المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : واسمه المستحيل



محسن يونس
01-01-2007, 02:37 PM
الصديق المبدع : محمود الديدامونى
مرحبا بك روائيا
وكل عيد وأنت بخير وكتابة رائعة على الدوام ..
قرأت الدراسة ، وقد تعرفت على بنيتها وموضوعها ، وهى دراسة حقا وافية ، ولكن .. ولكن الدراسة لا تغنى عن قراءة الرواية ..
أرجو منك إرسالها على إميلى أرجوك ..
تقبل تقديرى واحترامى لشخصكم العزيز

محمود الديدامونى
01-01-2007, 03:09 PM
ِِ





البنية الدالة

فى رواية

" واسمه المستحيل "

دراسة دكتور/ ابراهيم عبدالعزيز زيد
ديرب نجم
فبراير سنة 2005م





اهداء
الى مجدى جعفر
فارسآ نبيلا فى ميدان الادب
ابراهيم





البنية الدالة فى رواية " واسمه المستحيل "

تعد رواية واسمه المستحيل التجربة الروائية الأولى للقاص محمود الديدامونى بعد مجموعتين قصصيتين هما " أترانى أحيا حقا " و " ليست كغيرها " وديوان شعرى هو " الشمس تشهد والقمر " وقد تخصص الكاتب فى دراسته الجامعية فى " العلوم الاجتماعية " وقد افاد منها فى بناء روايته .
ويسعى الباحث فى هذه الدراسة الى الكشف عن البنية الدالة فى هذه الرواية وهو ما يتطلب الكشف عن البنية الجمالية فى النص والمتمثلة فى اليات البناء السردى ووضعها فى النسق المعرفى الذى تمثله الرواية .
تدور أحداث الروايه حول الراوى / البطل عسران الذى يعانى حالة من حالات الكبت الشديد بدأ حياته فى القرية وسط عائلته الكبيرة التى تضم مع الأبوين العم كبير العائلة وأبناء عمومته وزوج عمه سيئة السلوك مسموعة الكلمة ومع شعوره بانعدام المعايير فى قريته يقرر اللاعوده عندما تتاح له الفرصة للالتحاق بجامعة المدينة ويتزوج فى المدينة من سيدة متسلطة " ايمان " تحاصره فى كل حركاته وسكناته وتعهد لها زوج الشيخ نعمان امام المسجد بخلافتها فى أعمال الرجل وتتسع شهرة ايمان ويشعر البطل بالخوف على ابنه " ضياء " من هذه الأم ويقرر التخلى عن حالة الاستسلام ويقاوم زوجته على مستوى اللاشعور .
يمثل العنوان عتبة النص كما يقول النقاد واذا نظرنا الى عنوان الرواية " واسمه المستحيل " نجده يتألف من جملة اسمية مسبوقة
بحرف الواو وقد تكرر هذا التركيب ثلاث مرات فى النص الروائى على هذا النحو وفق زمن المتن الحكائى وليس المبنى الحكائى :
- أصبحت الحياة مستحيلة.. مستحيلة ص35
- الحياة أصبحت مستحيلة.. مستحيلة ص47
- الحياة أصبحت مستحيلة ص1

أى أن الحياة أصبحت مستحيلة فأصبحت مستحيلة مستحيلة ، ثم استأنفت الحياة دورتها فخفف الوطء ، وأصبحت مستحيلة " دون توكيد لفظى " وهو ما يكشف عن ما هية الواو التى تصدرت العنوان ، فهى – اذن – واو استئنافية تماما كما أن الحياة دورتها وهو ما يطرح تساؤلا :
ما الذى جعل الحياة مستحيلة : وما حقيقة الوهن الراكض فى شرايين المدينة الذى يخمش بأظفاره المدينة " جسد الحياة " ويجعل الشباب و الأطفال المتشردين لا يتوقفون فى ترديد عباراتهم التى تنهش وقار الحياة .
يتمثل هذا الشيىء كما يتضح من النص الروائى – فى صعود كفة ميزان وفى هبوط كفة أخرى ومحاولة طمس هويتها وهو ما أدى الى إنعدام المعايير فــ " قد تغيرت المعايير ، اصبح كل شيىء يداس .. يداس تماما كما كفة الميزان التى لم يستطع أحد إلتقاطها بعدما سقطت .. الكل فقط قادر على دهسها ياااه ... الحياة أصبحت مستحيلة " ص47 .

يلجا الكاتب الى توظيف تقنية الراوى بضمير المتكلم / البطل عبر امتداد فصول روايته باستثناء هذه الفترة التى تنقسم فيها الذات مع نفسها ، حيث تتحول الذات هنا الى اخر .
- بالمفهوم اللاكانى – فالآخر هنا ليس ذاتا بل مكانا وموقعا ، وفى الوقت نفسه له موقع فى بنية الذات . ( 1 )
واذا كانت الذات الراوية قد فقدت التواصل مع الاخرين نتيجه لفقدان كفة الميزان فقد استطاع الراوى / البطل أن يقيم تواصلا مع الراوى عليه غير الشخص داخل النص والذى يمكن تعينه عن طريق كاف المخاطبه أو أساليب الاستفهام مثل قوله :
- ألم اقل لكم بان الخوف قد تسرب أثناء الحقن الى عروقى ص8
- سيسالنى احدكم لماذا ابحث فى صمت .. الم اقل لكم ص8
- بينى وبينكم كنت اتصنع الغضب ص13
- لترون معى براعتها .. هل تعلمون شيأ عن زوجتى ص14،15
- الست شجاعا ؟ ص49
- لو رأيتموها فى الشارع لادركتم ذلك ص53

يحقق الراوى / البطل من خلال هذه النماذج وظيفة أخلاقيه / إيديولوجيه تجعل المروى عليه يتبنى قيمه / أفكاره / معتقداته ، كما فى هذا النموذج
" متى تضىء المصابيح ؟ لترون معى براعتها فى الاختلاط بمفردات الشارع وعباراته التى تستمد قوتها من " الكمننه " انها الوحيده فى هذا البيت التى تستطيع ذلك " من ثم يكتسب تعاطف المروى عليه الذى يقوم بدوره بوظيفة أخرى هى وظيفة التوسط بين الراوى / البطل وجمهور القراء خارج النص
وهو ما يطرح تساؤلا :
- ما حقيقة القيم / الافكار / المعتقدات التى شكلت الذات الراوية / البطل ؟
- وما معوقات وجودها فى مسار السرد الروائى ؟
يمكن تلمس ملامح هذه القيم من خلال مجموعة من الاقوال جاءت على لسان الراوى / البطل .
" قد كنت طفلا وأنا أخاف من أبى وصوته الزاجر " ص8
" علمت مقدار حبه لى ( الأب ) يحتوينى بعباءته السوداء خوفا على من البرد ، ونحن نسرع الخطى إلى المسجد وقت الفجر.. علمنى الصلاه " ص10
" أصبحت أذهب مع أولاد عمى الأاسن منى الى الحقل اعمل معهم الهو والعب وامرح " ص10
" دائما ما كان يضربنى عمى .. دائما ما كنت الجأ الى أبى ودائما ما كان يربت على كتفى ويمسح على رأسى ، ثم ما يلبس أن يحتضنى أشعر لبعض الوقت بالأمان وإنما بين ذراعيه .. بينما تأخذنى أمى للسرير ، أصحو ، تبتسم قائلة أبوك وضربك .. تدس يدها فى صدرها مخرجة ريالا فضه .. كنت أصر على الخطأ أمام عمى ليضربنى .. حتى تتم مصالحتى بريال "
" أناالوحيد من بين كل هؤلاء الأولاد الذى يستطيع أن يرتمى فى حضنها ( الأم ) واتوسد فخذها للنوم "
" اختفيت أنا والأولاد عن عينيها خوفا منها .. دفعنى أحدهم للتلصص عليها .. سمعت هسهسات مكتومة وتأوهات محمومة تغزو اذنى .. وضعت عينى .. رأيت "

من خلال هذه المرويات يمكن القول بأن قيم الراوى / البطل ارتبطت بمجموعه من الدوال :
أولآ – صورة المجتمع الأبوى ، أى تنعم فيه الاسرة برعاية من كبير العائلة ، وهو هنا العم مع ملاحظة تداخل صورة الأب بالعم " أبوك وضربك "
ثانيآ – دال العمل ، ومجال العمل هنا الحقل
ثالثآ – دال القيادة، فهو يقود الأولاد لاستكشاف حقيقة زوج العم العاهرة
رابعآ – دال الحيلة / القدرة على الإبتكار ، فهو يعرف متى يحصل على النقود مع ملاحظة ارتباط هذا الدال بامتلاك جسد الام .
خامسآ – دال الصلاة ، والصلاة هنا رمز الاستواء / اعتدال الصفوف / الموازين .

وقد تعرضت هذه الدوال جميعها – فى السرد الروائى – الى التقويض / الاستلاب فمن الذى يقوم بعملية الاستلاب ؟
وما مقدار مقاومة الراوى / البطل ؟
تم تقويض الدال الاول ، ولم يعد ينعم الراوى / البطل بالعيش فى ظل هذا المجتمع الابوى؟
فقد تم اقصاؤه لما قام به من " خرق لبنية الاسرة ، والمتمثل فى فضح أفعال زوج العم ، ومن ثم وصف بــــ " الملعون " وتم إقصاؤه من ( القرية / مركز العائلة ) إلى المدينة .
وقد فشلت كل محاولات التقاء " القرية – المدينة " أو " المدينة – القرية " فى المسار الأول يمكن التمثيل بمشهورين ، الأول فى الزيارةالتى قام بها الاهل له ، ومحاولة اقناعهم بجمال المدينة فى مقابل تخلف القرية وتكون النتيجة أنهم
" يتحججون بأى شيىء يدفعهم للعودة .. بينى وبينكم كنت أتصنع الغضب وأقول فى نفسى بركه يا جامع والدال الخامس الصلاة على سبيل التناص.
أما المشهد الثانى فيتمثل فى زيارة الأ ب الى الابن للأستشفاء ، يقول الراوى " بينما انا فى قمة فرحى بقدوم والدى .. كانت زوجتى تعد العده ،..صرخت زوجتى فى وجه أبى : المستشفى اولى بك .
بخلق والدى فى .. قاومتها ..ان شاء الله بكره
هز والدى رأسه اسفآ ومشى خارجا .. التفت اليها محاولا اخراج صرخه فى وجهها .. خرجت متمالكه وكأنها تستعطف لا تتأثر "
ويلاحظ هنا تلازم تقويض النظام الابوى مع امتداد المد النسور" زوج العم / الزوجه " وينتهى الامر بالقضاء على صورة الاب من خلال الموت ، وقبل ذلك التشكيك فى نسبه الى أبيه ونسب أبناء عمومته إلى عمه وهو فى ذاته تشكيك فى هيمنة الخطاب الذكورى .
اما المسار الثانى " المدينة / القرية " فقد اتجه البطل لحضور مراسم العزاء فى والده ، وتم تأكيد المد النسوى من خلال رفض الزوجه قرار البطل بأخذ تاكسى مخصوص حتى يمكن تسهيل التقاء القرية والمدينة ، والمرة الثانية عندما أصرت على اصطحابه معها بعد مرور ثلاثة ايام وأزعن هو للامر .

اما الدال الثانى دال العمل فقد تم تغييبه تماما ، بل إن الراوى / البطل نفسه تم تغييبه حتى إننا لم نعرف اسمه الا بعد ثلاثة وستين صفحه من الرواية ، وهو اسم لا يخلو من دلالة " عسران " بحيث يمكن القول بأننا أمام نموذج إنسانى وليس امام شخصية واحدة فى الرواية محددة الملامح
ووفقا للمد النسوى السابق ظهرت الصوره العكسيه لدال العمل من خلال هذا المشهد .
" أتعجل اللحظه التى تضىء فيها المصابيح لاراها وهى خارجه من البيت تاركه البيت لى ولوالدى نتنفس سويآ فى هدوء ..
وامام انقلاب الموازين تولى هو اعمال البيت وشراء الخضروات والتسوق ، بينما كانت الزوجه تخرج تتبعها والدتها لتمارس شعائر الرجل فى الخارج الى ان مارست هذا العمل داخل البيت .

اما الدال الثالث القيادة، فقد استطاع البطل ان يحققه بعض الوقت فى مراسم تشييع جنازة الاب ، حيث يقف اهالى القريه واعمامه فى انتظار أمره بالخروج الى المدافن ؟!
ما ان وصلنا الى المدافن حتى اصطف أعمامى لأخذ العزاء بينما لم يعرنى أيآ من المشيعين اهتماما " ص51
ويكشف هذا النص عن سقوط النظام الابوى بوفاة الاب ، فلم يعد للعم هنا الدور نفسه الذى كان يمارسه قبل ذلك ، من ثم فان هذه القياده ذائفه سرعان ما انتهت بتجاهل المشيعين له .
وهو ما مهد لانتقال القيادة الى المد النسوى حيث تمتلك الزوجةالقدرةعلى السيطرةعلى مفردات الشارع وعباراته والسيطرة على البيت أيضا .

أما الدال الرابع الحيلة / القدرةعلى الابتكار ، فقد ارتبط فى صورته المرأويه بجسد الام .. كما سبق القول .. والسيطرةعليه دون باقى الأولاد وقد فشل ثم تقويض هذا الدال من خلال علاقة تبادلية سيطرت فيها الزوجة على " جسد الرجل / الفحولة" فالمرأة / الزوجة هنا هى التى تغزو كل مرة– جسد الرجل وبصورة استعلائية
" حينما اراها كذلك .. ألتف حول نفسى .. وأدس جسدى كله تحت الغطاء ، واحاول تهدئة أنفاسى المضطربة .. واقول لنفسى .. لا يمكن محاصرتى .. لا يمكنها الإجهازعلى" ص16
وفى الوقت الذى تفشل حيله فى مقاومة هذا الغزو ، تتفنن هى فى الحيل من أجل غزوات أخرى " وبين أستار الليل كعادتها .. تجذبنى بعيدا عن أعينهم .. تحكم حول جسدى قبضتها .. أمضغ آلامى بينما كانت تبحث فى ربوع عقلها عن حيلة لغزوى مرة أخرى " ص31
وثمة ما يلفت الإنتباه بين فكرة الغزو الجسدى وعلاقته بغزو أذنه وهو يسمع الهسهسات المكتومة والتأوهات المحمومة فى مشهد خيانة زوج العم ، وهو ما يمكن ان نفسر به رغبته الدائمة فى تحرير الجسد ، فالصورة السابقة ساهمت فى القضاء على السيطرة الذكورية / العم والتشكيل فى المد الذكورى من خلال تشكيكه فى النسب ، ونجاح الزوجة فى الاستعلاء الجسدى هو مد نسوى آخر يهدد فحولته ، من ثم كانت رفضه لفكرة الذوبان الكلى / التلاشى ................
وثمة ما يلفت الانتباه ثانيا بين النبش فى الجسد هنا والذى يتم عن طريق الغزو ، والنبش فى جسد الحياة باظافر مدببة تعتصر الحياة .
وأمام هذا المد النسوى لم يكن من مقاومة الا على مستوى الوصف فقد سلبها الراوى من ( علامة الانوثة / الهيمنة ) واكتفى بوصف الشعر المسترسل والذى يقوم بدوره بتغطية مساحات من العرى الانثوى .
ويكتشف الراوى / البطل ان ما يسميه غزوا هو ذاته ( اللذة الذكورية / الفحولة) التى يمكن من خلالها إعادة الهيمنة ، لذلك عندما يتم وقف الغزوات بناء على إتفاق مبرم بين الطرفين ، سرعان ما يحاول هو فسخ هذا الاتفاق وتقديم منظور جديد لهذه العلاقة يمكن تصويره من خلال هذا المشهد .
" تتجل أمام عينى كملكة متوجة .. تقترب .. تدنو منى .. أسكن رأسسى على نهدىها الكبيرين بعدما دنوت اليها .. تمرر يديها بحنان شديد قائله : ليس الان " ص56
فى محاولته هذه لتحقيق اللذه الزكوريه تظهر صفات الانثى ملكه متوجه ، وعلامات بارزه النهدين الكبيرين ، ويدين ليست لهما اظافر مدببه تنبش الجسد ، لكن سرعان ما تكتشف المراه اللعبه ، وتقوض محاوله الهيمنه الزكوريه .

اما الدال الخامس والأخير " الصلاه " رمز الإستواء ، فقد كان عسران يسرع الخطى الى المسجد وقت الفجر مع أبيه ، وسرعة الخطر ترتبط بالرؤيه الواضحة / إنكشاف الضباب ، وهو ما تم تقويضة ، حيث تنحجب الرؤيه ويخطو إلى المسجد .
" لا زالت المصابيح تسارع الضباب ، فتكاد تنحجب الرؤيه .. أخطو الى المسجد .. الناس متراصون والإمام هناك نقطة بيضاء الضوء يتلاشى من حول الأمام شيئآ فشيئآ .. أصر على أخذ مكان بأحد الصفوف ، بصعوبة يحدث يلتفت الإمام الى الوراء ( استقيموا يرحمكم الله ) يهذ المصليين رؤوسهم ويتصارعون فى الوقوف .. الصفوف لا تزال ملتوية بالرغم من قول الامام "
ويكشف النص عن ارتباط دال الصلاة ( الإستواء ) بالشيخ نعمان إمام المسجد وأول ما يلاحظ دلالة الأسم ( الإمام نعمان ) وهو ما يحيل تراثيا على الامام ابى حنيفة النعمان فى الفقه الاسلامى ، لكن صورة الامام ابى حنيفه ترتبط .. فى الصوره الذهنيه للمجتمع بالزواج ، فعلى أسس من مذهبه يتم تأسيس العلاقه الزوجية بين الرجل والمرأه وتحديد العلاقه الترابتيه " مفهوم القوامة " بينهما ؟ إذن فالشيخ هنا دال على مجموعه من القيم التى يؤمن بها المجتمع وتلاشى الضوء من حوله يعنى تقويضا لهذه القيم ، ووسمه بالنقطه البيضاء فى ظلمات يعنى أنه الهدف الذى ينشده البطل لإستعادة دال الاستواء رغم نا الصفوف ما زالت ملتويه .
وعلى هذا الأساس أقام الراوى / البطل تواصلا مع الشيخ ، لكن هذا التواصل لم يحقق نجاحا مذكورا بعدما تعرض بيت الشيخ للتقويض ، فقد أعلت زوجته سعاد راية الخرافه / الرجل ، ولإن ( سعاد وايمان ) هما وجهان لعمله واحده سرعان ما استشرى الداء عند عسران ، وتم القضاء على الشيخ ، فبموته ماتت محاولات إستواء الصفوف .
" ولم أعد احاول الخروج من المنزل حتى الى الصلاه لم اعج اترك الاذان يغزو اذنى " ص28
وباستلاب هذه القيمه ظهرت النتورات الشديده ، ويمكن تمثيلها هنا بمشهدين داليين الاول مشهد وفاة الشيخه سعاد
" يتحرك النعش نتحرك معه .. اتجنب النتورات التى تملا الشارع "
والثانى مشهد الناس الذين يلتمسون الشفاء من الشيخه ايمان
" ترى اصحاب الياقات الجديده يعبرون عبر نتورات الطريق المتسخ فيزاحمون هذه الاجساد العفنه آمليين فى أن يجدوا عند زوجتى العلاج "

ومع النتور الأول يقارن الراوى / البطل بين مشهد سعاد الكبير جدا ، ومشهد كبير القريه الذى كان موضع فخر أبيه ، فى صوره داله على هيمنة المد النسوى فى مقابل تقليص السلطه الذكوريه التى هيمنت لفترات طويله وصارت موضع فخر الأباء ، ومع النتور الثانى تتضح بصوره أكثر سلطة ( الخرافة / إيمان ) بما تمتلكه من حشود تؤمن بمعتقداتها وأفكارها ، وهو ما يفسر دلالة أسمها إيمان ، فى مقابل إقصاء الأافكار الأخرى التى نشكك فى قيمة هذه المعتقدات والمتمثله هنا فى طرد الزوج بعد محاولة " خرقه " للمره الثانيه لقيم أصبحت ثابته وهو ما يعنى عسرا جديدا يضاف الى سابقه عندما طرد من القريه .
وجاء ثبات هذه القيم نتيجه للسيطره على رمز المستقبل ( الإبن / ضياء ) وهو ما يعنى حجب الرؤيه / الضياء ، والقضاء على أمله فى مقاومة الحياه .
" البسمه الوحيده " ضياء " تجعلنى مرتبطا جدا بالمكان الذى أحكمت العناكب فيه نسجها ، أقمت سورا حول جمجمتى كى يحجز عنها الاخر .. أحكم حصاره " ص30
لكن سرعان ما يتداعى هذا السور الوهمى أمام المد النسوى ، كما تداعى بعد ذلك " الخط الوهمى بين الفاصل بين النساء والرجال " ص46
وهو ما ولد صور الخوف لدى الذات الراويه وتكررت فى تواترت سرديه لافته دارت ما بين الإحساس بالخوف وإعلان تسلل الخوف ثن التملك .

وتأسيسا على ما سبق يمكن القول أن رحلة الذات الراويه دارت فى اطار بنية الإستلاب والمقاومه ، لكن هذه المقاومه لم تستعد شيئآ من قيم الراوى / البطل ، فكان مصير هذه الذات التشظى بعدما فقدت الاحساس بــــ ( المكان / الضياء ) من ثم تحولت هذه الذات الراويه الى آخر .
فما حقيقة هذا الاخر ؟

لقد إتجه هذا الأخر السارد .. والمتنقل بين ضميرى المتكلم والغائب .. الى المسرح اخر غير مسرح الحياه المستحيله / المكان الذى فقدت فيه الذات الراويه ( الضياء / القيم والمعتقدات ) وكان طبيعيا ان يتجه الى نقيض الحياه الموت بوصفه المكان المقترن بفكره ( البعث ) .
من ثم إتجه الى بعث قيم الموتى ضد طغاة الحياه .
إتجه الأخر الى النقطه البيضاء / رمز القيم المدفونه فى اللاشعور ، أى الى " الهامش الذى يستبعده الركز ، الى الماضى الذى يقصيه الحاضر ، لانه جوهرى بالنسبه لكينونة الخطاب الذى يستبعده " ( 2 )
ومثل هذا الإستدعاء أولى مراحل وعمى الأخر بذاته ، أعنى الموقع الذى يحتله الاخر هنا فى بنية الذات ، والمتمثل هنا فى ترحيب الشيخ باسمه عسران اى انه مثل بنية حضور فى السرد بعدما كان بنية غياب فى مرحلة الذات الراويه .
" أهلا بالوافد الجديد .. أهلا بك ياعسران .. أنا عسران نعم أنا هو " ص64
ومن خلال هذا الحضور ، عاد عسران يصلى فى صفوف مستقيمه ، ومنحه الشيخ القياده .
وفى إطار سعى الأخر السارد بتثبيت موقعه فى بنية الذات جعل من نفسه الخط الواصل بين الأموات والأحياء ص68 ، لكن الأحياء ( إيمان / الهيمنه النسوية ) تمتلك سلطه تؤمن بقيمهن ومعتقداتهم ، فهى التى تمنيهم بالشفاء ؟ من هنا اتجه الاخر الى تكوين سلطة تمكن من مواجهة سلطة ايمان ، واستطاع الاخر السارد ان يحقق هذه السلطه من خلال يمكن الموتى من تحقيق أحلامهم التى لم يستطيعوا تحقيقها فى دنياهم ، هكذا تم زفاف ( غاده وحموده ) واقيم حفل ( عامر وفاديه ) وعاد سمير إلى حضن جدته .

مكنت هذه ( السلطه / جحافل الموتى ) الأخر السارد من النصر على ( إيمان / الهيمنه النسويه ) وتم ذلك من خلال تحرير ( الجسد / الفحوله ) من قبضتها فما عادت تحاصره
" تداعب يدها قميص النوم الذى طالما اوقعت عسران به فى احضانها .. تتموج أمام عينيها السعاده .. وتذوب لبرهه .. وتدس نفسها تحت الغطاء تمضغ آلامها " ص81
أما المرحله الثانيه من النصر فتمثلت فى سلبها من ( السلطة / الإيمان بمعتقداتها ) وإنضمام هذه السلطه إلى جحافل الموتى .
أما وسائل الأخر السارد فى تحقيق هذا الانتصار فتمثل فى اعلانه لمفهوم القياده عنده بانه يقوم على اشاعة السلام والحب والعداله ، لكن هذا النصر جاء مصحوبا بــ ( الفوضى / التخريب / الدماء ) وهى ذاتها الاشياء التى استخدمتها الهيمنه النسويه فى هدم بنية الذات / النظام الابوى ، أى ان الأخر لم يحقق مفهوم الإستواء ( تعادل كفتى الميزان ) لكنه كان يبحث عن إعتلاء كفه ( السلطه الزكورية ) فى مقابل لحمس هوية الأخرى ( الهيمنه النسوية ) .

مما سبق يتضح الدور الذى قام به الأخر السارد لإعادة تشكيل بنية الذات من جديد ، فعادت الذات الراويه تعلن عن مقاومة ما تبقى من الليل ، وترفض الاستسلام
وبقى ان نطرح هذا التساؤل :
هل يريد الكاتب مجتمعا ذكوريا ذا بنيه بطركيه ؟
وهل هو مجتمع تقليدى ام مستحدث يسمح بقبول الاخر ؟
إن طرح هذا التساؤل يجعلنا نشير – فى ضوء ما سبق – إلى ان الراويه تمثل امتدادا للروايات ذات الخطاب – ما بعد الحدائى ؟ اى التى تستشرف المستقبل من خلال تشظى الذات ( 3 ) ، فقد ظلت البنيه البطركيه / النظام الأبوى هى المهيمنه لفترات طويله فى تاريخ الشعوب ، ثم جاء دعاة ما بعد البنيويه يطالبون بتقويض هذه الهيمنه ، وهو ما برز فى الدراسات العربيه فى اتجاهين ( 4 )
الأول خطاب النقد النسوى الذى دعى الى القضاء على فكرة الحريم السياسى او التخلص من قفص الحريم على نحو ما ظهر فى كتابات فاطمه المرتيسى ونوال السعدوى وغيرهما .
والثانى الاتجاه السياسى الايديولوجى الذى ربط بين تخلف المجتمعات العربيه والنظام الابوى كما يتضح فى كتابات هشام شرابى " البنيه البطركيه – النظام الأبوى واشكالية التخلف فى المجتمع العربى " وقد دعا ادونيس الى اقتناء الكتب الاخير – بعبارات تناصيه مع المفكر الالمنى لتنبرج – ان كنت لا تملك الا بنطلين فبع واحدا منهما لكى تقتنى هذا الكتاب .
ولا يعنينا فى هذا العرض – أن تكون الروايه " مع او ضد " لكننا نبحث عن موقف فكرى أتخذه الكاتب ووظفه عبر تقنيات جماليه فى النص . وتبدو النهايه التى جاءت بها الروايه – فى تقديرى – محققه لحمالية النص منسقه مع باقى فصول الروايه ، غير ان هذه النهايه لم تسمح لنا برؤيه فكريه واضحه لدى الكاتب ، وقد يظن ظان ان هذا التعتيم مقصور لترك مساحة للقارىء ان يتبنى موقف الراوى / البطل ، او ان يتبنى موقف الشيخ نعمان فى رفضه لإستعادة الراوى / البطل قيمه ومعتقداته عن طريق طمس الاخر كلية .
ويبدو أن هذا الإلتباس – فى تقديرى ناتج عن فجوه ما فى النص الروائى ، بدت مع شروحات الراوى غير المبرره فنيا خاصه عندما يسرد " الاخر " واذا كانت هذه الشروحات / التورات السرديه الكثيره حققت وظيفه مع " الذات الراويه لبطل مكبوت الا ان وجودها بهذه الكثافه عند " الاخر السارد " يعنى ان الكاتب تنازل – راضيا – عن الدرس الذى علمه ابو تمام للمبدعين كافه الإ من ابى ، اعنى اجابته عن سؤال صاحبى عبدالله بن طاهر : ( 5 )
" قا لا له : لم لا تقول ما يفهم
فقال لهما : لم لا تفهمان ما يقال "

وفى ظل هذا التنازل لصالح القارىء على حساب العالم الروائى ( بما فيه من تحولات فكرية ) لم يكن مستغربا ان يكتشف الباحث او المتابع لانتاج محمود الديدامونى أن الفصل الاخيره هو ذاته قصه قصيره – مضافا اليها بعض العبادات – نشرت تحت عنوان " ليتك " فى مجموعه " اترانى أحيا حقا " واعاد نشرها فى مجموعة " ليست كغيرها "
ومع ذلك فان نصا روائيا بمثل هذه التقنيات السرديه اللافتة ، ويطرح مثل هذه التساؤلات لجدير بان يحتفى به النقاد ، ويعاودو النظر فيه مرات ومرات .
د / ابراهيم عبدالعزيز زيد
5 / 2 / 2006
هوامش الدراسه
( 1 ) أنظر : كاترين كايمان ، جاك لا كان ، ترجمة محمد سبيلا ، مجلة فكر ونقد ، ع6
( 2 ) ميجان الرويلى وسعاد البازعى ، دليل الناقد الادبى ، ص22
المركز الثقافى العربى ، بيروت ، ط3 ، 2002م
( 3 ) محسن جاسم الموسور ، انقراط العقد المقدس منعطفات الروايه العربيه بعد محفوظ
الهيئه العامه للكتاب ، 1999م . ص79 وما بعدها
( 4 ) أنظر : ميجان الرويلى ، دليل الناقد الادبى ، ص62، 67
وكذلك : ماجد مصطفى ، عرض كتاب النقد الحضارى لهشام شرابى ، ص241 ، فصول مجلة النقد الادبى ، ع63 ، شتاء وبيع 2004م
( 5 ) الآمدى ، الموازنه بين شعر ابى تمام والبحترى ، 1 / 21 ، تحقيق السيد صقر ، دار المعارف ، مصر .

♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥

أسرة الياسمين
01-01-2007, 08:16 PM
سامحك الله يا أستاذ محسن
تشتري الفضل لنفسك فقط

طيب لم لا يهديها لأسرة الياسمين هنا ..
فيعم الفرح عالمنا الياسميني هذا .. 1

دمتم رائعين

محسن يونس
01-02-2007, 03:15 PM
أسرة الياسمين
بارك الله فيكم ، وأعطاكم المزيد من الحكمة وحيوية الأفكار ، والقدرة على إدارة هذا الصرح العظيم ..
سامحكم الله أنتم أيضا فلماذا لم تطلبوا من الصديق الدايدمونى قبل أن أطلب أنا ؟!
عموما أتمنى أن يلبى طلبكم فهذا يسعدنى فعلا ..

الزهراء
01-02-2007, 04:57 PM
نعمُ نودُّ رؤية هذا الإبداع المتجليّ بدربنا هُنا..!
ولعلّ لطلبنا استجابة وصدى عند أهل الجمال من أمثالكم..
دمت بخير

محمود الديدامونى
01-05-2007, 03:57 PM
الصديق المبدع : محمود الديدامونى
مرحبا بك روائيا
وكل عيد وأنت بخير وكتابة رائعة على الدوام ..
قرأت الدراسة ، وقد تعرفت على بنيتها وموضوعها ، وهى دراسة حقا وافية ، ولكن .. ولكن الدراسة لا تغنى عن قراءة الرواية ..
أرجو منك إرسالها على إميلى أرجوك ..
تقبل تقديرى واحترامى لشخصكم العزيز
المبدع الكبير الأستاذ / محسن يونس
شرف لى ان اجدكم
وشرف أكبر ان اراسلكم
دمت مبدعا راقيا

محمود الديدامونى
01-05-2007, 04:03 PM
- 1 -
الحياة أصبحت مستحيلة ، الوجوه الواجمة تتزايد مهيمنة على ملامح المدينة والأيدى الباطشة تثير فى النفوس الفوضى وتغرس الخوف فترى الشوارع مزدحمة بالوجوه المحدقة فى اللاشئ ، وعلى الشفاه تموت التساؤلات ، لم يعد ثمة ما يجذب الانتباه ، فألف الجميع الحياة على ما هى عليه ، الحديث .. كل الحديث لا يعدو أكثر من توصيف مرير للحياة ، الأسعار الملتهبة ، الأطفال المتشردون هنا وهناك يملأون الطرق بعباراتهم المستعاره والشباب المتزاحم فى رتابة بالمقاهى والملاهى ودور العرض السينمائى .. وألسنة المذياع التى لا تتوقف عن الثرثرة حول شلالات الدماء والحروب المستعرة هنا وهناك.. والوهن الراكض فى شرايين المدينة يستفحل ويخمش بأظفاره المدببة جسد الحياة .. تلك المدينة التى شهدت أجمل أيام حياتى عندما أتيت من قريتى الصغيرة القابعة هناك فى ذيل خريطة الشرقية .. كنت منبهراً بالمدينة .. الكهرباء ، الأسفلت ، مياه الصنابير ، وقد كانت لمبة الجاز تهيمن على مساءات القرية ، لم تكن أمى تمل من مسح زجاجتها حتى تضئ بوضوح أكثر 0
كان أبى هو الآخر يصر على تنظيف زير الماء يومياً حيث يتم ترشيح المياه .. رغم أن المدنية تسربت ببطء إلى الريف إلا أنها تجاهلت قريتنا ، فخرجت تواقاً إلى الحياة بعيداً عنها ، فالتحقت بجامعة المدينة وحللت ضيفاً عليها أمتلك لهجتى الريفية البحته ، ترتسم البسمة على شفاه الجميع .. وبالتالى نرقص للحياة كان ……… ياااه
لم يعد للمسكنات جدوى ... حلقى مرر من كثرة تناولها .. الأجزاء الداخلية من جمجمتى تمردت عليها 0
لم يعد أمامى سوى العيش بهذه المدينة بعدما فقدت كل شئ فى قريتى لا .. لا .. لا يمكننى العيش هنا .. أشعر بصداع شديد ينقر فى رأسى .. آه .. رأسى أصبحت تنتفخ .. تتصادم جدرانها ، تحدث احتكاكاً يؤدى بجسدى كله إلى حافة الهاوية .. إلى التشتت 0
الأجراس فى رأسى تدق ، ضاقت رأسى بما يعتمل فيها.. لم أعد أتناول المهدئات عن طريق الفم ، يبدو أن الحقن أيسر طريق .. الخوف من الإدمان يقتلنى .. الخوف من .. ياه .. الخوف ثانية .. ألم أقل لكم بأن الخوف قد تسرب أثناء الحقن إلى عروقى .. يتكاثر داخلى .. عشش فى جسدى كله .. حتى الأجزاء النائية لم يتركها .. هأنذا أمامكم تنتابنى نوبات هيسترية .. لكن ماحيلتى امام هذا الميزان الذى فقد أحد كفتيه .. أبحث فى صمت عن كفته المفقودة سيسألنى أحدكم .. لماذا أبحث فى صمت ؟ الإجابة معروفة وواضحة .. ألم أقل لكم عن الخلطة السرية التى تعدها الأيدى .. الأيدى تلك التى تحدثت عنها سلفاً .. وأخاف أن أكرر ذكرها خوفاً من .. آه .. عاودنى الخوف مرة ثالثة .. ورابعة .. يبدو أننى سأظل رهينة لخوفى .. منذ كنت طفلاً وأنا أخاف من أبى وصوته الزاجر دوماً .. دائماً ماكنت أتوارى بعيداً عنه .. نعم كنت أفلت بالفرار .. نعم اليوم سأتوارى عن كل العيون .. سأراقب بنفسى حركة الناس .. الأقدام .. السيارات فها هى الشوارع تجأر من دهس الأقدام ، دونما منقذ . الكفة رأيتها تقع أمام عينى تدهسها الأقدام .. تدك أركانها فى قسوة لا أستطيع الانحناء ، فالأقدام متلاصقة والأجساد متلاحمة قد تدهسنى أنا الآخر بلارحمة .. يتملكنى الخوف .. نعم .. يحكم قبضته حول ناصيتى أتحين الفرصة ، أستعين على صبرى بالحقن ، أوردتى تورمت ، جدران فصوص رأسى علتها قطع بيضاء أشبه بالملح .. تتآكل الجدران يوماً بعد يوم .. أصرخ .. تتهيج أعصابى .. إزاء كل هذه الفيضانات من الأقدام والأصوات والأجزاء الملتهبة والوجوم الذى كسا جميع الوجوه ، إزاء كل هذا .. تشتعل فصوص رأسى محدثة حريقاً غير قابل للإنطفاء
أثور بلاوعى كعادتى .. لم يخفنى أحد ، ولم يتسع الطريق ، ولم يتوقف الشباب عن عاداته أو الأطفال المتشردون عن عباراتهم المستعارة التى تنهش وقار الحياة .. وظلت هناك على الجانب الآخركفة الميزان اللاصقة فيه والمرفوعة لأعلى ، تسكب منها مادة تزيدنى اشتعالاً تآكلت ، قررت الانسحاب ، أمهلنى صوت طفلى الذى علت ضحكاته لما رآنى أشتعل هكذا .. فأنطفأت .. وعدت أضمد جدران الصبر 0
***

لماذا تنطفئ ثورتى مع أول إطلالة لوجه طفلى ؟ يبدو أننى أحبه أكثر من نفسى .
الآن فقط علمت مقدار حبه لى .. فقد كان يحتوينى بعباءته السوداء خوفاً على من البرد ونحن نسرع الخطى إلى المسجد وقت الفجر .. علمنى الصلاة كنت أذهب معه وخلفه حتى كبرت شيئاً وأصبحت أذهب مع أولاد عمى الأسن من إلى الحقل ، أعمل معهم ، ألهو وألعب وأمرح .. وعندما كانت تمتد يدى لاتلاف شيئاً تنهال الأيدى على جسدى بالضرب ..
مجرد المحاولة فى الهروب كانت مستحيلة .. لكن إلى متى سأظل ملطشتهم ؟ هكذا سألت نفسى .. دائماً ماكان يضربنى عمى ولكن هذه المرة ضربنى بشدة دائماً ماكنت ألجأ إلى أبى ودائماً ماكان يربت على كتفى ويمسح على رأسى ثم مايلبث أن يحتضننى .. أشعر لبعض الوقت بالأمان وأنام بين ذراعيه ..
بينما تأخذنى أمى للسرير أصحو ، تبتسم قائلةً أبوك وضربك أتصنع البكاء ، تدس يدها فى صدرها مخرجة كيسها ، تفك عنقه تمد يدها مخرجة ريالاً فضة تدسه فى يدى قائلة : اشترلك حاجة أنت وأولاد عمك … غمغمت .. ضحكت ثم قالت : هو لك .. الوقوف أمام الدكان وتأمل مابه يثير لعابى ..
كنت أصر على الخطأ أمام عمى ليضربنى .. حتى تتم مصالحتى بريال أروى به عطش الحرمان .. وصفنى عمى بالدلوعة .. كان يتحكم فى كل شئ حتى أبى لم يكن ليعصى له أمراً .. ولم تكن أمى إلا تابعاً لأبى ، كانت أمى تشترى رضاه بشئ من الدهاء ، تعامل أولاده أفضل مما تعاملنى فى حين كانت زوجة عمى تنهرنى دائماً وتصفنى بالفاقد .. تتظاهر أمى بالموافقة على أسلوبها وماإن ندخل غرفتنا حتى تهدهدنى وتمسح على رأسى .. أبكى فى حضنها وأنام .. فأنا الوحيد من بين كل هؤلاء الأولاد الذى يستطيع أن يرتمى فى حضنها وأتوسد فخذها للنوم.
****
مرات عديدة رأيت زوجة عمى تأخذ أشياء وتخفيها وتحاول إلصاقها بأمى أخبر الجميع ، تتهمنى أنا ، ويصدق عمى .. حتى كانت تلك المرة التى رأيتها هناك قبل غروب الشمس مسرعة بين حقول الذرة .. اختفيت أنا والأولاد عن عينها خوفاً منها .. تلاشينا داخل الأرض نراقبها بعيوننا .. تتحرك كالريح ، تلتفت كلص .. وصلت إلى كوخ عم سليم .. تلفتت فى كل الاتجاهات ثم دلفت إلى الداخل .. دفعنى أحدهم للتلصص عليها .. تحركنا بخفة الفراشات بين أعواد الذرة ..
اقتربنا من الكوخ المصنوع من الحطب .. كتمت أنفاسى .. وضعت أذنى على جدار الكوخ .. سمعت هسهسات مكتومة وتأوهات محمومة تغزو أذنى .. ساقنى الفضول إلى أكثر من ذلك .. وضعت عينى على ثقب موجود ، رأيت … خرجت منى صرخة التف الأولاد حول الكوخ .. وراحوا يزفونهم ..
خرج الرجل ممسكاً بخيزرانه متينة فى يده وراح يطوح بها خلفنا بينما قد أطلقنا أقدامنا للريح .
لم يصدقنا أحد .. بينما أخذت فى مطاردتى حتى كرهت القرية والعيش فيها .. كرهتها وكرهت العيش تحت سقف واحد معها وما أن جاءت فرصة تعليمى والحاقى بالمدينة حتى استجمعت قوى الرفض داخلى وقررت اللاعودة فماعادوا يصدقوننى من ذلك اليوم ويصفوننى بالملعون .. وماعدت أطيق مضايقات أولادها .. فكيف أثق فى نسبهم إلى عمى بعدما رأيته ؟ اللاعودة هى الأفضل .. وليكن مايكون .. هكذا قررت .









- 2 -
كان الليل قد داعب أجفان السماء وكانت الشوارع لاتزال تئن فى حلكته وأنا أراقب من غرفتى سطوته ، ويثور داخلى تساؤل . أو ليس هذا المساء كسابقيه ؟ لماذا أتعجل المصابيح..؟!
دائماً ما أتشدق لأهلى فى قريتى الصغيرة عن جمال المدينة وعن التقدم الرهيب الذى يعكس بطريقة أو بأخرى تخلف القرية ، يصدقنى البعض ، بينما يظل البعض الآخر متوجساً من حديثى ، فيقررون زيارتى .. فيقرأون الحقيقة بأعينهم ومايلبث الواحد منهم أن يفر عائداً 0
كنت أتعجب من أحوالهم هذه وبالرغم من إلحاحى عليهم فى معرفة الأسباب إلا أنهم بطبعهم الذى أعرفه يتحججون بأى شئ يدفعهم للعودة ..
بينى وبينكم .. كنت أتصنع الغضب وأقول فى نفسى .."بركة ياجامع" قليل منهم فقط الذى كنت أأنس لهم .. لكن .. الأيام .. الأيام .. يالى من مخادع .. بل زوجتى .. نعم إنها السبب فى عزلتى هذه .. أتعجل اللحظة التى تضئ فيها المصابيح لأراها وهى خارجة من البيت تاركة البيت لى ولولدى نتنفس سوياً فى هدوء ، نستنشق هواءً كثيراً يعوضنا مافاتنا ..
متى تضئ المصابيح ؟ لترون معى براعتها فى الاختلاط بمفردات الشارع وعباراته التى تستمد قوتها من ( الكمننة)..
إنها الوحيدة فى هذا البيت التى تستطيع ذلك ، إن لديها مقدرة فائقة على الاستفادة منه ، كما تستطيع السيطرة على بعضه ، ناهيك عن قدرتها فى السيطرة على هذا البيت .. لكنى ، … لكنى لن أجعلها تسيطر على ، أنا ملك نفسى ، لاأحد يستطيع أن يخضعنى لرغبته 0
سأعيش كالعصافير .. آه .. لم آرها منذ زمن بعيد .. هناااك هناك .. كانت تهيمن على الحياة تتنقل من غصن لغصن .. أما اليوم فما عادت تطير .. يبدو أنها هجرت أعشاشها .. لكننى كما قلت حر ..
- اصمت ياأخى .. كفاك كذباً وافتراء .. أين تلك الحرية التى تتشدق بها دعنى أثور .. أغضب …. أنسى
- كيف وأنت دائماً بين إفعل .. حاضر .. لا تفعل .. حاضر.. إذهب .. حاضر .. لاتذهب .. حاضر .. دائماً بين الأمر والنهى 0
- نعم لقد أصبحت حياتى بين الأمر والنهى .. هذا على مستوى جسدى .. نعم على مستوى الجسد فقط ، أما داخلى .. يرفض الاستسلام ، عقلى يرفض .. يرفض .. مازلت شجاعاً ياصديقى .. لازالت جذوة الرفض تشتعل داخلى .. ألست شجاعاً ؟ !
- هه .. هه
- أقسم أننى من أولئك الذين يطلقون عليهم بالسياسيين ، فأنا سياسى بارع ، نعم اقوم بعمل كل شئ ، أمضغ آلامى .. أتجرع أكؤساً لاذعة الطعم .. لكنى فى النهايه ، عندما أجبر على النوم ..لا أنام .. ألست شجاعاً ؟
منذ زمن وأنا أخطط لهذه اللحظة التى أستطيع البوح فيها .. هل أستطيع ؟ . يساورنى إحساس بالخوف .. لكن يجب التمرد على ذلك ، فلن استطيع البقاء هكذا ، أعانيه فى البيت وفى الشارع .. الشارع يمكنكم قراءته ومعرفته إذا أتيتم لزيارتى أما زوجتى .. هل تعلمون شيئاً عن زوجتى .. ؟
إذا أتيتم ستعرفونها .. لا .. لايمكن أن يعرفها أحد منكم .. إنها مخادعة ستخدعكم .. إن لها ألف وجه .. الوجه الحقيقى لايعرفه غيرى .. نعم .. أعرفها جيداً .. أليست زوجتى..؟
آه لو رأيتموها تتزين أمام المرآة .. بعد عناء يومها .. تفرد شعرها المسترسل بانسيابية ليغطى ظهرها العارى تماماً إلا من … آه … يالنى من رجل أحمق .. مالكم ورؤيتها ؟ ..
حينما أراها كذلك .. ألتف حول نفسى ، وأدس جسدى كله تحت الغطاء وأحاول تهدئة أنفاسى المضطربة .. وأقول لنفسى .. لايمكن محاصرتى .. لايمكنها الإجهاز على.. أختلس النظرات من تحت الغطاء .. ياله من جسد يشع أنوثة .. .. آه .. لا .. لا .. لن تجبرنى على النوم .. مازالت جذوة الرفض تشتعل داخلى فأنا شجاع .










- 3 -
نمت بين أحضانها عندما تسللت فى خبث تحت الغطاء ، تداعب جسدى ، تتسرب أبعاضى ، أشعر بسخونة جسدها تلسع جسدى ، تنساب دمائى من أوردة عقلى ، أتشتت ، أقاوم .. تمسك برأسى ، تهزنى ، تضغطنى .. تنساب حرارتها المتقدة إلى جسدى إلى أوردتى .. تسير دمائى فى الاتجاه المعاكس .. تضغط فى .. أتضخم . تصيبنى رعشة عنيفة .. تمرر يديها برفق أكثر .. أنصهر ، تنساب دمائى .. تنتشى .. ترمقنى بنظرة إعجاب .. أستسلم تماماً .. تعتصرنى .. تتردد فى أبعاض عقلى المتناثر كلماتى التى طالما أقولها بعد كل ليلة .. أشيح بوجهى .. أمضغ آلامى .. أردد .. فقط على مستوى الجسد ، فلايزال عقلى يرفض الذوبان الكلى .. لازلت أرفض فكرة التلاشى يتسلل صوت المؤذن إلى أذنى .. أنتزع جسدى بصعوبة .. أصحو أتمتم كعادتى أذكار الصباح .. أفتح الباب .. لازالت المصابيح تصارع الضباب فتكاد تنحجب الرؤية .. أخطو إلى المسجد ، أتوضأ، الحمامات متهالكة .. لايهتم أحد ، الناس متراصون والإمام هناك نقطة بيضاء..
الضوء يتلاشى من حول الامام شيئاً فشيئاً ..أصر على أخذ مكان بأحد الصفوف ، بصعوبة يحدث ، يلتفت الإمام إلى الوراء .. ( استقيموا يرحكم الله .. )
يهز المصلون رؤسهم ويتصارعون فى الوقوف .. الصفوف لاتزال ملتوية بالرغم من قول الامام 0
أكاد أنا الآخر لاأرى الإمام ، غمامات سوداء تتناوب على عينى ، أنظر أمامى ومكان السجود ، حاجيات النائمين تعوقنى ، أبعدها جانباً .. يلتفت المصلون إلى .. يركلنى أحدهم .. أتم ركوعى خلف الإمام .. أهم معتدلاً يضغط أحدهم على كتفى .. لاأستطيع الاعتدال .. يجذبنى آخر إلى الشارع أتمالك خوفاً من دهس الأقدام .. كانت المصابيح قد أطفئت وهيمن على الصباح سحابات سوداء ، وأنا لازلت أتحسس خطواتى باحثاً عن بعض ماتبقى من كفة الميزان .






- 4 -
كعادتى لاتستمر محاولاتى طويلاً ، ماألبث إلا أن أعود فاراً بنفسى حتى لاأداس كهؤلاء الذين سحقتهم المطامع فأصبحوا يأتمرون بأوامر الطريق ، أعود فى كل مرة يدفعنى فيها المصلون إلى الخارج ، فحديث الشيخ نعمان يجبرنى على الدخول ، أتزاحم الخارجين ، أصل دائماً إلى أقرب مكان للشيخ فقد انسل المصلون والنائمون خارجين إلا من بعض نفر..
فى هذه المرة كان الشيخ يتحدث عن الحب فى القرآن الكريم وكان النفر الجالس منصتين إليه متلهفين إلى معرفة الحب .. هذه الكلمة التى لم يعد لها مكان بل أصبحت مجهولة لدى الناس .. والشيخ يستمر فى توضيحه وكأنه يشرح اللوغاريتمات .. تعب الشيخ من التوصيف وتوصيل المرادفات .. فى الواقع لم أفهم من الشيخ شيئاً .. إلا قليلاً " عن قصص الزواج للأنبياء ، أشعر أن حديثه هام وعذب .. أظل مشدوداً لحديثه رغم مايعترينى من قلة فهم وكان الشيخ يجذب الانتباه بين الحين والآخر وكأنه يدلل بشئ قائلاً .. هذا هو حب الله .. فينتبه من داعبه الشرود .. إن كلمات الشيخ هى العماد الأكبر الذى نركن له ونأنس به، ووسط هذا الإسترسال من الشيخ فى شرح ماهية الحب..
همس صديقى حمودة عبدالرافع بكلمات متقطعة سائلاً الامام :
ياسيدنا الشيخ .. الحب حلال ؟
الحب أسمى خلق الله .. ألم تسمع عن قصة " رابعة العدوية " تلك الناسكة التى وهبت حياتها لحب الله وطاعته .. سأعطيكم فكرة عن هذه العابدة الزاهدة ..
هز حمودة رأسه مقاطعاً :-
- ماهذا قصدت !..
- إذن … ماذا تقصد ؟
- أقصد .. ( متلعثماً ) .. الحب بين الرجل والمرأة ..
- الحب فى الله بين الرجل والرجل والرجل والمرأة والمرأة والمرأة حتى بين الانسان والحيوان من حب الحياة والكون وماخلق الله ، رمقنى حمودة بنظرة المحتاج فقلت ..
- هذا الموضوع يحتاج إلى أن نسأله بعد انتهائه من درسه
- الشيخ نعم الرأى .
ينتهى الشيخ ، وينصرف الجالسون وأظل برفقة صديقى حمودة نعود بأسئلتنا إلى الشيخ .. اقترب ياحمودة .. هكذا نادى الشيخ .. بينما ظللت بعيداً عنهما .. لكن سرعان ماعاد حمودة وأخذنى من يدى قائلاً .. لست غريباً فالموضوع تعرفه .. راوغنى إحساس بالحيرة لكن سرعان مارتبت أوراق عقلى المتناثرة وخمنت الموضوع الذى سيتحدث فيه حمودة إلى الشيخ..
- الشيخ : ماالموضوع ؟
- حمودة : طبعاً .. سمعت عن قصتى مع غادة بنت محمد الشلهوب .
- الشيخ ( مقاطعاً ) : ولماذا طبعاً ؟ أنا ياحمودة لايشغلنى شئ إلا ذكر الله
- ألم تقل بأن الحب أسمى ماخلق الله ؟
- بلى
- وقلت بأن الحب حلال ..
- نعم
- إذن لماذا لم يشغلك موضوعى هذا ؟
- الشيخ (مبتسماً) : لأننى لاأتتبع أخبار الناس ولاعوراتهم .. هل حكيت لى يوماً ؟
- لا ..
- إذن فمن أى مصدر سيأتينى خبر كهذا ؟ دعك من معرفتى أو عدمها .. تحدث عن مشكلتك .. عن موضوعك ..
- أحب غادة وهى تحبنى ..
-لا بأس فالحب أودعه الله قلوب البشر. لكن هل تختليان ؟
- نتقابل
- بعيداً عن الأهل ؟
- ماذا حدث لك ياشيخنا .. طبعاً لكنهم عرفوا فيما بعد
- وافقوا ؟ !
- رفضوا .. نعم .. رفضوا ولا أدرى ماالعيب فى حتى يرفضوننى .. لماذا ينكرون علينا هذا الحب ؟
- كان يجب أن يكون حبكما تحت رعاية الأهل..
- وكيف يكون ذلك وهم من هم ؟ ..
- والله إنهم لعلى حق
- كيف ؟ وماذا أثارك هكذا ؟
- كانت بينكم خلوة .. خلوة ..
- بريئة .. والله بريئة ..
- الخلوة يركض فيها الشيطان
- المهم أريدك أن تأتى معى إلى أهلها
- أنا .. لا .. لا .. هل يمكن لى أن أسير فى طريق ركض فيه الشيطان .. أعوذ بالله .. أعوذ بالله .. اذهب واستغفر ربك واعتذر لهؤلاء الناس الذين أخطأت فى حقهم .. اذهب .. سامحك الله وغفر لك ..
بدا الحديث ثقيلاً على وجه حمودة فاستأذنت فى الحديث ورحت أحاور الشيخ .. ولكن دون جدوى .. انسحبنا خارجين .. عائداً إلى بيتى بينما كانت خطوات حمودة منقادة بين الخطى المتلاحقة فى رتابة .. يدفع هذا ويزاحم ذاك وراح يثرثر للطريق كلام الشيخ ، يستنكر عليه رأيه وفعله..
الليل يطبق جفنيه على مهل بينما يتسلل شعاع أبيض .. ولأول مره فى حياته .. إلى عينى حمودة الذى ارتمى منه جسده على أحد جانبى الطريق المؤدى إلى مقابر المدينة.










- 5 -
لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى بدا فيها موقف الشيخ هكذا .. يبدو أنه لايريد إلا طريق النور من البداية إلى النهاية .. هكذا تبددت ظلمة فكرى ..
ورحت أتذكر ماحدث لفريد عندما تزوج من فتحية .. بارك زواجهما الشيخ رغم معارضة أهل فريد لذلك ..
يومها كان فريد قد داعب العشرين عاماً ، تشع من وجهه النضارة ويسكن قلبه الشباب .. كان أميراً فى طلعته .. وديعاً فى طلته ، أديباً فى حديثه .. وكانت فتحية أرملة .. مات عنها زوجها وهى فى أوج فتنتها وجمالها قالوا بأنها السبب فى موته ..
ولعه بها وحبه الشديد للقائها .. لم يكن يستطيع منع نفسه من مضاجعتها .. كان شغلها الشاغل التزين والتجمل لتزداد فتنة فوق فتنة .. سلبته عقله وقلبه .. أدمنها .. وهى الآخرى لم تحجب نفسها عنه فهوى وخار جسده ذابلاً .
لم تفلح معه نصائح ألأطباء .. حيث يلقيها خلف ظهره مع أول اطلاله بجسدها السامق المحكمة تضاريسه .. حتى حدث ماحدث ..
كان فريد لايزال طفلاً آنذاك فى العاشرة من عمره ولم يدرك شيئاً مما يحدث إلا أطيافها ..
كانت شرفته تطل على شرفتها ، كبر فى عينها وسكنت فى عينيه عشرة أعوام كاملة وهى ترفض الارتباط بآخر ..
جسدها الممشوق ونهداها الكبيران ، وثغرها العذب وصوتها الرخو يملكون عليه وجدانه وتسكنه الرغبة ..
كان لقائهما عبر النافذة .. عندما كانت تشرق الشمس تستأذن كل صباح فى الدخول بطرقات تداعب عينيهما .. فيصحوان ويتناجيان فى صمت بينما الطبيعة تحاول إيقاظ سكانها .
لقد كانت الشمس هى الشاهد الأول على ميلاد هذه العلاقة وكان الشيخ هو الموثق للعقد بينهما رغم كل التحديات ..
لماذا يصمم الشيخ على عقد قرانهما ويباركه .. بينما يأبى على حمودة .. ثار داخلى هذا التساؤل .. فلم أنم ليلتى ..
أطل على الشارع .. لاتزال المصابيح تضئ رغم اكتساء المدينة بثوب الصباح الأبيض وعلى البعد كان حمودة لايزال يغط فى نومه على الجانب الأيمن من الطريق .
***
ذات مساء صيفى ، أصر حمودة بعدما لسعت الشمس حجرات قلبه الرهيفة على اصطحابى معه لخطبة غادة .. سبقنا الخبر إلى أهلها .. أستأذنت فى الدخول ومعى حمودة .. رحبوا بى وكانت الابتسامه ترتسم على شفاه الجميع متجهة نحوى ، بينما كانت نظراتهم إليه زاجرة ساخرة .. يقضبون مابين الحاجبين وكأنهم أعدوا لذلك مسبقاً ، قرأت فى نظراتهم الرفض .. رغم ترحيبهم الكبير بى ..
ورحت أتحدث معهم فى أشياء طارئة .. نضحك أحياناً .. نصمت أحياناً أخرى . لم أستطع التفوه بكلمة واحدة إزاء ماجلبت لأجله ..
حتى غمزنى حمودة مصراً على ذلك .. كانت الكلمات تتوه من ذاكرتى أحاول بكل قوتى السيطرة عليها .. يتلعثم لسانى الذى كان منطلقاً منذ لحظات قليلة .. المهم أننى بدأت ..
ارتسمت على الوجوه ابتسامه مصطنعة ..
- يامرحباً .. يامرحباً ..
أذهلنى الرد .. بينما تهلل وجه حمودة فرحاً ..
- لكن .. لكن سنأخذ رأى البنت
- طبعاً .. هذه هى الأصول ..
كانت الأعين تنظر فى ثقة .. وكان الوقت يمر بطيئاً .. بطيئاً .. جاءت الأم تهز رأسها أسفاً .. زاد اتساع الثقة فى أحداقهم وارتسمت على الوجوه ابتسامه أخرى .. فطنت لما حدث .. بينما صرخ حمودة قائلاً : أسمع الرفض منها.
-وفى خفة الفراشة المسكونة بأحزانها خرجت من غرفتها .. تلمع فى عينيها دمعة منصهرة .. مرددة فى صوت مبحوح … أنا .. غير موافقة .. غير موافقة .. غير موافقة..
- ثم استدارت كغزالة تطاردها الوحوش البرية متجهة نحو غرفتها ..
وقعت الكلمات على حمودة كالصاعقة .. بينما أحكمت الأم إغلاق غرفة إبنتها كان الصوت يزلزل أركان البيت متجهاً نحو حمودة : هل سمعت الرد .. ؟ هززت رأسى فى أسى .. مستأذناً فى الخروج .. أمسكت حمودة من يده وجذبته خارجاً .. كان يجرجر قدميه كأنما علق فى كل منهما جبلاً .. لم اشأ أن أتركه .. هكذا .. لكنه أصر .. أتابعه بعينى .. يبتعد
، وأنا لازلت أتابعه .. وفى غفلة منى .. تلاشى فى الأفق .



















- 6 -
موت الامام أيضاً أثار فى نفسى أشجانها ، فصار المكان أشبه بالقبر ، وأنا لا أحب القبور ، أكره الموت .. ومن منا يحب الموت ، نافذة بيتى المطلة على المقابر لاتفتح إلا نادراً..
لم أعد أحاول الخروج من المنزل حتى إلى الصلاة ، لم أعد أترك الأذان يغزو أذنى .. أسهر حتى الساعات المتأخرة من الليل ، أبتعد عن غرفة النوم ، ألجأ إلى غرفة ( ضياء ) .
أراوغ ساعات الليل ، شخير زوجتى يجلجل فى المكان ..
النوم على هذا الصوت المنبعث منها عادتى .. ترافقنى الكوابيس .. ألفتها هى أيضاً .. ماعدت أنتفض لها .. إنها أرحم من الكابوس الكئيب الذى ينام فى سريرى .
الكبت .. نعم الكبت .. أوصانى الشيخ قبل موته ، عندما جلست أشكو له من حياتى ..
لقد ألقيت على زوجته تبعة مايحدث فى بيتى من جراء تأثير زوجته عليها ..
هرش الشيخ خلف أذنيه ساعتها وقال : اصبر
- ماعدت أستطيع
- الصبر مفتاح الفرج
- يبدو أنه ضعف هذه الأيام
- الصبر سلاح ياأخى " اصبر واحتسب "
- - هذا لو كانت لدى أسلحة غيره
- ماذا بوسعك أن تفعل ؟
- إذن فليس ذلك صبراً
- لاتتعجل " فليس بوسعك فعل شئ سواه
- إذن فهو الكبت
- سمه ماتشاء " المهم ألا تثور وتغضب
- ولماذا ؟
- لقد نهانا الرسول  عنه قائلاً لأحد أصحابه" لاتغضب "
- ومابال الصبر بالغضب
- ولماذا تصبر .. إن لم يكن هناك مايغضبك ؟
- معك الحق ..
الكبت إذن ، والكبت يؤدى إلى الموت ، وأنا أكره الموت
لا ياشيخنا .. سأثور وأنفض عن كاهلى كل هذه الهموم ..
وبقوة يدى ضربت على رأسى ، التفتت من نومها جهتى ، تسكن عينها ريح غاضبة ، لفحت رأسى .. أخذت أتحسس أجزائى .. ابتعدت عنها .. انسحبت مجرجراً حذائى إلى الخارج ..
***
البسمة الوحيدة تجعلنى مرتبطاً جداً بالمكان الذى أحكمت العناكب فيه نسجها ، أقمت سوراً حول جمجمتى كى يحجز عنها الآخر .. أحكم حصاره ، تماسكت ، متشبثاً بالبسمة التى تعانق فسائل قلبى ، يضخ أريحها إلى جمجمتى عبر قنوات خفية.. يتسلل محدثاً اضطراباً فى صف الآخر .. يفيض الينبوع وسط المكان ، يغذى أركانى ، والآخر ينتظر خلف السور هلاكى .. أو على أقل تقدير استسلامى .. كأنها الحرب .. الحرب ، لم أشأ ضربه من مكانى متدرعاً بالسور الذى أقمته حولى .. لقد خفت أن تصيب إحدى ضرباتى تلك البسمة التى تغازل قلبى وتسكن فيه .. الحيل لديها كثيرة .. كثيرة .. تتزين فتصبح كأجمل ماتكون النساء ، تبدل لسانها ، تتمايل فى ليونة فائقة ، تتراقص بخطواتها أمام عينى " تتموج كغزالة برية " .. يداعب شعرها الفحمى أسوارى .. يغزو حديثها أفقى ، أتحسس حجرات قلبى المضطربة .. أنفث عن صدرى ريحها .. تتسلل بعبقرية أثناء لحظات الشهيق التى أردفت الزفير مباشرة ، شعيراتى الدموية تتسع ، تتفتح حجرات قلبى بعضها على بعض .. تحتلنى ، يتضخم صدرى .. الخط الواصل إلى جمجمتى ينتفخ أيضاً..
وبين أستار الليل كعادتها .. تجذبنى بعيداً عن أعينهم .. تحكم حول جسدى قبضتها ، تتحسس أشلائى .. أنتفض ، أنصهر ، أروح فى نوم عميق .. تشعر بالزهو تقذفنى إلى حصنى المتهالك .. أمضغ آلامى .. بينما كانت تبحث فى ربوع عقلها عن حيلة لغزوى مرة أخرى..












- 7 -
نصائح الإمام تتوافد تغزو روحى .. أستمد قوتى منها ، أعاود لملمة أشلائى المبعثرة متأكداً أن ماكان بالأمس لم يكن إلا على مستوى الجسد .
لطالما كانت نصائح الإمام تنصب حول جسدى أيضاً .. الإنسان عنده كيان متكامل .. جسداً وروحاً .. لاينفصل أحدهما عن الآخر .. نعم .. أكد الشيخ على ضرورة أن يتوافق الانسان مع نفسه .. الإنسان كل لايتجزأ 0
إنه يدرك أننى أرفض كل محاولات أستبعاد روحى .. نعم يدرك برغم كلماته التى تنهشنى كلما جلست إليه 0
لقد ظل فترة طويلة يشكك فى صحة رفضى .. حتى أدرك العلاقة بين زوجته وزوجتى ، وعاد يردد قول الله تعالى " بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " .
كل ماكان يهم الشيخ – رحمه الله – هو صدق الإنسان مع ذاته ودعوته إلى المتشاحنين خلفه " اعرفوا أنفسكم .. تدركون الوجود وإن أدركتم الوجود آمنتم بخالقه " .
ماأعذب الكلمات التى كان يطلقها الشيخ ، كان يشعر بمن حوله نعم .. لقد كان الشيخ – رحمه الله – يدرك محاولات رفضى لكنه فى الوقت ذاته .. يريد خطوات على مستوى رفض الجسد..
آه ياشيخنا الجليل ..
لم يصدق الناس نصائحك ، لم يكترثوا بها ، وياليت زوج فتحية الأول صدق ذلك ، حتى فريد … ولماذا أذهب بعيداً حتى أنا لكنها مختلفة .. نعم مختلفة تماماً عنهن .
إن محاولات الإغواء محكمة لدى زوجتى .. تتحين لحظة شرودى فى اللاشئ تتقدم نحوى .. تباغتنى .. يتشتت فكرى .. أستسلم .. تسرق لحظاتى أقاوم كالعصفور وسط الشباك .. تحكم مخالبها حول جسدى ، تحتلنى تملؤنى الرغبة .. تتسرب أبعاضى .. تنتشى .. تتركنى .. أمكث بين يديها مخدراً .. تدفعنى .. أحاول لملمة أشلائى ..
أجلس إلى نفسى أسترجع كلمات الشيخ " ألوم ضعفى .. أدعو أعضائى فى جلسة مغلقة للإتحاد من أجل تحررى


- 8 -
لم أكن أقل جسارة من حمودة عندما زارنى أبى للإستشفاء بأحد مستشفيات المدينة .. أعلم أنه أتى مجبراً .. نظراً لظروف المرض .. لولا ذلك ماأتى .. دائماً ماكان يقول : ربنا يعوض على فيك .. أنا رميت طوبتك من زمان ، كنت اسمع هذه الكلمات تخترق جدار قلبى .. تمزقه ، المهم أنك أتيت ياوالدى ..
وبينما أنا فى قمة فرحى بقدوم والدى.. كانت زوجتى تعد العدة ، وتنهش بعينيها جسدى .. تغاضيت .. وتوجهت إليها بابتسامه صفراء .. ثم عاودت الترحيب بوالدى الذى انتابته نوبة سعال شديدة ..
صرخت زوجتى فى وجه أبى : المستشفى أولى بك .
بحلق والدى فى .. قاومتها .. إن شاء الله بكره
قال أبى لابكرة ولابعده .. قلتها من زمن .. وطلبت العوض من الله .. تمالك وحاول الخروج .. حاولت منعه .. صرخت فى .. تململت .. هز والدى رأسه أسفاً ومشى خارجاً وقد زادت أوجاعه ..
إلتفت إليها محاولاً إخراج صرخة فى وجهها .. خرجت متهالكة وكأنها تستعطف لاتثأر ..
ضحكت وانصرفت إلى الداخل بينما ظللت متسمراً فى مكانى مشتتاً..
أنا ميت ..بالفعل أنا كذلك .. تلاشيت..ماذا حدث لى..تطن فى أذنى كلمة أمى التى قالتها عندما زارتنى قالت.. ساحراله جرجرت قدمى إلى الحمام .. نظرت فى المرآة..لم تكن صورتى الواقفة أمامى هى التى تحاورنى ..فكما قال الشيخ ..يجب أن يكون الحوار من الداخل.. أخذنى الحوار إلى حيث اللاعودة ..رغم أننى أكره الموت وأكره رائحته إلا أننى لم أعد أستطيع المقاومة..
أصبحت الحياة مستحيلة.. مستحيلة ..
أمسكت بشفرة الموسى..قطعت الأوردة الواصلة إلى جمجمتى يسيل منها الدم ينهش جسدى..ترتسم على وجهى ابتسامة عريضة فلتبحث لها عن آخر تحتله..تغلى الدماء فوق جسدى.
الشماته تضرب بجذورها فى أرجاء عقلى المتناثر ، عاودتنى أطياف بسمته ورنينها الرقيق.. لاتزال جمجمتى تعمل..إنقبض قلبى..صرخت صرخة مكتومة تداخلت الصور ، الشيخ ينهرنى" الانتحار كفر " حاولت الألتفات بعيداً ..هزنى بقوة ..الانتحار كفر ..حاولت الامساك بأوردتى..لاجدوى..فالدماء لاتزال تسيل تنهش جسدى المتهالك.
عاودنى الشيخ: تب إلى الله ..تب إلى الله .
بسمة طفلى تتداخل مداعبة عينى .. أنسحب من دمائى..أحاول الخروج إلى الصالة..صرخت بكل قوة عانقت صرختى صرختها الواجمة..اخترقت جدار أذنى.
لفت شالها حول أوردتى.. أحكمت الربط ، توقف النزف بعد برهة..ابتسمت..أمسكتنى بقوة..
قالت : سلامتك ..
بينما قرأت فى عينيها كلمات متشفية..كأنها تقول لن تستطيع الفرار منى .
***
جلست تداعب خصلات شعرى المجعد ، تهمس فى رفق لم أعهده .. بينما أنا مستلق على سريرى أتلقى العلاج ، أصرخ من داخلى ، تصر على مداعبتها متجهة بوجهها إلى الطبيب جمعنا الحب ..أليس كذلك ياحبيبى ؟ أجيب فى نفسى .. ياكذابه ..
يدرك الطبيب الأمر ، يهز رأسه ويهمس كعادته دعيه ينام. أبتسم من داخلى ، ألمح بطرف عينى ملامح وجهها ..تصر على البقاء ، يقول الطبيب : سنجرى له بعض الفحوصات ياسيدتى ..فكل ماحدث هو مجرد اسعافات أولية تستتبعها الأشعة والتحاليل وأولاً وقبل كل شئ تلزمه الراحه .. هيا ياسيدتى .. دعيه ليستريح 0
- راحته فى وجودى جانبه
- لا ياسيدتى .. راحته مع الممرضات المدربات
يصر الطبيب على خروجها .. تنهشه بعينيها ، يبتسم الطبيب متجهاً نحوى..ثم منسحباً إلى الخارج
انسحبت إلى الجهة الآخرى مغمض العينين بعد أن ارتسمت على شفتى ابتسامه خفيفة بينما مازالت تسب وتلعن الطبيب الذى ترك الغرفة من لحظات..
لم يبق سوانا بالغرفة ..تملكنى الخوف..أحسست بدوار شديد ، جدران فصوص رأسى تحتك بعضها مع بعض..الغرفة تدور بى ..تتموج ، وضعت يديها على جبهتى ، أحسست بملمسها الإفعوانى..تماديت فى إنكارها.. وعندما سمعت صوت الطبيب : أما زلت هنا ؟ هيا اخرجى
: إن حالته صعبه يادكتور
- لاتقلقى..الأمل موجود ..مادامت لديه الرغبة فى الحياة .. " الرغبة فى الحياة " يبدو أننى ماعدت أرغب فى الحياة وكيف تكون هذه الرغبة وهى من هى ..إن لديها رغبة عميقة فى احتلالى وقتما تشاء ..هل أعجز عن مقاومتها ؟
- كلما وقعت عيناها فى عينى تنتابنى غيبوبة طويلة ..جمجمتى لم تعد قادرة على مقاومة حيلها المتجددة .. تأكسدت جدران عقلى ..أصبحت آلية .. تعمل بانتظام فى اتجاه واحد فقط .. آه..
لقد حطمت السور الذى تحصنت به منها ، فانصهرت فى عالمها ..أعيش كما قلت بين الأمر والنهى ..لكنى ملتذ من ذوبانى فعلاً .
لقد كان الشيخ محقاً عندما كان فى شك من أمرى .. إنها لحظة المصارحة مع النفس ، يجب الاعتراف بالحقيقة ، كل الحقيقة ، شهادة زوجته سعاد تجعلنى أستسلم لزوجتى بدون مقاومة أعلم أنها تستبيح جسدى ، تسلبنى دمى.. أبوح دائماً إلى الشيخ ..يصرخ فى .. يبدو أنك فقدت روحك..أثور غاضباً .. أتتهمنى بالتجرد من انسانيتى ؟ .. يلسعنى بصوته الرخيم: لاتغضب
أعاود : هل انقلبت الموازين ؟
ثم أعود لنفسى وأضحك من أمرى وأنصرف .. بينما يظل الشيخ قابعاً فى محرابه مستغرباً..
أهدأ منسحباً إلى نفسى ، أجمع أوردة الإرادة داخلى .. ألقى بنفسى إلى الشارع ، ابحث عن كفة الميزان ، نعم سأبحث عن كفة الميزان حتى وإن دهسنى الناس .. أعض على نواجذى قائلاً: آه.. آه لو كانت الأمور بيدى .. آه ..
أستمر فى حالتى تلك .. والطبيب يحاول تهدئتى..يتملكنى التعب ويدب بأركانه جسدى المتهالك وأستسلم للنوم0













- 9 -
الشمس تلون وجه الشارع بأشعتها الحمراء ، أسيطر على موضع قدم به ويتلون وجهى رغماً منى وأسير بانسيابية ، أشعر بالفخر ، أصر على المزاحمة أدفع هذا وأرمق ذاك .. أسقط ..أتمالك.. أعود لمحاولاتى .. يصبح الأمر طبيعياً ..
كانت من نافذة بيت الشيخ تراقبنى ، وأنا أحاول السيطرة على موطئ قدمى أصبحت أتجول فى كل مكان ..
لاتزال صاحبة العينين المطلتين من نافذة الشيخ تراقبنى ، ساعتها قد تسربت الثقة إلى أجزائى فتوقفت عن النظر إلى موضع قدمى ، واتجهت بوجهى جهة النافذة .. وجدتها تتابعنى .. أعود بوجهى جهة الأرض ، أسترق النظر ، عيناها مثبتتان نحوى .. الشارع من حولى غارق فى ضوضائه..
ترمقنى بطرفها الساحر ، تغازلنى ، تنبش فى الجبل الجليدى الرابض فوق صدرى.. أتفاعل معها .. طرف عينى لم يكف عن ملاحقتها ..تفتر شفتى عن ابتسامة حذرة ،
تفعل هى الأخرى ، أشعر بأن ثقباً عميقاً يتخلل الجبل الجليدى .. تضخ دماء باردة إلى جمجمتى..ينتبه عقلى..يترنح جسدى، أقبل نحو الشرفة أغمض عينى عليها .. أتخدر
أقف بين أحضانها متمتماً بكلمات لم أفهمها ، بينما كانت تداعب خصلات شعرى المجعد..أصابنى الذهول..تكاد تكون نفس اليد التى كانت تداعب شعرى من قبل ، أبحلق فى عينيها .. انتبهت .. انتفضت .. هما .. هما ..آه..
لم أكن أدرك أنها بكل تلك البراعة فى التمويه .. ولم لا .. فأنا أقدر الناس على معرفتها .. إنها ..
يبدو أننى برغم كل محاولاتى .. لازلت شبلاً صغيراً .. ضقت ذرعاً بنفسى .. لاتزال ضحكتها تبعثر أرجاء رأسى .. القيود تحكم نسجها ، وهاأنذا لا أقدر على مجرد التفكير فى الخروج ، أسكن رأسى مستسلماً فى حضنها وأعود كما كنت مغمض العينين .. أحاول تهدئة الضجيج الذى ينازع رأسى .. علنى لا أنزلق إلى حافة الموت ، فلا زلت أخاف الموت وأكره رائحته .. يندفع ( ضياء ) ولدى نحوى مرتمياً بين أحضانى .. يضربنى بكلتا يديه وأنا كما أنا مغمض العينين ، يداعب وجهى ، يقبلنى ، ينتفض صدرى ، يضخ مابه خارجاً ، أبتسم فى وجه طفلى ، أضمه أكثر إلى صدرى ، ونروح سوياً فى نوم عميق 0





















- 10 -
وقع الخبر على قلب زوجتى كالصاعقة .. وراحت تلطم وجهها .. ويعلو صراخها كان الأمر بالنسبة لى عادياً .. لكنى أخذت فى تهدئتها .. الأمر كله لله .. من منا لن يموت .. كلنا أموات .. أولاد أموات .. نعم اعلم مدى حبكما لبعض ..
أخذت تجفف دموعها ، ولأول مرة أشعر أن لها قلباً تشعر به .. تغاضيت ..
قالت : الحاجة سعاد نذرت نفسها لخدمة الناس .. كانت هدية من الله .. لزوجها ..
قلت : الشيخ نعمان كانت زوجته .. هدية ! .. كيف ؟
- لقد كانت تصرف أموره وأمور أولاده .. رحمة الله عليها
- لقد كان نعم الزوج
- لم يكن كذلك
- بل كان ..
- هى التى كانت ..
- لاتكمل .. فلولاها ماتربى أولادهما بهذا الشكل ..
- لم يكن يهمه إلا الدعوة إلى الله .. كما أنه وفر لها كل شئ يستطيعه .
- وهى لم تسئ التصرف
- لكنها كانت دجالة
- لاتكمل .. فلقد كانت تعالج الناس من المس وتقرب بين القلوب وتقيهم من الشرور
- أعوذ بالله ..
- إذن فهى دجالة ..
- لا .. بل معالجة .. تعمل الخير من أجل الناس تقرباً إلى الله
- الله أعلم بها .. لكن الشيخ مات وهو غير راض عنها
- الشيخ معروف عنه التزمت والتعصب ..
- عاش عمره كله يندد بالدجالين .. رحمه الله .. عاش صابراً يندد بالدجل وهو يمارس فى بيته على أعلى المستويات .. كما كانت صعبة فى حديثها معه .
- الحاجه سعاد كان حديثها بلسماً شافياً ، فكيف تفترى عليها هكذا
- أنا لم أفتر عليها .. ولكنى قرأت كل ذلك فى وجه الشيخ
- ياسلام .. !! يبدو أنك تحولت إلى خبير
أحسست بأن الحديث سيأخذ مأخذه إلى حيث اللاعودة فقررت الوقوف وقلت بصوت منخفض : بينى وبين الشيخ تشابه ..
- ماذا تقول ؟
- لاشئ .. ( ثم متمتماً ) آه لو كانت القوامة له أو لى .. أردفت : على العموم رحمة الله عليه وعليها .. الشيخ الآن هو القائد .. القوامة لابد أن تكون له الآن ..
كانت قد انتهت من تجفيف دموعها ، فارتدت ملابسها ، وانسحبنا خارجين متوجهين إلى المشاركة فى واجب العزاء .. داعياً الله أن يعجل بأجل الآخرى .. فدائماً ماكان يقول الشيخ : إنهما وجهان لعملة واحدة .. وها قد رحل وجه .. فاللهم عجل بأخذ الوجه الاخر ..
***
الموكب المهيب ، المتشحات بالسواد خلف النعش يسرن فى وجوم ، أصدقاء الشيخ وأولاده يئن الطريق من دهس أقدامهم المتواصل والمتلاحم سرنا كذلك حتى وصلنا إلى المسجد الذى كان يؤمنا فيه الشيخ .. احتشد الناس داخله ، وأضعاف أضعافه ينتظرون خارجه ، مشهد لم أر مثله فى حياتى ، حتى عندما مات كبير قريتنا لم يكن نصف هذا الحشد ويومها ظل أبى يتفاخر بأن مشهده لم تشهده الناحية كلها وكأنه كان من بقية أهله 0
يبدو أن الشيخة سعاد كانت طيبة كما تزعم زوجتى .. يتحرك النعش ونتحرك معه .. أتجنب النتوءات التى تملأ الشارع ناظراً إلى موضع قدمى ..
يسرع المشيعون ، يهرولون ، يتوقف الموكب .. الحاله غير ثابتة ، يصيح أحدهم : وحدوه ...
يرد المشيعون فى صوت واحد : لا إله إلا الله ..
يتحرك الموكب بالنعش ..
صوت 1: مادايم الا وجه الله .
صوت 2 : بركاتك ياشيخة سعاد .. بركاتك
صوت 3 : كانت شيخة بجد ، كان مكشوف عنها الحجاب .صوت 4 : ( متداخلاً ) لكن الروشتة كانت ثقيلة
صوت 3 : المهم كانت فى السليم
- مادايم غير وجه الله .. وحدوه
يعود المشيعون إلى جلال اللحظة .. أصغى معهم لتلك الأصوات التى امتزجت بالحزن .. أحاول شغل نفسى بعيداً .. فقط أريد السير لاغير ، لا أريد تفكيراً ولاغيره
تفشل محاولاتى ،
يذهل الناس ممايحدث للنعش .. يكاد يطير ، يدور حول نفسه أحياناً .. كأنه يؤدى رقصة الوداع ،
النساء المتشحات بالسواد صرن يتصايحن يثرثرن ، اقتربت منهن ، أحاول الاستماع ، أقترب من الخط الوهمى الفاصل بين النساء والرجال فقط أحاول الربط بين الأحاديث ..
صوت زوجتى يصفع أذنى : كانت طاهرة وأميرة ، ومربية وصابرة .. رحمها الله ..
صوت 2 : كانت قانعة .. لم تكن لتأخذ البط والديوك والحمام إلا بعد إلحاح شديد .. عفيفة
صوت 3 : كانت جلستها مسلية .. تسأل عن هذه وعن تلك .. إجتماعية كانت تعرف كل أسرارى .. رحمها الله كانت سراً
صوت زوجتى : لها الجنة ، ومن منا يستطيع أن يعاشر الشيخ ساعة واحدة فقط ، لقد صبرت عليه وعلى تعصبه .. أتلف عقول أزواجنا .. نكدى .. يالله .. مايجوز عليه غير الرحمة .. صحيح كانت الشيخة سعاد حكيمة .. تعاشر الجان
اقترب النعش من مدفنه .. وصوت الناعى مازال يذكرنا بالله
يحاولون إنزاله القبر ، يبدأ الشيخ فى قراءة سورة يس وينتهى بالتلقين ، الوجوه عابثة منشغلة فى أحاديثها الجانبيه .. يكاد صوت القارئ يتلاشى بين أصواتهم ..
أخذت أرتب ماسمعت ، منشغلاً أنا الأخر عما تبقى من مراسم الجنازة ، عاجزاً عن متابعة مايحدث .
العجز يضرب بجذوره أركان عقلى .. ماذا يحدث فى هذه الحياة ؟
الشيخ الذى كان نقطة بيضاء فى جمع كئيب هو الـ ……… هذا شئ لايقبله عقل .. والسيدة التى كانت تفتح الكتاب وتقرأ الفنجان هى القديسة الطاهرة ..
لما لا ؟! وقد تغيرت المعايير ، أصبح كل شئ يداس .. يداس تماماً كما كفة الميزان التى لم يستطع أحد التقاطها بعدما سقطت .. الكل فقط قادر على دهسها ..
ياااه .. الحياة أصبحت مستحيلة .. مستحيلة







- 11-
لم أستطع العودة إلا بعد قراءة الفاتحة لأصدقائى الشيخ نعمان وحمودة عبدالرافع وفريد عثمان ..
للحقيقة .. لقد حسدتهم على ماهم فيه .. ورغم ذلك لم يتسرب إلى عقلى ولو للحظة حب الموت فأنا كما تعرفون أكره الموت ورائحته .. ليس حباً فى الدنيا .. لكن لأننى لم أر الأخرة حتى أحبها .. صحيح أننى أؤمن بها .. لكنى لا أعتقد فيما أعددت لها .. هذه هى الحقيقة .. ولماذا أراوغكم .. ؟! فأبى كما علمتم غير راض عنى .. وأنا لم أسع لإرضائه .. لماذا ؟ لا أدرى حتى أننى لم أزره رغم مرضه الشديد ، ولم أعد أنشغل بأخباره .. أحياناً أشك فى نسبى إليه ، لاتربطنى به عاطفة ..
كفانى ثرثرة .. لاتنشغلوا بذلك .. فأنا رغم كل ذلك أحترمه .. لكننى غير قادر على فعل شئ ، أشعر أننى تجردت من أحاسيسى من إنسانيتى .. اللوم كل اللوم على زوجتى .. يبدو أنها كما قالت أمى وتقول دائماً .. ساحرالى ..
لاأستبعد عنها هذا .. فهى يمكنها فعل أى شئ .. ألم أقل لكم أنها تحاول احتلالى ؟!
لا .. لا بل تحتلنى فعلاً .. ( اعترف بالحقيقة يامخادع ) ..
نعم .. نعم .. إنها تحتلنى .. لكننى أقاوم .. مازالت جذوة المقاومة تشتعل داخلى ألست شجاعاً .. ؟

***
منذ علمت بموت أبى وأنا مضطرب ، يعتصرنى الحزن رغم كل ماقلته .. يبدو أن العاطفة كانت كامنة وأزيل التراب عنها بسماع هذا الخبر المشئوم ..
كيف لى بعد كل هذه السنوات سأواجه القرية ؟ كيف يمكنهم التغاضى عن جفائى لهم ؟ كيف …… ؟ لكنى أقسم أننى ماقصدت هذا أبداً .. كل شئ يحدث رغماً منى .. أشعر بأن إرادتى قد سلبت منى ..
الأرض تدور بى .. أصرخ من داخلى .. من يطفئ النار المشتعلة داخلى ، لملمت أشلائى بصعوبة بالغة .. هرولت خارجاً ، ألقيت بنفسى مع أول عربة ذاهبة إلى مركز القرية .. أنبت نفسى .. كان لابد من أخذ " تاكسى " مخصوص .. هممت بالنزول .. زجرتنى زوجتى .. جلست خاضعاً .
العربة تنهب الطريق تمزق سكون الأفق ، بينما راح عقلى يستسلم للهواجس ، أفقت على وخز زوجتى لى إعلاناً بالوصول إلى المركز ..
شممت ريحاً أخر .. تنفس صدرى هواءً آخر ، أحسست ببصيص شعاع يتسرب إلى أبعاضى المتناثرة ..
قررت عدم انتظار " عربات القرية " ، أخذت عربة مخصوصاً .. أحس بدماء مفتقدة تعود إلى جسدى ، استسلمت زوجتى لأوامرى .. غمرتنى الفرحة ..
نظرت إليها .. وجدتها على غير عادتها .. تسلل الخوف داخلى .. أدركت ذلك ..
أخذت تحدثنى عن ضرورة نبذ الخلاف فى مثل هذه الظروف .. أومأت موافقاً .. ها قد وصلنا إلى الطريق الترابى .. هكذا قلت .. لم يعد أمامنا سوى كيلو متر واحد ..
القرية بكاملها أمام البيت .. ارتجفت من الخوف عندما وجدت أعمامى واقفين ينظرون إلى الطريق بغيظ .. الدار مملؤة بعاصبات الرأس ، منتظرون .. مسحت المكان بعينى مرة ثانية .. لم أعد أعرف كل تلك الوجوه .. نعم أتذكر البعض فقط .. يبدو أنهم ينتظرون شيئاً منى .. جذبنى عمى من يدى .. هيا .. اعط الأمر …
- أيه أمر
- الخروج إلى المدافن
- نعم .. نعم .. هيا بنا إلى المدافن ..
تملكنى شعور لم أعهده من قبل .. أنا .. كل هؤلاء المشيعون ينتظرون كلمة منى حتى أعمامى.. ألهذه الدرجة أنا مهم .. ؟ !
ما إن وصلنا إلى المدافن حتى أصطف أعمامى لأخذ العزاء بينما لم يعرنى أياً من المشيعين اهتماماً ..
كانت نظراتهم تلسعنى ، تكاد تحرق جسدى المكدود بالحزن ، تنظر إلى زوجتى فأروغ منها .. وأتحرك هنا وهناك كالطائر المذبوح ، أفرض نفسى على هذا وذلك ..
ثلاثة أيام بكاملها ولم تستطع عيناى النظر إلى عينى أمى .. وكيف لى بذلك ؟ ! لكنى أثبت لها أننى رجل .. الكلمة كلمتى .. وزوجتى على غير عهدها خاضعة خائفة .. الصمت سلاح أمى الذى تعاملنى به .. وعندما أصرت زوجتى على الرحيل والعودة عدت مستسلماً قائلاً على حريتك 0
قالت : رجلك قبل رجلى
: لا بل سأظل بعض الوقت
مقضبة مابين حاجبيها : بل الآن .. هيا ..
أمام إصرارها استسلمت وأخذت فى تجهيز حقائبى ، مددت يدى اسلم على أمى .. لم تعرنى اهتماماً .. وراحت تردد كلمات أبى : ربنا يعوض علينا .. صاحب العوض موجود..
انسحبت خارجاً تراوغ دمعة عينى .. بينما كانت زوجتى تتعجلنى فى الركوب .














- 12-
عقدت معى زوجتى صلحاً ، بينما كانت قد اتفقت مع والدتها لتعيش معنا .. رغم صعوبة الأمر .. إلا أننى وافقت فى ظل المعاهدة المبرمة بيننا..
لم تكن حماتى كغيرها من الحموات .. تثور أحياناً وتلين أخرى .. كان لها طابعها المميز ، تعاملنى من منطلق التعالى والإحتقار كأننى فى ضيافتها لا العكس ، متصابية .. لو رأيتموها فى الشارع لأدركتم ذلك ، تبحث عن متعتها الشخصية تتزين كمراهقة ، ترفض كينونتها جدة ، يبدو فى عينها غيظ شديد كلما رأت ولدى تعرض عنه كلما حاول الاقتراب منها ، هو الآخر لم يعد يهتم بها عندما يراها ، يبتسم مثلى ، فلا أجرؤ على الضحك ؟، تزجرنى ، يضحك ضياء ، تحاول ضربه ، يفر مقهقهاً ، منتصراً عليها ، تزداد ثورتها .. تسب وتلعن ، أتجاوز عن ذلك .. وأتابع تنفيذ بنود المعاهدة ..
كل ماأرجوه من الحياة .. الوفاق .. التعايش السلمى ،
أعمال البيت ، شراء الخضروات والتسوق ، أصبحوا من اختصاصاتى.. بينما تخرج زوجتى تتبعها والدتها إلى حيث لاأعرف .. لايهم .. مادمت أرتاح منهما .
هى الأخرى لم تعد تحاول محاصرتى واستباحتى ، وهى من كانت .. رغم الهدوء الذى أعيشه .. إلا أن الأسئلة تثور داخلى ، ماالذى جعلها تهادننى هكذا ؟ لماذا لم تعد تحاصرنى ؟ أرواغ نفسى يبدو أنها عرفت أن ذلك يثيرنى ، فتجنبته .. الحمد لله أننى تحررت ، نعم تحررت 0
لم أفطن إلا مؤخراً أننى أصبحت أفعل كل شئ ، أصبحت أسير فى الشارع ، أتزاحم مع الناس ، أدهس بقدمى كل ماتطؤه .. حتى وإن تجولت داخل بيتى .. أفعل كل شئ .. بينما أصبحت زوجتى ظلاً..
أفكارى تلاحقنى .. تسوقنى أينما ذهبت ..
تحولت الاتفاقية من طرفينا إلى الالتزام التام ، أصبحت وديعة وأصبحت هادئاً .. فلم تعد تستبيح جسدى ..
الضجر تسلل إلى عروقى ، يبدو أننى أدمنتها.. أستمر فى المقاومة وتعاودنى حالات صعبة كتلك التى عانيتها ..
جلست أفكر بين يديها وعلى مقربة من عقلها .. أنتابتنى نوبة هيستيرية تخللتها صرخاتى..
يبدو أنك أصبت بمس هكذا قالت ..
وقعت الكلمة فى نفسى وقع الصدمة ..
- لاتقلق سأعالجك ..
نظرت فى عينى .. أيقنت من نظراتها أنها تستقرئ كل شئ أنها تسرق خيالاتى ، تسلبنى عقلى ، تستبيح روحى ، أطلقت صرخة أخرى .. صفعتنى على وجهى زاجرة .. كأنها تضرب الجن الذى سكن فى جسدى .. انتفضت فى وجهها ، صفعتنى ثانية بقوة .. أجهشت بالبكاء ، تقوقعت على نفسى .. ورحت أمارس ضعفى..
***
مازال الصمت يلفنى ، نظراتها تروعنى ، أحاول الافلات ، تفشل محاولاتى أصرخ ، تختنق الصرخة فى حلقى ..
قالت : الشيخة سعاد أوصت لى بخلافتها ..
لم أستطع الرد .. فقط أهز رأسى خاضعاً
- من اليوم سأستقبل الناس فى بيتى ، فلم يعد لى حاجة خارج البيت ..
استمر فى هز رأسى ..
الحركة من حولى تتزايد ، أرى حماتى قد غيرت من هيئتها .. أصابتنى الدهشة تلك المراهقة ترتدى عباءة بيضاء وتلف رأسها بشال أبيض عدت إلى نفسى .. تواترت التساؤلات .. لم أستطع منع ضحكة راوغتنى فى الخروج إلى الفضاء ، إنها أقسم لكم أشبه بطائر أبى قردان .
أستسلم كعادتى ، تقترب منى هامسة .. الآن أنت أفضل ..
أهز رأسى موافقاً ..
تمسكنى من يدى ، تسحبنى إلى الداخل بعيداً عن أعينهم ، تمسح على رأسى أصبح رخواً .. تبتسم .. تتجلى أمام عينى كملكة متوجة .. تقترب .. تدنو منى أستنشق زفيرها .. أكتم أنفاسى .. يجف ريقى .. يسيل بداخلى لعاب الرغبة تلتصق بى .. يلسع جسدها .. جسدى .. أسكن رأسى على نهديها الكبيرين بعدما دنوت إليها .. تجذبنى أكثر .. يتضخم صدرى .. تنتفض عروقى .. تتصاعد الرغبة داخلى .. أصير صلباً .. أضمها بعنف .. تمرر يديها بحنان شديد قائلة .. ليس الآن .. فكما ترى .. الناس قد ملأوا البيت تنسحب خارجة .. تتبدد اللحظة .. وأعود كسابق عهدى رخواً انتظر لحظة انفصال أخرى .




















- 13-
الشارع المكتظ ، تغيرت ملامحه بعض الشئ ، لم يعد به مكان للماره ، الوجوه مختلفة الملامح والأغراض ، سكان الشارع يتسلقون هؤلاء والشوارع المجاورة تسلل إليها الصخب فى غفلة من الناس .
إنهم يمارسون حياتهم بطبيعية تامة ، يأكلون ، يشربون ، ينامون ، يثرثرون ، ويلعبون ..
المحدق فى كل تلك الوجوه يقرأ الحياة ، ويغرق فى مستنقع البؤس والشقاء ، يطال الميدان ماطال شوارعه ، يفدون من كل حدب وصوب ، قد ينطلقون أياماً من أجل المجئ ، يتهافتون على الحجز .. فلقد ذاع صيتها ، وكثرت حولها الأقاويل .. وأنا من شرفتى أراقب هؤلاء ، بينما تمنحهم حماتى الأمل فى الشفاء تتحرك بينهم كأبى قردان وتهمس فى أذن هذه وتثرثر مع تلك ، لم أشأ النزول إلى الميدان الذى نتنت أرضيته من جنوب هؤلاء ..
تحول الميدان إلى بركة عفنة ، فمخلفات هؤلاء لاتنتهى .. أصبح المكان مقلباً للقاذورات ..
رغم كل ذلك ترى أصحاب الياقات الجديدة يعبرون عبر نتوءات الطريق المتسخ فيزاحمون هذه الأجساد العفنة آملين فى أن يجدوا عند زوجتى العلاج .. الذهول يسيطر على جمجمتى ، لم أعد قادراً على الصمت .. انخرطت ألبى الطلبات لهؤلاء الناس كمياه الشرب .. تحولت إلى خادم .. أسمع منهم أفزع لمشكلاتهم ، أتعاطف ، ودون أن أدرى ، ودون رغبتى ، وجدت ( ضياء ) يموج وسط الجموع يسترق السمع ، ينقل الأخبار مقابل الحلوى واللعب ، يستمر الأمر أدركت خطورته ، أمسكت ضياء .. حاولت الخروج به من المكان ، رفض ، تسرب منى ، ارتمى فى حضن أمه .. أحسست بجبل المقطم ينهد فوقى ، تمالكت ، ثارت ثائرتى ، صرخت فى الناس .. أوضح الأمور ، أحثهم على الخروج من دائرة الأسر ، أومأت إلى بعضهم .. تضاحكوا .. صرخت : إنها دجالة .. دجالة .. لم يلتفت أحد إلى .. ظللت على حالى .. هممت بجذب ضياء أومأت إليهم مرة أخرى .. قذفونى خارجاً ..
تسلقت الناس مثرثراً لهم بينما كانوا يضربون كفاً بكف أسفاً لحالى .



- 14-
ولأول مرة أذهب إلى المقابر طائعاً ، حيث ذهبت إلى قبر الشيخ أبوح إليه على أنفث عن صدرى بعض همى .. لم يرد الشيخ ظل فى صمته .. بينما ظللت على إلحاحى ..لايجيب .
كانت الشمس قد غابت وظلل المساء أرجاء المدينة ، فارتدت السماء ثوب الحداد ، ومازالت محاولاتى مستمرة ..
ركنت إلى أحد الجدران متقوقعاً على نفسى .. حتى داعبنى النعاس ورحت فى سردابه ..
تتموج فى أذنى عبارات .. أحاول الامساك بها .. دون جدوى .. فماتزال أرجاء رأسى تغط فى النوم ، تستعذب حالة اللاوعى .. أحاول ..
يبدو أنه صوت الشيخ ينطلق يداعبنى : أنت تحلم
: لقد أتيت لأبوح لك
: تنسحب إذن من الميدان
: الميدان !
: نعم الحياة ميدان الكفاح والمقاومة .. قاوم
: قاومت
: لم تقاوم
: بل قاومت
: استمر ولاتنسحب
: يبدو أنك نسيت قانون الحياة . أنت ذاتك لم تستطع المقاومة
: أنا
: نعم
: كيف ؟
: لم تستطع إثناء زوجتك عن أفعالها
: استطعت تحجيم أمرها .. فلم ينتشر أمرها كما حدث لزوجتك
: لكن .. البداية .. من بيتك ..
: على مستوى الروح فقط .. القلب ..
: أنت لم تستطع ذلك .. شاركتها
: لكننى فى النهاية رفضت .. وإلا لما اتيت إلى هنا ابوح إليك
: لم تأت إلا عندما طال الأمر ولدك
: ولدى …… !
: اعلم رفضه الخروج معك .. لاتهتم .. مازال طفلاً قابلاً للتشكيل
- وهذه هى المشكلة .. يمكنها برمجته حيث تريد
- يمكنك مقاومتها
- ماذا لدى لكى أفعله ؟
- الكثير .. الكثير ..
- مثل ماذا ؟
- الصوت يتباعد شيئاً فشيئاً ..
اختفى الصوت بينما رحت أصرخ فى أرجاء الجبانة بحثاً عن مجيب .
***
دب التعب أركان جسدى ، لم أعد اتمالك نفسى ، أسندت ظهرى كما كنت متقوقعاً على نفسى ورحت فى نوم عميق ..
صرخات مكتومة .. تراوغنى .. تخرج منى .. تقترب من التمتمة ، أستنجد بمن يخلصنى من آلامى .. ومن هذه الحياة التى عجزت عن الإئتلاف معها .
الصور تتنازع فى عقلى ، تتموج أمام عينى المضببتين ، وكأنى أصارع هذا أو أصرخ فى ذاك ، أحسست أننى أتشتت فى كل الاتجاهات ولا منقذ .
أصبحت أشم رائحة الموت ، تحكم قبضتها حول أنفى .. تحاول انتزاع روحى .. يبدو أننى أصبحت على مشارف الموت الذى طالما كرهته وكرهت رائحته ، الحصار شديد محكم ، وجسدى المتهالك ، أنهكه الحصار فاستسلمت .. بينما تحوطتنى أشباح تتجاذب أطراف الحديث .. لم تتبلور بعد أمام عينى لكننى أدرك رنينها .. إنها لأناس أعرفهم ، نعم أعرفهم ، أحسست بجسدى يرتجف ..
مرت الصور أمام عينى كأنها شريط سينمائى ، وهم ينظرون إلى جبهتى بإهتمام كأنهم يستقرئون مايحدث ..
الوجوه تتضح وتختفى ، يعترينى الخوف ، ماذا حدث لى ؟ هكذا انصبت دائرة تساؤلاتى .. هذه الوجوه التى تتموج أمام عينى أعرفها .. لكنها جميعاً لأموات أعرفهم .. يبدو أننى مت .. آه .. مت .. وأنا أكره الموت وأكره رائحته .. لكن كيف .. آخر ماأتذكره أننى أتيت لزيارتهم ..
يالها من مصيبة .. لكن ماالعمل ؟
الفرار .. نعم لابد من الخروج من حصار تلك الوجوه ..
كادت رأسى تنفجر .. قررت الهروب .. نظرت إلى فضاء المقابر كان البدر قد كشف عن بعض معالمها .. انطلقت لاجتياز هذا الفضاء ، ثقل يتعلق فى قدمى .. أحاول .. يتسلل اليأس إلى قلبى .. أضيق .. أنفث عن صدرى هذا الضيق .. أحاول ثانية مازالت الأثقال تعوقنى .. أكاد أفقد روحى .. أهدأ .. ثم .. أحاول ثالثة .. تلاحقنى الوجوه .. أعجز عن الفرار واستسلم مختنقاً مغشياً على ..
ظل جسدى هامداً ، تتناوب الأصوات على أذنى .. نعم .. أعرف أصحابها .. ارتجفت ، هدأنى صوت الشيخ نعمان .. قائلاً : اهدأ ياعسران لاتخف فأنت ضيفنا ..
نظرت إليه ورحت فى بكاء شديد ..
















- 15-
غازل البدر نجوم السماء فالتفت حوله تشع بريقها وابتعدت السحب عن صفحتهم المتسعة ، فبدت السماء صافية زاهية ، والأطياف تحوم حولى فتبدو للعين هلامية ، والأصوات المصاحبة لها أصبحت هامسة ، والمكان مازلت أكرهه والرفض مازال يراوغ عقلى .. أستبعد فكرة الموت تماماً .. أنا لم أمت ، مازلت أنبض بالحياة .. لكن ماذا كان من حديث الشيخ ؟ إنه رحب بى .. قال : أهلاً بالوافد الجديد .. أهلاً بك ياعسران .. أنا عسران .. نعم أنا هو ..
هأنذا أطرق على جبهتى ، أتحدث وأسمع وأرى .. يبدوأنه كابوس مزعج .. لابد من الإفاقة منه ، ولكن الأمر هنا على أية حال أفضل من المشاركة فى دهس كفة الميزان .. آه .. لابد أنها سويت بالأرض ، أصبح من الصعب إعادتها ..
لابد من البحث عن ميزان آخر وكفة أخرى ..
تداخل صوت : وعالم آخر
استطردت .. لا .. لا .. لا أحب العالم الآخر .. إننى أعلم أن زوجتى تخفى الميزان كله تحت قدميها .. إننى لن أسمح لها مرة أخرى ان تحتلنى أوتحاصرنى ، سأنزع منها ولدى .. سأخرجه من دوامتها القذرة .. إننى أرفض على كل المستويات الخضوع إليها ، الخضوع إليها يعنى التلاشى وأنتم كما تعرفون عنى .. أرفض التلاشى .. لن أنسحب من عالمى .. يجب تغيير مقدراتى .. الإيجابية هى الحل ، سأنتزع حريتى وأثور على واقعى .. نعم سأثور ..
كانت الأطياف لاتزال تحوم حولى ، أحسست فى تهامسها حنواً وتعاطفاً شديدين .. انسحبت من ثورتى أحادثها ..
أنتم أرواح طيبة .. أليس كذلك ؟ هل أنا مت ؟.
هل أصبحت مثلكم روحاً بلاجسد ؟
يبدو أنكم معذبون مثلى .. نعم .. نعم .. أنا أكبر المعذبين على وجه الأرض فقدت السيطرة على زوجتى ، على ولدى .. بل فقدت السيطرة على نفسى ، افتقدت الإحساس بطعم الحياة ، الحياة التى أحبها .. نعم أحب الحياة .. وماالعيب فى ذلك ؟ فلم أر غيرها .. إن ولدى هو سر تمسكى بها .. فهل تدركون حبى للحياة ؟ طبعاً .. لاتدركون شيئا لأنكم فقدتم الإحساس بالحياة .. أصبحتم .. أمواتاً صرتم أرواحاً 0
وبينما أسترسل فى حديثى يلتصق صوت الشيخ بأذنى ..
" بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وابقى "
نعم أيها الشيخ الطيب .. لقد كنت النقطة البيضاء التى أحبها فى وجودى وكما عهدتك دائماً نقطة بيضاء أيضاً فى الآخرة
جئت لأصلى خلفك ، لأستنصحك ، لأنضم إلى صفوف معتدلة ، مستقيمة ووجوه نقية وقلوب صافية كاللبن الحليب ، نعم جئت أمارس حريتى ولكن بعيداً عن الموت ..
- الموت حق
- آمنت بالله " لكنى لازلت أكرهه .. لازالت الحياة فى قلبى ..
- الحياة فى قلوبنا جميعاً ..
- كيف ؟
- نهتم لأمر أولادنا .. أصدقائنا ولذلك أدعوك للبقاء معنا
- كيف ؟
- أصبحت ياصديقى روحاً طاهرة فى جسد .. تساميت ياصاحبى .. فأنت جدير بالبقاء معنا على هيئتك .. إنك جدير بالقيادة أيضاً
- القيادة .. !!!
- نعم .. فهنا حياة بمفهوم آخر ، وقيادة .. ولكن اعلم أن للقيادة عندنا مفاهيم أخرى ، سنعلمها لك قبل تنصيبك قائداً ..
السماء من حولى تتراقص وتداعب الكلمات فى ثبات فضاء عقلى وأحاول بكل قوتى استجماع شتاتى ، أستعذب فكرة القيادة ، وأجهز نفسى لليوم الذى أصبح فيه القائد .












- 16-
الإحساس بالزهو تملك جسدى ، من فى هذا العالم مثلى ؟ أصبحت بين يوم وليلة قائداً .. آمراً .. ناهياً .. يحق لى ألا أنام .. أو أستريح الراحة كلها فى ممارسة قيادتى .. سأبذل قصارى جهدى فى توفير الجبانات الكافية .
الإنارة ، ورصف الممرات من أهم شواغل فكرى .. هنا لانحتاج إلى مياه فالمياه الجوفية يمكن الاستفادة بها .. سأحاول إلغاء الكبارى العلوية .. حتى لايعلونا أحد ، ولن أسمح بعمل أنفاق أرضية ، حتى لاتقلق راحتنا ، سأسعى جاهداً فى التلويح بقوتنا .. سأكون الخط الواصل بيننا وبينهم ، هم رغم كل ذلك جبناء ، لايمكنهم مقاومتنا ، سأدحضهم .. لكن على مهل .. لابد من اقناع أصدقائى الموتى أولاً .. لابد من مصادقتهم ، كسب ودهم لابد من النفاذ إلى قلوبهم .. ومن ثم أستطيع التأثير على قراراتهم .. الهدف لصالحهم .. نعم .. فلست أسعى لمجد شخصى ، كل ماأسعى إليه هو العدالة .. إشاعة السلام والحب .. ياالله ..!! أشعر بجمجمتى تنتعش ، تضخ دماً نقياً .. دماءً ليست كتلك التى لازمتنى طيلة عمرى .. إنها بعيدة تماماً عن كل أعشاب الخضوع .. إنها دماء القائد .. أيها الشيخ .. أقم الصلاة .. نحن نؤمن بالله .. ماذا تريد ؟ مسجداً .. نعم سنبنى لك مسجداً على أحدث الطرز المعمارية .. هذا أمر منى بذلك .. سنستدعى أمهر الأرواح الفنانة .. فالعمل مكفول للجميع .. ليس فيكم من يعانى البطالة .. هيا فالعبادة مكفولة للجميع أقيموا الصلاة .. الجميع فى ظل قيادتى سيحقق أمله ..
ياحمودة .. أعلم أنك صديقى .. وتعلم كم أشرف بذلك ، الحال هنا مختلف تماماً عن الحال هناك ، هنا ستتزوج غادة .. صاحبة الوجه الباسم والشعر الذهبى الجميل المنساب خلفها يداعب ذرات الهواء أعلم أنك لم ترها منذ مجيئك إلى هنا .. لكنى أؤكد لك أنها لن تكون إلا زوجة لك أنت .. آه لو رأيتها الآن ياحمودة ..
الحيوية فارقتها فانزوت فى بيتها ، ووجها الباسم الضحوك أصبح واجماً مهموماً اكتسى وجهها الحزن ، عيناها الجميلتان ذبلتا .. والجسم البض الرقيق سطا عليه الوهن .. أعلن الحداد .. عزفت عن الزواج من غيرك إنها تتحدى والديها ، إنها ترفض .. ترفض .. لاتصدقنى !! .. معك حق .. لكنى أقسم أنها لن تكون إلا من نصيبك أنت .. لاتندهش ، فلدى حيل كثيرة تعلمتها من الشارع وحيل أكثر تعلمتها من زوجتى .. هيا يارجل .. ابتسم .. ابتسم .. أرجو ألا تفارقك هذه البسمة ، حتى تجدك مبتسماً عندما تجئ إليك
………………………
لاتقل هذا ياحمودة ، ماذا تمثل الحياة لها بعد فراق الحبيب ؟
ألم أقل لك أنها تستعد فعلاً للمجئ إليكم ..
العلاقة بينى وبينك ليست علاقة قائد ومقود ، لا .. لا .. العلاقة بيننا ياحمودة علاقة أصدقاء ، فهمت .. كلنا هنا أصدقاء .. إجعل ذلك فى ذهنك .
أما أنت ياصديقى فريد .. لاتخف .. نعم أصدق أنك لم تخافنى وكيف وعلى أى شئ تخاف .. لقد كنت أنظر إليك وأنت تسير فى الشارع معتزاً بكينونتك وبخطى ثابتة تضرب بقدميك وجه الأرض .. تزاحم فى نشاط .. حتى طالك فيروس الشارع .. لم تقاومه .. فتملك من جسدك وتحول وجهك العنترى إلى وجه آخر لم أعرفه .. وتحولت خطواتك إلى حبو .. وصادقت " العكاز " .. أنت بالذات يافريد كان لى معك مواقف .. كلها طيبة .. لاتمتعض هكذا .. لا أقصد أبداً أن أمن عليك .. وإنما أذكرك فقط أننى صادق معك أعلم أن زوجتك أهملت علاجك ، زوجتى كذلك لم تهتم سوى بنفسها اسأل الشيخ إن لم تصدقنى .. فهو يعرف الكثير عنى
لم يجبك الشيخ .. الشيخ دائماً يحافظ على سرى .. حتى وإن طلبت البوح منه بذلك .. الم أقل لكم بأنه النقطة البيضاء فى الدنيا والآخرة .. هيا ياشيخنا الجليل .. أذن للصلاة .. سنصلى .. سنصلى جميعاً من أجل فريد ، من أجلنا جميعاً .. وبعدها نفكر ماذا يمكننا فعله .


***
الرائحة الطيبة تنفذ إلى أنفى .. أشعر بالسعادة .. يبدو أنها رائحة بخور .. إن هذا المكان والله لطاهر .. الجميع خلف الإمام ذاب فى الصلاة وأنا لا أستطيع السيطرة على نفسى ..
الأسئلة تتواتر على عقلى ، تضرب جدران فصوص جمجمتى فى عنف .. يستولى على الاندهاش .. أنسحب من الصلاة ، أراقبهم .. تكاد أطيافهم تطير، والرائحة الطيبة مازالت تعبق فى المكان ..
أحسست بقدمى تتورمان .. فلقد أطال الشيخ الصلاة ، يبدو أنهم لايشعرون بالوقت ، أما أنا فلازلت بين بين .. هكذا يطلق على الشيخ 0
حالة من الصمت تملأ المكان وتبدو الحياة بالجبانات ساكنة لاحراك فيها ..
صوت العجوز اخترق جدار الصمت .. تنعى حفيدها سمير.
انتهى المصلون ، وتوقف الدعاء ، حانت منى التفاته عاملاً فراستى أنت سمير ؟
مازلت صغيراً .. إنك تشبه جدتك كثيراً .. لولا ذلك ماعرفتك لاأستطيع القول أننى أعرف أسباب موتك ؟
عظيم .. لكن من عبأك لذلك ؟
……………………………….
لكنك ياصديقى الصغير لم تعرف طعم الولاء بعد .
……………………………….
لاتغضب .. ها هى جدتك تولول .. " يقتلها فراقك " ..
……………………………….
نعم .. نعم .. أدرك شوقك إليها .. هى الآخرى تشتاق إليك
……………………………….
تبكى .. لاتبك ياصديقى .. فلسوف أحقق المعادلة الصعبة بينكما.. تسألنى كيف ؟ .. أنت لايمكنك العودة ، لكنها يمكنها المجئ .. هل فهمت مقصدى ، يبدو على وجهك الذكاء .
……………………………….
توافقنى .. عظيم .. هكذا يكون الحوار .. الديمقراطية ياصديقى هى أسلوبى فى القيادة .. إعلموا ذلك جيداً ياسادة .
أعود إليك ثانية ياسمير ، أسمعك .. جميعنا نهتم لأمرك ،
……………………………….
نعم أوافقك الرأى .. الموازين مقلوبة .. حكاية الكفة الواحدة هذه جريمة .. أنت محق ياصديقى فى كل ماحكيته .. لكن .. كان يجب عليك أن تقاوم .. أن لاتهرب ..
……………………………….
- نعم مافعلته يحمل وجاهته .. لكن الاندفاع خطأ ..
……………………………….
- لست متخاذلا .. لكنى أقول …………
……………………………….
- لاتغضب .. فهكذا كان يقول الإمام عندما أفعل .. أنا مثلك ياصديقى .. لايعجبنى .. لكنى أقاوم وأنا موجود
………………………………. ؟
- لا ليس ذلك هروباً ..
……………………………….
- سمه ماتشاء .. لكنى أحاول أخذ موقعاً جديداً للمقاومة من أجل التقاط الكفة الأخرى .. أنا لا ألومك ياصديقى.. فكل ماأردته أن يكون فعلك له قيمة حقيقية.. لكن..هل تدرك أبعاد القضية ؟
……………………………….
- يبدو أنك تجد سذاجة فى طرحى لهذا السؤال .. لكنى أقسم لك أننى لاأتهكم عليك حين أسألك سؤالاً كهذا ..لكنى أقول : إن شاباً فى مثل سنك هذا لايقبل إلا على الحياة .. انظر إلى عامر وفادية هناك على حافة النهر .. يتعانقان جاءا إلى هنا ليعلنا زواجهما بعيداً عن تلك العيون التى تسكن خلف حقدها .. انظر جيداً .. أليسا كعصفورين أرادا الخلود ، فقررا الرحيل إلى هنا .. ؟ هيا ياصديقى سمير عد إلى رفاقك وأمرح معهم وأعلن للجميع أننى سأقيم حفل زفاف لعامر وفادية على ضفاف النهر العظيم وسيصبح حديث الموتى هنا ستتحقق كل المطالب فى ظل قيادتى .. ياسادة .. العبادة فرض ، والطاعة فرض ، والعمل فرض ، والأحلام مشروعة وتحقيقها فرض على .. احلموا وأنا أحول أحلامكم إلى حقيقة













- 17-
الليل ينكشف بأشعة القمر الفضية ، أتجول بين المقابر فى هدوء تام ، أرى وأسمع ، الأطياف أصبحت أمام عينى محددة الملامح .. كل شئ أصبح تقليدياً .. تماماً كما كان الحال مع زوجتى .. أنسحب نهاراً إلى الحياة أسترق السمع عند سقوط الشمس خلف أسوار المقابر فمازالت داخلى جذوة العودة .. أقولها بصراحة .. ولماذا أخدعكم ؟
الميدان يضج بالحكايات ، جميعهم لايعرفنى ، فكلهم وافدين
صوت1: يبدو أنه هج من واقعة
صوت 2 : يمكن أن يكون بفعل فاعل ..
……………………………….
صوت4: لاتندهشوا .. فزوجته الشيخة " إيمان " مكشوف عنها الحجاب ولابد أنها تعرف كل شئ ..
صوت 5 : الموضوع غير ذلك .. علمت بأن الشيخة غير راضية عنه.
صوت 3 : سمعت بزواجه من تحت الأرض ، وفضل البقاء هناك
صوت1: هل هذا معقول.. ؟ ! حتى وإن كان صحيحاً ..فهل تعجز الشيخة " إيمان " صاحبة السر الباتع عن معرفة ذلك..
صوت 4: بالتأكيد تعرف مكانه ..
صوت 2: إذن لماذا تبحث عنه ؟
صوت 4: الشيخة زكية.. هذه أشياء لاندركها نحن
صوت5 : سمعت أنه مخضرم ، وقوىُُ عنها ..
تداخل الأصوات .. يجوز .. إحتمال ..
كان الحديث يتسلل إلى أذنى صعباً .. ربما أثور لبعضه ، وأفرح لبعضه الآخر كنت أظن أننى الوحيد الذى يسمع هذا الحديث .. لقد كان رفاقى فى المقابر يسمعون كل شئ .. نعم أدركت ذلك فى عيونهم ..
***
عندما توقفت عملية البحث عنى .. أدركت أن أمرى قد انتهى .. انتابتنى موجة عنيفة من الحزن .. كادت تسكننى المقابر إلى الأبد .. سمعتهم .. هؤلاء الذين جعلونى قائدهم فى الثلث الأخير من الليل ، لقد حاول بكافة السبل تحقيق أحلامنا .. فها هو المسجد الذى بناه للشيخ ، وهذه غادة التى زفت إلى حمودة .. بعد أن أضناها الحزن لفراقه ، وكما وعد عامر وفادية فقد زوجهما على حافة النهر فى حفل أسطورى لم تشهده مقبرة مثل ذلك ، وهاهما زوجان عاشقان حتى سمير جمعه بجدته العجوز ، فجعلها تؤمن بما آمن به حفيدها .. فانفجرت حيث انفجر حفيدها ..
أما أنا فأعلنت لصديقى عسران تسامحى وصفحى عن الشارع ، فلن تجدى معاقبة العالم الذى لم أعد أعيش فيه ..
لقد سامحت زوجتى .. الشارع فقط هو الذى يمكن أن تخافه
هيا ياأصدقائى .. نقدم له شيئاً .. التئمت جراحنا إلا جراحه هو .. فمازال يرنو إلى الحياة.. لم أعد أفهم شيئاً من أمره ، يبدو تعلقه الشديد بها .. جعله مهموماً ولده سر نزفه .. إنه ياسادة يمتص آلامه ويواجهنا بابتسامته المعهودة 0
حالة الصمت التى يعيشها .. تثير داخلنا أشجاناً كثيرة ..
يردف حمودة قائلاً بعد فريد .. كنا قانعين بما وصلنا إليه قبل مجيئه إلينا ، أعاد فينا الأمل ، وها نحن الآن عاجزين عن تقديم المساعدة له .
الحياتيون يتمسكون بحياتهم .. ألم تروا أولئك الذين إمتلأ بهم الميدان .. يحسبون أنهم مازالوا أحياءً .. أليس ذلك يثير الضحك .. ؟ !
ألم تسمعوا مايقولونه عنه هؤلاء .. ؟ إذن ماذا يسمون حياة الإختلال تلك التى يعيشونها .. ميزان ذو كفة واحدة .. أمر عجيب ..إنهم يصدقون أنفسهم .. ألم ترونه وهو يسمعهم ؟ ! يلعن كل الذين يثرثرون فى أمره ، ثم ينسحب إلينا بإبتسامته .. هيا .. فلنعد العدة ولنغير على هؤلاء الذين ضجت بهم المدينة
















- 18-
لم تبزغ شمس يوم إلا وتصحو " إيمان " منكوشة الشعر ، عابسة الوجه ، تصرخ فى أرجاء البيت ، تلعن اللحظة التى جمعتها بعسران .
كالعادة يستقيظ " ضياء " على صرخاتها ، فزعاً ، ليمارس عمله الذى عهد إليه به وتلك الجدة المتصابية ذاقت طعم النقود فتأقلمت مع جلبابها وشالها الأبيضين ، أصبحت مسئولة عن ضياء تعلمه ، رغم ماكان بينهما ..
الميدان كله ينتظر الدخول إلى الشيخة " إيمان " وهذه الجدة تملك تأشيرة الدخول وهم ينظرون إليها يستعطفونها ، تتمادى ، تستغلهم ، الكلمة لها .. هم جاءوا كلهم أمل فى شئ والأمل عند الشيخة " إيمان " فلماذا لايصبرون ؟ !
لقد استطاعت " إيمان " أن تسحر العقول ، وتستميل القلوب ، وتهادن السلطة ، فهم فى حاجة إليها ..أوليسوا .. من الناس؟
المدن والدنيا التى يرويها النيل لاتتناول إلا سيرتها وسرها الباتع .. إنها تقترب يوماً بعد يوم لتصبح قديسة .. الناس ينزلونها منزلة عظيمة تنزل إليهم ، تمرر يديها فوق رءوسهم ، تنثر ذرات التراب من يديها ، تتمتم بكلمات لايفهمها أحد ، الإيحاء لديها ليس له حدود ، والناس يعشقونها ، الوهم .. نعم الوهم هى الكلمة التى تطلقها على الجميع .. الناس عندها متوهمون .. يصدقونها فى كل شئ .. إنهم جاهزون لذلك .. وهى كما هى فى عباءتها البيضاء ، ولفة رأسها البيضاء ، تمارس عليهم أساليبها فى ثقة وثبات
عندما تخلد للنوم بعد يومها الملئ بالعمل ، تنزع نفسها من كل ذلك ، وتنتزع تلك العباءة وترمى بها إلى أقصى أركان الغرفة ، تنظر فى المرآة بأسى ، تداعب يدها قميص النوم الذى طالما أوقعت عسران به فى أحضانها .. تتذكر فى عمق تلك اللحظة التى كانت تتوحد فيها معه .. تتموج أمام عينيها السعادة .. وتذوب لبرهة ، تعاود بعدها هز رأسها متخلصة منها نافثة عن صدرها ، مااختلج فيه ، وتدس نفسها تحت الغطاء تمضغ آلامها بينما تستمر العجوز فى تعبئة التعاويذ والأحجبة وتحكم لفها بطريقة آلية مستعينة فى ذلك بضياء .



- 19-
ذات صباح والشمس لاتزال تنتزع نفسها من الجهة المواجهة للجبانات صافعة فى عنف وجه الظلام ، كان لايزال الاجتماع الذى عقده الشيخ نعمان فى المسجد للتشاور حول كيفية مساعدة عسران القائد ، كان الاجتماع سراً ، ظناً منهم أنه لايسمع شيئاً ..
يسترسل الشيخ فى قراءة التوصيات ..
هاله ذلك متسائلاً : كيف سيحقق الأموات سعادتى ؟
كيف سيأتون بولدى .. ؟ ليس إلا كما فعلت مع جدة سمير .. وهذا صعب لابد من احتواء الموقف ..
عذراً ياسادة : إننى أرفض هذه السعادة .. أريد لولدى الحياة
قاطعه الشيخ : وهل تسمها حياة ؟
- نعم .. نعم إننى أريده أن يتخذ قراره بنفسه .. ألا يجبر على الموت والمجئ إلى هنا ، لقد قلت لى أيها الشيخ .. أننى تساميت .. لكنك لم تقل كل الحقيقة ياصديقى لقد أجبرت ياسادة على المجئ إلى هنا .. أنت تعلم لماذا أتيت إليكم ؟ مازلت على قيد الحياة .. أنبض بها .. أثور وأغضب .. أما أنتم فلا، كما قلت لكم لم أر غيرها حتى أرجو بديلاً .. نعم أدرك حياتكم .. لكنى لاأعلم شيئاً عن أحاسيسكم ، وعن حياتكم التى تقضونها بعيداً عنى .. نعم أؤمن بكم وبحياتكم .. لكنى أؤمن بعالمى .. إننى متمسك به .. ولاأريد لولدى الموت .. أنت ياصديقى الشيخ .. من أولئك الذين يحبون الناس لله .. لذلك تراهم جميعاً طيبين .. ألم أقل بأنك المصباح المضئ فى هذا العالم ..
قال أحد الشعراء .. كن جميلاً تر الوجود جميلاً .. لقد حفظته من خطبك .. أو لم تقل فى أحدها أن رسول الله  قال له أحد الصحابة إننى أرى الحياة جميلة فقال له صدقت وقال له آخر الحياة بين بين فقال له صدقت وقال ثالث الحياة سوداء مظلمة فقال له صدقت .. فلما سأله الصحابة عن ذلك قال  كل على قدر إيمانه .. وها أنت ياشيخ من النوع الأول .. ألا ترى مكانتك هنا لولا تواضعك وتنازلك عن القيادة ماأخذها أحد منك .. أنت هنا القائد ياشيخى الجليل ..
قاطعه الشيخ : لقد طوفت بعيداً عن الموضوع .. إن لك قدرة عجيبة على المراوغة .. أسمح لنا أن نقدم لك شيئاً دون الإخلال بمفاهيمنا سنهاجم هؤلاء الحياتيين ، سنستخدم كافة الأسلحة ، الإيحاء ، الأرواح ، الهدنة .. نعم سنسعى لمهادنة الجان .. والحرب إن لزم الأمر .
- الأمر لكم ..
انسحب عسران مبتعداً بينما كانت جحافل الموتى قد التفت حول الشيخ ينتظر كل منهم دوره فى خدمة القائد ..
















- 20 -
لم يمض وقت طويل حتى نجح الموتى فى تقليص عدد المترددين على الشيخة " إيمان " ، حتى أصبحت الميادين خالية ، والشوارع التى كانت تموج بهم ، جفت مستنقعاتها ولم يعد بها قاذورات تهيمن على أرضياتها ..
الشيخة " إيمان " أصبحت تضرب كفاً بكف ..
طافت الأرواح أرجاء المدينة تحمل البشرى إلى ذاك وتوحى إلى الواهمين بالعلاج ، فانصرفوا عن الشيخة التى راحت هى الأخرى تبحث لها عن مكان أخر تستطيع فيه ممارسة دورها فى التأثير على الآخرين .
كثرت الأقاويل والشكاوى .
لم تجد السلطة بداً من انتهاك معاهدتها مع الشيخة " إيمان "..
انتشرت الأرواح فى أرجاء المدينة .. أصبح من الصعب السيطرة عليها واستجماعها مرة ثانية..
العبث بالحياتيين متعتهم الحقيقية .. حتى أولئك الذين دهستهم الأقدام ، سقطوا مبعثرين مع كفة الميزان .. أصبحت الأرواح لاتفرق بين هذا وذاك .. يجلس عسران يراقب الأمر ، تتملكه الفرحة ، أحس بدماء كتلك التى أحس بها عندما عاد إلى قريته .. الآن القرار قراره والكلمة صارت كلمته .. وهى .. تتضاءل لحظة بعد لحظة وترتجف للأمر ..
انتبه الشيخ لخطورة الموقف .. أذن للصلاة .. لامجيب
حى على الصلاة ياحمودة ، حى على الصلاة يافريد ، حى على الصلاة يا ............ وراح يسمى كلاً بإسمه ..
الموتى يطردون الآذان عن أسماعهم ، يمارسون القوة ، يستعذبون اللعبة .. ظل الشيخ كذلك حتى بكى وراح ينزف من داخله .
القائد على كرسيه يحفز هذا ويدفع ذاك .. وكأن باب جهنم قد انفتح على قلبه فأكل منه الأخضر واليابس ، يقهقه ، يرمق الأرواح وهى تدهس الكفة الآخرى للميزان بلارحمة ، الفوضى دبت أرجاء المدينة ، ومازال عسران يحفز ويتشفى
- هيا سنعيد تشكيل الميزان .. الميزان الجديد بكفتيه سنمتلكه ، بل سنصنعه بأيدينا .. تقدموا .. مارسوا عملكم .. نفسوا عن أنفسكم ، كان الشيخ يشتعل غضباً ..
- ينظر إليه عسران قائلاً : هيا تحرك معهم أيها الشيخ .
- يرمقه الشيخ بغيظ ..
- يعود عسران قائلاً : لاتغضب .. لاتغضب أيها الشيخ .. فأنت قائد مثلى .. لملم الشيخ أفكاره منسحباً إلى نفسه ، مبتعداً عن عسران ، مردداً أذكاراً لايعرفها غيره ، وفى عينيه تبدو بدايات الحل .
مازالت الأرواح تمارس عملها ليلاً ونهاراً .. تطلق يد التخريب والفوضى فى كل مكان ، فتثير الرعب وتعمق الخوف وتبنى جسوراً أخرى للوهم ..
تعم المدينة فكرة الغضب ، وأن مايحدث سخط من الله أنزله الله عليهم ، لم يذق الشيخ طعماً للراحة ..
فانتقل يطوف أرجاء المدينة ، تنادى روحه أرواحهم ، تهزهم .. تذكرهم .. تعيدهم إلى أماكنهم ..
والقائد يحفز .. والأرواح حائرة .. حائرة ..
للمرة الأولى تعود كفتى الميزان متوازنة بين الشيخ وعسران يتقدم الشيخ يبث مفهوم الموت فى أرواحهم ، ويعيد إليهم وإلى ذاكرتهم قانون السمو والتعالى عن الضغائن
على الجانب الأخر مازال عسران ينفث مفاهيم الحياة ويعمق فيهم مفهوم الثأر .. تستسلم الأرواح للفهم والإدراك ..
تتضخم .. تعتمل فيها مفاهيم شتى ، تصبح جميعها منهكة القوى .. لاتقدر على شئ .. ترتمى وسط الميادين ، تدهسها الأقدام ، تحاول انتزاع نفسها ، والقائد مازال ينظر ويترقب .. يبصق على هذا الوهن الذى أصابهم بينما تمتد روح الشيخ المتماسكة إلى الأرواح المبعثرة هنا وهناك تعيدها إلى أماكنها بسلام .. وتعود الحياة إلى المقابر شيئاً فشيئاً ..












-21-
انزوت الشيخة إيمان فى سجنها لايطل عليها أحد ، حيث كان لزاماً على السلطة أن تقبض عليها وتقدمها للعدالة .. حيث خبت شهرتها .. ولم يعد وراءها طائل .. حتى أمها التى تأقلمت معها أنهكتها الأرواح ، وأصبحت مسرحاً للجان ، يعبث بها ويسخر منها كما يسخر الناس .. عادت إلى بيتها القديم ، تكاد لاتستطيع خدمة نفسها ، بينما هرب الولد إلى ميادين المدينة ، يبحث له عن مأوى يعيش فيه بلانظرات ..
يندمج ضياء بالشارع فيزاحم الأجساد ، فتدفعه هنا وهناك .. ينكفئ حيناً ويلحق حيناً آخر ، محاولاً التشبث بالبقاء .
كان الشيخ قد أعاد لنفسه مقاليد القيادة ، استجمع شتات قومه ، راح يداويهم ، حتى دبت أرواحهم بالحركة .. أعلن لهم أنه أخطأ يوم تعاطف مع عسران قائلاً :
أنتم أرواح طيبة .. وكنا نظن بأن عسران طيب ومغلوب على أمره وهاقد أتيحت له الفرصة فظهر باطنه .. آه .. ألم أكن لأدرك ذلك فى حياتى ؟ ألم تكن علاقته بأسرته خير دليل على معدنه .. ؟ ! لاينفع الندم .. فما كان كان .. استطاع عسران بمكر الأحياء عندما أتيحت له الفرصة أن يستخدمنا كسلاح فى وجه أرباب الحياة ، ونحن قد خرجنا من دنياهم ومن عالمهم فمالنا نحن وهذه الحرب ؟ .. لقد اندفعنا فى حرب لاناقة لنا فيها ولاجمل .. لقد استوى الأخيار والأشرار أمامنا ، لم نستطع التفرقة بينهم ، هذا ليس دورنا ياسادة من الأصل .. وليس من اختصاصنا .. إنها المقابر ياسادة مأوانا .. خدعنا عسران بحيله لأننا تركنا منطق الحياة ، فيوم أن زوج حمودة من غادة لم يكن ذلك إلا بجريمة .. لقد قتلها ، سلب روحها .. وضمها إلينا .. وعندما بنى المسجد لم يكن ذلك إلا لأنشغل عن القيادة وأتركه يفعل مايشاء ، ونسى أننا هنا لم نعد نخطئ .. إنما نتعبد زيادة وحباً .. حتى جدة سمير .. لم تفجر نفسها إلا بعد تعبئتها ، كان من الأفضل أن تقاوم بأسلوب آخر .. لقد وضع فى ذهنها لقاء سمير ، فكان اللقاء أسمى ماتطمح إليه .
إذن لماذا لم يوافق على ضم ابنه ضياء إلينا .. ؟ !
الآن .. أستطيع أن أقودكم بمنطق الموت .. فليس لدينا منطقاً غيره…
أيتها الأرواح الطيبة : إن دورنا الأساسى هو طرد الأرواح الشريرة .. فلا مكان لها بيننا .. كل مانستطيع عمله هو ألا ينغص أحد علينا سكينتنا ولايمارس علينا سلطة .. فكلنا سواء .. ألا نستطيع نسيان قانون الحياة ؟ .. فليس لأحد هنا سيادة على الآخر ، هنا الميزان من نوع آخر هنا العدل .. وفى أى مكان يرتجى غير ذلك ليقام العدل فيه ؟ .. وبينما يستمر الشيخ فى حديثه .. تلتفت الأرواح إلى عسران الذى كان قد تضخمت رأسه ، وجحظت عيناه ، أصبحتا بلون الشفق ، أخذت رأسه تنقبض وتنبسط، تتفلطح ، تنتفخ فى حركة هيستيرية .. يناشد الشيخ روح التسامى لديهم .. ينتصرون على ثورتهم .. يتركونه .. يخرج مجرجراً قدميه ، ماسكاً رأسه الذى انثنى جهة الأرض مجبراً على الخروج من عالمهم .. يتزاحم الناس ويتزاحمونه .. يدفعونه هنا وهناك..
يحاولون لفظه .. لكنه هذه المرة تشبث .. ولم يفكر ثانية فى العودة .



- 22 -
دخلت مثقلاً بالتعب ، لم أكترث بشئ ، عمدت إلى غرفة النوم ، فوضوية ، خلعت حذائى ، رميت به فى مكان لم أدركه ، فككت قميصى، استلقيت على ظهرى ، فوق سريرى الكئيب ، أغمضت عينى ، تاهت منهما ذكرى كل شئ ، داعبهما النعاس تهادت إليهما أطياف تجهلهما ، يتوسطها طيف ضياء ، ارتسمت على وجهى ابتسامة لرؤيته .. استعذبت الأطياف ، بدت الأطياف كالملائكة .. تتنقل فى رياض الجنة ، تستنشق عبيرها أحسست أننى معها .. طرت معها فرحاً .. اتسعت ابتسامتى ، اكتسبت صوتاً .. سمعت صداها .. حدثت نفسى دعك من هذا الصوت .. امرحى فى جنتك .. وصل الصوت إلى حد القهقهة .. تساءلت : هل بالجنة صخب ؟! .. تناسيته ، تعالت ضحكاتى رغماً منى .. لمت نفسى .. عنفتها .. حذرتها عاودت النوم .. استكمل تحليقى برفقة ضياء ..غططت فى نومى .. تداعت هذه المره أشباح تتلكأ أمام عينى تصارعنى .. تحاول تدميرى .. حاولت معها مرة بعد أخرى .. الصرخة تختنق ، تنحاش فى حلقى المطاردة مازالت مستمرة ، تكاد أنفاسى تتوقف تعاطفت معى دمعة ، تبعتها دمعات .. لسعت وجنتى .. قفزت باحثاً عنى .. وجدتنى .. سألت نفسى بعصبية : أين كنت ؟ أين صرخاتك كما كانت قهقاتك .. أجابت : الم تطلب منى أن أكون حذرة .. ألا أتعجل .. نعم لقد رأيتك .. لكنى تريثت .. فلعل مارأيت يمثل لك شيئاً ..غلبتنى بالحجة .. استسلمت ، أسكنت رأسى إلى الوسادة .. ورحت أقاوم ماتبقى من الليل ..

فى 18 / 4 / 2003 م

دلوعة*
01-28-2007, 07:32 PM
شكرا

محمود الديدامونى
02-13-2007, 12:47 PM
أتمنى أن يكون هناك رد
الرواية بين أيديكم

عقيلة
02-14-2007, 01:08 PM
الأخ الروائي الكريم : محمود

كل الشكر الجزيل لتفضلك .. بوضع الرواية
وحبذا لو أنك تسمح أن أنقلها لموضوع جديد كي ينتبه الأعضاء لوجودها
ويقوموا بالتعليق بعد إذن حضرتكم الكريمة ..

بالنسبة لي ..
فلا زلت في جزءها الخامس وقت كتابتي التعليق هذا
و أود منك إعطائي مهلة كي أوفي الرواية حقها من القراءة ..
ولا أبخسها شيء ...

مع الشكر الجزيل
ولي عودة بإذن الله


أرق التحايا

محمود الديدامونى
02-16-2007, 09:44 AM
أشكر لمعاليكم هذا الاهتمام
وفي انتظاركم من جديد
ولي الشرف بقراءة تعليقاتكم