sarmad1960
10-26-2006, 05:54 PM
تاريخ العراق السياسي النسيج الأبرز في شعر الجواهري
جمال العتابي
ويقول الكاتب والإعلامي الدكتور جمال حسن العتابي ان الجواهري عاش في خضم احداث العراق بكل تفاصيلها وشهد احداث العالم العربي والعالم خلال قرن من الزمن شهد حربين كونيتين هزائم وانتصارات لحكومات وشعوب وانهيارات وانكسارات لحركات تحرر.. صراعات وتحولات في انظمة وسياسات عاصرها الجواهري متفاعلا وفاعلا ومشدودا لها فهل يمكننا ان نختصر قرنا من الزمان؟ هو حياة الجواهري كلها تمثلها شعرا كشاهد على عصر وتاريخ؟
ومنذ عهد ليس بالقريب ظلت الحياة السياسية ممهورة برموز رجالاتها من السياسيين او المنظرين الذين لا يشغلهم سوى التأمل الايديولوجي المجرد فهل تخيل الجواهري نفسه انه راغب في اعادة الحياة وعليه ان يوسع احلام جمهوره؟ بمواقف في الشعر والسياسة فوجد نفسه في معارك التحرر الوطني والاجتماعي يخوضها شعرا وحامل قضية فكان للناس حضورهم الاساس في الشعر، كما كان للشعر حضوره المهم وفعله في الناس.
ولنفترض نحن كذلك ان يجد الجواهري نفسه بعيدا عن الاطار السياسي والاجتماعي وحركة المجتمع التي افرزت تقاربا في المواقف من قضايا الناس فهل كان بمقدوره ان ينسجم بفكره وكيانه ووجدانه خارج هذا المناخ؟ للاجابة عن هذه الاسئلة نقول: ان الشاعر الجواهري كان في قلب العصر وقلب الصراع السياسي- الاجتماعي الى جانب قوى التغيير والتقدم بل لعله كان النسيج الابرز في شعره فجاءت قصائده مشحونة دائما بعبق التاريخ السياسي الوطني العراقي وحرارته بكل تجلياته ومشحونة كذلك بحرارة ذلك التاريخ في ابرز قضاياه ومعاركه المحتدمة قصائد تغيير وتحريض تقحم لعنة ازيز الرصاص اقدم فأنت مع الاقدام منطبع.
وقوله:
يقولون من هم اولاء الرعاع
فافهموا بدم من همو
وتعددت الاغراض الوطنية والاجتماعية والانسانية في شعره دفاعا عن الحرية والعدل والحق وتعد القصائد في هذه الاغراض سجلا للحركة الوطنية في بلاد الرافدين وتاريخها خلال قرن كامل.
يروي الجواهري في مذكراته قصة قصيدته (هاشم الوتري) اذ يقول: كان الجو السياسي محتدما وكنت اشعر ان الواجب يقضي بان احدد موقفي وكان كل شيء يدفع الى الحدية الجو السياسي، المناسبة، شخص نوري السعيد، شخص الجواهري، كنت موطنا نفسي حتى الموت، وحل اليوم الموعود، كانت القصيدة قد اكتملت وامضيت في الالقاء حتى النهاية.
كان الجواهري متحديا بابعد ما يحمله التحدي من معان وصب غضبه مدويا على قتلة اخيه (جعفر) في وثبة كانون 1948 في تلك الايام العاصفة كان من الطبيعي ان يعيد الجواهري صياغة الحدث شعرا بحماسة وحدة واندفاع وكانت وسيلته الاكثر فعالية في تحديه ومواجهة النظام عبر الاحداث الجسام والمهمات الصعبة:
بماذا يخوفني الارذلون
ومم تخاف صلال الفلا
بلى، ان عندي خوف الشجاع
وطيش الحليم وموت الردى
ويلجأ الجواهري احيانا الى لغة التحريض لينقل الشعر السياسي بها الى مستوى اخر من السخرية والتهكم فيقول:
نامي جياع الشعب نامي
حرستك آلهة الطعام
نامي فان لم تشبعي
من يقظة فمن المنام
وقد يستحيل الخطاب الشعري السياسي الى حنين جارف بـ(معلقته) الخالدة (يا دجلة الخير):
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
ان المزية الاهم لشاعرنا الجواهري هي حساسيته المفرطة تجاه الاحداث واستجابته الدائمة والسريعة لتطوراتها منحازا الى شعبه داعيا للوقوف الى جانب المضطهدين وهو في حركته الدائبة هذه بين ان يؤسس حزب الاخاء الوطني مع الشخصية الوطنية سعد صالح او يجالس كامل الجادرجي ويلتقي على غير موعد مع (فهد) ويصبح احد مؤسسي حركة السلم العراقية وعضو مجلس السلم العالمي الى جانب نيرودا وناظم حكمت وجوليوس كوري وغيرهم من قمم العلم والفكر والثقافة في العالم.
وعلى صلة بحركات اليسار (بالشمال كما يسميه) وظل وفيا لقيم الخير النبيلة مدافعا عن حقوق الشعوب كما يقول:
وانا لسان الشعب كل بلية
تأتيه احمل ثقلها واصور
ومع ان العديد من النقاد حاول ان ينسب الجواهري الى حزب او حركة سياسية وعدد غير قليل من خصومه اتهموه بالارتباط بالحزب الشيوعي العراقي الا ان الامر لم يكن يتعدى محاولات التحريض والتضليل التي مارسها الخصوم ذلك ان الثابت هو ان الجواهري لم يرتبط يوما ما بهذا التنظيم مع انه كان يحتفظ بعلاقات ود وصداقة مع قيادات ذلك الحزب مثلما كانت له علاقات حميمية مع الكثير من رموز الحركة الوطنية العراقية منطلقا من مواقفه الوطنية لا الشخصية التي تعرض بسببها الى السجن والاعتقال والنفي واختيار الغربة ليواصل بعناد اشد معارضته للانظمة الديكتاتورية وهو وان غادر وطنه مرغما الا انه ما انفك يحمل هذا الوطن بين ضلوعه اينما اتجه او رحل.
انا (العراق) لساني قلبه ودمي
فراته وكياني منه اشطار
وفي بعض اشعار الجواهري لغة السياسي الحاذق الخبير بالاساليب الماكرة وقدرة في استشراق المستقبل وفهم لسلوك السياسيين ففي قصيدة (تحرك اللحد) خاطب بكر صدقي رئيس وزراء الانقلاب العسكري عام 1936:
تصور الامر معكوسا وخذ مثلا
مما يجرونه لو انهم نصروا
والله لاقتيد (زيد) باسم (زائدة)
ولاصطلى (عامر) والمبتغى (عمر)
قبل سبعين عاما يصور الجواهري الكبت السياسي العراقي ليعيد الى الاذهان اليوم المشهد المأساوي المرعب، اذ تتفاخر الطوائف بانتصارات مزعومة في ساحات القتل العراقي!! فهل هي نبوءة الشاعر ام السياسي؟
الجواهري ..عراق وضمير يمشي على الأرض
وجيه عباس
فيما عبرّ الشاعر وجيه عباس برأيه قائلا:
كان لرمي عمامته في الكُناسة (كما أثبتها نفسه)، أثر كبير في حياة الجواهري السياسية وما تلاها، حتى مفارقته سياسة الحياة الجائرة التي حكمت عليه بالنفي والدفن غريبا عن بلاده التي تغنّى بها،وكان السبب الوحيد الذي وقع تحت طائلته انه لم يكن سياسيا حتى يأمن تقلبات الأجواء السياسية الشبيهة بأجواء العراق المناخية.
منذ ان وطأت قدما الجواهري تراب بغداد إنتبه الجميع لهذا الشاب الذي حمل ثورة الشعر النجفية وجاء بها الى حيث تكثر التنافسات والألوان والأطياف، إنتقالة كانت محسوبة لنقل عمامة صغيرة على رأس طالب حوزوي الى بدلة وهموم عائلة أريد لها ان تكون قلبا نابضا في بغداد.
الجواهري، عراق وضمير يمشي على الأرض، علم بفطرته وغريزته التي ربّتها ثورة العشرين ان البقاء للأصلح، ولكن الشعب هو الأصلح، لهذا ترى الجواهري سخّر موهبته الفذة لنقل صوت الشعب عبر صوته ولهذا رأيت أيضا ان الشعب إختاره سفيرا فوق العادة لنقل معاناته، لم يكن يحمل معاناة شريحة عاشت في الأربعينيات، حين تقرأ له تنويمة الجياع تشعر وأنك تقرأها في سنتنا هذه، أنها لغة الشعب الذي تعوّد وعوّده الطغاة على الجوع وهو ينام على آبار النفط، هكذا هم السياسيون، يطالبون بكل شيء للشعب حين يكونون خارج منطقته الخضراء، وحين يدخلونها، يغلقون الباب خلفهم ويرموان بالمفتاح الى الشعب ليعثر عليه بعض السيّارة.
الشاعر لسان ناطق، والأحزاب مبادئ تكونت ليسمعها الناس ويطبقها رموزها لتصل به الى حيث تنام السلطة، لم يكن هناك بدّ ان تتقاتل الأحزاب على أصوات الشعراء الذين يحملون همّ العراق السياسي، فكيف والجواهري إبنها البار الذي غنى ثوراته على مر الزمان، لا تجد حزبا او حركة سياسية إلا ونسبت الجواهري إنتماء سياسيا لها، جميع الأحزاب أعطته الشهادات السياسية التقديرية ليكون بينها ضيف الشرف.
كان الجواهري صوت الشعب والأحزاب تمثل الشعب، فلم يكن من خيار إلا ان يعطوا لباس التحزب للجواهري لأنه ورقة رابحة في لعبة السياسة.
الأنكى من هذا ان الجواهري كان سياسيا بالفطرة، لم يكن منضويا تحت قائمة إدارية همها الأول والأخير ملء جيوب رؤوسها الكبيرة بالمال، لهذا تراه يجلدها بسوطه أول ما يجلد قبل ان ينتقل الى ساحة أخرى لقتل آخر، عمر الجواهري لم يكن سياسيا بمعنى الحرف لهذه الكلمة، وان مارس السياسة كنائب في البرلمان أبان العهد الملكي فأنها تركت في قلبه غصة على كرسي لم ينعم به، ثم تنازل عنه لعرش الشــعر الذي جلس عليه مبكرا.
الجواهري شاعر لعب على حبال السياسة بمهارة السياسي الذي يعرف من أين يؤكل القرار، كان عالميا في سياسته التي شارك فيها شعوب العالم ألمها وقلقها على الأنسان ،وهو سياسي إستثمر جميع معارفه السياسية في قصائده، فجاءت قصائده معبرة عن واقع سياسي عراقي وعربي وعالمي كان هو أول الكافرين والمؤمنين به في نفس الاتجاه.
كان الجواهري السياسي الوحيد في العراق، كان حزبه الناس وكانت سلطته الشعر،وكان صولجانه الحرف،وكانت الكلمة مملكته الأثيرة ، لهذا تراه يقول:
أنا العراق لساني قلبه، ودمي
فراته، وكياني منه أشطار
__________________
الـجـواهـري شـاعـر الـيـسـار
عيسى الصباغ
الى ذلك اوضح الناقد عيسى الصباغ ان للشعر السياسي في العراق تاريخاً ينظر اليه بكثير من التقدير والتبجيل ويمتد هذا التاريخ الى نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، اذ ظهر على مسرح الاحداث في تلك العقود شعراء كبار انصبت اهتماماتهم على ممارسة هذا الفن الشعري انطلاقا من دواعي واقعهم المستعمر وبواعثه السياسية (ولو تتبعنا الشعر السياسي منذ بواكير النهضة الحديثة التي بدأت معها مرحلة الصراع الفعلي بين القوى الرجعية الدخيلة المتمثلة في حكومة العثمانيين وبين قوى الشعب الذي اخذ يتطلع للتحرر والى حياة افضل لرأينا ان هذا اللون من الشعر يمثل المجال الاوسع بين اغراض الشعر الاخرى التي طرقها الشعراء ابان تلك الحقبة، كما نجد من خلال سيره الزمني انه تشعب مع تشعب الاهداف والمفاهيم التي رافقت عصر التطور في العراق).
ومن المحاور التي عالجها الشعر السياسي الدعوة الى مكافحة الاستبداد العثماني كما تناولت موضوعاته مناهضة الاستعمار الاجنبي بكل صوره وبعد الاحتلال البريطاني للعراق وتكشف نياتهم الاستعمارية بدأ الشعر السياسي مرحلة صراع جديدة ومن الشعراء الذين نهضوا بهذه المهمة الرصافي والزهاوي وعبد الرحمن البنا والصافي النجفي وشعراء اخرون تركوا ارثا شعريا كبيرا وارضية سياسية ثابتة ذات مفاهيم وتقاليد واهداف وأطر فنية انطلق منها شعراء الكلاسيكية الجديدة وعلى رأسهم الشاعر العراقي الكبير الجواهري.
لقد وفرت ظروف الاحتلال البريطاني للعراق (الحرية النفسية والوضوح الحاد في تناول قضايا الحكم والسياسة لم يكن بسببيهما التنامي المضطرد لوعي الشعراء فحسب وانما يضاف الى ذلك فهمهم لدور الشعر وهدفه باعتباره سلاحا يقارعون به الظلم ويحثون به على التقدم ونيل الآمال).
وقد شكل الجواهري في هذه المرحلة ظاهرة يمكننا تسميتها بـ(شعر- سياسية) ذلك ان تاريخه الشعري ارتبط بتاريخ العراق السياسي اذ تصدى شعريا لجميع احداثه من انتفاضات شعبية ومظاهرات وتجمعات ولقاءات جماهيرية وكل ما يمت بصلة للحدث السياسي يقول الدكتور علي عباس علوان (لقد ذاعت شهرة الجواهري ذيوعا كبيرا لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد ان وصل صوته الى ساحة الشعر في الوطن العربي كلها واقترن اسمه بتاريخ العراق السياسي الحديث حتى عد بعضهم شعره وكأنه يصور التاريخ فيما يشبه المأساة الاغريقية).
الحقيقة التي لامراء فيها هي ان الجواهري لم يكن شاعرا فنانا حسب وانما كان قائدا جماهيريا يستطيع ان يحشد الالاف ويلهب حماستهم بقصيدة وقد لعبت الصحيفة التي كان يصدرها انذاك دورا فاعلا ومؤثرا في اوساط الجماهير وخاصة المثقفين والطلبة ولدورها الفاعل هذا تعرضت مرات كثيرة للاغلاق كما تعرض هو للمطاردة والاعتقال، هذا التفاعل السياسي والجماهيري الذي كان الشاعر يبديه انما ينم على روح نضالية عالية وتشبث بقيم الوطنية والتقدم كما ينم على رؤية سياسية نبعت من معايشته الطبقات الشعبية التي هي اكثر فقرا ومعاناة وارتبطت هذه الرؤية بمصالح الوطن ولاسيما سيادته وتحرر ثرواته وردع اطماع الاحتلال.
ان المتغيرات السياسية الكبيرة التي شهدها العراق انذاك اتاحت (لعناصر اليسار والمنادين بدعوة العدالة الاجتماعية وانصاف الطبقة الفقيرة جوا واسعا من الحرية والحركة، فكان ان تشكلت جماعة (الاهالي) و (جمعية الاصلاح الشعبي تضم مجموعة من المثقفين كان الجواهري يتعاطف معهم ويضع صحيفته (الانقلاب) في خدمة افكارهم).
مما لاشك فيه ان الجواهري قد تأثر بهذه الافكار الاصلاحية التي كان يدعو اليها الشباب اليساري يومذاك بل انه تبنى هذه الافكار واخذ يدعو لها وزاد اقتراب الشاعر من مواقف اليسار العراقي وتبني ثقافتهم في اثناء الحرب العالمية الثانية ولاسيما بعد اخفاق حركة مايس 1941 وعودة الوصي الى العرش واعدام ضباطها اذ نشط اليسار العراقي وشكلوا على اثر ذلك الاخفاق ثلاثة احزاب هي (الوطني الديمقراطي) و (حزب الشعب) و(الاتحاد الوطني) فانضم الجواهري الى تنظيمات الاخير الذي كان مدعوما من الحزب الشيوعي العراقي بل انه كان واحدا من واجهاته السياسية بعد ان حظرت الدولة تنظيماته.
على هذا الاساس التاريخي يمكننا القول بثقة ان الجواهري كان يساريا شريطة ان نفهم ان اليسار اطار شيوعي او ماركسي في الاقل وفي هذا الاطار شارك في انتفاضة الشعب العراقي ضد معاهدة (بورتسموث) التي استشهد فيها اخوه، وقد كان الشاعر في صميم الانتفاضة شاعرا وسياسيا وصحفيا فكان شعره (سجلا ممتازا وتصويرا دقيقا لتطلعات الحركة الوطنية في هذه الحقبة المضطربة العنيفة من تاريخ العراق الحديث)، وقد وصف شعره في هذه المرحلة بأنه (صواعق حارقة من اللغة والنغم والصور تنزل على حكام العراق الذين يدفعون الشاعر الى الجوع والتشرد اما (أتعلم ام انت لا تعلم) و (يوم الشهيد) و (في مؤتمر المحامين) فهي لوحات دامية يقفز الشعر خلالها بالعواطف الوطنية الى اعلى درجات التأثير).
وللامانة التاريخية ينبغي اضاءة جوانب اخرى من حياة الشاعر السياسية ربما أسيء فهمها وعممت مواقفها الانية واستغلت للتعريض واللمز بما لا يقتضيه النظر الموضوعي فقد ذهب بعض الدارسين والنقاد الى ان مواقفه السياسية قد تعددت بل تناقضت احيانا وانها لا تخلو من اضطراب وقلق (فهو مندفع في بعض قصائده الى التعريض بالسلطة السياسية مهاجما الحكام والامراء والساسة ممن بيدهم امور العراق كقصيدته (عقابيل داء) و (بعد عشر) و (ضحايا الانتخاب) لكنه في قصائد اخرى يندفع الى مدح الملك والامراء والساسة من وزراء وغير وزراء وحتى من عرف منهم بعدائه لامال
الشعب وحرياته) وكتب الدكتور علاء الحربي سلسلة من المقالات في جريدة المشرق العراقية سلط فيها الضوء على هذا التناقض في الموقف السياسي، غير ان جميع ما قيل في هذا الشأن لا يرقى الى مستوى يثلم من وطنيته او يضبب من وضوح رؤيته السياسية ذات الطابع اليساري ويبقى الجواهري واحدا من اعلام الوطنية واليسار السياسي كما هو في الشعر.
ظل ولاؤه وطنيا للعراق
وقد ادلى الشاعر حسن عبد راضي بهذا الصدد حيث قال: تقلب الجواهري كثيرا بين صحف شتى، وكتب وانشد قصائد كثيرة كانت تعبر على نحو جلي عن موقفه السياسي مما كان يجري في العراق في الاربعينيات والخمسينيات وما بعدها. وكان لقصائده اثر واضح في الشارع السياسي/ الثقافي العراقي آنذاك، فقصيدة (اخي جعفرا) على سبيل المثال مثلت موقف الجواهري من الحكومة واشادته بوثبة عام 1948 التي استشهد فيها اخوه. لقد كانت حياة الجواهري تتحرك على وفق حركة مواقفه السياسية التي كان يعلن عنها في قصائده، وكان يمكن لقصيدة ان تتسبب في نفيه عن العراق، كما حدث عندما انشد قصيدته عن الشهيد عدنان المالكي في دمشق، اذ نفي بعدها وظل قرابة السنتين في ضيافة الجيش السوري كما يخبرنا محققو ديوانه.
ويمكن القول اجمالا ان ولاء الجواهري السياسي ظل ولاءً وطنيا للعراق، على الرغم من انه مال احيانا الى اليساريين، واحيانا اخرى اتجهت ميوله الى القوميين.
ومثلما تقلبت الحياة السياسية في العراق في تلك الحقبة وظهرت فيها تيارات عديدة (وكل يدعي وصلا بليلى) فانه ظل يبحث عن نموذجه الوطني ليسبغ عليه خالص فنه الشعري، فقد رثى القومية العربية حين رثى عبدالناصر، ونعى على الحكومات العربية وعلى الحكومة العراقية تحديدا حين كتب عن هاشم الوتري وعبر عن قربه من اليسار حين كتب عن حزب تودة الايراني، وهكذا لكنه ظل مع ذلك رمزا للنضال الوطني، ودفع ثمنا لمواقفه الوطنية سنوات طويلة من النفي والغربة التي لازمته فأصدر ديوانه (بريد الغربة) وبعد عام 1968، وأظن في سنة 1972 اصدر ديوانه الآخر (بريد العودة) ظانا انها عودة لا غربة بعدها، لكنه اضطر الى ترك العراق والعودة الى منفاه الاثير في براغ ثم الاستقرار بعد ذلك في سوريا بسبب موقفه من سلطة البعث.
عــذراً يــا جــواهــري الــشــعــر
فهد الصكر
في 26 ، 27 تموز تمر الذكرى الإحتفالية الكبرى لولادة ووفاة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.
عذرا يا جواهري الشعر، عذرا يا قمة الشعر، لأني لا أمتلك مفاتيح الأبواب التي تفضي الى مملكتك الحصينة وواحاتك الخضراء وبساتينك المنتشرة على جانبي دجلة الخالد، دجلة التي وهبتك الالهام فتغنيت بها.
يا دجلة الخير يا أم البساتين عذرا يا جواهري الشعر، فالنجف طفولة شقية، ومعالم درس، حاراتها أثقلت كاهلك بدءا بأول عناقيد الشعر، حفظا وكتابة وإلقاء، كيف تغفو، كيف تنام ـ وهي حاضرة الشعر والأدب والثورة والعلوم الاخرى. كيف تغفو، كيف تنام ـ وهي حاضرة الشعر والأدب والثورة والعلوم الاخرى.كان صوتك، بل صوت قصائدك تردد صداه الحارات العتيقة والقباب المزركشة لتوقظ الراقدين في وادي السلام.كان العراق يطفو على بركان والمتربصن به كثر، اذ كنت مخلصا ووفيا لما كان يحصل وهو كثير ايضا، فالعراق بلد الثورات والانتفاضات الشعبية والتطلعات الأدبية، اذ كنت صوتها لإعادة وبث روح الحماسة فيها، كنت فارسها اذ امتطيت جوادك تتقدم الجموع..
والى بغداد كان ((العراك)) واثبات الذات مزهوا بشعرك ساخطا على المتردي والوضيع في صالوناتها الأدبية، سابحا ضد التيار، ولا غرابة ان تكون هناك خصومات وخصومات، اذاً الوقوف أمام قامة الشاعر محمد مهدي الجواهري ليس بالوقوف السهل، فهو تاريخ من الشعر وتاريخ من الابداع وتاريخ من الغربة والثورة التي خاضها عن طريق الشعر، وكما أوجد الجواهري قاموسا جديدا في اللغة الشعرية، فانه كذلك أرسى دعائم الكثير من المعاني الإنسانية عن طريق الشعر، ولعلنا لا نجد شاعرا في زماننا انقسم حوله النقد وانقسم الناس بالرأي مثلما حصل مع الجواهري .لقد تناولته العديد من الدراسات والبحوث داخل البلد وخارجه، غير ان الجواهري الذي بدأ من نقطة الثقة بنفسه وبشعره وبالقضايا الوطنية والعالمية التي جعل منها محور اهتمامه اذ وضعته في ذروة العلى، شاعرا لا تستطيع ريح اقتلاع جذوره او زعزعة كيانه، ولا كلمات عابرة تقال هنا او هناك تغير رأيه او موقفه، انما كان هذا كله لا يزيده إلا تألقا واصرارا على المضي في الدرب الذي كان نقطة انطلاقه، وحتى عندما أسقطت عنه الجنسية العراقية لم يلق هذا الأمر شيئا منه، اذ فتحت له العديد من الدول أبوابها وهنا أهمس ان الذي أسقط الجنسية العراقية عنه لم تسجل لنا دوائر النفوس في العراق ولادة طبيعيةله.وحين تقرأ الجواهري تكون في حضرة تاريخ من الشعر، ليس ككل التواريخ انه تاريخ له منبع ومجرى ومصب، فاذا كان المنبع هو النفس التي امتلأت حياة وتوهجا، فان مجرى هذا الشعر ـ التاريخ ـ هو الواقع اليومي والحياتي للناس الذين يستقبلون شعر الجواهري درسا وبحثا اذ كان شعره انجازا حضاريا وانسانيا لامة العرب ولكونه ناصر قضايا الأمم المقهورة والحركات الثورية فكان شعره انجازا أمميا، كان قفزة تطورية في مساره الطبيعي، وان كان في بعض الأحيان يمتاز بخصوصية يفرضها الظرف التاريخي الذي يجتاز هذا البلد او ذاك في وطننا العربي، إلا انه تجاوز ذلك بكثير.
لبنان وأمسياتها لا يمكن لها ان تنسى الجواهري، مثلما هي ـ براثح ـ اللعنة والغربة والحب والتطواف في دول اخرى؟!.
كذلك لا تنسى قرية ((الكبسون)) في محافظة ـ العمارة ـ (( وأم عوفي)) اذ ما زالت بصمات الشاعر حاضرة على ابناء واحفاد ـ أم عوفي ـ وحكايا المطاردات الشعرية مع العلامة ـ محمد علي العلاق ـ والشاعر الشيخ طاهر محسن الصكر وكان كثيرا ما يقرأ له من الشعر الشعبي اذ قال له الجواهري ـ الشعر الشعبي ترجمة للقريض ـ هذه الحكايات وغيرها تستذكرها المجالس في قرية ـ الكبسون ـ حتى اللحظة الحاضرة.
وهكذا ذهب الطغاة الى مزبلة التاريخ ولعنته.وظللت أنت في الذاكرة والوجدان والقلب تتربع على عرشه ابد الدهر، اجل لقد ظل الجواهري نجمة دائمة التألق في سماء الشعر.
أعتقد ان ( الارث الكبير ) للشاعر محمد مهدي الجواهري , مثلا هنا , لم يلق ( التجسد الأكبر ) في الكتابة النقدية العراقية . ذلك لأن هذه الكتابة , تعليلا , ما زالت , حتى الآن , تقليدية ( الهوى ) و ( الهوية ) , معا , في اغلب مناهجها , العاملة , حين تروم ( التجسد ) لهذا ( الارث )
. فهذه المناهج التقليدية , الأغلب , لم تستطع , حتى نادرا , ان تفصل , مجرد الفصل , بين الجواهري انسانا , مخلوقا , و بين الجواهري مبدعا , خلاقا , ما احاله , غلطا او سهوا , من ( ارث شعري ) , كبير , الى ( تراث حياتي ) , صغير , و شتان بين هذا و ذاك .
ثمة نماذج عديدة , طويلة و عريضة , منسوبة الى مناهج كهذه , تقليدية , عجزت , مع سبق الاصرار و الترصد , و هي تتعامل مع الجواهري , انسانا و مبدعا على السواء , من , و ـ او ـ عن , ان تميز بينه ( ارثا شعريا ) و بينه ( تراثا حياتيا ) . بعض هذه النماذج , العديدة , ما هو خاص به , وحده , في الصحف و الدوريات , كمقالة عبد المجيد لطفي ( ليلة مع ديوان الجواهري ) , و في الكراريس و الكتب , المكرسة له , تأليفا فرديا , كدراسة محمد حسين الأعرجي ( الجواهري ـ دراسة و وثائق ) , و اعدادا جمعيا , كدراسات فريق من الكتاب العراقيين ( محمد مهدي الجواهري ـ دراسات نقدية ) , و في سواها . اما البعض الآخر منها , من النماذج العديدة هذه , فهو ذلك العام له و لغيره , من الشعراء , مما احتوته كتب , ليست بقليلة , يضم كل واحد منها مقالة , او دراسة , عنه , فقط , مع مقالات , او دراسات , اخرى , غيرها , عن شعراء آخرين .
لن أحاول , متنيا في الأقل , ان أتطرق الى ذاك البعض الأول , الخاص بالشاعر الجواهري , من هذه النماذج , الطويلة و العريضة , ذات ( الهوى ) و ( الهوية ) التقليديين , معا , لأسباب فنية و موضوعية . لكنني , اذ تنتفي هذه الأسباب , سوف أندفع , لاحقا , لأن أتناول , بـ ( نقد نقد ) متزن , هذا البعض الثاني , العام للشاعر الجواهري و لسواه , من النماذج نفسها . قبل هذا التناول , الذي سأندفع له , أود , تمهيديا , ان أؤاخذ نماذج من الكتابة النقدية العربية , غير العراقية , غفلت عن الجواهري , حتى انسانيا , حيث سأناقش , بايجاز , واحدا من ( اقدم ) هذه النماذج .
هذا النموذج هو ( شعرنا الحديث ... الى اين ؟ ) , هنا , حيث غفل غالي شكري عن الجواهري , لا فقط ( المبدع ) بل حتى ( الانسان ) , على مدى (236) صفحة . حتى ان ذكر ( الجواهري ) , مجرد ذكره , لم يرد سوى مرة واحدة , فقط , وكان ايرادا عرضيا عابرا . و هو , هذا الايراد , حين يقول ] في كانون الثاني (يناير ) 1955 اصدرت (الآداب ) عددا خاصا بالشعر الحديث [حيث ( قرأنا جنبا الى جنب اسماء الجواهري و نازك الملائكة والسياب وعبد الصبور وبدوي الجبل و نزار و فدوى طوقان و القط و الحيدري ويوسف الخطيب والفيتوري والحوماني و رئيف خوري وكاظم جواد و بديع حقي و جوزيف نجم و غيرهم) .
هكذا اورد غالي شكري ذكر ( الجواهري ) مرة واحدة فقط , ضمن ستة عشر شاعرا , وهو ايراد عرضي عابر . لذلك أستنتج , هنا , ان هذا الايراد , العرضي العابر , فيه منتهى الأغفال من شكري عن الجواهري . و هذا الاستنتاج , بدوره , يجعلني , هما واهتماما , ذا شك , منطقي , بما كان , انذاك , يقوله شكري . والاّ , اولا , الم يكن شعر الجواهري ممهدا ( لموجات الادب العربي الحديث ) ؟ والآ , ثانيا , الم يكن جيل الجواهري داخل ( صراع الاجيال في ادبنا الحديث ) ؟ ام ان شكري , الذي كان ( يرتاد البقاع المجهولة ) , قد تردد ( خطوه ) عن اسم الجواهري , حينذاك , كونه ـ هذا الاسم ـ واحدا من ( السبل المطروحة ) ؟
قد يقول قائل ,ايّا كان, ان غالي شكري , في النموذج المنقود هنا , يركز على ( شعرنا الحديث...) , مستفهما (... الى اين ؟ ) , حيث نص الجواهري , عنده , لم يكن داخلا في عداد هذا الشعر . ان قولا كهذا , تبريريا , مردود على صاحبه , الذي يقوله , بحسب شكري , نفسه , حين يستعرض ( دور المنابر اللبنانية في احتضان الحركة الجديدة ) . فهو يقر , مثلا , بأن ]في كانون الثاني (يناير) 1955 أصدرت ( الآداب ) عددا خاصا بالشعر الحديث هو اول اشكال الجبهة التي نحن بصدد بحثها الان [. ثم يؤكد , بعد بضعة اسطر , ان ]هذا العدد الخاص بالشعر الحديث من مجلة ( الآداب ) يعد الصورة الريادية الاولى لجبهة الشعر الحديث [ . هذا فضلا عن ان نموذجه , نموذج شكري , يعم الشعر العربي الحديث , بعشرات شعرائه ودواوينهم , لا يخص شاعرا عربيا حديثا , ببضعة دواوينه ونصوصها , لوحده . لا , واكثر , بل ثمة نماذج , كثيرة , يختص كل واحد منها بشاعر عربي حديث , أي شاعر , ومع هذا , الاختصاص , لم تغفل هذه النماذج عن الجواهري. حتى , للتدليل على هذا النفي , انه ليس هنالك نموذج , ولو واحد فقط , اختص بالشاعرة نازك الملائكة , مثلا اولا , او اختص بالشاعر بدر شاكر السياب , مثلا ثانيا , قد غفل عنه . وها انا , هنا , لأثبت , هذا اللا اغفال , عن الجواهري , أختار ـ بعشوائية ـ نموذجين , اثنين , يختص احدهما بالملائكة وآخرهما بالسياب , وكلاهما قرأ شكري اسم الجواهري ( جنبا الى جنب ) اسميهما , على التوالي .
في نموذجه عن ( نازك الملائكة ـ الشعر و النظرية ) , و هو سابع نماذجه النقدية , يقول عبد الجبار داود البصري ( استمرت بعض الاسماء السابقة للمرحلة بارزة في افق هذه الفترة ـ1930/ 1950 ـ كأحمد الصافي النجفي ومحمد مهدي الجواهري ومحمد مهدي البصير ومحمد بهجة الاثري ) . وفي نموذجه عن ( السياب و ريادة الشعر الثوري الجديد في العراق ) , وهو اول نماذجه النثرية الانفرادية , يجزم راضي مهدي السعيد بـ ( ان الشعر العراقي الذي يمثل الشعر العربي تمثيلا صادقا في كل جوانبه ونواحيه كان الشرارة الاولى و الصوت المدوي في كل انتفاضة ) حيث ـ مثلا ـ كان ( يقف الجواهري منشدا امام الحشود المتظاهرة في ساحات بغداد ومحافلها الثائرة ) . الغريب , هنا , ان النموذج الثاني , نموذج السعيد , تفوق على النموذج الاول , نموذج البصري , فيما يخص الجواهري . مبعث الغرابة , هذه ,ان السعيد , في نموذجه عن السياب , ليس ناقدا , بقدر ما هو شاعر , بينما البصري , في نموذجه عن الملائكة , ناقد محض . فعلى الرغم من ان نموذجيهما , كليهما , لا يختصان بالجواهري , بل يختص كل واحد منهما بآخر سواه , الاّ ان نموذج السعيد , الشاعر , تعامل مع الجواهري باستثنائية , واضحة , على عكس نموذج البصري , الناقد , اذ تعامل معه بأعتيادية , غامضة , و شتان بين هذه وتلك .
يسترجع السعيد , في ( توطئة ) نموذجه , اصوات الشعراء محمد مهدي البصير ومعروف عبد الغني الرصافي ومحمد مهدي الجواهري ابّان ( ثورة حزيران ) و ( حركة مايس ) و ( وثبة كانون ) , خلال الاعوام : 1920 / 1941 / 1948 , على التوالي . لكنه سيغادر , في ألـ ( توطئة ) ذاتها , صوت البصير , أولا , ثم صوت الرصافي ، ثانيا ، ليستقر عند صوت الجواهري , اخيرا , حتى ينفرد به في ( اضاءة وتمهيد ) , من خمس صفحات , قبيل الوصول الى ( السياب .. الصوت الثوري الريادي الاعمق ) . اما البصري , في ( الرافد الثاني ) من ( الباب الاول ) لنموذجه , فيستعرض ( النهضة الادبية الحديثة ) منذ جيل شهاب الدين الآلوسي حتى جيل نازك الملائكة . وهو , هنا , يجمل هذه ( النهضة ) , التي يستعرضها , بأربعة اجيال . وبأستثناء الجيل الأخير , الذي ذكر احد عشر اديبا منه , راح البصري , تاريخيا , كلما يذكر اسماء اهم ادباء كل جيل , من الاجيال المستعرضة , يورد تفاصيل عن بعض اولاء الادباء . لكن لا تفصيل عن الجواهري , بتاتا , انما توجد تفاصيل عن : الحبوبي / التميمي / الاخرس / الأعمى / الآلوسي / الزهاوي / الرصافي / الذويب / الشبيبي وغيرهم . حتى ان البصري , هنا , وهو يورد هذه التفاصيل , عن هؤلاء الشعراء وسواهم , ينقل من علي علاء الدين الآلوسي , مثلا , ما قاله ابو الثناء الآلوسي , حصرا , دونما ينتبه الى ان ثمة ( مفارقة ) في قوله ( ولعمري لقد ندمت على ما اسلفت من السجع وان كنت اعلم ان ليس على ما ندّ من نفع ) .
لذلك أعتقد , من جديد , بان عجز الكتابة النقدية العراقية عن ايلاء ( التجسد الاكبر ) للجواهري , ارثا شعريا كبيرا لا تراثا حياتيا صغيرا , يعود الى ان من اخطر خطاياها , فضلا عن اخطائها , هو النقل اللا منتبه , مصدريا و مرجعيا , كما في نماذج : طلال سالم الحديثي ( مقدمة و ستة شعراء ) / صبيح ناجي القصاب ( الشعر بين الواقع و الابداع ) / علي جعفر العلاق ( مملكة الغجر ) و غيرها . واذ أقول ( من اخطر ) , لا ( اخطر ) , فلأني اريد ان لهذه الكتابة , النقدية العراقية , خطايا , واخطاء , اخرى , بصرف النظر عن قلتها او كثرتها , تشابه ( النقل اللا منتبه ) في الخطورة . يمكن , هنا , اجمال هذه الخطايا , والاخطاء بـ (4) , اختصارا , هي : عدم تحديث المقال المنشور ـ او تجديده في الاقل ـ عند ضمه في كتاب مطبوع ( نموذج حاتم الصكر : مواجهات الصوت القادم ) / تسييس النقد باقحام السياسة في الشعر المنقود ( نموذج نازك الملائكة : سايكلوجية الشعر ) / التركيز على المضمون الشاعري لا الشكل الشعري ( نموذج قيس كاظم الجنابي : مواقف في شعر السياب ) / تدني امكانات اجدد عن امكانات اقدم مماثلة لها في الثيمة ( نموذج عبد الجبار داود البصري : فضاء البيت الشعري )
يتأكد لي , مما تقدم , ان الكتابة النقدية العراقية , التقليدية في اغلب مناهجها العاملة , ذات خطايا , واخطاء , خطيرة . ان هذه الخطايا , والاخطاء , وما يماثلها , في الخطورة , هي , متفاوتة في الكم والنوع والكيف , ما اعجزت الكتابة النقدية العراقية عن انتصاب ( التجسد الاكبر ) ازاء ( الارث الكبير ) في المتن الشعري الجواهري . واذا كانت المقدمة المبدئية , الحاضرة , قد اشرت عجزا كهذا , من الكتابة ازاء المتن , فان البحث التفاصيلي , القابل , الذي سيتناول نماذج لكل من : محمد الجزائري ( و يكون التجاوز ) / علي عباس علوان ( تطور الشعر العربي الحديث في العراق ) / عناد غزوان ( اسفار في النقد و الترجمة ) , وآخرين ، سوف يقدم ( البرهان ) على تواتر هذا العجز , وهو ( المطلوب اثباته ) منه مع الاخذ بعين الاعتبار حقية ( المفروض ) وباطليته حتما , حيث حضور ( الارث الكبير ) عن الشعر الجواهري وغياب (التجسد الاكبر ) من النقد العراقي.
Powered by vBulletin® Version 4.1.5 Copyright © 2013 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir