتمثل في الصيغة الآتية: كيف يمكننا من خلال شروط معرفية صحيحة الانتقال من "فقه النص" إلى "فقه الواقع"؟ وهو سؤال أعتقد أنه سيظل قائماً لآماد طويلة رغم تعدد الإجابات عليها وتنوعها، ويرجع السبب في ذلك بكل بساطة إلى أنه يمثل سؤال كل عصر، وتحدي كل جيل.

________________

* كاتب وباحث من مصــر.
1 - يشير ريكور هنا إلى المستويات الأربعة من المعنى التي بلورها القديس توما الإكويني، والتي تبناها دانتي فيما بعد في نقده الأدبي هي:
1- المعنى الحرفي أو التاريخي.
2- المعنى الرمزي أو الآلليجوري Allegorie..
3- المعنى الأخلاقي.
4- المعنى الصوفي.
2 - تجمع كلمة "الليجوري Allegorie" بين Allos- مغاير، و Agoreuein – يتكلم.
Ricoeur (P), “Le Problem du double – sens comme Problem hermeneutiqueet come Probleme semantique dans”, le conflit des interpretations, p.p, 65-66.
3 - Ibid, p.65.
4 - Ibid, p.313.
5 - Ricoeur (p), “La Symboique du Mal, p.10.
6- Ricoeur (p), From existentialism to Philosophy of language, USA, criterion spring, 1971, 17-18..


المراجع

1- Karl Jaspers et la Philosophic de l’existence, Paris, le Seuil, 1947.
2- Gabriel Marcel et Karl Jaspers Paris, Editions du Temps Present, 1948.
3- Philosophie de la Volonte (Le Volontaire et l’ involontaire), Paris, Aubier, 1950.
4- Histoire et Verite, Paris, Le Seuil, 1955.
5- Personne et Amour, Paris, Le Seuil, 1956.
6- Finitude et Culpabilite: L’ Homme Faillible, Paris, Aubier, 1960.
La Symbolique du Mal, Paris, Aubier, 1960.
7- De l’Interpretation, Essai Sur Freud, Le Seuil, 1965.
8- Le congflit des interpretations Essai d’Hermeneutique, Paris, Le Seuil, 1969.
9- La Metaphor Vive, Paris, Le Seuil, 1975.
10- Temps et Recit, 3 Vol. Paris, Le Seuil, I-1983, II-1984, III-1985.
11- Du Texte a l’ Action, Paris, Le Seuil, 1986.
12- A I’Ecole de la Phenomenologie, Paris, Vrin, 1987.
13- Idees directrices Pour une Phenomenologie, (Par Hussrel), Paris, Gallimard, 1950.
14- The Religious Significance of Atheism, With Alasdair Macintyre, USA, New York, Columbia University Press, 1969.
15- Political and Social Essays, collected and edited by Stewart (D), Athens: Ohio University Press, 1974.
16- Biblical Hermeneutics, Semeia4, Edited by Dominic crossan, Missoula, Montana: Scholars Press, 1976.
17- Interpretations theory: Discourse and the Surplus of Meaning, Fort worth, The Texas Christian University Press, 1976.
18- L’Unite de Volontaire et l’involontaire comme une idee limitee, Paris, Bulletin de la Societe Francaise de Phoilosophie, (45), 1951.
19- Symbolique et Termporalite Dans Hermeneutique et tradictions, Paris, Vrin, 1963.
20- Cahiers internationaux de Symbolisme, Nombreux articles de Ricoeur, dans Esprit, Juillet, 1963, Mail, 1967.
21- Exegese Hermeneutique, Paris, Le Seuil, 1971.
22- Les cultures et le temps, Paris, le Press de l’Unesco, 1975.
23- Expliquer et comprendre, Revue Philosophique de louvain, No. 75, 1977.
24- Phenomenology, Ontology and Metaphysics, Review of Metaphysics, USA, 1968, Vol, XII, No.1.
25- Notes on the history of Philosophy, and Sociology of Knowledge, USA, Boston, 1970.
26- From Existentialism to Phislosophy of language, USA, Criterion No. 10, Spring, 1971.

الحالم
09-16-2007, 01:10 PM
(13)

صورة أوربا عند رحالة أندلسيين

شمس الدين الكيلاني

لم تقتصر الرحلات العربية إلى أوربا، على تلك الرحلات والسفارات المنطلقة من أراضي الخلافة العباسية في المشرق، بل كان هناك ما يماثلها من رحلات انطلقت من بلاد الأندلس الخاضعة آنذاك لحكم الأمويين، فقد أقام الخلفاء الأمويون صلات مستمرة مع البيزنطيين خصوم منافسيهم العباسيين، وتبادلوا الرسل والسفارات، حيث جاءت السفارات من القسطنطينية إلى قرطبة حاضرة الأندلس الأموية، يطلبون ود الأمويين للضغط على خصومهم المشتركين الفرنجة خاصة في عهد شارلمان، وبلغت العلاقات السياسية أوجها بين القسطنطينية وقرطبة في عهد الإمبراطور قسطنطين السابع والخليفة الأموي الكبير عبد الرحمن الناصر الذي كان ملكه في غاية الضخامة ورفعة الشأن، فقد طلب مهادنته وبادله الهدايا والرسائل الكثير من ملوك الروم والإفرنج و"المجوس"، ومن جملتهم صاحب القسطنطينية الذي هاداه ورغب في مودته(1).
وفي صفر سنة 338هـ-949م وصلت سفارة الإمبراطور قسطنطين السابع إلى الأندلس، فاستقبلت استقبالاً حافلاً في بلاط عبد الرحمن الناصر، بالمقابل بادله عبد الرحمن الناصر السفارة؛ ولم تقتصر علاقات الأندلس الأموية على القسطنطينية أو بلاد الفرنجة، بلاد الغال، أرض فرنسا فحسب، وإنما امتد نشاطها الدبلوماسي إلى الجزر البريطانية والجزر المجاورة، وبعد أن استوطنتها شعوب الشمال (النورماندية) المهاجرة، فظهروا على المسرح السياسي الأوربي، وأحدثت هجماتهم المفاجئة لجيرانهم الذعر في النفوس، وتعددت إغاراتهم، فلم تقتصر على المدن الساحلية الخاوية، إنما امتدت إلى المدن الداخلية فضغطوا على الفرنجة، حتى وصلت غاراتهم إلى باريس وغيرها من جهات غرب أوربا، ثم امتدت إلى أن وصلت إلى بلاد الأندلس، بعد أن صارت هدفاً لهم، وساعدهم على ذلك استعانتهم بالأنهار، فكان أول هجوم للنورمان على بلاد الأندلس سنة 230هـ-844م، بطريقة مباغتة أذهلت الأندلسيين العرب الذين لم يعرفوا عن النورمان شيئاً من قبل، وقد سموهم لاحقاً باسم "المجوس" وهي تسمية أطلقها العرب المسلمون على عبدة النار، وذلك لأن النورمان كانوا آنذاك وثنيين لم يعتنقوا المسيحية، يشعلون النار أينما ذهبوا(2).
وصارت إشبيلية وقادش وقرطبة هدفاً لهم، بسبب ما اشتهرت به تلك المدن من غنى، فوصلوا إلى إشبيلية حيث انتشرت سفنهم بأشرعتها السود في مجرى النهر، وانتشروا في ضواحي المدينة ونهبوها، وبالنهاية نجحت خطة الأندلسيين العرب في تحطيم سفن النورمان أثناء عودتهم من إشبيلية، وانتهى الأمر بينهما بالصلح وتبادل الأسرى، واضطر النورمان إلى التوقف عن الإغارة على الأندلس، وقد تمخض عن تلك الغارة ازدياد الدبلوماسية الأندلسية إلى أن امتدت إلى الجزر البريطانية التي غدت مركز النورمان، وتطلعوا إلى معرفة أحوال النورمان وأوضاعهم، وإلى تهدئة الأمور معهم، بالمقابل فقد أدرك النورمان مدى قوة العرب الأندلسيين، وكان ملكهم آنذاك اسمه تورجايوس ويقيم في شمال إيرلندا التي اتخذها مقراً يدير منها سائر شؤون الجزر البريطانية، فأرسل سفارة إلى أمير الأندلس (عبد الرحمن الأوسط) عقب إخفاق غارته، فتلقاها الأمير الأندلسي بالترحاب عله يتجنب مخاطرهم، وليستعين بهم ضد دولة الفرنجة في بلاد الغال (فرنسا)(3).
بالمقابل أعدَّ الأمير عبد الرحمن سفارة لترافق سفارة النورمان أثناء عودتها لعقد الصلح، فانتدب لسفارته يحيى الغزال الذي اشتهر بـ"حكيم الأندلس وشاعرها".
سفارة الغزال إلى بلاد النورمانديين (845م):
ولعل أقدم الرحلات الرسمية المحفوظة لنا بعض أخبارها عن طريق آخرين، ولم تدوَّن عن طريق صاحبها، هي رحلة سفارة يحيى بن الحكم البكري (153-250هـ/ 770-864م) الملقب بالغزال لجماله، بعثه عبد الرحمن بن الحكم أمير قرطبة سفيراً مرتين: أولها إلى القسطنطينية ضمن وفد لعقد معاهدة صلح مع الإمبراطور توفيل؛ والثانية إلى الشمال إلى جتلاند Jutland، فيما يبدو لمفاوضة النورمان الذين كانوا قد أغاروا -كما ذكرنا- على الأندلس ونهبوا إشبيلية، وقد حفظ ابن دحية والمقري، وغيرهما من مؤرخي الأندلس بعض أخبار هاتين السفارتين، كما أشار إليهما الغزال نفسه في بعض شعره(4). ولقد حفظ لنا أخبار سفارته إلى القسطنطينية ابن دحية مؤرخ الأندلس في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي. أما الرحلة الثانية فيرويها لنا في القرن السابع عشر الميلادي المقري في (نفح الطيب).
ينحدر الغزّال من أسرة عربية عريقة، وكان معروفاً بعلمه الواسع وبإتقانه لعدة لغات، وبشهرته كشاعر كبير، ويذكر المقري عن ابن حيان قوله عن الغزال في "المقتبس": "كان الغزال حكيم الأندلس، وشاعرها، وعرّافها"(5)، وهو ما جعل الأمير عبد الرحمن يقع اختياره عليه، لإرساله إلى ملك النورمان، حاملاً رسالته إليه مصاحباً سفارة ملك النورمان في طريق عودتها من رحلتها إلى أمير الأندلس، ففي أواخر صيف سنة 845م أوائل سنة 221هـ حمَّل الأمير عبد الرحمن مركباً بالهدايا إلى ملك النورمان، كما حمَّل الغزّال خطاباً إلى ذلك الملك في جوتلند، وكان عمر الغزال عندما أرسِل إلى ملك المجوس قد قارب الخمسين، وقد وخَطه الشيب(6).
وبعد أن غادر الغزّال أرض الأندلس (إسبانيا) ودخل بحر المانش هاج ذلك البحر، وهم في شهر سبتمبر فقاسى الغزال كثيراً من دوار البحر، وتولاه الفزع على صحبه(7)، كما يقول ابن دحية "فلما حاذوا الطرف الأعظم الداخل في البحر الذي هو حدّ الأندلس في آخر الغرب، وهو الجبل المعروف بألويه، هاج عليهم البحر، وعصفت بهم ريح شديدة، وصلوا في المد الذي وصفه الغزال في قوله:
قــال لي يحــيــى وصر نــا بين مـوج كالجبال
وتـولـّـتـنـا ريــــــــاح من دبــــور وشـــمال
شــــقّت القلعين وانــ ـبتّت عرا تلك الحبـال
وتمـطى ملك الـمـــو ت إلـيـنـا عن حـيـال"(8)
وبعد تلك الرحلة البحرية الشاقة وصلت سفينة الغزال وسفينة النورمان إلى إحدى الجزر الصغيرة الغربية من إيرلندا، فأقاموا فيها أياماً، وأصلحوا مراكبهم، ثم تقدّمت سفينة النورمان إلى مقر الملك لتخبره بوصول سفارة المسلمين، وكما يروي ابن دحية عن الغزال: "وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسُر بذلك"(9) وسمح الملك للوفد بالقدوم، فمشوا إلى مستقر ملكه، ونزلوا في جزيرته، ولقد كان ذلك قبل مائة عام من اعتناقهم المسيحية(10)، فوصف الغزال تلك الجزيرة، مع أهلها المجوس، فيقول: "وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطّردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم"(11). ثم يتحدث عن جوارهم البعيدين عنهم مسيرة عشرة أيام في البر، الذين كانوا مجوس ثم تحولوا إلى المسيحية، إلا بعضهم بقي على المجوسية كما هم أهل جوتلند، يقاتلون القبائل المسيحية، فنرى بكل وضوح تفضيل الغزال للمسيحيين على المجوس دينياً، فهم حسب عقيدة الإسلام (أهل كتاب)، ولا يبيحون لأنفسهم (الحرام) كما يبيحه المجوس، وهذا ما يظهر بوضوح في وصفه لمحال الجزيرة ولأهلها ولجيرانهم، وما يقاربهم من المسيحيين حين يقول: "وما يليهم من البر لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار ... إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر، هم على دينهم الأول من عبادة النار"، ويعرف الغزال من قبل ككل عربي مسلم أن المجوسية متخففة من القيود الأخلاقية، ويفتقرون إلى (الحرمات) التي اعتادها الغزال في ثقافته، مثلهم في ذلك مثل النساء الشماليات المجوس كالتركيات، والصقالبيات، والبلغاريات، إذ ترتبط هذه الحرية بالوثنية التي لا تلزم المرأة بالارتباط برجل واحد جنسياً، وهو ما يجد تأييده لديهم في مشاهداتهم، فيقول الغزال: "هم على دينهم الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار"(12).
بعد هذا يواجه الغزال موقفين خطيرين: أولهما يتعلق بمدى تمسكه بمهابة الدولة والأمة اللتان يمثلهما، وباختيار عقيدته التي لا تبيح له أن يسجد لغير الله، فقد اشترط الغزال على الملك، منذ البداية، ألا يطلب منه شيئاً يُخرجه عن تقاليده العربية الإسلامية، أو يتنافى مع تعاليم دينه، لهذا اشترط الغزال على الملك "ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهم، فأجابهم إلى ذلك"، إلا أن الملك أراد أن يحتال على الغزال، وذلك بأن يجعله يضطر، بطريقة ملتوية، ليسجد إليه، إذ دعاه ورفيقه ليدخلا إليه، وأمرهما بالدخول في مدخل "يضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً"، فما كان من الغزال إلا أن احتال على الأمر "فجلس على الأرض وقدَّم رجليه وزحف على إليته زحفاً، فلما جاز الباب استوى واقفاً"، وكان الملك قد هيئ صالونه بالسلاح والزينة الكاملة "فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمَّه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع"(13).
فكان الغزال حريصاً على إظهار مهابته كممثل لأمة الإسلام، بقدر حرصه على إظهار عقيدته في التوحيد الإسلامي، حتى أمام ملك مجوسي، فما كان بالملك الذي فسَّر له المترجم كلام الغزال إلا أن عبر عن إعجابه به، وبما يمثله ويرمز إليه من حضارة العرب المسلمين، فقال الملك: "هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم"، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول وتجاوزه لاختبار إذلاله، إذ قال الملك "أردنا أن نذله، فقابلنا وهو هنا بنعليه، ولولا أنه رسول لأنكرنا ذلك عليه"(14). وقدّم الغزال كتاب أميره إلى الملك، فاستحسن الملك الرسالة بعد أن عرف معناها، كما أعجب بهدية أمير الأندلس المشتملة على "الثياب والأواني"(15)، وخصص للغزال ورفاقه منزلاً يقيمون به، ووسع الجراية عليهم، ويروي لنا الغزال كيف أثبت تفوقه في كل المجالات هناك، إذ كان له مجالس مذكورة، وجادل علماءهم "فبكّتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم" وكل هذا دلال على تفوق حضارته، وعز مكانتها.
أما الموقف الثاني الذي واجهه الغزال، فهو يتصل بعلاقته الغامضة الطريفة مع زوجة الملك، الذي أثار إعجابها وحبها، وأثارت حبه وإعجابه، وهو الشاعر الرقيق القلب، إلا أن هذه العلاقة كشفت تباعد قيم المرجعيتين الثقافيتين: ثقافته وثقافة أوربا الشمالية المجوسية، فكان لقاء يتخلله مفاجآت وفجوات بين مرجعيتين للقيم. إذ لما سمعت زوجة ملك المجوس بذكر الغزال، وتفوقه، دعته لتراه، فلما دخل إليها سلَّم ثم شخَّص فيها طويلاً بإعجاب، فسألته عن طريق الترجمان عن سبب إدمان نظره، ألفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: "ما هو إلاَّ أني لم أتوهم (=أتصور) أن في العالم منظراً مثل هذا ... لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه أحد إلا الشعراء، وإن أحبت الملكة أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروى في جميع بلادنا، فعلت ذلك"، فسرَّت الملكة بذلك سروراً عظيماً "وأمرت له بصلة" (أي هدية) لكنه رفضها، فسألته عن طريق الترجمان: لِمَ لا يقبل صلتي؟ ألأنه حقّرها أم لأنه حقرني؟ فقال الغزال: "إن صلتها لجزيلة وإن الأخذ منها لتشرّف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها عليَّ، فحسبي بذلك صلة" فازدادت سروراً وعجباً، وأمرت أن يتصل بها "ومتى أحب أن يأتيني زائراً فلا يُحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة"(16).
ويروي تمام بن علقمة عن الغزال قوله عن الملكة "لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبّتها، ونلتُ منها فوق ما أردت"(17). ويروي الغزال أن زوجة ملك المجوس وتدعى (نود) أولعت به، فكانت لا تصبر عنه يوماً حتى توجّه فيه (أي تستدعيه) ويقيم عندها يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. وسألته يوماً، وقد وخطه الشيب، عن سنه، فقال لها مداعباً: عشرين سنة، فقالت له عن طريق الترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون به هذا الشيب؟ فقال لها: وما تنكُّر الملكة من هذا؟ ألم تر مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت (نود) وأعجبت بقوله، فقال في ذلك الغزال:
كلـفـت يــا قـلبي هوى متـعـبـا غـالــبــت منه الضـيغم الأغـلـبــا
إني تـعـلـقـت مـجـوســــــــيـة تأبى لشـمــس الحسـن أن تغربــا
أقـصــى بلاد الله لي حـيـث لا يلقى إليـهـا ذاهـب مذهـبــــــــا
يا نـود يا ورد الـشـــبـاب التي تـطـلـع من أزرارها الكوكـبــــا
يأبى الشـــخص الذي لا أرى أحـلـى على قلبي ولا أعــذبــــا
إن قـلـت يومـاً إن عيـني رأت مشــبـهـه لم أعـد أن أكـذبــــا
قالت أرى فـوديـــه قد نــورا دعـابـــة تـوجـب أن أدعـبــــا
قـلـت لـهـا: مـا بـالــــه إنــه قد ينتج المهر كراً أشــــــهـبــا
فاستضحكت عجباً بقولي لها وإنمـا قـلــت لكي تـعـجـبـــــا(18)
فازداد تعلق (نود) به، فقلما انصرف يوماً من عندها إلا اتبعته بهدية تلطفه بها من ثياب أو طعام أو طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذروه من عقابيل حبه، فتقاعس عند ذلك عن زيارتها، فباحثته عن ذلك، فصارحها بمخاوفه من نتيجة اتصالهما ببعضهما، فما كان إلا أن تبين تغاير أخلاقهم عن أخلاق النورمان المجوس، وقيمهما ... ولا سيما فيما يخص العلاقة بين الرجل والمرأة، وتخفّف المرأة عندهم من الضوابط التي ألفها الغزال في بلاد الإسلام، فعندما صارحها بخشيته عليها وعلى نفسه من انكشاف حبهما "ضحكت" مستهينة بالأمر، وقالت له: "ليس في ديننا نحن هذا (=أي تحريم للعلاقة الجنسية خارج المؤسسة الزوجية) ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرأة معه (=أي الرجل) ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأن عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومية (=المسيحية)، ألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعّير بذلك"(19). ولما سمع الغزال من قولها عادت لقاءاته بها، ثم انفصل الغزال عنها لاضطراره للرحيل إلى بلاده، بعد أن أقام في بلاد النورمان شهرين، رجع ليحدثنا عن تجربته العاطفية، وليعطينا صورة عن حال النورمان في الفترة قبل المسيحية، وليضيء لنا ولغيرنا وصفاً إثنوغرافياً للحالة الدينية والاجتماعية، وما يجاورهم بما يتضمنه ذلك من عادات وسلوك اجتماعي ودين وطقوس، في ظروف لاتزال غامضة من تاريخ الجزر البريطانية والإيرلندية والاسكندنافية ماقبل المسيحية، ولعل إقامته في جوتلند قد امتدت أكثر من ثلاثة أشهر، ودامت رحلته ذهاباً وإياباً مايقارب العشرين شهراً.
رحلة إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي في عام (354هـ-965م):
أرسل خليفة الأندلس في قرطبة في عام 354هـ-965م، إبراهيم بن يعقوب الطرطوشي في سفارة إلى أوتو Otto في مجديبرج Magdeborg، فخرج من الأندلس (إسبانيا) وسار في محاذاة المحيط الأطلسي وبحر الشمال، ماراً على بوردو وروان وأترخت، ثم عبر ثلزفيج إلى بادربورن، وسست، وفلدا إلى ماينز. وكان إبراهيم عالماً يهودياً أندلسياً أو ابناً للثقافة العربية الإسلامية، اشتغل بتجارة الرقيق، وقد أورد معلومات واسعة عن إمارات الصقالبة في أوربا الوسطى، وتفاصيل وافية عن المدن الساحلية والغربية من الساحل الفرنسي والهولندي والألماني، وتحدث عن بلغاريا وبولندا وشيكوسلوفاكيا، وإمارة ناكون الأبدريني(20).
والطرطوشي لم يكن تاجراً فحسب، بل كان من المولعين باقتناء الكتب، وخبيراً ماهراً بأنحاء إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلاد الصقالبة الغربيين، وكان شخصاً دقيق الملاحظة؛ أما وصف رحلته فلم يبق منه سوى شذرات عُرفت منها الأقسام الخاصة بألمانيا والصقالبة/ السلاف، وهي التي حفظها لنا البكري والقزويني والعذري، وانتقلت منهم إلى مؤلفين آخرين فيما بعد، مثل ابن سعيد الغرناطي وأبو الفداء والدمشقي(21).
ولعل العلاقات الناشئة بين أمير قرطبة وأوتو الأكبر رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة هي التي هيأت الظروف والأغراض لرحلة الطرطوشي هذه. فلقد تبادل عبد الرحمن الناصر الأموي الأندلسي الرسائل مع أوتو الأكبر (936-973م) "ملك الصقالبة" إمبراطور ألمانيا الذي أصبح عام 962م إمبراطوراً للدولة الرومانية المقدسة، حيث أرسل أوتو سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، بهدف وقف إغارات بعض القبائل العربية على مملكة البروفانس، بالمقابل فإن عبد الرحمن الناصر أرسل إلى أوتو سفارات لإنشاء علاقات سياسية بينهما، وكانت إحدى تلك السفارات برئاسة أسقف أندلسي، مزوداً بكتاب باللغة العربية، احتوى على نقاش حول التثليث، وقد وافت المنية هذا الأسقف وهو في الطريق، وقيل أن أوتو اعتبر هذه المناقشة للتثليث إهانة له، فأساء معاملة المبعوثين، وبعد قليل أرسل أوتو رسولاً برئاسة جان دي جورتزا Jean De Gorza الذي وصل قرطبة سنة 345هـ-956م، ولكن كتابه تعرَّض فيه للرسول العربي بالإساءة، فما كان من الخليفة الناصر إلا أن أبقى هذا الوفد تسع سنوات محتجزاً، مقابل احتجاز أوتو لسفارة الأندلس لثلاث سنوات؛ وأرسل كتاباً مع رجل مسيحي يسمى ريسمند يطلب منه تغيير كتابه الأول، وقد نجح هذا الرسول في مهمته، فاستبدل أوتو كتابه بكتاب آخر وصل بعد ثمانية عشر شهراً من وصول كتابه الأول، فسمح عندها الخليفة لـ(جورتزا) بمغادرة الأندلس(22).
وفي هذا السياق تأتي سفارة الطرطوشي، وزيارته إلى الإمبراطور أوتو، حيث نزل عنده ضيفاً ورسولاً للخليفة الأندلسي في (مجدبورغ) فكانت رحلته الطويلة التي عبرت وسط أوربا وشمالها، وهي التي تشكل اليوم أجزاء من بولونيا والتشيك والسلوفاك والمجر وألمانيا وأوكرانيا. ويذكر ابن العبري أن الطرطوشي قابل أيضاً ملك الروم برومية (روما) في عام 350هـ-961م، وهو البابا يوحنا الثاني عشر (955-964م)، وكان بصحبته ربيع بن زيد الأسقف القرطبي (ريثموندو Recemundo)، وقد كتب هذا الرجل رسالة للحكم المستنصر ابن الخليفة القرطبي عبد الرحمن الناصر عن رحلة قام بها إلى ألمانيا أيام الإمبراطور أوتو الكبير، واحتفظ لنا البكري بجانب كبير من هذه الرسالة.
والقطعة التي أوردها البكري من رسالة الطرطوشي تصف رحلته إلى شرق أوربا، وكيف عبر الأدرياتيكي ووصل إلى بلاد "صقالبة الغرب"، وزار براغ وشرقي ألمانيا، ووصل إلى مجدبرج حيث كان يقيم الإمبراطور أوتو، وهناك التقى مع أعضاء سفارة من عند ملك البلغار، ثم سار بحذاء نهر الألب، ومضى في بلاد الصقالبة حتى وصل إلى إشفارن (Schwerin) على مقربة من البحيرة المسماة بهذا الاسم. وإذا كان من الصعوبة بمكان تتبع خط سيره على وجه الدقة، لأن أسماء الأمكنة التي أوردها محرّفة تحريفاً شديداً، إلاَّ أن المعلومات التفصيلية التي يقدمها عن بلاد الصقالبة تبقى ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخهم، وخاصة الغربيين منهم، كما أن بعض المحققين استطاع إيجاد صلة بين الأسماء وأصحابها من المدن والأماكن، فاسم مجدبروغ ورد عنده "مادي فرغ"، وبوهيميا Bohmen وردت بويمة، والنورمان ورد المرمان، والبشكة تعادل Vavcu، والبرتونيوبون هم Bretones، وإلى ما هنالك .. فتبين بعد المقارنات والتحقيق القيمة الحقيقية لما تركه لنا الطرطوشي من الناحية الجغرافية والتاريخية لتلك البلدان التي زارها(23).
وكان من الطبيعي أن تجتذب معلومات رحلته النادرة اهتماماً خاصاً من جانب العلماء الألمان والسلاف، الذين خصصوا له أبحاثاً كثيرة ومتنوعة(24). وكان وصف رحلته أقرب إلى مصنفات البلدان، وكتب المسالك والممالك، فهو يذكر البلدان، ويصفها ويعدد حاصلاتها ومتاجرها، ثم يذكر الطرق ومسافاتها بالأميال، ويتخلل هذا الوصف معلومات هامة عن الأحوال الاجتماعية والسياسية(25). وقدَّم لنا معلومات نادرة عن شكل الملك والحكم والدين والعقائد والأعراق، وعادات الزواج والدفن، وبناء البيوت، والتجارة، والمحاصيل الزراعية، والطقس وتأثيره على السكان وطريقة مقاومتهم له.
الصقالبة (السلاف)
لقد زار الطرطوشي بلاد ما يسميه الصقالبة (السلاف)، في عام 965م، ورسم عن حياتهم صورة حية، ورغم أن ما كتبه يأتي بعد نص ابن فضلان بخمسين سنة، وبعد المسعودي الذي سنأتي على ذكره، فإن نصه يحتفظ بحيويته وقيمته.
والصقالبة عند الطرطوشي من أبناء ماذاي بن يافث، ومساكنهم ومستقرّاتهم "من الشمال إلى أن تتصل بالمغرب، أي من البحر المحيط في الشمال بحر البلطيق، إلى البحر المحيط (الأطلسي)، فبلادهم كما يشير متصلة بالبحر الشامي (المتوسط) إلى البحر المحيط الشمالي (البلطيق) إلى الشمال، فهي بلاد واسعة، وسكنوا بين قبائل الجوف (الشمال)، وهم أجناس كثيرة مختلفة، على الرغم من أنهم كانوا قديماً يجتمعون تحت سلطة ملك اسمه (ماخا) الذي يسميه المسعودي ماجك، وهو من أرومة أو جنس يُدعى ولينانا (Wolynjane)، وهو جنس أو أرومة معظَّمة لديهم ومبجلة، ثم اختلفت كلمتهم فزال نظامهم الذي كان يوحدهم، وتخربت روابطهم، فملك كل جنس منهم ملك(26). فهم ينقسمون، حسب الطرطوشي، إلى أربعة ممالك، المملكة الأولى على رأسها ملك البلغاريين، وهم البلغار. ومملكة أخرى وأهم مدنها فراغة وهي براغ الحالية Prague، وبويمة وهي بوهيمية الحالية Bohemia، وهما فيما عُرف بشكسلوفاكيا، وكركو أي كراكوفا Cracow، وملكهم بويصلاو أي بولسلاف الأول (929-967م) Boleslas. والمملكة الثالثة وتضم بلاد الجوف، أي بلاد الشمال، وملكها مشقُه أي مسكو الأول Mieszko I (960-992م) ملك بولندا Poland(27)، وتسمى هذه المملكة باسم مشقو، كما يروي القزويني عن الطرطوشي(28). أما المملكة الصقالبية الرابعة فهي مملكة (ناقون) في آخر الغرب أو أقصى الغرب في بلاد الصقالبة، ولعل تسميتها تعود إلى ناقون أو نكُّون Naccon (ت 966م)، وهو أمير القبائل الأبدرية التي سكنت شمال ألمانيا في منطقة مكلنبرج شفارن Mccklembrrg Schwern. ثم يصف تلك الممالك الأربعة، ويبدأ بالأخيرة حيث جمع معلوماته عنها وهو في طريقه إلى بلاط أوتو الأكبر.
مملكة ناقون (=Noccon):
يشير إلى أن مدينة ناقون، حاضرة المملكة الرابعة، تبعد عن (فرغ) "لعلها مدينة برغ Burg" شمال (مجدبورغ) حاضرة أوتو الأكبر، وعلى مدينة ناقون حصن يُسمى غراد وترجمته الحصن الكبير، مقابلة حصن على بحيرة عذبة، ومن هذا الحصن إلى البحر المحيط (لعله يقصد البلطيق) أحد عشر ميلاً؛ ويصف بلاد ناقون على أنها كلها متمرِّج وآجام وحمأة (=طين أسود)، لذا يستنتج الطرطوشي أن العساكر لا تستطيع أن تنفذ إلى بلاد ناقون إلاَّ "بالجهد الشديد" فهي عسيرة الاقتحام، كما أن وصفه لأراضيها بأنها مليئة بالمروج والآجام والطين، يتضمن معنى تراجع العمران والزراعة المنظمة فيها(29). وأهلها يمزجون الشجاعة والبأس، بالابتعاد عن الحياة الحضرية والعمران، فلا يجد الرحالة العربي من صفة إيجابية سوى شجاعتهم وبأسهم وانتظام حصونهم.
ومملكة ناقون يجاورها من جهة الغرب، كما يشير الطرطوشي، سكسون وهي مقاطعة سكسون Saxony الحالية شمال غرب ألمانيا، وبعض (مرمان) ويقصد بذلك النورمان Norsemen المجوس، سكان البلاد الاسكندنافية، وهم الدانماركيون، حيث توجد هناك بلدة يقصدها التجار لأنها رخيصة الأسعار وكثيرة الخيل تصدرها إلى غيرها "ومحاربوها شجعان ولهم سلاح شاك من الدروع والبياضات (=الخوذ) والسيوف، كما لهم حصونهم الشهيرة"(30).
مملكة بويصلاو (براغ، بوهيمية):
والمملكة الثانية التي يسميها الطرطوشي بويصلاي، وهي تنسب إلى عاهلها حينذاك الملك بولسلاف الأول (929-967م) ملك بوهيمية، ومدنها الرئيسية: براغ وبوهيمية، وتضم البلاد المعروفة بتشيكسلوفاكية. ويصف بلاد بويصلاو التي تمتد من مدينة فراغة (=براغ) إلى مدينة كركوا (=كراكو) وهي بولندا الحالية "وطول هذه البلاد مسيرة ثلاث جمعات" أي ثلاث أسابيع، ويذكر من مدنها بالإضافة إلى براغ وبوهيمية، مدينة قليوي (=كالب)، ونوب غراد (=نوفيغراد، نيبورغ) وعليها حصن بني بالحجارة والصاروج (=كلس)، وهي واقعة على ملتقى نهري صلاوة (=سال)، وبود (=بودا)، وبورجين (وورزن Wurzen) وعليها حصن وهي على نهر مُلداوة وهو نهر في ألمانيا الحالية Mulde.
ويصف المسافة الفاصلة بين المدن فيما بين حصن قليوي إلى (نوب غراد) ميلان، ومن حصن نوغراد إلى ملاحة اليهود (أي مملحة اليهود) ثلاثون ميلاً، ومنها إلى حصن بورجن، ثم إلى طرف الشعراء (=أي الغابة) خمسة وعشرون ميلاً. أما مسافة الغابة من أولها إلى آخرها فأربعون ميلاً، فيها جبال وأوعار، ثم يأتي بنهايتها جسر من خشب على حمأة (=طين أسود) طولها ميلين، وآخر الشعراء (=الغابة) ندخل مدينة فراغة (=براغ)، ومدينة فراغة هذه مبنية بالحجر والجير، وهي أكثر البلاد متاجر؛ ويصورها لنا على أنها مركزاً لتجارة دولية مهمة، إذ يأتي التجار من الكثير من البلاد، يأتيها الروس والصقالبة القادمون من مدينة كراكو، كما يأتيها التجار من بلاد الإسلام، واليهود والترك، بالمقابل يحمل هؤلاء معهم إلى بلادهم، بدل بضائعهم، الرقيق، وربما الدقيق، والقزدير (=القصدير) وضروب أوبار (الجلود المدبوغة)، ويتعاملون بالعملة البيزنطية التي يسميها إبراهيم "المثاقيل المرقطية"(31). ويتوقف عند صناعاتهم وبما يتميزون به من ثروة فيقول : "وأهل براغ يصنعون السُّروج واللجم المستعملة المتخذة في بلادهم، وبلادهم أطيب بلاد أهل الجوف (=الشمال) وأزكاها معيشة، وبما أن الخيرات بها متوفرة، فيسود فيها رخص الأسعار، إذ يباع علف أربعون دابة بقنشار، وهي عملة متداولة لديهم"(32).
أما عن مدينة بويمة (بوهيمية) فيشير إلى أنها "مدينة مزدهرة، يصنع أهلها مندلات خفاف، مهلَّلة النسيج على هيئة الشبكة، وربما يقصد ثياب الدانتيل المشهور بها التشيك إلى الآن، وثمن هذه المناديل قنشار لعشرة مناديل، ويتعاملون بالمناديل كتعاملهم بالعملة، ويبتاعون بها الحنطة والدقيق والخيل والذهب والفضة وجميع الأشياء". ويستغرب إبراهيم قائلاً: "ومن العجب أن أهل بويمة سمر سود الشعور، والشقرة فيهم قليلة"(33).
مملكة مشقة:
ومملكة مشقة هذه تنتسب إلى ميشكو الأول Mieszko I ملك بولونيا، أو دوق بولونيا (960-992م)، ووجدها إبراهيم واسعة البلاد وغنية، كثيرة الطعام واللحم والعسل والحرث؛ ويجبي ضرائبه بالعملة يسميها "المثاقيل المرقطية"، كما ينبه إلى مدى اهتمام الملك برعاية جيشه، وما يفرد له من أموال، ولا ينسى وصف علاقات الزواج ومراسيمه، فيشير أن الملك يخصص قسماً من أموال مملكته لدفع أرزاق، أي مرتبات جيشه كل شهر، وعنده ثلاثة آلاف درّاع، أي جند لابسين الدروع، يصفهم "أجناد شجعان ذوي بأس يقابل المئة منهم ألف رجل". والشجاعة كما نعرف هي الميزة العامة أو (الصورة النمطية العامة) التي أسبغها الرحالة والجغرافيون العرب على الصقالبة "والملك يعطي رجاله ما يحتاجونه من الخيل والسرج واللحم والسلاح، وكل ما يحتاجونه، فإذا ولد لأحد رجاله ولد أمر بإجراء الرزق عليه ساعة يولد، إن كان ذكراً أو أنثى، فإذا بلغ المولود وكان ذكراً زوَّجه ودفع عنه النِّحلة (=المهر) إلى والد الزوجة (الجارية)"(34). وإن كانت أنثى "أنكحها ودفع النحلة إلى أبيها"(35). والمهر عندهم ثقيل، فإذا ولد للرجل ابنتان أو ثلاث صار غنياً، وإن ولد له ابنان أو ثلاثة صار فقيراً(36). ويشير إلى أهمية الزواج عندهم لدرجة أن "التزويج برأي ملكهم ملزم لهم، وليس باختيارهم، وهو يتكفل بجميع مؤوناتهم ومؤونة العرس"، فتصور رواية القزويني السلطة ممثلة بالملك، كسلطة أبوية، وكما يقول: "وهو مثل الوالد المشفق على رعيته"(37). أما من ناحية علاقة الرجل والمرأة، وهي مسألة حساسة كانت دائماً مركز اهتمام الرحالة والباحثين العرب، فإن إبراهيم حسب رواية القزويني، وجد أن (المشقة) بخلاف الصقالبة الآخرين "غيرتهم على نسائهم شديدة"(38).
مملكة البلغاريين (البلغار):
على الرغم من أن إبراهيم لم يزر بلاد البلغار، والمقصود هنا بلغار البلقان، إلا أنه سمع بأخبارهم، فإنه يحدثنا عن مصادفته لرسل ملكهم بمدينة ماذن برغ Merseburg، حين وفدوا على هوته الملك (=الإمبراطور أوتو) "فرآهم يلبسون ملابس ضيقة، ويتمنطقون بأحزمة طوال ملبسة بترامس (=حبات) الذهب والفضة". ونجد إبراهيم مثل جميع ممثلي الثقافة العربية، لا يبخلون على الآخرين بالمديح إن وجدوا مناسبة لذلك، فهو يقول عن ملكهم: "إنه ملك عظيم القدر يضع على رأسه التاج، وله الكتاب وأصحاب الخطط والأمر والنهي، بطريقة منظمة وترتيب كالمعهود للملوك الأكابر، ولهم معرفة باللغات"، كما يتحدث على أنهم ترجموا الإنجيل إلى لسانهم الصقلبي، وبالتالي فهم نصارى.
ثم يحدثنا على الطريقة التي دخلت المسيحية فيها مملكة البلغار، إذ حينما أغار ملك البلغار على بلاد الروم وحاصر القسطنطينية، أرضاه ملكها وكسب صداقته ووده، بإجزال العطاء له، ولا سيما عندما استرضاه بأن زوَّجه ابنته، وهذه حملت ملك البلغار زوجها على التنصر(39). ويبدو أن معلومات الطرطوشي هذه استقاها من مقابلته لرسل ملك البلغار، وهم بزيارة للإمبراطور أوتو، الذين حضروا في عام 965م إلى مكدبرج. وبكل الأحوال، فإن الثقافة العربية كانت تعتبر ظهور المسيحية في هذه البلدان، كدين لأهل الكتاب، أحد مظاهر المدنية، وهي تتفوق لديهم على دين المجوس الذي يبيح المحرمات.
إضافة إلى الممالك الأربع، بما فيهم البلغار، فقد لاحظ الطرطوشي أن هناك يجاورهم أمم أخرى صقالبية أو غير صقالبية، وذلك شرق بلاد مشقة، حيث الروس، وفي الجوف (الشمال) بروس، وهم البروسيون Prussians سكان مقاطعة بروسيا شمال غربي بولونيا (=مشقو)، فيصفهم على أنهم "على البحر المحيط (=البلطيق) ولهم لسان خاص بهم، لا يعرفون ألسنة المجاورين لهم، ويتميز هؤلاء ويشتهرون بشجاعتهم، فإذا أتاهم جيش لا يتوانى أحدهم حتى يلحق بصاحبه ليشاركه القتال، إنما يخرج لا يلوي على أحد، فيضرب بسيفه حتى يموت"، ويتحدث على "أن الروس كانوا يغيرون على هؤلاء البروسيين في المراكب من الغرب"(40).
ويحكي لنا الطرطوشي أيضاً عن ما يسميه مدينة النساء، وهو ما سيتحدث عنه فيما بعد الإدريسي وغيره من الجغرافيين العرب، وربما سمع الطرطوشي بحكاية هذه المدينة الخرافية أثناء إقامته في بلاط أوتو، ولمدينة النساء هذه كما يصفها "بسائط ومماليك، وهنَّ يحملن من عبيدهن، فإذا وضعت المرأة ذكراً قتلته، ويبقين على المولود الأنثى، ولهنَّ بسالة وشجاعة، إذ يركبن الخيل ويباشرن الحرب" ويضيف قائلاً: "وخبر هذه المدينة حق أخبرني بذلك هُوتُه ملك الروم (=أوتو)"(41).
كما يحدثنا عن طريق القزويني عن موضع يسميه (ورنك) على الطرف الجنوبي من الخليج الذي يخرج البحر الشمالي، فالموضع الذي على طرف ذلك الخليج يُسمى به الخليج، يقال له بحر ورنك، ويعني بذلك بحر البلطيق ولعل هذا الموضع هو الدانمارك، وهو أقصى موضع في الشمال، البرد به عظيم جداً والهواء غليظ والثلج دائم، لا يصلح للنبات ولا للحيوان، قلما يصل إليه أحد من شدة البرد والظلمة والثلج(42). وهذه صورة راسخة بالمتخيَّل العربي الإسلامي عن أقصى بلاد الشمال، على الحافة القصوى للإقليم السابع.
كما يحدثنا عن بلاد "ويسو" وهي وراء بلاد البلغار، ويُعتقد أنها روسيا البيضاء، بينهما مسيرة ثلاثة أشهر، حيث يُذكر أن النهار يقصر عندهم حتى لا يُرون في الظلمة، ثم يطول الليل حتى لا يرون شيئاً من الضوء. ويذكر "أنهم يتبادلون بضائعهم مع البلغار بدون أن يلتقوا مباشرة، فكل واحد يضع متاعه في ناحية، ويضع علامة عليه، بعدها يرجع فيجد التاجر من الطرف الآخر وضع متاعه (بضاعته)، فإن رضي بها أخذها وترك بضاعته، فلا يرى البائع المشتري ولا المشتري البائع، ولا يدخل أهل ويسو بلاد البلغار لاختلاف الهواء والبرودة، كما أن أهل البلغار لا يمكنهم دخول بلاد ويسو لشدة برودة بلادهم"(43).
بعد أن يعطينا الطرطوشي فكرة عن كل مملكة على حدة، يُلقي نظرة عامة على الصقالبة، فهم أجناس كثيرة ومختلفة، ومن أجناسهم الصبراية (=Sorbs)، ربما الصرب، ودولابه (=Dules)، ونامجين، ولعل هؤلاء إحدى قبائل الألمان، حيث يشملهم هنا جميعاً، ويعتبر هذا الجنس أي الألمان الذين يدمجهم بالصقالبة أشجع أقوام الصقالبة (وأفرسهم). وهناك جنس آخر يسميه سرنين، وهم الصرب (Serbians Serbs) "وهم مهابون من الصقالبة"؛ كما أن هناك أيضاً جنس يقال له (مِزاره) وهم المورافيون Moraviams، و(حيرواس) وهم الكرواتيون (Croats)، فضلاً عن الرصاصين، والحشيابين.
ويشير الطرطوشي إلى أن هذه الأجناس مختلفو المذاهب والأديان "فمن هذه الأجناس ما هو ينقاد إلى دين النصرانية على مذهب اليعقوبية، ومنهم من لا كتاب له، ولا ينقاد إلى شريعة، وهم جاهلية"(44). وقد لاحظ الطرطوشي أن الصقالبة جميعاً يبنون حصونهم على المياه والبحيرات، فهم يعمدون إلى المروج الكثيرة المياه والآجام فيخطون فيه خطاً مستديراً أو مربعاً قدر ما يريدون من شكل الحصن وسعة مساحته، ويحفرون حواليه، ثم يردمون الحفر بالتراب، ويوثقونه بالألواح والخشب، حتى يبلغ السور إلى الغاية التي يريدون، ويحدثون له باباً يصلون إليه عن طريق جسر من خشب(45).
ولا يختلف مُتخيل الطرطوشي عن مُتخيل أصحاب الرحلات وممثلي الثقافة العربية الإسلامية، في النظر إلى الصقالبة كأصحاب بأس وشجاعة "فإن الصقالبة ذوو صولة وبطش، ولولا اختلافهم بكثرة تفرُّع أعراقهم وتفرُّق أفخاذهم، ما قامت لهم في الشدة أمةٌ من الأمم"(46). ويشهد على غنى بلادهم، فهم يسكنون من البلدان أجزلها ريعاً وأكثرها أقواتاً "وهم مجتهدون في الفلاحة وطلب الرزق، يفوقون في ذلك جميع أمم الأرض"، ولا يقتصر تميزهم على الشجاعة والزراعة، إذ "أن تجارتهم جارية في البر والبحر نحو الروس والقسطنطينية". لكن ما يهدد أرزاقهم وزراعتهم كثرة المياه "فليس مصدر الجوع في بلادهم، وكلها في الشمال، من القحط وتوالي الجدب، إنما يكون من كثرة الغيث وتوالي الجمَّة (=الماء)، ويزرعون مرتين في العام في القيظ والربيع، ويحصدون مرتين، وأكثر زرعهم الدخن"(47).
ويتوقف الطرطوشي عند طقسهم، وأمراضهم الناتجة عنه، ولا ينس طعامهم ولباسهم، فيشير إلى أن "البرد رغم شدته في بلادهم فهو سليم، والحر بالنسبة لهم مهلك، لذا فهم لا يسافرون إلى بلاد لنقبردية (اللمبارديين) لحرها عليهم، والسلامة عندهم إنما تكون فيما يكون فيه الطقس جامداً. فإذا ذاب وفار ذوى جسدهم وجاءهم الموت. ويعمهم مرضان لا يكاد أحدهم يسلم منهما، وهما الحمرة الناتجة عن الحمى، والنواصير. ويجتنبون أكل الفراريج لأنها تحدث فيهم ريحُ الحمرة، حسب ما يدعون، ويأكلون لحوم البقر والأوز لملاءمتها لأجسامهم، وشربهم ونبيذهم عسل؛ ويلبسون الثياب الواسعة بأردان أكمامها ضيقة"(48).
ويعلمنا أن أكثر أشجار شعابهم التفاح والأجاص والفرشك (=الخوخ). ويشير إلى أن في بلادهم طائر غريب تعلوه خضرة، يَحكي ما يسمعه من أحاديث الناس والدواب، ويسمى عندهم سَبا، وعندهم دجاجاً برياً يسموها (تترا)، وهي طيبة اللحم، تسمع أصواتها من أعالي الأشجار، وهي صنفان: سود وموشّاة، أجمل من الطواويس(49).
كما يسهب الطرطوشي في وصف شدة البرودة عندهم، وما ينتج عنه من ابتكارهم لأشكال المنازل وحمامات، ومركبات للسفر، فيذكر أنهم يتصفون عامة بسكناهم في البلاد الأشد برداً، وأقوى ما يبلغه البرد عندهم في الليالي المقمرة والأيام الصاحية، فحينئذ يشتد البرد ويقوى الجمد فتتحجر الأرض وتجمد الأشربة كلها، حتى أن مياه البئر والحياض تتقرمد حتى تغدو كالحجارة "وتجمد الماء على لحى الناس، وتغدو كالزجاج، يعسُر عليهم كسره حتى يدخلون الكن (الموقد)، وفي هذا الوقت تنكسر السفن ويهلك من فيها"، وتدفعهم شدة البرد هذه، كما يلاحظ الطرطوشي، إلى ابتكار طريقة خاصة للتدفئة، فهم وإن كان ليس لهم حمامات، فإنهم يستحمون، من شدة البرد، بحمام البخار (الساونا) "إذ يتخذون بيوتاً من خشب، يسدون خصاصه (=شقوقه) مثلما يسدون شقوق سفنهم بمادة يسمونها (المخ) وهي مقام الزفت، تتكوَّن على أشجارهم شبيهة بالطحلب، ثم يبنون داخل البيت الخشبي كانوناً ويفتحون كوة في أعلاه لخروج الدخان، فإذا سخن الكانون سدوا تلك الفتحة وأغلقوا باب البيت، فصبوا الماء على الكانون الحامي، فترتفع أبخرته، فيأخذ الواحد منهم ضغث من حشيش يحرك به الهواء ويجذبه إلى نفسه، فتنفتح مسامهم وتخرج فضلات أجسامهم، فتجري منهم كالسيول، فلا تجد على أجسامهم آثار جرب أو قروح"(50).
ويعتمد ملوكهم في سفرهم -كما يشير- على مركبات ذات أربع عجلات تشدها العجول "يعلقون عليها هودج بسلاسل حصينة مكسية بالديباج، ويستعملون مثل تلك العربات للمرضى والجرحى، وهم يحاربون الروم والإفرنج والنوكبرد (اللومبارديين) وغيرهم من الأمم"(51).
ولاحظ أن بعضهم، الذين لازالوا على المجوسية، ولا سيما سرنين (=الصرب)، يحرقون أنفسهم بالنار إذا مات رئيسهم، كما يحرقون دوابهم "فلهم أفعال شبيهة بأفعال الهنود في الشرق. وهم يطربون عند حرق الميت، لأن ذلك حسب اعتقادهم يرحم به الله الميت، فيقطع نساء الميت أيديهن ووجوههن بالسكاكين، وإذا أرادت واحدة منهنَّ التعبير عن محبتها له، ارتقت إليه على كرسي وعلقت عنقها به، فيجذبون الكرسي تحتها فتبقى معلقة حتى تموت، ثم تحرق معه"(52).
ولقد اهتم الطرطوشي كغيره من المؤلفين العرب بالمرأة الصقالبية، فأخبرنا أن ملوك الصقالبة يتميزون بغيرتهم الشديدة على نسائهم، لذا فهم يحجبونهن. ويتزوج رجالهم بعشرين زوجة فصاعداً(53). بينما لاحظ أن المرأة الصقالبية تحافظ على عفتها بعد الزواج، وعلى التحرر الجنسي قبل الزواج، وإذا أحبت أخلصت لمن يُحبها وأقامت عنده شهوتها "فإذا تزوجها الزوج فوجدها عذراء قال لها: لو كان فيك خيراً لرغب فيك الرجال، ولاخترت لنفسك من يأخذ عذرتك" فيتركها(54).
الفرنجة (فرنسا وما حولها)
قدّم إبراهيم بن يعقوب تصوراً أقرب إلى الوضوح عن عالم الفرنجة، ولكن كلما أوغلنا غرباً وشمالاً ازداد الوضع غموضاً، وغدت معلوماتهم متقطعة، وملاحظاتهم صور خاطفة عن معالمهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تبدو صورة الفرنجة مترجرجة، فهي تتسع أحياناً لتشمل عند البكري لتضم أولاد يافث جميعاً، بما فيهم الجلالقة الذين هم أهل غاليسيا وما جاورها شمال الأندلس، والصقالبة والنوكبرديين (=اللمبارديين) والأشبان (=الإسبان)، إلاَّ أن ما مال إليه الطرطوشي عبر حفظ البكري والقزويني لبعض مقاطع رحلته، عندما ينتقل إلى التخصيص لحصرها في باريس وما يحيطها من بلدان، حين أشار أن حاضرة الفرنجة هي "الآن بويرة (=باريس)، وهي مدينة عظيمة ... ولهم من المدائن نحو من خمسين ومئة مدينة، وتدين بدين النصرانية الملكانية"(55). والفرنجة في وسط الإقليم الخامس، حسب رواية البكري(56)، أما رواية القزويني فتحددها بأنها "أرض واسعة آخر غربي الإقليم السادس ... وبها نحو مائة وخمسون مدينة، قاعدتها باريس، وأن طولها مسيرة شهر وعرضها أكثر"(57). وأنها مملكة واسعة، في بلاد النصارى بردها شديد جداً وهواؤها غليظ لفرط البرد، وأنها كثيرة الخيرات والفواكه والغلات، كثيرة الثمار، ذات زرع وضرع وشجر وعسل، وغزيرة الأنهار، منبعثة من ذوبان الثلوج، ومدائنها متقنة الأسوار محكمة البنيان، بها معادن الفضة، وتضرب بها سيوف قطاعة، إذ أن سيوفها أمضى من سيوف الهند(58).
ويشير الطرطوشي إلى أن الفرنجة أهلها نصارى، ولهم ملك ذو بأس، وعدد كثير، وقوة وملك، له مدينتان أو ثلاثة على ساحل البحر (البحر المتوسط) من هذا الجانب في وسط دار الإسلام "وملكهم ينجد تلك المدن المحاذية لبلاد الإسلام"، وربما يقصد بذلك المدن الإيطالية الجنوبية وحتى رومية، أو عجز المسلمين عن إخضاع المدن المحاذية لساحل صقلية. ويصف جند الملك على أنهم بواسل، وهي سمة انطبعت في المخيال العربي عن الشعوب الأوربية الشمالية، بل عن بلاد أوربا جميعاً "فهم يفضلون الموت على الإدبار في الحرب، لا يفكرون أصلاً في الفرار من الحرب عند اللقاء، ويرون الموت دون ذلك". ولكن بمقابل تلك الصفات الإيجابية، التي يقف في مقدمتها الشجاعة والبأس والكثرة، وكونهم نصارى وليسوا مجوس عبدة أوثان، فلهم صفاتهم المقيتة "إذ ليس في العالم أقذر منهم، وهم أهل غدر ودناءة أخلاق، لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرة واحدة أو مرتين، بالماء البارد، حتى أنهم لا يغسلون ثيابهم من ساعة لبسهم لها حتى تتقطع على أجسادهم؛ ويحلقون لحاهم، فتنبت بعد الحلق خشنة مستكرهة، وإذا سألهم أحد عن حلق اللحى قالوا: الشعر فضلة أنتم تزيلونها عن سوءاتكم، فكيف نتركها نحن على وجوهنا؟"(59)، والأمر هنا سؤال وجواب يحمل كل منهما مرجعيته المبررة لصاحبها. وتبدو له بلاد الفرنجة متسعة، تتسع وتتمادى حتى الساحل القبلي الشامي (البحر المتوسط) حتى تتقلص وتتجاور بجزيرة روما، الجزيرة الإيطالية، وببلد لنقبرذة (اللمبارديين)، وتتسع متمادية حتى الجبل المعترض في بحر الأطلسي، أي جبال الألب التي بين بحر البلطيق والبحر الإدرياتيكي، وتتصل بالصقالبة الشماليين أي ببلاد المجوس، عبدة النار، المعروفين بالأنقلش، أي سكان الجزر البريطانية، كما تتصل بالشرق بالصقالبة، وتتصل بالغرب ببلاد بيورة (=بلاد نافار Navarra) وهم كما يروي إبراهيم، يُعرفون بالأمانيس (=الألمان) الذين لهم كلام مختلف عن كلام الإفرنج(60).
لا تقتصر معلومات الطرطوشي على الصورة العامة لبلاد الفرنجة وحدودها، وعاداتها وديانتها، بل يفرد وصفاً لعدة مدن إفرنجية، التي يعتقد أنها كانت مراحل على طريقه الطويل، فيصف لنا مدينة برذيل (=بوردو) على "أنها كثيرة المياه والأشجار والفواكه، وأكثر أهلها نصارى"، وهو ما يلمح منه أنه كان فيها بعض المجوس "وبها بنيان منيعة على أسوار عظيمة، ويوجد على سواحلها العنبر؛ ويوجد صنم على الجبل المشرف عليها، وعلى المحيط، يظهر وكأنه يُخبر الناس بألا يحاولون قطع المحيط الأطلسي"(61). وهو إشارة دالة على الاعتقاد السائد، بأنه لا يوجد فيما وراء المحيط براً أو حياة، بل ظلمة وغموضاً!. أما مدينة انطرحت (=انترخت) فهي بلدة عظيمة واسعة الرقعة "أرضها سبخة لا تصلح للزرع والغراس، فتعيش على ثروتها الحيوانية، من حليبها وأصوافها، ويستخدمون طين خاص للتدفئة، إذ يقطعون ذلك الطين في الصيف حتى ينشف، فإذا عرضوه للنار اشتعل، فتصبح له نار عظيمة يتدفأون بها شتاء"(62). أما مدينة رذوم (=روان) النورماندية، فقد اعتبرها الطرطوشي إفرنجية، على نهر شعنة (=السين)، فهي محصنة مبنية بالحجارة المهندمة، وليس فيها كروم ولا شجر بينما يكثر فيها القمح والسلت (الجودار)، ويخرج من نهرها حوت يسمونه السلمون، ونوع آخر صغير يشبه الحوت في نهر النيل الذي يسمى هناك العير.
وحكى الطرطوشي أنه رأى في برذوم نوع من الأوز أبيض وأحمر الأرجل والمناقير، يسمى عايش. ولا ينسى أن يذكر على سبيل الطرفة قصة شاب نمت لحيته وهو في السادسة من عمره(63). ورأى مدينة أولدة (=فلدة) واسعة، ومبنية بالحجارة، ولا يسكنها سوى الرهبان، ولا تدخلها النساء، فيها كنيسة عظيمة يعظمها النصارى، وحكى الطرطوشي أنه لم يرَ في جميع بلاد النصارى أعظم منها، ولا أكثر ذهباً وفضة، وأكثر أوانيها كالكؤوس والأباريق والقصاع من الذهب والفضة، وبها صنم من فضة على صورة راهبها الشهيد الذي أسسها، مكللاً بالياقوت والزمرد مفتوح اليدين على شكل صليب، وهو صورة المسيح عليه السلام. كما يذكر مدينة يسميها أفش تقع على نهر يسمى أفس، بها جمَّة غزيرة الماء جداً، وعليها بيت واسع يستحم فيها أهل المدينة على بعد منها، خشية شدة حرارة ماء الجمَّة الذي يفور فيها(64).
وعبر هذا السرد لحكاية رحلة الطرطوشي، نتعرف على بضعة مقاطع حية عن بلاد الفرنجة: فرنسا وجوارها جنوباً وشمالاً، هي مزيج من الصور الواقعية يكتنفها الغموض، وأحكام قيمة مصدرها الثقافة العربية الإسلامية. ويشير الطرطوشي إلى الحدود الشمالية خلف بلاد الفرنجة، التي تقع على تخوم الإقليم السابع، فيواجهنا في ما يسميه بحر الورنك (=البلطيق) والجزر البريطانية وإيرلندا (هيبريا).
إلاَّ أن أوضح المناطق الشمالية تبدو هيبريا (=إيرلندا) التي تعتبر مقر النورمان المجوس، وهي واسعة جداً تبلغ استدارتها ألف ميل، ويقال أن عادات مجوسها وألبستهم نورماندية، وإن كساءهم الرئيسي البرنس الغالي الثمن جداً، والمرصع بالجواهر عند النبلاء، ويشتهرون بصيد الحيتان التي يتغذون بلحمها الأبيض. وحكي أن سواحلها المليئة بالفراخ الأبلينية التي يصطادونها للغذاء، وهي نوع عظيم جداً، ويذكرون أن جراءها تتولد في شهر أيلول، ويصطادونها في تشرين الأول وكانون الأول والثاني، وبعد ذلك يصلب لحمها فلا يصلح للأكل، ولحمها أبيض كالثلج وجلده أسود كالنقس(65).
ويذكر أن بجوار إيرلندا هناك الجزر البريطانية الاثنتى عشرة، التي تبدو لديه غامضة، في أقصى الحدود الشمالية، كما أن هناك البحر المحيط في الشمال الذي يعتبر حداً للأرض المعمورة، خرج منه خليج إلى نحو الجنوب، والموضع الذي على طرف الخليج يسمى بحر ورنك، وهو أقصى موضع في الشمال، البرد فيه عظيم جداً والهواء غليظ والثلج دائم، ولا يصلح للنبات ولا للحيوان، قلَّما يصل إليه أحد من شدة البرد والظلمة والثلج(66).


____________________
(1) إبراهيم أحمد العدوي ، السفارة الإسلامية في العصر الوسيط ، (سلسلة إقرأ 179 )دار المعارف بمصر , 1957 ، ص101.
(2) المصدر نفسه، ص108. راجع أيضاً:عبد الرحمن حميدة ، أعلام الجغرافيين العرب , دار الفكر دمشق , 1984، ص168.
(3) العدوي، المصدر السابق، ص112. راجع أيضاً: حميدة، المصدر السابق، ص169.
(4) حسين نصار ، أدب الرحلة ، مكتبة لبنان ، الشركة المصرية العالمية للنشر , القاهرة , 1991 ص42. راجع أيضاً: إغناطيوس يوليانو فيتش , كراتشكوفسكي ، تاريخ الأدب الجغرافي العربي , ترجمة صلاح الدين عثمان , الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية , القاهرة , 1957ص135-136.
(5) الشيخ أحمد بن محمد الخضري التلمساني المقري ، نفح الطيب من غضن الأندلس , المجلد الثاني، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر بيروت , 1988 , ص254.
(6) المصدر نفسه، ص257.
(7) العدوي، المصدر السابق، ص114.
(8) ابن دحية، أبي الخطاب عمر بن حسن (ت 633هـ): المطرب في أشعار أهل المغرب، تحقيق: الأبياري، إبراهيم، وعبد المجيد، حامد، المطبعة الأميرية، القاهرة 1954، ص138. وراجع أيضاً: المقري، نفح الطيب، المجلد الثاني، المصدر السابق، ص259.
(9) ابن دحية، المصدر السابق، ص140.
(10) أندريه ميكيل , جغرافية دار الإسلام البشرية , ج2، ق2، ترجمة إراهيم الخوري , دمشق 1985 , ص109.
(11) ابن دحية، المصدر السابق، ص140.
(12) المصدر نفسه، ص141.
(13) المصدر نفسه.
(14) المصدر نفسه.
(15) المصدر نفسه.
(16) المصدر نفسه، ص143.
(17) المصدر نفسه.
(18) المصدر نفسه، ص144. راجع أيضاً: المقري، المصدر السابق، ص257-258.
(19) ابن دحية، المصدر السابق، ص143.
(20) كراتشكوفسكي، المصدر السابق، ص191. راجع أيضاً: نصار، المصدر السابق، ص43. راجع أيضاً: سوسة، أحمد: الشريف الإدريسي، الباب الثاني، نقابة المهندسين العراقيين، مكتبة جهري، بغداد 1974، ص342.
(21) كراتشكوفسكي، المصدر السابق، ص192.
(22) حسن، إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج3، ص242-343. راجع أيضاً: أرسلان، شكيب: تاريخ غزوات العرب إلى أوربا.
(23) حسين مؤنس : تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، مكتبة مدبولي، ط2، القاهرة 1986, ص77-80.
(24) كراتشكوفسكي، المصدر السابق، ص190.
(25) مؤنس، المصدر السابق، ص56.
(26) البكري، أبي عبيد (487هـ-1094م): جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب المسالك والممالك، تحقيق: الحجي، عبد الرحمن علي، دار الإرشاد، بيروت 1968، ص155-156.
(27) المصدر نفسه، ص157.
(28) القزويني، زكريا بن محمد حمود (1203-1283م): آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر ودار بيروت 1960، ص616.
(29) البكري، المصدر السابق، ص159-160.
(30) المصدر نفسه، ص158-159.
(31) المصدر نفسه، ص161-162.
(32) المصدر نفسه، ص162-163.
(33) المصدر نفسه، ص163.
(34) المصدر نفسه، ص166-167. راجع أيضاً: القزويني، المصدر السابق، ص617، إذ يقول: "فإذا كان ذكراً زوجه وأخذ من والده المهر، وسلمه إلى والد المرأة".
(35) البكري، المصدر السابق، ص167.
(36) القزويني، المصدر السابق، ص617. راجع أيضاً: البكري، المصدر السابق، ص167.
(37) القزويني، المصدر السابق، ص617.
(38) المصدر نفسه.
(39) البكري، المصدر السابق، ص166-167.
(40) المصدر نفسه، ص168.
(41) المصدر نفسه، ص170.
(42) القزويني، المصدر السابق، ص617.
(43) المصدر نفسه، ص618.
(44) البكري، المصدر السابق، ص185-186.
(45) المصدر نفسه، ص159-160.
(46) المصدر نفسه، ص181.
(47) المصدر نفسه، ص182.
(48) المصدر نفسه، ص183.
(49) المصدر نفسه، ص184.
(50) المصدر نفسه، ص188-190.
(51) المصدر نفسه، ص191.
(52) المصدر نفسه، ص187.
(53) المصدر نفسه، ص182.
(54) المصدر نفسه، ص187.
(55) المصدر نفسه، ص137-138.
(56) المصدر نفسه، ص143.
(57) القزويني، المصدر السابق، ص576.
(58) المصدر نفسه، ص498. والبكري، المصدر السابق، ص143.
(59) القزويني، المصدر السابق، ص498.
(60) البكري، المصدر السابق، ص145.
(61) القزويني، المصدر السابق، ص579.
(62) المصدر نفسه، ص577-579.
(63) المصدر نفسه، ص590.
(64) المصدر نفسه، ص576.
(65) المصدر نفسه، ص578.
(66) المصدر نفسه، ص617.

الحالم
09-16-2007, 01:15 PM
(14)

صورة أوربا في رحلة ابن فضلان

شمس الدين الكيلاني

تعتبر وقائع رحلة ابن فضلان، كما دوّنها في رسالته إلى الخليفة، ووصف فيها بلاد الترك والبلغار والروس والخزر وأيضاً البلاد الاسكندنافية، من أهم كتب الرحلات عند العرب، إذ أضاءت تلك الرسالة ثغرة كبيرة عن الماضي البعيد لتلك الشعوب، وقدّمت للروس إضاءة حقيقية لماضيهم البعيد، وأنارت في صفحات واسعة أساليب حياتهم في الزمن الغامر. في أمانة ودقة نادرين، لذلك فقد عنوا بترجمتها ونقلوا فصولاً عنها إلى لغتهم. وقد ذكر المستشرق الألماني فراهن Fraehn في تقديمه لابن فضلان في اللغة الألمانية: إذا كان الغرب قد أغفل روسية فإن العرب تحدثوا عنها، فألقى العرب أنواراً كثيرة على تاريخ الغرب القديم، وأدلوا بمعلومات ناقصة، وخاصة عن البلغار وروسية في العهد البعيد1.
فقد ارتدت رسالة ابن فضلان أهمية خاصة، لا سيما أنها تضيء مرحلة غامضة لتاريخ بعض الشعوب كروسيا وبلغاريا والبلاد الاسكندنافية، أي في الفترة التي بدأت تتعرف بها على المسيحية، ولا يزال قسم منها على الديانة الوثنية، وغارقاً في التقاليد القديمة، فابن فضلان-كما يشير إلى ذلك كراتشكوفسكي- قدَّم لنا صورة حية للظروف السياسية في العالم الإسلامي، والعلاقات بين بلاد الإسلام والبلاد المتاخمة لها في آسيا الوسطى، والأصقاع النائية التي كانت تمثل أطراف العالم المتمدن آنذاك مثل حوض الفولغا، وتحفل رسالته بمادة إثنوغرافية قيّمة جداً ومتنوعة بصورة فريدة وهي تمسُّ عدداً من القبائل التركية البدوية القاطنة في آسيا الوسطى، وعدداً من الشعوب التي كانت تلعب دوراً سياسياً في تاريخ أوربا الشرقية، كالبلغار والروس والخزر2.
ويتحدث "أندريه ميكيل" عن فضل ابن فضلان على تاريخ روسيا، بقوله "وقد جمع في رحلته جملة معلومات نادرة عن هذه الأمة الغامضة جداً والنائية"3، ويمكن القول: أن ابن فضلان قد كتب وثيقة استثنائية لا تتعلق بالبلغار وحدهم، بل بالخوارزميين والغز والبجناك والجفرد، بالإضافة إلى بعض المعلومات عن الروس والخزر، وإن كان العمل يتركز على البلغار، أو الصقالبة على حد تسمية ابن فضلان لهم4. ولقد حافظت الرسالة على قيمتها بالنسبة لتاريخ الروس وبلغار الفولغا والاسكندنافيين إلى الآن. ولقد ارتبطت تلك الرحلة منذ البداية بمهمة سياسية عليا للخلافة العباسية في بغداد، التي بقيت محافظة على هيبتها الكبرى في العالم الخارجي، وعلى مهابتها الروحية داخل دار الإسلام، رغم انحسار نفوذها السياسي في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وهذا يفسر كثرة الوفود التي قصدت بغداد لعقد الصلات والتحالفات ولإظهار الولاء. من هنا نفهم قدوم وفد من الصقالبة/البلغار، وهم من سكان شمال أوروبا على أطراف نهر الفولغا (آتل)، وعاصمتها على مقربة من قازان الحالية، طالبين العون من الخليفة المقتدر بالله (ت 320هـ) في المجالين السياسي والديني.
فلقد وصلت بعثة من ملك الصقالبة البلغار إلى بغداد طلباً لعون الخليفة المقتدر، وذلك لإرسال بعثة من طرفه لتعلّم أهل مملكته الدين الإسلامي، ولبناء جوامع هناك، وحصون تحميهم من الأعداء الجوار. ويتحدث ابن فضلان في رسالته عن هذه البعثة بقوله: "لما وصل كتاب "ألمش بن بلطوار" ملك الصقالبة إلى أمير المؤمنين المقتدر يسأله فيه البعثة إليه ممن يفقّه في الدين، ويعرّفه شرائع الإسلام، ويبني له مسجداً، وينصب به منبراً ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصّن فيه من الملوك المخالفين له، فأجيب إلى ما سأل من ذلك"5. ويشير ميكيل إلى أن غاية الرحلة الفعلي "كانت توفير وسائل تمكِّن البلغار الذين اعتنقوا الإسلام سطحياً، من ترسيخ إيمانهم، وبناء مجتمعهم على الشرائع الإسلامية. لكننا نظن بأن السياسة والاقتصاد تدخلا في هذه القضية، فكان المقصود أيضاً تأمين مصلحة التجارة الكبرى، وتجنُّب عقبة الخزر الذي كان وجودهم على نهر آتل (الفولغا) الأسفل يقطع الطريق بين روسية الشرقية وبين دار الإسلام الشمالية"6.
فتقرر أن يرسل وفد إلى ملك الصقالبة برئاسة أربعة أشخاص وهم: "سوسن الرسي" مولى نذير الخرمي، وتسكين التركي، وبارس الصقلابي، وأحمد بن فضلان رئيساً للوفد، ويرافقهم رسول الصقالبة كدليل، فضلاً عن أشخاص ثانويين فيهم الفقيه والمعلم والغلمان كمعاونين للوفد. وقد حمل الوفد معه (أدوية) تلبية لطلب ملك الصقالبة7، وهي شهادة ذات دلالة على تفوق الإمبراطورية الإسلامية، وغنى حضارتها.
ورحل الوفد من بغداد بقافلة تتألف من خمسمائة رجل وثلاثة آلاف دابة، يوم الخميس 11 صفر 309هـ (الموافق 21 يونيو 921م)، وصعد شرقاً ثم شمالاً ماراً بإقليم الجبال فهمذان فالري قرب طهران اليوم، وعبر نهر جيحون (أموداريا) فبلغ بخارى، تم أوغل في البراري والبوادي إلى أن وصل إلى الفولغا، عند ملك الصقالبة يوم الأحد 12 محرم 310هـ (الموافق 11 مايو 922م)، ولاقى في طريقه المصاعب والأهوال.
رحل ابن فضلان تاركاً وراءه بلاداً ترفل بالوفرة والازدهار المديني والثقافي، وتزهو بمكانتها وغنى حياتها وتأنقها، يختزن في أعماقه مرجعياتها الثقافية، فهي وإن كانت لا تعاني التمركز الذاتي العرقي، لأنها أساساً مزيجاً من الأعراق والأمم، يوحدها الإيمان الديني الإسلامي، وما ينتج عنه من سلوك في النظافة والطهارة، كما يظهر في الحرص على الوضوء قبل الصلوات الخمس والاغتسال بعد الجماع، وأساليب الزواج، والإرث، وبر الوالدين، ومكانة الأم، وما يسمى العفّة، والاحتشام، والحرمات المتعلقة بمدى انكشاف المرأة على الرجل، وحرمان العلاقة الجنسية قبل الزواج، واحترام العلاقات الأسرية، فضلاً عن تبجيلها لصفات الكرم، والمروءة، والشجاعة، وقول الحق، والتعاضد الاجتماعي.
فلقد حمل ابن فضلان مرجعية ثقافية تنفي التمركز العرقي، وحتى الحضاري، إذ أن مظاهر الحضارة يمكن أن نجدها عند كل الأمم، إلا أن هذه الثقافة تختزن نوعاً من التمركز، يمكن تسميته بالتمركز الروحي الديني؛ فالإسلام هو أصل الدين، وهو الدين المكتمل أيضاً، تبدو فيها الأديان السماوية الأخرى تجليات مختلفة لجوهر الإسلام، فاض كل منها بجانب من الحقيقة الروحية، أو حقيقة الدين، الذي وجد اكتماله في الإسلام، فهي قد ضمَّت إلى هذه الأسرة الروحية المسيحية واليهودية، وأنبياء اليهودية والمسيحية، وسمَّت أصحاب هاتين الديانتين بأهل الكتاب، وإن كانت نظرت إلى أصحاب الديانات تلك، المعاصرين لها، على أنهم قد انحرفوا عن الديانة الأصلية المسيحية واليهودية، وأتى الإسلام ليُكمل ويُصلح. ولكنها ظلت تنظر إليهم كأهل كتاب موحى به، لهذا نظرت إلى انتقال بعض الشعوب الأوروبية إلى المسيحية كأحد مظاهر التقدم الروحي، وميَّزتها عن الشعوب التي لازالت غارقة في الوثنية، فسمَّت هؤلاء بـ(المجوس) وهو ما ينطبق عليهم نعت "الكفر". أما ماعدا الجانب الديني فقد وجدت أن المظاهر الحضارية والعمرانية تتوازعها الشعوب المختلفة، يمكن أن توجد بعض خصالها في هذا الشعب أو ذاك.
وعلى هذا الأساس، نظر ابن فضلان لحال الشعوب التي زارها، فضلاً عن تأثره بما عرفه في عاصمته ومملكته من ترف وحضارة، جعله أحياناً يقيس ويقارن بين حالها وحال الشعوب التي زارها، فأصبح يستصغر أحياناً أحوالها، وخاصة في أوربا الشمالية، وبلدان الترك في الشمال، بطريقة أشعرنا بها بدهشته وعجبه، انطلاقاً من مقايسته إياها ضمنياً بمرجعيته الثقافية العربية الإسلامية.
لقد امتاز ابن فضلان بوصفه الدقيق بأسلوب ممتع شائق، لازلنا ننعم بعد مضي ما يزيد على ألف عام بالصور التي نقلها عن عادات تلك الشعوب وتقاليدها، وحياتها الأخلاقية في ذلك العصر. وكان دقيق الملاحظة، يسجل أكثر مما يريده السائح، فيصف الحكم والأمراء، ورجال الشعب على حد سواء، كما يرسم الهيئة والوجود على إيجاز رسالته وقصرها8. وامتاز ابن فضلان عمن سبقه، بأنه وضع العلاقة الأساسية بين المكان والزمان، التي سوف تصبح في وقت لاحق صفة من الصفات التي تميّز الرحلة، كما نراها عند ابن جبير، وابن بطوطة؛ فرسالته كانت نوعاً متوسطاً بين الجغرافية والتاريخ، فهي كالجغرافية تهتم بالمكان بعد أن تعيد تنظيمه على معايير زمنية يختص بها التاريخ9. فضلاً عما تتسم به تلك الرسالة من وصف إثنوغرافي لحالة الشعوب، وهو ما يجعلها متفوقة على رحلتي "الجرمي" و"هارون"، اللذان لم يركزا إلا على هرم السلطة، والعمائر، والعجائب، ومظاهر العمران المدني؛ وتجاهلوا البشر الذين شيدوها، فقد وضع ابن فضلان في مقدمة اهتماماته حال الإنسان العادي: سلوكه، وعاداته، وتقاليده، ودياناته، وطقوسه الحية، والمظاهر الأخرى لاعتقاداته، ولا ينسى أفراحه وأتراحه، وطرائق زواجه، وتربيته، وطقوسه في الدفن والموت، فضلاً عن اهتمامه بمنشأ السلطة والسلطان، ومظاهر العمران الأخرى إن وجدت، وتأثير الطقس، ومظاهر العجائب والمدهش في حياة تلك الشعوب.
يتوافق سرده مع تتابع أحداث الرحلة، بدءاً من قصة الرحلة وأغراضها، وانتهاءً بوصفه الدقيق للبلغار والروس والاسكندنافيين، وبين محطتي السفر هاتين، يصف ابن فضلان في طريقه الخوارزميين والترك والبجناك والباشغرد، وما شهدته رحلته من عقبات هناك. فلا ينسى التذكير ببرد بلاد الشمال، وما واجهه من مصاعب، فقد ذكر أنه تنكَّر (=اختبأ) في القافلة قبيل نيسابور خوفاً من برد الشتاء في الجرجانية، فإذا باب من الزمهرير قد فُتح، والريح تعصف، فإذا خرج من الحمّام إلى المنزل جمدت لحيته، فأصبحت قطعة واحدة من الثلج، وإذا هو يبيت في بيت داخل بيت، ويتدثر بالأكيسة والفراء، ومع ذلك يلتصق خده على المخدة لشدة البرد. وحين أوغل في بلاد الترك لقي الضر والبرد حتى أشرف على التلف فيمن معه، ولمواجهة هذه المشاق لم يجد إلا التمسك بإيمانه بالله، والتضرع له، والتقرب إليه10. ويذكر "لقد رأيت الأرض تنشق فيها أودية عظام لشدة البرد، وأن الشجرة العظيمة العادية لتنفلق بنصفين لذلك"11.
فأما في بلاد الترك فقد وجد أن "برد خوارزم عنده مثل أيام الصيف، ونسينا كل ما مر بنا، وأشرفنا على تلف الأنفس"12. ولا ينسى وصفه الإثنوغرافي لشعوب الأتراك الغزية البدوية، حيث يبدي أسفه على بقائهم على دين الوثنية "لهم بيوت شعر، يحلون ويرتحلون، وترى منهم الأبيات في كل مكان، ومثلها في مكان آخر، على عمل البادية وتنقلهم، وإذ هم في شقاء، وهم مع ذلك كالحمير الضالة لا يدينون لله بدين، ولا يرجعون إلى عقل، ولا يعبدون شيئاً، بل يسمون كبراءهم أرباباً … وأمرهم شورى بينهم، غير أنهم متى اتفقوا على شيء وعزموا عليه جاء أرذلهم وأخسهم فنفض ما قد أجمعوا عليه … وسمعتهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله "تقرباً بهذا القول إلى من يجتاز بهم من المسلمين"13.
ولا يغفل الجوانب الأخرى المتعلقة بسلوكهم الاجتماعي، ولا سيما علاقتهم بالمرأة، وعادات الدفن، فيذكر أنهم لا يهتمون بـ(عفة المرأة) ولا بستر (عورتها)، إذ نزلوا يوماً على رجل منهم ومعه امرأته (فبينما هي تحدثنا كشفت فرجها وحكته، ونحن ننظر إليها، فسترنا وجوهنا، وقلنا: "استغفر الله" فضحك زوجها وقال للترجمان: "قل لهم: تكشفه بحضرتكم فترونه، وتصونه، فلا يوصَل إليه، هو خيرٌ من أن تغطيه وتمكّن منه")14. إلا أنهم لا يعرفون الزنا، ومن زنا منهم شقوه بنصفين؛ أما رسوم تزوجهم، فقوم على أن يخطب الواحد منهم إلى الآخر بعض حرمه (ابنته أو أخته) بثوب خوارزمي، أو مقابل جمالاً أو دواباً، فإذا وافقه حملها إليه15.
وإذا مات الرجل وله زوجة وأولاد، تزوج الأكبر من أولاده بامرأته إذا لم تكن أمه، ويذكر أن "أمر اللواط عندهم عظيم جداً، يقتلون من يمارسه"16. وإذا مرض الرجل منهم ضربوا له خيمة يبقى فيها منفرداً إلى أن يموت، وإذا كان فقيراً رموه في الصحراء وتركوه؛ وإذا مات حفروا له حفرة كبيرة كهيئة البيت، وألبسوه ثيابه، وتركوا له ماله وأشياءه، وإناء نبيذ، وأجلسوه في البيت، وجعلوا له قبة. كما لاحظ أن الترك كلهم ينتفون لحاهم إلاَّ أسبلتهم (=شواربهم)، فيعبر ابن فضلان عن استيائه من هذه العادة، إذ يقول "وربما رأيت الشيخ الهرم منهم وقد نتف لحيته وترك شيئاً منها تحت ذقنه، فإذا رآه إنسان من بُعدٍ لم يشك أنه تيس"17.
أما السلطة، فإن ملك الترك الغزية يقال له (يبغو)، ومن عاداتهم أن الرجل لا ينزع عنه الثوب الذي يلي جسده حتى ينتثر قطعاً. ويتحدث عن البجناك (= البشناق)، وهم قبيلة تركية غزية، طردهم الغزُّ أمامهم، فوجدهم ينزلون على ماء شبيه بالبحر غير جار "وإذ هم سمر شديدو السمرة، حليقو اللحى، فقراء، خلاف الغزية"18.
ثم يقف عند قوم من الأتراك يقال لهم الباشغرد، فرأى فيهم "شر الأتراك وأقذرهم، وأشدهم إقداماً على القتل"، يأكلون القمل، ويعبدون أرباباً مختلفة: ومنهم من يزعم أن له اثني عشر رباً: للشتاء رب، وللصيف رب، وللمطر رب .. وهكذا .. والرب الذي في السماء أكبرهم، فيعلق قائلاً "تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً"، ومنهم طائفة تعبد الحيات، أو السمك، أو الكركي19.

الصقالبة (البلغار)
يمتاز ابن فضلان بوصفه الإثنوغرافي لبلغار الفولغا بالدقة والإحاطة الشاملة، فلا يكاد أن يغفل عن أي شيء يمس حياتهم العامة والخاصة: السلطة، والدين، والسلوك الاجتماعي، والطقوس، فضلاً عن الأنواء، والظواهر الغريبة التي تحيط ببيئتهم وبحياتهم.
1- السلطة والعلاقة الدولية:
يذكر أن ملك الصقالبة اسمه (ألمش بن بلطوار)، وله مساعدون يدعوهم "الملوك الأربعة" كانوا مع الملك عند استقباله لهم، وكان الملك يصحبه أيضاً إخوته وأولاده يحملون "معهم الخبز واللحم والجاورس (=نوع من الحبوب)". وبعد مراسيم الاستقبال بساعة، دعاهم الملك "فدخلنا إليه وهو في قبته، والملوك على يمينه، وأمرنا أن نجلس على يساره، وإذا أولاده جلوس بين يديه، وهو وحده على سرير مغشى بالديباج الرومي .."، ثم يحدثنا عن عادات الطعام عند الملك، فعندما أُعدَّت المائدة لهم قدِّمت إليهم وعليها اللحم المشوي وحده، فتضمن طقس الطعام الملكي، أن يبدأ الملك بالطعام، وأن لا يبدأ الآخرون إلا بعد أن يقدم الملك بنفسه قطعة من الطعام لهم "فلا يمدُّ أحدٌ يده إلى الأكل حتى يناوله الملك لقمة"20. ولما أكلوا دعا (الملك) بشراب العسل وهم يسمونه السجو، فشرب قدحاً نخباً لخليفة بغداد، وهو يقوم قائلاً:"هذا سروري بمولاي أمير المؤمنين-أطال الله بقاءه. وفعل ذلك ثلاث مرات".
وبما أن العقيدة الإسلامية لم تنغرس بعمق، لاحظ ابن فضلان أنه كان يُخطب على منابر جوامع البلغار، قبل قدومه "اللهم أصلح الملك بلطوار ملك البلغار" فنبه ابن فضلان الملك "أن الله هو الملك، ولا يسمى على المنبر بهذا الاسم غيره"، وذكّره أن منابر بغداد والشرق يقال فيها "اللهم أصلح عبدك وخليفتك الإمام المقتدر بالله"، فصار من حينها يُخطب لملك البلغار على المنابر "اللهم أصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير البلغار مولى أمير المؤمنين"21.
ولاحظ أن الملك إذا ركب لا أحد يكون معه، فإذا اجتاز السوق لم يبق أحد إلا قام وأخذ قلنسوته عن رأسه فجعلها تحت إبطه، إذ إن كلهم يلبس القلانس، فإذا جاوزهم الملك ردوا قلانسهم إلى رؤوسهم؛ كذلك فإن كل من يدخل إلى الملك في مجلسه يأخذ قلنسوته تحت إبطه، وكل من يجلس بين يديه يجلس باركاً. وكلهم يسكن القباب، إلا أن قبة الملك كبيرة، تسع ألف نفس وأكثر، مفروشة بالفرش الأرمني، وله في وسطها سرير مغشى بالديباج الرومي.
ويشير إلى علاقة التبعية التي تربط البلغار بجيرانهم الخزر، إذ يضطر ملك الصقالبة على دفع ضريبة إلى ملك الخزر مقدارها جلد سمور عن كل بيت في مملكته. ويضع ابنه رهينة عند ملك الخزر، الذي تزوج ابنة ملك الصقالبة غصباً، على الرغم من أنه يهودي وهي مسلمة، ومن جهة أخرى فإن ملك الصقالبة يأخذ العشر من كل سفينة تجارية تأتي من الخزر، وإذا قَدِم الروس أو غيرهم من سائر الأجناس برقيق فالملك يختار رأساً من عشرة رؤوس. ويحدثنا أن فيهم تجار كثر، يخرجون إلى أرض الترك فيجلبون الغنم، وإلى بلد آخر يقال له (ويسو) فيجلبون منه السمور والثعلب الأسود22. وإذا غزوا على بعض البلدان فللملك حصته فيها، كما أن في كل عرس أو فرح له قدر من الوليمة.
وهكذا نجد أن تنظيم السلطة، وعلاقة الجماعة بها، يجمعان بين حياة القبيلة وتنظيمها، وبين الملكية المركزية التي تتجلى في الضريبة التي يفرضها الملك على رعيته، وفي التجارة الدولية النامية في بلده، وفي السلطة والنظام اللذان يحرسهما.
2- السلوك الاجتماعي والديني:
لقد عرف ابن رسته، من قبل، دخول الإسلام إلى البلغار الصقالبة، غير أننا مع ابن فضلان ندخل ردهات الحياة الدينية اليومية للبلغار، إذ يصور لنا ما يتوافق أو يختلف مع الاعتقاد الإسلامي، فنجده غير راضٍ، بشكل عام، عن سطحية تمثُّل البلغار للمعتقد الإسلامي، وانعدام تجذره في سلوكهم؛ إذ رآهم يتبركون بعواء الكلاب جداً، ويفرحون به، لما يمثله لهم من دلالة على الخير فيقولون لبعضهم: "سنة خصبة وبركة وسلامة"، ويستغرب من رسومهم التي تقضي بأن يأخذ الجدُّ المولود دون أبيه، فيعطوا الحق للجد في حضنه حتى يصير رجلاً، وإذا مات منهم رجل ورثه أخوه دون ولده. من هنا قول ابن فضلان "فعرَّفت الملك أن هذا غير جائز، وعرفته كيف المواريث حتى يفهمها"23.
كما رأى أنه إذا وقعت صاعقة على بيت لم يقربوه تطيراً منه، وتركوه بما فيه من أنفس ومال حتى يتلفه الزمان، ويقولون عنه "هذا بيت مغضوب عليهم". وإذا كانوا يعاقبون القاتل العمد بالقتل، وهو يتفق إلى حد ما مع المعتقد الإسلامي، فإن ما يثير استغرابه أنهم يعاقبون من قتل رجلاً خطأ، بدون قصد، بوضعه داخل صندوق وتعليقه حتى يبليه الزمان وتهب به الريح. وأعار ابن فضلان موضوع المرأة انتباهاً خاصاً ولا سيما بعد أن رأى تخففها من ضوابط التقليد الإسلامي، فأثار استهجانه نزول الرجال والنساء إلى النهر ليغتسلوا جميعاً عراة لا يستتر بعضهم من بعض، فيقول "وما زلت أجتهد أن يستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك"24، إلا أنهم لا يزنون بشكل عام، ومن زنا منهم، كائناً من كان، ضربوا له أربعة سكك وشدوا يديه ورجليه إليها، وقطعوه بالفأس من رقبته إلى فخذيه، وكذلك يفعلون بالمرأة أيضاً، ثم تُعلّق كل قطعة منه ومنها على شجرة25.
أما فيما يتعلق بعادات الدفن، فإنه يصفها بدقة ربما لأنها كانت تخالف طريقة الدفن الإسلامية، فإنهم يغسلون الميت على طريقة المسلمين، إلا أنهم يحملونه، إذا كان حراً أو من الرؤساء، على عجلة تجرّه إلى مكان الدفن، حيث يضعونه على الأرض، ثم يخطّون حوله خطاً ويحفرون داخل ذلك الخط حفرة، ثم يجعلون له لحداً ويدفنونه في الحفرة. ويُمنع على النساء البكاء على الميت، ويبكي الرجال الأحرار، أما عبيد الميت فيأتون إليه بعد ذلك فيضربون جنوبهم بالسيور، وينصبون له مطرداً (=علماً) على باب قبة قبره، ويأتوه بسلاحه، ولا يقطعون البكاء عليه خلال سنتين، فإذا انقضت السنتان حطّوا العلم وقصوا من شعورهم، ثم يدعون بدعوة إيذاناً بخروجهم من الحزن، ويحق لزوجته بعده الزواج ثانية. أما في حال الميت من العامة "فيفعلون بعض هذا بموتاهم"26.
3- معاشهم وغرائبهم:
يلاحظ ابن فضلان أن أكثر البلغار مريض بداء القولنج (=مرض معوي)، حتى أن أكثرهم تختفي من وجهه الحمرة، ويلبسون جميعاً القلانس، وأكثر أكلهم الجاورس (نوع من الحبوب) ولحم الدابة، على أن الحنطة والشعير كثير لديهم، وكل من زرع شيئاً أخذه لنفسه، ليس للملك فيه حق، سوى ما يقدمونه له كل عام من جلد السمور. ويحفرون في الأرض آباراً ويضعون طعامهم فيها، فلا تمضي أيام حتى يتغير طعمه ورائحته، وليس لهم زيت أو دهن، سوى دهن السمك يعتمدونه في أكلهم. ويعملون من الشعير حساء للجواري والغلمان. وفي غياضهم عسل كثير، وعندهم تفاح أخضر شديد الخضرة، وأشدّ حموضة من خلّ الخمر، تأكله الجواري فيسمنَّ عليه. ولم ير في بلدهم أكثر من شجر البندق، كما يوجد عندهم شجر مفرط الطول وساق أجرد الأوراق، يجيئون إلى موضع يعرفونه في ساقه فيثقبونه فيخرج منه ماء أطيب من العسل، إذا أكثر منه المرء أسكره؛ وعندهم أيضاً رمان أمليس (لا نواة له) لذيذ جداً.
ولا ينسى أن يحدثنا عن المناخ والطقس، وما يحتويانه من غرائب، فيلاحظ تفاوت الليل والنهار واختلافهم عما اعتاده في بلاده، لدرجة صار حائراً والتبست لديه مواقيت الصلاة، فالنهار لديهم طويل جداً، إذ أنه يطول عندهم مدة من السنة ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، ورأى في يوم إقامته الثاني أن الشفق الأحمر الذي قبل المغيب لا يغيب البتة، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجلُ الأشياء عن بعد. ورأى القمر لا يتوسط السماء، بل يطلع في أرجائها ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر. ورأى البلد عند طلوع الشمس يحمرُّ كل شيء فيه الأرض والجبال وكل شيء27.
ويحدثنا عن عجائب، حرص أن ينسبها إلى غيره لغرابتها، رغم قوله: "رأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها" فهو يتحدث بلسان أحد أصحابه عن وجود حيوان غريب، هو دون الجمل في الكِبر وفوق الثور، وحوافره مثل أظلاف الثور، له في وسط رأسه قرن واحد غليظ مستدير، يرتقي ورق الشجر، إذا رأى الفارس ظل يلاحقه حتى يقتله، لذا فهم يصعدون إلى أعالي الشجر ليرموه بالسهام المسمومة لقتله. ولعله بذلك يصف ما يسمى بوحيد القرن.
كما يتحدث على لسان أحد الرجال عن شعب غامض يسميه يأجوج ومأجوج، ويبعد هؤلاء عن أهل (ويسو) ثلاثة أشهر، وهم عراة، يفصلهم البحر عن أهل (ويسو), وهم مثل البهائم ينكح بعضهم بعضاً. يخرج الله لهم كل يوم سمكة من البحر لطعامهم28. كما التبس عليه رؤيته لبعض الظواهر المتعلقة بالشفق القطبي، فتخيَّل أنه يرى أمثال الناس والدواب في الجو، تأثراً ببعض المعتقدات المحلية الراسخة.
كما يحدثنا عن لسان ملك البلغار عن شعب (ويسو)، وهو شعب فنلندي شمالي، ولعله كما يرى المستشرق "فرهن" شعب روسيا البيضاء، قرب موسكو الحالية، إذ يعلمه ملك البلغار أنه يبعد ثلاثة أشهر عن بلاده؛ والليل عندهم أقل من ساعة، يذهب إليهم تجار البلغار ليشتروا منهم جلود السمور والثعلب الأسود. فقدم لنا ابن فضلان صورة حية، عن مقطع من حياة البلغار قبل ألف عام، لا غنى عنها لأي مؤرخ لحياة وأصول شعوب شرق أوربا، فجمعت رسالته بين أسلوب التقرير الرسمي وبين الدراسة الإثنوغرافية لحياة هذا الشعب.
الروس
لقد قام برحلته إلى بلاد الروس، أثناء بعثته التي قادته إلى بلاد البلغار، فكانت في أواسط القرن العاشر الميلادي، أي قبل عهد الملك فلاديمير، وكان الروس آنئذ لم يعتنقوا المسيحية بعد29.
ويذهب "كريكتون" Micheal Crichton وأغلب المستشرقون الغربيون إلى أن ابن فضلان أطلق اسم روسية/ الصقلبية على السكان الذين التقاهم في بلاد الروس الحالية، ولكن هؤلاء الروس هم اسم قبيلة اسكندنافية، لذلك سماهم كريكتون في تحقيقه لرسالة ابن فضلان بـ(Northmon) النورديين، أو أهل الشمال، وهو يخالف رأي المستشرقين الروس الذين يعتقدون أنهم قبائل روسية أصلية السلوك الفردي والاجتماعي.
لا يختلف أسلوب ابن فضلان في تناوله للروس، عن تقريره الخاص بحالة شعب البلغار، فهو لا يكتفي بالوصف السطحي للواجهة السياسية بل يغوص لينقل لنا وصفاً إثنوغرافياً عن أساليب حياتهم المعاشية والدينية، وسلوكهم الاجتماعي والثقافي؛ فجمع لنا-حسب ميكيل- صورة نادرة عن هذه الأمة الغامضة والنائية، قبل أن تنتقل إلى المسيحية. وهو يأخذ كل جانب من جوانب حياتهم الاجتماعية والثقافية على حدة ليصدر حكمه عليه استناداً إلى المقاييس القيمية التي اكتنزها، فهناك الجانب الذي يثير الإعجاب، وجانب يثير منه الاستغراب أو الاستهجان، فلكل جماعة بشرية حسب مفاهيمه مواقعها المنيرة وجوانبها المظلمة، فهو يصف بإعجاب "لم أر أتم أبداناً منهم كأنهم النخل، شقر حمر، مع كل واحد منهم فأس وسيف وسكين لا يفارقه، وسيوفهم صفائح مشطبة إفرنجيـة"30.
ثم يراقب بدقة سلوكهم وعاداتهم، وأحياناً يصف ذلك بحيادية، فيها نوع من الاستغراب، فهو رآهم ينزلون بتجارتهم على نهر آتل (=الفولغا) لا يلبسون القراقط، ولا الخفاتين، ولكن يلبس الرجل منهم كساء يستر به أحد طرفي جسمه، ويخرج إحدى يديه منه. والواحد منهم ينقش جسمه من ظفر رجله إلى رقبته صور مخضرة بالشجر وغير ذلك، وتضع المرأة على ثدييها حقة (=وعاء) مشدودة من حديد أو فضة أو نحاس أو ذهب، على قدر مال زوجها، وعلى عنقها أطواق من ذهب وفضة، يرتبط عددها بحجم ثروة زوجها، وأجلَّ الحلي عندهم الخرز الأخضر من الخزف31. لكنه أحياناً، يصدَم بسلوكهم الاجتماعي، ولا سيما فيما يخصُّ العلاقة بين الجنسين، حيث يختفي التستر و"العفة" من جهة، وهو سلوك خاص بمجتمعه الثقافي-الديني، أو ما يخص النظافة و"الطهارة"، وما اعتاده من طقس إسلامي بهذا الخصوص، ففي البيت الواحد يجتمع عشرة أو عشرون شخصاً، لكل واحد منهم سرير يجلس عليه، ومعهم رفيقاتهم الجميلات، فينكح الواحد منهم جاريته، ورفيقه ينظر إليه، وربما يدخل عليهم تاجر فيصادف أحدهم ينكح جاريته "فلا يزول عنها حتى يقضي أربه"، ويعبر عن صدمته لخروجهم عن طقس "الطهر" والنظافة الإسلاميين بقوله: "وهم أقذر خلق الله، لا يستنجون من غائط أو بول، ولا يغتسلون من جنابة، ولا يغسلون أيديهم من الطعام، بل هم كالحمير الضالة، يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بآتل، وهو نهر كبير، ويبنون على شطه بيوتاً كباراً من الخشب"32.
ويصف بتقزز عاداتهم اليومية بغسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء، إذ تأتيهم الجارية بالغداة بقصعة كبيرة فيها ماء، فتناوله لسيدها فيغسل منها يديه ووجهه وشعر رأسه، ثم يتمخط ويبصق فيها، ثم تحمل الجارية القصعة إلى الذي يليه، وهكذا حتى تديرها على جميع من في البيت.
1- الدين والسلطة:
يلاحظ أن ديانتهم ترتبط بمعاشهم وبحاجاتهم الاجتماعية، وبتلبية هذه الحاجات، فعندما يرسون بسفنهم على شاطئ نهر آتل، يأتون بها ببضائعهم للإتجار بها، جواري وسمور؛ فيخرجون ومع كل واحد منهم خبز ولحم وبصل ونبيذ، يتجهون إلى خشبة منصوبة لها وجه يشبه الإنسان، وحولها صور صغار، وخلف تلك الخشبة خشبة طويلة أخرى تنصب في الأرض، هي مقدسة عندهم، فيأتي تاجرهم إلى الصورة الكبيرة ويسجد ويتضرع لها، علّها تسهّل له أمر بيعه لتجارته، فيقول لها: "يا ربِّ قد جئت من بلد بعيد، ومعي من الجواري كذا وكذا رأساً، ومن السمور كذا وكذا جلداً". فيذكر جميع ما عنده من تجارة، ثم يقول: "وجئتك بهذه الهدية"، فيترك هديته لها وينصرف، فإن تعذرت تجارته أعاد الطقس نفسه وقدَّم هدايا أخرى. فيعمد إلى ذبح غنم وبقر ويطرحها على الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها، فإذا أتت الكلاب عليها في الليل، يقول: "قد رضي ربي عني وأكل هديتي"33.
ولفت ابن فضلان النظر إلى عقوباتهم المعتمدة في تقاضيهم، فهم يجازون السارق بنصبه على شجرة غليظة، وبشده من عنقه بحبل يعلقوه فيها، حتى يتقطع بفعل الرياح والأمطار. وإذا مرض الواحد منهم نصبوا له خيمة، وتركوا معه خبراً وماءً، لا يقربوه ولا يكلموه، فإذا برئ رجع إليهم، وإن مات أحرقوه، وإذا كان مملوكاً تركوه للكلاب وجوارح الطير.
ويغلب على الصورة التي يقدمها ابن فضلان عنهم، لون البداوة، وحياة الحرب والقسوة، والتخفف من قيود الحشمة والتعفف فيما يتعلق بعلاقتهم بالنساء، فملك الروس يحتفظ بجواره دائماً بأربعمائة رجل من صناديد أصحابه، وأهل ثقة عنده "ومع كل واحد جارية تخدمه وجارية أخرى يطؤها، يجلسون تحت سرير سيدهم، المرصع بنفيس الجواهر، ويجلس مع الملك على تخته أربعون جارية لفراشه، وربما وطئ الواحدة منهن بحضرة أصحابه؛ وهو لا ينزل عن سريره، حتى أنه يقضي حاجته في طشت يقدَّم إليه، وله خليفة يقود الجيش ويحارب الأعداء ويخلفه في رعيته"34.
2- طقس الدفن:
يعرض ابن فضلان في صفحات مطولة مشاهد الدفن، التي تبدو أنها أثارت لديه انفعالات متضاربة، ففي هذه المشاهد من الغرابة والألم والسمو واللامعقول والدلالات الغريبة، التي تبدو برمتها غير مألوفة لديه، لدرجة الصدمة.
لقد سمع أن الروس يفعلون بملوكهم عند الموت أموراً غريبة بما فيها الحرق، فأراد أن يكون شاهداً مباشراً على وقائع دفن أحد الموتى من رجالهم الأجلاء، كما حرص أن يدوّن لنا المشاهد بكل تفاصيلها، فامتزج في وصفه الإحساس العميق بأن مشهداً أسطورياً أليماً وجليلاً يحدث أمامه مباشرة بمشاعر الاستغراب والتعاطف والأسى.
فمن عاداتهم أن يضعوا الرجل الفقير الميت في سفينة صغيرة ويحرقونها، أما الرجل الغني فيقسمون ثروته، فثلثها لأهله وثلثها يخيطون له بها ثياباً وثلث للنبيذ الذي يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتموت مع مولاها. فأراد ابن فضلان أن يقف على إحدى تلك الحالات، فلما مات رجل جليل وضعوه في قبره حتى يخيطون له ثيابه، وسألوا جواريه: من يموت معه؟ فتقدمت إحداهن، فوكلوا لها جاريتين لتهيئانها لهذا الحدث الجليل؛ ويقضون هذه الفترة بشرب النبيذ ليلاً ونهاراً، وربما مات الواحد منهم والقدح بين يديه.
فلما كان اليوم الذي يُحرق فيه الميت والجارية حضر ابن فضلان إلى النهر حيث السفينة التي يتم فيها الحرق، فجاؤوا بسرير فوضعوه على السفينة وغشّوه بالمضرَّجات (=المساند) والديباج الرومي ومساند الديباج الرومي، وتولَّت امرأة عجوز تُسمى ملك الموت أمر فرش السرير، وأحضروا الميت من القبر إلى السفينة، وألبسوه ثيابه الجديدة، وأدخلوه القبة التي في السفينة، وأجلسوه على المساند وبجانبه النبيذ والفواكه والريحان، وخبز ولحم وبصل طرحوه بين يديه، وبسلاحه، وبدابتين وبقرتين وديكاً ودجاجة قطعوها وألقوا بلحمها على السفينة.
والجارية التي نذرت نفسها للموت معه تذهب وتجيء وتنتقل من قبة إلى قبة، حيث يضاجعها الرجال ويقولون لها: "قولي لمولاك إنما فعلت هذا من محبتك"، فينصهر الفعل الجنسي بالموت بحضور الرغبة بالخلود.
فلا يتوقف ابن فضلان عن تعقب التفاصيل، فيأتون بالجارية ويحملونها على أكفهم حتى تشرف على باب السفينة ثلاث مرات، فتقول في المرة الأولى: هو ذا أبي وأمي، وفي الثانية: أرى جميع قرابتي الموتى قعوداً، وفي الثالثة: هو ذا أرى سيدي قاعداً في الجنة، وهو إشارة إلى تساميها على رماد الحياة إلى الخلود والحضور في جنة الخلود حيث تلتقي بسيدها، فمرّوا بها إلى السفينة، ثم يأتي دور المرأة العجوز، التي تلعب، حسب وصف ابن فضلان، دور العراف والشامان المقدس، والتي تسمى ملك الموت والمكلفة بقتل الجارية، فتدفعها إلى السفينة، وتدفع إليها قدحاً من النبيذ، فتغني وتشربه، بعدها تدخِلها إلى القبة التي فيها سيدها، وهناك يدخل ستة رجال، فيجامعوا الجارية ويضجعونها إلى جانب مولاها. وتجعل العجوز في عنق الجارية حبلاً تدفعه إلى اثنين من الرجال ليجذباه، ثم تقبل ومعها خنجر فتدخله في أضلاعها حتى تموت، والرجال في الخارج يضربون على التراس ليحدثوا ضجيجاً يمنع سماع صوتها، ثم ينتهي المشهد المذهل والمروع بإشعال السفينة من قبل أقرب الناس إلى الميت، ثم يبادر الجميع بإلقاء الخشب المَحرَق، فتأخذ النار في الحطب ثم السفينة ثم القبة والرجل والجارية وجميع ما فيها35. ثم بنوا على موضع السفينة، ونصبوا في وسط البناء خشبة كبيرة، كتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس وانصرفوا.
هذه رواية شاهد عيان حية، يلاحظ المؤرخ وجود عادة الدفن والحرق المتبعة لدى الروس القدماء وعند الصقالبة والأتراك أيضاً، وربما جاءت عادة السفينة من العالم الاسكندنافي، وتذكِّر الموكبات الموسيقية بعادات سويدية أو صقلبية؛ أما موت المرأة الإجباري فشائع عند أمم عديدة مثل الأسقونيين والأتراك والمغول والبلغار والجرمانية والصقالبة؛ ويُعرف دفن الميت جالساً في آسيا الوسطى؛ أما دفن أغراضه معه فشائع عند الصقالبة والبلغار والأتراك، وقد يشابه ملكة الموت عندهم آلهة الموت الجرمانية هيل36.
لقد امتزج في وصف ابن فضلان لهذا الحدث الجليل، الإحساس بمرارة ومأساوية الحدث الذي تبدى أمامه بالتعاطف، وأيضاً بالدهشة والغرابة، فنحن هنا أمام ارتطام مرجعيتين ثقافيتين لا تلتقيان إلا بتلك الرغبة بالخلود، والارتفاع عن اليومي إلى ذروة التعالي، وإن كان هنا يجري -حسب ابن فضلان الفقيه المسلم- بطريقة خاطئة، ولقد كان حاضراً في وجدانه أثناء وصفه للمشهد، هذا الافتراق في القيم والمرجعيات التي تؤسسها، فلا ينسى أمام وقوفه عند تفاصيل الموت أن يتذكّر ما جرى من حوار بينه وبين أحد الروس، عن طريق المترجم، وهم ينظرون إلى السفينة وهي تحترق، إذ قال له الروسي: "أنتم يا معشر العرب حمقى"، فقال ابن فضلان: لم ذلك؟ قال الروسي: "إنكم تعمدون إلى أحب الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب، وتأكله التراب والهوام والدود، ونحن نحرقه بالنار في لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته"37، وضحك ذاك الروسي ضحكاً مفرطاً، فسأله ابن فضلان عن السبب، فقال: "من محبة ربه له (=يقصد الميت) قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعته". ولكن هذا الحوار بالتأكيد لم يقرِّب أسس الفهم بينهما، لذا كان الروسي مبتهجاً لحدوث التعالي أمامه، بينما كان ابن فضلان كدراً مهتزاً في أعماقه لمشهد بدا له مروعاً وأليماً! الأول رأى في الحدث جسراً للعبور إلى الأبدي، والثاني رأى فيه حدثاً تمتزج فيه القوة واللامعقول بالألم.
الخزر
لقد تعرَّف العرب على الخزر عن قرب، فقد التقينا بهم مع ابن رسته، وكان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية قد طاردهم إلى شمال الدربند، واحتل حاضرتهم آتل، إلا أنهم عادوا وتحصنوا في ماوراء جبال القفقاس، ورداً على الضغط الإسلامي من قبل العباسيين من جهة، والضغط المسيحي من قبل بيزنطة، اختارت النخبة اليهودية ديناً لها، وفشلت محاولات بيزنطة السياسية تارة والتبشيرية تارة أخرى في دفعها إلى المسيحية حيث لم تنجح جهود القديس (كيرلس) في صرفهم عن اليهودية38. فقد تهودت هذه الدولة في عهد هارون الرشيد، واستمرت في مناوشتها للإسلام، وتحالفها مع بيزنطة حتى انهيارها، ولعل اليهود الأوربيون وعلى الأقل يهود أوربا الشرقية يرجعون بأصولهم إلى هذه الدولة بعد تمزقها، ولا يمتون بأية صلة أقوامية وسلالية إلى ما سمي "بني إسرائيل".
وقد حصل عند العرب بعض اللبس في أصول الخزر، فلم يكن هناك إجماع على أصولهم التي يرجعها البعض إلى أصول تركية، رغم أن ما يروى عن أديانهم ومؤسساتهم السياسية تجد ما يشابهها عند الشعوب التركية39. أما ابن فضلان فيربطهم بعلاقة غامضة بالأتراك، ويركز في وصفه لهم الوجه السياسي، فيستغرق في وصف الملك ووظائفه وسلوكه أكثر مما يعطينا صورة عن الحياة اليومية للخزريين. فملك الخزر يسمى عندهم (خاقان) أو الخاقان الكبير، لا يظهر للجمهور إلا كل أربعة أشهر حفاظاً-على ما يبدو- على المهابة، وله خليفة أو نائب يسمى (خاقان به) يقود الجيوش ويسوسها ويدبر أمر المملكة، ويقدّم كل إشارات الطاعة للخاقان الأكبر فلا يدخل عليه إلا حافياً وبيده حطب يوقده بين يديه، بعدها يجلس على يمين سريره، ويخلفه رجل يقال له كندر خاقان، ويخلف الأخير رجل يقال له جاوشيغر.
وإذا مات الخاقان الأكبر (الملك الأكبر) يبنى له دار كبيرة فوق نهر، ويجعلون القبر فوق ذلك النهر، ويقولون: حتى لا يصل إليه شيطان ولا إنسان ولا دود ولا هوام". وإذا دُفن ضربوا أعناق الرجال الذين دفنوه، حتى لا يُدرى مكان قبره.
ولملك الخزر خمسة وعشرون امرأة من أبناء الملوك المجاورين، وإذا ركب ركب معه سائر الجيوش، ويكون بينه وبين المواكب ميل، ويخرُّ له ساجداً كل من صادفه في طريقه، ومدة ملكه أربعون سنة فإذا تجاوز هذه المدة قتلته رعيته وخاصته بحجة أنه سيعاني نقص في عقله بعد ذلك.
ويشير إلى بسالة جيوشهم، فإذا بعث الملك سرية لم تولِّ الدبر بوجه ولا سبب، فإذا انهزمت قُتل كل من تراجع، فأما إذا انهزم القواد أو خليفة الملك، أحضر الملك نساءهم وأولادهم ووهبهم إلى غيرهم، ومعهم دوابهم ومتاعهم وسلاحهم وبيوتهم، وربما علقهم بأعناقهم في الشجر. وتقع مدينة ملك الخزر على جانبي نهر آتل، وعلى أحد الجانبين يقطن المسلمون وفي الجانب الآخر الملك وأصحابه، وعلى المسلمين رجل مسلم من رجال الملك يقضي في أمور المسلمين40. وهناك أيضاً جماعات من النصارى، والوثنيين، فالخزر مجتمع تعددي تهيمن عليه نخبة حاكمة يهودية.
- ابن فضلان في البلاد الاسكندنافية
تدل الأوراق والنصوص التي استغرق في تجميعها بيير كراوس دولوس Per Croaus Dolus ما بين العامين 1951-1957، وترجمها ميشيل كريكتون من النروجية إلى الإنكليزية، على أن ابن فضلان قد عرَّج شمالاً إلى البلاد الاسكندنافية بعد زيارته إلى بلاد الروس. إذ أجبرته إحدى القبائل الروسية ذات الجذور الشمالية، وكانت تقيم بجانب نهر الفولغا، عند زيارته لها، على رفقة مجموعة من رجالهم المحاربين ليكون العدد الثالث عشر فيهم، وذلك في مهمة حربية لنجدة إحدى الممالك الدانماركية المسماة مملكة روثغار من غزو الوندول المحيطين بهم. فلقد كان، كما تبين له، ضحية اعتقاد الشماليين الفايكنغ بقدسية الرقم 13، إذ كانوا يعتقدون أن القمر ينمو ويضمحل ثلاثة عشر مرة خلال العام، ولهذا السبب تضمنت الحسابات الهامة لديهم على العدد 13، ومن جراء اعتقادهم بسحرية المقطع الثالث عشر، وأن يكون أجنبياً تم اختيار ابن فضلان لأنه أجنبي ليصبح الرجل الثالث عشر السحري في المجموعة41.
وعندما دخلت مجلس القبيلة الروسية "عجوزهم الشمطاء" ذات القوة الشامانية السحرية عندهم، والمعروفة عندهم بـ"ملكة الموت"، أخرجت كيساً جلدياً فيه عظام، نثرتها على الأرض مرتين متتاليتين فاختارت (بوليويف) قائداً للمجموعة، ومعه أحد عشر رجلاً، ثم أشارت "ملكة الموت" إلى ابن فضلان ليرافقهم، ففسر له المترجم هرجر أن الآلهة اختارته ليكون الرقم السحري الثالث عشر باعتباره الأجنبي الوحيد في المجموعة42.
وهكذا أجبر ابن فضلان بالنهاية على السفر تاركاً أصحابه وراءه، معتمداً على مترجمه الوحيد (هرجر) للتفاهم مع المجموعة، قاصداً بلاد الدانمارك، ومملكة روثغار الدانماركية، فيستغل ابن فضلان هذه الرحلة لتدوين مذكراته عنها، فقدم شهادة نادرة عن حال شعوب الفايكنغ الاسكندنافيين، في فترة غامضة من حياتهم. وقد وصف كريكتون هذا الجزء من الرحلة بقوله: "يمثل مخطوط ابن فضلان أقدم وصف معروف لشاهد عيان عن حياة الفايكنغ ومجتمعهم، ويعتبر وثيقة بارزة، في وصفه لحوادث وقعت منذ ما ينوف عن ألف عام، بتفصيل مميز مفعم بالحياة"43.

في طريق الشمال البارد
يصف ابن فضلان، في رحلته الطويلة إلى الشمال، والناس والطبيعة، قبل وصوله إلى بلاد الدنمارك، فشهد أنه كلما أمعنوا شمالاً، ازدادت البرودة وتكاثر المطر أو الصقيع، والغابات والغياض، والظواهر غير المألوفة لديه كالأشجار "المكتظة العملاقة" والأرض "رطبة وباردة، ومثيرة للقشعريرة، ذات خضار شديد في بعض المواقع، إلى درجة تؤذي العيون من سناء اللون، بينما هي سوداء قاتمة، توجس بالخطر، في بعض المواقع الأخرى"44. وسافر خلال أسابيع خلال الغابات، ولقى المطر الغزير، الذي يصفه بأنه "يهطل بكثافة تدعو إلى الانقباض".
ويصف لنا سفنهم، حيث ركبوا واحدة منها، كانت بطول خمسة وعشرين خطوة، وبعرض ثماني خطوات أو أكثر قليلاً، ومصنوعة صناعة ممتازة، من خشب السنديان، واللون أسود يجلل كل من مواقعها "وقد نصب عليها شراع مربع من قماش محبوك بحبال من جلد الفقمة، ويجلس مدير دفة السفينة على منصة صغيرة قرب مؤخرتها، يدير دفة السفينة المربوطة بجانب السفينة على الطريقة الرومانية ، وقد ركبت على السفينة قواعد المجاديف، إلا أنهم كانوا يستعملون الشراع فقط، وفي مقدمة السفينة نحت خشبي لوحش البحر، وفي مؤخرة السفينة ذيل45.
وعبروا عباب الفولغا عشرة أيام، إلى أن وصلوا إلى منطقة شديدة البرودة، عليها ثلج كثيف، وكثيرة الغياض، ويسميها الشماليون، حسب ابن فضلان (فادا).
وعلى الرغم من وصف ابن فضلان لرفاقه الفايكنغ بـ"أفضل بحارة في العالم" إلا أنه وجدهم "لا يسافرون عادة في الليل أبداً" يفضلون أن ترسوا سفينتهم بالليل على الشاطئ، منتظرين ضوء الفجر، ولاحظ مع تعاقب الأيام أن فترة الليل، أثناء أسفارهم، صارت قصيرة جداً، إلى حد "لا يمكنك أن تطهي ملء قدر من اللحم خلالها"، ولم يكن النوم في تلك الأماكن الباردة منعشاً. فعرف من مترجمه هرجر: أن في البلاد الشمالية هذه، يكون النهار طويلاً في الصيف، والليل طويلاً في الشتاء، ونادراً ما يتعادل الليل والنهار46.
ولا يكل ابن فضلان من الحديث عن تفاصيل حياتهم، فسجَّل أنهم يعتمدون على الصيد في طعامهم، حيث كانوا يصطادون الطرائد في طريقهم "حيواناً صغيراً أو طيراً"، ثم يلتهم رفاقه الطعام بدون طهي، إذا كان الطقس ممطراً، ويصف قرية (مسيورغ) التي مروا عليها، إذ لاحظ بيوتها خشبية، وقليلة العدد وواسعة، وأن أهلها يعيشون "على بيع الأطعمة للتجار، الذين يجيئون ويذهبون على طول هذه الطريق"، وقد ترك رفاقه قاربهم فيها، وسافروا براً على الخيل ثمانية عشر يوماً، في منطقة جبلية ذات طقس شديد البرودة، فرآهم كيف يندفعون، أحياناً، على خيولهم خلال الأشجار الكثيفة "دون اهتمام بالخوف" غير أنهم يتجنبون دخول أعماق الغياض، ثم يترجلون فيضرمون النار، ويقدمون الطعام الذي يتألف "من رقائق الخبز اليابس"، ويقصون لبعضهم عند استراحتهم في الليل "حكايات التنين والحيوانات المفترسة، وقصص أجدادهم الذين ذبحوا تلك الحيوانات"47.
ويلفت النظر إلى أن الشماليين الفايكنغ يتعاملون بالذهب والأصداف، حيث شاهد رفاقه يبدلون جيادهم، في كل مرحلة، ويدفعون أثمانها لأصحابها القرويين "الذهب والأصداف الصغيرة الخضراء، التي يثمنها الشماليون أكثر من أي شيء آخر في الدنيا"48.
وتتكشف له في طريقة عاداتهم وأخلاقياتهم، فرفاقه الفايكنغ اعتادوا شرب الخمر، وكلما افتقدوه "ازدادوا توتراً وغضباً"، لهذا عندما وصلوا إلى قرية فيها خمر "شربوا بطريقة خشنة، غافلين من فرط تلهفهم.. عن أن المشروب يسيل على ذقونهم وألبستهم"49.
وعرف أن من عاداتهم قبل سفرهم أن يقضوا الليل شراباً وقصفاً، ففي قرية (لينبورغ) البحرية، وقبل أن يستأنف رفاقه سفرهم، ازدادوا شرباً وصخباً ومرحاً، يلهون خلالها مع النساء والفتيات، فاستنتج ابن فضلان "أن هذه عادة الشماليين قبل القيام برحلة بحرية، لأن أي إنسان لا يعرف ما إذا كان سيبقى على قيد الحياة بعد الرحلة، لهذا يمضي في عربدة مفرطة"50.
ولم يخف ابن فضلان إعجابه بكرم أهل الشمال "فحيثما حللنا كنا نستقبل بالترحيب وعظيم الضيافة، لأن هذا يعتبر فضيلة عند هؤلاء القوم"51.

بلاد الدانمارك
يذكر ابن فضلان أنه أبحر مع رفاقه يومين بمحاذاة شاطئ مسطح تحيط به جزر كثيرة تدعى (الدانس)، وهو اسم يقابل لفظة دينز Danes الإنكليزية، على ما يُعتقد، أي الدانماركيين52، إلى أن وصلوا إلى منطقة مستنقعية تتلاقى فيها بضعة جداول ثم تصب في البحر، ويذكر أن هذه الأنهار تدعى (وايك)53 ويبدو أن أصل هذه الكلمة Vik أي الفايكنغ Viking.
ويشير ابن فضلان نفسه، إلى أن الناس الذين يقطنون في منطقة الأنهار هذه "وايكنغ" و"ترمز هذه الكلمة عند الشماليين إلى المحاربين الذين يبحرون بمراكبهم عبر هذه الأنهار"54 ليغيروا على المستوطنات القائمة على شطآنها.
ثم يحدثنا عن توقفهم عند مكان عجيب، في هذه المنطقة، يدعوه ابن فضلان (تريلبورغ)، ولعله يقصد حسب كريكتون مدينة Trelleborg وهي غربي جزيرة زيلاند الدانماركية، التي تقع كوبنهاغن عاصمة الدانمارك في أقصى شرقها55، ولفت نظره أن تريلبورغ عبارة عن معسكر للجند، ورجالها محاربون بينهم عدد قليل من النساء والأولاد. وقد شيدت تحصيناً بعناية على الأسلوب الروماني، يحاط الجزء الرئيسي منها بسور ترابي ارتفاعه مقدار قامة خمسة رجال، وينتصب فوقه سور خشبي، وخلف السور يوجد خندق مملوء بالماء، والحراس يجوبون الأسوار ليلاً نهاراً56. ولاحظ الطريقة المنتظمة الهندسية، التي شيدت عليها مساكن المستوطنة الستة عشر، بحيث تؤلف كل أربعة بيوت مربعاً، وبيوتهم مصنوعة من الخشب، ويسميها الشماليون "البيوت الطويلة"، وجدرانها منحنية تشبه المراكب المقلوبة، مقطوعة من الأمام والخلف، لعلها تشبه، حسب وصف ابن فضلان (البرال Barral).
وهي بيوت طويلة ذات مدخل واحد شديد الانخفاض، لا تتناسب "ورجال الشمال العمالقة"، وذلك ليتمكن مقاتل واحد في داخل البيت من رأس أي مهاجم، فاستنتج ابن فضلان، أن مستوطنة تريلبورغ "كانت من كل النواحي مبنية للحرب والدفاع، فالتجارة لا تمارس هنا أبداً"57.
كما يلاحظ أن شعب تريلبورغ يعيش على السمك، وعلى القليل من الخبز، ولا يمارسون الزراعة، ورغم أن أراضي المستنقعات التي تحيط المستوطنة تشمل على مناطق تصلح للإنبات، وسبب ذلك أنهم شعب محارب ويعيش على الصيد. وأغلبهم من الرجال، وجميع النساء من الجواري، ولا توجد زوجات "وينال الرجال من يشاؤون من النساء بحرية، وكيفما يشاؤون"58. إلا أنه وبالمقارنة مع الروس، وجدهم ابن فضلان "شعباً نظيفاً بالنسبة لجنسهم" إذ كانوا "يغتسلون في النهر، ويتخلصون من نفاياتهم خارج الأبواب"59.
مملكة روثغار الدانماركية
لعل مملكة روثغار، التي وصلها في نهاية رحلته، هي إحدى المستعمرات الدانماركية في بلاد الوند Wend، وهو شعب سلافي كان يسكن في سكسونيا بجوار بروسيا الألمانية، حيث كانت هناك مستوطنات للفايكنغ، وكانت إحداها مملكة روثغار حيث كان الدانماركيون يحكمون في تلك الأثناء60.
ويشير ابن فضلان إلى أنهم أبحروا يومين بعد خروجهم من تريلبورغ بين بلاد يسميها (الدان)، وهي بلاد الدانمارك، وفي الثالث اجتازوا ممراً مائياً مفتوحاً، لعله ممر Storestroen، بين جزيرتي زيلاد وموين Moen من الشمال، وبين جزيرة فولستر Falster من الجنوب، وهي جزر دانماركية. فوصلوا إلى مقاطعة يسميها (فندن) وهي نسبة إلى الوند، فيصف هنا أراضي الوندول بأنها "جبلية وعرة". ثم أبحروا على الساحل حتى وصلوا إلى مملكة روثغار، التي تشرف على البحر الرمادي الهائج.
وأول ما يلاحظه قصر الملك العظيم "خشبي ضخم، قوي البنيان، مهيب المنظر" ومزيناً "بنقوش أنيقة، مرصعاً بالفضة التي كانت تتلألأ، وتلمع عن بعد"، وهو محصن تحصيناً شديداً. وسمع أن الدانماركيين يعتقدون "أنه لا يوجد له مثيل في العالم"، وقد أطلقوا عليه اسم "هوروت"، فعرف أن من عادة الشماليين أنهم "يمنحون الأسماء للأشياء المتعلقة بحياتهم، كالمباني، والمراكب، وخاصة الأسلحة"61.
في مقابل ذلك، رأى بيوت المزارعين متواضعة مؤلفة من "جدران خشبية، الذي سدت الشقوق بين ألواحه بلصاق من طين مخلوط بالقش" بينما كان السقف من الغماء (أي القش) المشبك، والخشب"، وأرض المنزل ترابية، وفيه موقد يستعمل روث الحيوانات "لأن أهالي المزرعة ينامون مع حيواناتهم داخل الغرف من أجل الحصول على الدفء الذي تشعّه أجسام هذه الحيوانات، كما يشعلون الروث في الموقد للحصول على النار"62.
ولاحظ ابن فضلان أن هذه المساكن الشعبية طويلة ومنحنية الجوانب، كما في تريلبورغ، ولكن لا توجد فيه مربعات، كما لا توجد تحصينات أو أسوار ترابية. واعتمدت مملكة روثغار على تحصينات، مؤلفة من سور وأوتاد حادة الأطراف، ثم أتت "عجوزهم الشمطاء" المسماة "ملكة الموت"، فذبحت خروفاً ثم نثرت أمعاءه على الأرض، وغنت أغانٍ مختلفة، وختمت طقوسها بالتضرع والتوسل نحو السماء63، وكأنها تطبع قوتها السحرية على تلك التحصينات. ولم يفهم ابن فضلان جدوى تلك التحصينات، إلا بعد أن اخترقت تلك الأوتاد، ذات الرؤوس الحادة، أجساد خيول الوندول عند مهاجمتهم مملكة روثغار.
وسجل ابن فضلان عادات الطعام الملكي على مائدة ملك روثغار، التي جلس إليها مع رفاقه، فكان لكل رجل سماط وصحن، وملعقة وسكين، وقدموا لهم وجبة "من لحم الخنزير والماعز والسمك المسلوق، إذ أن أهل الشمال يفضلون كثيراً اللحم المسلوق على اللحم المشوي. كما كان هنا كثيراً من الملفوف والبصل والتفاح وأثمار البندق"64، وقدموا لابن فضلان، لأنه لا يأكل لحم الخنزير "لحم سمين حلو المذاق، قيل أنه كان لحم الإبل"، وشربوا على المائدة شراباً يسموه "المعبد" وهو مصنوع من العسل.
الوندول
ندرك من خلال وصف ابن فضلان إلى أية درجة كان الدانماركيون يخشون من شعب الوند، أو الوندول Wendol، وهم شعب سلافي كان يسكن سكسونيا بجوار مستوطنات الفايكنغ الدانماركيين، بما فيها مملكة روثغار. وينقل ابن فضلان صورة غامضة عن هؤلاء الوندول، إذ يكتفي بنقل ما تخيله الدانماركيون عنهم، وحتى بعد احتكاكهم بهم أثناء المواجهة معهم، ظلت صورتهم متأثرة بأحكام رفاقه الدانماركيين، الذين ينظرون إليهم كخطر أكبر، لدرجة أن مجرد ذكر اسمهم يولد الخوف لديهم، لذا فهم يتجنبون ذكره. فكانوا يشيرون إليهم أحياناً بـ"الضباب" لخوفهم من نطق الاسم، لما يحمله الاسم من قوة سحرية يجعله يقوم بدور البديل عن صاحبه، ثم تحول عندهم الضباب نفسه إلى مصدر للخوف، إذ لاحظ ابن فضلان كيف أشار مترجمه هرجر وهو خائف، إلى "الضباب وهو يغطي الغابات" دون أن يتكلم أو يذكر اسمه، فسأله ابن فضلان إن كان مصدر خوفه من الضباب، فلم يجبه65. كما كانوا يقولون عنهم "الضباب الأسود" و"الشيطان الغر" أو "تنين الكورغون"، وعندما شاهدوا آثار أقدام الوندول نطقوا برعب، لأول مرة أمام ابن فضلان: وندول، وندول!. وعندما تنبأت "العجوز الشمطاء" بغزو الوندول، اكتفت بالقول: "أن الضباب سيأتي الليلة"66، ثم صادف ابن فضلان شيخاً عجوزاً، فأعلمه أن "الوندول اسم قديم جداً، أقدم شعوب أهل الشمال، ويعني الضباب الأسود. ويعني هذا بالنسبة للشماليين، ضباباً يجلب تحت جناح الليل أشراراً، أو شياطين يقتلون الكائنات البشرية، ويذبحونهم ويأكلون لحومهم، وأجسام هؤلاء الشياطين مكسوة بالشعر، وهم كريهو الملمس والرائحة.. ويأتون مع ضباب الليل"67، ويذكر الشيخ العجوز أن مناطق سكناهم كريهة، حتى أن الأيل يفضل الموت من قبل الكلاب على الدخول في مناطقهم.
لعل ابن فضلان قد تبنى الروايات التي نسجها الدانماركيون عن الوندول، وهذا ما جعله يشبّه أصوات الوندول بـ"قباع الخنزير" ورائحتهم بـ"زنخة كرائحة الجثة العفنة"68، وعندما شاهد هجومهم على ملك روثغار تخيل اندفاع تيار من الهواء "العابق بالروائح الكريهة"، فبدا له الوندول باندفاعهم "كأنهم ألوف من الأشكال السوداء". وعندما اشترك بالمعركة ضدهم، تذكر "لمسة أولئك الوحوش على جسمي، ومظهر أجسامهم الفروي، إذ لوحوش الضباب هؤلاء شعر طويل كثيف"69.
لكن ابن فضلان بعد مواجهته الأولى تتحرر أحكامه نسبياً من تصورات رفاقه الدانماركيين عن الوندول، فيصف هجومهم الثاني "كان جسم التنين طويلاً.. ومنظره فظيعاً.. ومع ذلك لم أكن خائفاً، لأنني أيقنت الآن أنه عبارة عن ثلة من الفرسان يحملون الشماعل"70. وقد علم من الدانماركيين أن القضاء على الوندول يتطلب القضاء على "عجوزهم الشمطاء" المسماة "ملكة الموت"، لما تمتلكه تلك العجوز من قوة سحرية لديهم، فهي بمثابة أم القوم، تعيش فيما سموه بـ"كهوف الرعد"71.
وتعرَّف بصحبة الفايكنغ الدانماركيين على بلاد الوندول، وقراهم ومنازلهم، فوجد برودة الطقس الشديد وأن أراضيهم تحتوي الكثير من البرك والينابيع الحارة الفوارة، ويتجمع فيها ضباب خفيف، ويطلقون عليها اسم "منطقة البحيرات ذات البخار الصاعد"72.
وكلما توغلوا أصبح الضباب أكثر كثافة، وشاهد على حدود أراضيهم جماجم دببة ضخمة، الني كان الوندول يعبدونها، حسب تفسير هرجر الذي قال لابن فضلان "إن جماجم الدببة تحمي حدود أراضي الوندول"، كما شاهد صخرة ضخمة على شكل امرأة حبلى، عليها بقع دم الضحايا، إذ كانوا يذبحون عليها القرابين73. وذكر له هرجر أن الوندول "يأكلون أنخاع الضحايا الإنسانية، كما يأكل الإنسان البيض والجبن"74.
وبالنهاية تبنى ابن فضلان أحكام رفاقه عليهم، لدرجة أنه صوَّرهم "مخلوقات قصيرة عريضة المنكب، غليظة القامة، تغطي الشعور كل أجزاء أجسامها، خلا راحة أيديهم، وأخمص أقدامهم، ووجوههم"75.
ثقافة الفايكنغ الدانماركيين
وتصادم المرجعيات
لقد خاض ابن فضلان قسراً تجربة إنسانية عميقة في رحلته إلى بلاد الفايكنغ، ولا سيما بلاد الدانماركيين، دخل فيها في فواصل التخوم الحضارية، واختبر التغاير الثقافي مع أناس بدوا له مخيفين لأول وهلة، إلا أن التعايش وما خلقه من تعاطف خفف من وطأة الفواصل الثقافية، وقربه منهم.
لقد سجل ما رآه بعين عربي-إسلامي من بغداد الزاهية، الواثقة من مكانتها الحضارية، فلم يقتصر على تسجيل السطحي من أحداث، بل ذهب عمقاً في ملاحظاته ليعطي صورة إثنوغرافية عن أناس مغايرين، فيعرفنا من خلالها على ديانتهم واعتقاداتهم وسلوكهم الاجتماعي ونظامهم السياسي، وأبرز أشكال سلوكهم العائلي والاجتماعي، وبجانب هذا كله لم يخف أحكامه وتقييمه لحياتهم، فكانت ملاحظاته مزيجاً من التقصي الموضوعي والتقويم الحضاري لهم.
فلم ينظر إلى الدانماركيين، وإلى جوارهم من الفايكنغ الآخرين، بعيون السائح الجوّال الباحث عن النادر، والمشهد السريع، بل غلبت عليه روح الإثنوغرافي، والمحلل النفسي، والمؤرخ، والشاهد.
اختبر البرد والصقيع، ومشاهد الغياض، والحيتان، والنباتات القطبية، والأشجار العملاقة الكثيفة، والضباب، ورعشة البرد، والأمطار الأكثر غزارة. إلا أن صعوبة التكيف مع تلك الأجواء لم تكن أكثر صعوبة عنده من تكيفه وتعايشه مع أناس يحملون مرجعية مختلفة، ولكن عبر هذا التعايش تعلَّم درساً كبيراً هو أن العالم متسع، وعلينا الاستعداد لتقبل المغاير والجديد. يقول له مترجمه هرجر: "أنتم العرب صارمون (جديون) أكثر مما يجب، تتذمرون طوال الوقت"، يكتفي ابن فضلان بالقول: "أنه كان خاطئاً"، ويحكي نكتة لرفيقه، الذي لا يستجيب لها، فيعلق ابن فضلان: "أنه شمالياً أحمق لا يعرف شيئاً عن اتساع العالم"76.
عندما أمطر ابن فضلان مترجمه بالأسئلة، قال له هرجر: "أنتم العرب ترغبون معرفة أسباب كل شيء، إن قلوبكم عبارة عن كيس كبير يطفح بالأسباب"، فيعلق ابن فضلان: "يؤمن هؤلاء الشماليون بالخرافات، ولا يلجأون إلى حسن الفهم أو العقل أو القانون"77.
ولقد كانت سمرته بحد ذاتها شاهدة على غربته، فكان الشماليون يحاولون لمس جلده "ومرة صرخ طفل من الرعب، حين رآني"، فيعلق ابن فضلان على هذا: "هناك في الحقيقة أناس جهلاء، لا يعرفون شيئاً عن اتساع العالم"78. ويقرر ابن فضلان واقعة أن الشماليين "لا يعرفون الكتابة، لأن مغزى الكتابة الوحيد الذي يعرفه هؤلاء الناس الشماليون هو النقش على الخشب، أو الحجر، وهو ما يفعلونه نادراً"79.
فضائل الشجاعة
يكرر ابن فضلان "الصورة النمطية" العربية عن الأوربيين باعتبارهم شعوباً تتسم بالشجاعة "فهؤلاء المحاربون الشماليون لا يخافون شيئاً في العالم"، وهم ذوو أجسام ضخمة يحاربون باستمرار "ويغنون قصائد الحرب والشجاعة"80، وينحتون "على قبور المحاربين النبلاء مديحاً يقول: إنه لم يفرّ من المعركة"، فالفرار من المعركة "عار ما بعده عار، فأغلب رجالهم يموتون في المعركة".
ولاحظ ابن فضلان أنهم يبتسمون عند سقوط أي قتيل عندهم في المعركة، وذلك تعبيراً عن سرور "الشخص الميت نفسه" ونيابة عنه، بينما عندما يموت أحدهم وهو نائم يقولون عنه "لقد مات كما تموت البقرة على القش". ويرتبط موقفهم هذا، كما يشير ابن فضلان، باعتقاد الفايكنغ الشماليين "أن كيفية موت الإنسان تحدد وضعيته في الحياة الأخرى".
وسجل ابن فضلان سرعة غضب الفايكنغ، وحساسيتهم الشديدة "حول ما يتعلق بشرفهم، فتكررت المبارزات بين أعضاء الجماعة نفسها"، وقد تحدث المبارزة بينهم للرد على الشتيمة، فيلبسون لباساً خاصاً بالمبارزة، مؤلفاً من حزام، وطماقات من الصوف الخشن، فوقها معطف من الفرو الثقيل يصل إلى الركبتين، فوقه درعاً، ويتقلدون سيفاً، وشبكة في الحزام، مع ترس جلدي، ورمح، وخوذة من المعدن أو الجلد على الرأس81.
ويصف بدقة طريقتهم في المبارزة، حيث يثبتون الجلد، الذي تقوم عليه المبارزة، بأوتاد أربعة من خشب الغار. حيث تستمر المعركة بينهم حتى الموت، وتشرف "العجوز الشمطاء" على إنشاء قواعد المبارزة.
ويخبرنا ابن فضلان أن سهام الشمال ذات نهايات حادة، وممتازة الصنع، يقوم بصنعها في كل قرية رجل يدعى المزمان Al msman يبيعها بقطع من الذهب، أو بالأصداف.
كما يصف طرائقهم في تشخيص الجرح وعلاجه، فإذا جُرح المحارب في رأسه وعنقه، يغسلون جرحه وينظفونه، ثم تفحصه الجواري فإذا كان الجلد ممزقاً والعظم صحيحاً، قلن: "لا يهم. وإذا كانت العظام مصدوعة أو مكسورة، قلن: أن حياته تنقضي"، وإذا كان الجرح في الصدر، وكانت دافئة يديه قلن: لا يهم. وإذا سعل الجندي وتقيأ دماً، قلن: يتكلم دماً. وهو أخطر الجروح لديهم. أما إذا جرح الجندي في بطنه، فيطعمونه حساء البصل، والأعشاب. ويعتمدون في غسل جراحهم على ماء البحر، لاعتقادهم بقوة إبرائه أكثر من ماء النبع. وأحياناً يغسلونه ببول البقر الحار، الذي يستعملونه أحياناً في غسل الملابس البيضاء، بعد أن يجعلوه كثيفاً بعد غليهم له82.
ولا يخفي ابن فضلان إعجابه بكرم الفايكنغ، وكياستهم بالضيافة، وحسن معاملتهم للضيف، وبالمقابل هناك ما يثير استغرابه فيهم، كمثل تقديرهم الزائد للأنف على بقية أجزاء الجسم، فلا يعتبرون فقدان الأذن أو أصبع اليد أو القدم أو اليد نفسها أكثر أهمية من الأنف "إنما يعتبرون فقدان الأنف معادلاً للموت نفسه"83.
المرأة
أكثر المسائل الاجتماعية التي أثارت انتباه ابن فضلان واستغرابه هو موقف الفايكنغ-الدانماركيين من المرأة، وذلك قياساً إلى مرجعيته العربية-الإسلامية.. وهو موضوع أثير لدى الرحالة العرب في علاقتهم مع الآخر، لما تحتله المرأة لديهم من موقع مركزي في الحكم على أخلاقية أي مجتمع.
فقد أثارت دهشة ابن فضلان الممارسات شبه الإباحية التي تطبع علاقات الشماليين الفايكنغ بالمرأة، إذ لاحظ أن رفاقهم الدانماركيين يختار كل منهم امرأة ليعاشرها قبيل المعركة، علها "أن تختار أن تموت من أجله على المحرقة الجنائزية" إن مات في المعركة.
ولا تقتصر عندهم المعاشرة الجماعية المفتوحة، على المناسبات السابقة للمعركة، بل لاحظ في قرية لينبورغ البحرية، أن الناس يمرحون ويشربون طيلة المساء، ويلهون مع الفتيات، لأن أي إنسان "لا يعرف ما إذا كان سيبقى على قيد الحياة بعد الرحلة، ولهذا يمضي في عربدة مفرطة"84، وليس هذا فحسب، بل إنه في الحالات العادية يمكن لأي رجل "أن يمنح نفسه من إحدى الجواري"، ولقد قالوا له مرة، أن عفة النساء فضيلة عظيمة، إلا أن ملاحظاته جعلته يستنتج "لكن نادراً ما وجدت هذا مطبقاً بالفعل، لأن الزنا (بغير إكراه) لا يعتبر عندهم قضية خطيرة، وإذا كانت زوجة الرجل شبقة.. فما ينتج عن ذلك لا يعتبر شيئاً ملفتاً للنظر كثيراً" كما أن "أهل الشمال لا يعتبرون أي مولود غير شرعي طالما الأم متزوجة"، ولقد سأل مرة مترجمه هرجر أكانت زوجته مخلصة له أثناء سفره، فضحك هرجر قائلاً: "إني أسافر في البحار، وربما لن أعود.. وزوجتي ليست ميتة!"، فاستخلص ابن فضلان من هذه الإجابة "أن زوجة هرجر لم تكن مخلصة، أو أنه (هرجر) لا يهتم بذلك"85.
الدين والسلطة
ليست مملكة روثغار الدانماركية سوى أكثر من مشيخة قبلية، لا يفصل ملكها عن رعاياه إلا القليل من المزايا، بل إن هرجر ورفاقه اشتكوا من غطرسته وطريقته البذخة في بناء مستوطنته وقصره، ويعتمد امتلاك السلطة الملكية على القوة، إذ لاحظ ابن فضلان أن الشماليين يفتقرون إلى "قاعدة ثابتة لاختيار زعيم جديد عندما يموت الزعيم القديم، إذ يعتمد الأمر على قوة السلاح اعتماداً كبيراً"86. ورأى كيف أن أحد أولاد الملك روثغار قد قتل أخويه بين يديه، فاستنتج "أنه كان شيئاً طبيعياً أن يقوم أبناء أحد الملوك بخلع أحدهم للآخر لكسب العرش"87. ودخل ابن فضلان البلاد الاسكندنافية قبل اعتناقها المسيحية، وكانوا على الوثنية، التي ذكَّرته بـ"العصور الجاهلية" العربية، فكان يصغي باستغراب إلى المعلومات المتعلقة بديانتهم، وما يصاحبها من طقوس، ورغم هذا فإنه أحياناً يعرض تلك المعتقدات بطريقة حيادية، دون أحكام قاسية، وكثيراً ما تجابهت المرجعيتان الدينيتان وجهاً لوجه. فعندما افتتح ابن فضلان طعامه بـ"بسم الله" أثار تفسيره لهذا التقليد الضحك والسخرية لدى الدانماركيين، وعندما طلب منه رئيس "المجموعة" بوليويف أن يكتب شيئاً على الرمل، كتب ابن فضلان "الحمد لله" فسأله هرجر: "أي رب تحمد"، فأجابه: "إنني أحمد رباً واحداً اسمه الله" فبادره هرجر مقرراً: "لا يمكن أن يكفي ربُّ واحد!"88.
وكانوا يؤمنون بتعدد الآلهة، إذ قال له هرجر: "لا تتكلم عن ربك الواحد، لأن أحداً لا يهتم بمثل هذا الأمر الفارغ" فهؤلاء الوثنيون "بأرباب كثيرة، عمالقة، وذوي قدرة كذلك" ويصلون إلى أرباب كثر "إلى أويدين، وفري، وثور، وإيرد، وإلى عدة آلهة آخرين"89. فعندما كانوا في عرض البحر، وشاهدوا هولة Monsters، أو ما سموه "وحش البحر" ولعله الحوت الذي وصفه ابن فضلان بإسهاب "صاح أحدهم منادياً: أودين بصرخة ابتهال"، وضربوا بهراواتهم على التروس محدثين ضجة، وذلك "من أجل لفت انتباه أودين".
كما كانوا يعتقدون بأن العالم كان يقطنه في العصور القديمة "جنس من العمالقة، الذين انقرضوا بعد ذلك" ولا يعتبر الشماليون أنفسهم أحفاد هؤلاء العمالقة، إنما تلقوا "بعض قدراتهم بطرق لم أفهمها"90. واكتشف ابن فضلان أن في كل قبيلة من هؤلاء الشعوب الاسكندنافية، التي صادفها، امرأة عجوز "ملكة الموت"، تقوم بوظائف سحرية، قريبة من الوظيفة الشامانية، نسبة إلى الشامانيزم وهو دين قديم لشمال آسيا وأوربا القديمة، يعتقد بالعالم الآخر وأرواح الشياطين. وكانوا يعتقدون بأن العجائز تملك قدرات سحرية لاندمال الجروح، وطرد التأثيرات الشريرة، والتنبؤ بأحداث المستقبل90.
وكانوا يؤمنون بالجنة التي يسمونها (فالهالا) ويتخيلونها أنها "عبارة عن قصر كبير" ويعود الأموات إلى الحياة ليشاركوا في الحرب والولائم. وطبيعة جنتهم ذات الخلود الدائم جعلت الدانماركيين، كما يقول ابن فضلان: "لا يعتبرون مواصلة القتال، على الأرض، يوماً بعد يوم شيئاً غريباً"91.
وأشار إلى اعتقاد الدانماركيين بامتلاك الأقزام لقدرات سحرية، لذلك فهم يعزلونهم منذ الطفولة في كهوف، يرتدون ملابس من الفرو أو جلد السمور، ويتمنطقون حزاماً دقيقاً من الجلد مزيناً بقطع من الذهب، إذ تكمن فيه قدرات القزم السحرية، ويصنع الأقزام في عزلتهم أسلحة يثمنها الشماليون، ويقدمون النصائح في الأوقات الصعبة للشماليين92.
* * *
عندما اقتربت لحظة رحيل ابن فضلان قال له هرجر بتعاطف: "سنصلي من أجلك" وذكر له الأسماء العدة لآلهته، فأجابه ابن فضلان: "إني أومن بإله واحد، هو رب العالمين"، فأشار هرجر في لحظة التعاطف الفريدة إلى إيمان كل منهما "إنني أفهم هذا، ربما يكون إله واحد كافياً في بلادك، أما هنا فليس كذلك، توجد هنا آلهة كثيرة، ولكل منها أهمية، ولهذا نصلي لهم جميعاً"93.
ولقد دأب هرجر في الأيام السابقة لرحيل ابن فضلان، أن يسأله مرة تلو الأخرى عن معتقداته، فسأله في إحداها إن كان يُغضب ربه أحياناً، فأجابه ابن فضلان: "إنني أفعل، ولكنه غفور رحيم"، فشدد السؤال: "هل هو غفور عندما يشاء؟"، أجابه ابن فضلان بالإيجاب، فهز هرجر رأسه قائلاً: "إنها مجازفة أعظم مما يمكن احتماله، فلا يمكن للمرء أن يضع ثقته كلها في شيء واحد، سواء أكان امرأة، أو حصاناً، أو سلاحاً، أو أي شيء فريد"، فما كان من ابن فضلان إلا أن أكد "ومع ذلك فإنني أفعل" وكأنه يريد أن يقول لهرجر: ما هو مستحيل لديك هو المعقول نفسه بالنسبة لي. ولكن ابن فضلان خلُص إلى نتيجة أنه "لا يمكن إقناعه بمعتقداتي كما لا يمكن أن أقتنع بمعتقداته"94.
ولقد تعلَّم ابن فضلان من خلال تجواله الطويل في العالم، من بغداد إلى بلاد الفايكنغ، درساً في النسبية الثقافية، ولقد عبر عنه بقوله: "أولاً، يعتقد الناس في بلد معين أن عاداتهم حسنة، وأفضل من عادات أي شعب آخر، ثانياً، يعتبر أن أي غريب، رجلاً كان أو امرأة، أدنى منزلة منهم في جميع الحالات باستثناء الإنجاب"95.
لقد ختم ابن فضلان رحلته بلحظة تصالح فريدة مع الآخر الاسكندنافي الذي يمثله هرجر، وعبر عن هذا بقوله: "كنت أشعر بثقل وطأة الفراق عن هرجر وعن بقية المحاربين، وقد شعر هرجر بهذا. فأمسكت بكتفه، وأمسك بكتفي. ثم انطلقت إلى السفينة السوداء"96. لقد وجدا في ثنايا اختلافهم الثقافي، وعلى حافته مجالاً إنسانياً مشتركاً.

_________________

* كاتب وباحث من سوريـــة.
1- سامي الدهان: (تحقيق وتقديم) رسالة ابن فضلان-لأحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد، مديرية إحياء التراث العربي-دمشق، ط2، وزارة الثقافة، دمشق 1978م، ص40.
2- اغناطيوس يوليانوفيتش, كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي, ترجمة صلاح الدين عثمان,الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية, جزء أول القاهرة, 1957 م, ص 168 . و عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب, دار الفكر دمشق, 1984م, ص244.
3- أندريه ميكيل، جغرافية دار الإسلام البشرية ج2، ق2, ترجمة إبراهيم الخوري, وزارة الثقافة دمشق, 1985 م، ص93.
4- المصدر نفسه، ص27.
5- رسالة ابن فضلان، المصدر السابق، ص98.
6- ميكيل، جغرافية…، ج2، ق2، ص27.
7- رسالة ابن فضلان، المصدر السابق، ص100.
8- نقولا زيادة، الجغرافيا والرحلات عند العرب, الاهلية للنشر والتوزيع, بيروت, 1962م، ص142.
9- ميكيل، جغرافية…، ج1، ق1، ص226.
-10 ابن فضلان، المصدر السابق، ص115-116.
-11المصدر نفسه، ص117.
-12 المصدر نفسه، ص120.
-13 المصدر نفسه، ص122.
-14 المصدر نفسه، ص123.
-15 المصدر نفسه، ص124.
-16 المصدر نفسه، ص127-128.
-17 المصدر نفسه، ص131.
-18 المصدر نفسه، ص137.
-19 المصدر نفسه، ص139.
-20 المصدر نفسه، ص146.
-21 المصدر نفسه، ص147.
-22 المصدر نفسه، ص161-163.
-23 المصدر نفسه، ص160.
-24 المصدر نفسه، ص162.
-25 المصدر نفسه.
-26 المصدر نفسه، ص170.
-27 المصدر نفسه، ص154-155.
-28 المصدر نفسه، ص156.
-29 صفير البشير: الجغرافيا عند العرب نشأتها وتطورها، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1984م، ص42-43.
-30 ابن فضلان، المصدر السابق، ص175.
-31 المصدر نفسه، ص176-177.
-32 المصدر نفسه، ص177.
-33 المصدر نفسه، ص179-180.
-34 المصدر نفسه، ص188.
-35 المصدر نفسه، ص181-186.
-36 ميكيل، جغرافية…، ج2، ق2، ص100.
-37 ابن فضلان، المصدر السابق، ص186.
-38 ستيفن، رنسيمان،: الحضارة البيزنطية، ترجمة جاويد، عبد العزيز توفيق، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1961م، ص351.
-39 العظمة، عزيز: العرب والبرابرة، دار الريس، لندن 1991م، ص143.
-40 ابن فضلان، المصدر السابق، ص91-94.
-41 ابن فضلان: رحلة ابن فضلان، جمع وترجمة وتقديم: غيبة-د.حيدر محمد، الشركة العالمية للكتاب، بيروت1994م، ص115.
-42 المصدر نفسه، ص195.
-43 المصدر نفسه، ص23.
-44 المصدر نفسه، ص99.
-45 المصدر نفسه، ص96.
-46 المصدر نفسه، ص98-99.
-47 المصدر نفسه، ص103-104.
-48 المصدر نفسه، ص105.
-49 المصدر نفسه، ص104.
-50 المصدر نفسه، ص105.
-51 المصدر نفسه.
-52 المصدر نفسه، "هامش"، ص111.
-53 المصدر نفسه، ص111.
-54 المصدر نفسه.
-55 المصدر نفسه، الهامش (5)، ص111.
-56 المصدر نفسه، ص112.
-57 المصدر نفسه، ص113.
-58 المصدر نفسه، ص113-114.
-59 المصدر نفسه، ص113.
-60 المصدر نفسه، هامش المترجم (11)، ص119.
-61 المصدر نفسه، ص126.
-62 المصدر نفسه، ص122.
-63 المصدر نفسه، ص149.
-64 المصدر نفسه، ص136.
-65 المصدر نفسه، ص110.
-66 المصدر نفسه، ص133.
-67 المصدر نفسه، ص134-135.
-68 المصدر نفسه، ص138.
-69 المصدر نفسه، ص139.
-70 المصدر نفسه، ص167.
-71 المصدر نفسه، ص190.
-72 المصدر نفسه، ص175.
-73 المصدر نفسه، ص176.
-74 المصدر نفسه، ص180.
-75 المصدر نفسه، ص201.
-76 المصدر نفسه، ص163.
-77 المصدر نفسه، ص116.
-78 المصدر نفسه، ص104.
-79 المصدر نفسه، ص210.
-80 المصدر نفسه، ص78 و88.
-81 المصدر نفسه، ص121.
-82 المصدر نفسه، ص169-170.
-83 المصدر نفسه، ص179.
-84 المصدر نفسه، ص105.
-85 المصدر نفسه، ص106-107.
-86 المصدر نفسه، ص88.
-87 المصدر نفسه، ص115
-88 المصدر نفسه.
-89 المصدر نفسه، ص108 و215.
-90 المصدر نفسه، ص108.
-90 المصدر نفسه، ص145.
-91 المصدر نفسه، ص173-174.
-92 المصدر نفسه، ص185-186.
-93 المصدر نفسه، ص215.
-94 المصدر نفسه، ص215-216.
-95 المصدر نفسه، ص151.
-96 المصدر نفسه، ص216.

الزهراء
09-17-2007, 09:25 AM
[align=center]
http://www.d-alyasmen.com/vb/download/410-1151631069.gif

# لكَ الشّكر كبيراً...!#

هذه الصّفحة قد اتختمت بكنوز المعرفة والعطاء في هذه الأيام
لن أستطيع قراءاتها في هذه الأوقات وعااااد لا تنسى إنّي في ثالث ثانوي بعد
يعني يقولون لازم أشدّ حيلي ألا وشو معنى "أشد حيلي"...؟!1

حينما أتفرّغ سأقرأ هذه المقالات المختارة الّتي بلا شكّ ستحمل
الكثير من الجمال والمعرفة ما دامت روحك الذوّاقة المرهفة قد انتقتها
ننتظرُ البقيّة..!1


ƠơƠơ ƠơƠơ

**
****
تحياتي..
الـزَّهراء.

http://www.d-alyasmen.com/vb/download/410-1151631069.gif

toufik
09-20-2007, 03:35 PM
عناصر القوة لدى الأمة
في مواجهة الغزو الصهيوني
بقلم :الدكتور عبدالله فهد النفيسي

تعنيني أيها الأخوة ونحن نعالج موضوع بهذا الاتساع قضية المنهج، وقضية المرجعية، أي المسطرة الفكرية، والمعيار، أو البناء المنطقي للنقاش. دون ذلك تصبح المناقشة منفلتة، غير مضبوطة، غير محكومة منطقياً. وعندما تتحول المناقشة إلى مناقشة طليقة، غير محكومة منهجياً ومنطقياً ومرجعياً، عندما يحدث ذلك، قد نتفق في النهاية حتى على الخيانة، خيانة القضية نفسها، خيانة الأمانة التاريخية، لأنه عندما تصبح المناقشة طليقة وغير مضبوطة ولا تستند وترتكز إلى مرجعية، فإن الأمر يعتمد في نهايته على «لحن الحجّة» لا «مشروعية الحجّة». وهناك فرق كبير بين لحن الحجّة ومشروعية الحجّة. ولذلك من المهم أن أنبّه إلى أهمية هذه النقطة، نقطة المنهج المرجعية، المسطرة، البوصلة، البناء المنطقي.
النقطة الثانية التي أود أن أنبّه إخواني إليها هي أننا لسنا كورسيكا، بحيث ننضم إلى فرنسا أو لا ننضم، ولسنا إقليم الباسك بحيث ننضم إلى إسبانيا أو ننفصل عن إسبانيا، نحن لسنا نبتة وحشية في البرية، نحن أمة ممتدة ما بين نواكشوط وسينغ يانغ في الصين، أمة إسلامية، أمة عربية، لها مرجعية ولها تاريخ وفعل وتأثير وإسهامات في بناء هذه الحضارة الغربية. ولذلك ينبغي أن نستحضر هذه المعاني ونحن نناقش دلالات المواجهة مع المشروع الصهيوني. نحن أمة لها دليل نظري ومرشد نظري، وبيان تاريخي يتمثل في القرآن الكريم، والقرآن الكريم لا أنظر إليه فقط من حيث هو كتاب تعاليم، حلال وحرام، لو كان القرآن كتاب تعاليم حلال وحرام فقط لكان فيه سورتين سورة للحلال، وسورة للحرام. ولكن القرآن يشتمل على مئة وأربع عشرة سورة، ويشتمل على أكثر من ستة آلاف آية، فيه حديث عن التاريخ، والأمم، وعن الصراع، وعن الحرب، وعن السلم، وعن التجارة، وعن المال، وعن السلاح، وصناعة السلاح. إذاً هذا الكتاب في تصوري والذي يشكل مرجعية لنا، كتاب حركة تاريخية. ومن حيث هو كتاب حركة تاريخية يجب أيضاً أن نُقحمه في هذا الموضوع، ونستلهمه، ونأخذ منه العبرة والدرس والدليل النظري. أما أن نقول: قال جابوتنسكي، وقال إيجال آلون، وقال ديان، وقال حاييم وايزمن، وفعل هرتزل، وفعل بن غوريون، ولا ننتبه إلى ماذا قال القرآن الكريم، وماذا فعل رسول الله e . إذا فعلنا ذلك ولم نستلهم هذه المعاني فنحن إذاً أمة منبتة، أمة مفككة، أمة فعلاً نبتة شيطانية، ويحق للإسرائيليين أن يفعلوا بنا ما يشاؤون، إنما نحن لسنا كذلك.
كلامي سينقسم إلى قسمين ملتزماً بالمنهج وملتزماً بالبناء المنطقي. قسم يتصل بالتأصيل السياسي لهذا الموضوع وقسم يتصل بالتأصيل الشرعي له. نحن كأمة عربية وإسلامية كان بيننا وبين الإمبريالية العالمية صراع طويل ومرير متمثلاً بالاستعمار البريطاني أولاً والفرنسي والهولندي الذي وصل جاكرتا، ثم حالياً الاستعمار الجديد المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية. هذا الصراع القائم بين الأمة والإمبريالية العالمية ما بين نواكشوط وسينغ يانغ في الصين، كشف عدة سمات وعدة محاور ينبغي أن نتوقف عندها. ماذا فعلت بنا هذه القوى الإمبريالية؟ وينبغي أن نضع هذا الموضوع في سياقه الذي يتصل بجوهر الصراع التاريخي الدائر بيننا وبين الإمبريالية العالمية.
lأول سمة لهذا الصراع هي سمة السيطرة بالعنف على الأمة الإسلامية والعربية. العنف وإدامة العنف، لم تسيطر القوى الإمبريالية علينا بالكلام، ولا بمنظمات حقوق الإنسان، ولا بالإقناع، ولا بالفكر، ولا بالجامعات، ولا بالاستفتاءات إطلاقاً. اكتساح عسكري عنيف استمر لعدة قرون. مسحوا الأخضر واليابس إلى أن حققوا السيطرة الكاملة علينا.
العنف العسكري كان شرطاً فنياً وموضوعياً لسيطرتهم علينا. هذه نقطة أساسية، ولذلك لا ينبغي لنا أن نفكر بإزالة هذه السيطرة إذا حيّدنا هذه الفكرة وقلنا من الممكن أن نتخلص من السيطرة بدون عنف، لا.. أبداً. لابد أن يكون خيارنا العنف لكي نلغي هذه الخاصية التايخية التي التزم بها التحالف الإمبريالي الدولي العالمي التاريخي المستمر الآن من خلال التحالف الصهيو ـ أميركي في هذه الحقبة. السيطرة بالعنف وإدامة العنف هذه هي السمة الأولى التي كشف عنها صراعنا مع هؤلاء.
l النقطة الثانية هي التجزئة وإقامة الكيانات التجزيئية. نحن نتحدث اليوم عن قضية كبيرة ولكننا أسرى الفكر التجزيئي. فاللبناني يتحدث عن لبنان وكأنه محور العالم، والكويتي يتحدث عن الكويت وكأن الكويت محور العالم، والسعودي كذلك، والمصري والسوري. وهذه جهالة وقعنا فيها شئنا أم أبينا يجب أن نكون مخلصين في الاعتراف بها، ولا سبيل للنجاة من الصهيونية ومن اليهودية العالمية ومن الإمبريالية العاليمة طالما نحن أسرى هذا التشوه الفكري الذي أصابنا جميعاً. الدولة القطرية، الجزء، أصبحت ديناً. وكل دولة صغيرة لا تساوي شيئاً في الميزان العسكري الاستراتيجي أو السياسي الدولي، لها عَلَم ولها نشيد ولها عصبيات. والكويتيون يتحدثون عن الفكر الكويتي والأدب الكويتي وغيره، واللبنانيون كذلك، والقطريون وغيرهم، وهذا لا يجوز. هذا أمر يزيدنا ضعفاً، ولذلك هذه الدولة التجزيئية هي من أسباب معوقات النصر وستظل هكذا طالما نحن أسرى لها، أسرى لقوانينها وأسرى لجنسيتها وأسرى لوصفتها المحلية.
l السمة الثالثة في جوهرصراعنا مع الإمبريالية العالمية هي سمة محاربة الإسلام ونشر التغريب الفكري والحضاري. نعم محاربة الإسلام كدين، ومحاربة اللغة العربية. في الجزائر صدرت قوانين أثناء الاستعمار الفرنسي سنة 1937 تحرِّم وتجرِّم استعمال اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات الرسمية بين الجزائريين أنفسهم. كانوا يريدون أن يقطعوا الصلة بيننا وبين ديننا وتاريخنا ولغتنا وهويتنا. ولذلك كانت هجمة التغريب واهتمام الإمبريالية بفرض التغريب علينا زياً، ومعناً، ولغةً، وحياةً، وأمزجةً وأذواقاً. نحن نعيش هذه المرحلة ولا زلنا نقتات عليها. ولذلك نحن مهتمون أن يتعلم أولادنا اللغة الإنجليزية والفرنسية أكثر من أن يعرفوا شيئاً عن اللغة العربية، ومهتمون جداً أن نرسل أولادنا للتعليم إلى الخارج ويتعلموا هناك في أميركا بالذات، وكأن العلم وكأن التخصص كعبته الولايات المتحدة بينما هناك مراكز ومرابع ثقافية وعلمية في آسيا تبزّ في كثير من الأقطار ما هو موجود في العالم الغربي. محاربة الإسلام، والتخلي عن الإسلام، والميوعة الثقافية، هذه كلها طالما أصبحت لصيقة بنا سوف لن نتمكن من مواجهة الصهاينة.
l النقطة الرابعة هي تحطيم المقومات الاقتصادية العربية والإسلامية وبناء الاقتصاد التابع. ولذلك لو تقرأ التاريخ الاقتصادي لمصر مثلاً تجد كيف أن الإنجليز قضوا على المقومات الاقتصادية لمصر وحولوا الإنتاج الزراعي إلى محصول واحد استراتيجي لمصر هو القطن ونفوا المقومات الاقتصادية الأخرى.
ولو درسنا تعامل الفرنسيون في الجزائر مع الكروم والعنب، وكيف كان الجزائريون ينتجون الكثير من المحاصيل والكثير من السلع، لكن الاقتصاد الفرنسي كان يتطلب أن ينتج الجزائريون العنب لصناعة النبيذ الذي يسوق إلى العالم على أنه نبيذ فرنسي.
l النتيجة الخامسة التي تلت هذه السمات الأربع هي إقامة «دولة إسرائيل» وتكريسها لكي تكون مشرفة على هذه المسألة التاريخية. ليس صدفة وعد بلفور، وليس صدفة إقامة الكيان ، وليس صدفة استمرار هذا الكيان لكي يقوم بالسيطرة، ولكي يقوم بالتجزئة، ولكي يقوم بمحاربة الإسلام ونشر التغريب الفكري والحضاري، ولكي يحطم مقوماتنا الاقتصادية، ويبني الاقتصاد التابع. إن التأمل العميق لهذه السمات الخمس يجب أن يقودنا إلى منهج معين في التعامل مع هذه المسألة.
أما التأصيل الشرعي، فنحن أمة محكومة بالأحكام الشرعية الثابتة. هذه إذا كنا مسلمين، فإذا كنا مسلمين وملتزمين بالأحكام الشرعية الثابتة، فهناك صلة بين الأحكام الشرعية الثابتة وبين هذا الموضوع. هذا الموضوع لا يجب أن يخضع للنقاش الطليق، ما يراه الفلسطينيون أو ما لا يراه. هل تستطيع المقاومة الإسلامية أن تستمر أو لا تستمر؟ أن تستمر المقاومة الإسلامية أو لا تستمر، ثمة أحكام شرعية ثابتة يجب التقيد بها.
الحكم الشرعي الثابت والحقيقة الأولى كمهتدين بالقرآن الكريم هي:
إن فلسطين جزء من البلاد الإسلامية فتحها المسلمون فتحاً. وأرضها أرض خراجية، ملكية رقبة هذه الأرض هي لبيت مال المسلمين إلى قيام الساعة، والأفراد لا يمكلون إلا منفعة هذه الأرض دون رقبتها. هذا هو حكم الشرع إذا كنا نحفل بالشرع.
الحقيقة الثانية: إن اليهود اغتصبوا فلسطين غصباً، والغصب لا يغير من الأمر شيئاً، وقد حكم الشرع في هذا الأمر وينبغي التأكد والتقيّد بحكم الشرع. إذا كنا نستطيع استردادها الآن حباً وكرامةً، لا نستطيع الآن. نعدُّ لكي نستطيع.
الحقيقة الثالثة: إذا كان يجوز للمسلم أن يتنازل عن بعض أمواله أو أرضه بيعاً أو هبةً، فإنه لا يجوز له أن يتنازل عن أرضٍ إسلامية لدولة أو سلطة أو كيان كافر كـ «دولة إسرائيل»، فكيف إذا كان لا يملك رقبتها التي هي ملك لبيت مال المسلمين. وهذا أيضاً من الأحكام الشرعية الثابتة.
الحقيقة الرابعة: هي أن القدس بالذات، وأرض فلسطين بالذات، لها مكانتها في الشرع الإسلامي تزيد من مكانتها عن الأرض الخراجية التي رقبتها ملك لبيت مال المسلمين وتزيد عن مكانة كثير من الدول الإسلامية لذلك ينبغي التقيد بهذه الحقيقة.
الحقيقة الخامسة: إذا كان صاحب الحق ضعيفاً أو غير قادر على استرجاع ما غُصب منه وكان من النوع القادر على فرض هذا الغصب فالعلاج واحد في الشريعة الإسلامية، واحد لا غير، وهو أن عليه أن يستعد لاسترداد حقه دون أن يستسلم تحت أي مبرر من المبررات.
الحقيقة السادسة: أن مسؤولية استرجاع الأقصى وفلسطين هي مسؤولية المسلمين جميعاً وليست مسؤولية أهل فلسطين وحدهم. وهذه ليست مسؤولية خاصة بالقدس وبفلسطين أو جنوب لبنان أو الجولان، بل هي حكم شرعي في كل أرض إسلامية اغتصبها الكفار، ولكن الأمر بخصوص القدس وفلسطين هو أشد وجوباً على ما لها من مكانة. والقاعدة في توضيح المسؤولية في هذا الأمر هي على الأقرب فالأقرب، أي الوجوب يقع فعلاً على الأقرب، فإن لم يكن، فعلى الذين يلونهم وهكذا.
الحقيقة السابعة: إن التجزئة والتقسيمات والحدود بين بلاد المسلمين والعرب لا يُقرها الإسلام. حتى وإن كنا لا نستطيع أن نغير هذا الأمر، ينبغي أن نعتقد بهذا الحكم، وإن هذه الحدود حدود غير مشروعة ولا يقرها الشرع، وينبغي العمل على هدم الروح القطرية لا تأجيجها ولا رعايتها كما هو حاصل حتى في الأوساط الملتزمة إسلامياً.
الحقيقة الثامنة: أن اليهود بلفظ القرآن هم أعدى أعداء الأمة العربية الإسلامية، وهم أهل مكر وخبث، والاستشهاد بالآية الكريمة ]وإن جنحوا للسلم فاجنح لها[ باطل بطلاناً مبيناً. لأن اليهود لم يجنحوا للسلم بدليل اغتصابهم أجزاء عزيزة من أرض الإسلام، فلسطين وغيرها، وما يتبعه من تشريد لأهلها، وتدنيسهم للمقدسات الإسلامية، والحفريات حول المسجد الأقصى لإقامة المعبد اليهودي، وإقامة المستوطنات الإسرائيلية المسلحة، وانتزاع الأراضي الزراعية من أيدي أصحابها وإلحاقها بأموال اليهود، فكيف يُستشهد بهذه الآية في بلاد عربية إسلامية بالقول: فإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وماذا نفعل بمجازر صبرا وشاتيلا، وماذا نفعل بغزو لبنان، وماذا نفعل بقانا، وبالقنيطرة؟ كيف يقولون جنحوا للسلم، وكيف يريدوننا أن نجنح للسلم مع اليهود؟
الحقيقة التاسعة: لقد أخبرنا رسول الله e وهو قائدنا ومعلمنا وقدوتنا وزعيمنا وتاج رأسنا ونحن نفتخر بذلك، أخبرنا رسول الله e في نصوص صحيحة وموثقة بأن النصر سيكون للمؤمنين على اليهود ونحن نؤمن بحتمية ذلك.
الحقيقة العاشرة: وهذه من الأحكام الشرعية الثابتة، أن كل مَن يساعد الصهاينة ويثبّت أقدامهم في فلسطين فهو عدو للأمة وطرف في عداوتنا مع اليهود. وعلى رأس كل ذلك تقف الولايات المتحدة الأميركية الحليف الاستراتيجي التاريخي للصهاينة منذ نصف قرن، ومن الغفلة والسفه التعامل معهم معاملة الصديق.
الحقيقة الحادية عشر: أن كل تصرف يخالف الشرع فهو باطل. والتنازلات التي قدمتها منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الدول العربية لليهود في شأن فلسطين كلها باطلة سواءً أخذت موافقة المجلس الوطني الفلسطيني، أو موافقة الجامعة العربية، أو موافقة مجلس الأمن. فما جعله الله بالنسبة لنا نحن كمسلمين حراماً لا يمكن لأي جهة في الأرض أن تجعله حلالاً، فالحرام حرام بالنسبة إلينا إلى يوم القيامة ونقولها بفخر، والحلال حلال إلى يوم القيامة ونقولها بفخر أيضاً.
الحقيقة الثانية عشر: أنه حتى لو سلمنا جدلاً بأن الصلح مع «إسرائيل» مُباح من حيث المبدأ، فإن الصلح يحرُم هنا في هذه الحالة الخاصة لما يترتب عليه من محرمات وأضرار، وفق القاعدة الشرعية «الوسيلة إلى الحرام حرام» ولذلك نعتقد أن واجبنا تجاه ما يدور في جنوب لبنان، وما يدور في كل فلسطين، وما يدور في الجولان السليب، وما يدور في الضفة الغربية السليبة، رأينا أنه يجب على كل عربي ومسلم أن يساند بالظِفر والناب والمال والنفس والدم، كل مبادرة للمقاومة، حسبك في جنوب لبنان. كما أنه يترتب علينا أن نفي بكثير من الواجبات تجاه هذه المعاهدات سواء وقّعتها منظمة التحرير أو مصر أو الأردن أو كل الدول العربية. يجب أن نعتقد كأفراد أن علينا واجبات تاريخية تجاه هذه المعاهدات:
الواجب الأول: علينا اعتقاد وجوب بُطلانها لأن المسلم لا يجوز أن يُشارط الكفار على ترك الجهاد وإسقاط فرضه وعلى ترك عداوة اليهود فإن هذا مُخرج من الملّة.
الواجب الثاني: أن يعتقد المسلم أن هذه المعاهدات لا تُلزمه ولا يجوز له تنفيذ شيء من محتواها.
الواجب الثالث: هو العمل على إسقاط كل معاهدات من هذا النوع شأنها شأن كل مُنْكر وُجد على أرض الإسلام.
الواجب الرابع: اعتقاد أنه يجب محاربة اليهود ومقاومتهم ما ظلوا على تمسكهم بسلوكهم العدواني.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم.

toufik
09-23-2007, 11:49 AM
صح رمضانكم وصيامكم وقيامكم الرائع الحالم

جدلية المعرفي والسياسي في الفكر الإسلامي

العربي ادناصر

وتبعه علي حرب في " نقد النص"

وودت ان انوه الى شيء بدى لي من خلال كتابه "حديث النهايات فتوحات العولمة ومازق الهوية " متمنيا ان يكون بين يديك
لأرى ان المفكر قد سقط ضحية للتناقض بين كتابيه "نقد النص " وحديث النهايات " فسرعان ما عاد الى موضع المتهم المتنصل عما كان به في كتابه الاول بافراز تحليله دون طرح استراتيجية او منهج اومعيار بدلاء عن الغائية دفعت به الى محو البدائيات والبداهات والنماذج التي حكمت الوعي ونظمته من خلال الصفحة 130 وهو يستنفر ليهفت حول دائرة المثقف ودوره ،لا سيما وانه قد سلم باستحالة قفز عصر العولمة كما قفزنا عصر المصنع في انتقالتنا من عصر الحقل الى عصر الحاسوب ... هذا لا يحسب عليه ان ما تناثرت افكارك واذهلتك قنوات جوبه وصوله كفر ناضج وصحيح...........والله اعلم


ان ما اسعفني الوقت كتبت اليكم من الكتيب ما تيسر

الحالم
09-23-2007, 04:33 PM
جدلية المعرفي والسياسي في الفكر الإسلامي

العربي ادناصر


" تعد قضية التراث إحدى خمس قضايا كبرى طرحت على النخبة المثقفة في العصر الحديث، فلم يكن هناك بُدٌّ من تناولها معا مع القضايا الأخرى : الدولة، الآخر، الوحي، اللغة1".
و لعل هذا ما يفسر كثرة الإنتاجات الفكرية حول هذه القضية، فقد كتب في ذلك الدكتور محمد عابد الجابري مشروعه الكبير: نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة (التكوين، البنية، العقل السياسي، العقل الأخلاقي)، بالإضافة إلى دراسته الموسومة:" نحن و التراث"، و توالت على مشروعه ردود عدة وبمناهج مختلفة، فكتب جورج طرابشي " نقد العقل العربي" و " مذبحة التراث"وتبعه علي حرب في " نقد النص" و بعد ذلك ألف طه عبد الرحمن " تجديد المنهج في تقويم التراث. وهذه الكتابات من جهة هي عبارة عن ردود و لكنها من جهة أخرى هي طروحات جديدة ووجهات نظر أخرى في التناول، إلا أنها تلتقي جميعا في نقد المعرفة الدينية التي باتت في حاجة ماسة إلى تفسير وإعادة تقويم وخصوصا فيما علق بها من مخلفات اجتماعية و تاريخية لم يعد مسوغ للإبقاء عليها أو الاستمداد منها في حل القضايا والإشكاليات التي يعج بها المجتمع، ومن هذه الرؤية تنبع أهمية بحث إشكالية التداخل ما بين المعرفة والسياسة في الإسلام، ذلك أن نشأة الفكر الإسلامي لا بد وأن تكون حاملة لآثار الرقابة السياسية، لكون ذلك الفكر يؤسس لسلطة تشريعية لإصلاح أحوال الناس في "المعاش والمعاد"، مما يفرض على السلطة السياسية بذل مجهودات قصد استمالة حاملي العلم ليصطفوا إلى جانبها بدل أن يتكتلوا في شكل معارضة فكرية و سياسية لتوجهاتها، و هذا ما يعطي لطبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة بعدين متناقضين: إما التلاحم والاحتواء، وإما الصراع والإقصاء.
ولقد وعى الفكر المعاصرـ في بعض اتجاهاته ـ بخطورة هذه الإشكالية، فظهرت في ذلك عدة دراسات تبحث في علاقة الفكر بالواقع وبالنص الشرعي، أو في علاقة رجل العلم مع رجل السياسة في التاريخ الإسلامي، وهي تقريبا تتقاطع في تناول موضوعنا الرئيس "جدلية المعرفي و السياسي في الإسلام" بالرغم من اختلاف زوايا النظر فيها بحسب تعدد الخلفيات الإيديولوجية و المحفزات المعرفية التي تؤطرها، ولقد أسهم في كشف التباسات هذا الموضوع تطور تقنيات البحث التي حصلت في ميدان العلوم الإنسانية المعاصرة فلم يعد هناك فكر لا تفسير له أو كلام لا سياق له، فالمعارف ما هي إلا نتاج نسق ثقافي اجتماعي و اقتصادي معين مهما بلغت في التجريد و الافتراض.
وللوقوف على هذه الإشكالية، نشرع في تسليط الضوء على واحدة من القضايا الثقافية التي حامت حولها الأوهام وزلت فيها الأفهام، ونقصد بذلك علم الكلام، وقد استقر في الذهنية العربية الإسلامية أنه علم يخوض في العقائد والإيمان بمنطق العقل والبرهان، ولكننا في هذه المحاولة سنتناوله من وجهة نظر أخرى مغايرة تتجاوز المعطيات الجاهزة وتطرح افتراضات جديدة وفق ما تتحمله الأحداث والوقائع دون تعسف في التفسير أو تحوير للنصوص.



علم الكلام : كلام في اللاهوت، أم كلام في السياسة ؟
بعد وفاة الرسول (، بات مشكل الخلافة أو الإمامة مفهوماً يثير كثيراً من الإشكالات المعرفية والتصورية فضلاً عما يرتبه من نتائج سياسية على مستوى الفرد والجماعة، ولقد عرف نقلة نوعية بعد " مرحلة الفتنة" إذ على أساسه نشب صراع سياسي بين المسلمين، وعليه انطلقت موجة فكرية عقدية لم يعرفها عصر الإسلام المبكر في شكل أحزابٍ و فرقٍ ولَّدت نقاشا سياسيا تحت غطاء فكري كلامي حول مسائل الاعتقاد بشكل تبعي، لكونه في الأصل أُنشئ على خلفية الشرعية السياسية للحكم الأموي الذي قَلَبَ نظام الحكم من الخلافة الراشدة القائمة على الشورى إلى الملك العضوض القائم على الغلبة2. وعلى أساس هذا التحول الجذري في النظام السياسي الإسلامي ظهرت فرق كلامية تبني مواقفها السياسية انطلاقا من تأصيلات فقهية وعقدية مستوحاة من النص الديني أو من معطيات الواقع الاجتماعي السياسي، لكن اللافت للنظر أن هذه الفرق تم تقييمها على أنها مذاهب مستحدثة ابتدعت آراءً في قضايا الاعتقاد والإيمان، في حين تم تهميش أو تغافل أبعادها السياسية، و من هنا وقع السكوت على الهجمة الشرسة للسلطة على هذه الفرق " المعارضة" لحكمها تحت مسمى" حفظ الدين و العقائد من زيغ أصحاب الأهواء و الملل و النحل"3، و انعكس ذلك على سمعة "الكلام" لدى العوام بالعزوف عن الخوض فيه مخافة الاصطدام مع السلطة أو الوقوع في الشك لأنه حسب الغزالي "يجب أن يتركوا على سلامة عقائدهم التي اعتقدوها مهما تلقنوا الاعتقاد الحق (…) فإن تعليمهم الكلام ضرر محض في حقهم، إذ ربما يثير لهم شكا، و يزلزل عليهم الاعتقاد ولا يمكن بعد ذلك بالإصلاح"4. وقد جمع السيوطي في كتابه "صون المنطق والكلام عن فن المنطق و الكلام" "مجموعة من مواقف السلف و الفقهاء الذين لم يروا في علم الكلام سوى مجرد ترف فكري يبحث في شؤون العقيدة، و يُغري بالجدال فيها، و يبعد الناس عن الاهتمام بالعمل"5.
أما المتكلمون فبعد أن استوحشهم المجتمع وبطشت بهم يد السلطان بدؤوا " يحولون بالتدريج التوجهات السياسية لعلمهم (مشكلة الإمامة، مشكلة مرتكب الكبيرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشكلة الخروج على أئمة الجور...) و يخوضوا في المقابل في مواضيع قريبة الصلة بالمشكلات الميتافيزيقية المجردة المتداولة في الخطاب الفلسفي في الإسلام "6 و عندئذ اعتدل موقف رجل السلطة تجاه شخص المتكلم الجديد إذ " مدَّ له يد المساعدة وأنشأ له المدارس بل فتح له أبواب قصوره للمناظرة و المجادلة! وأنزله منه منزل النصيحة"7.
بعد هذه اللمحة عن مقدمات ظهور علم الكلام وعن تطوره، سنتناول فيما يلي أبرز التيارات الفكرية و السياسية التي خاضت فيه بالإضافة إلى مناقشة وتحليل كُبرى القضايا التي تناولها علم الكلام.

1 ـ نشأة الفرق : مخاض سياسي عسير
في غمرة الارتباك السياسي للمسلمين فيما بعد الفتنة شهدت الساحة الإسلامية ولادة أحزاب وتيارات ارتبط ظهورها في العمق بإشكالية الإمامة، و في هذا الصدد يمكن استدعاء كلمة مشهورة لمؤرخ الملل و النحل الإمام الشهرستاني أن " أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان!"8. و على هذا الأساس يذهب كثير من الباحثين المعاصرين إلى أن مبعث الكثير من الفرق الإسلامية سياسي و من بينهم: عبد المجيد الصغير9 و إبراهيم حركات10 و لؤي صافي11 وأحمد أمين12 وغيرهم كثير... وتفسير هذه المسألة راجع إلى ارتباط الوعي السياسي لدى الفرق بالوعي الديني إذ ترسخ لديها التسليم بأهمية السلطة في التغيير الاجتماعي و الثقافي، فجل الأفكار التي راجت في المجتمع الإسلامي كان للسلطة دور في إفشائها والترويج لها، أو إفشالها والتنكيل بها، و من هنا فإذا كان" انتقال السلطة يتم بوسيلة الصراع العسكري كان انتقال الفكر من مرحلة إلى أخرى يتم بوسيلة الانقلاب"13.

و هكذا فلن يكون انبعاث الظاهرة الخوارجية في المجتمع الإسلامي مفهوما ومستساغا ما لم نربطها بموقفها " السياسي" من قضية " التحكيم" بين علي ومعاوية في معركة صفين، و بناءً على هذا الموقف السياسي عمدت إلى بناء نظريات في الاعتقاد أساسها الحكم على مُجريات الواقع السياسي، فمثلا ناهض الخوارج" نظرية التفويض الإلهي تجنبا للدكتاتورية الفردية و عوضوها بالحكم الجماعي"14، وبَدَؤُوا يكفِّرون المسلمين حتى ولو كانوا من صحابة رسول الله لا لشيء إلا لأنهم لم يلتحقوا بصفوفهم ولم يؤيدوهم في مواقفهم السياسية، وقد كان التكفير يستخدم "من قبل الجماعات المناوئة للسلطة لتبرير الخروج عليها"15 ولسحب ثقة الناس منها و من شرعيتها. وكل ما سبق يدخل في البرنامج السياسي للخوارج حتى ولو ظهر أن بعض السلوكات لها صلة بالدين والعقيدة. وهذا ينطبق كذلك على حركة الشيعة المعارض السياسي القوي للنظرية السياسية السنية في الإمامة، فإرهاصاتها الأولية انطلقت مع اجتماع سقيفة بني ساعدة التي انتُخب فيها أبو بكر الصديق خليفة للمسلمين في غياب علي الذي كان منشغلا بتجهيز جثمان النبي، وبسبب ذلك طعن الشيعة (ضمنيا أو صراحة) في شرعية الخليفة الأول و في شرعية من جاء بعده لكون حكمهم لم ينبعث من البيت النبوي و من سلالة الرسول (، و قد تطورت هذه الفكرة لدى الشيعة لتأخذ أبعاداً سياسية و فقهية ولاهوتية، فاستخدامهم" الوصية و النص كمبدأ لتعيين القيادة السياسية بدلا من الاختيار، يعود إلى رفض الإجماع السني الذي بارك اختيار أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله. و قولهم بعصمة الأئمة نابع من الحاجة إلى إضفاء الشرعية المطلقة على أقوال الأئمة التي تشكل العصب الرئيسي الذي يقوم عليه البناء التصوري الشيعي"16.
أما الفرقة الثالثة التي أسهمت في إغناء الفكر الإسلامي بنظرياتها في العقيدة والسياسة فهي فرقة المعتزلة التي اختلف الدارسون في علة تسميتها بذلك الاسم من قائل بأن المعتزلة هم من اعتزلوا مجلس الحسن البصري بقيادة و اصل بن عطاء، إلى قائل بأنهم اعتزلوا الآراء المشهورة في مرتكب الكبيرة فقالوا بالمنزلة بين المنزلتين، إلى قائل بأنهم يقولون باعتزال صاحب الكبيرة للكافرين والمؤمنين17." هذا مع أن المعتزلة لا يسمون أنفسهم بالاعتزال بل يفضلون لقب "أهل العدل والتوحيد" على غيره من الألقاب. والمتتبع لمسارهم الفكري يجد أنهم كثيرا ما يميلون إلى العقل والتأويل حتى في مسائل تدرج عادة في مجال القطعيات ولذلك يرى بعض الباحثين في توجهاتهم أنها تمثل " محاولة لفهم العقيدة الإسلامية على ضوء العقل الإنساني"18.
- 2 مرتكب الكبيرة و تقييم السلوك السياسي
بعد تحويل نظام الحكم الإسلامي نحو تغليب منطق الشوكة والقهر، باتت مفردات "الفجور السياسي" من قتل و جور وهتك للأعراض وسلب للأموال عناوين تتصدر لائحة الكبائر السياسية التي يقترفها الحكام والخلفاء والولاة والوزراء والجند في حق الأبرياء والضعفاء من أبناء المجتمع مما أثار حفيظة المعارضة فبدأت تفكر في وضع أحكام فقهية عقدية تلامس واقع الاستبداد، وهكذا انخرطت جل الفرق الإسلامية في جدل فكري سياسي مهمته تقييم الفعل السياسي للسلطة عبر ما يسمى " بحكم مرتكب الكبيرة" هل هو مؤمن أم كافر ؟.
ولابد من التأكيد أولا على تداخل الأخلاقي والسياسي في الفكر الإسلامي و منه فإن " التحديد الميتافيزيقي لكل من الإيمان والفسق والكفر يتخذ بالضرورة بُعداً سياسيا يؤدي مباشرة إلى مسألة الحقوق و الواجبات المجتمعية و السياسية "19. وعلى هذا الأساس لا بد من قراءة مواقف الفرق من مرتكب الكبيرة قراءة مزدوجة تضم البعد الغيبي إلى جانب البعد السياسي. فالخوارج الذين يكفرون صاحب الكبيرة تنبع نظرتهم من موقفهم العام من مسألة الصراع السياسي على السلطة ومن حكمهم على الأنظمة المتعاقبة على الحكم بعد الفتنة. أما الشيعة فقد ربطوا الإمامة بالإيمان و جعلوها من مقتضياته و من أصول الاعتقاد ومن ثم فطاعة الإمام من الإيمان. و أما بالنسبة للمرجئة فهم تساهلوا مع مرتكب الكبيرة فحكموا عليه بأنه مؤمن فاسق و كان ذلك حياداً منهم فلا يكفرون الخوارج ولا الشيعة ولا حكام الأمويين، كما لا يجزمون بكفر النصارى واليهود لأن الإيمان عندهم لا يتعلق بظواهر الأفعال إنما محله القلب، ومن هنا فهم يرجئون أفعال العباد إلى الله.
و يبقى موقف المعتزلة حلاًّ وسطاً بين جل هذه الآراء إذ لم يحكموا على صاحب الكبيرة لا بالكفر ولا بالإيمان لكونه لم يستجمع شرائطهما، فلم يقعوا في الغلو و التشدد ولا في اللين والتساهل. وقد لاحظ زعيمهم و اصل بن عطاء " أن القرآن لا يذكر الإيمان إلا مقرونا بالعمل، في حين أنه يصف بالفسق فقط كل من كان ينتسب لأمة الإسلام بمحض الإيمان ويُسر مع ذلك بين أفرادها بالفساد! وبهذا الاستقراء للغة القرآن وللغة الأمة تأكد لواصل بن عطاء أن النص والإجماع و العقل توجب جميعا تسمية مرتكب الكبيرة فاسقا دون الإيمان و الكفر"20 وهو ما يعرف لدى المعتزلة " بالمنزلة بين المنزلتين "، و هذه النظرية سببت لهم حرجا عند تكييفها مع وقائع الفتنة التي اشتعلت بمقتل عثمان وأفضت إلى القتال بين الصحابة مما استدعى البحث عن المصدر الحقيقي للخطأ ليلحق بدائرة الفسق.
وعموما فإن " نظرية مرتكب الكبيرة" في الثقافة الإسلامية لن تكون مفهومة في أبعادها ما لم يلتحم في ثناياها جذورها السياسية والاجتماعية بآفاقها الفكرية الميتافيزيقية.
3 ـ الجبر و الاختيار : خُدْعَةٌ سياسية للهروب من المساءلة الشعبية
بلغ الفساد على المستوى الدستوري والإداري والمالي بدولة الملك الأموي أوجه فأجج ذلك غضب جماهير المسلمين ولا يمكن امتصاصه هذا الأخير إلا عبر حيلة ذكية، وقد وزعتها السلطة على نمطين أحدهما ترفيهي و الآخر إيماني، فالأول جاء عبر تشجيع التفسخ والنهوض بفن الغناء أما النمط الثاني فكان بنشر عقيدة الجبر و القدر الإلهي السالب لإرادة الإنسان الأموي في كل ما يقوم به، ولو كان من قبيل الظلم والاستبداد. و هكذا عمل خلفاء بني أمية على بث مفاهيم الجبر في نفوس الناس فكان معاوية " أول من قال بالجبر و أظهره، ليجعله عذراً فيما يأتيه، و يوهم أنه مصيب فيه، و أن الله جعله إماما ولاَّه الأمر، وفشا ذلك في ملوك بني أمية " 21 وكان منطلق معاوية في هذه المسألة قراءته لحديث قراءة حرفية غير مقاصدية استنبط منه حتمية التسيير على التخيير، ومنطوق ذلك الحديث "(اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت و لا راد لما قضيت) ويقولون: إن معاوية تلقف هذا الحديث و عممه على الجميع،(...) و بدأ في مقدمتهم يردده في الصباح و في المساء ويعتبره من الأمور المأثورة التي لا بد من تردادها في الصباح و المساء"22، و سيراً على هذه الإيديولوجية قام خلفاء بني أمية بترويجها في كل المناسبات وفي الحق و الباطل، و للتمثيل لذلك يعلن يزيد بن الوليد في إحدى رسائله إلى الأمصار أن الله "اختار الإسلام دينا لنفسه... واصطفى الملائكة رسلا... وانتهت كرامة الله في نبوته إلى محمد (... ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوَّته... فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقهم أحد إلا صَرَعَه، ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه، ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم منه وسلَّطهم عليه وجعله موعظة ونكالاً لغيره..."23. وهنا يبرز مدى الإيهام بحلول إرادة الإنسان في إرادة الله كأن هناك اتحاداً في الفعل والممارسة السياسية، فحينما يفعل الحاكم أو يأمر فإنما ينفذ عن الله الفاعل والآمر الحقيقي ومن ثم يصير الله هو المسؤول عن كافة الجرائم السياسية والأخلاقية التي يرتكبها بنو أمية، أما هم فليسوا سوى أدوات مسخرة لقضاء ما كان في سابق علم الله، و يلخص زياد بن أبيه هذه المعادلة في خطبة له قائلا " أيها الناس إنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا "24. ولما بالغ الأمويون في فحشهم الأخلاقي والسياسي وينسبون ذلك إلى مشيئة الله، استفسر الناس عبد الله بن عمر عن أفعال هؤلاء الإجرامية هل هي واقع مقدر من عند الله لا مناص منه إلا بالرضا والتسليم فأجابهم ابن عمر أن الله " قد كان في علمه أنهم يفعلونها، ولم يحملهم علم الله على فعلها "25.
4 ـ خلق القرآن و الأيادي الخفية للسلطة
لم تكتف السلطة السياسية بالاستبداد السياسي على جماهير المسلمين و على النخبة المعارضة، و لم يكفها احتكارها التام للشأن السياسي، بل تدخلت في عقائد الناس و في مشاعرهم الدينية، فاستفز المسلمون في أعلى مصادر القيم العليا عندهم وهو القرآن الكريم كلام الله المنزل، حيث أصدرت السلطة أوامرها باختبار أعيان المجتمع من محدثين و فقهاء وقرّاء في مواقفهم من النص القرآني هل هو كلام قديم أم كلام حديث؟ ولقد تبنت السلطة الرأي الثاني مَسْنُودة في ذلك بعلماء المعتزلة الذين يضرب بهم المثل في العقلانية الدينية، و لكن لما اتحدوا مع السلطة تحولوا إلى متواطئين في محنة خلق القرآن خلال فترة حكم كل من الخلفاء العباسيين الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق. ولقد وقع ضحية هذه الفتنة الكثير من أهل العلم والفضل وبقية الناس، وتم تعذيبهم وإهانتهم وقتلهم في شكل بشع أشبه بسياسة تجفيف المنابع أو الإبادة الجماعية، و لقد جمع وقائعها وناقش خلفياتها الأستاذ فهمي جذعان في دراسته المهمة : المحنة، بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام26. ومما خلص إليه الباحث قوله بأن هذه الفتنة تشكل " محنة بكل المقاييس إذ حصل فيها أكبر وأول خرق جماعي في تاريخ الإسلام لحرية الرأي والفكر والمعتقد ممثلا بقيام السلطة السياسية بإجبار الناس على تغيير آرائهم بالقوة27". و المشكلة التي يثيرها هذا التدخل السافر في العقائد هي أن القضايا الشخصية المتعلقة بالتعبد باتت شأنا من شؤون " النظام العام" للدولة تقرر فيه كيف شاءت حسب ميولات رجل السلطة بدل الحوار الفكري الحر والمسؤول، و لذلك فالسلطة تتدخل تارة " باسم العقلانية في عصر الخليفة العباسي المأمون فاضطهدت القائلين بأن القرآن قديم لأنه كلام الله الأزلي صفة من صفات ذاته الأزلية القديمة، ثم تدخلت السلطة السياسية مرة أخرى في عصر الخليفة المتوكل ولكن بحجة درء الفتنة وناصرت أصحاب نظرية القدم واضطهدت القائلين بأن القرآن محدث مخلوق"28، و هذه المرة لم تعتمد فقط أسلوب العنف في فرض آرائها بل لجأت إلى التماس الدعم المعنوي من جهات علمية، فوظفت العلماء فاستصدرت منهم فتوى تحرم القول بخلق القرآن وترسم الملامح الكبرى للعقيدة، وتعرف " بالاعتقاد القادري القائمي" نسبة إلى صاحبها القادر بالله (381 ـ 442هـ) وذلك سنة 433هـ، وهي وثيقة رسمية زكَّتها السلطة و تعبر عن آراء " جماعة المسلمين" آنذاك، وكل من خالفها فقد فسد اعتقاده وخرج من الملة و مما جاء فيها: "من قال: إنه [ القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه"29. وبذلك تصير العقيدة أُلعوبة سياسية لا قدسية لها إلا بقدر ما تحققه وتجلبه من الأنصار وشرعية سياسية؛ لأن الثابت لدى السلطة هو المصلحة والنفعية والمتغير هو الفكر والعقيدة.
وفي ختام هذه الدراسة المركزة والمختزلة، يظهر جليا من خلال تناولنا لعلم الكلام مدى الحاجة إلى قراءة جديدة لمختلف الحقول المعرفية داخل الثقافة الإسلامية التي لن تكون سوى انعكاسات طبيعية لظروفها السياسية والاجتماعية…، ولذلك وجب قراءة التراث في ضوء التاريخ وخصوصا التاريخ السياسي لأنه "إذا كان التاريخ هو مفتاح العقل، فإن السلطة هي مفتاح التاريخ"30، أما التعامل "الطوباوي" مع الماضي فلن يزيد إلا مفاصلة بين التصور والواقع، و يضيف إلى الذاكرة "مقدسا جديداً" يمنع تجديد الفكر ويحيل الذات على زمن مضى وولَّى و يكرس الجمود و يُعطِّل الحواس بدعاوى توظف في غير سياقها من قبيل الزعم بأنه "لا يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" أو الدعوة إلى الكف عن افتحاص الماضي ومحاسبته بحجة كون تلك "دماء طهر الله منها أسيافنا فلا نلوث بها ألسنتنا" دون الإدراك بأن التاريخ ملك للجميع وللأجيال وإلا فما معنى أن ينتسب المرء إلى تاريخ لا يُسِْهمُ في نقده وتطويره.


* باحث من المغرب.
1 ـ احميدة النيفر: التراث كلا و التراث ألا، مجلة الوعي المعاصر،ع 12، س 3، خريف 2003م، ص:5.
2 -أُثر عن معاوية قوله:" من غلب على شيء فهو له" أبو محمد بن أعثم الكوني، الفتوح، ج1، ص:55، دار الكتب العلمية، بيروت ط1. 1982م، نقلا عن:"في الفقه السياسي مقاربة تاريخية لمحمد محمد امزيان، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط1/2001م، ص21.
3 ـ عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، دار المنتخب العربي، ط.1 /1994م، ص: 45.
4 ـ أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1/1986م، ج1، ص 117.
5 ـ عبد المجيد الصغير ، الفكر الأصولي، ص 43.
6 ـ نفسه، ص71
7 ـ نفسه، ص 72
8 - الشهرستاني، الملل والنحل، ت.محمد عبد القادر الفاضلي، المكتبة العصرية، بيرو ت ، ط.2003م ، ص 18، ولقد انتقد ابن تيمية هذه المقولة قائلا: إن هذا من أعظم الغلط! فإنه –ولله الحمد- لم يسل سيف على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة فضلا عن السيف ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين…" منهاج السنة النبوية، ت. محمد رشاد سالم، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط.2 بالمغرب سنة 1998م، ص 324.
9 ـ الفكر الأصولي، ص 22.
10 ـ إبراهيم حركات، المجتمع الإسلامي و السلطة في العصر الوسيط، إفريقيا الشرق البيضاء 1998م، ص 183.
11 ـ لؤي صافي، العقيدة و السياسة: معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية، سلسلة الحوار 44، منشورات الفرقان، اصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 3 المغرب 2001م ، ص 68.
12 ـ أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، ط 11، 1975م، ص 267.
13 ـ نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، ط 1/2000م ص136.
14 ـ إبراهيم حركات، المجتمع الإسلامي و السلطة في العصر الوسيط، ص 183.
15 ـ لؤي صافي، العقيدة والسياسة، ص 77 ـ 78.
16 ـ لؤي صافي، العقيدة والسياسة، ص 68.
17 ـ انظر تفصيل ذلك في فجر الإسلام، ص 289.
18 ـ عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، ط2/ 1997، البيضاء ص 78.
19 ـ عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي، ص 51.
20 ـ عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي، ص 52.
21 ـ القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد، القاهرة الدار المصرية للتأليف و الترجمة، ج 8، تحقيق عبد الحليم محمود و سليمان دنيا، ص 3، نقلا عن الفكر الأصولي ص 60.
22 ـ طه جابر العلواني، الأزمة الفكرية المعاصرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 4/1994م، ص 38، والحديث لم أقف عليه بهذه الصيغة التي فيها: "و لا راد لما قضيت".
23 ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، دار النشر المغربية، ط5 / 2000م، ص 254.
24 ـ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الفكر، بيروت 1978م، ج3، ص223.
25 ـ نقلا عن: علي بن زيد الوزير، الفردية بحث في أزمة الفكر الفردي السياسي عند المسلمين، مركز التراث والبحوث اليمني، ط. 1/2000م، ص 281.
26 ـ صدر عن دار الشروق بعمان 1989م.
27 ـ نقلا عن مراجعة للكتاب بقلم عبد الله يحيى السريحي في مجلة الاجتهاد، ع 13، ص 4 خريف 1991م، ص 22.
28 ـ نصر حامد أبو زيد، الخطاب و التأويل، ص 233.
29 ـ ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دراسة وتحقيق: محمد عبد القادر عطا –مصطفى عبد القادر عطا، راجعه وصححه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت ط.1/1992م، ج15 ص280.
30 ـ عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي ط.1/1998م، ص8.

الحالم
09-23-2007, 04:46 PM
تأويل النصوص القديمة قراءة لتأويل شنكرا لنص الاوبانيشاد

هالة أبو الفتوح

إذا كان علم التأويل لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر على يد الفلاسفة الألمان مثل "شلا يرماخر" و "دلتاي" وغيرهم فإن قراءة التراث الفلسفي تكشف عن أن ممارسة التأويل قد وجدت قديما لدى الكثير من الفلاسفة مثل أفلاطون وفيلون وغيرهم. بل إننا يمكن أن نجده لدى مفكري الشرق القديم بحضاراته المتنوعة ومدارسه المختلفة سواء كان تأويلاً للنصوص المقدسة ورغبته في تجاوزها وإفراغها من مضمونها الإلهي، كما حدث مع كونفوشيوس عندما أعاد تأويل المفاهيم الصينية المقدسة لكي تلعب دوراً أيديولوجيا جديداً في نشر الأخلاق الاجتماعية وتربية الفرد لإعداد الإنسان الصالح. لقد قرأ كونفوشيوس تراث أمته من منظور عصره ومقتضياته ولذلك اكتفى بنشر تعاليمه وآرائه من خلال التراث وذلك بإعادة تفريغه من المضمون القديم وملئه بما هو جديد. أو كان تأويلاً للنص من أجل الإبقاء عليه وتجديده، وهو ما اسماه شلايرماخر "امتلاك فهم متجدد للنص، من أجل فهم الخطاب الإلهي ولإعادة فهم الصلة بين المطلق والعالم والإنسان كما هو الحال في محاولة شنكرا، موضوع المقال، لتأويل أحد النصوص الهندية المقدسة وهو نص الاوبانيشاد.

أولاً: أهم مفاهيم كتاب/ الاوبانيشاد
تعد الأوبانيشاد ثاني النصوص المقدسة التي ازدهرت خلال العصر القيدي والذي يؤرخ له بعام 2500 ق م ويمتد حتى 600 ق م1، ونظراً لأنها تحتوي على نصوص تتعلق بالذات والحقيقة الجوهرية للأشياء فهي تعد أكثر أجزاء التراث القيدي تفلسفاً. حيث تمثل نضج الفكر الهندي وانتقاله من الشرك والتعدد إلى الأحادية فالتوحيد. ومن ثم كان المحور الأساسي لتلك النصوص هو تحديد طبيعة ذلك الذي تنتظم به الأشياء.
يتمحور مضمون الاوبانيشاد على اختلاف نصوصها حول مبدأ الحقيقة الواحدة والثابتة التي لا تتأثر بالتغيرات التي تحدث في العالم الخارجي، إذ إن تلك الحقيقة هي بذاتها الجوهر العميق للإنسان، وفي هذا الإطار نلتقي عبر النصوص بحشد من المفاهيم التي ارتبطت مع بعضها البعض لتؤدي في النهاية إلى تحقيق غاية الإنسان وهي السعادة الأبدية.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهر خلال الاوبانيشاد مفهوم الكارما والتناسخ وقد بلغ ارتباط المفهومين معا إلى الحد الذي أصبح من الصعب فهم أحدهما بدون الآخر، فإذا كان مصير الإنسان يتحدد وفقا "للكارما" والتي تعني قانون العمل الذي يحتم على كل إنسان تحمل مسؤولية وهو ما يضمن تنفيذ ثواب Samsara أعماله، خيرها وشرها، فإن التناسخ يعود خلالها الإنسان من جديد إلى الثواب2 والعقاب عبر دورات حياتيه متتاليه ليوفّى ثمار أعماله.
وتكمن خطورة مفهومي الكارماو التناسخ في تلك العودة المستمرة للوجود البشري والتي تعني التواجد اللانهائي للمعاناة التي ستخضع لها روح الإنسان طالما بقيت في عالم الظواهر. إذ إن هذا التواجد يعني حرمانها من إشباع رغبتها التي خلقت من أجلها وهي إدراك المطلق ومن ثم التحرر الأبدي من الجسد والعالم.
وهكذا احتل مفهوم الخلاص مكانة كبيرة داخل النصوص، غير أن المفهوم لم يسر على وتيرة واحدة وإنما مرَّ بتطور يعدّ وليدَ تباين النصوص فيما بينها. ففي البدء انحصر الخلاص في الهروب من العالم المادي والجسد الفان من أجل إدراك البرهمان والتوحد معه حتى يحقق المرء غاية وجوده البشري، ومن ثم ينعم بالسعادة الأبدية. وقد بدأ الخلاص عبر هذا التحديد سلوك فردي تغلب عليه النزعات الفردية والأنانية. ولكن بعد هيمنة مفهوم الدورات بوصفها البديل لمفهومي الثواب والعقاب لم يعد الخلاص فقط من أجل معرفة اللامتناهي وإنما أيضاً من أجل التحرر من العود المتكرر إلى هذا العالم والذي جسّد عذاب الروح المتشوقة للعودة إلى المطلق الذي صدرت عنه3. وتكشف قراءة الأوبانيشاد عن تبلور مفهوم الخلاص خلال الدعوة لإنكار العالم ونبذ الحياة من أجل التحرر من كل أنماط الحياة الدينيوية حتى يتم التوجه لما هو أكثر قيمة، وهو المطلق. ولهذا أصبح الزهد4 صفاء الذهن والقلب لإعادة اكتشاف الحق/ الرهمان.
لقد تبارت نصوص الاوبانيشاد المختلفة في محاولة إلى وضع تحديد دقيق لمفهوم البرهمان الذي مثّل التجلي الموضوعي لتعيين الحقيقة المطلقة والجوهر اللامتناهي، فنجد اوبانيشاد بريهاد" تتبنى أسلوب السلب في تحديد ماهية البرهمان من خلال عبارة "لا هذا ولا ذاك"5، وهي عبارة تنص على مغايرة البرهمان لكل ما يحيط بنا. وعلى ذلك بدا الإله الاوبانيشادي إلهاً معروفاً ومجهولاً في ذات الوقت، فهو معروف انطلاقاً من قدرتنا على استدلال بعض القضايا عنه نظراً لكونه حقيقة بديهية، وهو محجوب استناداً إلى أن الأشياء المتناهية والتي نستمد منها معرفتنا به لا تنطوي على شيء يخص وجوده وفعاليته اللامتناهية.
لقد تم تحليل الماهية الإلهية عبر الأجزاء المختلفة للنصوص استناداً إلى المماثلة الدائمة بين الكون والإنسان من ناحية وبين الأخير والإله من ناحية أخرى. وقد سعت بعض النصوص إلى إثبات وجود البرهمان المطلق داخل الذات الإنسانية عن طريق المقولة التي تنص على "أنه حال" فلا يقتصر هذا الحلول على الظواهر6 في كل الموجودات المتناهية الكونية فقط وإنما أيضا داخل الإنسان نفسه. وكأن القضية هنا ليست إثبات الوجود الإلهي فقط والكشف عن ماهيته وإنما إثبات حقيقة وجودنا البشري الذي يؤكد في ذات الوقت على وجود مثل ذلك الكائن المجرد. ولهذا احتوت النصوص على مفهوم جديد من أجل الوصول إلى أفضل تحديد Atman لذلك الجوهر اللامتعيِّن. والحال في الإنسان، وهو مفهوم الأتمان والذي يعني "الذات" أو الروح باعتبارها حقيقة أبدعها البرهمان، أو بوصفها البرهمان ذاته. وقد ترتب على قضية الحلول سابقة الذكر الكثير من التساؤلات التي اقتضت وجود شروح أو تفسيرات لفك غموض النصوص ووضع إجابات لتلك التساؤلات التي يثيرها النص نفسه. الأمر الذي أدى إلى ظهور ما يسمى "بأدب السوترا"، والسوترا تعني الأقوال المأثورة، وهو نمط للكتابة قُصد به تفسير النصوص في أسلوب شديد الاختزال، إلا أن هذا الاختزال أدى إلى مزيد من الغموض الأمر الذي اقتضى ضرورة وجود تفسيرات تحليلية لبيان المعنى المقصود. وبمرور الوقت، وفي ظل تعدد الاتجاهات وتباين المذاهب الفكرية، نشبت صراعات فكرية بين المدارس الفلسفية آنذاك حول تأويل وتفسير النصوص الاوبانيشادية المقدسة. وقد أفضت تلك الصراعات إلى نضج القضايا المطروحه للنقاش ونزوعها نحو التجريد، كما هيمنت روح الحوار والتأويل النقدي على تناول شتى أشكال الخطاب الإلهي. ومن بين هذه المحاولات محاولة شنكرا في القرن الثامن قبل الميلاد والتي تعدّ قراءة على قراءة استاذة7 وتأويلاً لها، من أجل فهم جديد للنصوص المقدسة يتلائم واحتياجات العصر. بيد أن التلميذ قد فاق أستاذه وأسس شنكرا اتجاها متميزاً جسّد خلاله قمة التطور الروحي والعقلي للفلسفة، والذي تمحور حول Advita الهندية من خلاله نسقه التأويلي، "الادفيتا البرهمان" بوصفه الحقيقة الفريدة والروح الأسمى.

ثانيا: تأويل شنكرا
يبدو أن وعي شنكرا بأنه يسعى خلال محاولته التأويلية إلى الكشف عن ما سكتت عنه المحاولات الاخرى- مثل تأويل السامكهيا والينايا- وهو تحديد طبيعة العلاقة بين المطلق/ البرهمان والعالم، هو ما جعله يشعر بصعوبة الأمر، لذا فهو يوجهنا دوماً إلى أسفار النصوص خاصة الأسفار التي تؤكد استحالة تحديد ماهية البرهمان. حيث إن هذا التحديد من شأنه أن يحوله إلى موضوع متناهٍ ومن ثم تطبّق عليه حدود معرفتنا المتناهية، لذلك انطلق شنكرا في تحليل وفهم علاقة المطلق بالعالم من خلال التأكيد على أن المطلق كينونة تغاير عالم الأشياء.
حرص شنكرا منذ البداية على إظهار أبدية الكتاب المقدس- بالرغم من أن تدوينه استغرق مئات السنين – والتأكيد على أنه الأساس الوحيد لإثبات وجود المطلق/ البرهمان. ولهذا توقف حيث انتهى النص وهو التأكيد على أن المطلق هو الذات الكونية الشاملة ومصدر كل الكائنات وغايتها8. غير أن تأويله يكشف عن سعيه الدئم لتطوير النص وفقاً لاحتياجات العصر، ذلك النص الذي خشى أن تؤدي أسفاره التي تماثل بين المطلق والعالم إلى وحدة وجود مطلقة، ولهذا استبدل مبدأ المماثلة بمبدأ العلّة، حيث أكد على أن البرهمان هو العلة الفاعلة والمادية للعالم. ولهذا نقد شنكرا مذهب السامكهيا الذي سعى لتفسير نشأة العالم برده إلى عللٍ مادية كوّنت نفسها بنفسها ولها استقلالها عن المطلق. حيث أعاد تأويل Prakrity9 مفهوم البراكريتي والذي يعني المادة الأولى، لتصبح مادة جامدة لا توجد في حالة مستقلة، ولا تتصف بالعقلانية ومن ثم ليس بمقدرتها إبداع العالم بمعزل عن البرهمان بوصفه العلة الفاعلة. ولهذا لجأ شنكرا إلى التأويل النقدي لنص الاوبانيشاد خاصة في سعي الأخير نحو المساواة بين البرهمان والظواهر الخارجية التي تبناها ليكشف عن ذاته من خلالها، الأمر الذي أدى إلى إلصاق سمة الحقيقة والكمال بالعالم، مؤكداً على التمييز بين العلة والمعلول، البرهمان والعالم، استنادا إلى تناهي العالم مقابل سمة اللاتناهي التي أكد عليها النص ذاته بوصفها ماهية المطلق.
إن العالم والبرهمان مقولتان غير متساويتين فهما نوعان مختلفان من الوجود. ورغم انهما يشتركان معاً في سمة الوجود إلا أن وجودهما ليس على نفس الدرجة، فأحدهما حق والآخر مجرد مظهر خارجي أو وهْم. ولهذا فإن العالم ليس هو البرهمان كما أشارت الاوبانيشاد، والذي يجعلنا Advidya 10نتوهم ذلك هو الجهل أو الأدفيديا الذي يدفعنا للاعتقاد بأن العالم ليس سوى البرهمان ذاته. وهنا قدم شنكرا مفهوماً جديداً يقيم عليه تأويله وفهمه لحقيقة تلك العلاقة الغامضة بين العالم والبرهمان وهو مفهوم الوهم للتدليل على نسبية العالم ومباينته للمطلق من ناحية المايا Maya11، ولحل مشكلة العلية من ناحية أخرى.
ظهر مفهوم "المايا" عبر النص المقدس بوصفه الجهل الناشئ عن النقص المعرفي، وهو جهل يدفعنا إلى رؤية الأشياء على غير حقيقتها الأمر الذي أدى إلى هيمنة نظرية المماثلة على علاقة البرهمان بالعالم. فالنص يكشف عن تأرجح المفهوم بين كونه تجسيدا للجهل الفردي المتمثل في النقص المعرفي وبين كونه جهلاً كونياً بمعنى أنه علة ما ندعوه بالعالم الخارجي بالإضافة إلى التسليم بوجوده منذ الأزل. وكأننا أمام حقيقة واحدة avidya تعرف في جانبها الفردي بالجهل وفي جانبها الكوني بالمايا Maya. إلا أن شنكر أعاد تأويل المفهوم ليعني به عيب عقلي في تفكيرنا يرجع إلى تناهي العقل البشري الذي ينزع إلى تحليل المقدس إلى آلاف الموضوعات، ومن ثـم فهي اتجاه غير واع للعقل المتناه12، وسواء كانت "مايا" أو "أفيديا" فكلاهما يقوم بنفس الدور وهو سلب وجودنا عن طريق إخفاء الطبيعة الجوهرية للأشياء وإبداء الأمور على غير حقيقتها.
وقد أشار "رو" Rao 13 أحد الباحثين في النصوص الهندية المقدسة، "إلى أن المطلق حسب تأويل شنكرا له ليس بخالق لعالم الظواهر، حيث أن الوجود لا يصدر عن اللاوجود. كما أن البرهمان لا يتحول في العالم، فلا مجال للربط بين الكمال والنقص المشاهد في العالم. إنما الوهم هو الذي يدفعنا إلى تصور وجود علاقة بينهما". بيد أن تأويل شنكرا للمايا كان من أهم الحلول التي طرحها بصدد تنوع أساطير الخلق التي احتواها الكتاب المقدس وعجز عن وضعها في إطار واحد. وعلى كل لم تكن "المايا" لديه تفيد أن العالم وهمٌ تام ومن ثم تؤدي إلى إلغاء الخلق، كما أنها لا تعني أنه حق مطلق ومن ثم تتم نظرية المماثلة، إنما أصبحت تعني أن العالم موجود نظراً لأن إدراكنا الحي يؤكد وجوده ولكنه ليس هو الوجود الحق.
امتد توظيف شنكرا السابق لمفهوم المايا إلى تحليله للإنسان من أجل أن يقدم تأويلا جديداً لتلك العلاقة الثلاثية بين البرهمان والعالم الإنسان؛ ولكن دون أن يلحق سمة الوَهْم بالروح الفردية كما حدث بالنسبة للعالم. فلو تحولت الروح الفردية- على غرار العالم- إلى وجود وهمي أو وجود زائل بوصفها خاضعة للتغيير والفناء فإن الحديث عن خلاصها وبلوغ السعادة الابدية- وهي من الموضوعات الأساسية في النص المقدس –سيصبح عبثا أي لا مجال له Jiva. ومن ثم طرح تفسيراً جديداً فرّق خلاله بين الجيفا الروح الفردية في ارتباطها مع الجسد والخبرات الشخصية. وبين المطلق بوصفه ذات مجرَّدة ومتعالية تكمن وراء هذا الواقع التجريبي. ولهذا أكد على أن هبوط الروح إلى الجسد وارتباطها به ليس المسؤول الوحيد عن تحولها إلى "جيفا"، أي وجود مختلف عن البرهمان، ولكنه الجهل "افيديا"، الذي يخفي ماهيتها الأصلية وحقيقة تماثلها مع البرهمان.
وهنا يبدو التزام شنكرا بحرفية النص، حيث تجلت سلبية الأنا عندما أكد على أن الروح الفرية في حقيقتها سواء أطلق عليها اتمان أو جيفا هي المطلق ذاته. ومع ذلك فقد بدا واضحا في ثنايا تأويله استبعاده حقيقة أن –أي في حالة ارتباطها-14 يكون المطلق هو الروح في هيئتها المشروطة وخضوعها لمقتضيات الجسد.
لقد احتوى نص الاوبانيشاد على ما يسمى بالبرهمان الأسمى والبرهمان الأدنى، المجرد والمتعين، وانتهى إلى أن البرهمان الأسمى هو الجوهر اللامتناهي، أما عالم الظواهر فهو البرهمان الأدنى نظراً لأنه المجال الذي يتجلى فيه الأول، الجوهر المطلق، إلا أن شنكرا قد تجاوز هذا النص عندما أعاد تفسير علاقة البرهمان بالعالم في إطار إلغاء القداسة عن الأخير ومن ثم أصبح هناك استحالة في توظيف ذلك النص الذي يتناول علاقة العالم بالبرهمان في إطار الأعلى والأدنى في سياق تأويله. ولهذا شرع في استخدام المفهومين، المجرد والمتعين، للدلالة على نفس الإله مما أوقعه في مأزق الثنائية وهو ما يتعارض مع نسقه التأويلي الذي أطلق عليه الأدفيتا أي اللاثنائية Advita15.
كان شنكرا على وعي بأن النص يحتوي على عدد من نظريات الخلق المتنوعة والمتباينة في ذات الوقت، ومن ثم لم يتخذ موقفاً تجاه أي منها وظلّ مكتفيا بالتأكيد على أنه رغم التباين الجلي الذي تكشف عنه النصوص إلا أنها تتفق فيما بينها بصدد مسؤولية البرهمان عن إيجاد العالم. حيث تجلى المطلق خلالها بوصفه الخالق والحافظ والمدمر لهذا العالم، واحد لاثاني له. وفي الوقت الذي بدا وكأنه يلتزم بحرفية النصوص التي تحدد ماهية المطلق وفاعليته الذي استحال معه إدراك المطلق16 أفرط في استخدام منهج التأويل بالسلب بأي من الوسائل المتاحة بل أصبح مفهوم البّرهمان عبر نسقه التأويلي أكثر تجريداً عن ذي قبل. فالمطلق ليس موضوعاً للحواس إذ إنه يعلو على كل التمايزات القائمة في الواقع كما أنه يسمو على كل وسائل المعرفة المتاحة بما في ذلك الكتاب المقدس نفسه.
ومع ذلك –ولكي يخدم تصوره العقلي للخلاص- قدم شنكرا تأويلاً في غاية الأهمية ليحل به أزمة الإله المشروط والإله المجرد مستنداً في ذلك على قضية اللطف الإلهي. حيث أعاد قراءة النصوص التي تجلىّ خلالها البرهمان في إطار مادي، أو مكتسب لبعض التحديدات التي تهبط به إلى مستوى الموجودات المتعينة، بوصفها وسيلة استخدمها الإله للتعبير عن ذاته أمام الوعي الإنساني وتدعيما لعمليات التأمل التي يقوم بها العباد. ويتأدى من ذلك إن الإله المفارق لا يتوانى عن اتخاذ هيئة أو إطار مادي من أجل أغراض العبادة ولتهدئة قلوب العباد17.
وبهذا لم يعد اللطف الإلهي مقصوراً على الإشراف الإلهي لحظة التحرر النهائي وإنما أصبح أمراً متحققا دوماً خلال المراحل المتغيرة التي يتجلى خلالها المقدس. وعليه فإن إعادة قراءة النص سمحت له بتناوله علاقة المقدس بالدنيوي في إطار جديد تسوده علاقة الحب والوئام بين العبـد وربه بعيداً عن علاقة السيد بالعبد التي اظهرها النص.
وفي هذا الإطار لم يسع شنكرا لإلغاء الحقيقة الإلهية الإنسانية للفرد، فالإنسان في حقيقته مركب من جوهر مادي وآخر روحي وهو بهذا التركيب يشارك على نحو خاص في المرتبة العليا والمرتبة الدنيا. فإذا كان البرهمان الأدنى هو البرهمان الأسمى أثناء ارتباطه بالمايا، فإن الذات الفردية هي ذات البرهمان الأسمى ولكنها تبدو كذلك نظراً لأرتباطها بالافيديا/ الجهل. إن الروح الفردية لم تصدر عن الإله وإنما هي الإله ذاته. لقد قدم شنكرا تأويلا18 في ظل الشروط التي تحدد ماهيتـه وتحجب حقيقته جديداً لهذه القضية عندما أعلن أن النصوص التي يبدو ظاهرها وكأنها تفرق بين الروح الفردية والبرهمان لا تقر ذلك على أساس الجوهر الحق لكل منهما ولكن على أساس الحالة الراهنه، بمعنى أن جوهرهما واحد ولكن نظراً لخضوعها للعناصر المضللة يبدو أنهما مختلفين. وعندما تتحرر الروح الفردية من كل تلك العوائق التي تحول دون إدراك الحقيقة المطلقة فإنها تنال الخلاص الأبدي بصحبة البرهمان ومن ثم فالخلاف بينهم مجرد وهم19.
إن إدراك الروح الفردية بوصفها الروح اللامتناهي يعد إسقاطا لوجودها المتناهي المتعين بجانب إدراك اتصالها بالأرواح الأخرى. فعندما تكون روحي هي البرهمان ذاته، وكذلك أرواح الآخرين، فهذا يعني أننا جميعاً نملك ذات الروح وعليه يجب على الإنسان أن يدرك ارتباطه بالآخرين من جهة وارتباطه بالبرهمان من جهة ثانية. وعندئذ سوف تكتسب الآية المقدسة "تات تفام اس" / "ذلك هو انت"20 التي وحدت بين الأنا والآخر، بين المتناهي واللامتناهي، مشروعيتها وفاعليتها. وهكذا ففي الوقت الذي نقد شنكرا فيه نظرية التماثل بين العالم والبرهمان التي أكدها النص المقدس استناداً إلى رفضه قضية الحلول فيما يخص العالم المحسوس، إلا أنه لم يفعل ذات الشيء خلال تأويله لماهية الذات الإنسانية. إذ إن رفض نظرية التماثل والحلول فيما يخص الروح الفردية والروح اللامتناهي سوف يؤدي إلى التسليم بتعدد الأرواح وهذا ما رفضه شنكرا لأنه يتعارض مع نسقه التأويلي. أمـا إذا قيل أنها وهمٌ أو زيفٌ على غرار العالم المحسوس فلن يبقى لنا شيء نسعى لخلاصه، بل إن النص المقدس بأكمله سيصبح عبثاً لا طائل له. إن الارتفاع بالمتناهي هو في الحقيقة مجرد عودة الجزء الإلهي اللامتناهي الكامن فيه إلى الألوهية في كمالها المطلق وهو ما أظهره الكتاب المقدس باسم الخلاص.
وعلى ذلك فإن التحرر/ الخلاص ليس بالشيء الجديد الذي يأتي للروح من الخارج وإنما هو اكتشاف لحقيقة أزلية كامنة بداخلنا، إنه ينبع من أعماقنا. إنه الحقيقة التي تمحو الجهل المعرفي وتكشف عن مجموع العوائق التي تحول دون تحققه. وسواء جاءت الاستنارة أو الكشف عن الحقيقة من الداخل –أي من الآتمان- أو من الخارج –أي من البرهمان المطلق- فمضمونها واحد ومصدرها واحد، وهو ما يتفق مع تفسير شنكرا الذي أكد خلاله على انتقاء الخلاف بين الأنا والأنت، الذات والموضوع.
إن موقف شنكرا من العالم وفاعلية الفرد خلاله أدى به إلى طرح تأويل جديد لمفهوم الخلاص يغاير طرح الكتاب المقدس، حيث لم يعد الخلاص هو إنكار العالم وإرادة الحياة بجانب الانتقال إلى الغابة في حالة من اللاوعي واللافعل. ولكن بدا الخلاص أمراً لا يتحقق إلا بخلاص المجموع. فنحن لا نملك السعادة حتى يفوز بها الكل21. ولعل هذا ما أدى إلى وصفه بالمصلح نظراً لأنه لا يدعو إلى اعتزال العالم بجانب تأكيده على أهمية العمل ومساعدة الآخرين.
وعلى هذا النحو قسم شنكرا الخلاص إلى نوعين: الأول: وهو ما عرف بالخلاص المؤقت جيفا موكتاJivamukta22، السمو بينما ما زال مرتبطا بهذا الإطار المادي والمتمثل في جسده والعالم الفيزيقي الذي يحيا فيه. ويبدو أن المتحرر في تلك المرحلة يحيا كسائر الأشخاص ولكنه لا ينفعل بما يحدث حوله، إذ إنه أحدث نوعاً من القطيعة مع الجانب المادي لهذا العالم حتى يتفادى الوقوع في قبضة الكارما من جديد.
أما ثاني أنواع الخلاص: فهو الخلاص الأبدي فيدهاموكتا Vidhamukta 23، وهو لا يختلف عن النوع الأول في مجرد تحقيق الانفصال الفعلي عن الجسد والعالم –عن طريق الموت- إنما أيضاً في أن المتحرر يبلغ خلاله حالة من السكون والطمأنينه التي تتصف بالأبدية حيث لا عودة مرة أخرى لدورات الموت والحياة المتكررة.
وخلافاً مع النص المقدس، لم يعد الخلاص هو الفناء التام أو الانصهار في المطلق وإنما أصبح حالة من الوعي الكامل يتم خلالها الاستمتاع بصحبة المطلق. لقد سعى شنكرا عبر تأويله للخلاص إلى خلق حالة من التعايش السلمي مع البرهمان يستعيد خلالها الإنسان ألوهيته المفقودة عن طريق تجاوز فرديته ومحدوديته التي هي علة شقائه وتعاسته مع خلق نمط من الحياة يتلائم مع هذا التعايش، أو التجاور، حيث تسمو على كل القوانين والقيم الأخلاقية. إلا أن هذا التعالي لا يعني انعدام الوعي والوصول إلى حالة من النشوة الصوفية التي يفقد خلالها الفرد وعيه بذاته24. وبكل ما حوله وإنما هو قمة الوعي بحقيقة وجوده والتحول الذي يمر به وعلى هذا تم سلب الفناء ليتجلى مبدأ التحول: تحول الفردي إلى الإلهي أو على حد تعبير الفكر الغنوصي إعادة ميلاد الفرد كي يعود كما كان قبل السقوط يحمل ذات الطبيعة المقدسة.

ثالثاً: منهجه في التأويل
نود أن نشير إلى أن شنكرا لم يهتم بتنظير منهجه في التأويل في خطوات واضحة وآليات محدودة كما فعل شلايرماخر ودلتاي وجادامر وغيرهم، وإنما اتجه إلى التطبيق وممارسته بشكل عملي على أهم النصوص المقدسة وهو نص الاوبانيشاد، فأعطى بذلك قراءة شمولية لأهم الأفكار والمفاهيم التي وردت في نصوص الاوبانيشاد المختلفة. فقام بتأويل خطابها الإلهي من أجل امتلاك فهم جديد لعلاقة البرهمان بالعلم والإنسان، تلك العلاقة التي يتحدد وفقا لها دور الإنسان وفاعليته في واقعة المعاش. ويبدو أن عدم معرفة المرحلة التي ينتمي إليها شنكرا إلى علم اللسانيات الحديث وقراءة النصوص من حيث دلالتها اللغوية، وغيرها من المسائل اللغوية التي ارتبطت بالتأويل كما طرحه الفلاسفة الألمان، قد أدى إلى افتقار نسق شنكرا لآليات التنظير أو وضع خطوات منهجية في تأويل النصوص.
ورغم ذلك يمكن استخراج بعض القواعد التي ظهرت خلال تعامله مع النصوص الاوبانيشادية المختلفة منها:
1- الالتزام بحرفية النصوص
إن حرص شنكرا على إظهار أبدية الكتاب المقدس ومن ثم التأكيد على قدسية التراث السابق عليه جعل منهجه في التعامل مع النصوص يتأرجح ما بين تبني بعض النظريات والأقوال الحرفية للكتاب المقدس وبين الابتعاد عن مقولة "قال الكتاب المقدس" بل ومعارضة ظاهر النص من أجل إخراج المعنى المجازي. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجده قد تبنّى وجهة نظر النص التي تعلن أن العالم المحسوس حق نظراً لأنه يماثل البرهمان إلا أنه عاد في ثنايا تأويله لمعارضة هذا التصور النصي عندما قدم تفسيره لمفهوم المايا وعلاقتها بالعالم والبرهمان. فبينما أعلنت الاوبانيشاد انفصال البرهمان عن العالم على المستوى التجريبي إلا أنها أكدت التماثل على المستوى الميتافيزيقي. في حين أعلن شنكرا أن العالم يبدو أنه حق فقط على المستوى التجريبي أما ما يتعلق بالحقيقة المتعالية فهو وهمٌ محض. وهكذا استبدل مبدأ المماثلة الوارد في النصوص بمبدأ العلية. بل إنه أعاد تأويل الأسفار التي ماثلت بين البرهمان والعالم بظواهره المختلفة أو التي تحدثت عن حلول البرهمان عبر الظواهر الكونية الفيزيقية بأنها ليست سوى وسيلة استخدمها الإله للتعبير عن ذاته أمام الوعي الإنساني المتناهي، وتهدئة لعجز الإنسان عن إدراك البرهمان في صورته المتعالية المجردة.
ومما لا شك فيه أن هذا التأرجح في التعامل مع النصوص قد أضفى على تأويله قدر من التناقض للحد الذي يصعب معه –أحياناً- تحديد المعنى المقصود.

2- جدله مع الخصوم
يتحدد تأويل شنكرا تبعاً للغاية التي يهدف إليها كما يظهر في جداله، ونقاشه، وحواره مع الخصوم. فأحياناً يقترب من مضمون الأسفار المقدسة التي تؤكد أن البرهمان هو ذلك "المطلق الذي صدرت عنه الموجودات وبه تحيا وإليه تعود عند فنائها" وأحيانا أخرى يبتعد عن هذا المضمون للحد الذي أدى للاعتقاد –من جانب البعض- أنه أنكر الخلق ومن ثم نفى مسؤولية الإله تجاه العالم عندما أعلن أن البرهمان ليس علة العالم المتناهي وإنما هو وهمٌ فرض نفسه عليه.
والحق أن شنكرا كان يلجأ على الدوام –وكلما أراد مواجهة الخصوم- إلى الاستشهاد بأقوال الكتاب المقدس لتدعيم رده حتى ولو كان يعارض في ذلك ما طرحه من قبل، الأمر الذي أدى إلى وجود العديد من التصورات والتفسيرات المتباينة بجانب بعضها البعض مما جعل مهمة البحث واستخلاص تصور متسق ومتكامل أمراً في غاية الصعوبة.
ورغم كل ما قيل، يبقى تأويل شنكرا لنصوص الاوبانيشاد هو الأكثر أهمية من بين العديد من التفسيرات الأخرى، إذ إنه سعى للحفاظ على الهيكل العام للفكر الهندي الذي ساد العصر الفيدي الأول والذي شكل الشخصية الهندية. وإذا كان شنكرا قد سما بالمطلق فوق كل العلاقات والمقومات بحيث جعله أكثر تجريداً عما كان عليه داخل الكتاب المقدس إلا أنه أكد على فاعليته في حياة الإنسان عندما أظهره في صور المنقذ والمخلص الذي يعد انعكاساً للحب الإلهي.


* باحثة من مصر.
1 - ان التاريخ الاكثر احتمالا لنصوص الاوبانيشاد هو عام 800 ق م.
2 - Surendranath Dasgupta: A history of Indian Philosophy, 1922, Vol.1 Motilal, Delhi, p. 54.55.
3 - The Upanishads: Brihad.up: trans by Max Muller, New York, 1962 IV. 3.36.37.
4 - Chand. up: II.23.
5 - Brihad. Up: II. 37.
6 - Sevet. up: III. 20.
7 - الأستاذ هو الفيلسوف "باداريانا" وهو مؤلف "البراهما سوترا" وهو النص الذي تأسست عليه مدرسة الفيداتنا والتي اتخذت من نصوص الاوبانيشاد نقطة انطلاقها نحو بيان طبيعة الجوهر المتعالي وطبيعة العلاقة بينه وبين العالم من ناحية وبينه وبين الإنسان من ناحية أخرى.
8 - Vedanta Sutra of Badaryana with commentary by Sankara: trans. By: George Thibaut, Dover Publications, New York, 1962, II 4.6, 7, 8, 9.
9 -Ibid: I. 41.
10 - P. Nagaroya Rao: Essays in India Philosophy and Religion, Lavaina Publishing house, Bombay, 1971, p.148.
11 - Max Muller: Indian philosophy, published by susil, Gupta, India, 1952, vols, p.48.
12 - Radha Krishna: Indian Philosophy, Oxford Press Delhi, 1962, Vo 1.2 p.75.
13 -P. Nafaraya Rao: op. Cit, p.148.
14 - V.S: 1.1.1.
15 -Monier Wiliams: Brahmanism and Hinduism, London, 18.1, p.35-38.
16 - M.K. Ven Kataramayer: Advita Vedanta for sankara, Bombay. Newdelhi, 1964, p.51.
17 -V.S: I.2. 2.3.
18 -V.S: 1.4.6.
19 - V.S: I 1.1.16,19.
20 -V.S: II.3.50.
21 -P. Nagara Ja Rao: Op. cit. p.162.
22 -Dasgupta: Ahistory of Indian philosophy, op. cit p. 491.
23 - Ibid.
24 -V.S: III. 4.1.

الحالم
09-23-2007, 05:36 PM
إشكالية الاجتهاد بين العقيدة و التاريخ (العرف و المرأة نموذجا)

محمد الشتيوي

تثير مسألة الاجتهاد قضايا متعددة تشعب الحياة الخصيبة بالمتوقع واللاَمتوقع و لعل أهم ما يشغل اهتمام الباحثين في تاريخ التفكير الفقهي لدى المسلمين ، تراوح الاجتهاد بين الحركية و الركود ، أو بين الاجتهاد و التقليد .
وليس من غرضنا استعراض أبرز ما قيل في تفسير عوامل تثاقل حركة الاجتهاد في مراحل دون أخرى ، و إنما حسبنا أن نؤكد ابتداء أنها تظل حركة مشروطة في جميع مراحلها غير أن اقتحام ميدان الاجتهاد بشجاعة حرصا على العلم أو الرضا تقييداً طلبا للسلامة أمران يختلفان باختلاف مناهج النظر إلى شروط النظر الفقهي تقليدا و إرسالا .
ولا نقصد بالشروط هنا خصوص ما يقال في شروط المجتهد بل نقصد عموم المسلمات الإيمانية و الشرعية ، و الخلفيات الفكرية و التاريخية التي يستصحبها الفقيه ضمنيا أو صراحة عند ممارسة النظر تفقها أو تفقيها ، و إفتاء أو قضاء .
وما الشروط سوى ضوابط و أطر تمنح حركة الاجتهاد مشروعيتها وانتظامها داخل النسق الإسلامي العام .غير أن هذه الشروط أو القبليات التي سماها القدماء "مبادئ" 1 مصنفة لديهم حسب بنية متدرجة يحكم أعلاها في أدناها، بعضها كلي و بعضها فرعي فيها الثابت الذي لا يجيزون تغيره ، وفيها ما يكون محل اجتهاد يقبل النقاش و التفاوض .
ولا ريب أن أرقى المسلَّمات التي ينبغي استصحابها عند جميع العلماء بما فيهم علماء الفقه و الأصول -هي مبادئ العقيدة و أصول الإيمان ، إذ هي أرسخ الثوابت و أكبر اليقينيات .
والحاصل أنه يمكن بناء على ما تقدم حصر إشكالية الاجتهاد إجمالا في جدلية معروفة هي جدلية " الثبات و التغير " أو " المثال و الواقع " إذ إِنّ الفقيه يجد نفسه باستمرار في مواجهة التقابل بين الثوابت أو الأحكام الإيمانية و الشرعية المقدسة التي يجب التقيد بها ، و الواقع العملي و التاريخي المتغير الذي يجب مدُّه بالحلول الفقهية اللازمة . و ما الفقيه سوى " وسيط معرفي " بين المثال و الواقع يتراوح بينهما تفهما و إبانة و تطبيقا مع حرص شديد على تحقيق التطابق بين المثال والامتثال ، فالمثال يشده إلى الثبات و يخيفه من الاسترسال في إعمال العقل أو الإسراف في التفكير ، بينما الواقع يضغط عليه بمشاكله المتجددة التي يجب التفكير فيها بمسؤولية وجدية .
وسنحاول -فيما يلي من القول- النظر في هذه الجدلية من خلال أقصى طرفيها، أي أقوى الثوابت و أخف المتغيرات ، أو أرقى المثاليات و أكثرها تجاوزا للتاريخ من جهة ، و أقرب الواقعيات و أكثرها خضوعا لتحولات التاريخ من جهة أخرى. و نقصد بذلك العقيدة بوصفها مبادئ ثابتة و مسلَّمة والاجتهاد غير النَّصِّيِّ المحكِّم للأعراف و العادات بوصفه نظرا في حيثيات اجتماعية مرجعها تواطؤ الناس قولاً وعملاً.
I – بين الحكم الأزلي والاجتهاد الزمني
ليس عجيبا أن يدخل عنصر العقيدة في إشكالية الاجتهاد بل إن إهماله هو الأعجب. و لا غرابة في أن نقول: إنها في عمقها إشكالية اعتقادية بالأساس. ولا نقصد بهذا إنزال أصول العقيدة إلى ساحة الاجتهاد بالمعنى الاصطلاحي – خصوصا وأن الفقهاء لا يعتبرون العقائد من الاجتهاديات بل من القطعيات – وإنما نريد التنبيه على مدى حضور المعتقد في الممارسة الفقهية لندرك أن الخلفية العقدية كانت و لا تزال مرجعية ضاغطة لها تأثير واضح في تثاقل حركة الاجتهاد في أزمنة التقليد حيث كانت مبادئ العقيدة تمثل غطاء تبريريا للمتخوفين من تحمُّل مسؤولية الاجتهاد. وليس معنى ذلك أن المبادرين إلى الاجتهاد من كبار الفقهاء كانوا أقل إيمانا من المقلدين، بل كانوا في تقديرنا أكثر قدرة على التوفيق بين العقائد الأزلية والممارسة الفقهية النسبية التي تعرف حدود قدراتها.
وتفصيل الأدلة على أهمية هذا التأطير الإيماني للإشكالية يطول ، و إنما نكتفي بتأكيد ذلك من جهة مفهومي الحكم الشرعي و الاجتهاد ، ثم نتكلم بعد ذلك على الاجتهاد العرفي المتعلق بالمرأة و الأسرة .
1- مفهوم الحكم الشرعي
عرَّف الأصوليون و الفقهاء الحكم الشرعي عدة تعريفات أهمها أنه "خطاب الله -تعالى- المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير"2، فالحكم الذي يستنبطه الفقيه هو خطاب الله نفسه، وبما أن أهل السنة يعتقدون أنَ خطاب الله أزلي قديم فإن الحكم الشرعي عندهم أزلي يتجاوز الزمان ، و هو تبعا لذلك صفة من صفات الله 3 .
وبناء على هذا يجد الفقيه نفسه في أصل العقيدة لأنه يبحث في موضوع إيماني قبل أن يكون تشريعيا عمليا ، و قد استشكل الأصوليون العلاقة بين فعل الإنسان الحادث في الزمن و خطاب الله الأزلي الثابت في حق الفعل قبل خلق الكون و الحياة ، فأطالوا الخوض في ذلك ، و كان من بين أشهر أجوبتهم أن خطاب الله ، أي حكمه ، قديم متعلق بأفعال العباد تعلقا معنويا قديما ، لكنه يتعلق بها تعلقا " تنجيزيا " حادثا 4 أي متجددا في الزمن التاريخي .
ومهما يكن الجواب فالذي يهمنا هو إثبات وعي الفقهاء بعمق إشكالية العلاقة بين العقيدة والفقه ، أواللازمني والزمني .
وليس الأمر مقصوراً على ما ذكرنا ، بل يمكن أن نضيف أنَ خطاب الله الذي هو حكمه و صفته لا ينحصر في خصوص النص القرآني عند الفقهاء ، بل إن ما ثبت بالسُّنَّة والإجماع والقياس، وسائر أصول الاجتهاد يدخل في مسمَّى الخطاب المذكور في التعريف، وبذلك تزداد العلاقة بين المطلق و النسبي تعقيدا، غير أن علماء أصول الفقه يدفعون هذا الإشكال بقولهم: إن هذه الأدلة غير القرآنية ليست " مثبتة " للحكم ، بل معرِّفات للأحكام، والأحكام ثابتة قبلها؛ لأنها قائمة بذات الله -تعالى- " حسب تعبير أبي الثناء الأصبهاني5 (تـ 749 هـ / 1338 م).

2- مفهوم الاجتهاد
يظهر مما تقدم أن الاجتهاد الفقهي موضوعه أو مطلوبه اعتقادي هو خطاب الله الأزلي الذي هو حكمه و صفته ، وأن المجتهد حين يستنبط الحكم من النص أو بالقياس ونحوه لا يثبت حكما جديدا بل يعرَف بالحكم الأزلي القديم، يؤكد ذلك مفهوم الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين ، فقد عرَّفوه بعدة تعريفات متقاربة منها قول ابن الحاجب ( تـ 571 هـ / 1175 م ): هو " استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي6". فالفقيه بناء على هذا لا ينشئ حكما جديدا حين يجتهد أو يفتي و إنما يحصل الحكم الشرعي الأزلي ويطلبه ثم يخبر به ولو كان اجتهاده قولاً لم يسبق أن قال به أحد قبله. وبهذا يصير التجديد الحادث في التاريخ مشدودا إلى المطلق واللا زمني. ويتأكد لنا ما قلناه في البداية من أن الفقيه "وسيط معرفي" بين المثال الثابت والواقع المتغير.
وهذا الكلام يصلح أن يكون وجها من وجوه تفسير تشدد كثير من الفقهاء والمفتين قديما و حديثا ورفضهم إبداء أي مرونة أمام كثير من المستجدات التي يفرزها التاريخ المتحول، وقد نُقِلَت عن كبار الفقهاء ومجتهديهم كثير من الأقوال الدالة على وَرَعِهم وتحرجهم من الفتوى، وهو ورع منبعه الإيمان، والاعتقاد في وجود الجنة و النار، والوعي بأن الفقيه عندما ينطق بالحكم إنما ينطق بحكم الله، بل و يوَقع منه، ولهذا اعتبر المجتهدون موقِّعين عن رب العالمين7. ومن الأقوال المروية في ذلك قول الإمام أحمد بن حنبل " من عَرَّضَ نفسه للفتيا فقد عَرَّضَها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ إليه الضرورة ، قيل له : فأيما أفضل الكلام أم السكوت؟ قال: الإمساك أحب إلي ، قيل له: فإذا كانت الضرورة ؟ فجعل يقول: الضرورة، الضرورة، وقال: الإمساك أسلم له، و ليعلم المفتي أنه يوقع عن الله أمره و نهيه ، و أنه موقوف و مسؤول عن ذلك" 8.
ومع ذلك كله فقد كان أئمة المذاهب السنية الأربعة و غيرهم من المجتهدين يمارسون الاجتهاد بجرأة عجيبة أحيانا ويفتون ويواجهون سيل الأسئلة التي كان يفرزها الواقع ليس تحت غطاء الضرورة فقط ، بل لشعورهم بالواجب ، ولخوفهم من عاقبة كتمان العلم. ومن أهم ما كان يخفف عنهم ضغوط المخاوف الإيمانية اعتقادهم أنهم في مجال الاجتهاد الفقهي ليسوا مطالبين بتحصيل اليقين كما هو الحال في العقيدة، وإنما يكفيهم تحصيل " الظن " بالحكم الشرعي كما سبق في تعريف الاجتهاد، فهم ليسوا متعبَدين بتيقن الحق في ذاته ، بل يكفيهم غلبة الظن ، وحكم الله في اجتهاد كل مجتهد ما يغلب على ظنه ، لذلك فهو إذا اجتهد و أصاب كان له أجران أما إذا أخطأ فله أجر واحد و لا إثم في الحالتين ولا لوم ، و لهذا عَرَّفَ الرازي الاجتهاد بأنه " استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم ، مع استفراغ الوسع فيه " 9 فهم بناء على ذلك مكلفون بإدراك حكم الله الذي يؤمنون بأزليته في حدود نسبيتهم ، و في إطار ظروفهم الزمنية الحادثة و المتغيرة .
II- العرف و العادة : مرونة تاريخية محاطة بالثوابت
لا يخرج الاجتهاد المبني على العرف عن الإشكالية المطروحة ، بل لعله أشد قواعد الاجتهاد إحراجا للفقيه؛ لأنه لا ينطق بحكم الله بناء على نص ظاهر الدلالة أو خفيها ، و إنما يستند إلى ما أحدثه الناس من أعراف اعتادوا عليها في مراحل تاريخية معينة. و الفقهاء مع ذلك يرون أن ما يحسِّنه العرف ينبغي العمل به بوصفه حكم الله الأزلي و مما استندوا إليه في ذلك خبر منقول قيل: إنه مرفوع إلى النبي (، و الأرجح أنه قول موقوف على الصحابي عبد الله بن مسعود: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن " 10. وهكذا تكون الأعراف المستحدثة عبر مسار التاريخ تعبيرا عن حكم الله الأزلي .
وبناء على ذلك فقد أوجب الفقهاء العمل بالعرف بناء على قاعدة صاغوها بقولهم: " العادة محكَمة " و اعتبروها واحدة من خمس قواعد كبرى يدور عليها الفقه الإسلامي11 وغذَّوها بقواعد أخرى متكاملة تدل على مرونة الأعراف و لزوم تحكيمها مثل قولهم: " لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" و "المعروف عرفا كالمشروط شرطا " و " التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " 12 .
ومما يدل على مدى إلزامية العرف أو العادة قول القرافي الفقيه المالكي ( تـ 684 هـ / 1285 م ): " العادة غلبة معنى من المعاني على الناس ، و قد تكون هذه الغلبة في سائر الأقاليم كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب، وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالأذان للإسلام، و الناقوس للنصارى ، فهذه العادة يُقْضَى بها عندنا "13، فكلمة الغلبة في تعريف القرافي تدل بوضوح على ما يحظى به العرف من قوة ضغط اجتماعي بحيث يكون الخارج عنه شاذاً عما أقرته الجماعة العامة أو الخاصة . بل إن مِثَالَيِ الغذاء و الهواء المذكورين يصلان بالعرف إلى مستوى الضروريات الحتمية .
غير أنَّ الاجتهاد بالعرف ليس مطلقا بغير ضوابط ، فهو مشروط بالإطار العقدي و الديني العام كأي اجتهاد آخر ، بل هو خاضع لقيود الشروط أكثر من غيره لأنه لا يستند إلى نصوص صريحة ، خصوصاً و أنه لا يعتبر مصدراً من مصادر التشريع على جهة الاستقلال كالقرآن و السنة و الإجماع، وإنما هو قاعدة في القضاء و الفتوى يراعيها الفقهاء حين يصدرون أحكاما في خصوص وقائع معينة ، ومن هذه الشروط أَلاَّ يكون العرف فاسدا، وألاَّ يعطِّل نصا أو يناقص أصلاً من الأصول الشرعية القطعية، وألاّ يعارضه دليل أقوى منه كالإجماع والقياس، وأن يكون مطَّردا بين متعارفيه في جميع معاملاتهم، وأن يكون موجوداً عند إنشاء التصرفات، وكذلك ألاّ يعارضه تصريح بخلافه 14.
ومن شأن هذه الشروط أن تضيِّق مجال العمل بالعرف لأنها تحيطه بسياج كثيف من الضوابط التي تجعله من آخر ما يلجأ إليه في بعض فروع الشريعة لا في جميعها ، بل إنه يعمل به كما صرَّح فقهاء المالكية في الأحكام التي وكَّل الشرع أمرها إلى العرف كألفاظ الناس في الأيمان و العقود و الفسوخ حيث يحكَم في تخصيصها أو تقييدها ، وكتقدير نفقات الزوجات و الأقارب و كسوتهم15 ونحو ذلك مما يصعب اعتباره أحكاما تراعي حركية التحولات الاجتماعية مراعاة شاملة و مُؤَثِّرة في إحداث تغيرات نوعية ، بل الملاحظ أن أغلب أحكامه تكاد تقتصر على مسائل إجرائية، وتراتيب عملية تنفيذية لا ترقى إلى مستوى الإسهام في متابعة التطور التاريخي بناء على رؤية تأسيسية شاملة .
صحيح أنه وجدت بعض الفتاوى الجريئة التي خالفت أحيانا أقوال أئمة سابقين ، أو بعض الأصول المقررة ، لكنها تظل ضربا من الاستثناء غير المُؤَثَّر.
أما إذا نظرنا إلى الأعراف المتعلقة بالمرأة و الأسرة فإن طوق الشروط يزداد ضيقا لأن الموضوع ذو حساسية شديدة ، و محاصر بكثير من الخلفيات الموروثة ، بل إنَ الأعراف و التقاليد نفسها تعتبر في حد ذاتها قيودا إضافية على وضعية المرأة يُرَسِّخُهَا تقادم التاريخ و استمرار العمل بحكم سيطرة الرجال على النساء في المجتمعات القديمة .
أضف إلى ذلك أن عقيدة المسلمين في الخلق الإلهي تفرض عليهم الإيمان اليقيني بأنه ( لا تبديل لخلق الله ( 16، و بأن سننه في الخلق و التكوين ثابتة لا تتغير ، و لا ريب أن الفقهاء ينظرون إلى المرأة نظرة مؤسسة على أنها مخلوق إلهي ذو خصائص أنثوية لا يجوز تغييرها ، و لها أحكام شرعية تطابق خلقها بوصفها أنثى ، لذلك فإن كل اجتهاد يميل إلى تطوير النظر في أحكام المرأة بما يخالف في نظرهم ما خلقها الله عليه يعَد منكرا من القول يصادم عقيدة الخلق ، وهذا الاعتقاد يعتبر أحد أبرز العوامل التي تفسِّر تشدد عامة الفقهاء في خصوص أحكام المرأة .
غير أنَ ما تقدم ذكره لم يكن عبر التاريخ بالصورة الضيقة التي بيَّنا بعض وجوهها ، و ذلك لأن احتمالية عدة نصوص ، ومرونة عدد من الأعراف كانت تسمح بإنشاء فتاوى فيها قدر لا يستهان به من احترام مكانة المرأة و الاعتراف بشخصيتها القانونية أو بأهليتها الحقوقية و التكليفية ، و عندما ننظر في فتاوى المالكية بالغرب الإسلامي قديما نلاحظ وجود أحكام من هذا الصنف سواء أكانت موافقة لمذهب مالك و أقوال كبار تلامذته و مقلِّديه أم كانت مخالفة لهم ، كما نجد فيها ما يراعي مصالح الأسرة وضبط العقود ، و إحكام الفصل بين الخصومات ، و نجد أيضا بعض ما يخالف الأصول و ظواهر النصوص ، و يشكك في الوثوق بأقوال المرأة ، و لا يهتم بمراعاة إرادتها .
ومن أمثلة ذلك أن المالكية كانوا يفتون بما ذهب إليه مالك من مراعاة العرف في الرضاع إذ خصص به آية (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين( 17 فلم يجعله عاما في كل الأمهات بل أخرج منه المرأة الشريفة ذات التَّرفُّه ، إذ ليس من عرف أمثالها الالتزام بالإرضاع فصار كالشرط 18، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا . والملاحظ أن هذا عرف خاص ببعض الأسر المترفهة، إن كان يراعي عادة المرأة و كمالياتها فهو لا يراعي تبادل الواجبات الأسرية بين الرجل و المرأة ، بل لا يراعي مصلحة الولد الذي يحتاج إلى لبن أمه، و يوجب على الزوج استئجار ظئر ترضع ولده، ولا يجبر أمثال هذه المرأة على الإرضاع إلا إذا رفض الولد أن يرضع غيرها 19.
ومن الأحكام التي اعتبر فيها العرف إرادة المرأة ، عرف قديم خاص بأهل القيروان تشترط فيه المرأة على الرجل أن يكون طلاقها بيدها إذا تزوج عليها غيرها، ومع ذلك فقد أفتى ابن عرفة (تـ : 803 هـ / 1402 م) بمخالفة هذا العرف إذا أخرجها الزوج من القيروان بغير رضاها20، رغم أنَّ هذا الفعل يدل على حيلة ظاهرة يقصد بها الزوج إخراج المرأة من المحيط الجغرافي الذي يتقيد بالعرف المذكور.
ومن الأعراف المخالفة للنصوص ما جرت عليه العادة بإفريقية قديما بل إلى عهود قريبة من أن وصف العروس للخاطب من قبل ذوي الخبرة بالجمال يبيح تزويجها له ، رغم أن الأصل يقتضي أن يُمَكَّنَ الخاطب من رؤية العروس خصوصا إذا طلب ذلك ، و قد حدث أنَّ ابن عرفة تعرَّض لبعض المشاكل عندما أراد مخالفة العرف والعمل بالأصل الذي يقتضي الرؤية. وقد حدث له ذلك في زواج إحدى بنات سراة القوم ، فاضطُرَّ إلى مسايرة العرف والإقرار بصحة الزواج بمجرد الوصف21. وهذا مثال للأعراف الضاغطة التي تتجاوز أصول الشرع ولا تعترف بسلطة الفقهاء.
ومن أمثلة مراعاة ابن عرفة لتنوع الأعراف أنه أجاز ما عرف قديما في بعض البوادي بزواج " الجفنة " حيث كان يكتفى بالوليمة بوصفها شهادة على الزواج ، لكنه لم يجز ذلك لسكان المدن و الحواضر الذين تعارفوا على كتابة الصداق22. ويظهر من هذه الفتوى أنَ الزواج العرفي ليس خاصا بالذي ليس فيه توثيق رسمي ، بل إنَ كتابة الصداق تعتبر بدورها عرفا مستحدثا، وهو عرف يحقق مصلحة جميع الأطراف ويسهم في استقرار العلاقات و المحافظة على الحقوق عند التنازع مثل إثبات النسب ، و توزيع التركات و الحكم بالنفقة .
ومن الأعراف التي تسلب الثقة التي منحها الشرع للمرأة ما جرى به العمل من الاعتداد بالأشهر. فالنصوص صريحة في أنَ المرأة التي تحيض تعتَّد بالأقراء كما في آية (والمطلَقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء(23، فالأصل أن المطلَقة لا تحلَ للأزواج إلا إذا رأت الحيضة الثالثة و أنها تصدَّق إذا أخبرت بذلك عن نفسها. لكن الذي جرى عليه العمل عند المغاربة و أفتى به فقهاء المالكية أنها لا تصدَّق في أقل من ثلاثة أشهر، بمعنى أنه لا بد أن تعتدَّ ثلاثة أشهر مع اعتبار الأقراء منذ يوم طلاقها وقد علَّلوا ذلك بفساد الزمان و رقَّة الأديان 24.
و المشهور في المذهب المالكي أن المرأة تصدَّق في بكارتها و في سلامتها من الأمراض الجنسية إذا ادَّعى الزوج أنها مريضة أو ليست بكرا . لكن الإمام سحنون ( تـ 240 هـ / 854 م ) خالف قول مالك و أصحابه و أفتى بجواز نظر النساء إليها للتأكد من صحة أقوالها ، و مما علَّل به فتواه أن ذلك جرى العمل به عند متأخري الفقهاء، وهذه الفتوى تنطبق على الرجال كذلك إذا طلبت المرأة الطلاق لعيب جنسي فيه25، وهي فتوى معقولة تعوضها حديثا الشهادات الطبية لأن حالات التنازع لا يكتفى فيها بمجرد الادعاء.
ومن الفتاوى التي ظهر فيها الميل إلى إقرار ما يساعد على تحقيق التعاون داخل الأسرة مسألة " الشّوار" بالضم و الفتح في الشين وهو متاع البيت و جهاز العروس، فالأصل في الشريعة يقتضي أن يلزم الزوج بالصداق و لا تلزم العروس و لا أبوها بشيء ، لكن العادة جرت قديما في المهدية و في كثير من مدن المغرب مثل فاس بأن والد العروس يلتزم من الجهاز بمثله ، و مع أن هذه العادة نشأت في الأصل على سبيل المكارمة و التعاون دون إِلزامات قضائية فإن الإمام المازري (تـ 451 هـ/1058 م ) و غيره من فقهاء إفريقية و المغرب أفتوا بإلزام العروس أو الأب أو الولي بذلك عند النزاع و مطالبة الزوج بالشَوار أمام القضاء إذا شهد الشهود أن عرف البلد يقتضي ذلك، هذا مع إقرارهم أن الجهاز محمول في الأصل على الاستحباب والتعاون والمكارمة ، لكن القضاء يتدخل ليحكم بناء على العرف إذا حصل نزاع بعد الدخول لا قبله 26.
هذه نماذج من الفتاوى الخاصة بالأسرة و المرأة في الغرب الإسلامي قديما وليس من غرضنا التوقف لتقويمها أو نقدها ، فقد كانت وليدة تاريخها الخاص وظروفها الاجتماعية الماضية، ويكفينا أن نشير إلى أن ثوابت العقيدة وشروط التقيد بالأصول لم تمنع الفقهاء من تحكيم ضغوط الأعراف الحادثة في تاريخهم ولو خالفوا بعض الأصول والأقوال المستقرة قبلهم في المذهب المالكي، بل هم يذهبون إلى أن ما حَسَّنوه من الأحكام بناء على العرف الذي يفرزه المجتمع هو حسن عند الله و هو حكمه الأزلي المتعلق بواقعهم تعلقا تنجيزيا حادثا في الزمان.
لكن كثيراً من الأعراف القديمة التي بنيت عليها فتاوى الفقهاء السابقين تغيرت في هذا العصر الذي صارت له أعراف و عادات اجتماعية مغايرة لما مضى بسبب عمق التحولات التاريخية و الحضارية و ارتفاع مستوى التعليم واقتحام المرأة كثيرا من الميادين التي كانت غائبة عنها .
وعند هذا الحد يصير للإشكالية وجه معاصر تضيق عنه حدود هذه المداخلة .
















______________________
1 - يقصدون بذلك المسلَّمات التي تقبل تقليداً دون برهان؛ لأنه برهن عليها في علم آخر ، إذ لا حاجة إلى إعادة البرهنة عليها مجددا .
2 – الإسنوي، نهاية السول في شرح منهاج الأصول، دار ابن حزم، بيروت، ط 1 /1999م، ج1، ص31.
3 - قال علاء الدين السمرقندي :" حكم الله –تعالى- صفة أزلية له هو فعله " ميزان الأصول 1/112، وزارة الأوقاف العراقية، ط 1 / 1987م.
4 - حاشية العطار على شرح المحلي لجمع الجوامع ، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، د . ت، ج1، ص 67-68.
5 - بيان المختصر / شرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، دار السلام، القاهرة، ط1/2004م، ج1، ص206.
6 - منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول و الجدل، دار الكتب العلمية – بيروت – ط 1 /1985م، ص 209.
7 - لابن قيم الجوزية كتاب مشهور بعنوان " إعلام الموقعين عن رب العالمين "، دار الفكر، بيروت، ط 2 /1977م. ومن ذلك قول ابن المشاط المالكي المالكي "المفتي مع الله كالمترجم مع القاضي"، الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1990م، ص 275.
8 - ابن عبد البر القرطبي، "جامع بيان العلم و فضله" 1/177، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978م.
9 - المحصول في علم أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 /1988م، ج2، ص489.
10 - ابن نجيم، الأشباه و النظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 / 1981م، ص 89.
11 - م . ن : ص 7.
12 - عبد الكريم زيدان، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، مكتبة القدس، مؤسسة الرسالة، ط 5 /1976م، ص 102.
13 - شرح تنقيح الفصول، دار الفكر، القاهرة، ط 1/1973م، ص 448.
14 - مثال ذلك إذا كان العرف الجاري تعجيل نصف المهر و تأخير نصفه لكن الزوجة شرطت تعجيل كل المهر، وقَبِلَ الزوج ذلك -فإن العرف لا يُحَكَّم في هذه الحالة لأنه لا يلجأ إليه إلا إذا لم يوجد ما يفيد مقصود العاقدين صراحة . انظر : بدران أبو العينين " أصول الفقه الإسلامي، مؤسسة الرسالة، الإسكندرية، مصر /1984م، ص 229-230.
15 - حسن بن المشاط، الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة، ص 271.
16 - سورة الروم، الآية 30.
17 - سورة البقرة، الآية 233.
18 - 19 – القرطبي، " الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث، بيروت، ط 2 /1952م، ج3، ص161.
20 - سعد غراب، ابن عرفة والمنزع العقلي ، الدار التونسية للنشر – ط 1/1983م، ص 174 –175.
21 - محمد الشتيوي، تاريخ المذاهب الفقهية بإفريقية، المركز القومي البيداغوجي، تونس، ط 1 / 1998م، ص 108-109.
22 - م . ن، ص 108.
23 - سورة البقرة، الآية 228.
24 - عبد الكريم الجيدي، العرف و العمل في المذهب المالكي، المحمدية، الغرب / 1982م ، ص 40 – 431.
25 - م .ن، ص 434-435.
26 - الطاهر المعموري، فتاوى المازري ، الدار التونسية للنشر/ 1994م، ص 120 – 121، وعبد الكريم الجيدي، م . سابق ، ص 432 –433.


* كاتب وأكاديمي من تونس.

الحالم
09-23-2007, 05:44 PM
تفسير جديد لأسباب انتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين

علاء بيومي

دأبت التفسيرات التقليدية لأسباب انتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين إلى الإشارة إلى ظواهر مثل وجود الإسلام بين الأفارقة الذين استقدموا لأمريكا قسراً ضمن موجات تجارة العبيد، وارتباط المسيحية في عقليات بعض الأفارقة الأمريكيين بالعنصرية البيضاء، كعوامل رئيسية ساعدت على رواج الإسلام بشكل سريع وكبير في أوساط الأفارقة الأمريكيين خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
شرمان جاكسون – الناشط المسلم الأمريكي المعروف وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة مشيجان الأمريكية- له رأي آخر بهذا الخصوص، ضمّنه كتابه الجديد "الإسلام والأمريكي الأسود: نظرة في الإحياء الثالث" الصادر عن مطابع جامعة أكسفورد الأمريكية 2005م، والذي يتوقع له أن يصبح –في المستقبل القريب- إحدى الدراسات الكلاسيكية الضرورية في مجال دراسات الإسلام في أمريكا.
يرى جاكسون أن التفسيرات السابقة غير ديناميكية، بمعنى أنها لا ترصد التطور التاريخي لعملية اعتناق الأفارقة الأمريكيين للإسلام، ومراحل هذا التطور وعلاقاتها بعضها ببعض، وكيف أعدت هذه التطورات الأفارقة الأمريكيين تدريجياً لاعتناق الإسلام بنسب مرتفعة في النصف الثاني من القرن العشرين.
يرى جاكسون أن تتبَّع هذه التطورات بدقة يكشف عن تفسير مختلف لأسباب انتشار الإسلام بين الأفارقة الأمريكيين، وهم محور اهتمام كتاب جاكسون الجديد لكونهم أحد أهم أسباب انتشار الإسلام وامتداده في أمريكا، فهم يمثلون نسبة كبيرة من المسلمين الأمريكيين (30-40%) وفقاً لمختلف الإحصاءات المتعلقة بالتوزيع العرقي لمسلمي أمريكا، كما أن انضمامهم للإسلام بهذه الكثافة وحقيقة كونهم من أهل البلاد الأصليين جعلا منهم سنداً قوياً للإسلام بأمريكا.
وفي البداية يرفض جاكسون النظريات القائلة بأن أحد أسباب انتشار الإسلام في أوساط الأفارقة الأمريكيين يرجع إلى انتشار الإسلام وسط العبيد الأفارقة، حيث يشير جاكسون إلى أن عدد الأفارقة المسلمين الذين استقدموا خلال موجات تجارة العبيد لم يتعدَّ الـ 40 ألفا من بين 11 مليون أفريقي استعبدتهم تلك التجارة الشنيعة، ودون شك لم يتمكن هؤلاء العبيد من الحفاظ على هويتهم الإسلامية بحكم الضغوط الرهيبة التي تعرضوا لها.
كما يرى جاكسون أن القول بأن الأفارقة الأمريكيين اعتنقوا الإسلام لرسالته المعادية للعنصرية يمثل تفسيراً ناقصاً للظاهرة بحكم عدم تكررها في مجتمعات عنصرية أخرى كجنوب إفريقيا.
في المقابل يرى جاكسون أن نظام العبودية ذاته والأسلوب الذي تعامل به المجتمع الأمريكي مع الأفارقة الأمريكيين والخبرات التي مروا بها كل ذلك تشكلّ معاً عوامل صنعت الشخصية الأفريقية الأمريكية بشكل خاص، وأعدتها تدريجياً لاعتناق الإسلام.
وهنا يشير جاكسون إلى أن إعداد الأفارقة الأمريكيين لاعتناق الإسلام قد تم على مراحل أو محطات تاريخية وثقافية فارقة، نلخصها هنا في مراحل ثلاث رئيسيـة.
المرحلة الأولى هي مرحلة "الدين الأسود" وهنا يرى جاكسون أن "الدين الأسود" هو أول دين اعتنقه الأفارقة في أمريكا وأكثر النزعات الدينية انتشاراً في أوساط الأفارقة الأمريكيين حتى يومنا هذا.
بمعنىً آخر، "الدين الأسود" هو بمثابة نزعةٍ للتدين راسخة في الشخصية الأفريقية الأمريكية يعود إليها الأفارقة الأمريكيون بشكل طبيعي وتلقائي في حالة عدم انتمائهم لدين محدَّد –كالمسيحية أو الإسلام- كما أنه يمثل الإطار الفلسفي الذي يلجأون إليه لفهم الأديان المختلفة ومقارنتها.
وهنا يصف جاكسون "الدين الأسود" بأنه يركز في جوهره على إيمانه بالعدالة الإلهية، ورفض الاضطهاد العنصري، وعلى وجود إله يفهم معاناة الأفارقة الأمريكيين ويقف في صفهم، كما يمد "الدين الأسود" الأفارقة الأمريكيين بطاقة ورغبة دائمتين لمكافحة العنصرية والتمييز.
ويرى جاكسون أن البيئة الأمريكية ساعدت على ظهور "الدين الأسود" لأسباب مختلفة من بينها نظام العبودية القاسي الذي أدى إلى انقطاع الأفارقة الأمريكيين عن تراثهم الديني والثقافي الأفريقي، كما أشعر المجتمع الأمريكي المتدين العبيد الأفارقة بحاجتهم إلى دين وإلى إله يحميهم وهم المستضعفون، ولما كانت البروتستانتينية هي الدين الأكثر انتشاراً في أمريكا، ولما كانت البروتستانتية ذات نزعة عقلانية ترفض الوساطة الدينية- كما هو الحال في الإسلام السني – فقد تبنى "الدين الأسود" نزعات مشابهة، إذ رفض "الدين الأسود" الوثنية ومال إلى البحث عن إله.
كما ساعدت البروتستانتينية –التي اعتنقها الأفارقة الأمريكيون بشكل متزايد في النصف الأول من القرن التاسع عشر- على تقوية نزعة الأفارقة الأمريكيين للمعارضة والتحدي، والبحث عن دين خاص بهم وهي نزعة تمثل ركيزة أساسية للدين الأسود، وذلك بحكم أن البروتستانتية هي بطبيعتها حركة قامت لمعارضة التيار الديني السائد داخل المسيحية.
المرحلة الثانية هي مرحلة المسيحية والتي أقبل عليها الأفارقة الأمريكيون بشكل متزايد في القرن التاسع عشر، وهنا يرى جاكسون أن اعتناق الأفارقة الأمريكيين للمسيحية أعدهم بدرجة ما لاعتناق الإسلام، وذلك بسبب سيطرة الدين الأسود على الأفارقة الأمريكيين خلال الفترة ذاتها.
وهنا يرى جاكسون أن علاقة "الدين الأسود" بالمسيحية ظلت علاقة "زواج" لا علاقة "ذوبان" الأول في الثاني، وأن هذه العلاقة أثّرت على علاقة الأفارقة الأمريكيين بالمسيحية على عدة مستويات، فقد أضفى الدين الأسود على بروتستانتينية الأفارقة الأمريكيين طابعاً ثورياً واضحاً ضد العنصرية الأمريكية حافظ على استقلال الكنائس السوداء عن الكنائس البيضاء داخل البروتستانتية الأمريكية ذاتها، كما أضفى "الدين الأسود" على البروتستانتية السوداء نزعةً غير فقهية: مالت فيها الكنائس السوداء إلى تفسير المسيحية على هواها بشكل يدعم مواقفها ضد العنصرية، ويبتعد إلى حد كبير عن التراث الفقهي المسيحي بشكل أزعج الكنائس الأمريكية البيضاء.
وعلى مستوى آخر حافظ الدين الأسود على طبيعة الأفارقة الأمريكيين المحافظة الاجتماعية، كما دفعهم بشكل دائم للبحث عن تراث حضاري خارج التراث الحضاري الأوربي المسيطر على المسيحية الأمريكية، وهو ما ظهر في اهتمام الحركات الثقافية الأفريقية الأمريكية بقارة إفريقيا على أساس أنها مهدهم الحضاري.
أما المرحلة الثالثة فيسميها جاكسون مرحلة "المؤسلمون الأوائل"، فقد شهدت نشأة الجماعات الأفريقية الأمريكية التي وصفت نفسها بأنها مسلمة، وعلى رأس هذه الجماعات جماعة "أمة الإسلام" برئاسة ألاجا محمد.
ويقول جاكسون: إن هذه الجماعات لم تعتنق الإسلام ولكنها سطت عليه لرغبتها في البحث عن دين خاص بها يميزهـا عن المسيحية الأمريكية التي يسيطر عليها البيض؛ لذا لم تهتم هذه الجماعات بفهم الإسلام بقدر ما اهتمت بالاستيلاء على رموزه الخارجية ونسبتها لأنفسها.
ويشير جاكسون إلى أن هذه الجماعات بدأت في الظهور في أوائل القرن العشرين في المدن الكبرى من الولايات الشمالية الأمريكية وبين أبناء الطبقة السفلى من الأفارقة الأمريكيين، بسبب شعور هذه الطبقات بالاغتراب في مدن الشمال الأمريكي.
فقد قدر التعداد السكاني الأمريكي لعام م1900 أن 90% من الأفارقة الأمريكيين يعيشون في ولايات الجنوب، ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى هاجرت أعداد كبيرة من الأفارقة الأمريكيين إلى ولايات الشمال بحثاً عن وظائف وفرص معيشة أفضل.
وبمرور الوقت سيطر على هذه الجماعات المهاجرة وخاصة الطبقات الفقيرة منها شعور قوي بالاغتراب عن سود الجنوب وعن الكنائس المسيحية التي زادت من تقاربها مع الكنائس البيضاء، كما شعروا بالاغتراب –ولو بدرجة أقل- عن الدين الأسود.
وهنا يرى جاكسون أن العوامل السابقة مجتمعةً أوجدت حالة فراغ ديني وسط سود مدن الشمال الأمريكي، وهي فجوة أسرع إلى شغلها "المؤسلمون الأوائل" من خلال عملية استيلاء ثقافية تاريخية على الإسلام.
ويصف جاكسون في سياق وصف هذه المرحلة، كيف أهّلت الخبرات السابقة المؤسلمين "الأوائل" لاعتناق الإسلام معللاً ذلك بعدة أسباب لا تخلو من تميز وإبداع، حيث يرى جاكسون أن "المؤسلمين الأوائل" وجدوا أن الإسلام يتضمن عدداً كبيراً من الخصائص التي يمكن أن تُشبع احتياجات الأفارقة الأمريكيين الدينية والتي كونوها خلال المراحل السابقة.
فالمؤسلمون الأوائل كانوا يبحثون عن دين أفريقي، فوجدوا الإسلام أفريقياً، كما كانوا يبحثون عن دين غير أبيض أو غير أوربي على الأقل، فوجدوا الإسلام كذلك، كما بحثوا عن دين له تاريخ في المقاومة، فوجدوا الدول المسلمة مستعمرةً تقاوم الغرب، فأُعجبوا بدينها، كما بحثوا عن دين له تاريخ حضاري كبير مستقل عن الحضارة الأوربية، ولم يخيب الإسلام ظنهم في هذا الشرط المهم.
وبحثوا أخيراً عن دين محافظ اجتماعيا، والإسلام كذلك. وبحثوا عن دين يؤمن بالأخوة والمساواة بين أبنائه وهي فكرة منتشرة بين الأفارقة الأمريكيين، فوجدوا الإسلام كذلك، كما بحثوا عن دين له اهتمام خاص بقضايا العدالة الاجتماعية، فأعجبوا بحديث القرآن المتواصل عن قصص الأنبياء الذين قاوموا الظلم والاضطهاد. كما بحثوا عن دين بلا هرمية ضاغطة ومؤسسات دينية، فوجدوا السلطة في الإسلام لا مركزية، مما قد يحقق حلمهم في امتلاك دين إسلامي خاص بهم يسيطرون عليه، ومع توافر كل هذه الشروط لم يتردد "المؤسلمون الأوائل" في السطو على الإسلام.
وهنا يرى جاكسون أن "المؤسلمين الأوائل"- على الرغم مما قد يوجه إليهم من نقد ديني- أسهموا إسهاماً كبيراً في نشر الإسلام والمعرفة به في أوساط الأفارقة الأمريكيين مما سهل عملية اعتناق الإسلام السني بنسب مرتفعة في عقد الستينات من القرن العشرين والذي شهد زيادة أعداد المسلمين المهاجرين من العالم الإسلامي، وتحول بعض قادة الجماعات الأفريقية الأمريكية المتأسلمة –مثل الزعيم الأفريقي الأمريكي المعروف مالكوم إكس- إلى تيار الإسلام السني.
بناءً على الفهم السابق لأسباب انتشار الإسلام في أوساط الأفارقة الأمريكيين يطالب شرمان جاكسون المسلمين الأمريكيين بصفة خاصة والمعنيين بنشر الإسلام في أمريكا بصفة عامة بثلاثة مطالب أساسية، أولها فهم العلاقة بين الثقافة الأفريقية الأمريكية والإسلام وكيف أثّرت هذه العلاقة على انتشار الإسلام في أمريكا، وثانيها فهم التأثيرات السلبية والإيجابية لهذه العلاقـة على الإسلام بأمريكا، وهنا يرى جاكسون أن انتشار "الدين الأسود" في أوساط الأفارقة الأمريكيين له تأثيرات سلبية على الإسلام في أمريكا مثل المبالغة في التركيز على قضايا العرق والعنصرية بين الأفارقة الأمريكيين المسلمين ونشر المشاعر الانعزالية والانهزامية في أوساطهم.
أما المطلب الثالث والأهم فهو ضرورة أن يحرص المسلمون الأمريكيون على فهم الأبعاد الثقافية للهوية الأفريقية الأمريكية المسلمة بشكلٍ يمكنهم من مشاركة الأفارقة الأمريكيين همومهم ومشاكلهم الداخلية، والتعاون معهم في إيجاد حلول لتلك المشاكل – وخاصة تحدي تحقيق العدالة الاجتماعية- بشكل يضمن تقوية الصف المسلم الأمريكي والحفاظ على معدلات انتشار الإسلام في أمريكا.

________________
* باحث عربي مقيم في واشنطن.

الحالم
09-23-2007, 05:51 PM
العقلانية المطلقة وخطرها على نمو العلم

إلياس بلكا

أفكار سابقة في تأطير العلم
اعتقد ديدرو-وهو من أهم فلاسفة الأنوار- أن الرياضيات في عصره بلغت أوجها وانتهت، فلا توجد رياضيات ثانية ولا آفاق أخرى 1.
أما كونت فقد رفض الاعتراف بحساب الاحتمالات، وذم كل جهد علمي يبغي التعرف على أصل الكون أو تحديد المكونات الفيزيائية للنجوم. كما رفض أن تهتم الفيزياء بالبحث فيما يشكل المادة، وأدان كل نظرية في تطور الأجناس، وكل بحث أنثروبولوجي عن الأصل التاريخي للمجتمعات2.
وكل هذا التحديد الصارم لمجالات العلم كان لاعتبارات أيديولوجية وفكرية تبغي"توجيه"المجهود العلمي، وهي في ذلك متأثرة بعصرها، وبمدى تقدم المعارف في هذا العصر، وبطبيعتها، وبالوضع العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري.
ولذلك ينبغي الحذر من وضع أطر للعلم تكون عبارة عن الحدود التي لا يسمح له بالتطور خارجها. إنه لا ينبغي صب الفكر في قنوات محددة، وتجميده في قوالب نهائية، ضمن ما يزعم أنه قيادة للعقل وحماية له من الخطأ والزلل. وقد أثبت الزمن خطأ كثير من أفكار كونت وقواعده الموجهة للبحث العلمي. ولو أخذنا-مثلاً- بنظريته الإبستيمولوجية في البيولوجيا-أو علم الأحياء-ما ظهرت "بيولوجيا الخلايا" أصلا 3 ، وهي من أهم التطورات التي عرفها هذا العلم في القرن العشرين.


الأصنام الذهنية
وقد كان لبعض المفكرين وعي بما تشكله بعض الموجهات والأفكار العقلانية من خطر على تطور المعارف، منهم "بيكون" الذي بيـَّن في كتاب "الأرجانون الجديد" كيف يصبح العقل أسيرا لنفسه، وذلك عن طريق ما أطلق عليه "أصنام العقل أو المعرفة"، ومن ذلك: التسرع في التعميم، و أثر العادة والتربية، ومشكلة اللغة المستعملة، وتقديس آراء السابقين...4.
ويمكن أن ندرج في هذه الأصنام الفكرة التي تعتبر أن منطقاً معيناً هو القادر وحده على إنتاج المعرفة الصحيحة. وهذا مثلاً حال المنطق الأرسطي الصوري، والذي ثبتت اليوم عرقلته لنمو العلم. حتى قال برتراند راسل- أحد كبار المناطقة المعاصرين: إن الله لم يبتل البشرية بالجوع ولا بالمرض، ولكن ابتلاها بأرسطو. وحتى لو صححنا هذا المنطق الصوري فإنه يبقى مجرد نوع أو شكل من مناطق كثيرة ومختلفة5. وكذلك يمكن أن تشكل العادة أحيانا عائقاً لتطور المعرفة، وقديماً انفرد أبو حامد الغزالي عن كثير من المفكرين قبله بالتنبيه على أثـر العـادة -خصوصا الذهنية- في الحد من انطلاق العقل وتضييق أفقه، إذ "خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم إجراء العادات"6. ولذلك اعتبر منشأ غلط الفلاسفة "أنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه، وما لم يألفوه قدروا استحالته"7. ومن هذه الأصنام أيضا التقليد، أعني تقليد السابق.
ولهذا كان موقف كوندورسيه- في الموضوع- أقرب إلى الصواب من موقفي كونت وعصريِّه ديدرو... فقد بين أن العلم بحاجة إلى الحرية، وأن العقل لا يستطيع أبداً أن يصل إلى حد الإحاطة الكاملة بالطبيعة والوقوف على حدودها الأخيرة، ولذلك فالعلم بناء متواصل لا ينتهي أبداً 8 .
بل إن تاريخ المعرفة يدل على أنه كثيراً ما ينشأ الإبداع على الهامش، وخارج القوالب الجامدة لما يمكن تسميته بـ"العلم الرسمي". من ذلك اكتشاف نظرية الفوضى أو العماء chaos على يد الأمريكي لورنز، وتعد هذه النظرية اليوم من أبرز الإنجازات العلمية المتأخرة، وامتد أثرها إلى جلّ العلوم، بما في ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية9.
سبل أخرى إلى المعرفة، غير العقل
بل إن العلم يحتاج إلى قدرات إنسانية أخرى غير العقل المحض، مثل الملاحظة والتجربة والخيال الواسع والحدس... وهذا ما تفطن له الفكر الغربي اليوم والذي أعاد اكتشاف هذه النواحي في الإنسان، ويمكن أن نذكر في هذا الصدد الكتاب الكلاسيكي لإريش فروم: "اللغة المنسية: مدخل إلى فهم الأحلام والقصص والأساطير". وتبين مثلاً أن ما يقال عن العقلانية الفائقة لليونان خطأ، أو- على الأقل- غير دقيق ، والصواب أن للإنسان اليوناني وجهين أحدهما عقلاني والآخر غير عقلاني... فهذا ما توصل إليه الإنجليزي دودس في كتابه الشهير: "الإغريق واللاعقلاني". إن الكون والحياة عالـمان معقدان ومليئان بالألغاز، وإن إدراك الوجود من حولنا هدف على كل قدراتنا أن تتعاون من أجله. وفي هذا الإطار نحتاج أيضا إلى الوحي الذي يخبرنا عن نواح من الوجود لا نعرف عنها شيئا برغم كل ما حققه الإنسان من تقدم علمي وتقني.
قيمــة الخيـال
ومن القضايا المهمة التي لا تزال تثير تعجب الباحثين ما عرفه عصر النهضة الأوروبي من فورة كبيرة في الاهتمام بكل ما هو "غير عقلاني"، من تنجيم وسحر وباطنية...وسائر الفنون الخفية... ويعتبر بعض الباحثين أن هذا الجو "اللاعقلاني" الذي طبع بداية النهضة كان إيجابيا؛ لأنه سمح بتجاوز الأطر التقليدية للفكر الوسيط الأوروبي، حين اعتبر أن كل شيء ممكن ووارد، وبذلك مهّد لكوبرنيكوس وكبلر...10.
ولا شك اليوم أن النهضة الأوربية تدين في اكتشافها الخيال للحضارة الإسلامية ، خاصة من خلال التصوف والآداب11. وهذا ما يفسر السحر الذي مارسته " ألف ليلة وليلة" على المثقفين الأوروبيين، حتى إن فولتير – زعيم مفكري الأنوار – قرأها ستة عشر مرة . كما أن الأثر الإسلامي ثابت ومعروف على أهم عملين أدبيين في فجر النهضة: دون كيشوط لسرفانتس، والكوميديا الإلهية لدانتي12.

العلم بين الإطار العقدي والتوجيه الابستيمولوجي
إن الذي يبدو لي ضروريا بوصفه إطارا للعلوم ليس هو الفكر الفلسفي الذي يؤدي إلى تجميد العلم في قوالب نهائية، ولا حتى التوجيه الابستيمولوجي الغالي 13، كما هو عند كونت مثلا... إن العلم بحاجة إلى إطار أخلاقي وعقدي، يسمح لنا بالاستفادة من منجزاته دون أن تنقلب نجاحاته إلى أسلحة خطرة ضدنا. وتخبرنا العقيدة أن أسرار الله –سبحانه- في الوجود لا تنتهي: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا(14. وأن للخالق حِكَما في كل شيء: (صُنْعَ الله الذي أتقن كل شيء(15. ولذلك كان الإنسان طالب علم للأبد: (وقل رب زدني علما(16، (وفوق كل ذي عِلْمٍ عليم (17. وفي الآثار: من قال أنا عالم فهو جاهل 18.
إن الكون كتاب مفتوح أمام الإنسان، الذي أُخبر أنه لن يكمل قراءته، لكنه مدعو للمحاولة الدائمة. وينبغي أن تكون الغاية خيِّرة تنفع البشرية ولا تضرها: (وافعلوا الخير( 19، (ولا تعثوا في الأرض مفسدين( 20.

الغيب وحدود العلم
إن أهمية الإطار العقدي للعلم -سوى ما تقدم- أنه يُثبِت "الغيب" بوصفه حدّاً للمعرفة. وهذه العقيدة التي بمقتضاها توجد حدود للعقل البشري، وأنه لا ينبغي له أن ينفـي عالم الغيـب أو يحكم عليه... عقيدة إيجابية، وذلك لأن الاعتقاد في الغيـب ينشـئ في الإنسان شعورا بسعة الوجود، وتنوع الموجودات، وأهمية العالم المجهـول ... وهـذا له أثره في تشكيل عقلية مرنة وغير ضيقة لها قدرة على تصور الوجود بأشكال مختلفة. وبهذا تنفتح أمام العلم آفاق جديدة غير مسبوقة ولا محدودة.
ومن جهة أخرى كان الإسلام حريصاً على التمييز بين عالمي الغيب والشهادة، وتبيين حدودهما، ولذلك جاءت عقيدة الغيب -في هذا الدين- واضحة ودقيقة ومحددة، ليس لأحد أن يزيد فيها أو ينقص منها. وفي هذا حماية للعلم أيضا، حيث لاحظ بعض الدارسين-كعالم الاجتماع الفرنسي بوتول-أن الاتساع الكبير لدائرة الغيبيات والمقدسات في المجتمعات الأولى كان من عوامل عرقلة المعرفة والإبداع التقني فيها 21. ويمكن أن أُمثّل لهذا بالديانات الروحية التي ترى الروح في كل شيء من بشر وشجر وحجر... وهي روح شريرة في الأكثر، مما أدى إلى خنق كل مجهود علمي لإدراك الوجود.
إن القاعدة في العلم وطلب المعرفة هي حرية البحث وتعدد المناهج وتنوع الرؤى والتصورات ... ولذلك فمحاولات رسم طريق محدد للعلم لا يعدوه تضرُّ به أكثر مما تنفعه. والإطار العقدي- الأخلاقي هو وحده ما يحتاجه العلم، خصوصا في هذا القرن الذي يَعِد بخير كثير، ولكنه أيضا ينذر بشر مستطير.



___________________
1-Emile Bréhier : Histoire de la philosophie,5/232, Cérès Editions , Tunis,1944.

2- Histoire de la philosophie, 6/332-333
3 - انظر: 345/6, Histoire de la philosophie
4-Histoire de la philosophie, 4/41-42.
5 – راجع:
Marcel Boll et Jacques Reinhart : Histoire de la logique, Presses de France ,5éme édition ,1961.
6- الاقتصاد في الاعتقاد ، الغزالي، ص 109، دار الكتب العلمية ، بيروت ،ط1، 1988م.
7- المنقذ من الضلال ، الغزالي، ص 63 ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت ، ط 3، 1991م.
8- Histoire de la philosophie, 6/232-233
ويمكن أن تراجع بهذا الصدد أعمال الفرنسي غاستون باشلار .
9- راجع قصة هذا الاكتشاف وظروفه في كتاب :
James Gleick , La théorie du chaos, Traduit de l’anglais par Christian Jeanmougin .Editions Albin Michel ,Paris ,1989.
10- Robert Locqueneux, Histoire de la physique, Collection Que sais –je 1er édition,1987.
11- راجع كتاب هنري كوربان عن الخيال المبدع لابن عربي .
12- انظر ما كتبه في الموضوع خوان غويتسلو في مؤلفه : الاستشراق الإسباني ، ترجمه كاظم جهاد .
13- الغالي، من الغلو.
14- سورة الكهف، آية 109.
15- سورة النمل، آية 88.
16- سورة طه، آية 114.
17- سورة يوسف، آية 76.
18- رجح السيوطي أنه من كلام يحيى بن أبي كثير، من التابعين، كما في الحاوي للفتاوي، 2/45، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر ، ط 1959م.
19- سورة الحج، آية 77.
20- سورة البقرة، آية 60.
21- Gaston Bouthoul, Les mentalités, Presses de France , 4 éme édition ,1966 , p 115.

_________________
* باحث وأكاديمي من المغرب.

toufik
10-16-2007, 11:29 AM
النص والتأويل وآفاق حركة الإجتهاد.....................(ضيعت كاتبها والوقت يطاردني)
أبعاد فهم النص
جدل حول المنهج :
لا يزال الجدل دائراً في الاجتهاد الإسلامي المعاصر حول مسألة النص، لما يترتب على هذا الموضوع من نتائج مهمة في المجالات الفكرية العقيدية والفقهية الشرعية. والتساؤل الأساسي المطروح هو: هل يبقى المدلول المطابق للنص حاكماً وموجِّهاً للحركة الاجتهادية في فهم النص، بحيث تبقى دلالة النص مشدودة إلى المعنى الوضعي للفظ، والذي ـ وفق الفهم اللغوي التقليدي ـ يعتبر اللفظ مرآةً للمعنى وتجعل للفظ مرجعية دلالية منحصرة في نطاق المعنى المعجمي له؟ وهل يمكن تجاوز المعنى الوضعي للنص إلى معان أخرى تكمن في باطنه إلى جانب المعنى الظاهر، سيما وأنه ورد أن للقرآن الكريم أكثر من بطن في تفسيرات متعددة؟
قد ينطلق بعض هذه المعاني والبطون من استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بينما يتحرك بعضها من تعدد اللوازم التي تتصل بالمعنى، أو في التعدد الطولي الذي يجعل المعنى الثاني في امتداد المعنى الأول في الدلالة أو غير ذلك.
وقد ذهب البعض إلى منهج التأويل، بأن يحمل اللفظ على خلاف ظاهره، من خلال استحداث دلالات للفظ تتجاوز المعنى الموضوع له في آفاق أخرى تجعل اللفظ مرتبطاً بالذهنية التي يعيشها المتكلم، المرتكزة على خلفيته الثقافية، ليكون اللّفظ مجرد((علامة)) أو ((رمز)) لما يريد إرساله إلى المستمع من خلال الواقع الاجتماعي التاريخي في عملية التفاهم، فلا تعود مسألة اللفظ والمعنى منطلقةً من مبدأ الارتباط بين ملفوظ أو مكتوب من جهة، وبين موجود خارجي من جهة أخرى، أي بين اللفظ والشيء، بل هي ظاهرة مزدوجة وبطريقة أكثر تعقيداً من جهتي (الدالّ والمدلول)، وبذلك لن يكون لدينا مصطلح اللفظ والمعنى، بل يحل محلهما مصطلح (الدالّ والمدلول)، لأنهما أكثر دقة في التعبير عن تعقد الوحدة اللغوية، فهما يمثلان جانبي العلامة اللغوية ـ أو الوحدة اللغوية ـ التي لا تدل على شيء، بل تحيل إلى مفهوم ذهني هو بمثابة ((المدلول)) دون الشيء، وكذلك (الدال، فهو ليس فقط الصوت الملفوظ أو الرمز المكتوب، بل الصورة السمعية)، وليس المقصود بهذه الصورة السمعية الصوت المسموع، أي الجانب المادي البحت منه، ولكن المقصود هو الأثر النفسي الذي يتركه هذا الصوت المسموع أو الرمز المكتوب.
وبعبارة أخرى، ليس ((الأثر النفسي)) ـ الصورة السمعية ـ إلا التصور الذي تنقله حواسنا للصوت(تصور الصوت في الذهن).
ويؤكد هذا الاتجاه، أن العلاقة بين اللغة والعالم قد صارت محكومة بأفق المفاهيم والتصورات الذهنية الثقافية، أي أنها لا تعبر عن العالم الخارجي الموضوعي القائم، لأن مثل هذا العالم إن كان له وجود، فهو يعاد إنتاجه في مجال التصورات والمفاهيم، وبذلك فإن اللغة تمثل النظام المركزي الذي يعبر عن كل المظاهر الثقافية.
وقد ساهم هذا الجدل في الوصول إلى كثير من النتائج الاجتهادية الفكرية السلبية في فهم الكتاب والسنة، بفعل التعقيدات المتنوعة المتصلة بالمسار الثقافي في التعامل مع النص على مستوى المنهج القديم والحديث.
وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير بأن المذاهب الإسلامية الكلامية قد استفادت من قضية التأويل لإخضاع الآيات القرآنية لاتجاهاتها الفكرية في إخراج اللفظ عن ظاهره لمصلحة المعنى الجديد.
الظاهر والتأويل:
ونحن هنا في محاولة جادّة لدراسة مدى القيمة العلمية لاتجاهات تأويل النص على مستوى المنهج القديم والحديث، وذلك بالتأكيد على مسألة مهمة تتصل بالقاعدة العلمية في فهم النص في اللغة العربية.
واللغة العربية تتميز كغيرها من اللغات بخضوعها في دلالاتها الإفرادية والتركيبية لقواعد خاصة في علم مفردات اللغة والنحو والبلاغة، ما يمكن الاجتهاد من أن ينفذ إليها تبعاً للاختلاف العلمي في تقعيد القواعد في هذا الموقع أو ذاك، لأن انطلاقة علوم اللغة العربية لم تنشأ من حالة مقدسة، بل نشأت من خلال اجتهادات متنوعة في الملاحظة والتحليل والفهم البشري، الأمر الذي يجعلها خاضعة للنقد في معرض تحديد الخطأ والصواب.
وفي هذا الاتجاه، نجد النص العربي يتحرك بين نوعين من خصوصية الفهم، فهناك الظاهر الذي يمنح اللّفظ الدلالة على المعنى بوضوح بارز لا يمتنع عن احتمال للخلاف الذي يبقى في دائرته الذهنية من دون قيمة عملية، لأن نسبته الضئيلة في إمكان إرادة التكلم له لا تخرجه عن حدّ الاحتمال الموهوم الذي لا يعتني به أهل المحاورة ـ كما يقولون ـ
والظاهر حجة في مدلوله، فلا يصار إلى خلافه إلا بدليل، ويمثلون له بأكثر الألفاظ، ومنها ((لا تفعل)) الظاهر في الحرمة، ولكن يحتمل إرادة الكراهة التي تلتقي بالجواز، وهناك النص ـ حسب المصطلح الأصولي ـ وهو الصريح في دلالته على المعنى، بحيث لا يحتمل إرادة غيره مطلقاً، ويمثلون له بكلمة ((لا بأس)) الصريحة في الجواز، فلا يمكن إرادة الحرمة منها أبداً. وعلى ضوء ذلك، فإن التأويل الذي يرتكز على حمل اللفظ على خلاف ظاهره لا يمكن أن يكون مجاله النوع الثاني، أي ((النص الصريح))، بل النوع الأول وهو (الظاهر))، ولكن الالتزام به يتوقف أولاً على أن يكون هناك دليل عقلي أو لفظي يصرف اللفظ على ظاهره، بحيث تكون إرادة المعنى الظاهر منه مستحيلة من الناحية العقلية أو غير واردة من الناحية اللغوية المعنوية. وثانياً: أن يكون المعنى الجديد متناسباً مع المعنى الأصلي ومع سياق الكلام العام، كما في مثل المجاز أو الاستعارة، ففي هذا المجال، لا بد من وجود علاقة محددة أو مطلقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، أو الكناية التي لا بد فيها من وجود تلازم عرفي بين المعنى الأصيل والمعنى الذي يراد إفادته باللفظ على سبيل الكناية، فلا موقع للتأويل بدون هذين الشرطين، لأن الاستعمال عندما يكون خلطاً في القاعدة البلاغية.
اللغة والثقافة:
وعلى ضوء هذا، لا بد من توجيه مسألة ((بطون القرآن)) بما ينطبق على اللوازم المتعددة للمعنى، أو الإيحاءات المعنوية المنفتحة على آفاق المعنى في التداعيات التصورية التي تتنوع فيها خطوطه في المادي والمعنوي، أو الاحتمالات المتعددة في فهم النص الحديث عن التعدد المعنوي، بحيث يدل اللفظ على كل المعاني التي يحتملها دفعة وحدة، وهذا أمر غير واقعي في طبيعة استعمالات اللغة التي تضبطها قواعد مقررة، من حيث اللازم أو الإيحاء في المعنى الحقيقي أو المجاز في الاستعمال المجازي. أما استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فلو قلنا بإمكانه، فلا بد فيه من قرينةٍ توصي بإرادة الجميع بنحو مشتمل في كل معنى، وإلا كان مجملاً بالإضافة إلى اشتراط ذلك بأن المعاني التي استعمل فيها اللفظ لا بد أن تكون مما وضع له اللفظ في الاستعمال الحقيقي.
أما الفكرة التي جاءت بها الألسنية الحديثة، وهي أن الكلام لا يتشكل من لفظ ومعنى، بحيث تكون للفظ صفة المرآتية للمعنى، بل يتشكل الكلام من دالّ ومدلول، بحيث لا تكون مرجعية المدلول في القاموس أو المعجم اللغوي، بل في النظام اللغوي العام الذي تتميز به اللغة في كل مرحلة أو زمن، لتعكس الواقع الاجتماعي، والبنية المعرفية في كل مرحلة من المراحل، فلا تعود الدلالة تابعة للوضع الأصلي، أو تكون الدلالة ذات طبيعة جزئية يرتبط اللفظ فيه بمعناه الوضعي فقط، بل يكون هناك نظام دلالي وبنية لغوية تشكل مرجع الدلالات ومصدر التصورات والمعاني التي يدل عليها النص اللغوي.
هذه الفكرة قد تكون منطلقة من النظرة إلى التفسير الحرفي اللغوي للكلمة الذي لا يطوف في الآفاق الواسعة في حركة المعنى في الذهن أو في الواقع، بل يتجمد في داخل المعنى، في الوقت الذي نجد فيه أن للمعنى في طبيعته آفاقاً لا يملك الإنسان إلا أن يتصورها بحجم ثقافته في أبعادها، فإذا أطلقت كلمة الغابة، فإننا لا نستحضر معها صورة الغابة المحدودة بمعناها المادي، بل يطوف الخيال التصوري إلى كل المناطق التي توجد فيها الغابات وإلى كل ما تحتويه الغابة من حيوانات أليفة ومفترسة، وإلى كل المشاعر السلبية والإيجابية التي يتمثلها الإنسان فيها. ومن الطبيعي أن ساحة التصور في العمق والامتداد تتسع وتتطور تبعاً للمعلومات التي يختزنها المتكلم أو السامع في أبعاد المعنى وإيحاءاته، بل ربما نجد السامع يفهم الكلمة في تصوراته الثقافية الواسعة أكثر مما يفهمها المتكلم الذي قد يكون محدود الثقافة في الواقع الوجودي الممتد في الأرض للمعنى الذي تدل عليه الكلمة.
بين استقلال النص وفهم المراد:
ومن هنا، فإن الفكرة التي أطلقها هذا الاتجاه في الألسنية الحديثة، وهي موت المؤلف، لا ينكرها علم اللغة القديم، وخلاصة هذه الفكرة هي أنه علينا أن نفصل النص عن المؤلف، فلا نربطه به، ليتسنى لنا فتح مجالات حرة وآفاق أوسع في قراءة النص وتأويله، فلم يعد المهم أن نعرف قصد المؤلف في النص، لأن قصد المؤلف أحادي ومحدود ومتناهٍ ودلالات النص لا متناهية وحرة.
هذا الفصل هو الطبيعي جداً، لأن للغة قواعدها في دلالتها على المعنى الذي يختزنه في الدائرة الفردية والدائرة التركيبية، وللمتكلم ثقافته الخاصة في وعي اللغة التي يتكلم بها، وفي أبعاد المعاني التي تختزنها، ما قد يفسح المجال في لمحدودية الوعي لدى المتكلم في مقابل اتساع المدلول في حركة المعنى في الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي، فيمكن لنا أن نفهم المعنى في ذاته بعيداً عن شخصية المتكلم، ليكون الفهم منطلقاً من طبيعة القارئ أو السامع من خلال ثقافته الواسعة في وعي النص بأبعاده المتنوعة في شخصية اللغة.
من الواضح أن للّغة شخصيّتها القائمة بها باعتبارها تجربةً إنسانيةً تعبيريةً عن الحاجات التي قد تكون محدودة في بداياتها بحسب الدائرة الضيّقة للحاجات، ولكنها تتوسع في تطوّراتها التي قد تختلف جزئياتها في أبعادها الواقعية من دون أن تختلف في المعنى الكلي الذي يتّسع لكلّ هذه الجزئيات بحسب طبيعته، أو من خلال حركة الاستعمال في تطّورات جزئيات الاستعمال، وبذلك تنفصل اللغة عن التجربة الشخصيّة للإنسان المتكلم بها، لَّأن معناها يمثِّل عالماً ثقافياً في حجم حركته في التاريخ وفي الكون كله، مما قد يختلف الناس في وعيه في مختلف أبعاده وتنوّع آفاقه، فيأخذ كل متكلم منه ما يستطيع ليفهم السامع منه عند انطلاقه بما يملكه من ثقافته المتصلة به.
على أن هناك نقطة مهمة في علاقتنا بالكلام كدال في انفتاحه على المدلول، وهي أن هناك بعدين لعملية فهم النص، الأول: هو فهم النص في ذاته من حيث أنه كلام ذو شخصية معرفية في مدلوله، من حيث طبيعة دلالته على آفاق المعنى وأبعاده في العمق والامتداد، لتكون القضية لدينا قضية فهم الكلام بغضّ النظر عن كونه صادراً عن متكلم معين في خصوصية إرادته له في التعبير عن مداركه أو حاجته لدى الآخرين. الثاني: فهم مراد المتكلم من النص في علاقته بالواقع الخارجي المتمثل بالآخرين أو بتصوراته للحياة، أو أحاسيسه الذاتية، وبذلك يكون الكلام خاضعاً في مدلوله لشخصية المتكلم في ثقافته اللغوية والاجتماعية والتاريخية وفي أوضاعه النفسية في علاقته بوعي اللغة.
ففي البعد الأول لا نطرح موت المؤلّف، بل نطرح شخصية اللغة في استقلالها في الكشف عن كل الواقع الخارجي المتصل بالمعنى اللغوي في امتداداته في التاريخ وفي الواقع وفي حركة الثقافة في العالم الإنساني، ليكون المعنى عاملاً قائماً بذاته متحركاً في الحياة بحجم حركة جزئياته المتنوعة المتناثرة في واقع الحياة والإنسان، من دون أية علاقة له بأي وعي له خارج نطاقه الذاتي أو شخصيته الثقافية.
وفي البعد الثاني، لا بدَّ من دراسة ثقافة المتكلّم أو المؤلف في وعيه للكلمة وللكلام في استعماله له في حاجاته الخاصة والعامة، لنفسر الكلام في حدود تصوراته الشخصية تبعاً لدرجة الوعي للواقع في حركة المعنى في الذهن، لأنه لا معنى لأن نفسر إرادته للأشياء في نطاق البعد الذي لا يعيه ولا يتفهمه.
وخلاصة الفكرة، أن الكلام قد يكون واقعاً قائماً بذاته من دون علاقة له بالإنسان في تجربته الكلامية، فلا بد من فهمه من خلال ما تتسع له أبعاد المعنى بشكل مطلق، ليكون المدلول واسعاً سعة المعنى في الحياة، وقد يكون حالة شخصية متصلة بالمتكلم في علاقته بالإنسان الآخر وبالحياة، فلا بد من فهمه بحجم تجربته الثقافية والواقعية والشعورية، لأن ذلك هو الذي يحِّدد لنا نتيجة التفاعل بين شخصيّته وشخصيّة اللغة.
ضوابط اللغّة وشرعية الاختلاف:
وإذا أردنا أن ننطلق في حركة الاتجاه الألسني في فهم النص إلى القرآن الكريم، فقد نتساءل كما تساءل البعض: هل يمكن أن نتداول النص القرآني كنص له مزاياه وطبيعته ومخزونه وتجلياته الذاتية، والتي يمكن كشفها مع قطع النظر عن كونه نصاً إلهياً، ليقترب النص القرآني من العقل البشري، ولينفتح على الممكن والممنوع واللامفكر فيه ويشرف على اللاتناهي في الدلالة واللامحدود في المعنى؟ ونلاحظ على هذا التساؤل أن قداسة النص القرآني كنص مقدس، لا يمنع من دراسته في خصائصه الذاتية في مزاياه الفنية الخاضعة لقواعد اللغة العربية في دلالاته وإيحاءاته، وذلك لأن الله أنزله قرآناً عربياً في لغته وأسلوبه ومنهجه في الخطاب الموجَّه للناس، ليتدبروه بالوسائل التي يملكونها في المسألة الفكرية والذهنية الثقافية، ما يجعل مسألة الفهم البشري منفتحة على احتمال المخالف في دائرة الظاهر الذي قد يلتقي بالدليل على ما يؤكده، وقد يبقى مجرد احتمال طائر في التصور، وهذا هو الذي أكده العلماء الأصوليون في وصفهم للقرآن بأنه قطعي السند ظني الدلالة في حديثهم عن النص القرآني الظاهر، ولهذا اعتبروا الاختلاف في التفسير القرآني أمراً مشروعاً، ولم يروا الفهم البشري الذي لا يملك العصمة فهماً مقدساً لا يقبل الاعتراض عليه..
وربما كان نشوء علم البلاغة لدراسة الجانب الفني في التعبير القرآني مقارناً بالقواعد الفنية في طريقة فهم اللغة العربية، شاهداً على أن قضية فهم هذا النص هي مسألة اجتهادية في الجانب الأدبي الذي يطل على المضمون الداخلي للنص في إخضاعهم كل ألوان التعبير للضوابط التي تحكم اللغة العربية تماماً كأي كلام بشري آخر.
إن الله أراد للناس أن يفهموا القرآن بالطريقة التي يفهمون بها كلام بعضهم البعض، ولم تقتصر المسألة على القرآن، بل إن الله يتحدث عن الوحي الذي ينـزله على كل رسول{بلسان قومه ليبين لهم}[إبراهيم/4].
ولذلك، فإن مسألة صفة اللامحدود واللامتناهي أو المطلق في الله لا علاقة لها بالقرآن لأنه محدود بكلماته وأساليبه وقواعده، تماماً كما خلق الله في الإنسان والحيوان وكل ظواهر الطبيعة في السماء والأرض في محدوديتها في الوجود بكل شروطه وتفاصيله.
ولكن محدوديته في اللغة لا تمنعنا من أن نتفهمه في مضمونه الوضعي في صورة عملية، بمعنى اللجوء إلى تأويل الظاهر في حل دلالته على ما لم يمكن قبوله، فتكون الاستحالة دليلاً أو قرينة على إرادة الظاهر، لأن الله لا يمكن أن يتحدث إلينا بما يحكم العقل باستحالته قطعاً، بحيث لا يحتمل العقل إمكانه، وهذا هو الذي فتح باب التأويل على سبيل المجاز في القضايا التي اعتقد العلماء من المسلمين أنها مستحيلة مما لا يمكن نسبته إلى الله، كقضية الجبر والتجسيم ونحوهما، فعمدوا إلى تأويل كلمة الله والوجه واليد والاستواء على العرش والنظر إلى الله إلى معنى الذات والقوة والعطاء والاستيلاء والنظر إلى آيات الله ومظاهر عظمته بما يتناسب مع القاعدة البلاغية في المجاز والاستعارة، وهكذا فعلوا في كلمة {يضل من يشاء ويهدي من يشاء}[النحل/93] وأمثالها، حيث استعملوا الهداية بإرادة تهيئة وسائلها، والإضلال بالجانب السلبي في إيكال الإنسان الذي يرفض الهداية إلى نفسه وعدم تقديم أسباب الهداية إليه ما يؤدي في النهاية إلى الضلال.
ولكن ذلك التأويل المجازي لم يبتعد عن الضوابط القاعدية للغة العربية، ما يجعل النص القرآني المستعمل في المجاز مشابهاً لأي نص لغوي مستعمل في المعنى المجازي، على أساس ملاحظة العلاقة بين المعنى الحقيقي الوضعي والمعنى المجازي المراد.
الحدود المعقولة للتأويل
التأويل بين مدرستي العقل والحس:
ويبقى السؤال في مسألة الممكن والممنوع في: العقل هل هو الذي يلتقي أو يتنافى مع ما هو المألوف للإنسان في ثقافته الحسية مما قد يراه أو لا يراه معقولاً، لأنه محسوس أو قابل للحس الحاضر، أو ليس محسوساً باعتباره غيباً، أو هو الذي يحكم العقل في معادلاته العقلية بإمكانه أو استحالته لأدائه إلى محذور عقلي كاجتماع الضدين أو النقضين أو ارتكاب الخالق للقبيح أو ما إلى ذلك؟ وهذا هو الذي تختلف فيه المدرسة العقلية التأملية عن المدرسة المادية الحسية، فقد نجد في المدرسة الثانية اتجاهاً إلى اعتبار القضايا الغيبية كالوحي والمعجزة والجنة والنار من القضايا المتصلة بالأسطورة لا بالحقيقة، أو من الأمور اللاعقلانية، لأنها لا تخضع للتجربة الحسية التي هي الأساس في الإدراك المعرفي، بينما تجد المدرسة العقلية أن كل ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتى يذودك عنه واضح البرهان، كما يقول ابن سينا، وأن النفي لعدم الحس ليس علمياً، لأن من الممكن للأِشياء أن تعرف بآثارها، وأن التجربة الشخصية للإنسان الموثوق بسلامة إدراكه يمكن أن تكون أساساً علمياً للمعرفة، وأن التجربة لا تصلح سبباً للمعرفة الكلية إلا إذا انضمت إليها النتائج العقلية، وأن الحديث عن الغيب أنه أسطورة أو خرافة لا يتناسب مع الذهنية العلمية التي تعتبر النفي محتاجاً إلى البرهان كما هو الإثبات، وأن عدم الاقتناع بأسس الإثبات قد يجعل القضية في دائرة الشك لا في دائرة النفي... وهكذا نلاحظ أن التجربة الحسية والتأمل العقلي هما الوسيلتان الإنسانيتان للمعرفة، ما يجعل الاتجاه الحسي اتجاهاً غير علمي أو واقعي في النظرة. وعلى ضوء هذا، فإن الاتجاه التأويلي في النص القرآني في مضمونه الغيبي، وإخضاعه للتفسير الحسي كما لاحظناه في المدرسة التوفيقية التي قادها الشيخ محمد عبده، وتلميذه محمد رشيد رضا في أول ما يسمى بعصر النهضة، ليس منسجماً مع المنهج العلمي الذي لا يرى أساساً لنفي الخصوصية الغيبية لبعض الظواهر النبوية، كما لا يرى هناك دليلاً فيما قدموه في الأسلوب القرآني على صحة تفسيراتهم.
ولذلك، فإننا نتصور أن المنهج العلمي البلاغي لا يمنع من الأخذ بالظاهر القرآني بكل أبعاده الثقافية، حتى لو كان غيبياً، إذا لم يكن هناك دليل عقلي مضادّ صالح لأن يكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر.
وفي هذا الاتجاه في البحث، لا نجد هناك أي أساس للقول برمزية الدلالة في القرآن الكريم إلا بالمقدار الذي تسمح به قواعد اللغة من المعنى الإيحائي الذي قد تحمله الكلمة من خلال حركتها في التاريخ في استعمالاتها التي تنفتح بها على أكثر من رمز أو إيحاء، لأن الكلمة لا تبقى في مدلولها اللغوي الوضعي جامدة لا تتحرك، بل تأخذ من حركتها التاريخية الكثير من الإشارات والرموز والإيحاءات التي قد يفهم الناس منها الكثير خارج مدلولها الذاتي.
الطبقات الدلالية للقرآن:
أما الحديث عن بناء طبقات دلالية تتجاوز المنطوق من المعنى والظاهر من الدلالة، فإنه قد يكون واقعياً بالنسبة إلى الأبعاد الواسعة التي تمتدُّ إليها الكلمة في امتداد معناها في الواقع الاجتماعي أو الجغرافي أو التاريخي الذي يطلّ عليه المعنى بما يحمله من خصائص وعناصر معنوية، وبالنسبة إلى اللوازم المتصلة بوجود المعنى في الواقع الإنساني النفسي أو الحركي أو في حركة الحياة، أو بالتداعيات التي يستدعي فيها معنى لمعنى آخر على سبيل الإيحاء، ولا نفهم معنى الطبقات الدلالية أو البطون المعنوية إلا بما يتناسب مع ذلك، لأن اللغة العربية لا تنسجم مع أي معنى لا يلتقي بمدلولها من قريب أو بعيد، إذ إن امتداداتها الثقافية لا بد أن تكون مرتبطة بالمعنى الأم الذي تتفرع عنه المعاني الأخرى، حتى أن الرمزية في الأسلوب الكنائي تخضع لقواعد محددة ترتبط بالمضمون الدلالي في الخصوصيّة اللغوية للفظ.
وتبقى لنا في هذا الجانب نقطة مهمة حيوية، وهي أن القرآن لم ينـزل للمجتمع الذي عاصر نزوله ليكون خطاباً محدوداً بالزمن الأول للدعوة وبالناس الذين عاشوا فيه، بل هو خطابٌ للإنسان في كل عصر يخاطب فيه وجوده الفردي والمجتمعي، فهل يفرض علينا ذلك لغة تتجاوز الظاهر في الدلالة أو مقاربة تأويلية للنص تتعدى الظهور، لأن الظهور كما يقال معنى أحادي قلما تتنوع فيه الصور، والتأويل فضاء لامتناهٍ وميدان إبداعي ولا يتحصل إلا بنظام ما وراء الظاهر والمنطوق وترميزات تختزن الفهم المتجدد، وبنية نص تنسج من المنطوق الجزئي والظاهر المبعثر في الكلمات والجمل فضاءً معرفياً ونظاماً دلالياً يطلق مجالات القدرة النقدية للنص ويشكّل مراتب وطبقات دلالية تتوسع وتتراكم بالأعمال التأويلية للنص؟
أما تعليقنا على ذلك، فهو أن الظاهر بحسب المضمون الذي أشرنا إليه فيما قدمناه من حديث، لا يمثل معنى أحادياً لا تتنوع فيه الصور، بل هو معنى متحرك في كل الأبعاد الثقافية المتنوعة المتصلة بمضمونه الإنساني في البعد الإنساني أو في البعد الحياتي.
أما الفضاء اللامتناهي في التأويل، فإنه يطوفُ بالمعاني في متاهات الاحتمالات، ولا يدع هناك أية قاعدة يقف عندها المعنى، ولعل من الواضح أنَّ حركة اللغة في الساحة الثقافية تفرض وجود ثوابت للاستعمال من خلال الثوابت للدلالة من داخل الكلمة وخارجها، لتكون بمثابة القاعدة التي يقف عندها المتكلم نحو مقاصده، ويرجع إليها الناقد في نقده للنص، حتى لا تكون القضية مزاجية لأهواء المستعمل وتطلعاته.
إن خلاصة الفكرة هي أن اللغة تمثل الوسيلة الوحيدة للتخاطب وللتفاهم، سواء في الأمور الخاصة المتصلة بحاجات الناس، أو في القضايا الفكرية والعملية التي يلتقي أو يختلف فيها الناس، فلا بد من قاعدة في التعامل مع الظاهر إذا كان هو الذي يتعاملون معه في الخطاب، أو مع خلاف الظاهر إذا كانت هناك حالات طارئة تفرض المصير إليه، وفي كلتا الحالتين، فإن اعتبار اللغة واقعاً قائماً بذاته أو مرآةً للمعنى الكامن في داخلها، لا يغير شيئاً من المسألة إلا من حيث الإجمال والتفصيل.
الاجتهاد والظهور:
وإذا أردنا أن نطلَّ على المنهج الاجتهادي الكلامي والفقهي في فهم النص ليكون اجتهاداً إسلامياً منسجماً مع المنهج العلمي الذي يحكم ذهنية المجتهد في انفتاحه على الكتاب والسنة، فلا مجال للأخذ بخلاف الظاهر بأبعاده الثقافية المتنوعة والأخذ بالتأويل إلا بحجة في العقل مانعة من الأخذ بالظاهر في مراد المتكلم، لاستحالة توجهه إليه في خطابه الخاص أو العام، لخصائص ذاتية في طبيعة الفكر أو في موقع الذات، أو بحجة كلامية صارفة للفظ عن ظاهره، بحيث يكون أحد الكلامين قرينةً على المراد من الكلام الآخر، ليمنحه حسب المناسبات الموجودة في لغة التخاطب أو في أسلوب الكلام ظهوراً ثانوياً يغلب الظهور الأولي الوضعي، وهذا هو الذي استعمله الأصوليون في الكلام الجاري على قاعدة المجاز في الإسناد أو الكلمة، وفي باب التعارض غير المستقر الذي قد يوحي بالاختلاف بدواً، ولكنه بالتأمل ينتهي إلى ضمِّ أحد الكلامين إلى الآخر، ليكشف السامع أو القارئ أن أحدهما مفسر للآخر، كما في العام والخاص، والمطلق والمقيد، والدليل الحاكم والدليل المحكوم، كما في قاعدتي نفي الضرر ونفي الحرج الحاكمين على أدلة الأحكام الأولية، حيث يخرجان موارد الضرر والحرج من دائرة التشريع، وربما تكون هناك بعض الدلالات التي توحي بالمعنى الواحد الذي يجمع الكلامين معاً بلحاظ بعض الدلائل الخارجية أو الداخلية المحيطة بالموضوع.
الاجتهاد مقابل النص:
ومهما اختلفت مناحي الاجتهاد في فهم النص القرآني أو النبوي في الكتاب والسنة، فإن هناك نوعاً من الاجتهاد يلتقي الجميع على منعه، وهو الاجتهاد في مقابل النص، كما إذا كان النص صريحاً في المعنى أو ظاهراً فيه دون أية قرينة تصرفه عن ظاهره، أو دالاً عليه من دون أن يكون في داخله أو خارجه ما يوحي بالمعنى الذي يريد المجتهد أن يتبناه أو يخضع النص له؛ في هذه الحالة، يتحول الاجتهاد إلى معارضة صريحة للنص أو إلى تكذيب لله ورسوله من خلال طبيعة المقارنة بين معنى النص وخط الاجتهاد.
وليس من الاجتهاد في مقابل النص في شيء، المنهج الذي يحاول فيه المجتهد أن يستنطق النص بطريقة تختلف عن الطريقة التي فهمها المجتهدون الأقدمون مما استوضحوه من النص واعتبروا دلالته على اجتهادهم أمراً حاسماً لا يقبل المناقشة، فإن من حق المجتهد المتأخر أن يفهم الآية أو الحديث بوعيٍ جديد لمفرداتهما وأسلوبهما وسياقهما وأجوائهما، ليكتشف المعنى الجديد الذي لن تكون جدّته في أصل إبداعه، بل في اكتشافه بلحاظ العناصر الجديدة للاكتشاف.
ولذلك، فإن على الذين يتهمون بعض الاجتهادات بمخالفتها للنص الواضح، أن يعيدوا النظر في فهمهم للنص، فلعلهم يكتشفون بذلك أن أصحاب هذا الاجتهاد قد اكتشفوا جديداً في عناصر الدلالة مما لم يكتشفه المعترضون عليه، ولا سيما إذا كانت المسألة متصلة بالعقيدة، فقد يؤدي الفهم الخاطئ للاجتهاد والغفلة الفكرية عن الخط المنهجي الذي يحكم ذهنية الباحث أو المجتهد، إلى الحكم بتكفير المسلم أو ارتداده من دون تدقيق في عناصر الإيمان والكفر في واقع المؤمنين والكافرين.
إطلاق الاجتهاد في ميادين اللغة والثقافة:
وأخيراً، فإننا لا نمانع من تطور علوم اللغة في دلالاتها الثقافية، لأن الذين اجتهدوا في وضع خطوطها وقواعدها لم يكونوا معصومين، ولكن المسألة التي تفرض نفسها على كل العاملين في استنطاق اللغة، أن يركزوا القاعدة اللغوية التي تصلح أن تكون حكماً بين المتكلم والمخاطب، بحيث يقفان عندها ويرجعان إليها، ومع ملاحظة ضرورة التفريق بين الخطاب في مدلوله الذاتي لما يقصده المتكلم في حجم ثقافته وتصوراته، وبين الكلام في مدلوله اللغوي من حيث ما تؤديه الكلمة، مما قد يخرج عن وعي المتكلم له، ومما قد تختلف فيه شخصية الكلام وشخصية المتكلم من الناحية الثقافية من حيث الكم والنوع.
وفي ضوء ذلك، لا يجب أن تتحرك القضية في دائرة التكفير وعدمه لكل من خاض غمار مناهج التأويل، بل تكون خاضعة للبحث في سلامة التأويل من حيث المنهج العلمي في فهم النص أو عدمه، على أساس مناقشة المفردات والمعطيات التي يقدمها كل فريق أمام الآخر.
وربما يقودنا الحوار الموضوعي إلى أن نكتشف أن القديم لا يختلف مع الجديد في بعض نظراته في حديث الظهور الكلامي، ولكنه لم يملك التعبير الدقيق عما يريده أو يؤكده في نظريته في فهم اللغة.
إننا نعود إلى إعادة النظر في ما استهلكناه من علوم ونظريات تركها لنا التراث الاجتهادي في الواقع الثقافي الديني والاجتماعي والسياسي والتربوي، مما اجتهد فيه المجتهدون الذين هم عرضة للخطأ وللصواب، فلعلنا نكتشف الخطأ في ما ذهبوا إليه، ونتعرف على الخلل في ما اعتمدوه من حجج وبراهين، حتى لا تكون حركتنا العلمية الثقافية حركة تقليد واستسلام للماضي الذي قد يكسبه مرور الزمن قداسةً لا يملكها.
إننا ندعو إلى ذلك لا من موقع العقدة في التجديد، بل من موقع الرغبة في أن تكون لنا أصالتنا الثقافية في الحاضر، بالإضافة إلى العناصر الأصلية في الثقافة في التاريخ، فذلك هو السبيل لتأصيل الفكر الإنساني في حركة النمو والتقدم، ولا سيما الفكر الإسلامي الذي هو خط الخلاص في الدنيا والآخرة.
الحدود المعقولة للتأويل
التأويل بين مدرستي العقل والحس:
ويبقى السؤال في مسألة الممكن والممنوع في: العقل هل هو الذي يلتقي أو يتنافى مع ما هو المألوف للإنسان في ثقافته الحسية مما قد يراه أو لا يراه معقولاً، لأنه محسوس أو قابل للحس الحاضر، أو ليس محسوساً باعتباره غيباً، أو هو الذي يحكم العقل في معادلاته العقلية بإمكانه أو استحالته لأدائه إلى محذور عقلي كاجتماع الضدين أو النقضين أو ارتكاب الخالق للقبيح أو ما إلى ذلك؟ وهذا هو الذي تختلف فيه المدرسة العقلية التأملية عن المدرسة المادية الحسية، فقد نجد في المدرسة الثانية اتجاهاً إلى اعتبار القضايا الغيبية كالوحي والمعجزة والجنة والنار من القضايا المتصلة بالأسطورة لا بالحقيقة، أو من الأمور اللاعقلانية، لأنها لا تخضع للتجربة الحسية التي هي الأساس في الإدراك المعرفي، بينما تجد المدرسة العقلية أن كل ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتى يذودك عنه واضح البرهان، كما يقول ابن سينا، وأن النفي لعدم الحس ليس علمياً، لأن من الممكن للأِشياء أن تعرف بآثارها، وأن التجربة الشخصية للإنسان الموثوق بسلامة إدراكه يمكن أن تكون أساساً علمياً للمعرفة، وأن التجربة لا تصلح سبباً للمعرفة الكلية إلا إذا انضمت إليها النتائج العقلية، وأن الحديث عن الغيب أنه أسطورة أو خرافة لا يتناسب مع الذهنية العلمية التي تعتبر النفي محتاجاً إلى البرهان كما هو الإثبات، وأن عدم الاقتناع بأسس الإثبات قد يجعل القضية في دائرة الشك لا في دائرة النفي... وهكذا نلاحظ أن التجربة الحسية والتأمل العقلي هما الوسيلتان الإنسانيتان للمعرفة، ما يجعل الاتجاه الحسي اتجاهاً غير علمي أو واقعي في النظرة. وعلى ضوء هذا، فإن الاتجاه التأويلي في النص القرآني في مضمونه الغيبي، وإخضاعه للتفسير الحسي كما لاحظناه في المدرسة التوفيقية التي قادها الشيخ محمد عبده، وتلميذه محمد رشيد رضا في أول ما يسمى بعصر النهضة، ليس منسجماً مع المنهج العلمي الذي لا يرى أساساً لنفي الخصوصية الغيبية لبعض الظواهر النبوية، كما لا يرى هناك دليلاً فيما قدموه في الأسلوب القرآني على صحة تفسيراتهم.
ولذلك، فإننا نتصور أن المنهج العلمي البلاغي لا يمنع من الأخذ بالظاهر القرآني بكل أبعاده الثقافية، حتى لو كان غيبياً، إذا لم يكن هناك دليل عقلي مضادّ صالح لأن يكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر.
وفي هذا الاتجاه في البحث، لا نجد هناك أي أساس للقول برمزية الدلالة في القرآن الكريم إلا بالمقدار الذي تسمح به قواعد اللغة من المعنى الإيحائي الذي قد تحمله الكلمة من خلال حركتها في التاريخ في استعمالاتها التي تنفتح بها على أكثر من رمز أو إيحاء، لأن الكلمة لا تبقى في مدلولها اللغوي الوضعي جامدة لا تتحرك، بل تأخذ من حركتها التاريخية الكثير من الإشارات والرموز والإيحاءات التي قد يفهم الناس منها الكثير خارج مدلولها الذاتي.
الطبقات الدلالية للقرآن:
أما الحديث عن بناء طبقات دلالية تتجاوز المنطوق من المعنى والظاهر من الدلالة، فإنه قد يكون واقعياً بالنسبة إلى الأبعاد الواسعة التي تمتدُّ إليها الكلمة في امتداد معناها في الواقع الاجتماعي أو الجغرافي أو التاريخي الذي يطلّ عليه المعنى بما يحمله من خصائص وعناصر معنوية، وبالنسبة إلى اللوازم المتصلة بوجود المعنى في الواقع الإنساني النفسي أو الحركي أو في حركة الحياة، أو بالتداعيات التي يستدعي فيها معنى لمعنى آخر على سبيل الإيحاء، ولا نفهم معنى الطبقات الدلالية أو البطون المعنوية إلا بما يتناسب مع ذلك، لأن اللغة العربية لا تنسجم مع أي معنى لا يلتقي بمدلولها من قريب أو بعيد، إذ إن امتداداتها الثقافية لا بد أن تكون مرتبطة بالمعنى الأم الذي تتفرع عنه المعاني الأخرى، حتى أن الرمزية في الأسلوب الكنائي تخضع لقواعد محددة ترتبط بالمضمون الدلالي في الخصوصيّة اللغوية للفظ.
وتبقى لنا في هذا الجانب نقطة مهمة حيوية، وهي أن القرآن لم ينـزل للمجتمع الذي عاصر نزوله ليكون خطاباً محدوداً بالزمن الأول للدعوة وبالناس الذين عاشوا فيه، بل هو خطابٌ للإنسان في كل عصر يخاطب فيه وجوده الفردي والمجتمعي، فهل يفرض علينا ذلك لغة تتجاوز الظاهر في الدلالة أو مقاربة تأويلية للنص تتعدى الظهور، لأن الظهور كما يقال معنى أحادي قلما تتنوع فيه الصور، والتأويل فضاء لامتناهٍ وميدان إبداعي ولا يتحصل إلا بنظام ما وراء الظاهر والمنطوق وترميزات تختزن الفهم المتجدد، وبنية نص تنسج من المنطوق الجزئي والظاهر المبعثر في الكلمات والجمل فضاءً معرفياً ونظاماً دلالياً يطلق مجالات القدرة النقدية للنص ويشكّل مراتب وطبقات دلالية تتوسع وتتراكم بالأعمال التأويلية للنص؟
أما تعليقنا على ذلك، فهو أن الظاهر بحسب المضمون الذي أشرنا إليه فيما قدمناه من حديث، لا يمثل معنى أحادياً لا تتنوع فيه الصور، بل هو معنى متحرك في كل الأبعاد الثقافية المتنوعة المتصلة بمضمونه الإنساني في البعد الإنساني أو في البعد الحياتي.
أما الفضاء اللامتناهي في التأويل، فإنه يطوفُ بالمعاني في متاهات الاحتمالات، ولا يدع هناك أية قاعدة يقف عندها المعنى، ولعل من الواضح أنَّ حركة اللغة في الساحة الثقافية تفرض وجود ثوابت للاستعمال من خلال الثوابت للدلالة من داخل الكلمة وخارجها، لتكون بمثابة القاعدة التي يقف عندها المتكلم نحو مقاصده، ويرجع إليها الناقد في نقده للنص، حتى لا تكون القضية مزاجية لأهواء المستعمل وتطلعاته.
إن خلاصة الفكرة هي أن اللغة تمثل الوسيلة الوحيدة للتخاطب وللتفاهم، سواء في الأمور الخاصة المتصلة بحاجات الناس، أو في القضايا الفكرية والعملية التي يلتقي أو يختلف فيها الناس، فلا بد من قاعدة في التعامل مع الظاهر إذا كان هو الذي يتعاملون معه في الخطاب، أو مع خلاف الظاهر إذا كانت هناك حالات طارئة تفرض المصير إليه، وفي كلتا الحالتين، فإن اعتبار اللغة واقعاً قائماً بذاته أو مرآةً للمعنى الكامن في داخلها، لا يغير شيئاً من المسألة إلا من حيث الإجمال والتفصيل.
الاجتهاد والظهور:
وإذا أردنا أن نطلَّ على المنهج الاجتهادي الكلامي والفقهي في فهم النص ليكون اجتهاداً إسلامياً منسجماً مع المنهج العلمي الذي يحكم ذهنية المجتهد في انفتاحه على الكتاب والسنة، فلا مجال للأخذ بخلاف الظاهر بأبعاده الثقافية المتنوعة والأخذ بالتأويل إلا بحجة في العقل مانعة من الأخذ بالظاهر في مراد المتكلم، لاستحالة توجهه إليه في خطابه الخاص أو العام، لخصائص ذاتية في طبيعة الفكر أو في موقع الذات، أو بحجة كلامية صارفة للفظ عن ظاهره، بحيث يكون أحد الكلامين قرينةً على المراد من الكلام الآخر، ليمنحه حسب المناسبات الموجودة في لغة التخاطب أو في أسلوب الكلام ظهوراً ثانوياً يغلب الظهور الأولي الوضعي، وهذا هو الذي استعمله الأصوليون في الكلام الجاري على قاعدة المجاز في الإسناد أو الكلمة، وفي باب التعارض غير المستقر الذي قد يوحي بالاختلاف بدواً، ولكنه بالتأمل ينتهي إلى ضمِّ أحد الكلامين إلى الآخر، ليكشف السامع أو القارئ أن أحدهما مفسر للآخر، كما في العام والخاص، والمطلق والمقيد، والدليل الحاكم والدليل المحكوم، كما في قاعدتي نفي الضرر ونفي الحرج الحاكمين على أدلة الأحكام الأولية، حيث يخرجان موارد الضرر والحرج من دائرة التشريع، وربما تكون هناك بعض الدلالات التي توحي بالمعنى الواحد الذي يجمع الكلامين معاً بلحاظ بعض الدلائل الخارجية أو الداخلية المحيطة بالموضوع.
الاجتهاد مقابل النص:
ومهما اختلفت مناحي الاجتهاد في فهم النص القرآني أو النبوي في الكتاب والسنة، فإن هناك نوعاً من الاجتهاد يلتقي الجميع على منعه، وهو الاجتهاد في مقابل النص، كما إذا كان النص صريحاً في المعنى أو ظاهراً فيه دون أية قرينة تصرفه عن ظاهره، أو دالاً عليه من دون أن يكون في داخله أو خارجه ما يوحي بالمعنى الذي يريد المجتهد أن يتبناه أو يخضع النص له؛ في هذه الحالة، يتحول الاجتهاد إلى معارضة صريحة للنص أو إلى تكذيب لله ورسوله من خلال طبيعة المقارنة بين معنى النص وخط الاجتهاد.
وليس من الاجتهاد في مقابل النص في شيء، المنهج الذي يحاول فيه المجتهد أن يستنطق النص بطريقة تختلف عن الطريقة التي فهمها المجتهدون الأقدمون مما استوضحوه من النص واعتبروا دلالته على اجتهادهم أمراً حاسماً لا يقبل المناقشة، فإن من حق المجتهد المتأخر أن يفهم الآية أو الحديث بوعيٍ جديد لمفرداتهما وأسلوبهما وسياقهما وأجوائهما، ليكتشف المعنى الجديد الذي لن تكون جدّته في أصل إبداعه، بل في اكتشافه بلحاظ العناصر الجديدة للاكتشاف.
ولذلك، فإن على الذين يتهمون بعض الاجتهادات بمخالفتها للنص الواضح، أن يعيدوا النظر في فهمهم للنص، فلعلهم يكتشفون بذلك أن أصحاب هذا الاجتهاد قد اكتشفوا جديداً في عناصر الدلالة مما لم يكتشفه المعترضون عليه، ولا سيما إذا كانت المسألة متصلة بالعقيدة، فقد يؤدي الفهم الخاطئ للاجتهاد والغفلة الفكرية عن الخط المنهجي الذي يحكم ذهنية الباحث أو المجتهد، إلى الحكم بتكفير المسلم أو ارتداده من دون تدقيق في عناصر الإيمان والكفر في واقع المؤمنين والكافرين.
إطلاق الاجتهاد في ميادين اللغة والثقافة:
وأخيراً، فإننا لا نمانع من تطور علوم اللغة في دلالاتها الثقافية، لأن الذين اجتهدوا في وضع خطوطها وقواعدها لم يكونوا معصومين، ولكن المسألة التي تفرض نفسها على كل العاملين في استنطاق اللغة، أن يركزوا القاعدة اللغوية التي تصلح أن تكون حكماً بين المتكلم والمخاطب، بحيث يقفان عندها ويرجعان إليها، ومع ملاحظة ضرورة التفريق بين الخطاب في مدلوله الذاتي لما يقصده المتكلم في حجم ثقافته وتصوراته، وبين الكلام في مدلوله اللغوي من حيث ما تؤديه الكلمة، مما قد يخرج عن وعي المتكلم له، ومما قد تختلف فيه شخصية الكلام وشخصية المتكلم من الناحية الثقافية من حيث الكم والنوع.
وفي ضوء ذلك، لا يجب أن تتحرك القضية في دائرة التكفير وعدمه لكل من خاض غمار مناهج التأويل، بل تكون خاضعة للبحث في سلامة التأويل من حيث المنهج العلمي في فهم النص أو عدمه، على أساس مناقشة المفردات والمعطيات التي يقدمها كل فريق أمام الآخر.
وربما يقودنا الحوار الموضوعي إلى أن نكتشف أن القديم لا يختلف مع الجديد في بعض نظراته في حديث الظهور الكلامي، ولكنه لم يملك التعبير الدقيق عما يريده أو يؤكده في نظريته في فهم اللغة.
إننا نعود إلى إعادة النظر في ما استهلكناه من علوم ونظريات تركها لنا التراث الاجتهادي في الواقع الثقافي الديني والاجتماعي والسياسي والتربوي، مما اجتهد فيه المجتهدون الذين هم عرضة للخطأ وللصواب، فلعلنا نكتشف الخطأ في ما ذهبوا إليه، ونتعرف على الخلل في ما اعتمدوه من حجج وبراهين، حتى لا تكون حركتنا العلمية الثقافية حركة تقليد واستسلام للماضي الذي قد يكسبه مرور الزمن قداسةً لا يملكها.
إننا ندعو إلى ذلك لا من موقع العقدة في التجديد، بل من موقع الرغبة في أن تكون لنا أصالتنا الثقافية في الحاضر، بالإضافة إلى العناصر الأصلية في الثقافة في التاريخ، فذلك هو السبيل لتأصيل الفكر الإنساني في حركة النمو والتقدم، ولا سيما الفكر الإسلامي الذي هو خط الخلاص في الدنيا والآخرة.

اشعة الشمس
12-31-2007, 06:12 PM
بنت موت


قالت بينظير بوتو

ـ لقد وضعت حياتي في خطر حين جئت إلي هنا‏,‏ هكذا أنهت بوتو خطبتها في مدينة روالبندي‏.‏

هل كان شأنها شأن أصحاب القلوب الشفافة‏,‏ وكانت قادرة علي رؤية النهاية‏..‏ نهايتها هي‏.‏

إن اسم بينظير بوتو عبارة معناها السيدة التي ليس لها نظير‏,‏ وقد كانت كذلك‏.‏

ولدت سنة‏1953,‏ ودرست في إكسفورد‏,‏ وعاشت في بيت في أحضان أب يشتغل بالسياسة ويعرف معني الحرية وهو ذو الفقار علي بوتو‏.‏

كان الأب رئيسا لحزب الشعب‏,‏ ومات الأب شهيدا وورثت ابنته رئاسة الحزب وأوصلها ذكاؤها وقدرتها علي القيادة إلي رئاسة الوزارة مرتين‏,‏ وكانت هي المرأة الوحيدة في العالم الإسلامي والعربي التي تصل لهذا المنصب الرفيع‏.‏

وفي الأوساط الشعبية في مصر يقول العامة لمن اكتملت أوصافه إنه ابن موت‏,‏ بمعني أنه ليس مخلوقا لهذه الدنيا الهابطة التي نعيشها‏,‏ إنما هو مخلوق لعالم آخر‏,‏ وقد كانت بينظير بوتو من مخلوقات هذا العالم الآخر‏.‏

وقد اختار القتلة الذين نسفوا سيارتها وقتا يؤكد أنهم من عتاة المجرمين فقد انتهزوا فرصة الفوضي التي تنجم عادة بعد خطب الساسة وضربوا ضربتهم الموجعة‏.‏

وهكذا رحلت امرأة ليس لها نظير‏..‏ امرأة كانت تطالب الجنرالات بالعودة إلي ثكناتهم وترك السياسة للسياسيين‏,‏ كما كانت تطالب باحترام الدستور وعدم اعتباره مطية يركبها الحاكم‏,‏ كما كانت تعارض امتلاك الأحزاب ميليشيات مسلحة‏,‏ كما كانت تطالب بإسقاط الدويلات القائمة في الأقاليم‏,‏ كما طالبت بإغلاق مصانع التطرف بالمدارس الدينية‏,‏ ودعت إلي نشر قيم الاعتدال والتقدم‏,‏ وكانت هذه الأفكار النبيلة هي التي قتلت صاحبتها أخيرا‏.‏

منقول

جريدة الاهرام المصرية 0 احمد بهجت