المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجواهــــــــــــــــــــــــــــــــــــري



sarmad1960
10-26-2006, 05:03 PM
الشاعر والحاكم


زهير الجزائري


من هو الجواهري في مواجهة الحاكم؟

أهو الذي كتب اكثر من 48 قصيدة في مديح ملوك وحاكمين بينها تسع قصائد في مديح الملك فيصل الأول؟

أم هو الذي وقف وسط جمهور الوثبة ليحرضهم على تقحم رصاص الحاكمين والذي وقف أمام الحاكمين لـ«يغري الوليد بشتمهم والحاجبا» والذي عاش نصف عمره الإبداعي في المنفى بسبب موقفه من الحاكم ملكيا كان أم جمهورياً؟

إن الأمر أكثر تعقيداً من وضع الجواهري في واحدة من الخانتين: مداح الحاكمين، أم المحرض عليهم؟



ثقافتان متعارضتان
من الصعب تحديد الموقف، في ضوء القطيعة الحالية بين المثقف والحاكم، لأن الجواهري الذي عاش قرننا الحالي من بدايته حتى نهايته، ينتمي أيضاً لعصور أقدم، وتكونت مثله الثقافية السياسية من ثقافتين متعارضتين، فمن جهة نشأ الجواهري مع بدايات تكون الحركة القومية العربية في مرحلة الدستور العثماني والتحرك الذي شارك فيه سادة النجف لتأسيس كيان عراقي مستقل عن الإمبراطورية العثمانية. وعاش الجواهري ثورة العشرين، واصعب مراحلها حصار النجف، وتفتح على مثال أحد أبطالها محمد سعيد الحبوبي الذي جمع الحس الديني المتفتح وحس الجمال وحس الحرية، فإضافة لكونه من الفقهاء المجددين في علوم الدين كان شاعراً رقيقاً ومجدداً عرف بغزلياته الرقيقة:

كاد سري فيك أن ينهتكا



يا غزال الكرخ وا وجدي عليك



وغرامي في هواك احتنكا



هذه الصهباءُ والكأسُ لديك



فلذيذ العيش أن نشتركا



فاعطني كأسا وخذ كأسا إليك




وفوق كل ذلك كان الحبوبي بطلا شعبيا قاد نضالا مسلحا ضد احتلالين (العثماني والإنكليزي) واستشهد على محراب صلاته في (معركة الشعيبه). كان هذا الرجل للجواهري ما كانه غيفارا لجيل الستينات.

وبعد وفاة والده تفتح الجواهري، وهو في رعاية أخيه عبد العزيز، على مفاهيم الإصلاح الديني والحركة الدستورية (المشروطيّة) تحت تأثيرات الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده.

أي أنه عاش الثورات الثلاث التي طبعت بداية القرن: القومية العربية، وثورة العشرين التحررية والثورة الدستورية وتكونت منها مثل شبابه. ومقابل كل هذه الثورات ورث الجواهري كل تقاليد شعر المديح الكلاسيكي العربي (من زهير بن أبي سلمى والحطيئة وبشار مرورا بأبي تمام و المتنبي والبحتري) حيث كان مديح الملوك والحكام مصدر الرزق الوحيد للشاعر، ووسيلته للوصول الى الناس وكسب الشهرة والجاه. والجواهري بجانب ذلك ابن التقاليد الأدبية النجفية حيث تكون القصيدة أو المقطوعة هدية الشاعر للصديق عند زواجه، أو ولادة طفل، أو بناء بيت، ووسيلته لتوديع مسافر أو الترحيب به عائدا، وهي وسيلة العزاء إذا أصاب الآخر مكروه. والشعر هو القيمة التبادلية التي يقدمها الشاعر لرد الجميل للآخر إذا أحسن إليه. ولذلك يستغرب الجواهري حين يلام لأنه مدح ملكا (ماذا يريدوني أن افعل حين يكرمني البلد بشخص أعلى رجل فيه، بماذا يمكنني رد الجميل بغير القصيدة). ثقافتان متعارضتان تصارعتا داخل الجواهري في مجتمع لم يشهد فترة استقرار تتكامل فيها شخصيته وقيمه. وكان الجواهري نتاجا لهذا التناقض ومتناقضا بحكم تكوينه الشخصي.

وقد كان أمام الجواهري في امتداده للماضي مثالان: المعري والمتنبي. ينظر إلى المعري كمثال للشاعر الذي رفع نفسه عن الدنيا وشهواتها ومنافعها العاجلة وأنكر الملوك والأمراء وزهد في التقرب إليهم والدنو منهم:

وذهنه ورفوف تحمل الكتبا



على الحصير وكوز الماء يرفده




ورغم امتداح الجواهري وتعظيمه للمعري كمثال أخلاقي، إلا ان مثاله الحقيقي هو المتنبي:

بين المتنبي والجواهري ثلاثة عشر قرنا، والجواهري يكبر المتنبي بحوالي الأربعين عاما، ولكن عناصر التقارب بينهما مدهشة:

كلاهما عراقي ومن مدينة واحدة (الجواهري من النجف والمتنبي من الكوفة التي تبعد خمسة أميال فقط عنها وتقع المدينتان على ذات الحدبة من الأرض التي توصل الصحراء الممتدة الى نجد بالرقعة الزراعية الخصبة التي تجاور الفرات). وربما كان الموقع بين طبيعتين متعارضتين (صحراء نجد وبساتين الفرات) وراء المزاج الحاد المتقلب والمتطرف الذي يجمع الإثنين.

الفقر باعتباره رذيلة وليس فضيلة طارد الاثنين فوالد المتنبي كان سقاء في الكوفة لم يرد له أي ذكر في قصائد المتنبي رغم آن أعداء المتنبي هجوه به:

عاش حينا يبيع في الكوفة الماء وحينا يبيع ماء المحيا




مثل المتنبي نشأ الجواهري في بيت يزداد فقرا (حيث وصل الأمر بنا ان نبيع أثاث بيتنا تباعا: السجاد، الثريا، السرجة... وبقينا على الحصيرة كما كنا قبل ذلك)، وعاش والد الجواهري ومات معتمدا على معونات يقدمها أحد أصدقائه. وتزداد وطأة الفقر كذل في المجتمع الملائي النجفي الذي تلعب فيه المظاهر والوجاهة دورا في رسم الشخصية على المستوى الاجتماعي.. من هنا جاءت كراهية الأغنياء والحاكمين ومن هنا أيضا تأتي الرغبة في التقرب منهم للحصول على الثروة والجاه.

كلاهما تغرب عن بيئته بسبب اعتقاده، فقد تغرب المتنبي بسبب اعتقاداته القرمطية، وبقي قرمطيا في داخله رغم تقربه من الحكام والملوك وبقي الجواهري قريبا من اليسار رغم تقربه من الملوك والحكام والإقطاعيين. ومع ذلك عاش أكثر من نصف حياته الإبداعية منفيا عن وطنه بسبب موقفه من طبقة الحاكمين.

والأهم من ذ لك هو أن السلطة كانت شاغل الاثنين.. وهنا بالتحديد يستذكر الجواهري المتنبي في موقفين، كلاهما يتعلق بعلاقته مع الملك فيصل: (ويا للعجب فكم من مرة يعيد التاريخ نفسه، فلقد خلقت مثل المتنبي العظيم أمامي وأنا في موقفي هذا). وعنصر التشابه يكمن في سعي الاثنين للمشاركة في السلطة من خلال الحاكم (سيف الدولة وفيصل الأول).



الشاعر والملك
عناصر التشابه بين الموقفين هنا بالذات ليست وليدة الصدفة أو (الأقدار) كما يعتقد الجواهري، إنما ترتبط بسياق تاريخي في علاقة الشاعر بالحاكم. ولنتذكر أن نشأة الشعر، منذ بدايات الحياة الجاهلية ارتبطت بتقاليد الكهانة والسحر حيث ينشد الشاعر أو يستنشد الاله لنصرة القبيلة في حروبها ويمتدح سادتها وفرسانها ويتوعد الأعداء بالهزيمة والسبي ويرثي قتلى القبيلة متوعدا بالثار لهم. لذلك كان الشاعر هو اللسان الجمعي لقبيلته حيث يسود الاعتقاد بقدرة الكلمة على التحول إلى فعل وحقيقة ملموسة. ولطموح الشاعر في الحكم امتداد تأريخي، فلنتذكر أن حاكم القبيلة لم يكن بالضرورة أقوى رجل فيها، بل الأكثر حكمة وقدرة على حل الإشكاليات بالإقناع، أي بسلطة كلمته الروحية على أفراد القبيلة.. ومن هنا تبدأ علاقة الشاعر بالحاكم، فهو مثل ساحر القبيلة أو كاهنها إما نديم الملك أو خصمه، حيث تتكامل أو تتعارض السلطة الأدواتية للحاكم والسلطة الروحية لكلمة الشاعر. وطوال العصر الجاهلي كانت بلاطات الغساسنة والمناذرة تموج بالشعراء، الذين يتوافدون من كل القبائل لتقديم ولاء المديح للملوك، وحرص الملوك على إحاطة أنفسهم بخيرة الشعراء وتنافسوا في إغداق المنح والهدايا عليهم حتى أصبح مديح الملوك في أواخر العصر الجاهلي حرفة خالصة على يد الأعشى والنابغة الذبياني الذي تجول في طول الجزيرة وعرضها ولم يترك ملكا إلا ومدحه. وقد احتاج الشاعر إلى الحاكم كمصدر رزق يعتاش منه على شعره حيث كرس زهير قصائده لمديح الحارث بن عوف وهَرِم بن سنان والحطيئة لعلقمة بن زلالة والبزِّرقان بن بدر والوليد والأخطل ليزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان وجرير للحجاج والفرزدق لسليمان بن عبد الملك وأبو نواس للأمين والبحتري للمتوكل...

sarmad1960
10-26-2006, 05:03 PM
ومقابل ذلك كان خروج الشاعر عن الملك مثيرا للغضب بسبب تأثيره على ولاء القبيلة لحاكمها. وكان هجاء الشعراء لسادة قبائلهم شائعا كما المديح، مثل هجاء حصن ابن حذيفه وزراره بن عدس وعبد الله بن حذيفه بسبب ظلم الحاكم أو مكافأته للشاعر. ورغم الحرص على الفصل بين سحر الشعر ودعوة النبي محمد إلى الإسلام (انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين)، رغم ذلك فقد اعترف الإسلام منذ بداياته بأهمية الشعر ومفعوله حتى إن النبي قال لحسان بن ثابت حين طلب منه هجاء القرشيين (لشعرك أشد عليهم من النبل). وستختلف وتتزايد أهمية الشاعر خلال العصر الإسلامي. ففي بدايته كان الصحابة في أول الأمر أمراء وعلماء يملكون سلطة الأدوات وسلطة المعرفة كونهم يشرعون الحكم ويحكمون بالشرع، ثم حصل خلاف حول الحكم فاستبد الأمراء بالأمر وبالسلطة وتمسك العلماء بالعقيدة. الفقهاء انتموا إلى الرعية وراحوا يستقطبون الجمهور والرعية بواسطة الكلمة ضد استبداد الحاكم، وظهر المثقف كمشرع ومعترض ومبشر بمشروع لكشف الحقيقة، شجاع ومثير فتن. وقد استمر الصراع بين المثقف والحاكم لكون كل واحد منهما يملك جزء ا من سلطة على المجموع، فالحاكم يملك وسائل الإرغام المادية لفرض سلطته على رعيته، مقابل ذلك يملك المثقف السلطة الروحية للكلمة التي قد تبرر مشروعية الحاكم أو تنقضها أمام المجموع. لذلك ازدادت أهمية الشاعر كمداح ومسوق للحاكم في مواجهة خصومه و بين رعيته لأن وسائل الإرغام المادية لا تكفي لفرض سلطته على المجموع ولابد من وجود داعية مؤثر يبرر هذه السلطة. والشعر، الذي هو ديوان العرب، مؤثر على العامة اكثر من فقه الفقيه والفيلسوف الذي يتجه بكلمته إلى النخبة. وقد عرف الشاعر مفعول هذه السلطة (سلطة الكلمة)، فاللقاء المباشر مع الجمهور يجعل الشاعر اكثر تحسسا لسلطة كلمته على المجموع بما تملكه القصيدة من وزن وتفعيلة ومجازات مؤثرة على الجمهور المستمع، واعترافا بالشعر تزايدت لقاءات الشعراء بالناس وببعضهم في المهرجانات الدورية التي تعقد في أسواق مثل عكاظ والمربد. ولكن الشاعر الذي لا يمتلك أدوات القهر التي تتيح له إزاحة الحاكم بالكلمة وحدها سيطمح إلى الشراكة. وترينا سيرة المتنبي الذي بدا قرمطياً معارضاً للحكم كيف انتقل في النهاية إلى محاولة التأثير من خلال مشاركة الحاكم وبمنحة منه لتوليه مقاطعة، وكيف بدا ساعيا لإصلاح المجتمع ثم انتهى ساعيا لصلاح حاله من خلال الحاكم.

وبمقدار حاجة المتنبي لسيف الدولة احتاج سيف الدولة إلى المتنبي. كان يأخذ شاعره معه إلى معاركه ضد الروم كمحرض ووصاف لصولاته الجهادية:

سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه



سحاب من العقبان يزحف تحتها




واحتاجه لهجاء خصومه في العراق ومصر وقد تكاثروا بتكاثر الصراعات الداخلية في الإمبراطورية الإسلامية في القرن الرابع، واحتاجه لامتداحه كحاكم حازم في مواجهة الرعية البدوية المتمردة على سلطانه، كما احتاجه نديما في جلسات اللهو والترف في أوقات السلم النادرة، واحتاجه معزيا بسلسلة الكوارث التي حلت به ومنها رحيل شقيقته:

فكيف ليل فتى الفتيان في حلب



أرى العراق طويل الليل مذ نعيت




خلال السنوات التسع التي عاشها المتنبي في كنف سيف الدولة انقطع له كليا فلم يقل شعرا لسواه من الأمراء و ولم ينظم عن أي موضوع آخر خلافا لسابقيه ومجايليه من الشعراء المادحين. كان سيف الدولة، أميرا أو مجاهدا أو إنسانا، هو موضوعه الوحيد. كتب له اكثر من ثمانين قصيدة ومقطوعة من اجمل الشعر تشكل بمجموعها سجلا لعلاقة الأمير بالشاعر.



عقدة السلطة
وكما هو الأمر مع المتنبي نشأ الجواهري منذ طفولته وسط عقدة السلطة وإحساس والده بالضيم الشديد لأنه لم يصبح زعيم الأسرة الجواهرية، ومنذ بدايات شبابه بدأ طموح الجواهري للمشاركة السياسية في الدولة الحديثة. ولم يكن هذا طموح الجواهري وحده، فقد كان الحصول على منصب كبير بالدولة حلما راود الكثير من مثقفي ذلك العهد. وفي مذكراته (ذاكرة عراقية الجزء الثاني ص31) يصف روفائيل بطي طموحات الجيل الذي نشأ بعد ثورة العشرين والذي تعلم في المدارس العلمانية: «الصفة البارزة على هذا الجيش وان أكثرهم من المتعلمين قد تلقفتهم دوائر الدولة حالما تخرجوا من مدارسهم، وذلك لكون الدولة في طور النشوء تحتاج إلى جماعات من الموظفين وانعدام الأعمال الحرة والمؤسسات الاقتصادية». وكان هذا المنصب هو الطعم الذي يقدمه السياسيون المحترفون لجذب المتعلمين الى الأحزاب كما كان طعم السلطة والاحتلال للتخفيف من غلواء المثقفين المعارضين. ورغم الفتاوى التي أصدرها علماء النجف بتحريم العمل في الحكومة، فإن جيلاً من المثقفين الشيعة،الذين تفتح وعيهم على حركة الإصلاح الدينية (المشروطية) والذين ضاقوا بالجو الديني المغلق في النجف، سعوا للحصول على فرصة للمشاركة السياسية في بغداد. ولكن طموح هذا الجيل يصطدم بالريبة الطائفية التي يقابلهم بها المركز. وكان المثقفون الشيعة يقارنون حصتهم في السلطة بحصة الأكراد الذين يشكلون 17 بالمائة من السكان ويشغلون 22 بالمائة من المناصب الحكومية العليا، في حين أن الشيعة الذين يمثلون أكثرية السكان يحتلون 15 بالمئة فقط من هذه المناصب: حنا بطاطو). وكان الملك فيصل الأول يواجه ازدواجية حادة في موقفه من الشيعة، وبالتحديد علماء الدين في النجف. فهو يحتاج لإسنادهم في الصراع بين الأسرة الهاشمية وآل سعود. ومن جهة أخرى يريد كسر سلطتهم على العشائر. وقد أراد حل هذه الازدواجية بحجز عدد من المناصب للشيعة. ولكن هذه المناصب شكلية، فمجلس الأعيان الذي حجزت رئاسته للشيعة كان شكليا لأن أعضاءه ورئاسته يعينون من قبل الحكومة ويحل المجلس بحل الوزارة، ومنصب وزير التعليم حجز للشيعة كمدخل لكسر هيبة المدارس الدينية في النجف ولجذب الجيل الجديد من الشيعة إلى مدارس الدولة العلمانية، ولكن هذا المنصب كان شكليا لأن منصب مدير التربية العام الذي يشغله القومي السني ساطع الحصري هو الذي يتحكم بالمناهج التربوية وتعيين المعلمين. وقد كان الجواهري ضحية الصدام الطائفي داخل هذه الوزارة حين رفض ساطع الحصري طلبه للتعيين كمدرس ثانوية بسبب كونه شيعي. وقد شكل هذا الرفض عقدة لازمت الجواهري الهارب من طائفته الشيعية والرافض للفتاوى التي تحرم العمل في الحكومة، وقد لازمت هذه العقدة الجواهري حتى آخر أيامه، إحساسا ملازما بالضيم كما هو الأمر مع المتنبي، يتقرب من الحكم ويكرهه في دخيلته.

رغم ذلك لم ينطفئ أمل الجواهري بالمشاركة السياسية، بل زاد حدة وعنادا. وشفيعه في هذا الطموح العنيد القصائد التي نشرها وهو ما يزال في النجف (الملك والانتداب والمهداة للملك فيصل (حول في علماء النجف) وسجين قبرص عن والد لملك) تذكيراً بوجوده وبرغبته للتقرب من البلاط. وقد اعتقد الجواهري انه مؤهل لموقع كبير، لأن أناسا مثل عبد الوهاب مرجان (شيعي من الحله) شكل الوزارة مرتين. لكن المثال الأكثر تواضعا والأقرب للممكن هو وزير المعارف علي الشرقي، لأنه يجمع الخصال الثلاث التي توفرت للجواهري:

شاعر يعرف كيف يستجيب لمتطلبات الحاضر، معمم ولكن لا يتبع المرجعية الشيعية وثالثا كونه ابن نفس مدينة النجف ويمت للعائلة بصلة نسب. وزاد طموحه عنادا بعد الضجة الطائفية التي أثيرت بسبب رفض تعيينه معلماً.

sarmad1960
10-26-2006, 05:05 PM
داعية الملك
وبمقدار حاجة الجواهري إلى الملك كمدخل للشراكة احتاج الملك للجواهري الإنسان والشاعر لتبرير مشروعية حكمه. فالملك القادم من الجزيرة ثم دمشق كان يفتقر إلى جذور ملكية في التربة العراقية الصعبة وقد واجه أولاً المشكلة الطائفية العريقة في بلد حكامه من السنة ومعظم مواطنيه من الشيعة. وقد حرص الملك على جذب بعض العناصر الشيعية إلى البلاط أو قريبا منه، مثل باقرالحسني (البلاطي) الذي كان من سدنة مرقد الإمام موسى الكاظم، ومحمد الصدر الذي ترأس مجلس الأعيان، ورستم حيدر العلوي السوري لإبعاد الصفة الطائفية عن الحكم. واحتاج الجواهري بالاسم لإطفاء الضجة الطائفية التي أعقبت رفض تعيينه معلماً واستقالة الوزير بسبب هذا التمييز. ولكن الجواهري لم يكن مجرد عمامة لتزيين البلاط، إنما سيكون للملك صلة وصل وأداة هجوم تبعا للموقف الرسمي المتناقض من الشيعة: فكون الجواهري ينتمي لواحدة من أكبر الأسر الدينية النجفية يرشحه لأن يكون وسيطا بين الملك وعلماء الشيعة، لذلك أرسله قبل زيارة النجف مبعوثا للعلماء وأخذه معه في زيارته الحساسة للنجف في أعقاب نفي عدد من العلماء الشيعة.

ومن الجانب المعاكس كان الجواهري مطلوباً كمثقف شيعي متنور لمواجهة الحرب الطائفية التي يشنها علماء الشيعة على الملك والدولة. وقد كان الجواهري في البلاط حين نشر قصيدته (الرجعيون) مهاجما رجال الدين الشيعة الذين أثاروا ضجة بسبب فتح مدرسة للبنات في النجف:

إذا لم تقصر عمرها الصدمات



ستبقى طويلا هذه الأزمات



ومرتكب حفت به الشبهات



تحكم باسم الدين كل مذمم



إلى غرض يقضونه وأداة



وما الدين إلا آلة يشهرونها




[ديوان الجواهري، المجلد الأول ص254 دار العودة - بيروت]

واحتاج الملك الجواهري كمثقف كواحد من أبرز المثقفين المدينيين لمواجهة ضغوط شيوخ القبائل الذين اصطفوا مع سلطات الإنتداب ضد ه وضد مشروعه لإقامة دولة ذات جيش مركزي يتفوق على جيوش القبائل.

وقد احتاج الملك للجواهري كداعية لمواجهة الطبقة المتوسطة المدينية التي خذلت بوعود الملك في بناء دوله مستقلة واعتبرته مجرد واجهة لحكم الإحتلال.

ويدرك الملك سطوة الشعر على الشارع ولديه أمثلة مضادة في قصائد الهجاء القاسية التي يتداولها الشارع للرصافي مثل:

لها غير سيف التيمسيين عاصبا



لنا ملك تأبى عصابة رأسه



يعدد أياما ويقبض راتبا



وليس له من أمره غير أنه




أو قصيدة الزهاوي بعد إفلاسه من عضوية مجلس الأعيان:

هو شعب يظل غير عزيز



إن شعبا يرجو بفيصل عزا



إنكليزية من الإنكليز



عربي أضحى اشد علينا




كانت هذه القصائد وغيرها تتردد بين المتعلمين ومنهم إلى رجل الشارع الذي خيب بموقف الملك من الانتداب. ولذلك احتاج الجواهري كشاعر صاعد تنشر قصائده في الصفحات الأولى ليعيد له اعتباره كملك مهيب.



الأب والمثال
الجواهري الذي دخل البلاط وهو في أواسط عشريناته كان مسحوراً، كما المتنبي، بالملك. فلم تكن سيرة الملك فيصل الأول رتيبة مثل حفيده فيصل الثاني (من طفل مدلل في حضانة نساء البلاط إلى مدرسة الأرستقراطيين المدللين في هارو بلندن ثم موائد القمار وهو شاب وصولا وانتهاء بالعرش وهو ما يزال غراً). حياة الجد فيصل الأول كانت حافلة بالمثيرات: من بيئة أشراف في مكة طفلا، إلى الصراع مع جمال باشا والأتراك مع مثل القومية العربية في الأستانة، ثم قائد جيش عربي مقاتل مع لورنس العرب وهو مراهق، ثم داخلاً إلى دمشق مع جنوده منتصراً على الجيش التركي، إلى عضو من أعضاء مؤتمر فرساي دبلوماسيا مخذولا شابا، إلى ملك منتخب على سوريا ثم مهزوما على يد الفرنسيين في معركة ميسلون، ثم منفيا على يد الاحتلال الفرنسي، إلى ملك للعراق ثم ساعياً لبناء دولة حديثة من بلد متحارب الطوائف والقبائل، ساعيا إلى الاستقلال ولكن بالتوافق مع وجود الانتداب.. سيرة مثيرة لمخيلة شاعر شاب كما هي سيرة سيف الدولة للمتنبي. لذلك لم يبد الجواهري لاحقا أي ندم على قصائده في مديح فيصل الأول، في حين اضطر إلى نشر قصيدة (كفارة وندم) و(خلفت غاشية الخنوع ورائي) تكفيراً عن قصيدته في حفل تتويج الحفيد فيصل الثاني التي سماها في مذكراته (الهاوية): «لقد اغتصبت تلك الزلة ضميري وما أصعب آن يجد المرء ذو الحساسية ضميره مغتصبا وممن. من ذاته» [ذكرياتي ج2 ص121].

تراوحت صورة الملك في مخيلة الجواهري الشاب بين الأب والقديس والقائد المحارب والمصلح. فبالنسبة للشاب اليتيم المغترب في مدينة لا يعرف فيها أحداً وبين دهاة السياسة الكبار تمتع الجواهري تماماً باللقب الذي أسبغه عليه الملك (ابني محمد). وهناك تشابه في زاوية الرؤية في يوميات الجواهري بين الطفل الجالس في طرف ديوان الوالد يحمل الشاي للضيوف وينير طريق نزولهم حاملا الفانوس والذي يسير صامتا خلف والده في أزقة النجف، وبين الشاب الجالس في تشريفات البلاط بانتظار أن يناديه الملك لنقل رسالة أو يدخل على الملك مبلغا باسماء ضيوفه أو السائر خلف والده الملك في ممرات البلاط مطرقا بانتظار إشارة منه. وفي مخيلة الجواهري الآتي من بيئة دينية لها تقاليدها في إظهار تقديسها لسلالة الرسول لن ينس الجواهري أن فيصل الأول في الجيل الخامس والثلاثين المتحدر من صلب الحسن حفيد الرسول، ولذلك ينطبق عليه قبل الجميع الوصف الذي قاله لا حقا في الوصي عبد الإله:

سور الكتاب ورتلت ترتيلا



يا ابن الذين تنزلت ببيوتهم




وفي مخيلته التي تمت لشعر المديح الكلاسيكي بدا الملك الآتي من الصحراء مثالا لهيبة الأمراء العرب الكلاسيكيين «في زيارته الثانية للنجف كان بيني وبين الملك فيصل الأول يفصل بين بيتنا وبيت مضيفه السيد هادي الرفيعي. بأنفاس مبهورة راقبت الوجه النحيل البدوي القسمات لأول أمير عربي على أرض العراق. انتابني إحساس غريب بأن هذا الأمير وحده يمت إلي» [الجواهري: العيون من أشعاري، الحياة]. ولذلك تأخذ قامة الأمير ومهابته الشكلية مدخلا لقصائد المديح التي كتبها عنه:

يحار بطلعته المادح



سلام الإله على طالع



وإن أجهد النظر الطامح



مهيب يرد سناء العيون




[ديوان الجواهري، المجلد الأول ص125]

وقد خلق الجواهري توافقاً بين مثله وبين هذه السيرة. فبالنسبة للوطني المعادي للاستعمار الإنكليزي كان الملك عند الجواهري هو الوطني المعادي للاستعمار.. أول ملك عربي عن حق بعد قرون من حكم الأجنبي، أملاً بالاستقلال:

وامدد لسوريا يد الإسعاد !



فُكَّ العراق من الحماية تُحْيِهِ




وللجواهري العلماني كان الملك باني الدولة الحديثة المترفعة على الطائفية والقبلية بوجه رجال الدين المنغلقين وشيوخ العشائر المتمسكين بعشائرهم وتخلفهم. وعلى مستوى طموحه الشخصي، فقد أنقذ الملك الجواهري من لحظة اليأس الصعبة حين رفض تعيينه كمعلم مدرسة وأعطاه ما هو أرفع بكثير حين جعله وسط البلاط كمدخل للوصول إلى مواقع المسؤولية في الدولة.

sarmad1960
10-26-2006, 05:09 PM
التناقض
ثلاث سنوات قضاها الجواهري في البلاط استغرقت 180 صفحة من مذكراته وكتب فيها اكثر من عشر قصائد مديح لفيصل الأول، ولكن الحصيلة كانت مثل حصيلة المتنبي من سيف الدولة، فلم يكن الجواهري في البلاط أكثر من حاجب في التشريفات وناقل رسائل من الملك وإليه، ولم يكن يوما قريبا من موضع القرار الذي يتيح له تجسير الفجوة بين الأمير والشاعر. وحسب المذكرات نفسها كان له أثر بسيط في مصالحتين: بين الملك وعلماء النجف و بين الملك والرصافي. ولذلك تراجعت آمال الجواهري بالإصلاح من خلال المشاركة في الحكم ولم يبق أمامه إلا إصلاح حاله بالوجاهة والمال. ومن جانب آخر فإن المثال الذي أعجب به الجواهري صار يتراجع كثيرا كلما توغل الجواهري في التفاصيل اليومية الواقعية للملك وبلاطه. فعلى عكس الاستقبال الحاشد الذي قوبل به الملك فيصل الأول عند قدومه من دمشق، تراجعت شعبيته بسرعة بين العراقيين، لأن سلطته المركزية وسلطة الجيش الحديث بدأت تتوطد على حساب نفوذ العشائر، وقد اكتسب الصراع في الغالب طابع القطيعة الدموية، ومع الشيعة ازدادت القطيعة بسبب إجراءات نفي واعتقال العلماء. وخيب الملك أمل الطبقة الوسطى، لأن تنصيبه تم على يد الإنكليز، ولأنه كان مترددا ولم يبد همة كافية في مواجهة الانتداب، ولأنه أحاط البلاط والمناصب الحساسة بضباط شريفيين من أصول غير عراقية، مثل رئيس الديوان رستم حيدر، ورئيس التشريفات وناضر الخزينة صفوت العوا، وكلاهما سوريان، في حين يطمح الكثير من المتعلمين العراقيين إلى الحصول على مناصب أدنى بكثير.

لذلك عاش الجواهري تناقضات حادة بين وعيه ووجوده. ففي مدينة النجف، التي جاء الجواهري منها، ويحمل في داخله ثقافتها الروحية، مازالت الفتوى بتحريم العمل في الحكومة سارية بسبب طائفية الحكومة السنية وبسبب تبعيتها للإنكليز. والدولة، التي جاءها الجواهري باحثا عن موقع خارج الجو المحافظ في النجف، تعاملت بريبة مع شاعر نزق مارق على أصوله الدينية ولا يليق سلوكه الليلي ولا قصائده الداعرة بهيبة البلاط الذي يعمل فيه، وفوق كل ذلك فهو يمت بصلة إلى طائفة تضمر العداء للدولة. وفي حياته الراهنة في بغداد عاش تناقضا بين شلتين: الطبقة السياسية المحيطة بالبلاط وهم ينفثون الوشايات في آذان الملك وقادة الإنتداب الإنكليز ضد بعضهم، أو يحركون حروب العشائر من اجل الحصول على مواقع اقوى في السلطة، ويستخدمون نفوذهم السياسي لنهب اراضي ومحاصيل فقراء الفلاحين.. تقابلها شلة المقهى (عبد الفتاح إبراهيم، محمود المدرس، زكي خيري،مصطفى علي،عاصم فليح وحسين الرحال)، وهي الشلة التي كونت نواة حزبي المعارضة الرئيسيين الشيوعي والديمقراطي وأثرت في تكوين الميول اليسارية عند الجواهري.. وهكذا عاش الجواهري، وهو في البلاط، التناقض بين طائفية بيئته النجفية وطائفية الدولة التي لجأ إليها، وبين مثل التحرر والتفتح التي آمن بها وبين رجعية وتبعية السلطة التي سعى إليها، وبين شلة السياسيين الفاسدة المحيطة بالبلاط وشلة المقهى اليسارية، بين نهار البلاط البروتوكولي وبين ليل الملاهي المتسيب، وبين حماس الشاعر الحالم وواقعية السياسي البارد الدم: «كنت من العاجزين عن أن يعوا أنفسهم وأن يدركوا ما يمكن أن يكون وما لا يمكن، أي أن أكون مع الناس وفي الصميم، وكما أريد لنفسي، ثم أن أكون مع الحاكمين وكما يريدون» [ذكرياتي ج1ص266].



الجواهري والرصافي والزهاوي
وكان أمام الجواهري من مجايليه مثالان متعارضان يقابلان المعري والمتنبي في التاريخ القديم: الزهاوي والرصافي. فقد حاول الزهاوي، الذي يكبر الجواهري آنذاك بخمسين عاما، أن يبني مجدا خارج الشعر فمدح رمز الاحتلال السير برسي كوكس، وحفل ديوانه بمديح الملك فيصل الأول مما أتاح له أن يكون عضوا في مجلس الأعيان.. مقابل ذلك شن الرصافي حربا شعواء على البلاط وشمت به وبمن فيه حين أغرقه فيضان دجلة عام 1927:

أم مليك بالمخانيث محاط



ليت شعري أبلاط أم ملاط



فتداعى ساقطا ذاك البلاط



غضب الله على ساكنه




وقد عاش الرصافي ومات متمردا على الحاكم والمجتمع حين رفض المناصب وفضل أن يبيع السكاير، وعاش في حي البغايا على صدقاتهن بدلا من ان يعيش في كنف الحاكم ويرتزق منه. رأى الجواهري في حياة الرصافي هذه ذروة التمرد التي تقابل حياة المعري. أعجب الجواهري به وتعاطف معه، ولكنه لا يريد ان يعيش حياته ولا مصيره حيث مات وحيدا على سرير حديدي مما يباع في المزاد وفي غرفة لا تغطي نافذتها ستارة تقيه حر الشمس. وقد كانت محاولة الجواهري للمصالحة بين الرصافي والملك فيصل هي محاولة للمصالحة مع نفسه وبين المتعارضات في داخله.



التمرد
عاش الجواهري في البلاط وعمل المحال لكي يفصل منه. في النهار كان يداوم في البلاط بعمامته كأي موظف تشريفات مؤدب ومرضي عنه، وفي المساء يفارق البلاط الى إلى ملاهي السهر والسكر لكي يغادرها على وجه الصباح لنشر قصائده المتمردة على قيم المجتمع مثل (عريانه، ليلة شباب، هزي لهم ردفا) أو قصائده السياسية في فضيحة الوفد المسافر إلى لندن «وطار للندن شر اللصوص» وبينهم شقيق الملك ورئيس وزرائه.

وحتى بعد خروجه من البلاط بقي الجواهري يعيش هذه الازدواجية، فكل الطبقة الحاكمة التي بدأت تنشئ أحزابا، أو أرادت أن تبتعد ولو شكليا عن الحلقة الضيقة التي تمثلها، سواء أكانت تمثيلا طائفيا او تكتلا عشائريا أو نخبة من الضباط الشريفيين. ولما كان عمل هذه الأحزاب يعتمد على الصالونات السياسية، فإن وجود الجواهري سيعطي هذه الصالونات طابعا مختلفا، لكونه من الطائفة الأكثر عددا والمعزولة عن الحكم، ولكونه من الطبقة الوسطى المثقفة المعادية للإنكليز والمعزولة عن هذه الصالونات، وسيضفي على هذه الصالونات لونا أدبيا خلافا لأحاديث السياسة المكررة. وبدوره أراد الجواهري أن يمسك بالمتناقضات، فيمثل التيار الوطني والشعبي ويكون في نفس الوقت قريبا من الحكم. ولم يكن هذا الموقف المتعارض حكرا على الجواهري وحده، فالتعارض بين المثقفين والدولة لم يكن حادا مثل أيامنا هذه. وفي غياب الشارع والأحزاب السرية كانت الممارسة السياسية مرتبطة بالدولة وجهازها. وكانت المسافة بين المعارضة وكراسي الحكم ضيقة ومجسرة قياسا إلى أيامنا هذه، فالدولة الناشئة بحاجة إلى المتعلمين لبناء جهازها الإداري في أعقاب انسحاب طبقة الدواوينية العثمانية. وكانت هذه الحاجة وراء حماسة الملك فيصل الأول لإنشاء جامعة آل البيت في بغداد عام 1927. المتعلمون، بغض النظر عن اتجاهاتهم، كانوا بحاجة إلى العمل في جهاز الدولة كمصدر رزق وحيد في غياب المؤسسات الاقتصادية المستقلة. وكان قيام الدولة على أنقاض العشائر طموحا عاما لمثقفي ذلك الوقت. لذلك لم يجدوا تعارضا حادا بين عقائدهم والوطنية المعارضة، وبين العمل في المناصب الحكومية العليا. فالجادرجي كان وزيراً للمواصلات والاقتصاد، والرصافي كان مفتش اللغة العربية في وزارة المعارف، وموسى الشابندر في وزارة الخارجية، وفهمي المدرس رئيساً لجامعة آل البيت. وعمل الرحال جهاز الدولة، في حين عمل رفيقه محمود أحمد السيد سكرتيراً لمجلس النواب. وإذا صعدنا إلى الأعلى سنجد أن سياسيا معارضا كان في قيادة حزب الإخاء الوطني، وعرف بمواقفه المتشددة من الإنكليز يتنقل بسهولة من المعارضة إلى رئاسة الوزارة ومن معاداة الإنكليز إلى توقيع معاهدة معهم وهو في رئاسة الوزارة. ولم يبد هذا التعارض في المواقف نشازا لأنصاره المتعلمين المعارضين في الحزب، لأن السياسة آنذاك لم تكن تستمد نفذوها من الفكرة، إنما من شخصيات القادة الذين يمثلونها، ولذلك ساند المتعلمون المعارضون موقف الهاشمي الجديد وتسلموا خلال رئاسته مناصب حكومية وبرلمانية دون أن يشعروا بالتعارض بين مشاعرهم الوطنية المعادية للإنكليز وموقعهم في الدولة الخاضعة للانتداب، وبنفس السهولة سيعود الزعيم وأنصاره إلى معارضة الحكومة والانتداب حين تسقط حكومة الهاشمي والبرلمان الذي يساندها. كانت السياسة في غياب الحياة الحزبية المنهجية ابنة لحظتها وعلاقاتها الشخصية. وكان البرلمان في بدايات تشكيله توفيقا ممكنا بين المعارضة والمشاركة. وشارك الجواهري في هذا الاعتقاد عدد من المثقفين المعارضين مثل الرصافي والزهاوي وروفائيل بطي، لأنه مصدر دخل جيد يوم كان راتب النائب أعلى من راتب أي مدير عام، وهو مصدر للوجاهة وبوابة للصعود السياسي، كما أنه في غياب حياة حزبية مقنعة سيكون منبراً للخطابات الوطنية والمعارضة للاحتلال. ولكن الأمر لن يستمر بهذه السهولة خلال العقدين التاليين من العهد الملكي. ففي حين إن بغداد لم تخضع للأحكام العرفية ليوم واحد خلال العقدين الأولين، أي من عام 1921 إلى 1941، فإن هذه الأحكام، حسب حنا بطاطو (الكتاب الأول ص 381) طبقت أربع مرات ٍعلى مدى مجموعه 2843 يوماً، أي ثمانية أعوام من السبعة عشر عاما الأخيرة من العهد الملكي. وحسب الجواهري نفسه «كانت هذه الفترة من أسوأ الفترات في تاريخ العراق الملكي. فإضافة لسلسلة الأحكام العرفية والمشانق في الشوارع كانت سلسلة المعاهدات المذلة التي تكبل مستقبل العراق» [مقابلة للكاتب مع الجواهري نشرت في جريدة الحياة 14 مايو/ أيار 1991].. هذه الفجوة الهائلة بين الحاكمين والمحكومين ستشكل تناقضا حادا في وعي مثقفي تلك الفترة. لذلك بقي الجواهري مثل مجايليه مخيرا بين الحكم والشارع.

sarmad1960
10-26-2006, 05:10 PM
الجمهور والشاعر
ويبدو القول المنسوب لمؤسس الحزب الشيوعي العراقي (فهد): «أعطوا الجواهري ثورات سيعطيكم قصائد ثورية!» قريباً إلى حد بعيد من سيرة الجواهري. فحتى بداية الثلاثينات كان الجمهور، بالنسبة للجواهري الذي عاش في البلاط ووسط صالونات النخبة الحاكمة، مبهما مجردا. ولا يتعلق الأمر بالجواهري الشاعر وحده، فقادة المعارضة الوطنية، وحتى الماركسية،كانوا من أبناء شرائح الطبقة التجارية (الجلبيين) التي تضررت تجارتها وسيطرتها على وسائط النقل بسبب دخول الإنكليز ورأس المال الأوربي، مثل جعفر أبو التمن وحسين الرحال ومحمد مهدي كبه وصلاح الدين الصبّاغ ومحمد حديد وكامل الجادرجي وصديق شنشل. لم يجد أبناء هذه الطبقة امتد ادهم الواقعي في الطبقات الشعبية الدنيا رغم تعاطفهم معها. ورغم الانتقال النسبي لمركز التوجيه الشعبي من الجامع إلى المقهى حيث يوجد الأفندية قراء الصحف ومتابعي الإذاعات، إلا أن اثر الأفندية في التوجيه السياسي كان ضعيفا بسبب انتشار الجهل والأمية، ففي واحدة من رسائله الى أمين حسونه يشكو محمود احمد السيد من جهل الناس وقلة القراء «فالأديب في بغداد مسكين لا احترام له، والمؤلف فقير لا رواج لكتبه ولا قراء لمقالاته... فمائة كتاب أو مائتان أو خمسمائة تباع في السوق لا تغني الأديب المؤلف» [مجموعة السيد الكاملة طبع وزارة الثقافة والفنون _ الجمهورية العراقية ص568] يضاف إلى ذلك فقدان الأحزاب السياسية المستنيرة. وكان هذا التباعد بين المثقفين والجمهور هو السبب وراء تفكك مجموعة (الرحّال) الماركسية التي أرادت إنقاذ الشعب من تخلفه، ووراء شعور المرارة الذي يسم رواية (جلال خالد) التي كتبها أحد أفراد هذه المجموعة (محمود أحمد السيد). كما تكشف قصائد الجواهري خلال العشرينات وبداية الثلاثينات غموض صورة الجمهور.. يخاطبه الجواهري، ويستنهضه ضد الجهل والحاكمين، دون أن يراه، ويسميه أحياناً الشعب أو الرعية أو الوطن، لكنه لا يصفه. ويغلب اللوم والأسى على ما فات في قصائده التي تلت ثورة العشرين، لأن الأمور سارت بالناس باتجاه السكينة والخضوع، ولذلك يتجاوز الجواهري ناسه الحاضرين ليخاطب الشهداء شاكيا من ذل الحاضر، وأحيانا يخاطب الشباب والأطفال يائسا من رجال يومه:

وتعرف فحواهن إذ أنت يافع



ستأتيك يا طفل العراق قصائدي




[الثورة العراقية: ديوان الجواهري المجلد الأول ص55]

الوصف الوحيد للجمهور يرد أول مرة في قصيدة رثاء عبد المحسن السعدون في 15 تشرين ثاني 1929:

ماذا يقول الشاعر المتفجع



الشعب محتشد هنا يتسمع



.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..




.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..



ساحاته اكتظت ونصف بلقع



نصفان بغداد فنصف محشر



إلا حشا دام ووجه أسفع



متماوج الأشباح حزنا ما به




وحتى هنا تغلب على الحشد السكينة والغضب الصامت. حقا إن العراق شهد 42 انتفاضة وثورة وانقلاباً خلال العهد الملكي بدأت بانتفاضة الشيخ محمود الحفيد الكردية مروراً بثورة العشرين وانقلاب بكر صدقي ثم الوثبتين وانتهاء بثورة تموز 1958. لكن كل حالات التمرد في العقود الأولى من العهد الملكي، التي كان الجواهري في أثنائها إما حاجباً في البلاط أو نائباً في البرلمان، كانت ريفية الطابع وصفها حنا بطاطو بأنها: «لهاث عالم قبلي يقترب من نهايته» [ص123 الجزء الأول من الطبقات الاجتماعية والحركة الثورية في العراق]. وكثيراً ما كانت هذه التمردات سياسية الطابع، يقودها شيوخ العشائر ضد سياسيين بالتحديد ولصالح سياسيين آخرين من نفس الطبقة، لذلك كان الجواهري يشعر بالسخط لأن سياسيي بغداد يحولون دماء الفلاحين إلى مكاسب في السلطة، لكن منذ بداية الثلاثينات انتقلت الحركة السياسية، ومعها التحركات الجماهيرية، إلى المدن من خلال إضراب الصنائع في 1931 الذي استمر 14 يوماً. غير أن هذا الإضراب لم يستهدف الحكم ولا النظام الاجتماعي، بل قانوناً ضريبياً سنّته حكومة كريهة. أما في أواخر الأربعينات فقد حملت التفجيرات طابعا لم يعرفه العراق سابقا، فالاستياء الذي بقي سياسيا ضد حكومة معينة، والاستنتاج هنا لحنا بطاطو، أصبح الآن ضد النظام الاجتماعي بمجمله وأصبح مركز التحرك هو العاصمة بغداد، على بُعد أمتار فقط من أماكن تواجد الجواهري، في البرلمان أو الجريدة أو المقهى. و بدأ الصراع يأخذ طابعا دمويا بين رصاص الشرطة وصدور المتظاهرين العارية. وتحكم علاقة الجواهري بالحاكم علاقة الأخير بالرعية. تتذبذب هذه العلاقة في فترات الهدنة والسكون، أو حين لا تكون المواجهة مكشوفة ومرئية من قبل الجواهري، وتتوتر العلاقة كلما أخذت المواجهة طابعا عنيفا ومكشوفا فتتحول الأزمة الوطنية عند الجواهري إلى أزمة شخصية حين يوشك أن يقلب موقفه رأسا على عقب. والجواهري بطبيعة تكوينه كعراقي وبطبيعة تكوينه العائلي المتوتر مهيأ للاستفزاز بانتظار أن يمس القمع الجواهري نفسه باعتقاله أو فصله أو مهاجمته في واحدة من الصحف، وفي الغالب يأتي الاستفزاز من خلال أحد أفراد العائلة حيث استشهد شقيقه جعفر برصاص الشرطة خلال مواجهات الوثبة، أو باعتقال أحد أبنائه وكلهم ينتمون لليسار فتنالهم أول حملات القمع. تتحول الأزمة الاجتماعية عند الجواهري إلى أزمة شخصية هي المقدمة الضرورية للموقف الشعري. وقد تجمعت هذه العناصر مع اندلاع شرارة الوثبة، فالجمهور غادر سكونه والحاكم فتح سلاحه ومن بين القتلى شقيق الجواهري وبين المعتقلين ولداه وابنة هاربة من الشرطة، ولذلك تحتم على الجواهري ان يغادر موقعه بين الحكم والرعية، ويصف هذا الموقف في الجزء الثاني من مذكراته. بمشهد حقيقي ورمزي في نفس الوقت «وحين اشتد صوت الرصاص في الشوارع وكنا ما نزال في المجلس النيابي، وجدت نفسي مندفعا خارج المجلس لأصل إلى الشارع برغم منع الحراس لي وبرغم التماسهم لي بعدم الخروج وبرغم تحذيرهم من الرصاص المتساقط على الجدران» [ذكرياتي ج2 ص22].



المنبر والجمهور
يعرف الجواهري منذ طفولته فعل الكلمة على الجمهور من خلال حضور المنابر الحسينية حيث يتحكم الخطيب من على منبره بعواطف الجمهور بديباجته القوية التي يتناوب فيها الشعر والنثر المسجوع وقدراته الخطابية التي تتلون بين القراءة المصوتة والغناء الشجي الذي يحرك عواطف جمهوره المهيأ أصلا للانفعال، من الحماسة حد الصراخ عند وصف معارك الطف، ثم البكاء حد الإغماء عند وصف فاجعة الحسين، ويزداد انفعال الخطيب بانفعال جمهوره في تناوب عجيب. من هذه الطقوس الشيعية عرف الجواهري فعل الكلمة على الجمهور المستلب. وحتى عندما استصعبت عليه المعاني أخذ الجواهري الصبي وهو يتسلل إلى مجالس الشعر مسحوراً بإيقاع الشعر «المتين الساحر الصاعد النازل الموشوش هامساً أو الصارخ منذراً» [ص66، ذكرياتي ج1] ورأى بطله محمد سعيد الحبوبي يقود بالشعر مستمعيه من (الجامع الهندي) إلى ساحات القتال إبان ثورة العشرين. ورث الجواهري تقاليد الشعر الخطابي وطرق الإلقاء النجفية وطبقها على المظاهرات تحريضا على الحاكم.

وتقوم استراتيجيته على مخاطبة جمهور حاضر أمامه (أنتم) وتهديد حاكمين تركهم خلفه (هم)، ويقوم الجواهري بتقريب المستقبل (الغد) بجعله منظوراً للجمهور. ويأتي هذا التفاؤل من زخم الوثبة المتصاعد وتراجع الحاكمين أنفسهم أمام هذا الزخم. ووسيلة الجواهري في اختصار زمن العذاب باتجاه الخلاص هو الدم «خلي الدم الغالي يسيل، خلي الدم ينزف دما، تقحم لعنت أزيز الرصاص» فأخذ الشاعر موقع القائد العسكري في معركة منظورة وراهنة وتأخذ الجمل صيغ الأمر الذي ينتج أفعالا مباشرة (تقحم! جرب! عليهم!). في هذه المعركة المنظورة يتحول الدم الى كائن حي مفكر وناطق، يسأل ويجيب ويتهدد نيابة عن الجمهور الحاشد:

بأن جراح الضحايا فم



أتعلم أم أنت لا تعلم



وليس كآخر يسترحم



فم ليس كالمدعي قولة



يصيح على المدقعين الجياع أريقوا دماءكمو تطعموا!




ولا يكتفي الدم بالكلام، إنما يتحرك نحو هدف محدد:

هذا الدم الرقراق ركاض لغايته عجول




ويستوحي الجواهري من تقاليد عاشوراء السنوية مفهوم الدم كضمير جمعي يثقل الأحياء برسالة الشهداء فيجددون العهد سنويا، ويثقل في نفس الوقت نومة القتلة الحاكمين بالخوف من الثأر:

ومفاخرا ومساعيا ومكاسبا



انبيك عن شر الطغام مفاجرا



لو نال من دمهم لكان الشاربا



عن شاربين دم الشباب لأنه




أكثر من عشرين قصيدة تقع بين الوثبتين ونهاية العهد الملكي تجمع فيها كل حقد الجواهري على الطبقة الحاكمة، ولكن لم تكن هذه قطيعة الجواهري النهائية مع الحاكم. حقا إن الموقف يتقرر على ضوء القطيعة بين طبقة الحاكمين وطبقة الجواهري، والقطيعة بين الحاكم والرعية عموماً، ولكن نظرة الجواهري لهذه العلاقة ليست عقائدية، فالأمر يتوقف أيضا على موقف الحاكم من الشاعر وعلى مزاج الشاعر وحسابات الربح والخسارة في اللحظة المعينة. و الحرب بين الجواهري والحاكم هي علاقة جدلية تقوم على الاحتواء والنقض: يحارب الحاكم، ولكن الحاكم موجود فيه.. يمتدح ذاته وهو يمتدح الحاكم، ويحارب ذاته وهو يحارب الحاكم فيه.

sarmad1960
10-26-2006, 05:11 PM
الــــجــــــواهــــــــــري



في سطور وكلمات




* ولد عام (1899) في مدينة النجف العراقية، ذلك المركز الديني والأدبي البارز.

* تحدّر من أسرة عريقة في علوم الفقه والأدب والشعر عرفت بالجواهري نسبة لكتاب جليل اسمه (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام) للمحقق "الحلّي" ألفه الشيخ "محمد حسن" أحد أعلام الفقه في عصره والمرجع الديني البارز للطائفة الشيعية في زمانه، وطار صيت الكتاب حتى عرف به مؤلفه "صاحب الجواهر" ومنها جاء اسم العائلة "آل الجواهري".

* كان والده "الصارم" "القاسي" يسعى لإعداده كي يتبوّأ مكانة دينية مميزة وهو التقليد الجاري في الأسر النجفية المعروفة ولذلك فرض على الجواهري الصبي منهجاً صارماً بعد أن ختم القرآن في أن يحفظ كل يوم خطبة من "نهج البلاغة" وقطعة من "أمالي القالي" وقصيدة من "ديوان المتنبي" ومادة من مواد كتاب "سليم صادر" في الجغرافيا. ويبدأ الصبي يحفظ طوال نهاره منتظراً ساعة الامتحان بفارغ الصبر، فإذا نجح فيه يسمح له بالخروج ليلعب مع أترابه.

كان يمكن لهذا المنهج القاسي أن ينفّر الصبي من الأدب ولكنه على العكس من ذلك يستمر في الحفظ من حسن إلى أحسن حتى يحفظ خمسين وأربعمائة بيت شعر في ثماني ساعات ويربح ليرة رشادية في رهان على ذاكرته وهو ابن الثالثة عشرة.

* قاده ولعه المبكر في الشعر إلى الغوص في بحوره ودواوينه "سارقاً" معظم الجهد والوقت مما كان يُفترض أن يوجه نحو علوم الفقه والشريعة.

* بدأ النظم في سن مبكرة ولم يبق شئ يذكر محفوظاً وموثقاً من تلك البواكير.

* نشرت أول قصيدة له عام 1921.

*غادر النجف إلى بغداد عام (1927) ليعمل في التعليم. لم يدم ذلك طويلاً، حيث عُيّن في العام نفسه وبعد استقالته من التعليم في ديوان تشريفات ملك العراق، فيصل الأول.

* صدر له ديوان "بين الشعور والعاطفة" عام (1928). وكانت مجموعته الشعرية الأولى قد أعدت منذ عام 1924 لتُنشر تحت عنوان "خواطر الشعر في الحب والوطن والمديح".

* استقال عام (1930) من ديوان التشريفات الملكية ليصدر جريدته الأولى "الفرات".

* ألغي امتياز صحيفة "الفرات" بعد صدور عشرين عدداً منها فقط.

* بعد إغلاق جريدة "الفرات" عاد إلى التعليم مرّة أخرى.

* واصل نقده وتحدّيه للسلطات والأوضاع الاجتماعية البالية في قصائده التي كانت تنشر في كبريات الصحف والمجلات داخل العراق وخارجه. ولم تكن النتيجة بأحسن مما كانت مع جريدة الفرات، فأحيل الى مجلس الانضباط التعليمي ولينتهي الأمر باستقالته من التعليم ليعود إلى عالم الصحافة من جديد.

* أصدر عام (1935) ديوانه الثاني "ديوان الجواهري".

* أصدر عام (1936) جريدة "الانقلاب" مستبشراً خيراً بانقلاب "بكر صدقي" العام نفسه.

* بدأ يعارض سياسة الحكم إثر إحساسه بانحراف الانقلاب عن أهداف الإصلاح الموعودة وحكم عليه بالسجن وبإيقاف الجريدة عن الصدور.

* إثر خروجه من السجن وبعد سقوط حكومة الانقلاب أصدر جريدته الشهيرة "الرأي العام" والتي كان يتعاقب إغلاقها وصدورها عبر سنوات طويلة. وكانت الصحف التي أصدرها مثل: "الثبات" و"الجهاد" و"الأوقات البغدادية" و"الدستور" و"صدى الدستور" و"العصور" تأخذ مكان "الرأي العام" المعطّلة عن الصدور وليتوالى إغلاق هذه الصحف تباعاً.


* شهد عام (1939) رحيل عقيلة الشاعر "أم فرات" في أثناء حضوره مؤتمراً في لبنان.

* غادر العراق بعد فشل حركة مايس عام 1941.

* عاد إلى العراق في العام نفسه ليستأنف إصدار جريدة "الرأي العام".

* مثّل العراق عام (1944) في مهرجان "أبي العلاء المعرّي" بسوريا.

* دخل عام (1947) المجلس النيابي ليستقيل بعد عدة أشهر مع عدد من النواب المعارضين في أثناء وثبة كانون الثاني عام (1948) ضد معاهدة بورتسموث الاستعمارية الجائرة مع بريطانيا، والتي استشهد فيها شقيقه الأصغر "جعفر".

* لبَّى عام (1948) دعوة المؤتمر التأسيسي لـ "حركة السلام العالمي" في "بروكلاو" في بولونيا. وانتخب عضواً في المجلس التأسيسي للحركة والذي ضمَّ شخصيات عالمية مثل "بيكاسو" و"بابلو نيرودا" و"جوليو كوري".

* أقام في باريس ردحاً من الزمن إثر عودته من المؤتمر وهناك أبدع "أنيتا"، إحدى ملاحمه العاطفية والشعرية المثيرة والرائعة.

* صدر عام (1949) الجزء الأول من ديوانه الجديد في جزءين.

* عام (1950) صدر الجزء الثاني من ذلك الديوان.


* في العام نفسه لبَّى دعوة الدكتور "طه حسين"، وزير المعارف المصري آنذاك لحضور "مؤتمر المثقفين" في الاسكندرية.

* أعلن "طه حسين" خلال المؤتمر أن الجواهري ضيف مصر.

* أقام في القاهرة قرابة عام ليعود بعدها الى العراق.

* وبعد عودته من مؤتمر السلام العالمي المنعقد في فيينا عام (1951) أصدر "الأوقات البغدادية" وأغلقت فأصدر "الثبات" وأغلقت أيضاً ليصدر "الجهاد"، لتغلق بدورها ويعتقل الجواهري إثر انتفاضة تشرين 1952.

* أصدر عام (1953) الجزء الثالث لديوانه في طبعته الثالثة.

* اعتكف كـ "مزارع" في مقاطعة ريفية، استأجرها من الدولة في منطقة "علي الغربي" بالعمارة مبتعداً بذلك عن أجواء الصراعات السياسية المليئة بالعقد الاجتماعية وعن الصراعات الشخصية وبذاءات المهاترات والتهم في تلك الحقبة من الزمن.

* لم يدم الاعتكاف طويلاً، إذ كان منبر حفل تأبين "عدنان المالكي" في دمشق عام (1956)، منطلقاً لتمرّد جديد على أوضاع العراق.. ومنح حق اللجوء السياسي.

* أصدر في العام نفسه الجزء الأول من ديوانه في طبعته الرابعة.

* عاد الجواهري عام (1957) "مزارعاً" مرة أخرى معتكفاً في ريف "علي الغربي" بمدينة العمارة العراقية.

* إثر ثورة (14 تموز) عام (1958) عاد إلى معترك الصحافة والسياسة وأيد خطوات الثورة الأولى.


* انتخب رئيساً لأول اتحاد للأدباء العراقيين. ونقيباً لأول نقابة للصحفيين.

* تعرض للعديد من المضايقات والايذاءات من سلطات العهد الجمهوري بسبب مواقفه المنحازة للجماهير.

* استغل الدعوة لتكريم "الأخطل الصغير" عام (1961) ليغادر العراق وليحلَّ ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكي.

* صدر في العام نفسه جزءان، من مشروع أربعة أجزاء، لديوان "الجواهري".

* عام (1963) أصدرت سلطات انقلاب شباط قراراً بحجز أمواله وأموال أولاده "المنقولة وغير المنقولة" غير الموجودة في الواقع اصلاً.

* ترأس حركة الدفاع عن الشعب العراقي في براغ عام 1963.

* صدر عام (1965) ديوان "بريد الغربة" في براغ.

* صدر عام (1968) الجزء الأول، في مشروع جديد، من مجموعة الشاعر الكاملة عن دار الطليعة.

* في نهاية العام نفسه عاد الى الوطن بعد تغرب دام سبع سنوات واستقبل استقبالاً جماهيرياً حافلاً.

* صدر عام (1969) الجزء الثاني من ديوانه عن "دار الطليعة".

* عام (1971) صدرت رائعتاه "أيها الأرق" و "خلجات" في كراسين منفصلين.

* منح عام (1975) جائزة الكتاب والأدباء الآسيويين - الأفريقيين "اللوتس".

* غادر العراق عام (1979) لتغرّب جديد دام بقية العمر، استنكاراً ورفضاً لمطالع محنة العراق الجديدة ومعاناة شعبه والطبقة المثقفة منه بوجه خاص.

* وفد عام (1983) للإقامة في سوريا بدعوة من الرئيس الراحل حافظ الأسد.

* زار الجماهيرية الليبية عام 1989 بدعوة رسمية استقبله خلالها العقيد معمر القذافي ومنح هناك وساماً ليبياً رفيعاً.


* منح في نهاية عام (1991) جائزة "سلطان العويس" الاماراتية للإنجاز العلمي والثقافي.

* في (8/1/1992) توفيت زوجته ورفـيـقـــة مـسـيـرتـه العـصـيـبـة، لأكـثـر مـن نـصـف قرن، السيدة "أمونة الجواهري".

* لم تستقم صحة الشاعر إثر رحيل زوجته، "نصف وطنه" – حسب وصفه - الهائم معه في دروب التغرّب العسيرة ولتتصاعد محنه وعذاباته النفسية حتى رحيله.

* لبَّى في خريف 1991 دعوة "دار الهلال" لحضور احتفالات الذكرى المئوية لصدور مجلة الهلال في القاهرة وحظى باهتمام وحفاوة كبيرين واستقبله خلال الزيارة الرئيس المصري حسني مبارك.

* كما لبَّى في نهاية العام نفسه دعوة الحكومة الأردنية للمشاركة في حفل توزيع جوائز الدولة التقديرية لوجوه العلم والثقافة في الأردن، وقد منح خلال تلك الزيارة وسام الاستحقاق الاردني من الدرجة الاولى بقرار من الملك الراحل الحسين بن طلال.

* شارك في مهرجان "الجنادرية" الثقافي بالمملكة العربية السعودية عام (1995) بدعوة من ولي العهد والقائد العام للحرس الوطني الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.

* في تموز عام (1995) أقيم للجواهري في مكتبة الأسد بدمشق احتفال تكريمي ضخم على الصعيدين الثقافي والرسمي، وجرى تقليده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة تقديراً لتراث الشاعر الأدبي ومواقفه الوطنية.

* في فجر يوم الاحد 27/7/1997 رحل الشاعر العظيم، واحتضنته تربة الشام بعيداً عن "دجلة الخير".
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:13 PM
المخزومي في ذاكرة الجواهري


في المقابلة التالية يتذكر الجواهري صديقه الراحل الشيخ الجليل الدكتور مهدي المخزومي، مجيبا على اسئلة طرحها عليه صباح المندلاوي


لمقهى حسن عجمي في بغداد نكهة متميزة، تختلط بسحر واصالة المكان وعراقته، وبذكريات الادباء والمثقفين الذين كانوا يترددون عليه كأنه أحد المنتديات الثقافية.
سألت الجواهري عما بقي في ذاكرته من ذلك المقهى. سحب نفسا عميقا من سيكارته وكأنه بذلك راح يستحضر اجواء المقهى والوجوه التي كان يلتقيها
قال: يعد هذا المقهى واحدا من اشهر مقاهي شارع الرشيد – مقابل الحيدرخانة ببغداد. كان ملتقى لطلائع بغداد، تتردد عليه خيرة اعلام بغداد من امثال عبد الوهاب مرجان الذي اصبح وزيرا، وعبود الشالجي، محام كبير، له مكتبة علمية وابية كبيرة ومتميزة آنذاك، وعزالدين النقيب، ويونس السبعاوي، وابن ظاهر، وصادق كمونة، ومحامون كبار
اعلام بغداد كانوا يجتمعون في هذا المقهى، كانوا يترقبون مجيئي، وعند وصولي، كان الصمت يسود لتتواصل بعد قليل الاحاديث والطرائف والنقاشات السياسية والادبية.
جماعة البلاط كانوا لا يترددون على هذا المقهى - انهم رسميون
كان المقهى مفروشا بالسجاد الاصلي (كاشان)، تسطع في ارجاءه (السماورات) و (القواري)، وكان ذلك يعكس ذوقا رفيعا
ومن باب الذوق الرفيع واعتزازهم بي كانوا يجلبون لي القهوة التي كتبت على (كشوتها : وجهها) كلمة الجواهري بخط انيق وجميل (حرامات الواحد يشربه). كان لديهم ابريق خاص لذلك
ثمن استكان الشاي عانه واحدة وكذلك القهوة، (القنفات) كلها كانت مغطاة بالسجاد وعلى الجدران ايضا سجاجيد
صاحب المقهى حسن عجمي، متوسط الطول، اسمر اللون، مقبول، عربيته جيدة، ويعمل في تجارة السجاد التي كانت في حينه تجارة مربحة
بدأ ترددي على هذا المقهى منذ اعوام 1926/1927/1928 واستمر حتى عندما اصبحت عضوا في المجلس النيابي عام 1947/1948

امضيت اياما جميلة في هذا المقهى مع الخلان والاصحاب والاحباب، وكم من القصائد الجميلة نظمتها في هذا المكان؟! قصيدة (المقصورة) بدأت بكتابتها في هذا المقهى ، واكملتها في البيت على نهر دجلة
لم اشر بما فيه الكفاية الى هذا المقهى في الجزء الاول من ذكرياتي، بينما كان صاحب المقهى يكره الضجيج والضوضاء حدث ذات مرة ان اثنين وهما يلعبان (الطاولي) تشاجرا فما كان من حسن عجمي الا ان جاء اليهما وحذرهما، وعلى اثر ذلك منع اللعبة على رغم ما كانت تدر عليه من ارباح
من ابرز (صناع) المقهى –شفتلو- كان مضرب المثل في بغداد كلها، وشفتالو بالفارسية تعني الخوخ –المعنجرة- كان هذا قزما، يذهب كل ليلة جمعة الى كربلاء مشيا ويرجع مشيا ايضا
فوق المقهى كانت تتربع المسافر خانه، وفيها غرفات قليلة (اوتيل صغير). كان حسن عجمي يجلس بجوار الخزانة الحديد على ما اتذكر. كانت اجرة الفندق (روبيه) واحدة او (روبيتين) والتي تعادل الان على وجه التقريب ربع دولار. مرات نزلت في هذا الفندق حينما يسافر اهلي الى النجف. ورأيت ان (صناع) المقهى نهارا هم ممن يعملون في الفندق ليلا
المؤسف ان المقهى خرب بعد وفاة حسن عجمي. كان (ابو فلح) يهتم به كثيرا، حتى لو كلفه ذلك الكثير من المال. اذ كان اشبه بالديوانية، ديوانيته
كان يجلس كالملوك على كرسي وثير، ليس من اجل فلوس يحصل عليها مني او من غيري، انما لكي يزهو ويتسلى ايضا. ولهذا كان يعتني به كثيرا، يهتم بديكوراته ... سماورات هنا وهناك.. (ناركيلات) ... سجاجيد. والشغيلة لديه من المخلصين. والظاهر انه لم يكن متزوجا. كل صباح ينزل من الفندق (كاشخا) ويجلس في صدر المقهى. اظن انه توفي في اوائل الخمسينات
المؤسف ان هذا المقهى لم ينل نصيبه الكافي (كتاية) من الكتاب والادباء والشعراء الذين ترددوا عليه وامضوا فيه ردحا من الزمن
معروف الرصافي كان يجلس في الجانب المقابل في مقهى عارف اغا، وهو ايضا من المقاهي التاريخية. وهناك مقهى الزهاوي، ومقهى خليل في الساحة التي يتوسطها الان تمثال الرصافي.



عزاوي والاعيان


وفي الثلاثينيات والاربعينيات كانت (كهوة عزاوي) واحدة من اشهر مقاهي بغداد، حيث الرقص والطرب وحيث يرتادها اعيان المجتمع
عن هذا الملتقى سألت الجواهري ذات ليلة:
س: ماذا عن (كهوة عزاوي) هل كانت مقهى او مرقصا؟!
ج: أجل أجل. انها كانت تجلب اجمل ما في الدنيا، انظر الى المفارقات، مقهى شعبي
وراقصات ومطربات..الم تسمع ببديعة عطش، تلك التي اشعلت فتنة في بغداد، وتلك
التي قلت فيها شعرا؟!
كنا نحن طلائع الشباب نجلس في (المقصورة) فوق (وينة وينة المستنكى) صاحب المقهى كان يدفه بهذا الاتجاه ويشجع على استقطاب الوجوه المعروفة والشخصيات المرموقة
اما بقية الزبائن فكانو من ذوي (العكل اللف القديمة) ومن ذوي (الشوارب) وممن يدخنون الناركيلات. كان الجو يبعث على الهيبة. في تلك المقصورة نظمت قصيدتي (بديعة عطش)


س: ماذا عن بديعة؟


ج: انها حلبية. في حلب اشعلت فتنة ايضا. المسكينة قتلوها اثر التنافس عليها، دفعت حياتها ثمنا غاليا. حينما كانت تسافر او ينتهي عقدها يأتون باخرى من مصر

وهنا راح يترنم باعجاب واعتزاز باغنية (كهوة عزاوي)
يـــــــــــــا كهوتك عزاوي
بيها المدلل زعــــــلان

في منتصف السبعينات وفي جلسة ضمّت العديد من الوجوه الاجتماعية والسياسية في بغداد، منهم من أمضى العديد من السنوات في السجون والمعتقلات، حدثنا احدهم وهو من اهالي النجف عن اعجابه الكبير بالجواهري، وكيف وانه منذ صباه كان يقرأ ويحفظ اشعاره التي تتسم بعذوبتها وطراوتها وارتباطها الوثيق بهموم وعذابات الناس.

ومن بين ما اشار اليه وما بعث الى الذهول ان في معرض حديثه عن ذاكرة الجواهري الوقّادة، كيف قبل الرهان على حفظ 450 بيتا من الشعر خلال يوم واحد مع التغاضي عن 20 خطأ محتملاً خلال حفظه لهذا الكم غير القليل من الابيات.

في اليوم التالي وفي ساعة الاختبار، وقف الجواهري كالطود الشامخ، يجتاز الاختبار وبأقل عدد من الاخطاء لم تتجاوز اصابع اليد. وكانت النتيجة ان يكسب الرهان - ليرة ذهبية واحدة – يومها كان لها زينتها وبريقها، وليكون موضع حديث المجالس ليس في مسقط رأسه فقط بل وفي كل العراق



*العلامة المخزومي من ابناء مدينتك النجف، ومن اصدقائك الخلص، فهل يمكن ان تلقي بعض الضوء على نشأته وتدرجه في دنيا العلم؟

الجواهري: هو من عائلة زاير ادهام، وهي عائلة عريقة معروفة في النجف. دخل الحوزة العلمية في النجف، وكان احد النابهين فيها، فوقع عليه الاختيار ليكون مرشحا الى الدراسة في القاهرة
أثبت المخزومي خلال دراسته جدارة لا تصدق، حتى ان اطروحته المعنونة (( الخليل بن احمد )) لم تناقش من قبل الاستاذ المشرف، احمد امين، استاذ الاساتذة في العالم العربي، وصاحب الموسوعة الاسلامية، اذ قال حينذاك: كيف لي ان اناقش عالما؟!!و
وفي لبنان، وفيما بعد، ظفرت اطروحته المعنونة (( مدرسة الكوفة )) بجائزة ادبية شهيرة، وبعد ذلك لم نر له مؤلفا. حيث اصبح عميدا لكلية الاداب / جامعة بغداد
عرف عن المخزومي شغفه وولعه بالقراءة والمطالعة كان يبقى حتى ساعة متأخرة من الليل بين احضان تلك الكتب وفي مكتبته الفخمة والضخمة. في احدى زياراتي له، قلت: الا تخشى ان تسقط عليك تلك الكتب كما حدث للجاحظ

*ماذا عن ذكرياتك مع المخزومي خلال عملكا في اتحاد الادباء العراقيين في اعقاب ثورة تموز عام 1958؟

لعل ابرز ما يشار اليه في هذا الصدد الدعوة التي وجهت الينا كأتحاد للادباء للمشاركة بمؤتمر عربي يقيمه اتحاد الكتاب العرب في الكويت وتشارك فيه اتحادات كتاب عربية كلها حديثة العهد. الوفد الذي تشكل كان يضم الشاعر حافظ جميل والباحث اللغوي كمال ابراهيم والمؤرخ علي الخاقاني والشاعرة نازك الملائكة والعلامة المتجرد الدكتور مهدي المخزومي والاديب الكاتب علي جواد الطاهر والشاعر محمود الحبوبي والاديب صلاح خالص وانا. المهم، قبل انعقاد المؤتمر بيوم واحد، وكما هو مألوف، كان علينا ان نقابل امير دولة الكويت، وانتدبت انا والدكتور المخزومي واديب اخر للذهاب الى الامير. وجلسنا ناحية، بينما هو مشغول او متشاغل مع احد اعضاء الوفد المصري بحيث وجدنا انفسنا بموقف لا نحسد عليه ونحن نمثل الوفد العراقي لا غيره. وحفظا لكرامتنا وكرامة الوفد العراقي أومأت الى زملائي بالنهوض، ونهضنا فعلا لنجد انفسنا ونحن نستأذن الامير بالانصراف، مثل الذي ما سلم حتى ودع، كما يقولون

خلال المؤتمر تم اختياري رئيسا للجلسة، وهذا نابع من تقدير الحضور للوفد العراقي وثقله الثقافي، وحين حاول البعض من الوفود العربية إثارة الحساسيات والخلافات، دققت على الطاولة لمرات عدة، ولما لم يجد ذلك نفعا، قررنا الانسحاب فنهضت ونهض الوفد العراقي باكمله معلنين الانسحاب. الا ان النخوة العربية، والعراقية بخاصة، دفعت العراقيين الحضور والعاملين في الكويت لاعادتي الى المنصة. وحينما طلبت ممن اساء الى الوفد العراقي ان يعتذر من الحضور ومني، فما كان منه الا ان يعتذر، فوجدتني في الوقت نفسه ابدي له اسفي وحزني على ان ننجر الى مثل هذه النهاية. فنحن لم نات الى الكويت لنشعل الفرقة والاحتراب، وانما لنخطو على التوحد والتلاحم، وانت تدري كما يدري الاخرون انك لو اشعلت سيكارة في البصرة لأطفأتها في الكويت، وتابعت القول: مع ذلك فقد كان الاستقبال يثير القرف والاشمئزاز، اثر تلك اللافتات التي انتشرت هنا وهناك وعلى طول الطريق الموصل بين المطار والفندق: احذروا الشيوعيين-احذروا الشيوعيين!! واضفت قائلا: ثم ان هذه المسافة القصيرة بين البصرة والكويت بالطائرة لم تدعني اكمل قصيدتي (( يافا )) التي كنت اتغنى بابياتها في الطائرة، واشرت الى الدكتور المخزومي على انه الشاهد. فهتف الجميع: نريد القصيدة، قصيدة ((يــافا)) فلبيت الطلب


*ماذا عن رحيله الى السعودية؟


في اعقاب انقلاب شباط 1963، اتجه الى السعودية بحثا عن عمل، وبقي هناك اربع سنوات يدرس فيها. وقد اثيرت بعض الاعتراضات من الحاقدين عليه لدى العائلة المالكة في السعودية على كونه شيوعيا رغم انه لم ينتم الى حزب. فما كان من العائلة المالكة وتقييما لمكانته العلمية ومنزلته الرفيعة الا ان قالت: ان كان كل الشيوعيين مثل هذا الرجل، فهاتوا لنا بهم لنستفيد منهم


*هل من كلمة اخيرة


الكلمة الاخيرة عندي هي مدى قدرة هذا الانسان ان يقاوم-ما استطاع-النكبة بعد النكبة، والفجيعة بعد الفجيعة، ثم لا يقدر على شئ سوى ان يضيفها الى دفاتر حياتهالمقسومة عليه (كل ذلك بصمت وخشوع) وان يجتر الامه اجترار الصابرين. فمنذ اكثر من 10 سنوات فارقت فيها الوطن وخلال كل ما تيسر من ((الهواتف)) العديدة بيني وبين بغداد، با ومن خلال القادمين والعائدين اليها، كان سؤالي الاول، بالحرف الواحد: خبروني عن حالة ابي مهند المخزومي. ولقد ظل خبر وفاته مكتوما عني قرابة الاسبوعين حتى عثرت عن طريق الصدفة على هذا الخبر الاليم
فكان هذا اكثر من مؤلم لي، لاني رأيت المقاييس مسحوقة امام عيني..فهل تكون تلك الكلمات القصيرة والاخيرة والباهته هي حصة مفخرة من مفاخر العراق الاوائل وعلم من اعلامه الشاخصة؟ ولا يبدل في شئ كلمة (( وداع ووفاء )) في جريدة اخرى، تبدو وكأنها ملزمة بان لا تتجاوز كلمات معدودة. لقد كنت يارفيقي الضائع رمزا شاخصا من رموز الحكيم الصيني القائل

ولدوا
فتعذبوا
فماتوا
والى لقاء قريب في عالم الارواح
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:15 PM
على قارعة الطريق




قال لي وقد عرج عليّ – وأنا في منتصف الطريق إلى حيث أريد ... أأنت مسافر مثلي..؟
فقلت له: لا! بل أنا شريد.
قال: وأين وجهتك الآن؟
قلت: وجهتي أن أضع مطلع الشمس على جبيني وأغِذ في السير .. حتى إذا جنني الظلام في الليل أقمت حيث يُجنّني .. وسرت عند طلوع الفجر.
قال: والليل ليل والنهار نهار منذ الأزل وحتى الأبد ... أفأنت مجنون؟؟...
قلت له: لا – كما أعتقد - ... ولكن أأنت جاهل؟..
قال: وكيف؟...
قلت له: لقد علمنا علم المكان وعلم الزمان من جديد أنك كلما أغذذت السير قُدماً قصر الليل وطال النهار .. حتى ليكادان يتحدان عند المنتهى.
ولقد كنتُ أجهل مثلك هذه الحقيقة طيلة ثلاثين عاماً كنت خلالها أهيم على وجهي وأتخبط في مجاهل الأرض – دون معالمها – إذ كنت لا أعلم من هذا العلم شيئاً.
قال: والآن؟؟..
قلت: والآن.. فمنذ سبعة عشر عاماً، - وقد عرفت هذه القاعدة – وأنا أمشي الى الأمام على ضوء الشمس...
قال: وعندما تغيم؟؟..
فقلت له: إنني لأفتح عيني أكثر لأعتاض بهما عن نور الشمس وقد أزيغ وأنحرف! ويكلفني هذا تعباً يطول أو يقصر على قدر انحرافي.. ولكنه ليس على كل حال أكثر من التعب في أن أعود وعلى ضوء الشمس من جديد، ومن حيث ابتدأتُ.
قال: وماذا أكثر من التعب؟
قلت: أكثر منه ألاّ أتعب.
قال: أوَلا ترتجف من البرد؟؟
قلت: لا ... فقد تعودته حتى لأكاد أرتجف من الحر.
قال: وماذا تأكل؟؟..
قلت: لحوم الحيوانات السائبة فإن لم تكن تقوتُّ فقليل من لحمي ...
قال: لحمك؟؟!!
قلت: أجل .. ولماذا لا .. واني لآكل من لحم أولادي أيضاً ...
قال: آه ... وعندك أولاد؟!!
قلت: بلى .. وهم سبعة ومعي أيضاً في طريقي ..
قال: وكيف يطيقون هذا العناء؟؟...
قلت: أحمل العاجز منهم على كتفي، وأدع رعاية الصغير للكبير منهم، وآكل من لحمهم وأطعمهم من لحمي.. ومن مات منهم جوعاً، أو تعباً، تركته للكلاب..
قال: أوَلا يرتجفون مثلك من البرد؟؟..
قلت: بلى .. يرتجفون .. الآن .. وسوف يتعودون ذلك غداً .. فلا يرتجفون أبداً.
قال: أو لم تقدر أن تكسوهم، وتطعمهم فيما تمر به على المدن، والقرى، والناس؟؟..
قلت: أبداً..
قال: ولماذا؟؟
قلت: لأنهم يريدون لذلك ثمناً...
قال: أو تريده أنت بلا ثمن؟؟
قلت: وكيف أريده بدونه..
قال: فلماذا؟؟
قلت: لأنني أريد لهم ولي .. أن أعمل ويعملوا .. لنشبع ونكتسي..
قال: وهم؟؟..
قلت: هم يريدونني أن أرقص..
قال: ترقص؟؟!!!!
قلت: أجل، ومثل القرود تماماً.
قال: ولماذا لا ترقص؟ .. ومثل القرود؟؟
قلت: لأنني لم أوهب سعة حيلة هذا الحيوان، وصبره على المجاراة.



- ألك أخوة؟..
قال لي صديق الطريق .. هذا !! ... وقد صمت ورمق الأفق البعيد بعينيه.
قلت: أجل لي ثلاثة..
قال: وأين هم؟؟
قلت: واحد تشرّد مثلي، وآخر تخلف عني في المدينة، وثالث أكلته الحيوانات!!..
قال: أو لك أمّ؟؟..
قلت: وكيف لا؟؟!!!!
قال: وأين تركتها؟
قلت: تركتها على قارعة الطريق، وبيدها كتاب!، وإبريق!، ومبخرة!!
قال: وما هذا؟؟!!!!
قلت: هذا من عقائدها..
قال: عقائدها؟!!!
قلت: أجل من عقائدها ... انها كلفتني أن أقبِّلَ الكتاب، وقد حملته باليمين، فقبّلتُه، ولكن .. بعد أن أخذته منها بالشمال .. وأرادت أن ترش الأرض من حولي بالماء، ومن أنبوبة الإبريق .. فرشت به الأرض، ولكن بعد أن رفعت الإبريق إلى فوق ومن فوهته!!..
قال: والمبخرة؟
قلت: إني حطمتها .. وإن والدتي لمتشائمة وحزينة من أجل ذلك.
قال: مفهوم أنها حزينة، ولكن لماذا هي متشائمة؟؟
قلت: لأنها تعتقد أنني لا أرجع اليها سالماً وقد حطمتها ..
قال: وأين ولدتك أمُّك؟؟
قلت: على قارعة الطريق أيضاً ..
قال: أكلّ شئ على قارعة الطريق؟؟!!!!
قلت: أجل .. إنها من المعتقدات بأسطورة !! –"سيادة النور" و"عبودية الظلام" ... وهي ترتجف رعباً من الليل، ولذلك فهي لا تضع حملها إلا على قارعة الطريق ..
قال: وأبوك؟
فقلت له: إنه لا يشغل بالي من أمره أكثر من أنه كان يتحمل الألم ولكن بصمت! بلا ثورة على الألم. وبلا تجديفٍ. وإنه كان يُغني ثم خاف فترك الميدان. وكل من هو على شاكلته من المغنين لا يشغل بالي من أمرهم شئ!
قال: ومتى عهدك بالمدينة وأهلها؟
قلت: منذ تركتها، أما عهدي بأهلها فمنذ أن تشاجرت مع حاكمها لكثرة ما يحملهم على الرقص كالقرود.
قال: وبعد؟؟!
قلت: وبعد .. فقد استمروا يرقصون حتى بعد أن طردني الحاكم شر الطرد من أجلهم.. طردني أنا ومن معي...
قال: أفأنت حاقد عليهم من أجل ذلك؟؟!!
قلت: لا ... أبداً .. بل غاضب ..
قال: أوَلا تريد أن تراهم؟؟..
قلت: إن بريق الغضب في عينيّ ليصدني عن رؤيتهم ..



قال لي عابر السبيل بعد برهة وجيزة استرحت خلالها من قال وقلت.
قال وقد فهمت أن عنده ما يخاله هو شيئاً جديداً – ان هناك – من ورائنا!! غابةً .. وارفة الظلال كثيرة الأشجار، ناضجة الثمار، شاخبة الغدران، .. أفلا أدلك عليها فتستريح عندها .. ولو بالرجوع خطوات؟؟
قلت له عابساً: أفأنت خارج منها ؟؟!!
قال: أجل.
قلت: أفأنت من أشباحها؟؟
فصمت ذاهلاً! ولما أدركت أنه ليس منهم، وانّه مجرد عابر سبيل، انحدر اليها ..
قلت له: لا .. لا أبداً ... فهل تريد أن أقص عليك أمري منها، وأدع لك أمرك وشأنك.. على أن نفترق بعد الآن، لأنك حديث عهد بها، وبأرواحها، ولأنني لا أطمئن إليك من أجل هذا ...
قال وقد رأيت الألم الصادق! في عينيه: موافق..
قلت له: لقد مررت بغابتك هذه، بعد أن كنتُ قد انحرفت قليلاً أو كثيراً – لا أدري – عن شرع الطريق الذي كنت أريده، وكان الأمر في ذلك انني لقيت من على جانبي طريقي المنحرف أشباحاً وكأنها الأدلاءُ الى الطريق السويّ فتبعتهم – شاكراً!!!- حتى إذا توسطت الغابة استقبلتني من خلال أغصانها المتشابكة رؤوس كأنها طلع الشياطين، وأصوات كأنها حشرجة المحتضرين، وأطبق عليّ الظلامُ الذي أخافه.
ولا أنكرك.
انني كنت جائعاً، وإن ثمرها كان شهياً.
وإنني كنت ظامئاً، وإن ماءها كان عذباً سائغاً.
ولكنه، مع هذا كله فقد أنستني حاسة الرعب والهلع من الظلام المسيطر عليها كل الحواس الأخرى.
فلقد أدركت يا صديق الطريق العابر من بادئ الأمر – بغريزتي – وليس بعقلي أن طريقاً يقف عليه الأدلاء ليّدلّوا المارة عليه ليس هو بالطريق القويم، فمثل هذا الطريق ما تسير أنت مدفوعاً على هداه..
ولقد علمت يا صديق الطريق العابر أن تلك الأشباح المبثوثة في طريقي إلى الغابة إنما هي من أرواحها!! وأن كل ما عوى عليّ من ذئابها!!!
وكل ما طلع علىّ من رؤوسها!!!
وكل ما أدمى قدميّ من أشواكها!!!
وكل ما حكّ جلدة رأسي من أغصانها وفروعها!!
كان جزءاً لا ينفك من أرواحها أيضاً.
وحتى تلك الحيوانات المتفرجة المسالمة فيها هي منها أيضاً.
وتلك الأشباح التي كانت تتسلل من خارج هذه الغابة فتتشابك مع ما في داخلها من أشباح وأرواح وكأنها تريد أن تتلاعب معها! أكثر من أن تتقاتل.
حتى تلك الأشباح التي كانت وكأنها تريد أن تدفع عنها كل البطر! وفتورَ الدلال! في معركتها هذه، آمنت أنها من سلالة أرواح الغابة ومن عناصرها!
ولقد ألفيت تلك الأرواح الشريرة ومن تابعها ترى ذلك الجنيّ الغضّ من الثمر العاجل في هذه الغابة، والماء العذبَ البارد خير العوض عن الظلام الرائن عليها!
وكنت أراه مجرد ثمرٍ عاجل. ومجرد سراب لامع.
وكانوا يضحكون مني. وكنت أضحك منهم!!
وعندما هز عابر السبيل هذا رأسه باستحباب كمن يريد زيادة في الحديث ...
قلت له: ومن الغريب أنني كنت أحمد!!! في خطواتي الأولى الى هذه الغابة هؤلاء الأدلاء. وكنت لا أنفك أغني إلى جانب ذلك أغاني التمجيد لنور الشمس، وكان هؤلاء الأدلاء أنفسهم – لاغيرهم – يهزون رؤوسهم وأذقانهم كالمؤمنين بما أغني.
والأغرب من كل هذا – يا صديق الطريق العابر – أنني حتى بعد أن وليت منهم ومن غابتهم فراراً...
كنت أغني بحماس أكثر .. وأغاني أجود في تمجيد نور الشمس، وفي شجب عشاق الظلام.. وكانوا – هم وليس غيرهم – أيضاً يهزون رؤوسهم وأذقانهم تأميناً على أغاني هذه .. في حين كانوا يشيعونني معها بنظرات الأسف.
إنهم كانوا يفعلون ذلك وهم يقضمون من نبات تلك الغابة وأثمارها .. ثمر الظلام الذي يعيشون فيه ...
ثم يرمون ببعضها.. أو ببقاياها الى من وراءهم وحواليهم من تلك الأرواح. وممن قصرت أيديهم أن تمتد الى أغصان أشجار الغابة.
ثم قلت: وقد انتهيت ...
والآن فوداعاً يا صديق الطريق العابر ..
قال: وداعاً يا أيها المغني لنور الشمس!!!
وداعاً أيها الشريد!!!
وكان هذا أخر عهد لي به، وأخر عهد له بي
.

sarmad1960
10-26-2006, 05:16 PM
قلت وقال ..



قلت للشيخ ارتضى العمّة رزقاً والقميصا
غطّيا منه صَغارَ الفكرِ والنخوةَ والرأيَ المحيصا
كيف عرّيت من الدين بما زورتَ .. روحاً ونصوصا
قال: ما بالُك أمسكتَ تلابيبي وأعفيتَ اللصوصا




زرع الضمائر ..


قالوا قد انتصرَ الطبيبُ على المُحالِ من الأمور ِ
زرعَ الجماجمَ والقلوبَ وشدَّ اقفاصَ الصدور ِ
فأجبتهم: ومتى سترفَعُ رايةُ النصرِ الأخير ِ
زرعٌ الضمائرِ في النفـوسِِ العارياتِ عن الضمير ِ




مؤتمر الاقطاب وذات الجنب ..


وتجمَّع "الأقطابُ" يأكلُ بعضُهم في الحقد بعضا
يتفحصون مشاكلَ الدنـيـا سماواتٍ وأرضا
أيُعالِج المرضى اطبـاءٌ يذاتِ الجنبِ مرضى
يشكو المحبّةَ واحــــــدٌ لثلاثةٍ يشكون بُغضا!




حُكم التاريخ ..


سيسبُّ الدهرُ والتاريخُ من أغرى بسبي
لا الأولى ســبُوا فهم عبـدانُ عبدانِ لرب
يا لخزيِ المشتلِي كلباً لسبِّ المتنّبي
عِــرضُ كــافـورٍ تـهـــرّى وله مليونُ كلب
__________________


طرطرة الجواهري
وما اشبه اليوم بالبارحه

زولو



طرطرا

محمد مهدي الجواهري

أي دبدبي تدبدبي أنا علي المغربي
أي طراطرا تطرطري تقدمي تأخري
تشيعي ، تسنني ، تهودي ، تنصري
تكردي ،تعربي ،تهاتري بالعنصرِ
تعممي تبرنطي ،تعقلي تسدري
كوني - إذا رمت العلا - من قُبُلٍ أو دُبُرِ
صالحة كصالح عامرة كالعمري
وأنت إن لم تجدي أبا حميد الأثر
ومفخرا من الجدود طيب المنحدر
ولم تري في النفس ما يغنيك أن تفتخري
شأن عصام قد كفته النفس شر مفخر
طوفي على الأعراب من بادٍ ومن محتضر
والتمسي منهم جدودا جددا وزوري
تزيدي تزبدي تعنـزي تشمري

تقلبي تقلب الدهر بشتى العبر
تصرفي كما تشائين ولا تعتذري
أي طرطرا إن كان شعب جاع أو خلق عري
أو أجمع الست الملايين على التذمر
أو كحم النساء حكم الغاصب المقتدر
أو صاح نهبا بالبلاد بائع ومشتري
أو نفذ المرسوم في محابر واسطر
أو أخذ البريء بالمجرم أخذ طرطر
أو دفع العراق للذل أو التدهور
فاحتكمي تحكمي وتحمدي وتؤجري
أي طرطرا تطرطري وهللي وكبري
وطبلي لكل ما يخزي الفتى وزمري
وسبحي بحمد مأفون وشكر أبتر

أعطي سمات فارع شمردل لبحتر
واغتصبي لضفدع سمات ليث قسور
وعطري قاذورة وبالمديح بخري
وصيري من جُعَل حديقة من زهر
وشبهي الظلام ظلما بالصباح المسفر
وألبسي الغبي والأحمق ثوب عبقر
وأفرغي على المخانيث دروع عنتر
إن قيل إن مجدهم مزيف فأنكري
أو قيل إن بطشهم من بطشة المستعمر
وإن هذا المستعير صولة الغضنفر
أهون من ذبابة في مستحم قذر
فهي تطير حرة جناحها لم يعر
أي طرطراً سيري نهجهم والأثر
واستقبلي يومك من يومهم واستدبري
وأجمعي أمرك من أمرهم تستكثري
كوني بغاثا واسلمي بالنفس ثم استنسري

أي طرطرا لا تنكري ذنبا ولا تستغفري
ولا تغطي سوءة بانت ولا تتزري
ولا تغضي الطرف عن فرط الحيا والخفر
كوني على شاكلة من أمرهم تؤمري
أي طرطرا كوني على تاريخك المحتقر
أحرص من صاحبة النحيين إن تذكري
طولي على كسرى ولا تعني بتاج قيصر
كوني على ما فيك من مساوئ لم تحصر
كوني على الأضداد في تكوينك المبعثر
شامخة شموخ قرن الثور بين البقر
أي طرطرا أقسم بالسويكة المشهر
والخرز المعقود في البطن فويق المشعر
بوجهك المعتكر وثغرك المنور
وعينك الحمراء ترمي حاسدا بالشرر
وصنوك الثور يثار غيظه بالأحمر
أقسم بالكافور لا أقصد شتم العنبر
لأنت فوق البشر فوق القضا والقدر
أي طرطرا يالك من قبرة بمعمر
خلا لك الجو وقد طاب فبيضي واصفري
ونقري من بعدهم ما شئت أن تنقري
قد غفل الصياد في لندن عنك فابشري .

sarmad1960
10-26-2006, 05:19 PM
على اطلال الحيرة





وقفت عليه وهو رِمةُ أطلالِ -------أسائله عن سيرة العُصُر الخالي
مضَوا أهلُه عنه وخُلّف موحشاً------- معاصرَ أجيال مترجمَ أحوال
خليلَيَّ ما لوح الكتاب مخلَّداً ---------أفصحَ منه وهو مندرس بالي
مهيجَ بلبالٍ " المناذرةِ" الأولى----- بأنسك هجتَ اليومَ بالحزن بلبالي
أهابُك إنْ أدنو اليك كأنني------ أرى الملكَ الغضبانَ َفي دسته العالي
أفي يوم بؤسٍ أم نعيم زيارتي -------إليك لَقد خاطرت بالنفس والمال
أخاف " أبا قابوس " أن لا يسره --لساني ولا يُرضيه شكلي ولا حالي
أبعد ابن ذبيانٍ زيادٍ لسانِهِ -----------ونابغِه يُصغي ليسمعِ أقوالي
بلادك يا " نُعمان " سلْ كيف اصبحت--- فغيرُك ليس اليوم عنها بسآل
فلا تحسبنْ أن العروبة معقِلٌ------- منيعٌ : فقد أضحت نِهابباً لدُخّال
ولا تحتقرْ هذا المقالَ فانه--------- وإن قلَّ . يكبو دونه كل ُّ قوّال
لقد أعدت العربَ المقاويلَ رطنةٌ ------وزمزمةٌ ليست بزجر ولا فال
لو أن " زياداً" و " المنخّلَ" راجعا---- زماني لما جاءا براء ولا دال
يَعيبُكِ يا أم الجمال مبغَّضٌ -------من القول عارٍ عن جمال وإجمال
خليليّ باع الناس بخساً بلادهم -----فما لي وحدي سُمتها الثَمن الغالي


__________________


الموقف الملتزم وتداعيات الغربة





د. صبيح الجابر


أكدت نظرية الأدب على أن الأدب في حقيقته ليس انعكاساً للعملية الاجتماعية، لكنه جوهر التاريخ بأكمله، وخلاصته وموجزه.. وأدب الجواهري، الذي صاحب عالم القرن العشرين منذ نهوضه الحضاري، وتطلعات مجتمعاته نحو التحرر حتى خواتم القرن، كان عنواناً لحركة المجتمع العراقي ونزوعه نحو الحرية والتقدم، إذ اختار هذا الشاعر العبقري الانحياز الكامل لأبناء بلده بقومياتهم وأقلياتهم المختلفة، وراح يرصد بواقعية خلاّقة معاناتهم وهمومهم وطموحاتهم اليومية على أرض الواقع المنظور، فاتجه بالقصيدة الكلاسية من موضوعاتها الموروثة، المبنية أصلاً على المسلمات التقليدية نحو إنسان عصره، وحركة واقعه المتخلف ـ آنذاك ـ وهو في جهده هذا قد أدخل مذهب الواقعية في آخر تجلياتها المتطورة إلى أدبنا العربي الكلاسي، متجاوزاً بذلك رومانسية من سبقه من شعراء العربية في الموضوع، وفي نسيج اللغة ومفرداتها الأصيلة. وهو في جهده هذا أيضاً كان قد اقترب من جهد الأديب الخالد تولستوي، الذي نمّى التقاليد الواقعية القديمة بطريقة أصيلة ومناسبة لعصره، لا من ناحية المضمون فقط، وإنما من الناحية الفنية كذلك، وراح ـ كبقية الشرفاء من الأدباء ـ يبتعد رويداً رويداً عن الطبقة الحاكمة، معتبراً حياتها نموذجاً للفراغ، والخلو من المعنى والإنسانية، وظلت قدرته على عرض الوطنينْ: وطن الملاك الإقطاعيين ووطن الفلاحين، هي نقطة الارتكاز في جميع أعماله.

الأمر الذي أكده الجواهري في مذكراته حين قال: «دخلت السياسة ـ إن صحت هذه التسمية ـ من أبواب أخرى، من باب حب المشاركة للناس، ولو كنت مخلوقاً لغير هذا المفهوم من السياسة، أي أن أكون لبنةً في عمارة الحاكمين لعرفت طريقي إليها، بيد أني مخلوق لأكون هذا الذي أنا عليه الآن».

فقصيدة الجواهري من النوع الذي أكد عليه هيغل، لا يمكن أن تكون نتاج شعور طارئ، بل هي عملٌ أُعمل فيه الفكرُ بتروٍّ.

لقد أدرك الجواهري مبكراً مسؤوليته إزاء مجتمعه، ورسم بدقة دوره في سياق العمل الوطني التحرري فنمّى مع نمو بنيته الجسدية قصيدته الثائرة بوجه من اعتبرهم طغاة وجلادين لشعوبهم، ولهذا كان المضمون الاجتماعي هو المسيطر الأول في شعره. ففي ديوانه الأول، وكذلك ديوان (بريد الغربة)، يظهر الشاعر ملتزماً بقضايا مجتمعه في الحياة والعيش الكريم، والتزام الجواهري لم يكن لخط سياسي ما، لكنه مع مَن يضع مصلحة الناس فوق مصلحته الشخصية، فهو كما يقول في مقدمة ديوانه (بريد الغربة) «غير ملتزم إلا بضميري، ضميري وحده، بل أنا ملتزم بمزاجي الشخصي فقط مع كل فئة شريفة عملت وانتصرت لفئات عديدة». وهو القائل:


شعبٌ يُجاعُ وتُستدرُ ضروعُه

ولقد تُمار لتحلبَ الأغنامُ


ُوتعطّل الدستورُ عن أحكامِهِ

منْ فرْطِ ما ألوى به الحكام



فالوعي بغيٌ والتحررُ سُبّةٌ

والهمسُ جُرمٌ والكلامُ حرا مُ




هذه هي إذن رؤية الجواهري لواقعه، وواقع عصره، وعلى أساس هذا الفهم الواعي والإدراك العميق لهما كوّن وبنى موقفه الأخلاقي من كل ما يدور حوله من صراعات وجدل وطموحات وآمال وتضحيات واستشهاد، وكان قد اختار الكلمة الصادقة لتنطق بالحقيقة، لأن قول الحقيقة ـ كما يقول أنطوني غرامشي ـ هو فعل ثوري، الأمر الذي أملاه عليه واجبه، باعتبار أن الفنان، إجمالاً، مسؤول عن تقدم مجتمعه وتأخره، لأنه مشارك فيه، ولأنه متأثر به ومؤثر فيه، ولعل مسؤولية الأديب أعظم شأناً، وأبعدُ خطراً، لأن الأدب وحده من دون سائر الفنون يقوم على مادة الألفاظ اللغوية، أي على مدلولات معنوية صريحة.

ولما كانت قصيدة الجواهري تنطلق من تفاعلات الواقع وصراعاته، فإنها لا تعتمدُ أصلاً على إعادة صياغة الحدث أو الفعل الثوري أو المشهد النضالي لاستدرار عواطف المتلقي وإلهاب حماسته، وتأجيج مشاعره الثورية، بل هي تخلق شحنةً تفتح الرؤى والمدارك والوعي بالواقع المعاش، وما يمكن أن يتمخض عنه لاحقاً، أو أنها تدفع باتجاه خلق وابتكار أفعال وأحداث جديدة تعجل بعملية التطور والتقدم خطوات سريعة نحو الأمام.

والجواهري يؤكد هذا في مذكراته، ويقول: «كيف لا يكون هذا والمتحكمون عبر التاريخ يخشون الكلمة والموقف ويخشون الحقائق والمواجهة، ويخافون من الجرأة الأدبية والصراحة وانتماء الملهمين إلى طبقات الشعب».

إن مثل هذه المواقف الراسخة والانحياز التام إلى الواقع والواقعية الاجتماعية والسياسية، عادة ما تكلف أصحابها غالياً، والجواهري كان قد هوّن من محنته ومصيبته وراح يستعيد ما كابده المتنبي، وهو القائل «حتى المتنبي كابد ما كابدت، وتحمل ما تحملت، وتهجر ما تهجرت، وشرد بمثل ما شردت، ولكنه مع هذا كله فقد كان يقرّب يومه الأخير بنفسه، وكأنه يريد أن يختزل كل مرارات الحياة التي ذقتها بعده بأكثر من أيامه بثلاثين يوماً. ومع هذا فلا أدري لماذا يذبح المتنبي رمز القومية العربية، وقبل هذا رمز البلد الأول الذي أنجبه وملأ به الدنيا وشغل به الناس؟ لماذا يذبح في وطنه وعلى مبعدة أميال من بيته (من بيتي أيضاً) وأهله في العراق؟».


قال تعالى: «ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم».

ظاهر الابتعاد والتغرب عن الديار ليست جديدة على الإنسان العربي، فقد عاش أجدادنا القدماء بين حل وترحال لملاحقة أسباب العيش أو للابتعاد عن الصراعات القبلية والخلافات التي كانت ظاهرة مألوفة، وخاصة في عصر الجاهلية، تلك الصراعات التي عُرفت بأيام العرب أو وقائع العرب، التي ـ غالباً ـ ما تدوم طويلاً، ويذهب بسببها الكثير من أبناء القبائل وفرسانها.

هذا الترحال وما يخلفه من معاناة وحنين ترك آثاراً واضحة في نفسية الإنسان العربي انعكست بوضوح في أشعار ذلك العصر، وأضحت عنصراً أساسياً في بناء القصيدة الجاهلية أطلق عليه بالمقدمات الطليلية التي لا تخلو منها قصيدة من قصائد الشعراء، باعتبارها تعبيراً عن معاناة غربة المكان، وحنيناً إلى الديار الدارسة.

تُضاف إلى هذه الغربة غربة أخرى هي غربة الروح أو غربة الذات أو الغربة الداخلية، التي قال عنها أبو حيان التوحيدي: «أغرب الغرباء من صار غريباً في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيداً في محل قربه».

لكن الغربة الحقيقية ـ كما يبدو ـ كانت قد ولدت في العصر الجاهلي على أيدي الشعراء الصعاليك، حيث مثلت حركتهم في ذلك العصر ثورة وتمرداً على تقاليد القبيلة وقوانينها وأعرافها، ومن خلال هيامهم في البيد غالباً ما يتذكرون أوطانهم ويحنون إليها.

فالشنفرى في (لامية العرب) نجده حكيماً وفيلسوفاً، يفلسف الهروب من العذاب، ومن ظلم القبيلة، ويبحث عن سعادته في أرض الله الواسعة بعد أن اتخذ من البيداء ملاذاً ومهرباً من ظلم المجتمع وسلطان القبيلة التي نبذته وحكمت عليه بقوانينها الجائرة، فهو يقول:

وفي الأرض منأىً للكريم عن الأذى

وفيها لمن خاف القِلى مُتعزَّلُ


لعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئٍ

سرى راغباً أو راهباً وهو يعقلُ



وفي العصر الأموي، ربما كان مالك بن الريب هو خيرَ مَن جسّد لنا هذه المعاناة في قصيدته التي قالها وهو ينازع الموت متوحداً مع غربة أشد عليه من قساوة الموت نفسه، وما لهذه القصيدة من أثر مدوٍ فقد ظل صوتُها مسموعاً منذ العصر الأموي وحتى يومنا هذا، وحتماً سيظل خالداً كذلك في عصور أخرى لاحقة، فهو القائل:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً

بجنب الغضى أزجي القِلاصَ النواجيا


فليتَ الغضى لم يقطع الرِكبُ عرضَه

وليت الغضى ماشى الركابَ لياليا



ويمضي قائلاً:

غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفرةٍ

يدَ الدهرِ معروفاً بأن لا تدانيا




وحين انحاز الكميت بن زيد صاحب ديوان الهاشميات إلى جانب بني هاشم بشعره وبأفكاره، تعرض إلى محاربة شرسة من قبل السلطة وصلت إلى حد إهراق دمه طعناً بالسيوف أيام مروان بن محمد. وما جرى للكميت جرى لغيره من شعراء الفكر والموقف، كالبحتري، والقاضي الجرجاني، وصفي الدين الحلي، والحلاج، ومحي الدين بن عربي، وغيرهم من شعراء الموقف والمبدأ والفكر.

وفي العصر الحديث كان الشاعر محمود سامي البارودي أول شاعر يتعرض للنفي خارج وطنه في بداية العصر الحديث، أي في عام 1882. ثم بعد ذلك يتعرض شعراء فلسطين للتشرد والاغتراب عام 1948.



مثلما خرج عظماء الأدب الروسي في القرن التاسع عشر من (معطف غوغول)، خرج رواد القصيدة الكلاسية الجديدة في العراق من بين صفوف علماء الدين ومفكري وأدباء العراق وشعرائه إبان عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، وبعد تأثيرات أفكار جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهداوي ومحمد عبده. وكان في مقدمة هؤلاء الشعراء، محمد سعيد الحبوبي، ومحمد مهدي البصير، وأحمد الصافي النجفي، والزهاوي والرصافي والكاظمي والشبيبي، ثم الجواهري الذي كان أصغرهم سناً كما يبدو. هؤلاء مثلوا مرحلة أدبية واحدة تكاد تكون متقاربة الأبعاد الزمنية، وعملوا على تسخير أشعارهم لخدمة قضيتين أساسيتين، هما: القضية السياسية، والقضية الاجتماعية، وهما قضيتان حداثيتان ـ إذا ما نظرنا إليهما اليوم بمنظور مطلع القرن العشرين ـ تجاوز بهما شعراء العراق مرحلة الرومانسية الأوربية التي امتدت تأثيراتها إلى شعرنا العربي في ذلك الوقت.

غير أن اهتمام شعراء هذه المرحلة بقضيتي السياسة والمجتمع العراقي لم يترك لهم متسعاً من التأمل والتأني للارتقاء بالقصيدة الكلاسية إلى مستوى الإبداع الراقي القيم، المنطوي على عناصر التجديد التي تمس البنية النسيجية للقصيدة، مثلما مسّ هذا الاهتمام البنية الموضوعية، وحرك ذلك الواقع الراكد في جميع مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والأدبية.

فالرصافي الذي كان شاهداً على عصرين: العثماني والملكي، ورغم العطاء الزاخر الذي تميز به شعره، إلا أنه لم ينعم بالراحة ولم يهنأ بالسعادة، فقد عاش فقيراً ومات وحيداً. إلا أنه ربما كان أوفر حظاً من صنويه الكاظمي والجواهري، لأنه مات ودفن في وطنه. أما الكاظمي فقد مات فقيراً في القاهرة، والجواهري اختار مقبرة (الغرباء) في دمشق.

والجواهري، الذي نشرت له جريدة (العراق) في مطلع العشرينات أول قصيدة (الشاعر المقبور) وعمره ثمانية عشر عاماً، كانت تحيطه دائرتان من شعراء الكلاسية الجديدة:

الدائرة الأولى: نشأ وترعرع بين شعرائها (الأحياء)، الزهاوي والرصافي والكاظمي والشبيبي.

والدائرة الثانية: دائرة الجيل الذي يتقدمه هو كشاعر كلاسي ناشئ، يصحبه فيها علي الشرقي، وأحمد الصافي النجفي، والحبوبي، ومحمد صالح بحر العلوم، وغيرهم الكثير من شعراء هذا الجيل، الذين كانت لهم عطاءات إبداعية ثرة، وكانت لهم مواقفهم المبدئية الجريئة إزاء الأحداث والمتغيرات المحيطة بهم، حيث كانت مثل هذه المواقف والوقفات الوطنية سبباً رئيسياً في تشريد ونفي وحرمان الكثير منهم.

وبالرغم من بساطة النموذج الاجتماعي والسياسي الذي قدمه الشاعر النجفي، فإنه لم يسلم من بطش السلطات الحاكمة، فقد اضطر إلى الهرب هو وأخوه بعد فشل ثورة العشرين، حيث عاش الغربة ما بين إيران والكويت، وليستقر بعد ذلك في دمشق.

هؤلاء هم أبرز شعراء القصيدة الكلاسية في العراق، وجميعهم تشردوا وتغربوا وذاقوا مرارة الغربة وأعياهم الشوق والحنين إلى وطنهم، تغربوا في المدن العربية، وفي المدن التركية والإيرانية، حتى أن بعضهم مات في غربتهم المكانية وبعضهم الآخر مات في غربته الروحية داخل وطنه.

ولكن علينا أن نقرّ بأن غربة هؤلاء الشعراء العراقيين لم تكن في بلدان أجنبية غريبة عن الشاعر ولم تكن (خلعاً) كما فعلت القبائل في الجاهلية، كما لم تكن هجرة وبعاداً لا رجعة فيهما في بلدان المهاجر الامريكية أو الأوربية مثلما فعل أدباء وشعراء الشام ولبنان في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، باستثناء غربة الجواهري في ما بعد.



غربة الجواهري
يبدو أن هذا الشاب ـ الجواهري ـ الطالع تواً من مجالس النجف الفقهية والدينية واللغوية والأدبية والمجتهد في حفظ القرآن والحديث ومقطوعات النثر العربي الثقيلة وقصائد الشعر الطوال، كان في الوقت نفسه يعد ذاته وشخصيته باتجاه آخر مخالف لما أراده له أبوه وأصحاب مجلسه، أو مخالف لما أرادته له بيئة النجف وعلماؤها.

والجواهري، منذ أن وعى ذاته وقدراته الذهنية والاستيعابية والإبداعية في مجال الشعر، راحت تعتمل في داخله غربة عارمة اكتشف من خلالها غرابة كل ما يدور حوله، وما تدعوه إليه بيئته النجفية بدءاً بالمكان وأشيائه من جبة وعمامة مروراً بمسلماته التقليدية من عادات وأعراف، وصولاً إلى الأفكار والوعي السائد.. في الوقت الذي كانت فيه شخصيات البحتري والمتنبي وأبي تمام وبشار بن برد وأبي العلاء المعري تتلبسه بعنف وتلوي عنقه باتجاه إبداعاتها وطرائق حياتها، وأساليب معيشتها ومواقفها إزاء مجتمعاتها، حتى وجد ذاته في الأخير وقد أضحت واحدة من هذه الشخصيات تعيش معها وتنادمها وتأتلف معها، وتأنس بأفكارها، وتعجب بسلوكها.. كما وجد ذاته تتغرب تدريجياً وتبتعد عن تلك الأجواء المفعمة بطقوس الفقه وعلوم الدين، وتتجه صوب ما أراد لها أن تكون، وتتغنى بلغة هي ليست اللغة التي أرادها له أبوه. وليست اللغة المستعملة بين الناس في التفكير، لأن الناس لا يفكرون شعراً، وإنما هي لغة خاصة على أوزان معلومة تؤلفها عبقرية الشاعر ـ حسب أرسطو.

هكذا ولد هذا الشاعر المتمرد، وهكذا تكلم بلغة الفن، وهكذا أقام الدنيا ولم يقعدها.

الجواهري، إذن، هو واحد من ذلك الرهط الشامخ، رهط امرئ القيس، وطرفة بن العبد، وعروة بن الورد، والشنفرى، والبحتري، وأبي تمام، والمتنبي، وبشار، وأبي العلاء المعري، ينتمي إليهم في شموخهم ولغتهم وفنهم، ولكنه لا ينتمي إلى عصورهم، ولا إلى همومهم، ولا إلى غربتهم وأسباب تغربهم، فضلاً عن تفرده في شخصيته الإبداعية المتميزة.

ولما كان عصر الجواهري عصر صراع شديد بين الحق والباطل، بين الجلادين وضحاياهم، فإن شاعراً مثل الجواهري لابد وأن يحدد موقفه، ويعلن انتماءه وانحيازه لأحد طرفي النزاع أو الصراع، وليس هناك من أحد يشك بانتماء الجواهري لغير حق الضحايا ودم الشهداء، ولغير عامة الناس، الذين بهم نبتدئ ـ كما يقول ـ وكان عليه أن يدفع ثمن انتمائه هذا غالياً.. فكان النفي وكانت الغربة.

غير أن سنوات الغربة الطويلة التي قاربت الأربعين عاماً ـ رغم تقطعها أحياناً ـ لم تدفع به إلا باتجاه الوطن، وإلا باتجاه هموم مواطنيه ومعاناتهم وعذاباتهم التي لا تنتهي.. وبدلاً من أن تقطع الغربة صلته بالوطن، راحت تعزز هذه الصلة، وتدفع به لتفقد أحوال أبنائه في كل شبر من أرض العراق.

ولا غرابة في ذلك مادمنا قد سلّمنا سلفاً بأنه واحد من أولئك العظام الذين لا يأبهون بغربة المكان ولا تهزمهم معاناتها، فالبيئة واحدة، والرؤى متقاربة، والانحياز إلى جانب الحقيقة وخير الشعوب لا تمنعه أسوار الغربة، وكلمات الحق المدوية قادرة على أن تصل إلى مديات أبعد من مديات الغربة.. وبدلاً من أن يرثي الشاعر ذاته، كما فعل ـ قديماً ـ مالك بن الريب، وـ حديثاً ـ بدر شاكر السياب، انشغل شاعرنا بهجاء الطغاة ورصد معاناة الضحايا والمقهورين. وهو يرى بأنه يعيش وسط هموم وانشغالات أبناء جلدته، لذلك لم نجده يفلسف معاناة الغربة، ويشكو همّه عوضاً عن هموم مجتمعه طيلة عمره الإبداعي الذي قارب خمسة وسبعين عاماً، وإذا أراد أن يكتب شيئاً عن هذه المعاناة، فإننا لا نجد إلا شخصية شعبه من خلال شخصيته هو، أو شخصيته هو من خلال شخصية شعبه.

وحين عاد الشاعر إلى وطنه في أواخر الستينات، كان قد شعر بثقل وطأة السنين وبتداعيات سنوات الغربة القاسية، فأراد أن يريح ركابه، لكن ـ كما يبدو ـ لا راحة في العراق ولا استقرار، فحزم حقائبه وعاد من حيث أتى:

أرح ركابكَ من أينٍ ومن عثرِ

كفاكَ جيلان محمولاً على خطرِ


كفاكَ موحشُ دربٍ رحتَ تقطعُهُ

كأنّ مغبرّه ليلٌ بلا سحرِ


ويا أخا الطير في وردٍ وفي صدر

في كلّ يوم له عشٌ على شجرِ




فالجواهري حين عاد كان يظن أن غربة جيلين يمكن أن تضع حداً لنزيف النازحين والهاربين والمنفيين من العراق، ولكن ـ كما قال أحدهم ـ الشر أطول عمراً من الشاعر، والطغاة (القصار العمر) هم الطغاة الذين يعمرون بعد القافية، الحزن أطول عمراً من العربي الحزين، والمنفى أطول عمراً من المنفيين، والشوق أطول عمراً من المشتاق، والغربة أطول عمراً من الغريب.

وفي هذا المقام لابد من الإشارة إلى بعض أشعار الجواهري التي نظمها في شبابه وأسماها (بريد الغربة) وهو في إيران منذ مطلع العشرينات من القرن العشرين، منها، مثلاً، قصيدة (سلام على أرض الرصافة) التي نشرت في مجلة (العرفان) في شباط عام 1923 والتي يقول فيها:

سلامٌ إلى أرض العراق وبردها

إذا ما تصابى ذو الهوى لربى نجدِ



وفي قصيدة أخرى عنوانها (على حدود فارس) وهو يقضي أيام الصيف عام 1924 في إيران وأهداها إلى صديقه الشيخ محمد رضا ذهب في النجف يقول فيها:

أحبابنا بين محاني العراق

كلفتم قلبي ما لا يطاق


العيش مرٌّ طعمه بعدكم

وكيف لا والبعدُ مرُّ المذاق




أما قصيدة (بريد الغربة) التي نظمها عام 1926 وهو قضي شهور الصيف في إيران ونشرت في جريدة (الفيحاء) عام 1927، فتكاد تقترب إلى حد ما من قصائد الغربة والحنين التي نظمها الشاعر في أثناء غربته الطويلة في منافيه العديدة. يقول فيها:

هبّ النسيمُ فهبت الأشواقُ

وهفا إليكم قلبه الخفّاقُ


وتوافقا فتخالفا هو والأسى

وحمامُ هذا الأيكِ والأطواقُ




في هذه الأشعار وقبلها بعض أشعار الغربة والحنين لدى شعراء الكلاسية الجديدة في العراق، كانت معالجات شعرائنا لها أفقية الامتداد والمستوى تبرز عند هذا الشاعر دون سواه، وفي هذه القصيدة أو تلك مع عدم الانتباه إلى إسقاطها عمودياً على فنية القصيدة أو على تجاربهم الشعرية الخاصة، ودون التعمق في فلسفتها، وبما يتناسب وتأثيراتها المؤلمة على كينونة الروح الإنسانية التي تعاني مأساة الغربة وتداعياتها، حيث جاءت تلك المعالجات سطحية الامتداد، وعلى شكل إشارات عابرة لا تعكس عمق المعاناة الإنسانية جراء غربة الروح والمكان.

ولكن ما إن تلقفت الغربة الجواهري في عام 1961، حتى شهدت المنافي في عام 1963 وما تلاه، بعد شباط الأسود هجرة مبدعين آخرين مثل: الشاعر الراحل بلند الحيدري، والشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي، والعالم الراحل عبد الجبار عبد الله، والشاعر سعدي يوسف، والشاعر مظفر النواب، والراحل غائب طعمة فرمان، والفنان محمود صبري، وغيرهم الكثير.

بعد ذلك، استمر نزيف العراق لمبدعيه، وهذه المرة على شكل موجات خطيرة بدأت منذ أواخر عام 1978 وشملت أبناء العراق بقومياته وأقلياته المختلفة، وتلاحقت بشكل مخيف بعد حرب الخليج الثانية، وما خلفته من كوارث مرعبة.

ولكن غربة الجواهري عام 1961 شكلت نقطة الارتكاز الأولى التي استند إليها مبدعو العراق الفارون من جحيم السلطة، وكانت ملحمة (دجلة الخير) المنعطف الجديد في شعر الغربة والحنين لدى الشعراء العراقيين المنفيين خارج وطنهم، وأصبح بعدها شعر الغربة باباً واسعاً لشعراء المنفى.

والقصيدة نشرت في صحيفة (المستقبل) في بغداد مطلع شباط عام 1963 وقبل الانقلاب الأسود بأيام:

حييتُ سفحك عن بعدٍ فحييني

يا دجلة الخير يا أم البساتينِ


حييت سفحك ظمآناً ألوذ به

لوذَ الحمائم بين الماء والطينِ




ثم يقول:

يا نازحَ الدارِ ناغِ العودَ ثانيةً

وجُسَّ أوتارَه بالرفقِ واللينِ



لعلّ نجوى تداوي حرَّ أفئدةٍ

فيها الحزازاتُ تَغلي كالبراكينِ




حين نشرت جريدة (المستقبل) قصيدة الجواهري هذه، قالت عنها: رائعة الجواهري الجديدة هذه جاءت كمعظم روائعه الشعرية، فريدةً، شامخةً شموخ الذرى، تلمس فيها الطبيعة الإنسانية في ثورتها وهدوئها، في تحرقها وحنينها إلى ما تصبو إليه، وإلى ما حرمت منه بسبب من الأسباب. إنك تلمس في هذه الأبيات المتلاحقة شوق الجواهري إلى وطنه إلى دجلة وإلى ضفافها واصطفاق أمواجها، وتحس خلال استعراضك لأبيات القصيدة كيف يتصل الجواهري بألف سبب وسبب بماضي هذا الشعب وبحاضره ومستقبله.

وهذه القصيدة تنطلق من تجربة المنفى، وها هنا نجد أنفسنا أمام تجربة جديدة، هي تجربة الشاعر الملتزم بقضايا مجتمعه وأمته، والذي يعاني من منفاه لا من أجل ذاته، ولكن من أجل المجتمع الذي ينتمي إليه. نلتقي في هذا النص بنزعة وطنية تبدأ من الأول بتحية الشاعر لوطنه، وتأتي هذه التحية من ضمير المتكلم المفرد إلى ضمير المخاطب المفرد (حيث سفحك) ومن هذا المعطى اللغوي نستنتج مدى الرابطة التي تجمع الشاعر بوطنه.

حين اختمرت فكرة مفارقة العراق ـ حفاظاً على حياته ـ مضى في طريقه للمشاركة في تكريم شاعر لبنان (الأخطل الصغير) يباركه ويبثه شكواه، ويخاطبه بهذه المرارة والألم:

أبشارةٌ وبأيّما

شكوى أهزّك يا حبيبي


شكوى القريب إلى القريب

أم الغريب إلى الغريب


هل صكّ سمعكَ أنني

من رافديّ بلا نصيبِ



يذكر الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه (الجواهري ـ جدل الشعر والحياة) أن رحيل الجواهري رحيل متقطع لكنه متواصل، ظل مصحوباً بحنينه إلى الوطن، بل حمل حنين الوطن في قلبه حتى صارا متلازمين لبعضهما، فقد كان يجري في ثنايا الأحداث ولا يعرف المرسى إلا على شاطئ الشعر. ويقول حين سألته: كيف عشت خلف الحدود؟ ماذا كان هناك؟ زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟

أجاب: الاثنان معاً، كان هناك الفردوس المفقود والموعود معاً، كانت براغ الذهبية مدينة الأبراج والجمال، صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كرامتنا المهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفي المتشفين، ولكننا مع جفاف الغربة كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة.

إن اختيار الجواهري لطريقة حياته وأسلوبه في تعاطيه مع إبداعه الشعري، يتفق مع ما كان يردده كولريدج، ويطالب فيه، بأن على كل أديب أن يبتكر الذوق الذي يعجبه، وبالفعل كان الجواهري يتحرك في سياق ذوقه ومزاجه في اختيار موضوعاته، وفي انتقاء لغته الرصينة. وهو يرى بأن حريته تنبع من حرية وطنه.

يتحدث الجواهري بعد أن عاش الغربة بكل همومها وتفاصيل معاناتها، وظروف التعبير عنها شعراً، يتحدث عن الألق والأرق، ويقول: لماذا كنتم إلى جانب الساعات والأيام والليالي التي أعيشها في هذا العالم الجديد غير منفصل عن تأثيرات الغربة، وإنما ممن يتشددون في معنى (الاغتراب) وكثير ممن هم أمثالي ومن طبقتي ممن يعيشون غربتهم لا في أوطانهم فحسب، بل في ذواتهم في داخلهم في حضورهم، ومع هذا فقد قلت أثر الغربة، وأكاد أقرب من التصوير شبه الواقعي..

ويضيف: كنت حين أستلقي على فراشي فلا أقدر أن أنام حتى ولا ساعة بل حتى ولا دقيقة واحدة. ولا أغالي إذا قلت إن ذلك كان طيلة مدة إقامتي أي الشهور الستة في هذا الجناح الصغير والجميل المطل على الحدائق الفسيحة الخضراء، حيث كنت خلالها أغني (مرحباً أيها الأرق) و(يا نديمي) شيء عجيب!! كيف كان ذلك؟

ربما أستطيع القول، وأنا على هذه الحالة في قصيدتي (أرح ركابك) التي أستبق فيها الزمن والتي أصل فيها إلى قولي: «من ساعةِ الصفوِ تأتي ساعةُ الكدرِ».

ولكن رغم كل ما تغير به الزمن والحدث والمكان على الجواهري، فإنه ـ حسب اعترافه ـ لم يتغير فيه شيء واحد من أن يكون مع الناس، وفي كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل ما تتعاقب به عليهم الأحداث.

وفي الأخير فإن الجواهري ـ كما قال عنه الشاعر الخالد بدر شاكر السياب ـ هو أستاذ هذا الجيل الطالع من الشعراء العراقيين، والحق إني والكثير من الشعراء الشباب الآخرين مدينون له بالكثير، وهو قمة من قمم الشعر العربي في كل عصوره، وأعظم شاعر ختم به النهج التقليدي للشعر العربي





__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:22 PM
عاشوراء







هي النفس تأبى ان تذِلَّ وتُقهَرا -----ترَىَ الموتَ من صبرٍ على الضيم أيسَرا
وتختارُ محموداً من الذِكرِ خالداً--------- على العيش مذمومَ المغَبَة مُنكَرا
مشى ابنُ عليٍ مِشيةَ الليث مُخدِراً-------- تحدَّته في الغاب الذئابُ فاصحَرا
وما كان كالمعطي قِياداً محاولاً---------- على حينَ عضّ القيدُ أن يتحررا
ولكنْ أنَوفا أبصَرَ الذُّلَّ فانثنى -------------لأذيالهِ عن أن تُلاَُثَ مُشمِّرا
تسامىَ سموَّ النجم يأبى لنفسه------------- على رغبة الأدنَينَ أن تتحدَّرا
وقد حلفتْ بيضُ الظُبا أن تنوَشه -----------وسمرُ القَنا الخطيِّ أن تتكسَرا
حدا الموتُ ظعنَ الهاشميينَ نابياً -------------بهمْ عن مقرٍّ هاشميٍ مُنَفَّرا
وغُيِّبَ عن بطحاء مكة أزهَرٌ -----------أطلَّ على الطَف الحزينِ فأقمَرا
وآذَنَ نورُ " البيت " عند برِحلة---------- وغاصَ النَدى منه فجفَّ وأقفرا
وطاف بأرجاء الجزيرة طائفٌ ------------من الحزن يوحي خِيفةً وتطيُّرا
ومرّ على وادي القُرى ظِلُّ عارضٍ-------- من الشُؤْم لم يلبث بها أن تَمطَّرا
وساءَلَ كلٌّ نفسَهُ عن ذُهوله -----------أفي يقَظةٍ قد كانَ أم كان في كَرى
وما انتفضوا إلا وركبُ ابنِ هاشمٍ ------عن الحج " يومَ الحج " يُعجله السُرى
أبت سَورةُ الأعراب إلا وقيعةً ----------بها انتكَصَ الإسلام رَجْعاً إلى الوَرَا
وننُكِّسَ يومَ الطفّ تاريخُ أمة ---------------مشى قبلَها ذا صولةٍ متبخِترا
فما كان سهلاً قبلَها أخذُ موثق--------------- على عَرَبيّ أن يقولَ فيغدِرا
وما زالت الأضغانُ بابن أميَّةٍ --------------تراجِعُ منه القَلبَ حتى تحجرا
وحتى انبرى فاجتَثّ دوحةَ أحمدٍ ------------مفرِّعةَ الاغصان وارفةَ الذرى
وغطَّى على الأبصار حقدٌ فلم تكن------------ لتَجهَدَ عينٌ أن تَمُدَّ وتُبصِرا
وما كنتُ بالتفكير في أمر قتلهِ ------------------لازدادَ إلا دهشةً وتحيُّرا
فما كان بين القوم تنصبٌّ كتبُهمُ -------------عليه انصبابَ السيل لما تحدَّرا
تكشَّفُ عن أيدٍ تُمَدُّ لبيعةٍ -------------------وأفئدَةٍ قد أوشكَت أن تَقَطَّرا
وبينَ التخلَّي عنه شِلواً ممزَّقا ----------سوى أن تجيءَ الماءَ خِمسٌ وتُصدِرا
تولى يزيدٌ دَفَّةَ الحكم فانطوى ----------على الجمر من قد كانَ بالحكم أجَدرا
بنو هاشمٍ رهطُ النبيِّ وفيهُمُ ---------------ترَعرَع هذا الدينُ غَرساً فاثمَرا
وما طال عهدٌ من رسالة أحَمدٍ -----------وما زالَ عودُ الملك رّيانَ اخضَرا
وفيهِمْ حسينٌ قِبلةُ الناس أصيدٌ --------------إذا ما مَشَى والصِيدُ فاتَ وغبَّرا
وغاض الزبيريين ان يبصِروا الفتَى----------- قليلَ الحِجى فيهم أميراً مُؤمَّرا
ففي كل دارٍ نَدوة وتجمُّعٌ ---------------------لأمر يُهم القومَ أن يُتدَّبرا
وقد بُثَّت الأرصادُ في كل وِجهةٍ --------------تخوف منها ان تُسَرَّ وتُجهَرا
وخَفُّوا لبيت المال يستنهضونَهُ --------------وكان على فضِّ المشاكل أقدَرا
وقد أدرك العُقْبى مَعاوي وانجلَتْ --------------لعينيه أعقابُ الامور تَبصُرّا
وقد كان أدرىَ بابنه وخصومِه ------------وأدرى بانَ الصَيدَ أجمعُ في الفرا
وكان يزيدٌ بالخمور وعصرِها------------- من الحكم ملتَفَّ الوشائج أبصَرا
وكانَ عليه أن يشُدَّ بعَزمه---------------- قُوَى الأمر منها أن يَجدَّ ويسْهَرا
فشمَّر للأمرِ الجليلِ ولم يكن ----------------كثيراً على ما رامَه ان يشمِّرا
ولكنَّه الشيءُ الذي لا معوِّض---------------- يعوِّضُ عنه إن تولَّى وأدبَرا
وقلَّبها من كل وجه فسرَّه --------------------بأن راءَها مما توَّقع أيسَرا
فريقينِ دينياً ضعيفاً ومُحنَقاً ----------------ينفِّسُ عنه المالُ ما الحِقد أوغرا
وبينهما صِنفٌ هو الموتُ عينُهُ ---------------وان كانَ معدوداً أقلَّ وأنزَرا
وماماتَ حتى بيَّن الحزمَ لابنه ---------------كتابٌ حوى رأساً حكيماً مفكرا
وأبلَغَه أنْ قد تَتَبَّع جهدَه -------------------مواطنَ ضَعفِ الناقمين فخدَّرا
وإن حسيناً عثرةٌ في طريقه -----------------فما اسطاعَ فليستغنِ ان يتعثَّرا
وأوصاه شرّاً بالزبيريِّ منذرِا ---------------وأوصاه خيراً بالحسَين فأعذَرا
لوَ ان ابن ميسونٍ أرادَ هدايةً ------------------ولكن غَوِيٌّ راقَهُ أن يُغرِّرا
وراح " عبيدُ الله " يغتلُّ ضعفَه --------------وصُحبَتهُ ، حتى امتطاه فسيَّرا
نشا نشأةَ المستضعفينَ مرجيِّا -------------من الدهر أن يُعطيه خَمراً وميسِرا
وأن يتراءى قرده متقدِّماً------------------ يجيءُ على الفُرسان أم متأخِّرا
وقد كان بين الحزنِ والبِشر وجهُه ----------------عشيّةَ وافاه البشيرُ فبشَّرا
تردَّى على كره رداءَ خِلافةٍ -----------------ولم يُلقِ عنه بعدُ للخمرِ مِئزرا
وشقَّ عليه أن يصوِّر نفسَه--------------- على غير ما قد عُوِّدَت أن تُصوَّرا
وأن يُبتَلى بالأمرِ والنهيِ مُكرَها -------------وان يَجمع الضِدَّين سُكراً ومِنبَرا
إذا سَلِمت كأسٌ يُروِّحُ مُغبّقاً -----------------عليه بها الساقي ويغدو مبكِّرا
وغنَّتهُ من شعر " الاخيطلِ " قَينَةٌ-------------- وطارَحَها فيها المُغنّي فأبهَرا
فكلُّ أمور المسلمينَ بساعةٍ ---------------من المجلِسِ الزاهي تُباع وتُشتَرى
وشاعَتْ له في مجلِس الخمر فَلْتَةٌ------------ من الشِعر لم تَستَثْنِ بَعثا ومَحشَرا
وقد كانَ سَهلاً عندَه أن يقولَها -----------------وقد كانَ سهلاً عنده أن يُكفَّرا
على أنه بالرَغم من سَقَطاته------------------ وقد جاءه نَعيُ الحسين تأثَّرا
فما كان إلا مثلَ قاطعِ كفِّة -----------------بأُخرى ، ولما ثَابَ رشْدٌ تَحسَّرا
وأحسَب لولا أنَّ بُعدَ مسافة--------------- زَوَت عنه ما لاقَى الحسين تأثَّرا
ولولا ذُحولٌ قدمت في معاشِرٍ ---------------تقاضَوا بها في الطَفِّ ديناً تأخَّرا
لزُعزِع يومُ الطف عن مُستقَرِّه -------------------وغُيِّرَ من تاريخه فتَطَوَّرا
أقول لأقوامٍ مضّوا في مُصابه -----------------يسومونه التحريفَ حتى تغيَّرا
دعوا رَوعةَ التاريخ تأخذْ مَحَلَّها -----------------ولا تجهدوا آياتِه أن تُحوَّرا
وخلوا لسانَ الدهر ينطقْ فإنّه -----------------بليغٌ إذا ما حاولَ النطقَ عَبَّرا







آمنتُ بالحُسين









فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ-------------- تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ ---------رَوحاً ، ومن مِسكِها أضوع
ورَعياً ليومِكَ يومِ " الطُفوف"------- وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَع
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ----------- على نهجِكَ النَّيِّرِالمَهْيَع
وصَوتاً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ----------- بما أنت تأباهُ مِن مُبّدع
فيا ايُّها الوِتْرُ في الخالِدينَ ------------فذّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ------------ للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مُفْزِعِ للحتُوفِ------------ وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد -------------على جانبيه . ومِنْ رُكَّع
شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ-------------- نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدي بحيثُ استراحَ------------- خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضرَع
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغاةِ -------------جالتْ عليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ------------ بروحي إلى عالمٍ أرفَع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ------------ بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ -----------حمراءَ " مَبتُورَةَ الإِصْبَع "
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ--------------- والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع
تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت ---------------على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير-------------- بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ-------------- خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَع
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي--------------- فانْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ-------------- لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ--------------- وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء ------------ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشّرَّ مِن جِذْمهِ--------------- وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ-------------- عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من " فَلَكِ " قُطْرهُ ------------يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ " البتولِ " وحَسْبي بها -----------ضَماناً على كلْ ما أدَّعي
وبابنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها-------------- كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويابن البطينِ بلا بِطنةٍ -------------ويابن الفتى الحاسرِ الأنْزَع
ويا غُصْنَ " هاشِمَ " لم ينفَتِحْ -------------بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِع
ويا واصِلاً مِن نشيدِ " الخُلود" ------------خِتامَ القصيدةِ بالمطلع
يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ --------------مِن مستقيمٍ ومن اظلع
وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود------------------- ما تستَجِدّ له يَتْبَع
تَمثَّلتُ " يَومكَ " في خاطري------- وردَّدت " صوتَكِ " في مَسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم " أرتَهبْ "--------- بنقلِ " الرُّواة " ولم أُخدَع
وقلتُ : لعلَّ دويَّ السنين ---------------بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعاةُ مِن-------- " مرسِلينَ " ومن " سُجَّع "
ومِنْ " ناثراتٍ " عليكَ المساءَ -----------والصُبْحَ بالشَعْرِ والأدمُع
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ ---------------على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي---------------- بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و " كونِ " الشَّجيِّ------------- وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولع
يَداً في اصطباغِ حديثِ " الحُسين " ------------بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِع
وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً ----------------يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعى
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً--------------- وكيفَ ومهماً تُرِدْ تَصنع
ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ " القُرونِ " -----------وسِتْر الخِداع عنِ المخْدع
أُريدُ " الحقيقةَ " في ذاتِها ----------------بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَع
وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ ----------------بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا ! أأروعُ مِنْ أن يكونَ------------- لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي – دُون ما ترتائي ------------- ضميرَكَ بالأسَلِ الشُرَّع
وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ ----------مِنَ " الأكهلينَ " إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني " الأمِّ " مِن هاشمٍ-------- وخيرَ مِنَ بني " الأب " مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدورِ------------- كانوا وِقاءكَ ، والأذْرع
وقدَّسْتُ " ذكراكَ" لم أنتحِلْ----------------- ثِيابَ التُقاةِ ولم أدَّع
تَقَحَمْتَ صدري وريبُ " الشكوكِ " ---------يَضِجُّ بجدرانِه " الأرْبَع "
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب--------------- عليَّ من القَلَقِ المُفزع
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات ----------------و " الطيبينَ "ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ---------------- تأبَّى وعادَ إلى مَوضع
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ " الجدودِ " ------------إلى الشكِّ فيما معي
إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ -----------------من " مَبدأ" بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد -----------------وأعطاكَ إذعانهََ المُهْطِع
فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي ------------وقِّوْمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى سِوى--------- ( العقل) في الشكِّ مِن مَرْجع
بأن ( الإِباء ) ، ووحيَ السماء----------- وفيضَ النبوَّةِ ، مِن مَنْبع
تجمَّعُ في ( جوهرٍ ) خالصٍ -----------تَنَّزهَ عن (عَرَضِ ) المَطْمَع


الجواهري ذلك الميت الحيّ






د. علي بن محمد الرباعي


من الأسماء التي تمر بذاكرتنا أسماء تاريخية، أبدعت في جانب من جوانب الحياة وأضاءت حيزاً من مسار البشرية ورسمت صوراً من الجمال أمام ناظر الإنسانية وعندما نذكر التأريخ تحضر الأسطورة بقوة لأنها تمثل الوجه الآخر له: (وإن كانت ترتكن إلى الخيال أكثر من الواقع وإذا جاز أن نطلق على بعض الرموز وصف (التأريخي) فمن المفروض أن (نلصق) ببعضهم الآخر تهمة (الأسطورة)، وأحسب أن شاعراً بحجم محمد مهدي الجواهري رحمه الله أول من ينطبق عليه الملمح الأسطوري، ومن قرأه إنساناً وسيرة وشاعراً فربما يوافقني الرأي ويخرج بذات الانطباع المدهش والمبهر الذي خرجت به وأنا أتأمل حياة هذا الرجل الذي (أحب الناس والأجناس من يسوّد كالفحم ومن يبيّض كالماس) وكانت لي معها وقفات..
أولها: ما تشبعت به روحه من فيض إنساني نادر الحدوث وما خالط وجدانه من ضمير حي اعتبرهما من أقوى (المسوّقات) لأشعاره لتغدو حداءً على كل شفة وفوق كل لسان وقد عبّر عن بعض إنسانيته شعراً فقال:
أقول لنفسي إذا ضمّها وأترابها محفل يزدهى
تسامي فأنت أعزّ النفوس إذا قيس كل على ما انطوى
وأجمل ما فيك أن الضمير يصيح من القلب (إني هنا)
ومع كل هذه (الشفافية) في وصف (الذات) إلا أنه لا ينكر أنه صاحب هنات شأنه شأن بقية البشر، حيث قال في قصيدته (ليلة معها):
لا أكذبنك أنني بشر جمّ المساوئ آثم أشر
لكم شقيت بما بصرت به فوددت أني ليس لي بصر
النفس شامخة إذا ظفرت بك ساعة والكون محتقر
الوقفة الثانية: قدرته على الرؤية (الاستباقية) للأحداث والمحدثين والتي تؤكد أن موهبة الشاعر الجواهري (توليدية لمستقبل خلاق) إنها الرؤيا المتجاوزة للسائد الكئيب و(الكاشفة) عن (غائب) يحضر قريباً وها هو يخاطب (الطغاة) الذين غرّبوا المبدعين وأحرموهم من أبسط (حقوقهم) الآدمية، بقوله:
باقٍ (وأعمار الطغاة قصار) من سفر مجدك عاطر موار
ولقد رأى أنفاس الطغاة تتناهى على مدارج الريح مغبّر قائلاً:
عصفت بأنفاس الطغاة رياح وتنفست بالفرحة الأرواح
إلا أنها فرحة لم تتم؟!!
الوقفة الثالثة: (الطبع التمردي) والذي لم يجعله ينسجم مع (التيارات) و(الأحزاب: بل تمرد حتى على ملك العراق في ذلك العهد رغم أن الملك كان يتودد له وكان ينادي الشاعر ب(ابني محمد) ورشحه للبرلمان وحين رفض ذات مساء الذهاب للبلاط الملكي (فعوتب من بعض محبيه: فأجابهم بقوله: ألا ليت الإنسان ينسجم مع نفسه دائماً).
الوقفة الرابعة: (قدرة الشاعر) على توفير التناغم الحركي بين شكل القصيدة ومضمونها وربما ملك (حدساً) من نوع (خاص) قد لا يتوفر إلا عند القلة من شعراء العرب كذي الرمة والمتنبي، هذا الحدس النادر يخلق تفاعلية بين المتلقي وبين القصيدة، فتغدو القصيدة ومن يقرأها كياناً واحداً تصعب تجزئته!!
الوقفة الخامسة: لغة الجواهري لغة (إلماح) أكثر من كونها لغة إيضاح فتشعر أنه يعلي من شأن القارئ مفترضاً أن شعره لا يفهمه إلا الأذكياء!! حتى أنك وأنت تتصفح (مجموعته الكاملة) تسلّم أنك تقرأه بعقلك أكثر من قراءتك له بعاطفتك وإن كانت أبياته مؤهلة أن ترتقي (بالفكر) في كثير من قصائده إلا أن بعض القصائد قادرة على استمطار الدموع:
كم هزّ دوحك من قزمٍ يطاوله فلم ينله ولم تقصر ولم يطلِ
ثبّت جنانك للبلوى فقد نُصبت لك الكمائن من غدرٍ ومن ختلِ
الوقفة السادسة: (ملامح الحزن) المعجونة بها ملامحه فقد صهرت أفراحه (قضايا العروبة) وأزمات العراق حتى تشطّر كيانه أو تشظى:
دمشق ما جاء بي عيش أضيق به فضرع دجلة لو مسحّت درار
أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطار
إنه قدر الشاعر المبدع: مع المعاناة اللا نهائية وإنها ضريبة الإبداع التي لا فكاك منها ولا مهرب عنها!!!

sarmad1960
10-26-2006, 05:24 PM
وهواجس في الليل رامت حملها------ شهب فعثن بشملها المجموع
ما أنصفت فيه الطبيعة حبّها---------- لما دعا للشوق غير سميع
أبت الجوانح أن تقر ، فمن يطق ------ملكا فلست بمالك لضلوعي
حبّ الرجوع إلى الشباب ولم أجد------ في مرِّه ما يرتجى لرجوع
بين الأضالع صخرة لكنّها --------مما جنى الأحباب ذات صدوع
قلب عليه تحالفت زمر الهوى----------- فمنيعه للذُّل غير منيع
قالوا استقلَّ عن الهموم فقلت لا---------- فهو التبيع لظالم متبوع


***


لو أنَّ مقاليدَ الجَماهير في يدي-------- سَلَكتُ بأوطاني سبيلَ التمرُّدِ
إذن عَلِمَتْ أنْ لا حياةَ لأمّةٍ----------- تُحاولُ أن تَحيا بغير التجدُّد
لوِ الأمرُ في كَفِّي لجهَّزتُ قوّةً ---------تُعوِّدُ هذا الشعبَ ما لم يُعوَّد
لو الأمرُ في كفِّي لاعلنتُ ثورةً ---------على كلِّ هدّام بألفَي مشيِّد
على كُلِّ رجعيٍّ بألفَي منُاهضٍ -----يُرى اليوم مستاءً فيبكي على الغد
ولكننَّي اسعَى بِرجلٍ مَؤوفةٍ ----------ويا ربَّما اسطو ولكنْ بلا يَد
وحوليَ برّامونَ مَيْناً وكِذْبَةً --------متى تَختَبرهُم لا تَرى غيرَ قُعدد
لعمرُكَ ما التجديدُ في أن يرى الفَتى ----يَروحُ كما يَهوَى خليعاً ويغتَذي
ولكنَّه بالفكر حُرّاً تزَينهُ------------ تَجاريبُ مثل الكوكَبِ المُتَوقِّد
مشَتْ اذ نضَتْ ثَوبَ الجُمود مواطنٌ ------رأت طَرْحَهُ حَتماً فلم تَتردَّد
وقَرَّتْ على ضَيْم بلادي تسومُها------ من الخَسف ما شاءَتْ يدُ المتعبِّد
فيا لك من شعبٍ بَطيئاً لخيرِه ِ ----------مَشَى وحثيثاً للعَمَى والتبلُّد
متى يُدْعَ للاصلاح يحرِنْ جِماحُه -------وان قيد في حبل الدَجالةِ يَنْقد
زُرِ الساحةَ الغَبراء من كل منزلٍ ------تجد ما يثير الهَمَّ من كلِّ مَرقد
تجد وَكرَ أوهامٍ ، وملقَى خُرافةٍ -----وشَتّى شُجونٍ تَنتهي حيثُ تَبتدي
هم استسلموا فاستعبَدتْهم عوائدٌ ------مَشت بِهمُ في الناس مشيَ المقيَّد
لعمْركَ في الشعب افتقارٌ لنهضةٍ ----------تُهيِّجُ منه كل اشأمَ أربد
فإمّا حياةٌ حرّةٌ مستقيمةٌ -------------تَليقُ بِشَعبٍ ذي كيان وسؤدُد
وإمّا مماتٌ ينتهَي الجهدُ عِندَهُ -------فتُعذَرُ ، فاختر أيَّ ثَوْبيَك ترتدي
وإلا فلا يُرجى نهوضٌ لأمّةٍ--------- تقوم على هذا الأساس المهدَّد
وماذا تُرَجِّي من بلاد بشعرة --------تُقاد ، وشَعب بالمضلِِّّين يَهتدى
اقول لقَومٍ يجِذبون وراءهُم -----------مساكين أمثالِ البَعير المعبَّد
اقاموا على الأنفاس يحتكرونها --------فأيَّ سبيلٍ يَسلُلكِ المرءُ يُطردَ
وما منهمُ الا الذي إنْ صَفَتْ له-------- لَياليه يَبْطَر ، او تُكَدِّرْ يُعربِد
دَعوا الشعبَ للاصلاح يأخذْ طريقَه ------ولا تَقِفوا للمصلحينَ بمَرْصَد
ولا تَزرعوا اشواككم في طريقه ---تعوقونه .. مَن يزرعِ الشوكَ يَحصِد
أكلَّ الذي يشكُو النبيُّ محمدٌّ ------------تُحلُونَه باسم النبيِّ محمّد
وما هكذا كان الكتابُ منزَّلاً ---------ولا هكذا قالت شريعةُ لَموعد
اذا صِحتُ قلتُم لم يَحنِ بعد مَوعد------ تُريدون إشباعَ البُطون لمَوعد
هدايتَك اللهمَّ للشعب حائراً ---------أعِنْ خُطوات الناهضين وسدِّد
نبا بلساني أن يجامِلَ أنني---------- أراني وإنْ جاملتُ غير مُخَلَّد
وهب أنني أخنَتْ عليَّ صراحتي ---فهل عيشُ من داجَي يكون لسرمَد
فلستُ ولو أنَّ النجومَ قلائدي ---------أطاوع كالأعمى يمين مقلدي
ولا قائلٌ : اصبحتُ منكم ، وقد أرى -----غوايَتكم او انني غير مهتدي
ولكنني ان أبصِرِ الرشد أءتمرْ به ---------ومتى ما احرزِ الغي أبعد
وهل انا الا شاعر يرتجونَه ----------لنصرة حقٍ او للطمةِ معتدي
فمالي عمداً استضيمُ مواهبِي---------- وأورِدُ نفساً حُرَّةً شرَ مَورد
وعندي لسانٌ لم يُخِّني بمحفِلٍ --------كما سَيْف عمروٍ لم يَخنُه بمشْهَد
فداء لمثواك
للشاعر الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري
</p align="center">



ِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ ***** تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ ***** رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف" ***** وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس ***** على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال ***** بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ ***** فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ ***** للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ ***** وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ ***** على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ ***** نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ ***** خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ ***** جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ ***** بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ***** بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ ***** حمراءَ " مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ"
تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ ***** وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ ***** على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ ***** بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ ***** خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ

تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي ***** فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ ***** لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ ***** وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ***** ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ ***** وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ ***** عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
تعاليتَ من "فَلَـكٍ" قُطْـرُهُ ***** يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ***** ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها ***** كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ***** ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
ويا غُصْنَ "هاشِـمَ" لم يَنْفَتِحْ ***** بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود ***** خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ ***** مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ ***** مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ

تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ***** ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ ***** بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْـدَعِ
وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين ***** بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ ***** من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّـعِ"
ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ ***** والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ ***** على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي ***** بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ ***** وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن ***** بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً ***** يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً ***** وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ ***** وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَـا ***** بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ ***** بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون ***** لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
وأنْ تَتَّقِي - دونَ ما تَرْتَئـِي- ***** ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ ***** مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ
وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ ***** وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّـعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ ***** كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ***** ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ ***** يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب ***** عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ ***** و" الطَّيِّبِيـنَ " ولم يُقْشَـعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ ***** تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ ***** " الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ ***** مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَـعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ ***** وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي ***** وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى ***** سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ ***** وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ ***** تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ
-----------------
* ألقاها الشاعر في الحفل الذي أقيم في كربلاء يوم 26 تشرين الثاني 1947، لذكرى استشهاد الحسين .
* نُشرت في جريدة " الرأي العام " العدد 229 في 30 تشرين الثاني 1947 .
* كُتب خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيسي الذي يؤدي إلى الرواق الحسيني .

sarmad1960
10-26-2006, 05:26 PM
الــــجــــــواهــــــــــري



وداع...





"أنيتُ " نزَلنا بوادي السِباعْ

بوادٍ يُذيبُ حِديدَ الصِراع

يُعَيِّرُ فيه الجبانُ الشُجاع

" أنيتُ " لقد حانَ يومُ الوداع

إليَّ إليَّ حبيبي " أنيتْ "

إليَّ إليَّ بجيدٍ وليت

كأنَّ عُروقَهما النافِرات

خُطوطٌ مِن الكلِم الساحِرات

إليَّ بذاكَ الجبينِ الصَلِيتْ

تخافَقَ عنْ جانبيهِ الشَعَرْ

يبُثُّ إليَّ أريجَ الزَهَر

سيَعبِقُ في خاطري ما حيَيِتْ

ويُذكِرُني صَبوتي لو نَسيِت

إليَّ إليَّ حَبيبي " أنيتْ "

إليَّ إليَّ بذلكَ الذّراعْ

أبضَّ تفايَضُ مِنهُ الشُعاع

أطِلَّي عليَّ بهِ كالشِراع

فقد لَفحَتني سَمومُ العِراقْ

فألهينَ مِنَّيَ جُرحَ الفِراق

إليَّ إليَّ به للعِناق

لغيرِ العِناقِ الذي تَعرِفينْ

بحيثُ يلُزُّ الوتينُ الوتين

عَشِيَّةَ أهتِفُ أو تهتِفين

لنجمِ القَضا ، ولسَهمِ القَدَرْ

وللمُستَقِرِّ بذاكَ المَقَرّ !!!

بأنْ لا يُميِّلَ هذا السَّفينْ

إلى حيثُ أرهَبُ ، أو تَرَهبين

إلى وَحَلٍ من دُموعٍ وطين

إليَّ بصدِركِ ذاكَ الخِضمّ

مِن العاطفاتِ العُجابِ الشِيَمّ

مِن العاصفاتِ بلحمٍ " وَدَمّ "

تُلَوِّنُ وجهَكِ في كلِّ آنْ

بما لم تُلَوَّنْ فُصولُ الزّمان

أحاسيسُ تُعرِبُ عن كلِّ شان

كأنَّ وُجوهاً عِداداً لديكِ

تَرِفُّ ظِلالاً على مُقلَتيك

كأنَّكِ تُلقِينَ من عاتِقيك

بتلكَ الظِلالِ القِباحِ الِلطافْ

وأشباحِهنَّ السِّمانِ العِجاف

عناءَ الضميرِ ، وثِقْلَ السِنين

وجهلَ المصيرِ ، ، وعِلْمَ اليقين :

بلُطفِ الحياةِ

وجُهدِ الظّنين :

بساعاتِها أنّ يروحَ الحِمامْ

إلى الصمتِ ، يدفعُها والظَلام

إليَّ إليَّ حبيبي " أنيتْ "

إليَّ بنبعِ الحياةِ المُميتْ

إليَّ بذاكَ النظيمِ الشّتيت

بثغركِ ذاكَ العبوسِ الطروبْ

يَرفُّ إذا ما علاهُ الشُّحوب

كأنِّيَ أقرأ " سِفرَ " الغُيوب

على شفَتيكِ ، و " سِرَّ " الخفايا

كأنِّيَ أسمعُ عتبَ الذَّنوب

عليكِ ، ووقعَ دبيبِ الرزايا

كأنِّيَ أشربُ كأسَ الخطايا

وسؤرَ دمٍ مُهدَرٍ مِن سِوايا

كأنّيَ أمضُغُ لحمَ الضّحايا

تناثَرُ مِن بينِ تلكَ الثّنايا

كأنَّ الزفيرَ بنفحِ الطُّيوبْ

إذا امتَزجا يَكشِفانِ النّوايا

ويَستصْرِخانِ أثيماً يتوبْ :

على ما تَجَرَّمهُ مِن منايا

إليَّ هواني ، إليَّ هوايا

إليَّ المُنى تُشتَرى بالمنايا

إليَّ إليَّ بتلك البقايا

مِن المُسأراتِ بتلكَ الجُيوبْ

إليَّ بصَفوِ النعيمِ المَشوب

بلَفح أُوارِ الجحيمِ الشَّبوب

إليَّ إليَّ أغيثي ظمايا

فقد نالَ مِن شفتيَّ اللُغوبْ



العَدل





لعمرُك إنَّ العدلَ لفظٌ اداؤُهُ بسيطٌ ولكن كنهُه متعسِّرُ
تخيَّلَه عقلٌ نشيطٌ أرادَه دليلاً لقومٍ في الحياة تعثَّروا
يفسِّرُهُ المغلوبُ أمراً مناقضاً لما يرتأيهِ غالبٌ ويفسِّر
ولما رآه الحاكمون قذيفةً تُضعضِعُ من أهوائهم وتدمِّر
ولم يجدوا مَندوحةً عن قَبوله لإرضاءِ مخدوعينَ بالعدل غَّرروا
أتَوه بتاؤيلاتِهم يُفسدونه قوانينَ باسم العدل تَنهى وتأمُر
لقد كانَ أولى بالرفاهِ وبالغِنى ذكيُ فؤادٍ جائع يتضوَّر
وقد كان أولى بالحفاءِ وبالعَرى وبالجوعِ هذا الأبلهُ المتبختِر





الــــجــــــواهــــــــــري



في ذكرى رحيله..
الجواهري.. آخر العمالقة الخالدين




علي غدير

تمخضت النجف... فولدت عملاقا اخر في زمن يتتالى فيه عمالقة العراق في حمل الرسالة.. ومن وسط ملاحم الفكر والفقة والشعر والدين انبرى ذلك الفتى الذي لم يتجاوز العشرين بعرض فنونه ومهاراته في حفظ الشعر ومن ثم في نظمه وماكان يحسب يوما محمد مهدي ابن الشيخ عبد الحسين الجواهري انه يرى السيد محمد سعيد الحبوبي شاعر زمانه يجلس في بيت والده ويتحدث معه وكان برأيه ان الحديث مع الشعراء فيه وجل ومهابة وخشية من وقوع الزلل ولعل الكثيرين لايعلمون شيئا عن بدايات حياة شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري يوم كانت النجف بضعة محلات وبضعة بيوتات يحيط بها سور وكان النجفي داخل هذا السور يشعر بان ماوراء السور عالم اخر لربما تشاء الاقدار ويخرج احدهم من ذلك السور ولايعلم مايخبئه الله له في هذه الدنيا.
يتحدث الشاعر الجواهري عن مواطن الطفولة ومنبت التامل والخيال الذي نمت معه اولى القصائد حيث يقول: في النجف الاشرف وفي سطحنا العالي والجميع نائمون... ايامها لم يكن هناك ارائك وسرر تفرش على الارض وبالمناسبة فان ليالي النجف من ابدع ليالي نجد.. ارض نجد.. رملة نجد..ليالي النجف مثيرة كالليل في الصحراء .. رؤاها واحلامها تقرب من الاساطير ويسرح الجواهري في بحور الذاكرة.
الى الان اذكر انني سهران لوحدي عيني الى النجمة وظهري على ارض السطح وانني اظل في هذا الوضع لمدة طويلة كل الدنيا نائمة الا هذا الطفل الصغير اكاد الى الان اريد ان اعاين نفس النجمة التي كنت ارنو اليها.. ويتسائل الجواهري اهي نجمة الصحراء ويتذكر الجواهري البيوتات الاولى والخربات والسرداب الذ ي كان ينزل اليه محمد مهدي الجواهري ليجلب الماء البارد الى ابيه رغم وجود العقارب والافاعي التي تظهر وتخرج من تلك الخربات ثم يتدرج في ذكرياته الى حيث عشقه لشواطي النجف حيث يقول يارب.. يارب.. انا لم اكن لانام الليل لمجرد ان امي واختي ورفيقاتها من العوائل انهن غدا سيذهبن الى الشواطي.
كانت النساء مع النساء فقط والرجال مع الرجال فقط وهذا شيء مؤسف مازال موجودا الى الان في العراق الشواطي غير موجودة في النجف فالنجف رملة انما هي مجرى الفرات وبقايا مجرى البحر الذي كان في التاريخ يعني بحر النجف كما كانوا يسمونه يقول ابو فرات مئة خطوة من البيت الى الشواطي من اجلها كنت احيي الليل ساهرا حتى مطلع الصباح وهذا مايفسر عشق الجواهري للبحر في بيروت وصوت هدير البحر خلال عيشه فيها سنوات وعندما نفتح صندوق الشعر والمنابع الاولى يتحدث الجواهري عن السيد محمد سعيد الحبوبي ويقول عنه انه اشعر شعراء النجف والعراق والعالم العربي والواقع انه من ارقاهم شعرا ويقول عنه هو صاحب المدرسة الوحيدة التي نشات عليها ويمتلك الجواهري ذاكرة عجيبة يفتخر بتوقدها حتى انه يقول ان والدته وهي فاطمة بنت الشيخ شريف آل كاشف الغطاء كانت تذهل عندما يسرد عليها وقائع حصلت في بيتهم فتقول له امه «قسما بالله كنت في هذه الوقائع على صدري ترضع{ ثم يسرد الجواهري كيف انهى الدراسة الابتدائية في النجف لينتقل الى المدرسة الرشدية ثم ليعمد والده الى انهاء عهد المدرسة والحاقه بالدروس الدينية ولتبدأ مرحلة جديدة من حياة الجواهري قبيل الثورة العراقية ودخول الانكليز العراق عام ۱۹۱۷ وفي اثنائها يقول الجواهري كنت في الخامسة عشرة او الرابعة عشرة و كنت اقوم بتوزيع المنشورات السرية ضد الانكليز والنجف كما يعلم الجميع مدينة حساسة تعد من اخطر مناطق العراق فهي كما يقول ابو فرات اذا تحركت تحرك معها العراق باكمله وهنا يصف الجواهري الوضع قائلا كان من عادة الانكليز ان يختاروا معاونيهم من اهل البلد لمعرفتهم باحوال بلدهم واهله اكثر منهم ولذلك فقد كان الحاكم الذي يختارونه يلبس دائما ثياب مواطن وينتمي الى احدى العوائل الشهيرة شأن هذا الحاكم فقد كانت عائلته لاصقة في النجف وموالية للانكليز وفي الوقت نفسه مشتبكة مع العوائل الاخرى في النجف ومنها عائلتنا التي كانت تتمتع بمركز ديني مهم جدا وتعتبر واحدة من اثقل العوائل الدينية وزنا الى جانب عائلتي «كاشف الغطاء { و «بحر العلوم{ وانطلاقا من معرفتي لمكانة عائلتي الدينية كنت استثمر هذه الحصانة فالصق المنشورات على باب الصحن الكبير.
من النجف الى بغداد.. الطريق الى القمة؟
حان اوان مغادرة النجف الى بغداد وودع الجواهري النجف تاركا فيها بصمات الماضي الموحش حيث يقول في الماضي كان يحيط بالنجف سور عشت فيه كما عاش قبلي واجدادي وخرجت منه لاول مرة وانا شاب عمري اربعة وعشرون عاما ويمضي قائلا داخل هذا السور هلك بشر وعاش بشر ضمن بقعة صغيرة انصبت فيها الامراض وهي اليوم بعد ان تهدم سورها وخرجت الى بادية نجد ورملة نجد فانه من الممكن ان تكون من الطف الواحات في العالم .. ان النجف الطليقة التي انبنت على الرملة لم ارها الا قليلا لكن استطيع ان اتصور بيوتها الجديدة التي انبنت فوق انظف رملة في الارض تداعبها الشمس المشرقة ونسيم الليل في بغداد عين الجواهري مدرسا ومالبث الجواهري ان واجه ازمة قال عنها انها من فعل انتهازيين توسعت فيها الدائرة ودخلت في دور العنصرية والطائفية بحيث كادت تشمل العراق كله بعد ان بزغ اسم الجواهري وذاع صيته في الافاق وهنا يؤكد الشاعر الجواهري بان ثمة خبث من الاوساط البغدادية واجهها وهو لما يزل غير عارف بما يدور حوله حيث يقول كنت طاهرا كالماء لااعلم من كل هذا شيئا لقد اقحمت واقحمت قضيتي فيها وانا متفرج كما لو كنت انا المقصود وانا اتفرج عليك.
يوم عمل في البلاط الملكي ... وقلبه وقصيدته مع الجماهير المنتفضة.
ثم ينتقل الجواهري الى شطر اخر في حياته ويقول جرى كل هذا فلم اشعر الا وموجة طارئة ومقحمة ترفعني الى مايصح ان يكون اوسع باب واعظم مدخل لكل مطامحي التي كنت احلم بها وانا مراهق حملتني واوصلتني ان اكون مع الملك فيصل الاول في التشريفات ويقول ابو فرات عندما اقول الملك فيصل الاول وكان «برنس{ في ذلك الوقت فانني اخذها بما كانت تعنيه هذه الكلمة في هذا الوقت الذي كان يتنازع عليه الحجاز وسورية ولبنان والعراق كلهم يريدون الفوز بفيصل الاول ومن يناله كان كمن ربح الرهان او السباق وكان العراق هو السباق الى هذا كما هو معروف في هذه المرحلة كنت اجتاز اول شلال في حياتي فلو لم اكن مهدي الجواهري وكنت انسانا اخر اعتياديا لما عرف كيف يصل وكيف يخرج من هذه الدائرة التي وجد نفسه فيها ويفصح:
لم يكن لي خيار بين ان اكون الجواهري صاحب الحرف والكلمة والقافية او اكون في العوالم التي يعرفها الاخرين عوامل الرخاء والاغراء والسلطة وابهاتها وفخفخاتها وتحكماتها ومنافعها وهنا لعب القدر دوره والواقع كما يقول الجواهري لم يكن هو القدر وانما هو التكوين الطبيعي الذي لاينسجم معه ان اكون كذا ولااكون مهدي الجواهري نفسه وخرجت من الدائرة الصعبة وانا اعز الناس الى الملك فيصل الاول وكان شبه التماس بان ابقى ولااخرج لكن لم املك الا الخروج لان غير ذلك يعني الموت والاندثار لشخص اسمه محمد مهدي الجواهري وتتعاقب الاحداث متوالية ويدخل الجواهري النيابة وهوابن التسعة والعشرين عاما دون السن القانونية ويذكر هنا ان خمسة عشرة صحيفة او عشرة على الاقل كانت تشتم الجواهري شتما مقذعا صباحا ومساء وهنا تفجر محمد مهدي الجواهري وسرعان ماوجد نفسه خلقا جديدا في الشعر.. وفي الدم كان ذلك عام ۴۷ - ۴۸ قبيل الوثبة المعروفة التي قتل فيها اخوه جعفر في معركة بورتسموث الشهيرة حيث التحم الجواهري مع الجماهير العراقية التي نما اليها اخبار صالح جبر في لندن وتوقيعه لمعاهدة بورتسموث فانتفضت واشتبكت مع السلطة فقتل اثناء التظاهرات اخوه جعفر وفي هذه المناسبة قال الجواهري قصيدته الشهيرة:
اتعلم ام انت لاتعلمبان جراح الضحايا فم
فم ليس كالمدعي قولهوليس كاخر يسترحم
يصيح على المدقعين الجياعاريقوا دماءكم تطعموا
ويهتف بالنفر المهطعيناهينوا لئامكم تكرموا
اتعلم ان رقاب الطغاةاثقلها الغنم والماثم
وان بطون العتاة التيمن السحت تهضم وماتهضم
وان البغي الذي يدعيمن المجد مالم تحز مريم
ستنهد ان فار هذا الدموصوت هذا الفم الاعجم
اتعلم ان جراح الشهيدتظل عن الثار تستفهم
اتعلم ان جراح الشهيدمن الجوع تهضم ماتلهم
الى ان يقول:
اخي جعفر لااقول الخيالوذو الثار يقظان لايحلم
ولكن بما الهم الصابرونوقد يقرا الغيب مستلهم
ويتحدث الجواهري عن دخوله البرلمان وكيف حدثت ازمة وزارية في حينها كيف يسمح للجواهري وهو الذي يملك هذه القوافي المحفزة للجماهير بدخول البرلمان ويقول دخلت البرلمان باعز مايمكن ان يدخله ملايين الناس والسلطة العليا وهو مالم يجمعه احد من قبلي فهذا من قبيل الجمع بين المتناقضات فالعادة اما ان تكون مع هولاء ام مع هولاء ورغم ذلك يقول فقد حطمت كل هذا بعد شهر او شهرين ولكني كنت فخورا بالتفاف الناس حولي عملاق العراق امام الزعيم عبد الكريم قاسم.
عرف الجواهري بعناده وغضبه والنارية في مواقفه ولربما تغمس جسده وروحه كثيرا باجواء العراق الحارة وقساوة الحياة فيه فتمثلت مواقفه بقوة الارادة والاصرار على التعبير عما في داخله وفي حادثة مشهورة تتبلور مواقف الجواهري التي يعرفها اصدقائه والمقربين منه «لم يكن الجواهري يتورع عن نشر اي خبر في جريدته «الرأي العام{ فالجواهري الشاعر كان ايضا يلعب دور الصحافي الباحث عن المتاعب اينما وجدت وقد نشر ايامها في صحيفته خبرا مفاده ان ثلاثة من الجنود العراقيين اغتصبوا فتاة في احدى القرى المعروفة (بشيوعية ابنائها) وهذا خبر له معناه بالنسبة للعارفين بتاريخ هذه الفترة من حكم عبد الكريم قاسم الذي اضطهد فيه الشيوعيين وقد استاء عبد الكريم قاسم من نشر الخبر الذي يزعج الضمير العراقي بمختلف فئاته وكان ان استقدم عبد الكريم قاسم الجواهري ليؤكد له ان الخبر كاذب وعار عن الصحة فاجابه الجواهري بان الكاذبين هم الذين نقلوا اليه تكذيب الخبر واحتد النقاش بينهما عبد الكريم قاسم - انني ياجواهري استطيع ان اكشف اوراقك امام جميع الناس هل نسيت ماقمت به من مديح للملك؟
لم يفزع الجواهري لهذا التهديد المبطن كان معه جملة من ادباء العراق وشعرائه وفنانينه كانوا يعرفون مايحيق بالجواهري من اخطار في هذه اللحظة بالذات انهم يعرفونه رجلا لايخاف ومتهورا في ساعات الغضب ولذا فانهم حبسوا انفاسهم وهم ينتظرون رد الجواهري الذي مالبث ان اجاب بنفس الجراة والتحدي «انني اذا مدحت الملك فانا لست الا شاعرا اما انتم فكنتم ضباطا تؤدون له السلام والتحية ليل نهار{ واشار الشاعر حسين مردان الى يوسف العاني بطرف خفي واضعا يديه متعاكستين فوق بعضهما اشارة الى ان الجميع بمن فيهم الجواهري سيخرجون مكبلين بالحديد في هذا الجو المكهرب وقف الجواهري يرتعد من الغضب والانفعال وعندما اراد الخروج من القصر مع رفاقه استوقفهم الحرس وطلبوا اليهم التريث والانتظار وقدم اليهم الشاي ثم سمح لهم بالانصراف بعد فترة من الوقت وليست هذه الحادثة الوحيدة التي وقف فيها الجواهري متحديا عبد الكريم قاسم فقد سبق له ان هاجم الزعيم قاسم عندما كان نقيبا للصحفيين العراقيين والحقيقة ان الجواهري كانت تربطه صداقة مع عبد الكريم قاسم قبل ان يصل الى الحكم.

بيروت - براغ - باريس - دمشق - وطن يتلوى في العواصم

الذين يعرفون الجواهري في العراق لم يتصوروا يوما من الايام ان يترك ابو فرات بلاد الرافدين وهو الذي اعتاد ان يشم نسيم الماء بدجلة ويتغنى فيه ويعشق الفرات ولياليه منذ طفولته وكانوا يقولون ان الجواهري الذي تحمل نوائب الدهر في العراق والتصق مع احداثه وسمع انينه عن قرب لايمكن ان يحيا بدون العراق لكن ثمة اختناق اصاب الجواهري في بلاد الحزن وقد تكون لمواقفه النارية امام رجال السلطة الاثر الكبير في خروجه من العراق وهو يذكر ان قصة سفره فيها اكراه واجبار ويقول ايضا ثمة مثل يقول (يوفق المرء رغم انفه) وكان هذا الارغام هو السبب في لون جديد من الوان الحياة عندي اعتز بها واحبها وفي بيروت التي احبها الجواهري واحبته التصق الجواهري بحياة جديدة واشتدت حماسته الشعرية والهم البحر قافيته فابدع اجمل الاشعار وكان الجواهري يصارع الزمن في بلاد الغربة التي اخذت من عمره الكثير... الكثير ورغم عشقه لمدن اوربا لكن ثمة حنين بقي في داخله لمرابع الطفولة وكان العراق يهز كيانه كلما تلظى بنار الحروب التي ادخل الحكام ابنائه فيها ولم تنسه مدن مثل براغ وباريس ومدريد وطنا وتاريخا وترابا ولد منه وفيه وكان جسد الجواهري بحق جسد عملاق عراقي قاوم كل عواتي الزمن.
باق واعمار الطغاة قصارمن سفر مجدك عاطر موار
متجاوب الاصداء نفح عبيرهلطف ونفح شذاته اعصار
رف الضمير عليه فهو منورطهرا كما يتفتح النوار
وذكا به وهج الاباء فردهوقدا يشب كما تشب النار
العمر عمر الخالدين يمدهفلك بطيب نثاهم دوار
رحمك الله ابا فرات فقد كنت وطنا يطوف في الافاق ماهزك سوط ولاارهبك وعيد الموت من الطغاة وقد كبر الشعر بك وكبرت به مثلما سيذكرك التاريخ كبيرا عزيزا.

sarmad1960
10-26-2006, 05:28 PM
أرج الشباب




أرجُ الشبابِ وخمرُه المسكوبُ لَيفوحُ من أردانِكُمْ ويطيبُ
ومنَ الربيعِ نضارةٌ بوجوهكم تَنْدىَ . ومن شهدِ الحياةِ ضريب
ومنَ الفُتوّةِ سَلْسَلٌ متحدرٌ مما يفيضُ يكادُ يُترَعُ كوب
وَلأنتُمُ إن غاب نجمٌ يُقتدى أو حُمَّ خَطبٌ حالِكٌ غِرْبيب
وتأزمت كُرَبٌ ، وضاقت خطّةٌ واستوحشتْ طرقٌ لنا ودُروب
سُرُجٌ تنير الخابطين ، وأنْجُمٌ نغدو على أضوائها وَنَؤُوب
تتجهّمُ الدُّنيا ، ويعبسُ باسمٌ منها ، ويعتوِرُ الحياةَ قُطُوب
حتى إذا ابتسمَ " الشبابُ " تذوُّبَتْ كالغيمِ في الصّحوِ الجميلِ يذوب
يا عاكفينَ على " الدُّروس " كأنَّهُم غُلْبُ الصُّقورِ من الظَماء تلوب
والعازفين عن اللذائذِ همُّهمْ " جَرَسٌ " يُدقُّ ومِنبرٌ وخطيب
تركوا مواعيدَ الحِسانِ وعندَهُم بين المقاعدِ مَوْعدٌ مَضروب
أشهى من الوجهِ الجميلِ إليهمُ وجهُ " الكتابِ " وَوُدُّهُ المخطوب
إن العراقَ بلا نصيرٍ منكم وبلا مُجيرٍ ، مُقفِرٌ وجديب
عاشت سواعدُكُم فهن ضوامنٌ أن يُسْتَرَدَّ من الحقوقِ سليب
وَزَكتْ عواطِفُكُمْ فأَيةُ ثروةٍ منها نكافيءُ مُخلِصاً ونُثيب
وَلأْنتُمُ أنْتُمْ – وليس سواكمُ - أملُ البلادِ وذُخْرُها المطلوب
وَلأْنتُمُ إذ لا ضمائرَ تُرْتَجَى للرافدَيْن ، ضمائرٌ وقلوب
ولأنتُمُ إن شوّشتْ صفحاتِنا مما أُجِدَّ نقائصٌ وذُنوب
الطّاهرونَ كأنهمْ ماءُ السّما لم يَلْتَصِقْ دَرَنٌّ بِهِمْ وعيوب
إنّا وقد جُزْنا المَدَى وتقاربتْ آجالُنا . وأمضّنا التجريب
وتحالفتْ أطوارُنا وتمازَجَتْ ونبا بنا التَقريعُ والتأنيب
وتخاذَلَتْ خُطواتُنا من فَرْط ما جَدَّ السُرى ، والشدُّ ، والتقريب
لنَراكُمُ المثلَ العليَّ لأمّةٍ ترمي إلى أهدافها وتُصيب
هي أُمّةٌ لم تحتضن آمالها وغداً إلى أحضانِكُمْ ستؤوب
وغداً يُكفَّرُ والدٌ عما جنى ظلماً على يدِ إبنه ويتوب
فتماسكوا فغدٌ قريبٌ فَجْرُهُ منكم . وكلُّ مُؤمَّلٍ لَقَريب
وِتَطلّعوا يُنِرِ الطريقَ أمامَكم قَبَسٌ يشعُّ منارهُ ، مَشبوب
وتحالفوا أنْ لا يُفّرِقَ بينكم غاوٍ .ولا يَنْدسَّ فيكُمْ ذيب
وتذكّروا المستعمرينَ فانَّهُمْ سَوْطٌ على هذي البلادِ وحُوب
فتفهمّوا إنَّ العراق بخيره وثرائه ، لطَغامِهِمْ منهوب
وتميزوا فهناك وجهٌ سافرٌ منهمْ ، وآخرُ بالخنا محجوب
وسويّة في خِزيّةٍ مستعمرٌ أو مَنْ يُقيمُ مقامَه ويُنيب
إياكُمُ أنْ تُخدعوا بنجاحكم فيما هو المقروءُ والمكتوب
أو تَحْسَبوُا أن الطريقَ كعهدِكم بين الصفوفِ " معبّدٌ " ورحيب
ان الحياة سيبلوَنَّ جهادَكم منها نجاحٌ مرهِقٌ ورسوب
ومُسَهَّدينَ جزاهُمُ عن ليلِهِمْ اللهُ ، والتعليمُ ، والتدريب
أضناهُمُ تعبٌ .. وخيرُ مجاهدٍ مُضنى يُعَبِّئُ أمّةً متعوب

sarmad1960
10-26-2006, 05:29 PM
الجواهري في اعوامه الاخيرة



صباح المندلاوي:
يتذكر ابنة هويدي التي احبها وهو في الثامنة من عمره اقرأ على مسامعه ما ينشر في صحف المعارضة1 / 1 / 1994 المكان : دمشق ـ بيت الجواهري
يسألته صباحاً عن توقعاته للعام الجديد، فذكر ان هذا العام لن يختلف كثيراً عن الاعوام التي سبقت..

وبدون تحالف القوى الخيرة العراقية ووحدتها وتلاحمها لايمكن ان نأمل خيراً. وانتقد بعض التصرفات والسلوكيات من قبل بعض الاحزاب والاطراف فيما بينها التي لاتنم عن روح ديمقراطية .
وإذ ذكرت احدى الاذاعات نبأ عن اللقاء المرتقب مابين كلنتون والرئيس السوري حافظ الاسد قال:
ربما مثل هذا اللقاء له ان يلعب دوره في حل مشكلة الشرق الاوسط.
اذ أشارت كريمته خيال الى ان في مكتبة الاسد الوطنية قد لاحظت وجود 34 جزءاً من كتاب ”جواهر الكلام “ علق الجواهري طويلاً عن اهمية هذا الكتاب والمقدمة التي وضعها المظفري مستشهداً باشادة رجل القانون المصري ـ السنهوري ـ بهذا الكتاب .
ومما ذكره بانه رأى الجزء الاول بطباعة انيقة وجميلة.
وعن مؤلف” جواهر الكلام “ جده الشيخ محمد حسن، احد ابرز العلماء ووجهاء النجف الاشرف وممن ارتبطت شهرة الاسرة الجواهرية بشهرته ومن خلال مؤلفه الآنف الذكر قال:
قبره في النجف، مقبرة الشيخ
كنا صغارا نزور قبره في المناسبات والاعياد بعدها ردد الحكمة المشهورة.
ولدوا فتعذبوا فماتوا
14 / 1 / 1994 .
ليلاً حدثنا عن ابنة هويدي التي احبها وهو في الثامنة من عمره وعن ابيها قال: انه متعهد بناء الجسور في النجف بحكم عمله يأتي من بغداد ويبقى في النجف عاماً او يزيد وبعدها اي بعد انتهاء اعماله ومهامه يعود من حيث آت.. بعد تلك القصة والعلاقة الحميمة وحال مغادرتهم للنجف لم التقيها بعد.
كذلك حدثنا عن ابنة عمته ـ نهاية ـ كريمة الشرقي التي احبها ايضاً .
قلت له : لي بنت خالة اسمها ـ نهاية ـ ايضاً ، لقد اختاروا لها هذا الاسم لتكون نهاية لمجيء البنات بعد ان تجاوزن اصابع اليدين. ومع ذلك فهي لم تسدل الستار على ولادة بنت اخرى.
علق الجواهري باستغراب: معقولة
هذه الليلة تطرق الى القصائد التي نشرها وباسماء مستعارة ومنها ”الشاعر المقبور“ حيث نشرت له اول قصيدة مذيلة بهذا الاسم .
كانت الامطار تنهمر بغزارة .
اخبرته بانني في مثل هذا اليوم قد غادرت بغداد وقبل اكثر من 14 عاماً باتجاه تركيا ومنها الى بلغاريا.
يعلق:
انت في عام 1979
وانا في عام 1980
اخبرته بان جريدة ـ الاتحاد ـ للاستاذ فايق بطي قد نشرت مقاطع من قصيدته عن الجيش .
جيش العراق ولم ازل بك مؤمناً
وبانك الامل المرجى والمنى
سألني: مالذي يدفع بهم لنشرها في مثل هذه الايام؟
قلت: بمناسبة عيد الجيش في السادس من كانون الثاني .
15 / 1 / 1994
اقرأ له مقالة منشورة في جريدة ”تشرين“ السورية لهذا اليوم بعنوان ”وحيد العرب ليس وحيداً“ فتفتح شهيته للحديث عن الواقع العربي وعن معاناة العراقيين وعذاباتهم في الداخل والخارج.
يتذكر معاركه الادبية والسياسية في الاربعينيات وما بعدها ويتوقف عند قصيدته ـ علموها ـ التي كتبها في عام 1928 والتي انشدها احتجاجاً على منع افتتاح مدرسة للبنات في النجف .
علموها فقد كفاكم شنارا
وكفاها ان تحسب العلم عارا
وكفانا من التقهقر انا
لم نعالج حتى الامور الصغارا
يعترف بتعب ”خيال“ ومداراتها له
تقول خيال: بدءا كانت امي هي المسؤولة عن كل شيء كانت تعمل بلا كلل او ملل. وبصمت لم اسمعهاذات يوم تشكو.
يكرر الجواهري هنا: ابد... ابد
تضيف خيال: كم كانت صبورة وقوية..؟
ما اجمل قصيدتك عنها التي نقشت على قبرها هانحن امونة ننأى ونفترق
والليل يمكث والتنهيد والحرق
اتشجع فاقول: كم ارغب ان اسجلها وبصوتك يرد قائلاً بالعامية : ميخالف
16 /1 / 1994
في الثامنة والنصف صباحاً يغادر سرير نومه
وبعد قليل يتناول فطوره المعتاد، كأس ماء، فنجان قهوة، ملعقة عسل، بيضة مقلية.
اقرأ له ما تحمله الصحف السورية من اخبار ومتابعات تتعلق بالعراق. يتوهج حزناً وكأن لسان حاله يقول:
انا العراق لساني قبله ودمي
فرأته وكياني منه اشطار
عصراً وبعد تناول الغداء يروي لنا الحادثة التالية:
كان صديقي وزميلي عبد الرزاق الناصري صاحب جريدة” الايام “ في البصرة بين آونة واخرى يتردد على بغداد ويزورني.
في آخر مرة جاء الى بغداد لشراء كمية من الورق وقد اشتراها فعلاً ووضعها لدي في الجريدة ”الرأي العام“.
قبل عودته الى البصرة وبالقطار جاء ليودعني بحرارة وحميمية وقد اغرورقت عيناه بالدموع وشحب لونه وشفاهه عاجزتان عن التعبير... وبصعوبة قال لي:
هو الوداع الاخير يا ابا فرات.
لم اعر ما يقوله اهتماماً كبيراً . وقد ظننت انه مأخوذ بما كان يتعاطاه من الشراب يومياً. فرحت امازحه واداعبه:
يبدو انك اسرفت في الشراب
فاقسم بكل ماهو مقدس بانه لم يتناول هذا اليوم بالذات منها شيئاً .
ودعني وودعته.. ولم اكن ادري انني سأصعق في اليوم التالي بنأ رحيله حينما جاءني ابنه البكر غازي وله شقيق اسمه سعود، وهو يحمل البرقية التي وصلته من البصرة وفي طياتها نبأ وفاة والده.
دارت بي الارض وشعرت بحزن عميق، ترى اي وداع عجيب، هذا الذي ودعني به.ولمدة طويلة بقيت مشدودا لمعرفة ما حدث حتى شاءت الصدف ان التقي ابنه المدلل سعود فروى لي حقيقة ما حدث كان سعود معتاداً على ايقاظ ابيه صباحاً ومن خلال مداعبته وببراءة الاطفال. حال وصوله الى البصرة ليلاً كان متعباً اوى الى فراشه والقى بنفسه كمن لم ينم منذ زمن طويل، صباحاً وفي اليوم التالي كالعادة، حينما تقدم منه سعود ليوقظه رآه يغط في نوم عميق، هو النوم الابدي صرخ مذعوراً به مرة اخرى او مرتين. ولكن بلا جدوى كان الصمت يلفه، كان كل شيء قد انتهى وتوقف قلبه عن الخفقان. لقد غادرنا الى العالم الاخر.
وراح يتساءل: اية اسرار عجيبة وغريبة تكتنف حياتنا وحياة الاخرين.
ليلاً اخبرته ان وسائل الاعلام قد تناقلت نبأ لقاء الرئيس السوري الاسد وكلنتون. اذ عرض التلفزيون السوري جانبا من اللقاء، اقترب من شاشة التلفزيون ليرى بوضوح وامعان الى ما سينجم عن هذا اللقاء التاريخي لم تمض ايام معدودات حتى فجع الرئيس السوري حافظ الاسد بوفاة نجله ـ باسل ـ فشهدت دمشق اياماً ملؤها الحزن والاسى على رحيل هذا الشاب الموهوب.
ارسل الجواهري بهذه المناسبة برقية تعزية الى الرئيس السوري حافظ الاسد بل تجشم عناء السفر الى اللاذقية مع افراد عائلته لتقديم التعازي الى ذوي الفقيد.في الثامن والعشرين من كانون الثاني يعود الى دمشق ويصلها في الساعة الثانية والنصف .
نتناول الغداء ـ كباب الريان ـ المشهور وقد جلبه ”ابو وسام من مطعم الريان“.
يتابع الجواهري عبر التلفزيون الكلمات التي القيت في مجلس العزاء.
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:31 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 3 -


* ما هو تعليق الجواهــري على ما نشـــره رعــد بندر في جريدة (الجمهورية) ؟
* الجواهــري يرفض زيارة الملياردير امــيل البستاني في بيروت.
* ماذا قال عن الباحث المعروف فؤاد جميل؟


الاحد 1994/2/13.
صباحاً يستبد به آلم شديد في ساقه اليسرى مما يعكر مزاجه ويثير مخاوفه.. احاول تبديد ما يعاني منه.. اقرأ له بعض الاخبار المنشورة في الصحف السورية، يستوقفه ما حدث للشاعر الايراني عباس خوش امل وهو يقرأ نعيه بنفسه في جريدة-كيهان-هذه اللقطة تذكره بلقطة اخرى حصلت في العراق حينما نشرت احدى الصحف في بغداد نبأ رحيل الناقد على جواد الطاهر بدلا من جواد علي-استاذ التاريخ المعروف-والباحث والمؤلف.
وكيف كان ذلك مفاجئا للاستاذ الطاهر وما اعقب ذلك من ردود فعل من قبل اصدقائه ومحبيه قرأت له ايضا عمودا كتبه الشاعر عباس محمد علي في الصفحة الاخيرة من (تشرين) حول الشعر وما قاله الشعراء عن الموت مع استشهادات شعرية ومن ضمن ما ورد في الزاوية (فقدانه فقدان الربيع) وهو ما ضمنه الجواهري في احدى قصائده التي لم ينته منها بعد. اخبرته بذلك، فأومأ برأسه دلالة الموافقة.
عصرا وبعد عودتي من العمل في الاذاعة اخبرته باصابة وزير التصنيع العسكري حسين كامل المجيد بالسرطان في رأسه ونقله الى الاردن.
علق: هذا المرض قاتل.. قلما يشفى منه احد مساءً زارنا الدكتور الراحل فاضل الانصاري وزوجته-سلوى-ودارت احاديث متنوعة في مجالات السياسة والادب ومعاناة العراقيين في الداخل والخارج وتصاعد هجرة الادمغة العراقية الى بلدان اللجوء بعد تردي الاوضاع الاقتصادية في العراق ومسلسل القمع والارهاب.
بعد مغادرة الضيوف طلب من كريمته خيال ان تتصل بشقيقتها-ظلال-وهي التي تقيم في اميركا-للتأكد من حصولها على الدواء الذي طلبه منها (بروسكار) ولمعالجة البروستات التي يعاني منها.
تم الاتصال وتبين انها لم تشتر الدواء وانها راغبة في معرفة الشركة التي تنتج الدواء وليس اسم الدواء فقط.
اعلمتنا بانها وضعت صورة الجواهري على التفلزيون وهي بانتظار تكبير صورتها مع والدها لتصنعها في ارجاء الصالة.
هذه الليلة طلب مني ان اتابع شخصياً تقديم الفاكهة الى الحراس في شهر رمضان مع وجبات الفطور المسائية، كانت التفاتة جميلة منه ازاء الحراس الذين يتناوبون على حراسة داره.
تناول اكثر من حبة لمواجهة كسل الامعاء تم طلب من كريمته-خيال-ان ترتب فراشه استعداداً للنوم.
كانت عقارب الساعة تشير الى الواحدة الا ربعاً ليلاً.
الاثنين 14 شباط 1994
ظهراً قرأت له بعض الاخبار المنشورة في الصفحة الاخيرة من جريدة (تشرين) السورية ومن ضمنها ان سيدة في استراليا قد عضت سائقاً من ذراعه فادى ذلك الى اصطدام السيارة التي يقودها بمركز الشرطة.
علق على هذا الخبر بقوله: يبدو ان هذا الموسم هو موسم العض.
وكنت قد قرأت له قبل مدة قصيرة ايضا ان شابة عضت لسان حبيبها وان كلبا عض طفلا ولم تحل المشكلة إلا بمئة ألف دولار وغيرها من الاخبار التي تنشرها الصحف كذلك قرأت له نص الرسالة التي وجهها سفير العراق السابق ارشد توفيق الى الصحافي قاسم السماوي وفيها يشن هجوما لاذعا على السماوي كنت قد حصلة على الرسالة من احد العاملين في اذاعة صوت العراق.
كما اخبرته بما سمعته عبر اروقة الاذاعة وعلى ذمة الراوي ان السوريين مستاؤون كثيراً من تصرف اعلامي بارز اوهم المسؤولين او ادعى بان هناك من يعمل لصالح مخابرات صدام ويشتمهم وعلى اثر هذا الابلاغ تم اعتقال ثلاثة عراقيين.
بتهمة اصدارهم لبيان يحرض ضدهم وضد هذا الاعلامي، الا انه وبعد الاطلاع على نص البيان لم يجدوا ما يؤكد ما قاله هذا الاعلامي ضدهم.
زارنا هذه الليلة د.صابر فلحوط نقيب الصحفيين وروى لنا الواقعة التالية:
فيما مضى وقبل عقود عديدة جاءت الطائرات الفرنسية لتقصف مسقط راسه-السويداء-فما كان من الناس ومن ابيه وأهله إلا ان يهرعوا الى اعالي السفوح مقابل عدد آخر لجأوا الى زريبة للحيوانات هرباً من القصف الوحشي ولغرض الاختباء.
وكانت المفاجأة ان الذين بقوا فوق السطوح قد سلموا من الموت والهلاك بعد ان ألقت الطائرات بقنابلها وحممها.
وان الذين دخلوا الملجأ كان نصيبهم الفناء كذلك روى واقعة اخرى وطالما الحديث يدور عن الموت كيف ان الملياردير المشهور في لبنان قد عمل لنفسه تابوتاً نعشاً-من الذهب وكان ينتظر ان يموت ويدفن في ضريح ذهبي. إوذا به يسافر الى اميركا وفي الطريق تحطمت الطائرة التي تقله وسقطت في البحر فلم يشأ بان يتحقق حلمه.
استمرت السهرة حتى الساعة الواحدة ليلاً.
بعدها بقليل ودعنا نحو سرير نومه قائلاً:
تصبحون على خير.
الثلاثاء 15 شباط 1994
عصرا وفي الثالثة والنصف قرأت له نص اللقاء الذي اجرته جريدة (الجمهورية) البغدادية مع رعد بندر في اعقاب زيارته للجواهري في دمشق.
واذ قرأت له عنواناً فرعياً يقول وعلى لسان الجواهري بعد سماعه لقصيدة بندر-قد حملتني سلاماً-والمهداة للشاعر: (هذا هو الشعر الذي اموت عليه)
قال الجواهري ساخراً وبالعامية:
هوه هذا مو غيرة ؟!
فضلاً عن تعليقات اخرى يجدها القارئ في كتابي المعنون-في رحاب الجواهري-.
لذلك قرأت له خبراً نشر في جريدة-الحياة-ليوم امس الاثنين ومفاده مقتل 30 صيرفيا في منطقة الحارثية، باوامر من عدي صدام.
ليلاً اخبرني بان كامل المر قد اتصل به هاتفيا وفي الساعة الواحدة ظهراً ومن استراليا واستفسر عن وصول جائزة جبران خليل جبران وكيف انهم في المرة الاولى ارسلوها إليه وبعد 17 يوما عادت إليهم في سدني. كما استفسر عن صحته واحواله.
وبالمقابل اعرب الجواهري عن جزيل شكره للاستاذ المر وعلى كلمته المنشورة في جريدة تيلكراف الاسترالية التي يعبر فيها عن اعجابه وحبه للجواهري.
هذه الليلة روى لنا ما يلي:
في بداية السبعينيات وربما في عام 1974 زرت جريدة الثورة واذا برئيس تحريرها طارق عزيز يقول لي:
غدا سنسافر-هل رتبت امورك ؟!
قلت له: كلا
قال: هناك وفد الى بيروت وانت ايضاً معنا.
قلت له: لست متهيئاً
قال: نحن ايضاً لا نسافر .. اذا انت لا تأتي .
قلت له: وكيف الوثائق والباسبورت؟!
قال: لا يهمك
وبالفعل خلال 24 ساعة كان كل شيء جاهزاً، وفي الطريق الى المطار كان عزيز يقود السيارة وخلفنا رجل لا أعرفه يقرأ اشعاري فهمست في اذن عزيز: من هذا الذي يقرأ اشعاري؟!
قال: انه محمد فاضل.
ربما كان يومها مسؤول بغداد لتنظيمات البعث وفي المطار دخل علينا رجل مهاب الجانب، سلم عليّ بحرارة واحترام. سألت طارق: من هذا ؟!
قال: انه عبد الخالق السامرائي.
وصلنا الى بيروت ونزلنا في احد الفنادق الجميلة كانت غرفنا متجاورة. كان معنا ضمن الوفد مهدي الحافظ واذكر في الصباح التالي من وصولنا خرج عبد الخالق من غرفته واذا به يرى صحفية جميلة لا اتذكر اسمها، تقف في صالة الفندق وتروم ان تحظى باحاديث صحفية معنا. فغمز لي عبد الخالق مستبشراً بما معناه!
انه صباح بهيج ان ترى هذا الوجه كان لدى الوفد رغبة لزيارة الملياردير اميل البستاني، انا رفضت الذهاب واياهم، لأنه يمثل البطر والترف. يقال انه كان يأكل بملاعق ذهبية.
رفضت ورفضت الذهاب إليه.
اخبرته كريمته-خيال-بانها زارت بيت الرئيس اليمني السابق على ناصر محمد لتواصل اشرافها على ترتيب كتبه وارشفة وثائقه وباعتبارها متخصصة في علم المكتبات.. فبلغها تحياته الحارة للجواهري وابدى رغبته لزيارته وبصحبة زوجته.
وهنا سألته: اين تعرفت عليه؟!
قال: في براغ.
هذه الليلة اتصل بنجله-فلاح-في السويد، هاتفياً وعلم منه انه ما يزال يواصل دراسته في الدورة الطبية التي تستغرق اربعة اشهر، انقضى منها اربعة اسابيع والدوام يبدأ من الساعة السابعة صباحاً وحتى الرابعة عصراً واذ يعود الى البيت ينكب على المطالعة والاستعداد لاجتياز الاختبارات حتى ساعة متآخرة من الليل.
بعد انتهاء المكالمة حدثني الجواهري عن عمله كمصور شعاعي فيما سبق وكيف كان يشتري الادوية للزبائن والمرضى من جيبه الخاص.
قرأت له وفي جريدة-خبات-الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، زاوية كتبها طارق ابراهيم شريف عن الباحث المعروف الراحل فؤاد جميل، فتذكره الجواهري بقوله:
وجهه بشوش.. بسيط ومتواضع ودؤوب كانت الريح تعوي في الخارج.. وعقارب الساعة قد تجاوزت الواحدة بقليل.
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:32 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 4 -


-اما لهذا الليل الطويل ان ينجلي ؟
- ماذا قال الجواهري عندما ابدى علي عقله عرسان الرغبة لزيارته؟
- افلام شارلي شابلن تستهويه.
الاربعاء شباط 1994 .




صباحا وبينما اقرأ على مسامعه بعض الاخبار القصيرة في الصحف المحلية لهذا اليوم طلب مني الكف عن القراءة لكي يمسك بزمام الابيات التي يبحث عنها ولاضافتها الى القصيدة التي ينوي الانتهاء منها .
تركته يفكر ويتأمل ويبحر في عالم القوافي عله يقتنص تلك الابيات التي يحلم بها ولتطل قصيدته سبيكة ذهبية متماسكة تشع بالجمال والجودة. وبما لا يفرط بمكانته كشاعر كبير نال من الشهرة الكثير وذلك منتهى الشعور بالمسؤولية فيما يقدمه وهو الذي تجاوز التسعين باعوام.
على مائدة الطعام كان غداؤنا ”تشريب ابيض“ علقت قائلا وبعد ان باتت القصيدة عصية على الولادة: كم هي شاقة ولادة قصيدة؟
قال ممازحا: مخاض عسير لا تعرفه الا الامهات.
ومن جديد تركته يسافر مع عوالمه الشعرية حتى اذا ما اقبل الليل وصادف انقطاع التيار الكهربائي واشعال الشموع مما اضفى حوارا رومانسيا في الوقت الذي اشتد فيه صفير الرياح خارج البيت. ومع هذا التزم الصمت وظل مهموما في البحث عن تلك الابيات المنشودة.
في الواحدة الا عشر دقائق ليلا بدأ النعاس يثقل جفنيه.
الخميس 17 شباط 1994.
مساءًً قرأت له ما نشر في جريدة”الشرق الاوسط“ لهذا اليوم من مقالات وزوايا ومنها نوايا ايران لاقامة تحالف مع دول الخليج مع اشارة الى استثناء العراق من هذا الحلف ريثما يحل ويحسم مشاكله العالقة.
كذلك خبرا عن تصريحات اقطاب حزب الاصلاح اليمني على الانسحاب من التحالف اذا لم تأت قيادات” الاشتراكي “ الى صنعاء.وتقريرا عن نشاطات المعارضة العراقية في لندن ومن خلال تشكيل لجنة تأخذ على عاتقها تنظيم اسبوع للتضامن مع الشعب العراقي في اواسط اذار المقبل.
هذا بالاضافة الى لقاء مع المؤرخ والمحقق محمود شاكر الذي حقق”المتنبي “ وكتاباً للجرجاني وكتباً اخرى.
أكد الجواهري على اهمية ما يقوله المؤرخ محمود شاكر بهذا الخصوص، حيث كتاب المتنبي صدر عام 1935 وكان عمر المحقق 26 عاما، يومها اثار الكتاب صدى كبيرا وكان مفاجأة للكثير من الكتاب والمفكرين.
في الواحدة ليلا ودعنا الى سرير نومه.
الجمعة 18 شباط 1994 .
عصرا ومن جريدة” الاهالي “ المصرية قرأت له عن المفاجأة التي اكتشفت في محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقي وعن زيارة شمعون بيريز لمعرض الكتاب الذي اقيم في القاهرة وكيف ان د. سمير سرحان رفض استقبال بيريز.
حدثته عن حل مشكلة البوسنة والهرسك وكيف وجهت جيوش حلف الناتو انذارها وحتى يوم الاحد القادم لحل هذه المشكلة.
زارنا مساءً الاستاذ هشام العظم شاعر سوري وعسكري، وهو الذي كان عريفا للحفل يوم القى الجواهري قصيدته المشهورة ”خلفت غاشية الخنوع ورائي“ وفي الملعب البصري في دمشق عام 1956 وبمناسبة الذكرى الاولى لاغتيال وزير الدفاع السوري عدنان المالكي.
تم استرجاع ذكريات قديمة ودار حديث عن القصيدة الانفة الذكر ومما قاله العظم:
لم التق باحد سمع القصيدة الا وابدى اعجابه بها كما تحدث الجواهري عن كتابة بعض قصائده على اغلفة السكائر. وفي احايين ينسى مشروع قصيدة بعد منتصف الليل وقبل ان ينام تناول حبة لآلام الساق واكثر من حبة لتجاوز كسل الامعاء وقطرة للعيون وحبة اسبرين لدرء ازعاجات الرشح والزكام ايضا.
السبت 19 شباط 1994 .
نهارا كان يستمع الى المذياع ويتابع نشرة الاخبار من اذاعة لندن BBC. كان المذياع يبث تقريرا عن اوضاع العراقيين وما يعانونه من بؤس وشقاء وما تكالبت عليهم من فجائع وفظائع، احزنه ذلك وعلق قائلا وبمرارة: اما لهذا الليل ان ينجلي بقي مهموما، يختلط حزنه بغضبه حتى ساعات المساء الاولى حينما جاءه المساج سعيد العبد واجرى له مساجا سيسعفه في تنشيط الدورة الدموية وتخليص الامعاء من كسلها، اخذا بنصيحة الاطباء في مستشفى الشامي بدمشق عند دخوله اليها في آخر مرة وذلك باللجوء الى المساج وتجاوز اية متاعب صحية.
انفرجت اساريره وأبدى رغبة كبيرة لقراءة ما يتوفر تحت اليد من صحف او كتب قيمه.
الاحد 20 شباط 1994.
صباحا ابلغته بأن علي عقله عرسان رئيس اتحاد الكتاب العرب حدثني بأنه هو والدكتور الراحل فاضل الانصاري قد اتفقا لزيارة الجواهري واعترف بتقصيره في عدم زيارة الشاعر وقد اعطاني رقم هاتفه للاتصال به ولتنظيم زيارة لاحقة له، الجواهري اعرب عن تذمره وامتعاضه وعلق قائلا: عشر سنوات مرت لم يزرني فيها.. الآن يرغب بزيارتي.
عصرا وبعد عودتي من الاذاعة جلبت له نسخة من جريدة ”بابل“ التي اصدرتها المعارضة ووزعت في بغداد مع الحفاظ على الكليشيات السابقة للجريدة وبعض الاعلانات التي تمجد بالطاغية صدام.الجريدة كانت تحفل بالموضوعات التي تدين النظام وتعريه وتعكس اخبار ونشاطات المعارضة مع ابقاء عناوين الزوايا كما كانت من قبل وفي ظل النظام مساءً قرأ له احد افراد الاسرة رسالة كانت وصلت من السيد جعفر الدجيلي صاحب دار الاضواء للنشر في بيروت ويذكر فيها بانه مؤخرا قد استطاع الحصول على الجزء الثاني من ذكرياته وقد قرأها بامعان.
وان لديه دار نشر في بيروت وعلى استعداد لطبع دواوينه او اية كتب عنه مع ثناء واطراء لدوره ومكانته.
بعد الانتهاء من قراءة الرسالة، اعطيت الى كريمته خيال لغرض حفظها في الارشيف.مساءً تعكر مزاجه بسبب مغص معوي حتى ان عشاءه قد اقتصر على اللبن والكعك ولم ينس ان يحدثنا عن كيس الماء الذي كان يستخدمه في براغ بعد ان يملأ بالماء الحار لدرء التهابات الامعاء او البطن.
قبل انتصاف الليل بقليل واذ كان التلفزيون يعرض فيلما لشارلي شابلن أبدى اعجابه ببراعة شارلي في التمثيل ومضامين الافلام التي يمثلها كما تطرق الى سفره الى اللاذقية نهاية الشهر الحالي.
واهمية ايصال القصيدة التي يكتبها الى الاستاذ عادل اليازجي لالقائها في الحفل التأبيني في قرداحة وبمناسبة مرور اربعين يوما على رحيل باسل الاسد.
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:34 PM
--------------------------------------------------------------------------------

الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 6 -


عصرا حملت له باقة من الاخبار من بينها اسناد مهام وزير الصناعة الى عدي اثر اصابة حسين كامل بورم في رأسه واضطراره للسفر الى عمان طلبا للعلاج كذلك تعيين عدي وبمرسوم جمهوري وزيرا للدفاع مع ابقاء علي حسن المجيد.


ابدى استغرابه مما يحدث وراح يتساءل: ترى لماذا الاذاعات لا تتناقل مثل هذه الاخبار؟ مع حلول المساء طلب تهيئة ملابسه والمستلزمات التي يحتاجها خلال سفرته الى اللاذقية التي تستغرق عشرة ايام وربما اكثر اذا ما استهواه الوضع هناك.اعدت له كريمته (خيال) قائمة باسماء الادوية التي يتعاطاها يوميا وثبتت المعلومات على علب الادوية لكي يلتزم بها من يرافقه مثلا كم حبة يوميا ومع اوقاتها؟!
الاربعاء 23/ شباط 1994
واذا حان وقت تناول العشاء كان العشاء (عروك وطماطة)
قبيل منتصف الليل بقليل ذكر لنا بانه هذا المساء وقبل ان يغادر سرير نومه رأى طيفا سبع عرائس من اجمل النساء حسناوات يتوهجن بالحسن والجمال التفوا حوله وراحوا يداعبونه ويلاطفونه احدى الحسناوات شقراء وطويلة القامة اختطفت طاقية الرأس وابتعدت عني وصارت تلوح بها..
فجأة ينقطع الحلم واذا بي في غرفة مظلمة والساعة قد تجاوزت الثامنة مساء بقليل هذه الليلة حدثنا عن طاقية الرأس وكيف اعتمرها لاول مرة في موسكو بعد فحوصات طبية اجريت له وارتأى الاطباء ان يرتدي القلنسوة كغطاء للرأس تلافيا للحساسية التي يعاني منها فيما بعد حمل اليه القادة الاكراد جلال الطالباني ومسعود البارزاني ـ الكلاوات الكردية ـ بألوانها الزاهية وهي تحمل شعار: كردستان يانمان.
الخميس 24/ شباط/ 1994
صباحا يزوره الدكتور نبيه رشيدات ـ طبيب اردني يقيم في دمشق منذ اكثر من نصف قرن وأحد قادة الحزب الشيوعي السوري ـ يستفسر منه عن وضعه الصحي ويصغى الى شكاويه يستعين بجهاز قياس الضغط يبدي من الملاحظات المفيدة ويوصي بجلب اكثر من علبة من اعشاب(سلومد) ليتناول منها الشاعر كل يوم اكثر من ملعقة.
واذ تتواصل الاستعدادات والتحضيرات لاقامة حفل تأبيني بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيل باسل الاسد يزوره الاعلامي عادل اليازجي ليلا ويبدي اعجابه بقصيدة الجواهري ـ يا باسل الخيل والفرسان ـ ويرى فيها امتدادا لما سبق ولما تحمله من ألق وحكمة وجمالية.
يدور حديث عن سفر الجواهري الى اللاذقية ويجري الاتفاق على تصويره تلفزيونيا وهو يلقي بعضا من قصائده.
يودعنا اليازجي.. فننصرف لقراءة الصحف اقرأ على مسامعه ما تحمله جريدة ـ الشرق الاوسط ـ من اخبار وموضوعات من بينها احتدام الاشتباكات المسلحة في اليمن والتي ذهب ضحيتها اكثر من 700 قتيل وجريح كذلك قصة الجاسوس ايمز الذي يعمل لصالح المخابرات الروسية والذي لم يكشفه اختبار الكذب مرتين.
يقتصر عشاؤه على (اللبن مع نثار الكعك) واذ يحتسي الشاي ويحلو السمر يروي لنا كيف انه هذا اليوم وكل يوم يرى الاطياف وطيف هذا المساء فتيات بعمر الزهور ما احلاهن وما اجملهن وقفن حوله.. لسن عربيات ولا جيكيات. كان من بينهن من احبها يسألها: أما زلت تحبينني؟!
كانت شاحبة ومعها امها تومئ برأسها دلالة الايجاب وتستدرك.. ولكن الا ترى هؤلاء وكأنها تخشى البوح بحبها امامهم ترى هل هي (انيتا) التي خصها باجمل قصائده ذات يوم وفي باريس؟ لا احد يدري في الواحدة والنصف ليلا يودعنا الى سرير نومه.
الجمعة 25/ شباط/ 1994
صباحا في العاشرة الا ربعا كنا انا وكريمته خيال نساعده في ارتداء ملابس جديدة بدلة رصاصية وهنا طلب ربطة عنق عريضة من تلك التي جلبتها كريمته ـ ظلال ـ من اميركا.
الملفت للانتباه ورغم تقدم سنه وهو الذي تجاوز التسعين باعوام ان يشد ربطة العنق بنفسه. كان على اهبة السفر تناول كأسا من الماء واعقبها بفنجان قهوة وملعقة عسل تناول بعض الادوية واخيرا كأس عصير برتقال مع اعشاب (سلومد)
اشعل سيكارة وراح ينتظر وصول الدكتور نبيه رشيدات بعد مكالمة هاتفية يوم امس ابدى استعداداه خلالها لزيارته وقبيل سفره الى اللاذقية.
كان بين الحين والاخر يحاول التأكد من انه لم ينس شيئا مما يحتاجه خلال اقامته في اللاذقية.
طلب وضع عصاه في الحقيبة تبرعت كريمته ـ خيال ـ بتقليم اظافره فامتن لها بعد ان انقذته من مهمة شاقة لا يقوى عليها التقطت له العديد من الصور وقبل ان يودعنا الى جوف السيارة التي ستقله الى اللاذقية التي يقودها (ابو وائل) وبرفقة نجله كفاح واحد الاقارب ـ نصير الجواهري ـ
انطلقت السيارة في الساعة الحادية عشرة وخمس واربعين دقيقة مودعة العاصمة دمشق صوب المحافظات الساحلية وحيث لا تستغرق الرحلة سوى ساعات معدودات.
ليلا يتصل هاتفيا بكريمته ـ خيال ـ ويخيرها في الحضور الى اللاذقية متى ما رغبت.
وتتواصل المكالمات الهاتفية بين يوم واخر حتى اذا ما بلغنا منتصف الاسبوع اختمرت فكرة السفر الى اللاذقية تخبره كريمته بذلك عبر اتصال هاتفي.. فيرحب بقدومها صبيحة الثلاثاء.
الثلاثاء 1 اذار 1994
نصل اللاذقية مساء.. نتجه صوب فندق المريديان ننزل في الغرفة 605 بينما الجواهري يحط في الغرفة 601 ويغط في نوم عميق.. لم يفق من نومه الا في الثامنة والنصف.
ليلا يزوره الاعلامي اليازجي ويطلب منه عسى ولعل ان يتمكن من القاء القصيدة بنفسه.
يرد الجواهري: لا اكاد اسيطر عليها.. هناك اربعة ابيات لا اتذكرها جيدا.. واخشى ان انساها فتضطرب القصيدة.
انت ايضا قدير وجدير..
يخبره اليازجي بان احد عشر بيتا من القصيدة سيتم تلحينها من قبل الفنان المشهور الملحن المصري ـ سيد مكاوي ـ وقد ارسل بشأنه وسيصل دمشق ليمضي فيها عشرة ايام يتابع خلالها المطربة الكبيرة ـ ميادة الحناوي ـ لتغني ما يتم اختياره من القصيدة.
ويضيف: ساطلعك على تفاصيل المشروع في كل تطوراته.
يقرأ على مسامع الشاعر الابيات المنتخبة للغناء يدور حديث عن موقع القصيدة في تسلسل فقرات الحفل التأبيني.
واذ يغادرنا اليازجي يطلب منا الجواهري ايقاظه يوم غد صباحا في الثامنة والنصف استعدادا لحضور الاربعينية
________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:36 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 7 -


يلتقي الدكتور الراحل الشاعر مصطفى جمال الدين والعلامة محمد حسين فضل الله
الأربعاء 2/ 3/ 1994
صباحاً وبناءً على طلبه ليلة أمس اوقظناه في الثامنة والنصف.
يغسل وجهه ويرتدي بدلته الانيقة.
ينتبه ان الاربطة التي بحوزته ملونة وغير مناسبة.




يشعر بالحرج. اخبره بأن كريمته-ظلال - وقبل اربعين يوماً جلبت له أكثر من ربطة عنق انيقة. واحدة منها سوداء وتتخللها ورود بيضاء صغيرة، يمكن رؤيتها.. ويمكن اختيارها اذا ما رغبت؟! فطلب رؤيتها.. ولما رآها اعجبته.. فقال لي:
- لقد انقذتني من مشكلة، فالوقت ضيق وليس بمقدوري الذهاب الى السوق لشراء ربطة.. وقد تنطلق السيارات بعد قليل الى حيث يقام التأبين.
في الساعة التاسعة والربع صباحاً نزلنا الى صالة الفندق وكان اول من التقاه بعد نزوله من المصعد السيد وزير الاعلام الاستاذ محمد سلمان، بعدها جلس على مقعد وثير فجاءه نقيب الصحفيين السوريين د. صابر فلحوط ومن ثم الدكتور الراحل الشاعر مصطفى جمال الدين، حياهُ وجلس بقربه لدقيقتين وكأنها فرصة من العمر. من يدري ما الذي تخبئه الايام.. هل سيلتقيه مرة اخرى وهو الذي تجاوز العقد التاسع بأربعة اعوام وتساؤلات اخرى ما اكثرها.
بعد قليل جاءه الدكتور الراحل فاضل الانصاري وحيّاه ايضا. بعدها وإذ بدأت الجموع تتجه الى حيث السيارات تقف. رافقناه الى جوف السيارة التي يقودها ”ابو وسام“ -عبدالرحمن خضور- فانطلقت به الى حيث الحفل التأبيني في القرداحة.
في الساعة الواحدة الا ربعاً عاد الى الفندق.
حدثنا عن رحلته وعن من التقاهم ومن بينهم العلامة محمد حسين فضل الله الذي ابدى اعجابه بكتابه ”ذكرياتي“ وكان يردد بين الحين والحين البيت الشعري التالي للجواهري:
أتعلم أم انت لا تعلم
بأن جراح الضحايا فم
كان الطقس جميلا ومشمساً، اتجه الى الشرفة المطلة على البحر وعلى شاليهات اللاذقية، يستنشق الهواء النقي ويتأمل البحر.
خيّل لي انه يردد ابياتاً من قصيدته الجميلة-سجا البحر-التي كتبها في عام 1977 وبعد اقامة هانئة في اثينا.
سجا البحرُ وانداحت ضفافٌ نديّةُ
ولوّح رضراض الحصى والجنادلِ
وفُكَّتْ عُرىً من موجةٍ لصقِ موجةٍ
تَماسَكُ فيما بينها كالسلاسل
وسدَّتْ كُوىً ظلّت تَسدُّ خصاصها
عيونُ ضباءٍ او عيون مَطافل
ولُفَّ الدُّجى في مُستَجدِّ غُلالةٍ
ِسوى ما تردى قبلَها من غلائلِ
سوى ما تردى من مفاتن سَحرةِ
وما جرَّ تيهاً من ذيول الاصائلِ
وما حملَ ”الاصباحُ“ شوقاً الى الضحى
من الورق النديان اشهى الرسائل
وخيّم صمت فاستكنت حمائم
وقرَّ على الاغصان شدو البلابل
فأقتربت منه وأنا راغب بسماعها على ضفاف البحر العجيب بزرقته. حينها علقت قائلاً:
البحر يذكرني بقصيدتك ”سجا البحر“.
رد معقباً وكأنها وجدت صدى في دواخله:
حقا انها قصيدة جميلة
بلغني ان احد الرؤساء العرب معجب كثيرا بها وراح ينشد مقاطع منها:
ويا ”خالداً“ تهنى اسارير وجهه
بمغزى خلودٍ عادمِ الوجه زائل
وبالخلق منحوساً مُعنّىً يروعه
بما يتبنى من عاجل خوفُ آجلِ
عبدتك”صُوفيّاً“ يدينُ ضميرهُ
بما ذَرَّ من قرون الدخائل
ويسِرج منه بالندامة”معبداً“
تشكى طويلاً من دخان المشاعل
وعاطيتك النجوى مُعاطاةَ راهب
مصيخ الى همس من الغيب نازل
ولوّنت احلامي بما لوّنت به
مغانيك من كون بسحرك حافل
وغناك قيثاري فلم تُلفَ نغمتي
نشازا، ولا لحني عليك بواغلِ
وتشهد امّاتُ القوافي تشاغلت
بها أكؤس السُّمّار انك شاغلي
فيا ”صاحبي“ لا تخل عيني شدتا
بطيفك من وجه لشخصك ماثل
ولا تنسني نفسا هوتك فتية
وناغاك بُقيا جذعها المتآكل
هوى لم يمل يوما وكم ضج خافقي
باهوائه من مستقيم ومائل
مفازة اعصار تظل رمالها
تقاتل فيما بينها دون طائل
التقطت له العديد من الصور الفوتوغرافية وهو يسافر مع البحر ويحلق في الشاطئ اللازوردي.
في الخامسة الا عشر دقائق، اتجه الى سريره ليأخذ قسطا من الراحة وبعد ان امضى ما يقارب الساعة قبالة البحر. ولم يغادر سريره الا في الساعة التاسعة او قبلها بقليل.
في العاشرة ليلا اتصل الاستاذ عيسى درويش سفير سوريا في القاهرة وكان قد حضر ايضا للمشاركة في التأبين وهو ممن التقى الجواهري في القاهرة فيما مضى وابدى رغبته لزيارة الجواهري يوم غد.
وإذ حان موعد العشاء طلب شوربة خضار غير انه تخلى عن تناولها حينما علم ما فيها من بقول مثل”البزاليا“ اذ سبق وان نصحه الاطباء بالابتعاد عن البقوليات حرصا على ”قولونه“ استعاض عنها بالجبنة والطماطة.
في الثانية عشرة ليلاً ودعنا الى سريره.
الخميس 3/ 3/ 1994
نشرت الصحف المحلية قصيدة الشاعر الجواهري”يا باسل الخيل والفرسان“ مع صوره.
القى نظرة على ما نشرته الصحف وأمعن النظر بصوره.
قرأت على مسامعه ما جاء في كلمة العماد طلاس يوم امس في الحفل التأبيني. ويرد فيها معلومة بأن الرئيس الاسد لم يكن يعرف بنبأ رحيل نجله الا بعد العاشرة صباحاً من يوم الحادث. وهو ما كان يهم الجواهري ويحاول معرفته.
قال الجواهري: غدا سأعود معكم الى دمشق بعدها بقليل ابدى رغبته بأخذ حمام ساخن وقد تم له ما اراد وارتاح كثيرا.
ومما قاله: سوف لن اتناول عشاءً هذا المساء وسأنام مبكراً.
في هذه الاثناء اتصل د. عيسى درويش وأخبرنا بأنه سيصلنا بعد قليل هو وزوجته.
بعد وصولهما دار حديث عن القاهرة ايام زارها الجواهري وبمناسبة الذكرى المئوية لاحتفالات مجلة الهلال عام 1992.
وعن البطالة والغلاء وتناقص السواح اثر عمليات الارهابيين، وعن سوء فهم بعض المصريين بخصوص جنوب العراق واعتبار اهاليها وكأنهم تابعون لايران وكيف انه خاض نقاشا مريرا مع المصريين بهذا الخصوص دار حديث عن المرأة وهي التي صارت تشغل المناصب القيادية في مفاصل الدولة.
تذكر الجواهري الدكتورة نزيهة الدليمي وكيف صارت وزيرة للبلديات في العراق في اواخر الخمسينيات. اشاد بقدرات الدكتورة نجاح العطار وامكاناتها الثقافية.
جرت الاشارة الى تانسوشيلر بعد توليها رئاسة الوزراء في تركيا.
بعد مغادرة الضيوف بنصف ساعة، ودعنا الجواهري الى سريره
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:38 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 8 -


صباحاً بدا متردداً بخصوص السفر الى دمشق ، ربما لأنه لم ينم جيداً ليلة أمس ، وربما لأن الاجواء هنا مغرية ومبهجة ، فالجو المشمس والهواء النقي والبحر والتجوال في الممر المحاذي لغرفته وبمسافة مائة وخمسين متراً ،


كل ذلك عناصر تجذبه وتشجعه على البقاء في اللاذقية . لكن معاناته تبدأ مع وجبات الأكل التي لاتنسجم وتوصيات الأطباء .
مساءً قلت له : ساطلب له شوربة دجاج كوجبة عشاء ولما جلبوا الحساء كانت مليئة بقطع من لحم الدجاج فامتعض وبدا منزعجاً لأنه لا يحب تناول اللحوم .
جرى الاتفاق ان ابقى برفقته لمدة يومين او ثلاثة وفي هذه الاثناء تذهب ـ خيال ـ كريمته الى دمشق لتلقي محاضراتها في الجامعة ـ قسم المكتبات ـ يومي السبت والأحد ، ولترجع من جديد وتستمر برفقته حتى نهاية عيد الفطر المبارك.
جرى الاتفاق على ان يكتب رسالة الى السيد وزير الاعلام لمنحي اجازة اعتيادية للبقاء مع الجواهري ولتلافي الفراغ الذي اتركه في اطار البرنامج اليومي الذي اقدمه .
السبت5 / 3 / 1994
صباحاً واثناء تناول الفطور كان يرغب بسماع ارائنا بخصوص سفره كنا نفكر براحته وسعادته والأمر متروك له في ان يبقى أو ان يسافر .
يبدو واثناء الحوار قد استقر به القرار في أن يبقى ، فقالت له كريمته ـ خيال ـ :
انا ذاهبة فقط انتظر منك ان تكتب بضعة سطور للسيد وزير الاعلام غرض السماح لصباح بمرافقتك هنا ، واخبار الاذاعة بذلك .
قال ملبياً طلبها : اجلب ورقة وقلماً وظرفاً فجلبت له ما أراد ، وبينما هو يفكر ما يرغب بأملائه عليّ ، قال مفاجئاً ايانا : غيرت رأيي افكر حتى لو بقيت هنا اسبوعاً او اسبوعين بعد ذلك ماذا .. وحتى متى ؟
قلنا : الامر متروك لك .. نحن يهمنا ان تكون مرتاحاً وكما ترغب .
قال : الافضل ان نسافر سوية .
لم تمض نصف ساعة الا وكنا نستعد للسفر نزلنا الى صالة الفندق ورحنا ننتظر السائق” أبو وائل “ الذي لم يصلنا الا في الثانية عشرة ظهراً وهو يخبرنا بأن السيارة عاطلة وبحاجة الى تصليح وربما يستغرق ذلك ساعة من الوقت او أكثر .
كان الانتظار مرهقاً للجواهري .. الاستياء والتبرم باد عليه ، وبين الحين والحين يلقي باللائمة على السائق ويهدد بالرجوع الى غرفته .
في الساعة الثالثة والربع عصراً ، كانت السيارة جاهزة وبأنتظارنا .. خرجنا على عجل .. وراحت السيارة تطوي الشارع بسرعة ملحوظة ، تمر بالمدن تلو المدن وفي ضوء الانهار ، جهاز التسجيل في السيارة يصدح باغاني حضيري ابو عزيز مزاج الجواهري يتغير شيئاً فشيئاً يصغى باعجاب الى” حمام يلي على روس المباني “ و “ عمي يباع الورد كلي الورد بيش “ واغان اخرى شجية واذا يأخذ التعب منا مأخذه ، نتوقف لدقائق عند بحيرة جميلة وعلى مقربة من” الرستن” الطبيعة ترتدي اجمل اثوابها ـ الاشجار التي تنتشر على طول الطريق تضفي متعة ما من بعدها متعة.
يتذكر الجواهري الطبيعة الخلابة في كردستان .
كذلك في لبنان .
نلتقط العديد من الصور الفوتوغرافية في هذه البقعة الجميلة .
ومرة أخرى تنطلق بنا السيارة صوب حمص فدمشق نصل دمشق ـ البيت ـ مساءً في الساعة السادسة والربع . نتناول غداءً ـ عشاءً .
اقلب الصحف المحلية التي تصل البيت يومياً .
يلفت انتباهي ما تنشره جريدة ـ تشرين ـ ليوم الخميس الفائت، في صفحاتها الاخيرة . وحيث قصيدة الجواهري الاخيرة وبعنوان بارز اخبره بذلك .
واذا تتناقل الاخبار والاذاعات تردى المستوي التعليمي في الجامعات العراقية بسبب من الاوضاع السياسية عامة والاوضاع الاقتصادية خاصة حيث ضآلة المكافآت والاجور والرواتب التي تدفع للاساتذة والمحاضرين وتأثير ذلك سلباً على مدى تحمس الملاك التدريسي لالقاء المحاضرة وبطريقة ترقى الى المستوى العلمي المنشود فضلاً عن تدني كفاءات المحاضرين في ظل الفوضى السائدة .
يعلق الجواهري : ماهذا الذي يحل بالعراق ؟
اين نحن مما كنا ؟
لايسمح بالقاء المحاضرات الا لرؤساء الوزراء في الجامعات ويضرب مثلاً على الدكتور فاضل الجمالي الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق لخمس مرات . فضلاً عن توليه لمرات عديدة وزارة الخارجية وهو يحاضر في جامعة تونس .
ومن التعليم والجامعات ينتقل بنا الحديث عن اقامته او زيارته الى المانيا الديمقراطية عام 1980 وكيف بدأ مأخوذاً امام كل ماهو جميل وعصري .
أذكره هنا بأنني سمعت من الرياضي المعروف كمال شاكر ـ ووزير صحة سابق في اقليم كردستان ـ بأن لك قصيدة جميلة في وصف الصبايا اللواتي يشاركن في الاستعراض الرياضي العالمي في برلين .
تعود به الذاكرة الى تلك اللحظات ، حيث السحر والجمال في ذروته .. ويوم التمعت القصيدة التي تحمل اسم” فرقة الدفاع عن السلام “ .
يحاول استرجاع شريط سينمي ومعها تشع القصيدة .
افأنتن للسلام
من ترى ظلّ للحروب
او زحفاً الى الامام
سلمت هذه الكعوب
لا تلوحن بالسلاح
لديكن ما ينوب
ما تهادى على الصدور
وما ضمت الجيوب
وبما لمّت الرموش
من رؤى عالم تجوب
يا لعينين اسلمت
لهما امرها القلوب
خوفوني بأن من
يدنو منهما يذوب
وبأن ليس تدّر
توبةُ عنهما الذنوب
ولا وعينيك لن أتوب
لن اتوب ، لن أتوب !
وفي الثانية عشرة الا عشر دقائق يتجه الى سريره بعد ان يتعاطى الادوية والحبوب التي اعتادها يومياً
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:40 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 9 -




صباحاً أخبرته بوجود تحشيدات عراقية على خط التماس 36 وكيف ان المعارضة العراقية قد رفعت طلباً الى الامم المتحدة لمراقبة الوضع والحيلولة دون اكتساح المنطقة الآمنة . علق قائلاً : هذا يعني ان الاكراد اوضاعهم صعبة وهناك ما يقلقهم.

يرن جرس الهاتف ، يرفع السماعة ، واذا بها من التلفزيون العربي السوري ، تستأذنه لتسجيل قصيدته الاخيرة” يا باسل الخيل “ وذلك اما يوم الثلاثاء القادم او الاربعاء يبدي موافقته .
حال انتهاء المكالمة ، يستعد لمراجعة القصيدة والسيطرة على حفظها وتسلسها ، بعض الابيات يتذكرها بصعوبة ، بيد انه وبالاستذكار المستمر يمسك بزمامها .
وعبر جهاز تسجيل صغير اعتمده في عملي الاذاعي اسجل القصيدة كاملة واستأذنه في بثها من اذاعة صوت العراق.
عصراً اخبره بنبأ وفاة السلال في اليمن ، فيروي بعضاً من التفاصيل عن انقلابه على الامام البدر وكيف اصبح اول رئيس لجمهورية اليمن .
ليلاً ومن ضمن ما حملته جريدة” الشرق الاوسط “ ليوم امس السبت ، من اخبار ثقافية ، قرأت له خبراً عن صدور مجموعة شعرية بعنوان” جرح باتساع الوطن “ للشاعر يحيى السماوي وتقييم مراسل الجريدة في جدة للمجموعة وكيف انها ضمت نصوصاً نثرية رائعة .
ولم اكتف بذلك ، بل اضفت : الشاعر صديقي .. اعرفه جيداً منذ اواسط الستينيات ، يوم كان يكتب وينثر اشعاره الغزلية والوجدانية على اعمدة جسر السماوة وهو لم يزل طالباً في ثانوية السماوة . انهى دراسته الجامعية من كلية الآداب قسم اللغة العربية لكنه عين في غير اختصاصه وحورب واعتقل وتعرض للتعذيب الوحشي ، كل ذلك بسبب افكاره المتنورة وقد لعب دوراً بارزاً في تأجيج وتفجير انتفاضة آذار المجيدة عام 1991 في مركز السماوة .
واذا تعثرت الانتفاضة وانتكست بفعل ضغوط خارجية اضطر الى الهرب وعبر صحراء السماوة الى الاراضي السعودية ليحط في أحد مخيمات اللاجئين .
قال الجواهري : وأين هو الآن ؟
قلت : في جدة ينشر في الصحف العربية ويعمل في اذاعة المعارضة العراقية التي تبث من هناك. في الساعة الواحدة واربعين دقيقة ليلاً ودعنا الى فراشه .
الاثنين 7 / 3 / 1994
مساءً سألني : ما الجديد في الاخبار ؟
قلت له : دعني أقرأ لك مانشرته” الشرق الاوسط “ ليوم أمس وقد جاء فيها نبأ عن اندلاع الانتفاضة في المحافظات الجنوبية وفي بغداد وضواحيها . وما ان انتهيت من قراءة الخبر واتضح له بان هذه المعلومات مقتبسة من بيان صادر عن احدى حركات المعارضة في لندن ، حتى راودته الشكوك بصحة الخبر وراح يسخر من زعيمها .
كذلك قرأت له خبراً عن تشكيل محكمة خاصة خامسة في العراق .
اخبره نجله” كفاح “ بوصول قصيدة من الشاعر المبدع محمد سعيد الصكار وبخط انيق وجميل وبعنوان” قابس النار “ .
كتب على الغلاف” الجواهري “ وعلى الصفحة الاولى عنوان القصيدة .. اما القصيدة فقد توزعت على عدة صفحات ومذيلة بتاريخ 15 /2 / 1994 أشاد الجواهري بمواهب الصكار وطلب تسليم القصيدة الى كريمته خيال لغرض ارشفتها وحفظها هذا وقد سبق للمبدع الصكار ان خط المطلع الشعري للجواهري وبخط متميز .
انا العراق ، لساني قلبه ودمي
فراته وكياني منه اشطار
فكانت واحدة من اللوحات المعبرة والجميلة التي تزين صالة جلوس الجواهري الحالية في دمشق .
بعد قليل أخبرته بأن سعد صالح جبر قد عقد اجتماعاً وبحضور اكثر من مئة شخصية وبهدف تفعيل دور المعارضة العراقية .
فعلق بالعامية قائلاً :
” شو هذا يغط يغط ويطلع “ كذلك أخبرته بأن صلاح عمر العلي يبدو انه في الأونة الاخيرة بدأ يدافع عن او يتبنى اهداف المؤتمر الوطني بحجة ما من بديل لهذا المؤتمر .
فما كان منه الا ان يعلق بالقول :
العلي كان ممثلاً للعراق في هيئة الامم المتحدة وهو شخصية معروفة على الصعيد العراقي والدولي .
وقبيل انتصاف الليل واذ بث التلفزيون العربي السوري رسالة شكر من الرئيس السوري حافظ الاسد الى الجماهير التي شاركته الاحزان والعزاء بفقد نجله ، كان الجواهري يصغي باهتمام لما يتلى .
وعقب الانتهاء من تلاوة الرسالة .
علق الجواهري :
انها رسالة في الصميم
الثلاثاء 8 / 3 / 1994
نهارا هنأ كريمته خيال بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يصادف هذا اليوم وتمنى لها النجاحات والموفقية .. و أكد اهمية ان يكون للمرأة دور فاعل في بناء المجتمعات الحديثة والحضارية .
طلبت منه كريمته ان ينشد بعضاً من ابيات قصيدته” حييتهن “
فاستجاب لطلبها وراح ينشد:
حييتهن بعيدهن
من بيضهن وسودهن
وحمدت ان يروح شعري قلائداً لعقودهن
اتصل هاتفياً المخرج التلفزيوني المعروف عماد اليافي وابدى رغبته للمجيء الى البيت وبرفقة طاقم التصوير ولغرض تسجيل قصيدة الجواهري” ياباسل الخيل “ فاعتذر الجواهري بسبب وضعه الصحي .. وفعلاً ، حينما نهض صباحاً من نومه كان يشكو من وجع شديد في ساقه . كان قلقاً جداً الى درجة انه طلب مجيء الطبيب لفحصه وعلاجه .
تم الاتفاق على المجيء يوم غد وفي الساعة الحادية عشرة ولتسجيل القصيدة على مائدة الطعام وحيث” التشريب الأبيض “ الشهي وقد اشبع بعصير الليمون الحامض الطازج اخبرته بأنه من المحتمل ان يزورنا هذه الليلة الملحن الشهير سيد مكاوي وبرفقة عادل اليازجي ، لاسماعك ما أنجزه من لحن لقصيدتك .
مساءً علمنا ان الموعد قد تأجل الى وقت آخر .. ربما غداً او بعد غد .
ليلاً وفي الساعة التاسعة زارنا الاستاذ فوزي الراوي ابن عم الكاتب والباحث الراحل الاكاديمي عبد اللطيف الراوي . دار حديث عن الاستاذ الراحل وكيف انه تميز بين اقرانه من اساتذة الجامعة في حمص .
حتى ظهرت فكرة تأسيس او انشاء جامعة اهلية يدرس فيها وقد حصلت موافقة العماد طلاس على انشاء مثل هذه الجامعة.
جرى التطرق الى الوضع في العراق ومعاناة الناس على المستوى المعاشي والاقتصادي .
دار حديث عن عبد الستار الدوري كيف وصل الى دمشق واذا به بعد ايام يسافر الى كردستان للمشاركة في اعمال المؤتمر الوطني .
لقد التحقت به ابنته في براغ وحالياً يقيمان في لندن .
وعن يونس الطائي كيف انه جاء الى سوريا اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية . وقبل حرب الخليج الثانية ذهب الى العراق . وقبل أكثر من عام عاد الى سوريا مرة اخرى .
في العاشرة والنصف ليلاً غادرنا الراوي الى بيته .
هذه الليلة سأل الجواهري عن قيادي بعثي آخر ألا وهو” باقر ياسين “ فتم اخباره بأنه في لندن هو ومحمدرشاد والشيخ راضي يشكلون تياراً في لندن واضفت على قول من سبقني : بأنه اصدر كتاباً على شكل دراسة عن مظفر النواب .
قال الجواهري : لم اسمع بذلك .
واردفت : بل انه اصدر كتاباً جديداً بعنوان” قصائد قتلت أصحابها “ .
قال الجواهري : الموضوع لطيف .. ولكن هل اعطي حقه من التناول والبحث والتحليل ؟
في الساعة الثانية عشرة والنصف ليلاً ودعنا الى سرير نومه
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:42 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 10 -



في الساعة الثانية عشرة ظهراً تم تسجيل قصيدة” يا باسل الخيل والفرسان “ تلفزيونياً وعلى امل ان تبث يوم الثالث والعشرين من آذار وهو يوم مولد الراحل” باسل “ وبعدها تبث القصيدة ـ الاغنية بصوت المطربة الكبيرة ـ ميادة الحناوي ـ ومن الحان سيد مكاوي .


ليلاً قرأت له مانشرته جريدة ـ طريق الشعب ـ في عددها الاخير من زاوية ساخرة وطريفة عن خير الله طلفاح ـ خال الحزب ـ وكيف ان صدام برر التعتيم الاعلامي على وفاته لكي تقلص اللعنات عليه .
وكيف ان طلفاح قبل وفاته اوصى بوصيتين الاولى : ان لايتقاتل اولاده من بعده على ما خلف من ثروة وهي تتجاوز صوبي الكرخ والرصافة .
والثانية ان يدفن في ركن تجاري .
في الساعة الثانية عشرة ليلاً دار حديث عن جريدة” الجمهورية “ البغدادية ومحمد كامل عارف وسعد قاسم حمودي .
اخبرته بأنني حينما كنت طالباً في اكاديمية الفنون الجميلة في أواخر الستينيات كانت لي زاوية اسبوعية بعنوان” نافذة على أكاديمية الفنون “ الى جانب المقالات والمتابعات الاخرى .
كنت أسلم المواد يومها الى الاستاذ سجاد الغازي او الفنان سعود الناصري .
تذكر الجواهري سعد قاسم حمودي باعتزاز وكيف كان يستقبله بحفاوة واحترام .
ومما اشار اليه انه كان يدفع عن نشر أية قصيدة سواء كانت جديدة او قديمة سبعين ديناراً وساعي البريد يوصلها الى البيت .
والأكثر من ذلك انه قال لي ذات يوم :
كم يعطون في جريدة الثورة خمسين ديناراً انا ادفع سبعين ديناراً وانا الممتن .
وأردف : كما انه لم يكن معروفاً عنه الضغط على الشباب العاملين في الجريدة .. ثمة حرية يتمتعون بها .. واورد مثلاً على محمد كامل عارف الذي يقيم في لندن حالياً .
في الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق انقطع التيار الكهربائي ، فأشعلنا شمعة ، وبدا الجو شاعرياً ورومانسياً ، وربما لم يكن كذلك وإلا لماذا صار ينشد الأبيات التالية وبصوت رخيم :
ماذا يراد بنا ؟ واين يسار ؟
والليل داج والطريق عثار
الوحش يربض في الثنايا منذراً
والموت جار بها زار
في الساعة الواحدة والنصف ليلاً ودعنا الى غرفة نومه .
الخميس 10 / 3 / 1994
صباحاً في العاشرة والنصف عرضنا عليه بعض الهدايا المرسلة من قبل الاهل في بغداد وعن طريق الاردن . قطعة قماش ملونة قال عنها : جميلة وزهرية اعجبته زخارفها .
واذ عرف انها من بغداد فقد الهبت لواعجه وأشواقه .. ومن يدري ربما تراءى له شريط ردد البيت الشعري التالي:
ما أروع بغداد واحلاها على ضوء الصباح
غسلت كف السنا كل الجراحات حتى جراحي
وهي من رباعية بعنوان” بغداد في الصباح “ وقد كتبت في النصف الثاني من عام 1960 في الثانية عشرة يعود من جديد الى سرير نومه . ويسافر بعيداً مع احلام يقظته أو نومه .
عصراً اقرأ له مقالة عن نزار قباني نشرتها جريدة ـ نداء الرافدين ـ الناطقة باسم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وقد تضمنت هجوماً عليه لهجومه على العرب والمسلمين في مقاطع من قصيدته الجديدة .
بعدها قرأت له مقالة منشورة في جريدة” الجماهير “ الصادرة عن الحزب الشيوعي الاردني ألقت الضوء على مشاحنات مفتعلة في البرلمان وكيف ان البعض اعتدى على البعض الآخر بالضرب بالايدي او السب والشتم .
علق الجواهري بكلمة واحدة : تخلف
ومن جريدة” بغداد “ الناطقة باسم حركة الوفاق الوطني اخترت له زاوية تدور حول حسين كامل والفراغ الذي تركه بعد إجراء عملية جراحية في رأسه . وموقعة لدى صدام وكيف احتل المناصب المرموقة في الدولة ؟
في المساء بدا متجهماً ومنزعجاً . ربما بسبب قيلولته الاخيرة وما تخللها من احلام وكوابيس مزعجة كان يشعر بالبرد .. وخشية من أن يصاب بالبرد او الرشح شجعناه على النوم .
في الواحدة ليلاً ترك سريره .. وتناول قليلاً من الشوربة . هذه الليلة سأل الجواهري عن عبد الرزاق الصافي فأخبرته بأنه يقيم في كردستان ويشرف على اعلام الحزب الشيوعي .
بعدها قرأت له مقابلة منشورة في جريدة” الوطن “ الكويتية مع الكاتب والاعلامي حسن العلوي يروي فيها توقعاته باندلاع ثورة في الموصل. قزم شفتيه ومطهما ساخراً من تلك التوقعات .
في الساعة الثالثة ليلاً اوصلته الى سرير نومه وغطيته جيداً .. وودعته لينام .
الجمعة 11 / 3 / 1994
ظهراً قرأت له لقاء مع الشاعر عبد الوهاب البياتي اجرته واياه جريدة” اخبار الادب “ المصرية ومن خلال اللقاء نتعرف الى ان ابنته” نادية “ قد توفيت في أميركا وانه عاد الى العراق ليستقر فيها .. لكنه وبسبب وفاتها وقبل حرب الخليج بفترة وجيزة ، خرج ليشيعها ، واذا بإندلاع حرب الخليج ، فبقي في عمان وحتى يومنا هذا . وانه انسان بسيط ومتواضع وفقير . المفردة الاخيرة اثارت الجواهري فعلق قائلاً :
اي فقر هذا ، ورواتبه متواصلة في اسبانيا حيث كان يعمل في المركز الثقافي العربي ؟
يدعي النفي والتشرد والفقر وهو يعيش على احسن مايرام .
في التاسعة ليلاً زارنا الدكتور الراحل فاضل الانصاري وزوجته” سلوى “ وابدى ملاحظته بشأن إلقاء اليازجي لقصيدة الجواهري الاخيرة في الحفل التأبيني وكيف كان مسرعاً في الالقاء .
وأذ اخبره الجواهري بأن القصيدة قد سجلت بصوته للتلفزيون ابدى ارتياحه وفرحه .
في الساعة الواحدة ليلاً ودعنا الجواهري الى سرير نومه .
السبت 12 / 3 / 1994
عصراً اخبرته برحيل كل من شاكر خصباك وعبد المسيح ثروت وقرأت له مواضيع في الصحف العراقية الصادرة ما بين شباط وآذار الحالي ومنها موضوعات عن” النجف “ و” علي الغربي “ نقلاً عن “ الف باء “ . و”الجمهورية “ .
وزاوية عن سعيد قزاز نشر في جريدة” الاتحاد “ الصادرة عن الاتحاد الوطني الكردستاني .
كذلك لقاء مع الممثل رضا الشاطي ولقاء آخر مع معمر الممثل الذي تجاوز التسعين ويتحدث عن ذكرياته في شهر رمضان . واخبار اخرى طريفة ومتنوعة .
بعدها سألني عن يونس الطائي : فرويت له تفاصيل المشادة التي حصلت بينه وبين هادي الحافظ . ابو انتصار ـ في اعقاب ندوة ثقافية وسياسية عن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 اقامتها رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين في دمشق .
الدكتور محمد جواد فارس طلب من ابي انتصار ان يراجعه الى عيادته الطبية في دير ياسين .
وخلال زيارته للعيادة ابدى الدكتور تقديره لمداخلته مع عتب وتساؤل لماذا لم تتم دعوة يونس الطائي الى الأمسية . رد الحافظ : بأن الدعوة من شأن الجهة المنظمة للفعالية بل واضاف : ومن هو هذا حتى يستضاف ؟
أليس هو الذي كان يسب ويشتم الشعب العراقي ؟
ولم يكن يعلم الحافظ بأن الطائي يجلس ايضاً في عيادة الدكتور ويستمع الى ما قيل .
وهنا راح يتهجم على التقدميين واليساريين ويسبهم .
فما كان من” الحافظ “ الا ان يقول :
لو كنت أعلم هذا” ...... “ في عيادتك لما جئتك .
واحتدم النقاش بين الطرفين .
وانتهى الأمر اخيراً بأن يبصق الحافظ على الطائي ويترك المكان .
وقد حدثني الحافظ كيف انه بعد مضي فترة تسلم مذكرة من مركز الشرطة فيها شكوى عليه من قبل الطائي عقدت الجلسة الاولى .. والجلسة التالية تأجلت الى الرابع عشر من نيسان المقبل .
استغرب الجواهري من وجود عنصر مثل الطائي هنا في دمشق وهو الذي اساء كثيراً الى الشعب العراقي فيما مضى .
قلت له : انه يملك بيتاً في عين الخضرة .
وهنا تذكر الجواهري كيف ان علي سنجاري ذات مرة وحينما كان يرقد في المستشفى ، اتصل بالطائي “ ربما كان يريد ان يجس نبضي ان كنت اقبل استقباله أم لا ؟ لم أحرك ساكناً “
كذلك قرأت له هذه الليلة مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد المنشورة في جريدة القادسية . الحلقة 48 وهي تدور عن مدينة مندلي وأشعاره عنها .
في الواحدة والنصف ليلاً ودعنا الى سرير نومه
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:48 PM
الجـواهري فـي أعوامـه الأخــيرة - 10 -



في الساعة الثانية عشرة ظهراً تم تسجيل قصيدة” يا باسل الخيل والفرسان “ تلفزيونياً وعلى امل ان تبث يوم الثالث والعشرين من آذار وهو يوم مولد الراحل” باسل “ وبعدها تبث القصيدة ـ الاغنية بصوت المطربة الكبيرة ـ ميادة الحناوي ـ ومن الحان سيد مكاوي .


ليلاً قرأت له مانشرته جريدة ـ طريق الشعب ـ في عددها الاخير من زاوية ساخرة وطريفة عن خير الله طلفاح ـ خال الحزب ـ وكيف ان صدام برر التعتيم الاعلامي على وفاته لكي تقلص اللعنات عليه .
وكيف ان طلفاح قبل وفاته اوصى بوصيتين الاولى : ان لايتقاتل اولاده من بعده على ما خلف من ثروة وهي تتجاوز صوبي الكرخ والرصافة .
والثانية ان يدفن في ركن تجاري .
في الساعة الثانية عشرة ليلاً دار حديث عن جريدة” الجمهورية “ البغدادية ومحمد كامل عارف وسعد قاسم حمودي .
اخبرته بأنني حينما كنت طالباً في اكاديمية الفنون الجميلة في أواخر الستينيات كانت لي زاوية اسبوعية بعنوان” نافذة على أكاديمية الفنون “ الى جانب المقالات والمتابعات الاخرى .
كنت أسلم المواد يومها الى الاستاذ سجاد الغازي او الفنان سعود الناصري .
تذكر الجواهري سعد قاسم حمودي باعتزاز وكيف كان يستقبله بحفاوة واحترام .
ومما اشار اليه انه كان يدفع عن نشر أية قصيدة سواء كانت جديدة او قديمة سبعين ديناراً وساعي البريد يوصلها الى البيت .
والأكثر من ذلك انه قال لي ذات يوم :
كم يعطون في جريدة الثورة خمسين ديناراً انا ادفع سبعين ديناراً وانا الممتن .
وأردف : كما انه لم يكن معروفاً عنه الضغط على الشباب العاملين في الجريدة .. ثمة حرية يتمتعون بها .. واورد مثلاً على محمد كامل عارف الذي يقيم في لندن حالياً .
في الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق انقطع التيار الكهربائي ، فأشعلنا شمعة ، وبدا الجو شاعرياً ورومانسياً ، وربما لم يكن كذلك وإلا لماذا صار ينشد الأبيات التالية وبصوت رخيم :
ماذا يراد بنا ؟ واين يسار ؟
والليل داج والطريق عثار
الوحش يربض في الثنايا منذراً
والموت جار بها زار
في الساعة الواحدة والنصف ليلاً ودعنا الى غرفة نومه .
الخميس 10 / 3 / 1994
صباحاً في العاشرة والنصف عرضنا عليه بعض الهدايا المرسلة من قبل الاهل في بغداد وعن طريق الاردن . قطعة قماش ملونة قال عنها : جميلة وزهرية اعجبته زخارفها .
واذ عرف انها من بغداد فقد الهبت لواعجه وأشواقه .. ومن يدري ربما تراءى له شريط ردد البيت الشعري التالي:
ما أروع بغداد واحلاها على ضوء الصباح
غسلت كف السنا كل الجراحات حتى جراحي
وهي من رباعية بعنوان” بغداد في الصباح “ وقد كتبت في النصف الثاني من عام 1960 في الثانية عشرة يعود من جديد الى سرير نومه . ويسافر بعيداً مع احلام يقظته أو نومه .
عصراً اقرأ له مقالة عن نزار قباني نشرتها جريدة ـ نداء الرافدين ـ الناطقة باسم المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وقد تضمنت هجوماً عليه لهجومه على العرب والمسلمين في مقاطع من قصيدته الجديدة .
بعدها قرأت له مقالة منشورة في جريدة” الجماهير “ الصادرة عن الحزب الشيوعي الاردني ألقت الضوء على مشاحنات مفتعلة في البرلمان وكيف ان البعض اعتدى على البعض الآخر بالضرب بالايدي او السب والشتم .
علق الجواهري بكلمة واحدة : تخلف
ومن جريدة” بغداد “ الناطقة باسم حركة الوفاق الوطني اخترت له زاوية تدور حول حسين كامل والفراغ الذي تركه بعد إجراء عملية جراحية في رأسه . وموقعة لدى صدام وكيف احتل المناصب المرموقة في الدولة ؟
في المساء بدا متجهماً ومنزعجاً . ربما بسبب قيلولته الاخيرة وما تخللها من احلام وكوابيس مزعجة كان يشعر بالبرد .. وخشية من أن يصاب بالبرد او الرشح شجعناه على النوم .
في الواحدة ليلاً ترك سريره .. وتناول قليلاً من الشوربة . هذه الليلة سأل الجواهري عن عبد الرزاق الصافي فأخبرته بأنه يقيم في كردستان ويشرف على اعلام الحزب الشيوعي .
بعدها قرأت له مقابلة منشورة في جريدة” الوطن “ الكويتية مع الكاتب والاعلامي حسن العلوي يروي فيها توقعاته باندلاع ثورة في الموصل. قزم شفتيه ومطهما ساخراً من تلك التوقعات .
في الساعة الثالثة ليلاً اوصلته الى سرير نومه وغطيته جيداً .. وودعته لينام .
الجمعة 11 / 3 / 1994
ظهراً قرأت له لقاء مع الشاعر عبد الوهاب البياتي اجرته واياه جريدة” اخبار الادب “ المصرية ومن خلال اللقاء نتعرف الى ان ابنته” نادية “ قد توفيت في أميركا وانه عاد الى العراق ليستقر فيها .. لكنه وبسبب وفاتها وقبل حرب الخليج بفترة وجيزة ، خرج ليشيعها ، واذا بإندلاع حرب الخليج ، فبقي في عمان وحتى يومنا هذا . وانه انسان بسيط ومتواضع وفقير . المفردة الاخيرة اثارت الجواهري فعلق قائلاً :
اي فقر هذا ، ورواتبه متواصلة في اسبانيا حيث كان يعمل في المركز الثقافي العربي ؟
يدعي النفي والتشرد والفقر وهو يعيش على احسن مايرام .
في التاسعة ليلاً زارنا الدكتور الراحل فاضل الانصاري وزوجته” سلوى “ وابدى ملاحظته بشأن إلقاء اليازجي لقصيدة الجواهري الاخيرة في الحفل التأبيني وكيف كان مسرعاً في الالقاء .
وأذ اخبره الجواهري بأن القصيدة قد سجلت بصوته للتلفزيون ابدى ارتياحه وفرحه .
في الساعة الواحدة ليلاً ودعنا الجواهري الى سرير نومه .
السبت 12 / 3 / 1994
عصراً اخبرته برحيل كل من شاكر خصباك وعبد المسيح ثروت وقرأت له مواضيع في الصحف العراقية الصادرة ما بين شباط وآذار الحالي ومنها موضوعات عن” النجف “ و” علي الغربي “ نقلاً عن “ الف باء “ . و”الجمهورية “ .
وزاوية عن سعيد قزاز نشر في جريدة” الاتحاد “ الصادرة عن الاتحاد الوطني الكردستاني .
كذلك لقاء مع الممثل رضا الشاطي ولقاء آخر مع معمر الممثل الذي تجاوز التسعين ويتحدث عن ذكرياته في شهر رمضان . واخبار اخرى طريفة ومتنوعة .
بعدها سألني عن يونس الطائي : فرويت له تفاصيل المشادة التي حصلت بينه وبين هادي الحافظ . ابو انتصار ـ في اعقاب ندوة ثقافية وسياسية عن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 اقامتها رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين في دمشق .
الدكتور محمد جواد فارس طلب من ابي انتصار ان يراجعه الى عيادته الطبية في دير ياسين .
وخلال زيارته للعيادة ابدى الدكتور تقديره لمداخلته مع عتب وتساؤل لماذا لم تتم دعوة يونس الطائي الى الأمسية . رد الحافظ : بأن الدعوة من شأن الجهة المنظمة للفعالية بل واضاف : ومن هو هذا حتى يستضاف ؟
أليس هو الذي كان يسب ويشتم الشعب العراقي ؟
ولم يكن يعلم الحافظ بأن الطائي يجلس ايضاً في عيادة الدكتور ويستمع الى ما قيل .
وهنا راح يتهجم على التقدميين واليساريين ويسبهم .
فما كان من” الحافظ “ الا ان يقول :
لو كنت أعلم هذا” ...... “ في عيادتك لما جئتك .
واحتدم النقاش بين الطرفين .
وانتهى الأمر اخيراً بأن يبصق الحافظ على الطائي ويترك المكان .
وقد حدثني الحافظ كيف انه بعد مضي فترة تسلم مذكرة من مركز الشرطة فيها شكوى عليه من قبل الطائي عقدت الجلسة الاولى .. والجلسة التالية تأجلت الى الرابع عشر من نيسان المقبل .
استغرب الجواهري من وجود عنصر مثل الطائي هنا في دمشق وهو الذي اساء كثيراً الى الشعب العراقي فيما مضى .
قلت له : انه يملك بيتاً في عين الخضرة .
وهنا تذكر الجواهري كيف ان علي سنجاري ذات مرة وحينما كان يرقد في المستشفى ، اتصل بالطائي “ ربما كان يريد ان يجس نبضي ان كنت اقبل استقباله أم لا ؟ لم أحرك ساكناً “
كذلك قرأت له هذه الليلة مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد المنشورة في جريدة القادسية . الحلقة 48 وهي تدور عن مدينة مندلي وأشعاره عنها .
في الواحدة والنصف ليلاً ودعنا الى سرير نومه
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:50 PM
إن العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطار


كاظم حسوني

ليس بجديد القول ما يمثله الجواهري من ظاهرة ثقافية استثنائية ما تزال حاضرة بيننا، بما فتحته للشعر العربي من آفاق جديدة، ولعبته قصائده من دور كان الأكثر اتساعا وانتشارا وتداولا بين الأجيال. في أثرها البالغ في تحريض الشارع وتحريك الجماهير خاصة في حقبة الاربعينيات والخمسينيات،
اذ عبرت قصائده عن مواقفه السياسية الشجاعة، التي التقى عندها سياسيو العراق ومثقفوه ومختلف شرائح الشعب المتعطشة للأمل والحرية حتى عرضته للنفي عن الوطن عدة مرات، مثلما عبرت قصائده عن تداعيات الشارع والاحداث والتحولات، والوقوف في وجه السلطات الحاكمة، حتى بات رمزا وطنيا يمثل المظلة والخيمة التي تستظلها الجماهير بمختلف أطيافها او انتماءاتها واحزابها، ومن هنا كان ولاء الجواهري للعراق كله. ونظرا لتعاظم دوره وارتفاع مكانته لدى الجميع، تنادت كل من احزاب اليسار واليمين على حد سواء، وراح كل منها يدعي بولاء الجواهري له في محاولة منها لتقوية نفوذها، لاستمالة الجماهير الى صفها، وتأكيد هويتها الوطنية.. برغم علمها ان الجواهري لم يحجر نفسه داخل اطار سياسي معين.
وفي هذا الشأن عبرت مجموعة من الادباء والمثقفين عن وجهات نظرها ورؤاها الخاصة بشأن هذا الجانب الحيوي في حياة شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري.

يوم أسقطت الجنسية عن الجواهري صار رمزا للعراق والممثل الحقيقي لشعبه
محمد حسين آل ياسين
يرى الشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين ان الجواهري لم يكن له اي ولاء سياسي بالمعنى الذي نتلمسه عند الشعراء الحزبيين، فلم يتمحض لحزب او تيار او فئة فيرهن صوته للون واحد، ويقيد شعره بقيد الانتماء السياسي الضيق، لانه ادرك انه لو فعل ذلك لسقط في التقرير والمباشرة ولتحولت قصائده الى شعارات جافة خالية تماما من الابداع والسحر اللذين يشيعان في شعره شيوعا يندر مثيله، وكل الامثلة على وقوع الشعراء في اسر اللون السياسي الواحد اثبتت صحة هذه الفكرة، فقد عاصر الجواهري عدداً من الشعراء الذين اختاروا هذا الولاء السياسي لاحزابهم وتياراتهم فماذا قدموا غير نثر رديء ولكنه موزون مقفى خال من الشعر، على الرغم من الشهرة التي كتبت لهم في حياتهم لحاجة احزابهم الى قصائدهم لدعم مواقفهم وكسب مؤيديهم، ولكن اين هم اليوم في الميزان النقدي الموضوعي الذي لا ينظر الا الى الفن والابداع، فاختار الجواهري منذ بداياته ان يكون ولاؤه لشعره من خلال ولائه المطلق لنفسه ورغباتها وطموحاتها، فوفى وفاء منقطع النظير لمصلحته من خلال اخلاصه لانفعاله الفني وصدقه ومع تجربته فتحرر من القيود وانطلق في افاقه طيرا يملك الفضاء كله يغرد كيف يشاء وانى يشاء بالمسوغ الذي يقتنع به ويقنع به، ولو لم يفعل ذلك لما كان الجواهري ولما كان شعره، وهذه سنة اسلافه الكبار من شعراء العرب الذين يمثل الجواهري امتدادهم المعاصر الذي يفصح عن عودة المتنبي او ابي تمام او البحتري او المعري شامخا فيه رافلا بهذه الحرية التي سمت عن الوقوع في مطب الولاء السياسي القاتل، والا فبربّك قل لي ما لون الولاء السياسي الذي انطلق منه الجواهري في كتابة قصائده في: الملك فيصل الاول، والملك فيصل الثاني وولي عهد العراق والوصي عبدالاله والملك حسين والملك الحسن الثاني وجمال عبدالناصر وستالين واحمد حسن البكر والسيد الخامنئي، هل يمكن صاحب هذه القصائد ان يكون منطلقا من ولاء سياسي معين، ثم انظر كيف برر مثلا مدحه للملك الحسن الثاني حين لامه عليه بعض اصدقائه اليساريين اذ قال ان الملك اشعل لي السيكارة بيده، ومثل ذلك في تبريره كتابة قصيدته في الملك حسين اذ قال: انه سيد ابن رسول الله وغمرني بالحفاوة والكرم، وامثال ذلك مما اعتقد جازما انه لم يكن السبب الحقيقي في كتابة القصائد ولكنه لا يريد ان يفصح تماما عن ان مصلحته المتمثلة بالشهرة وعلّو المكانة والاضواء الكاشفة والنظرة التاريخية نفسها التي قرأها في سيرة المتنبي مع سيف الدولة وعضد الدولة وسيرة ابي تمام مع المعتصم والبحتري مع المتوكل، اذ وجد نفسه معجبا بصلة الشاعر بالحاكم ففعل ما فعل اسلافه لانه يرى وما رأه صحيحاً انه ليس اقل منهم مكانة ولا اصغر موهبة ولا اضأل طموحا تاريخيا، ولم يجد الجواهري مانعا نفسيا من ان يلعب لعبة الاستغلال المتبادل مع بعض الاحزاب والتيارات ما دام الامر يعود على مشروعه الشعري بالفائدة، فيتبنى في مرحلة معينة فكرا يخدمه بشعره ليتبنى الفكر نفسه حزبا كان او تيارا الجواهري فينسبه اليه ويعلي شأنه ويعمل على شهرته وذيوع قصائده بالشكل الذي يرضي الجواهري، كالذي كان بينه وبين الشيوعيين مثلا، فافاد منهم اكثر بكثير من افادتهم منه، ذلك ان الجواهري افلت من لونهم بقصائد اخرى كثيرة تبعد عنه شبهة الانتماء والولاء، في حين حصل منهم على ما يريد شهرة وذيوعاً كان الحزب الشيوعي قادرا على تهيئتهما حين يشاء. للشعراء وغير الشعراء اذا تحققت الفائدة منهم، فكيف اذا كان الشاعر الذي يتحدث باللسان الشيوعي هو الجواهري، غير ان الامر لا يعدو ان يكون ـ من جهة الجواهري ـ مرحليا، والا فبماذا نفسر زيارته الى ايران الاسلامية ولقاءه بالمرشد الاعلى ومدحه، وبماذا ستخرج مقارنة هذه القصيدة المكتوبة لآية الله بقصيدته في ستالين مثلا، انها الحرية التي حرص الجواهري عليها لنفسه وشعره وراهن عليها ورسم بها سلطته الشعرية التي هزت العروش واخافت الساسة واجلسته على القمة، ذلك انه في الوقت نفسه ابرع شاعر عربي في تناول السياسة شعريا وتطويعها للفن، فلا يعهد في الشعراء قدماء ومحدثين من امتلك قدرته في ان يجعل من السياسة شعرا، على الرغم من ان المكتوب باسم الشعر في السياسة كثير، يشيع فيه الصراخ والجفاف والقوالب الجاهزة واللغة الحجرية، اما ان تتحول السياسة، وهي سلوك غير شعري اصلا، الى قصائد تقطر ادهاشا وتأثيرا وافصاحا عن قدرة الجواهري وطاقته الهائلة على التعبير الجميل، فنادر جدا في كل الشعر العربي، فوقفة نقدية فاحصة امام قصائده: عدنان المالكي، جعفر ابو التمن، اخي جعفر، مؤتمر المحامين، تونس، دمشق،عبدالحميد كرامي، هاشم الوتري، بيان 11 اذار، وسواها تكشف بجلاء انه استطاع فيها ما لم تستطعه قرون من الشعر واجيال من الشعراء. غير ان الجواهري بتمسكه بهذا التحرر من قيد الولاء السياسي، خلق له خصوما، يكونون مرة الحكام انفسهم، فكم ذا دخلت عليه فوجدته غاضبا من تصرفات الرسميين معه ومحاربتهم لتألقه بكل الوسائل ومحاولة فرض الوصاية عليه، كمثل قصة تصريحه الشهير بخصوص زيارة الرئيس السادات الى القدس، التي سماها الاعلام بزيارة العار، التي لم يرق للنظام ما قاله الجواهري، اذ كانوا يريدون منه ان يتحول الى ببغاء في جو مشحون يتعالى فيه الضجيج وتبادل الشتائم، وانى للجواهري المعتد بنفسه واستقلاله ان يخضع لاحد فيما يقول او يكتب، حتى اضطر الى مغادرة العراق، وقد يكون خصومه مرة اخرى هم الحزبيين الذين ضاقت نظرتهم فضاقوا بحرية الجواهري كالذي تفصح عنه قصيدته الذائعة الصيت (ته يا ربيع) التي كتبها عام ثلاثة وخمسين للملك فيصل الثاني مباركا فيها تتويجه ملكا على العراق، فقد سببت ردود افعال عنيفة صدرت من قوى واحزاب وشخصيات معارضة تندد بالقصيدة وتلومه على نظمها وتأخذ عليه، وهو الذي يدّعي لبوس اليسارية، كتابتها في ظل ظروف سياسية واجتماعية معقدة، حتى بلغ الامر بالشاعر محمد صالح بحر العلوم الى شتمه بقصيدة شاعت وذاعت على ألسنة كثيرين لظرافتها من جهة، ولتعبيرها عن رأي شارع معارض للنظام استكثر على الجواهري الوطني ان يقول في رمز نظام ملكي رجعي مرتبط بالاستعمار مثل هذه القصيدة التي تعبر عن مصلحة شخصية مبالغة في الذاتية والانانية ومعاكسة التيار، وكان بحر العلوم قد نظمها على وزن وقافية وروي قصيدة الجواهري عاكسا عليه بعض الفاظها وصيغها (صه يا رقيع)، وقد ادى ذلك بالجواهري الى الهرب من قصيدته والتنكر لها مع انها من الناحية الفنية من غرر شعره وعرائسه، وكأنه احس بخطأ ستراتيجي وقع فيه، فلم يذكرها ولا يسمح بذكرها امامه ولم ينشرها في طبعات دواوينه التي صدرت بعد عام كتابتها الى ان توفي، وكأنه كان يخشى انه اذا قرئت قصيدته فستذكر القراء بقصيدة بحر العلوم فالذاكرة تستدعيها تلقائيا لتشابه البناء العروضي ولرسوخها في ذاكرة عراقيين كثيرين.
وكان من اروع انعكاسات عدم الولاء السياسي عند الجواهري انه كان يغير موقفه من الجهة السياسية نفسها أو الشخصية السياسية التي سبق ان ذمها او مدحها، ممهدا لنفسه طريق الحرية الذي يكفل فيه الاخلاص للحظته الانفعالية الراهنة ومشاعره الآنية، فلا ممدوح يبقى ممدوحا دائما ولا مهجو يظل مهجوا دائما، هذا امر لا يستطيعه الشاعر الملتزم بموقف سياسي او منهج حزبي، اذ عليه ان يقبل ويتمثل كل ما يقتضيه هذا الالتزام وان لم يتطابق مع رأيه في موقف معين او قضية خاصة، فكثيرا ما هجا الجواهري ممدوحا سابقا كما فعل مع بعض رموز الحكم الملكي، او يغير موقفه او صداقته او علاقته كما فعل مع عبدالكريم قاسم فقد تبنى في شعره ثورة 14 تموز وعبدالكريم قاسم في قصائد كثيرة معروفة، ثم كان ما كان من الخلاف الحاد مع عبدالكريم وسجنه ومن ثم اهانته باطلاق سراحه بكفالة قدرها (50) خمسون فلسا ولجوئه الى براغ، وهكذا كان شاعرا يعرف كيف يخلص لانفعاله ويقدس لحظة الصدق الفني في الكتابة، ما دام بشرا يحب ويكره ويتقلب في عواطفه ومشاعره كما كان الاخرون مواقف متباينة وسلوكا متقلبا، فمن الطبيعي ان يكون صداه عنده كذلك، فما العيب في تحول الشاعر بل هو الحرية من الاسر والانفلات من عقال الجبر والقسر، ولهذا كان يحلم بمثل هذه الحرية لوطنه، ذلك ان وطنية الجواهري وانتماءه الصميم العميق الى العراق من ابرز خصائصه الشخصية والفكرية، فمثل هذه الوطنية لا تحتاج الى حزب ليصل اليها، بل هي في روحه ووجدانه وعقله وضميره وجيناته بل هي هو بلا فرق، وهي مما تفصح عنها قصائده من جهة ومواقفه وكفاحه من جهة اخرى، فديوانه الضخم المطبوع بسبعة مجلدات، الذي يضم شعر ثمانين سنة، زاخر بشعره المنافح عن العراق وشعبه وترابه ومائه، والمتغني بآماله وتطلعاته وشهدائه، والساعي به الى غد مشرق سعيد، بكى في شعره على الجائع الفقير وقارع الاستعمار واذنابه من الحكومات والاحزاب والساسة، وكانت هذه القصائد تمس شغاف القلب وتضرب على اوتار الاضلاع، فحفظتها الجماهير وهتفت بها وخطتها على قلوبها وشعاراتها، فتقدمت أبياته المظاهرات، فحورب وطورد واعتقل وسجن وشرد ونفي، وصبر هو وعائلته الصبر الجميل، وقدم منهم الشهداء، ودفع عمره مهرا للغد المشرق الذي تمناه للعراق وشعبه، غربة دائمة متنقلة، لم يسلم منها جسده بعد وفاته فدفن خارج بلده.
واذكر له موقفين وطنيين من آلاف المواقف، اضرب بهما المثل على غيرهما: الاول: انه كان كلما ذكرت اسماء الشعراء امامه، اعلى من شأن الرصافي واشاد بوطنيته، وذم الزهاوي وعاب عليه قصائده المرحبة بالانكليز في احتلالهم للعراق، وقد وثق الاستاذ صباح المندلاوي تعليقه بهذا المضمون فيما كتبه ونشره من قراءاته للجواهري، والثاني: انه في حضوره مؤتمر احزاب وقوى المعارضة في بيروت عام 1991 ذكر المؤتمرين المتحمسين لحرب اميركا وحلفائها على العراق، بأن لا ينسوا ان اقداما اجنبية غازية تمشي على تراب العراق الطاهر، وكانت هذه المسألة عنده مهمة كأهمية العمل السياسي الوطني الذي يريد انقاذ العراق، وصدق الدكتور محمود امين العالم حين قال في مهرجان تكريم الجواهري في دمشق:
انه في اليوم الذي أسقط النظام السابق الجنسية عن الجواهــري، صار رمزا للعــراق والممثل الحقيقي لشعبه.
__________________

sarmad1960
10-26-2006, 05:54 PM
تاريخ العراق السياسي النسيج الأبرز في شعر الجواهري
جمال العتابي
ويقول الكاتب والإعلامي الدكتور جمال حسن العتابي ان الجواهري عاش في خضم احداث العراق بكل تفاصيلها وشهد احداث العالم العربي والعالم خلال قرن من الزمن شهد حربين كونيتين هزائم وانتصارات لحكومات وشعوب وانهيارات وانكسارات لحركات تحرر.. صراعات وتحولات في انظمة وسياسات عاصرها الجواهري متفاعلا وفاعلا ومشدودا لها فهل يمكننا ان نختصر قرنا من الزمان؟ هو حياة الجواهري كلها تمثلها شعرا كشاهد على عصر وتاريخ؟
ومنذ عهد ليس بالقريب ظلت الحياة السياسية ممهورة برموز رجالاتها من السياسيين او المنظرين الذين لا يشغلهم سوى التأمل الايديولوجي المجرد فهل تخيل الجواهري نفسه انه راغب في اعادة الحياة وعليه ان يوسع احلام جمهوره؟ بمواقف في الشعر والسياسة فوجد نفسه في معارك التحرر الوطني والاجتماعي يخوضها شعرا وحامل قضية فكان للناس حضورهم الاساس في الشعر، كما كان للشعر حضوره المهم وفعله في الناس.
ولنفترض نحن كذلك ان يجد الجواهري نفسه بعيدا عن الاطار السياسي والاجتماعي وحركة المجتمع التي افرزت تقاربا في المواقف من قضايا الناس فهل كان بمقدوره ان ينسجم بفكره وكيانه ووجدانه خارج هذا المناخ؟ للاجابة عن هذه الاسئلة نقول: ان الشاعر الجواهري كان في قلب العصر وقلب الصراع السياسي- الاجتماعي الى جانب قوى التغيير والتقدم بل لعله كان النسيج الابرز في شعره فجاءت قصائده مشحونة دائما بعبق التاريخ السياسي الوطني العراقي وحرارته بكل تجلياته ومشحونة كذلك بحرارة ذلك التاريخ في ابرز قضاياه ومعاركه المحتدمة قصائد تغيير وتحريض تقحم لعنة ازيز الرصاص اقدم فأنت مع الاقدام منطبع.
وقوله:
يقولون من هم اولاء الرعاع
فافهموا بدم من همو
وتعددت الاغراض الوطنية والاجتماعية والانسانية في شعره دفاعا عن الحرية والعدل والحق وتعد القصائد في هذه الاغراض سجلا للحركة الوطنية في بلاد الرافدين وتاريخها خلال قرن كامل.
يروي الجواهري في مذكراته قصة قصيدته (هاشم الوتري) اذ يقول: كان الجو السياسي محتدما وكنت اشعر ان الواجب يقضي بان احدد موقفي وكان كل شيء يدفع الى الحدية الجو السياسي، المناسبة، شخص نوري السعيد، شخص الجواهري، كنت موطنا نفسي حتى الموت، وحل اليوم الموعود، كانت القصيدة قد اكتملت وامضيت في الالقاء حتى النهاية.
كان الجواهري متحديا بابعد ما يحمله التحدي من معان وصب غضبه مدويا على قتلة اخيه (جعفر) في وثبة كانون 1948 في تلك الايام العاصفة كان من الطبيعي ان يعيد الجواهري صياغة الحدث شعرا بحماسة وحدة واندفاع وكانت وسيلته الاكثر فعالية في تحديه ومواجهة النظام عبر الاحداث الجسام والمهمات الصعبة:
بماذا يخوفني الارذلون
ومم تخاف صلال الفلا
بلى، ان عندي خوف الشجاع
وطيش الحليم وموت الردى
ويلجأ الجواهري احيانا الى لغة التحريض لينقل الشعر السياسي بها الى مستوى اخر من السخرية والتهكم فيقول:
نامي جياع الشعب نامي
حرستك آلهة الطعام
نامي فان لم تشبعي
من يقظة فمن المنام
وقد يستحيل الخطاب الشعري السياسي الى حنين جارف بـ(معلقته) الخالدة (يا دجلة الخير):
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتين
ان المزية الاهم لشاعرنا الجواهري هي حساسيته المفرطة تجاه الاحداث واستجابته الدائمة والسريعة لتطوراتها منحازا الى شعبه داعيا للوقوف الى جانب المضطهدين وهو في حركته الدائبة هذه بين ان يؤسس حزب الاخاء الوطني مع الشخصية الوطنية سعد صالح او يجالس كامل الجادرجي ويلتقي على غير موعد مع (فهد) ويصبح احد مؤسسي حركة السلم العراقية وعضو مجلس السلم العالمي الى جانب نيرودا وناظم حكمت وجوليوس كوري وغيرهم من قمم العلم والفكر والثقافة في العالم.
وعلى صلة بحركات اليسار (بالشمال كما يسميه) وظل وفيا لقيم الخير النبيلة مدافعا عن حقوق الشعوب كما يقول:
وانا لسان الشعب كل بلية
تأتيه احمل ثقلها واصور
ومع ان العديد من النقاد حاول ان ينسب الجواهري الى حزب او حركة سياسية وعدد غير قليل من خصومه اتهموه بالارتباط بالحزب الشيوعي العراقي الا ان الامر لم يكن يتعدى محاولات التحريض والتضليل التي مارسها الخصوم ذلك ان الثابت هو ان الجواهري لم يرتبط يوما ما بهذا التنظيم مع انه كان يحتفظ بعلاقات ود وصداقة مع قيادات ذلك الحزب مثلما كانت له علاقات حميمية مع الكثير من رموز الحركة الوطنية العراقية منطلقا من مواقفه الوطنية لا الشخصية التي تعرض بسببها الى السجن والاعتقال والنفي واختيار الغربة ليواصل بعناد اشد معارضته للانظمة الديكتاتورية وهو وان غادر وطنه مرغما الا انه ما انفك يحمل هذا الوطن بين ضلوعه اينما اتجه او رحل.
انا (العراق) لساني قلبه ودمي
فراته وكياني منه اشطار
وفي بعض اشعار الجواهري لغة السياسي الحاذق الخبير بالاساليب الماكرة وقدرة في استشراق المستقبل وفهم لسلوك السياسيين ففي قصيدة (تحرك اللحد) خاطب بكر صدقي رئيس وزراء الانقلاب العسكري عام 1936:
تصور الامر معكوسا وخذ مثلا
مما يجرونه لو انهم نصروا
والله لاقتيد (زيد) باسم (زائدة)
ولاصطلى (عامر) والمبتغى (عمر)
قبل سبعين عاما يصور الجواهري الكبت السياسي العراقي ليعيد الى الاذهان اليوم المشهد المأساوي المرعب، اذ تتفاخر الطوائف بانتصارات مزعومة في ساحات القتل العراقي!! فهل هي نبوءة الشاعر ام السياسي؟

الجواهري ..عراق وضمير يمشي على الأرض
وجيه عباس
فيما عبرّ الشاعر وجيه عباس برأيه قائلا:
كان لرمي عمامته في الكُناسة (كما أثبتها نفسه)، أثر كبير في حياة الجواهري السياسية وما تلاها، حتى مفارقته سياسة الحياة الجائرة التي حكمت عليه بالنفي والدفن غريبا عن بلاده التي تغنّى بها،وكان السبب الوحيد الذي وقع تحت طائلته انه لم يكن سياسيا حتى يأمن تقلبات الأجواء السياسية الشبيهة بأجواء العراق المناخية.
منذ ان وطأت قدما الجواهري تراب بغداد إنتبه الجميع لهذا الشاب الذي حمل ثورة الشعر النجفية وجاء بها الى حيث تكثر التنافسات والألوان والأطياف، إنتقالة كانت محسوبة لنقل عمامة صغيرة على رأس طالب حوزوي الى بدلة وهموم عائلة أريد لها ان تكون قلبا نابضا في بغداد.
الجواهري، عراق وضمير يمشي على الأرض، علم بفطرته وغريزته التي ربّتها ثورة العشرين ان البقاء للأصلح، ولكن الشعب هو الأصلح، لهذا ترى الجواهري سخّر موهبته الفذة لنقل صوت الشعب عبر صوته ولهذا رأيت أيضا ان الشعب إختاره سفيرا فوق العادة لنقل معاناته، لم يكن يحمل معاناة شريحة عاشت في الأربعينيات، حين تقرأ له تنويمة الجياع تشعر وأنك تقرأها في سنتنا هذه، أنها لغة الشعب الذي تعوّد وعوّده الطغاة على الجوع وهو ينام على آبار النفط، هكذا هم السياسيون، يطالبون بكل شيء للشعب حين يكونون خارج منطقته الخضراء، وحين يدخلونها، يغلقون الباب خلفهم ويرموان بالمفتاح الى الشعب ليعثر عليه بعض السيّارة.
الشاعر لسان ناطق، والأحزاب مبادئ تكونت ليسمعها الناس ويطبقها رموزها لتصل به الى حيث تنام السلطة، لم يكن هناك بدّ ان تتقاتل الأحزاب على أصوات الشعراء الذين يحملون همّ العراق السياسي، فكيف والجواهري إبنها البار الذي غنى ثوراته على مر الزمان، لا تجد حزبا او حركة سياسية إلا ونسبت الجواهري إنتماء سياسيا لها، جميع الأحزاب أعطته الشهادات السياسية التقديرية ليكون بينها ضيف الشرف.
كان الجواهري صوت الشعب والأحزاب تمثل الشعب، فلم يكن من خيار إلا ان يعطوا لباس التحزب للجواهري لأنه ورقة رابحة في لعبة السياسة.
الأنكى من هذا ان الجواهري كان سياسيا بالفطرة، لم يكن منضويا تحت قائمة إدارية همها الأول والأخير ملء جيوب رؤوسها الكبيرة بالمال، لهذا تراه يجلدها بسوطه أول ما يجلد قبل ان ينتقل الى ساحة أخرى لقتل آخر، عمر الجواهري لم يكن سياسيا بمعنى الحرف لهذه الكلمة، وان مارس السياسة كنائب في البرلمان أبان العهد الملكي فأنها تركت في قلبه غصة على كرسي لم ينعم به، ثم تنازل عنه لعرش الشــعر الذي جلس عليه مبكرا.
الجواهري شاعر لعب على حبال السياسة بمهارة السياسي الذي يعرف من أين يؤكل القرار، كان عالميا في سياسته التي شارك فيها شعوب العالم ألمها وقلقها على الأنسان ،وهو سياسي إستثمر جميع معارفه السياسية في قصائده، فجاءت قصائده معبرة عن واقع سياسي عراقي وعربي وعالمي كان هو أول الكافرين والمؤمنين به في نفس الاتجاه.
كان الجواهري السياسي الوحيد في العراق، كان حزبه الناس وكانت سلطته الشعر،وكان صولجانه الحرف،وكانت الكلمة مملكته الأثيرة ، لهذا تراه يقول:

أنا العراق لساني قلبه، ودمي
فراته، وكياني منه أشطار
__________________

الـجـواهـري شـاعـر الـيـسـار
عيسى الصباغ
الى ذلك اوضح الناقد عيسى الصباغ ان للشعر السياسي في العراق تاريخاً ينظر اليه بكثير من التقدير والتبجيل ويمتد هذا التاريخ الى نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، اذ ظهر على مسرح الاحداث في تلك العقود شعراء كبار انصبت اهتماماتهم على ممارسة هذا الفن الشعري انطلاقا من دواعي واقعهم المستعمر وبواعثه السياسية (ولو تتبعنا الشعر السياسي منذ بواكير النهضة الحديثة التي بدأت معها مرحلة الصراع الفعلي بين القوى الرجعية الدخيلة المتمثلة في حكومة العثمانيين وبين قوى الشعب الذي اخذ يتطلع للتحرر والى حياة افضل لرأينا ان هذا اللون من الشعر يمثل المجال الاوسع بين اغراض الشعر الاخرى التي طرقها الشعراء ابان تلك الحقبة، كما نجد من خلال سيره الزمني انه تشعب مع تشعب الاهداف والمفاهيم التي رافقت عصر التطور في العراق).
ومن المحاور التي عالجها الشعر السياسي الدعوة الى مكافحة الاستبداد العثماني كما تناولت موضوعاته مناهضة الاستعمار الاجنبي بكل صوره وبعد الاحتلال البريطاني للعراق وتكشف نياتهم الاستعمارية بدأ الشعر السياسي مرحلة صراع جديدة ومن الشعراء الذين نهضوا بهذه المهمة الرصافي والزهاوي وعبد الرحمن البنا والصافي النجفي وشعراء اخرون تركوا ارثا شعريا كبيرا وارضية سياسية ثابتة ذات مفاهيم وتقاليد واهداف وأطر فنية انطلق منها شعراء الكلاسيكية الجديدة وعلى رأسهم الشاعر العراقي الكبير الجواهري.
لقد وفرت ظروف الاحتلال البريطاني للعراق (الحرية النفسية والوضوح الحاد في تناول قضايا الحكم والسياسة لم يكن بسببيهما التنامي المضطرد لوعي الشعراء فحسب وانما يضاف الى ذلك فهمهم لدور الشعر وهدفه باعتباره سلاحا يقارعون به الظلم ويحثون به على التقدم ونيل الآمال).
وقد شكل الجواهري في هذه المرحلة ظاهرة يمكننا تسميتها بـ(شعر- سياسية) ذلك ان تاريخه الشعري ارتبط بتاريخ العراق السياسي اذ تصدى شعريا لجميع احداثه من انتفاضات شعبية ومظاهرات وتجمعات ولقاءات جماهيرية وكل ما يمت بصلة للحدث السياسي يقول الدكتور علي عباس علوان (لقد ذاعت شهرة الجواهري ذيوعا كبيرا لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد ان وصل صوته الى ساحة الشعر في الوطن العربي كلها واقترن اسمه بتاريخ العراق السياسي الحديث حتى عد بعضهم شعره وكأنه يصور التاريخ فيما يشبه المأساة الاغريقية).
الحقيقة التي لامراء فيها هي ان الجواهري لم يكن شاعرا فنانا حسب وانما كان قائدا جماهيريا يستطيع ان يحشد الالاف ويلهب حماستهم بقصيدة وقد لعبت الصحيفة التي كان يصدرها انذاك دورا فاعلا ومؤثرا في اوساط الجماهير وخاصة المثقفين والطلبة ولدورها الفاعل هذا تعرضت مرات كثيرة للاغلاق كما تعرض هو للمطاردة والاعتقال، هذا التفاعل السياسي والجماهيري الذي كان الشاعر يبديه انما ينم على روح نضالية عالية وتشبث بقيم الوطنية والتقدم كما ينم على رؤية سياسية نبعت من معايشته الطبقات الشعبية التي هي اكثر فقرا ومعاناة وارتبطت هذه الرؤية بمصالح الوطن ولاسيما سيادته وتحرر ثرواته وردع اطماع الاحتلال.
ان المتغيرات السياسية الكبيرة التي شهدها العراق انذاك اتاحت (لعناصر اليسار والمنادين بدعوة العدالة الاجتماعية وانصاف الطبقة الفقيرة جوا واسعا من الحرية والحركة، فكان ان تشكلت جماعة (الاهالي) و (جمعية الاصلاح الشعبي تضم مجموعة من المثقفين كان الجواهري يتعاطف معهم ويضع صحيفته (الانقلاب) في خدمة افكارهم).
مما لاشك فيه ان الجواهري قد تأثر بهذه الافكار الاصلاحية التي كان يدعو اليها الشباب اليساري يومذاك بل انه تبنى هذه الافكار واخذ يدعو لها وزاد اقتراب الشاعر من مواقف اليسار العراقي وتبني ثقافتهم في اثناء الحرب العالمية الثانية ولاسيما بعد اخفاق حركة مايس 1941 وعودة الوصي الى العرش واعدام ضباطها اذ نشط اليسار العراقي وشكلوا على اثر ذلك الاخفاق ثلاثة احزاب هي (الوطني الديمقراطي) و (حزب الشعب) و(الاتحاد الوطني) فانضم الجواهري الى تنظيمات الاخير الذي كان مدعوما من الحزب الشيوعي العراقي بل انه كان واحدا من واجهاته السياسية بعد ان حظرت الدولة تنظيماته.
على هذا الاساس التاريخي يمكننا القول بثقة ان الجواهري كان يساريا شريطة ان نفهم ان اليسار اطار شيوعي او ماركسي في الاقل وفي هذا الاطار شارك في انتفاضة الشعب العراقي ضد معاهدة (بورتسموث) التي استشهد فيها اخوه، وقد كان الشاعر في صميم الانتفاضة شاعرا وسياسيا وصحفيا فكان شعره (سجلا ممتازا وتصويرا دقيقا لتطلعات الحركة الوطنية في هذه الحقبة المضطربة العنيفة من تاريخ العراق الحديث)، وقد وصف شعره في هذه المرحلة بأنه (صواعق حارقة من اللغة والنغم والصور تنزل على حكام العراق الذين يدفعون الشاعر الى الجوع والتشرد اما (أتعلم ام انت لا تعلم) و (يوم الشهيد) و (في مؤتمر المحامين) فهي لوحات دامية يقفز الشعر خلالها بالعواطف الوطنية الى اعلى درجات التأثير).
وللامانة التاريخية ينبغي اضاءة جوانب اخرى من حياة الشاعر السياسية ربما أسيء فهمها وعممت مواقفها الانية واستغلت للتعريض واللمز بما لا يقتضيه النظر الموضوعي فقد ذهب بعض الدارسين والنقاد الى ان مواقفه السياسية قد تعددت بل تناقضت احيانا وانها لا تخلو من اضطراب وقلق (فهو مندفع في بعض قصائده الى التعريض بالسلطة السياسية مهاجما الحكام والامراء والساسة ممن بيدهم امور العراق كقصيدته (عقابيل داء) و (بعد عشر) و (ضحايا الانتخاب) لكنه في قصائد اخرى يندفع الى مدح الملك والامراء والساسة من وزراء وغير وزراء وحتى من عرف منهم بعدائه لامال
الشعب وحرياته) وكتب الدكتور علاء الحربي سلسلة من المقالات في جريدة المشرق العراقية سلط فيها الضوء على هذا التناقض في الموقف السياسي، غير ان جميع ما قيل في هذا الشأن لا يرقى الى مستوى يثلم من وطنيته او يضبب من وضوح رؤيته السياسية ذات الطابع اليساري ويبقى الجواهري واحدا من اعلام الوطنية واليسار السياسي كما هو في الشعر.

ظل ولاؤه وطنيا للعراق
وقد ادلى الشاعر حسن عبد راضي بهذا الصدد حيث قال: تقلب الجواهري كثيرا بين صحف شتى، وكتب وانشد قصائد كثيرة كانت تعبر على نحو جلي عن موقفه السياسي مما كان يجري في العراق في الاربعينيات والخمسينيات وما بعدها. وكان لقصائده اثر واضح في الشارع السياسي/ الثقافي العراقي آنذاك، فقصيدة (اخي جعفرا) على سبيل المثال مثلت موقف الجواهري من الحكومة واشادته بوثبة عام 1948 التي استشهد فيها اخوه. لقد كانت حياة الجواهري تتحرك على وفق حركة مواقفه السياسية التي كان يعلن عنها في قصائده، وكان يمكن لقصيدة ان تتسبب في نفيه عن العراق، كما حدث عندما انشد قصيدته عن الشهيد عدنان المالكي في دمشق، اذ نفي بعدها وظل قرابة السنتين في ضيافة الجيش السوري كما يخبرنا محققو ديوانه.
ويمكن القول اجمالا ان ولاء الجواهري السياسي ظل ولاءً وطنيا للعراق، على الرغم من انه مال احيانا الى اليساريين، واحيانا اخرى اتجهت ميوله الى القوميين.
ومثلما تقلبت الحياة السياسية في العراق في تلك الحقبة وظهرت فيها تيارات عديدة (وكل يدعي وصلا بليلى) فانه ظل يبحث عن نموذجه الوطني ليسبغ عليه خالص فنه الشعري، فقد رثى القومية العربية حين رثى عبدالناصر، ونعى على الحكومات العربية وعلى الحكومة العراقية تحديدا حين كتب عن هاشم الوتري وعبر عن قربه من اليسار حين كتب عن حزب تودة الايراني، وهكذا لكنه ظل مع ذلك رمزا للنضال الوطني، ودفع ثمنا لمواقفه الوطنية سنوات طويلة من النفي والغربة التي لازمته فأصدر ديوانه (بريد الغربة) وبعد عام 1968، وأظن في سنة 1972 اصدر ديوانه الآخر (بريد العودة) ظانا انها عودة لا غربة بعدها، لكنه اضطر الى ترك العراق والعودة الى منفاه الاثير في براغ ثم الاستقرار بعد ذلك في سوريا بسبب موقفه من سلطة البعث.

عــذراً يــا جــواهــري الــشــعــر
فهد الصكر
في 26 ، 27 تموز تمر الذكرى الإحتفالية الكبرى لولادة ووفاة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.
عذرا يا جواهري الشعر، عذرا يا قمة الشعر، لأني لا أمتلك مفاتيح الأبواب التي تفضي الى مملكتك الحصينة وواحاتك الخضراء وبساتينك المنتشرة على جانبي دجلة الخالد، دجلة التي وهبتك الالهام فتغنيت بها.
يا دجلة الخير يا أم البساتين عذرا يا جواهري الشعر، فالنجف طفولة شقية، ومعالم درس، حاراتها أثقلت كاهلك بدءا بأول عناقيد الشعر، حفظا وكتابة وإلقاء، كيف تغفو، كيف تنام ـ وهي حاضرة الشعر والأدب والثورة والعلوم الاخرى. كيف تغفو، كيف تنام ـ وهي حاضرة الشعر والأدب والثورة والعلوم الاخرى.كان صوتك، بل صوت قصائدك تردد صداه الحارات العتيقة والقباب المزركشة لتوقظ الراقدين في وادي السلام.كان العراق يطفو على بركان والمتربصن به كثر، اذ كنت مخلصا ووفيا لما كان يحصل وهو كثير ايضا، فالعراق بلد الثورات والانتفاضات الشعبية والتطلعات الأدبية، اذ كنت صوتها لإعادة وبث روح الحماسة فيها، كنت فارسها اذ امتطيت جوادك تتقدم الجموع..
والى بغداد كان ((العراك)) واثبات الذات مزهوا بشعرك ساخطا على المتردي والوضيع في صالوناتها الأدبية، سابحا ضد التيار، ولا غرابة ان تكون هناك خصومات وخصومات، اذاً الوقوف أمام قامة الشاعر محمد مهدي الجواهري ليس بالوقوف السهل، فهو تاريخ من الشعر وتاريخ من الابداع وتاريخ من الغربة والثورة التي خاضها عن طريق الشعر، وكما أوجد الجواهري قاموسا جديدا في اللغة الشعرية، فانه كذلك أرسى دعائم الكثير من المعاني الإنسانية عن طريق الشعر، ولعلنا لا نجد شاعرا في زماننا انقسم حوله النقد وانقسم الناس بالرأي مثلما حصل مع الجواهري .لقد تناولته العديد من الدراسات والبحوث داخل البلد وخارجه، غير ان الجواهري الذي بدأ من نقطة الثقة بنفسه وبشعره وبالقضايا الوطنية والعالمية التي جعل منها محور اهتمامه اذ وضعته في ذروة العلى، شاعرا لا تستطيع ريح اقتلاع جذوره او زعزعة كيانه، ولا كلمات عابرة تقال هنا او هناك تغير رأيه او موقفه، انما كان هذا كله لا يزيده إلا تألقا واصرارا على المضي في الدرب الذي كان نقطة انطلاقه، وحتى عندما أسقطت عنه الجنسية العراقية لم يلق هذا الأمر شيئا منه، اذ فتحت له العديد من الدول أبوابها وهنا أهمس ان الذي أسقط الجنسية العراقية عنه لم تسجل لنا دوائر النفوس في العراق ولادة طبيعيةله.وحين تقرأ الجواهري تكون في حضرة تاريخ من الشعر، ليس ككل التواريخ انه تاريخ له منبع ومجرى ومصب، فاذا كان المنبع هو النفس التي امتلأت حياة وتوهجا، فان مجرى هذا الشعر ـ التاريخ ـ هو الواقع اليومي والحياتي للناس الذين يستقبلون شعر الجواهري درسا وبحثا اذ كان شعره انجازا حضاريا وانسانيا لامة العرب ولكونه ناصر قضايا الأمم المقهورة والحركات الثورية فكان شعره انجازا أمميا، كان قفزة تطورية في مساره الطبيعي، وان كان في بعض الأحيان يمتاز بخصوصية يفرضها الظرف التاريخي الذي يجتاز هذا البلد او ذاك في وطننا العربي، إلا انه تجاوز ذلك بكثير.
لبنان وأمسياتها لا يمكن لها ان تنسى الجواهري، مثلما هي ـ براثح ـ اللعنة والغربة والحب والتطواف في دول اخرى؟!.
كذلك لا تنسى قرية ((الكبسون)) في محافظة ـ العمارة ـ (( وأم عوفي)) اذ ما زالت بصمات الشاعر حاضرة على ابناء واحفاد ـ أم عوفي ـ وحكايا المطاردات الشعرية مع العلامة ـ محمد علي العلاق ـ والشاعر الشيخ طاهر محسن الصكر وكان كثيرا ما يقرأ له من الشعر الشعبي اذ قال له الجواهري ـ الشعر الشعبي ترجمة للقريض ـ هذه الحكايات وغيرها تستذكرها المجالس في قرية ـ الكبسون ـ حتى اللحظة الحاضرة.
وهكذا ذهب الطغاة الى مزبلة التاريخ ولعنته.وظللت أنت في الذاكرة والوجدان والقلب تتربع على عرشه ابد الدهر، اجل لقد ظل الجواهري نجمة دائمة التألق في سماء الشعر.



أعتقد ان ( الارث الكبير ) للشاعر محمد مهدي الجواهري , مثلا هنا , لم يلق ( التجسد الأكبر ) في الكتابة النقدية العراقية . ذلك لأن هذه الكتابة , تعليلا , ما زالت , حتى الآن , تقليدية ( الهوى ) و ( الهوية ) , معا , في اغلب مناهجها , العاملة , حين تروم ( التجسد ) لهذا ( الارث )
. فهذه المناهج التقليدية , الأغلب , لم تستطع , حتى نادرا , ان تفصل , مجرد الفصل , بين الجواهري انسانا , مخلوقا , و بين الجواهري مبدعا , خلاقا , ما احاله , غلطا او سهوا , من ( ارث شعري ) , كبير , الى ( تراث حياتي ) , صغير , و شتان بين هذا و ذاك .
ثمة نماذج عديدة , طويلة و عريضة , منسوبة الى مناهج كهذه , تقليدية , عجزت , مع سبق الاصرار و الترصد , و هي تتعامل مع الجواهري , انسانا و مبدعا على السواء , من , و ـ او ـ عن , ان تميز بينه ( ارثا شعريا ) و بينه ( تراثا حياتيا ) . بعض هذه النماذج , العديدة , ما هو خاص به , وحده , في الصحف و الدوريات , كمقالة عبد المجيد لطفي ( ليلة مع ديوان الجواهري ) , و في الكراريس و الكتب , المكرسة له , تأليفا فرديا , كدراسة محمد حسين الأعرجي ( الجواهري ـ دراسة و وثائق ) , و اعدادا جمعيا , كدراسات فريق من الكتاب العراقيين ( محمد مهدي الجواهري ـ دراسات نقدية ) , و في سواها . اما البعض الآخر منها , من النماذج العديدة هذه , فهو ذلك العام له و لغيره , من الشعراء , مما احتوته كتب , ليست بقليلة , يضم كل واحد منها مقالة , او دراسة , عنه , فقط , مع مقالات , او دراسات , اخرى , غيرها , عن شعراء آخرين .
لن أحاول , متنيا في الأقل , ان أتطرق الى ذاك البعض الأول , الخاص بالشاعر الجواهري , من هذه النماذج , الطويلة و العريضة , ذات ( الهوى ) و ( الهوية ) التقليديين , معا , لأسباب فنية و موضوعية . لكنني , اذ تنتفي هذه الأسباب , سوف أندفع , لاحقا , لأن أتناول , بـ ( نقد نقد ) متزن , هذا البعض الثاني , العام للشاعر الجواهري و لسواه , من النماذج نفسها . قبل هذا التناول , الذي سأندفع له , أود , تمهيديا , ان أؤاخذ نماذج من الكتابة النقدية العربية , غير العراقية , غفلت عن الجواهري , حتى انسانيا , حيث سأناقش , بايجاز , واحدا من ( اقدم ) هذه النماذج .
هذا النموذج هو ( شعرنا الحديث ... الى اين ؟ ) , هنا , حيث غفل غالي شكري عن الجواهري , لا فقط ( المبدع ) بل حتى ( الانسان ) , على مدى (236) صفحة . حتى ان ذكر ( الجواهري ) , مجرد ذكره , لم يرد سوى مرة واحدة , فقط , وكان ايرادا عرضيا عابرا . و هو , هذا الايراد , حين يقول ] في كانون الثاني (يناير ) 1955 اصدرت (الآداب ) عددا خاصا بالشعر الحديث [حيث ( قرأنا جنبا الى جنب اسماء الجواهري و نازك الملائكة والسياب وعبد الصبور وبدوي الجبل و نزار و فدوى طوقان و القط و الحيدري ويوسف الخطيب والفيتوري والحوماني و رئيف خوري وكاظم جواد و بديع حقي و جوزيف نجم و غيرهم) .
هكذا اورد غالي شكري ذكر ( الجواهري ) مرة واحدة فقط , ضمن ستة عشر شاعرا , وهو ايراد عرضي عابر . لذلك أستنتج , هنا , ان هذا الايراد , العرضي العابر , فيه منتهى الأغفال من شكري عن الجواهري . و هذا الاستنتاج , بدوره , يجعلني , هما واهتماما , ذا شك , منطقي , بما كان , انذاك , يقوله شكري . والاّ , اولا , الم يكن شعر الجواهري ممهدا ( لموجات الادب العربي الحديث ) ؟ والآ , ثانيا , الم يكن جيل الجواهري داخل ( صراع الاجيال في ادبنا الحديث ) ؟ ام ان شكري , الذي كان ( يرتاد البقاع المجهولة ) , قد تردد ( خطوه ) عن اسم الجواهري , حينذاك , كونه ـ هذا الاسم ـ واحدا من ( السبل المطروحة ) ؟
قد يقول قائل ,ايّا كان, ان غالي شكري , في النموذج المنقود هنا , يركز على ( شعرنا الحديث...) , مستفهما (... الى اين ؟ ) , حيث نص الجواهري , عنده , لم يكن داخلا في عداد هذا الشعر . ان قولا كهذا , تبريريا , مردود على صاحبه , الذي يقوله , بحسب شكري , نفسه , حين يستعرض ( دور المنابر اللبنانية في احتضان الحركة الجديدة ) . فهو يقر , مثلا , بأن ]في كانون الثاني (يناير) 1955 أصدرت ( الآداب ) عددا خاصا بالشعر الحديث هو اول اشكال الجبهة التي نحن بصدد بحثها الان [. ثم يؤكد , بعد بضعة اسطر , ان ]هذا العدد الخاص بالشعر الحديث من مجلة ( الآداب ) يعد الصورة الريادية الاولى لجبهة الشعر الحديث [ . هذا فضلا عن ان نموذجه , نموذج شكري , يعم الشعر العربي الحديث , بعشرات شعرائه ودواوينهم , لا يخص شاعرا عربيا حديثا , ببضعة دواوينه ونصوصها , لوحده . لا , واكثر , بل ثمة نماذج , كثيرة , يختص كل واحد منها بشاعر عربي حديث , أي شاعر , ومع هذا , الاختصاص , لم تغفل هذه النماذج عن الجواهري. حتى , للتدليل على هذا النفي , انه ليس هنالك نموذج , ولو واحد فقط , اختص بالشاعرة نازك الملائكة , مثلا اولا , او اختص بالشاعر بدر شاكر السياب , مثلا ثانيا , قد غفل عنه . وها انا , هنا , لأثبت , هذا اللا اغفال , عن الجواهري , أختار ـ بعشوائية ـ نموذجين , اثنين , يختص احدهما بالملائكة وآخرهما بالسياب , وكلاهما قرأ شكري اسم الجواهري ( جنبا الى جنب ) اسميهما , على التوالي .
في نموذجه عن ( نازك الملائكة ـ الشعر و النظرية ) , و هو سابع نماذجه النقدية , يقول عبد الجبار داود البصري ( استمرت بعض الاسماء السابقة للمرحلة بارزة في افق هذه الفترة ـ1930/ 1950 ـ كأحمد الصافي النجفي ومحمد مهدي الجواهري ومحمد مهدي البصير ومحمد بهجة الاثري ) . وفي نموذجه عن ( السياب و ريادة الشعر الثوري الجديد في العراق ) , وهو اول نماذجه النثرية الانفرادية , يجزم راضي مهدي السعيد بـ ( ان الشعر العراقي الذي يمثل الشعر العربي تمثيلا صادقا في كل جوانبه ونواحيه كان الشرارة الاولى و الصوت المدوي في كل انتفاضة ) حيث ـ مثلا ـ كان ( يقف الجواهري منشدا امام الحشود المتظاهرة في ساحات بغداد ومحافلها الثائرة ) . الغريب , هنا , ان النموذج الثاني , نموذج السعيد , تفوق على النموذج الاول , نموذج البصري , فيما يخص الجواهري . مبعث الغرابة , هذه ,ان السعيد , في نموذجه عن السياب , ليس ناقدا , بقدر ما هو شاعر , بينما البصري , في نموذجه عن الملائكة , ناقد محض . فعلى الرغم من ان نموذجيهما , كليهما , لا يختصان بالجواهري , بل يختص كل واحد منهما بآخر سواه , الاّ ان نموذج السعيد , الشاعر , تعامل مع الجواهري باستثنائية , واضحة , على عكس نموذج البصري , الناقد , اذ تعامل معه بأعتيادية , غامضة , و شتان بين هذه وتلك .
يسترجع السعيد , في ( توطئة ) نموذجه , اصوات الشعراء محمد مهدي البصير ومعروف عبد الغني الرصافي ومحمد مهدي الجواهري ابّان ( ثورة حزيران ) و ( حركة مايس ) و ( وثبة كانون ) , خلال الاعوام : 1920 / 1941 / 1948 , على التوالي . لكنه سيغادر , في ألـ ( توطئة ) ذاتها , صوت البصير , أولا , ثم صوت الرصافي ، ثانيا ، ليستقر عند صوت الجواهري , اخيرا , حتى ينفرد به في ( اضاءة وتمهيد ) , من خمس صفحات , قبيل الوصول الى ( السياب .. الصوت الثوري الريادي الاعمق ) . اما البصري , في ( الرافد الثاني ) من ( الباب الاول ) لنموذجه , فيستعرض ( النهضة الادبية الحديثة ) منذ جيل شهاب الدين الآلوسي حتى جيل نازك الملائكة . وهو , هنا , يجمل هذه ( النهضة ) , التي يستعرضها , بأربعة اجيال . وبأستثناء الجيل الأخير , الذي ذكر احد عشر اديبا منه , راح البصري , تاريخيا , كلما يذكر اسماء اهم ادباء كل جيل , من الاجيال المستعرضة , يورد تفاصيل عن بعض اولاء الادباء . لكن لا تفصيل عن الجواهري , بتاتا , انما توجد تفاصيل عن : الحبوبي / التميمي / الاخرس / الأعمى / الآلوسي / الزهاوي / الرصافي / الذويب / الشبيبي وغيرهم . حتى ان البصري , هنا , وهو يورد هذه التفاصيل , عن هؤلاء الشعراء وسواهم , ينقل من علي علاء الدين الآلوسي , مثلا , ما قاله ابو الثناء الآلوسي , حصرا , دونما ينتبه الى ان ثمة ( مفارقة ) في قوله ( ولعمري لقد ندمت على ما اسلفت من السجع وان كنت اعلم ان ليس على ما ندّ من نفع ) .
لذلك أعتقد , من جديد , بان عجز الكتابة النقدية العراقية عن ايلاء ( التجسد الاكبر ) للجواهري , ارثا شعريا كبيرا لا تراثا حياتيا صغيرا , يعود الى ان من اخطر خطاياها , فضلا عن اخطائها , هو النقل اللا منتبه , مصدريا و مرجعيا , كما في نماذج : طلال سالم الحديثي ( مقدمة و ستة شعراء ) / صبيح ناجي القصاب ( الشعر بين الواقع و الابداع ) / علي جعفر العلاق ( مملكة الغجر ) و غيرها . واذ أقول ( من اخطر ) , لا ( اخطر ) , فلأني اريد ان لهذه الكتابة , النقدية العراقية , خطايا , واخطاء , اخرى , بصرف النظر عن قلتها او كثرتها , تشابه ( النقل اللا منتبه ) في الخطورة . يمكن , هنا , اجمال هذه الخطايا , والاخطاء بـ (4) , اختصارا , هي : عدم تحديث المقال المنشور ـ او تجديده في الاقل ـ عند ضمه في كتاب مطبوع ( نموذج حاتم الصكر : مواجهات الصوت القادم ) / تسييس النقد باقحام السياسة في الشعر المنقود ( نموذج نازك الملائكة : سايكلوجية الشعر ) / التركيز على المضمون الشاعري لا الشكل الشعري ( نموذج قيس كاظم الجنابي : مواقف في شعر السياب ) / تدني امكانات اجدد عن امكانات اقدم مماثلة لها في الثيمة ( نموذج عبد الجبار داود البصري : فضاء البيت الشعري )
يتأكد لي , مما تقدم , ان الكتابة النقدية العراقية , التقليدية في اغلب مناهجها العاملة , ذات خطايا , واخطاء , خطيرة . ان هذه الخطايا , والاخطاء , وما يماثلها , في الخطورة , هي , متفاوتة في الكم والنوع والكيف , ما اعجزت الكتابة النقدية العراقية عن انتصاب ( التجسد الاكبر ) ازاء ( الارث الكبير ) في المتن الشعري الجواهري . واذا كانت المقدمة المبدئية , الحاضرة , قد اشرت عجزا كهذا , من الكتابة ازاء المتن , فان البحث التفاصيلي , القابل , الذي سيتناول نماذج لكل من : محمد الجزائري ( و يكون التجاوز ) / علي عباس علوان ( تطور الشعر العربي الحديث في العراق ) / عناد غزوان ( اسفار في النقد و الترجمة ) , وآخرين ، سوف يقدم ( البرهان ) على تواتر هذا العجز , وهو ( المطلوب اثباته ) منه مع الاخذ بعين الاعتبار حقية ( المفروض ) وباطليته حتما , حيث حضور ( الارث الكبير ) عن الشعر الجواهري وغياب (التجسد الاكبر ) من النقد العراقي.

sarmad1960
10-26-2006, 05:57 PM
تم نقل الموضوع
من هناااااااااااااااااااااااااااااااااااا وهناااااااااااااااااااااااااااااك
تحياتي لكم