المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر جميل صدقي الزهاوي



sarmad1960
10-26-2006, 04:20 PM
جميل صدقي الزهاوي شاعر وفيلسوف عراقي كبير كردي الأصل، ولد في عام 1863م وتوفي عام 1936م. نظم الشعر بالعربية والفارسية منذ نعومة أضافره فأجاد.
كان الزهاوي معروفا على مستوى العراق والعالم العربي كان جريئاً وطموحاً وصلبا في مواقفه، فاختلف مع الحكّام عندما رآهم يلقون بالأحرار في غياهب السجن وتنفيذ أحكام الإعدام بهم فنظم قصيدة في تحيّة الشهداء مطلعها:
على كل عود صاحب وخليل

وفي كل بيت رنة وعويل
وفي كل عين عبرة مهراقة

وفي كل قلب حسرة وعليل
كأن الجدوع القائمات منابر

علت خطباء عودهن نقول
دافع الزهاوي عن حقوق المرأة وطالبها بترك الحجاب وأسرف في ذلك.
كتب فيه طه حسين: "لم يكن الزهاوي شاعر العربية فحسب ولا شاعر العراق بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر.. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم.."
هناك شارع بأسمه يقع قرب البلاط الملكي وهذا الشارع يربط بين الطريق الى الأمام الأعظم (منطقة الأعظمية) ومنطقة الوزيرية العريقة في بغداد.
كانت العداوة بينه وبين معروف الرصافي شديدة (حيث قال الرصافي أشياء كثيرة في النيل من الزهاوي) ولكن فرصة مواتية للزهاوي جاءت للرد الصاع صاعين للرصافي عندما سألوه عن رأيه في أحمد شوقي (وهذا مجال لعداوة أخرى) فأجابهم قائلا بلهجته البغدادية:
هذا شنو أحمد شوقي، ولا شيء! تلميذي معروف الرصافي ينظم شعرا أحسن منه!
في الوقت الذي كان كلاهما أستاذ بأدبه وشعره. هذا ما وثقه خالد القشطيني بمذكراته الطريفة عن هذا الصراع بين الشاعرين القمتين

sarmad1960
10-26-2006, 04:21 PM
يا موطناً




يا موطناً قد ذبتُ فيه غراما
أُهدي إليكَ تحيّةً وسلاما
لولاكَ لم أكُ في الوجود ولم أشِمْ
بَلَجَ الصباحِ وأسمعِ الأنغاما
أفديكَ من وطنٍ نشأتُ بأرضهِ
ومرحتُ فيه يافعاً وغلاما
ما كنتَ إلا روضةً مطلولةً
تحوي الورودَ وتفتق الأكماما
غازلتُ منها في الغُدوّ بنفسَجاً
وشممتُ منها في الأصيل خُزامى
وسعدتُ ألعب فوق أرضكَ ناشئاً
وشقيتُ شيخاً لا يطيق قياما
لكَ قد غضبتُ وفي رضاكَ حلمتُ أنْ
تنتابَني نُوَبُ الزمانِ جِساما
وسمعتُ من ناسٍ شريرٍ طبعُهمْ
كَلِماً على نفسي وقعنَ سهاما
لي فيكَ يا وطني الذي قد ملّني
حبٌّ يُواري في الرماد ضِراما
أمّا المنى فقد انتهتْ ومضاتُها
إلا بصيصاً لا يُزيل ظلاما
من ثَقّفتْه الحادثاتُ مُلمّةً
يلقى الخطوبَ بصدره بسّاما
كبر الأُلى من طيب أعراقٍ لهم
كانوا إذا لؤم السفيهُ كراما
بالذلّ لا أرضى وإنْ سلمتْ بهِ
روحي وأرضى بالحِمام زُؤاما
حَيِّ الذين إذا الهوانُ أصابهم
تَخِذوا الإباءَ من الهوان عِصاما
يا حاملَ الصمصامِ لا يحمي بهِ
حقّاً، لماذا تحمل الصمصاما؟
ما في المساواة التي نشدو بها
أن الوهاد تُطاول الآكاما
يا قومَنا لا نفعَ في أحلامكمْ
فخُذوا الحقائقَ وانبذوا الأحلاما
أخشى عليكم في الحياة تدهوراً
فيه الرؤوسُ تُقبِّل الأقداما
جهل الذين على قديمٍ عَوّلوا
إنّ الزمانَ يُغيّر الأحكاما
وأشدُّ خلقِ الله جهلاً أمّةٌ
نقضتْ فظنّتْ نقضَها إبراما
إني لأربأ أنْ أكونَ مِجنّةً
في الحادثات ولا أكون حساما
ولقد يريد الظالمون لنفسهمْ
بالظلم من شرٍّ يلمّ سلاما
وتشذّ آراءٌ، فكم من مجرمٍ
ما أن يرى إجرامَه إجراما
ولقد يُغالي المرءُ في آرائهِ
حتى يُثيرَ عداوةً وخصاما
ولربما أطرى أفاعيلاً لهُ
كانت إذا استقرأتَها آثاما
لا يستطيع بناءَ مجدٍ صادقٍ
من لا يكون لكاذبٍ هدّاما
هل يخرق العاداتِ في ما جاءَهُ
إلا جريءٌ لا يخاف ملاما ؟
أ إذا نجحتَ حمدتَ نفسَكَ مُطرِياً
وإذا فشلتَ تُعاتب الأياما ؟
إن الحياةَ وغىً وقد ينبو بها
سيفُ الشجاعِ ولا يكون كَهاما
ولربَّ حربٍ تختفي أبطالُها
تحت الستارِ ولا تُثير قَتاما
ذُمَّ التعصّبَ في الجدال فإنّهُ
سَقمٌ يجرّ وراءه أسقاما
ما أنتَ إلا ذرّةٌ منسيّةٌ
في بقعةٍ من عالمٍ يترامى
كَوْنٌ تُحرّكه نواميسٌ لهُ
كانت له منذ القديمِ لِزاما
تشكو به الأيّامُ مثلكَ أسرَها
فمن السخافة لومُكَ الأياما
فيه الشموسُ كثيرةٌ، فمن الذي
في البدء أَضرمَ نارَها إضراما؟
من يحسبِ الأوهامَ منه حقائقاً
يجدِ الحقائقَ كلَّها أوهاما
أو كان من داءٍ به يصدى فقد
يَرِدُ الخِضمَّ ولا يبلّ أُواما
لا يُنكر الحقَّ المبين سوى امرئٍ
يَعمى، وشرٌّ منه من يتعامى
ولقد يكون الفوزُ حِلفاً للأُلى
غمدوا السيوفَ وجَرّدوا الأقلاما
كم ريشةٍ في كفّ أروعَ بَدّدتْ
جيشاً تَدجّجَ بالحديد لُهاما
ظنَّ ابنُ آوى أنه أَسَدُ الشَّرى
حتى إذا لقي الهِزبرَ تحامى
لا تسخرنَّ فلابنِ آوى عذرُهُ
أن لا يكونَ القَسْوَرَ الضرغاما
ولقد جعلتُ ليَ الطبيعةَ قدوةً
وتَخِذتُ منها في الحياة إماما
ما أن أرومَ وإنْ زجتْني رغبةٌ
ما ليس يمكن أن يكونَ مراما
السيلُ إمّا عبّ مندفعاً فلا
يدع الوهادَ ويغمر الآكاما
ولقد أقول الشعرَ منفعلاً بهِ
ولقد أُنبّه بالقريض نياما
بسمتْ بناتُ الشعرِ حين شببنَ لي
ففطمتُهنَّ فما أردنَ فِطاما
أسفي على الأدب الذي يبغونَ أَنْ
يكسوه من عصرٍ خلا أهداما
أخذتْ تُنغّص راحتي ضوضاؤهم
من غير أن يلقى الجدالُ نظاما
فوددتُ لو أن الذين تجادلوا
جعلوا الوفاقَ على الصواب ختاما
أنا لا أحبّ سوى مكانٍ هادئٍ
أمّا الزحامُ فلا أريد زِحاما

sarmad1960
10-26-2006, 04:22 PM
حي الميد / حمار الزهاوي





في العام 1925 أقيم أول احتفال تاريخي على شرف الملك فيصل الأول ملك العراق في الساحة المقابلة لقصر الزهور في بغداد آنذاك بغرض رفع العلم العراقي للمرة الأولى، وحضر الحفل كبار الشخصيات والمسؤولين اضافة الى الشعراء والأدباء ووجهاء الدولة وكان من المفترض ان يفتتح الحفل الشاعر العراقي صدقي الزهاوي بدخوله من البوابة الكبيرة ممتطيا صهوة جواد عربي أصيل ورافعا بيده سارية العلم وهو يلقي قصيدة وطنية، ولكن الزهاوي كان يخاف ركوب الخيل ولم تفلح معه كل المحاولات فهو كان قصيرا وسمينا، وبعد جهد جهيد ارتضى ان يمتطي «حصان حساوي» أو كما يسميه العراقيون في بغداد «الحمار أبو ركبة»، وعندما دخل الزهاوي من بوابة مكان الاحتفال علا صراخ الجماهير بين مهللين ومستنكرين فخاف الحمار وهاج وماج وبدأ يرفس في الهواء فسقط العلم وحامله من على ظهر الحمار، وكان من بين الحضور الشاعر معروف الرصافي الذي لم تكن علاقته جيدة بالزهاوي فقال أمام باقي الشعراء:

«تلوموني اذا ما قعدت معاه هذي خلقه، بالله عليكم، تحضر حفل ملوكي,,, الله يرحمك يا جرادة (أم الزهاوي) ما كان أفضل ليلتها تزعلين وتروحين عند أهلك»!

ضحك الشعراء والحضور وسمع الزهاوي ما قاله الرصافي فأقسم ان يرد له الإهانة، وقبل نهاية الحفل تسلل الزهاوي الى كرسي الرصافي وطلب من أحد الموجودين أن يربط خيط حذاء الرصافي بحبل عقد طرفه الآخر بذيل الحمار، فما كان من الزهاوي الا ان رفس الحمار فأخذ الاخير ينهق ويرفس ساحبا الرصافي خلفه وحال الزهاوي يردد «هاي,,, بذيش».

sarmad1960
10-26-2006, 04:23 PM
في ذكرى وفاة جميل صدقي الزهاوي: شذرات من سيرة شاعر اغضب الملوك والشعراء




اعداد: قاسم آل دايخ

في صبيحة الثالث والعشرين من شباط عام 1936 استيقظت بغداد على خبر هزها من الاعماق، مات الزهاوي (72) عاما فجأة بالسكتة القلبية ، ودفنت معه هموم (الفالج) الذي كان يعانيه، وانطوت صفحة مشرقة لرائد من رواد شعرنا العربي.

يخط جميل صدقي الزهاوي سيرة حياته في كتابة "المجمل مما ارى" فيقول ابي مفتي بغداد محمد فيضي الزهاوي وهو كردي ينتسب إلى امراء السليمانية "البابان" وامي فيروزج من اسرة وجيهة كردية، وقد ولدت في بغداد في يوم الاربعاء اخر يوم من ذي الحجة عام 1279هـ الموافق 18 حزيران عام 1863 م وكنت في حياتي اسمى المجنون لحركاتي غيرا لمألوفة، وفي شبابي "الطائش" لخفتي وايغالي في اللهو، وفي كهولتي الجريء لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي الزنديق لمجاهرتي بارائي الفلسفية.

هكذا خط الزهاوي سيرة حياته، وقد درس علوم اللغة والفقه على يد ابيه والشيخ عبد الرحمن القره طاغي ونظم الشعر في اللغتين العربية والفارسية في مطلع شبابه وكان شاعراً وفيلسوفاً مشهوراً، وكان في مجلة المعارف عام 1887م، ثم عين مديراً لمطبعة الولاية ومحرراً في جريدة الزوراء، ثم عضوا في محكمة استئناف بغداد عام 1892م ، وارسل في بعثة إلى اليمن حيث كان معذب الضمير لاحوال مجتمعه تحت حكم السلطان العثماني، عبد الحميد ، وبعد اعلان الدستور العثماني 1908 عين استاذا للفلسفة الإسلامية في مدرسة الملكية واستاذا للادب العربي في جامعة اسطنبول عام 1908م ثم عاد إلى العراق وعين استاذا في مدرسة الحقوق لتدريس مجلة الاحكام العدلية عام 1910 وبعد الهدنة عين عضوا في مجلس المعارف ورئيسا للجنة ترجمة القوانين العثمانية ثم عين عضوا في مجلس الاعيان العراقي عام 1925.

كان شاعرنا جميل صدقي الزهاوي له نظام خاص في الأكل يقتصر على نوع معين من الخضراوات يظل يتناولها اسبوعا حتى ينتقل إلى لون آخر، وكان يذهب إلى السينما لمشاهدة طرزان ويهوى قراءة الروايات البوليسية.

وكانت تستهويه اقلام الحبر وبسبب الشلل الذي أصابه في ساقيه كان يكلف احمد الصراف بالذهاب إلى (اورزدي باك) للبحث عن اقلام جديدة ليحضرها له !

وكان شديد الوسواس يخاف كثيرا ويتحاشى المرور في ازقة بغداد واذا عرف بوجود حائط مائل للاهتدام لا يمر بجانبه وسئل لماذا؟ فرد على السائلين الا يوجد احتمال واحد بالمليون ان يسقط الجدار في اثناء مروري فلماذا اقدم على هذه الحماقة.

كان الزهاوي يحب الثناء والمديح وكان ياخذ من زوجته (يوميه) يضعها في كيس وهي تتالف من (آنات) وينصرف إلى المقهى ويتجمع حوله تلاميذه ويسمعهم ما نظمه من شعره الجديد، ويسمع منهم عبارات الاعجاب والثناء مشفوعة بنقد الرصافي فيطرب لذلك اشد الطرب. واذا حدث ان قام احدهم يريد الانصراف يخرج الزهاوي من كيسه (آنه) قائلا لصاحب المقهى هذا حساب فلان . اما إذا سمع نقداً أو تعريضا بشعره فانه يتجاهل دفع الحساب.

كان الزهاوي قد هاجم الملوك والسلاطين وقد خاطب السلطان عبد الحميد وقال:

تأن في الظلم تخفيفاً وتهوينا

فالظلم يقتلنا والعدل يحيينا

يا مالكاً امر هذي الناس في يده

عامل برفق رعاياك المساكينا

لهوت عنابما اوتيت من دعه

فابيض ليلك واسودت ليالينا

اما موقفه من الملك فيصل الاول فله قصة طريفة حيث كان الزهاوي في مقدمة الشعراء العراقيين الذين رحبوا بترشيح الامير فيصل بن الحسين ملكا على العراق، وانشد قصائد عدة قبيل تتويجه وبعده، ولكنه لما طبع رباعياته في بيروت عام 1924 وديوانه في القاهرة في السنة نفسها اخرج تلك القصائد منها ، اذ اعتبرها من "قيائحه" ففي احدى رباعياته قال قد مدحت الذين لم يستحقوا مدائحي.

كما انه سمى تلك القصائد بالمطرودات أي انه طردها من ديوانه، اما السبب الذي حمله على فعل ذلك فهو خيبة امله، اذ ان الملك لم يحقق رغبته وطموحه فيعينه (وزيراً للمعارف) في وزارة النقيب الثانية أو الثالثة ولذلك غضب وقرر ان يهجر وطنه ويغادر إلى مصر. ولما سمع الملك فيصل الاول رغب في ترضيته وراى ان يعينه شاعراً في البلاط غير ان الزهاوي رفض ذلك العرض، وقد نظم قصيدة اراد اغاضة الملك فيصل فنظم قصيدة مدح فيها الملك عبد العزيز آل سعود.

اما موقفه من الشاعر المصري احمد شوقي الذي اثاره ضده الشعراء والادباء وقد نقد شعر احمد شوقي وقال انه لا يعترف بامارة شوقي للشعر بل يعتبره شاعرا غير مجدد لذلك كان يتحين الفرص من شعره على الرغم من كونه من فحول الشعراء في عصره، وقد حدث ان مات الشاعر اسماعيل صبري باشا عام 1923 فرثاه احمد شوقي بقصيدة مطلعها

اجل وان طال الزمان موافي

اخلى يديك في الخليل الوافي

فلما قرأها الزهاوي، تصدى لنقدها بيتاً بيتاً على صفحات جريدة العراق ابتداءاً من عددها في 31/ 5/ 1923 ولكن بتوقيع (شاعر عراقي كبير ) فلما قرأ ادباء بغداد هذا النقد الشديد تصدى بعضهم في الرد عليه، وكان في مقدمتهم الاستاذ محمد بهجت الاثري اذ نشر تسع مقالات على صفحات جريدة العراق أيضاً يفند كل ما قاله بحق شعر امير الشعراء ثم توالت عليه الردود وفيها الشيء الكثير من الهزء والسخرية والنقد الشديد لشعره.

واما موقفه من الشاعر معروف الرصافي، حيث كانت العلاقة بين الشاعرين جيدة في الظاهر فقد مدح كل منهما الاخر بقصيدة الا ان هذه العلاقة تغيرت عام 1925، وجاءت نسخ من "رباعيات" الزهاوي من بيروت سارع باهداء صديقه الرصافي نسخة منها وكان الرصافي انذاك يعمل في وزارة المعارف. وحدث ان زاره في مكتبه الاستاذ احمد حامد الصراف فلما جلس قرب المنضدة، رأى نسخة من الرباعيات فاخذها وراح يقلب صفحاتها فرأى على تلك الصفحات تعليقات بقلم الرصافي فيها اشارات تحط من شعر الزهاوي ، عند ذاك رأى الاستاذ الصراف ان الفرصة المناسبة لاذكاء نار الخصومة بين الزهاوي والرصافي فطلب من الرصافي اعارته الرباعيات كي يقرأها، لان الزهاوي لم يهده نسخة منها. لما كان الرصافي خالي الذهن عما اضمره الصراف سلمه الرباعيات على امل ان يعيدها له بعد قراءتها. ولما تسلمها الصراف خرج مسرعاً وذهب إلى دار الزهاوي ولما قابله قال له:

هاك اقرأ ما يقول صديقك في رباعياتك!

فلما اخذ الزهاوي الرباعيات وقرأ ما كان قد كتبه الرصافي من تعليقات هاله ما رأى فهل يسكت عنه؟ لا لم يسكت بل بادر بكتابة نقد لشعر الرصافي وبيان اخطائه النحوية واللغوية وشركائه من الشعراء الاقدمين بل ومن شعره أيضاً، ولكنه لما اراد نشر هذا النقد في الجرائد البغدادية لم يوفق، الا انه جاء في تلك الفترة، إلى بغداد صحفي سوري صاحب جريدة " الفيحاء" فلما زار الزهاوي عرض الزهاوي عليه ما كتبه حول نقد شعر الرصافي فرحب بنشره في جريدته في ملفات ولما جاءت اعداد الجريدة الدمشقية وفيها النقد انبرى للرد على الزهاوي الاستاذ روفائيل يطي مدفوعاً من قبل الرصافي، ونشر مقالات في سرقات الزهاوي من الشعراء الاخرين. وهكذا اشتدت الخصومة بين هذين الشاعرين الكبيرين. وزاد لهيبها، ولما لم يتوقف الزهاوي عن ملاحقته الرصافي نظم الرصافي بعض الابيات يهجو بها الزهاوي قال فيها:

قل للزهاوي اني كنت لاقيه

مقالة كان فيها بادي الحذر

لقد بلعت علوم العصر قاطبة

بلعاً تضيق له بالوعة القذر

وكان يبلعها في مدة قصرت

عما يسارق لخط العين والنظر

كتبت اسماء هاتيك العلوم على

ما قد من قنب نزا من الحمر

وعندما بلغت الخصومة بينهما حداً لا يطاق سعى اهل الخير لمصالحتهما فاقام المرحوم محمد صبحي الدفتري في داره لهما حفلة شاي مساء يوم 8/ 12/ 1928 حضرها لفيف كبير من ادباء وشخصيات بغداد وبذلك عاد الصفاء (ظاهرياً) بينهما. بعد ان بذل الدفتري جهوداً في اقناع الرصافي المتعنت ووفق شروط منها عدم مفاتحته مباشرة اثناء اجتماعه مع الزهاوي في صالون الجمعة بامر الصلح وانما يجب ان يترك الامر على سجيته بحيث يجتمع كلاهما ويتحدثان كما لو كان لم يقع بينهما شيء.

اثارت ملحمته الشعرية التي سماها ثورة في الجحيم التي نشرها في مجلة الدهور اللبنانية عام 1931، ضجة كبيرة ضده في بغداد وقد اشار إلى هذه الضجة في مقدمة ديوانه الاوشال قائلاً: (لما نظمت قصيدتي ثورة في الجحيم اخذ بعض الخطباء يلعنني فقلت في نفسي : تساوى قصيدتي كل هذا اللعن ثمناً لها وستذهب لعناتهم وتبقى ثورة الجحيم خالدة).

ان للزهاوي ابياتاً يعرب فيها عن ايمانه بالله واهمها تلك الابيات المنقوشة على قبره وهي :

عبدتك لا ادري ولا احد درى

اسرك ام صدر الطبيعة اوسع؟

عبدت اسمك المحمود في الليل والضحى

إذا الشمس تستغفي إذا الشمس تطلع

فايقنت ان الكون بالله قائم

وايقنت ان الله للكون مبدع

وانك معنى الحقيقة لفظه

وانك نور والحقيقة برقع

sarmad1960
10-26-2006, 04:35 PM
الرغبة في الاختلاف
الشاعر الزهاوي في ديوانه نزغات الشيطان




صالح زامل

ولد الشاعر الزهاوي في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر سنة 1863م، وتوفي في الثلث الأول من القرن العشرين في سنة 1936م، فشهد بين التاريخين أكبر التحولات في العراق حينذاك، وهو زوال سلطان العثمانيين، وكان هو يؤسس لتوّه مكانا مرة أستاذ الفلسفة الإسلامية في الأستانة وبالمكتب الملكي منها، ومرة نائبا في مجلسها، ويأتي الحكم الوطني في العشرينات، لكنه لم ينعم بوفاق معه، فعاش نصفي عمره متساوية في قرنين يختم أولهما ويكون شاهدا لمتغيرات مهمة في الثاني، وكان حظه فيهما يتشابه بالاضطراب في مواقفه، لكن من الممكن للمتفحص أن يلمح اتساقا، إلى حد ما، يربط هذه المواقف، هو رغبة صادقة في التحرر، فكان الاختلاف أحد المظاهر التي طبعت كتابته غالبا، في عصر كان ينظر بحدية للاختلاف على انه خلاف وتعدده فتنة. لقد كان الاختلاف واقعيا سمة مقاربة لوجهة التحولات الكونية في عصره، فمن تبعية لحكم عثماني إلى حكم وطني بتبعية أخف، ومن تابع(آخر) إلى(نحن)، وقبل البحث في اختلاف الزهاوي لا بد أن نحدد هذا الاصطلاح، ونقصد به التعدد الذي ينظر إلى كل عناصر المغايرة بعين الاعتراف، والتفاوض والحوار لا الإلغاء، لكن هذا لا يمكن أن يحصل إلا ضمن سياق ثقافي له ملامح معينة، فهل كانت عناصر المغايرة التي وقف الزهاوي إزاءها لها استعدادات لقبول اختلافه؟. لا شك أن ذلك كان من غير الممكن، لأن المغاير كان سلفيا، في الغالب، وهو وإن "تحركت فيه اجتهادات مختلفة ومتنوعة قد تصل إلى درجة التباين، ولكنها تلتقي كلها حول القول بضرورة الرجوع إلى زمنية قدسية والتعالي على التاريخ". إذن لا توجد استعدادات ذهنية لقبول الاختلاف بغير الاتجاه الذي يتعامل مع النصوص، وإن حظينا بنماذج انتقادية فهي نادرة، ونأخذ مثالا لها الإمام محمد عبده، فقد ظل يتعامل بحذر وبروح انتقادية لما حوله من رجال دين ومؤسسات دينية، وأحيانا لعموم الناس، وأرجع سبب التخلف لجهلهم بدينهم، فقد"كان واسطة التعارف بينهم وبين العلم، فلما ذهبت الواسطة تناكرت النفوس وتبدل الأنس وحشة" فيكون العلم بالدين هو الذي يجعلهم علماء الكون وأئمة العالم، بل يكاد في مواضع لا يعرض الكثير من المشكلات التي يتناولها على الدين، وإنما يسوقها على أنها علة التخلف فيقول" ألم يحمل إلينا الرواة ما عند الأفغان والهند والعجم من شدة التمسك بالقديم، والحرص على ما ورثوه عن آبائهم الأقربين، وإقامة الحرب على كل من حاول أن يزحزحهم إصبعا عما كان عليه سلفهم، وان كان في البقاء عليه تلفهم، وما عليه اليوم في حكومة المغرب* من الغلو في التعصب، والمعاقبة بقطع الأعضاء في شرب الدخان، أو القتل في كلمة ينكرها السامعون وإن أجمع عليها المسلمون الآخرون"هو يتجاوز الجانب الديني للقضايا التي عرضها ويهتم بالقيمة الإنسانية وصلتها بالعصر(شدة التمسك بالقديم، التعصب الأعمى، قطع الأعضاء، شرب الدخان، القتل لكلمة) على أن هذا الاتجاه وجد من يتصدى له في وقت مبكر، وهو اتجاهات العلمانية التي رأت أن الإصلاح الديني لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يقدم حلا لأنه يلغي الاختلاف الحقيقي، لذا ارتأت العلمانية فصل الدين عن الدولة على إنه الحل لإنهاض الأمة وخروجها من التخلف على أننا لا نعدم في المؤسسة الدينية، والأزهر مثلا، أن نجد اعتراضات أو حلول لدى بعض رجالاتها، ففي كتابه(الإسلام وأصول الحكم) يصل علي عبد الرزاق إلى أن الحكومة في الإسلام ليس لها سند في النص القرآني.

إن توتر العلاقة الذي نشهده بين الوعي والواقع قد قاد إلى هذه الاتجاهات التي إن جاز نسميها متسامحة، كما يظهر في موقف محمد عبده وغيره من معاصريه من رجالات التنوير الإسلامي، إذ وقفوا بلا شك مدهوشين إزاء التقدم الذي في حاضنة الغرب، والاختلاف المواجه لمؤسسة الدين يقف وظهره إليه على أنه امتداد، لذا نجد اتجاه الإصلاحيين الدينيين ظل يبحث عن ربط بين العلم ومنجزاته إزاء محارق الكنيسة وتنكيلها برجالات العلم إلى الحد الذي يقول رجل مثل محمد عبده، إن العلم هو الذي تسامح مع الدين ولو شاء سلبه، لكنه رضي به تابعا، هذا وهو يتحدث عن الصراع بين العلم والدين في أوربا، فهل سيكون ذلك موقفه لو تمكن العلم في بلاد الإسلام.

يبدو أن موقفه يصدر عن تعليل أن العلاقة كانت ثأرية بين العلم والدين في أوربا لذا رضي الدين بالانكسار والتحديد الذي صار إليه، أما علاقة الدين والعلم في الإسلام فهي أخرى، وبالأمثلة الكثيرة كانت متسامحة لكنها لا تخلو من اصطراع ولعل ظواهر مثل الزندقة والصلب للمتصوفة وحرق الكتب كلها شواهد لإلغاء الآخر أو الاختلاف الذي أريد له الاستئصال. إن الاختلاف الذي كان أغلبه حول النص، كان طبيعيا بل ضروريا أن يقع لأن النص مهما اعتبر مقدسا فقد حملته لغة، أي انه قابل لتعدد المعنى، بمعنى يكون سببا في اختلاف التأويل، ثم إن النص ثابت في حين الواقعة متغيرة، أو كما يقول ابن خلدون" الوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص"


كان الزهاوي جزءا من هذا النسيج الذي تأتي عليه التحولات ولا تمر عرضا وإنما تحاول اهتزازه بقصد التغيير والتبدل، وساق هذا اضطرابا في العلاقات الاجتماعية والثقافية، يقول الزهاوي في مقدمة رباعياته"أهديها إلى الأجيال الآتية، الذين يعيشون في بغداد غير بغداد هذه، وأنا يومئذ تراب صامت "، فالقول مبني على ثيمات متعددة هي: إلغاء للآخر الحاضر، وحضور الأنا بصورة أخرى في زمنية متداخلة، فهي التجديد غير المتوائم مع الحاضر، وهي في المستقبل موائمة له في صورة الفكر(وأنا تراب صامت)، والاعتراف بالآخر المستقبل(بغداد غير بغداد هذه) على أنه امتداد لأناه وهو باختلاف متجاوز ولاغٍ لغيره، على أن الجديد الذي يمثله المستقبل يبدو نسبيا في مواجهة قوله وهو يتهكم على أدعياء الأدب فيسميهم(فريق من أدبائنا الجدد)، فالجديد من المفروض أن يكون وهو يرحل به، الصورة المطلوبة والمقبولة، لكنه يلغيها لدى الآخرين، يؤكد ما سبق قوله" لعلمي أنها– يقصد بغداد– سوف تكون أرقى من جيلي الذي أنت أحدهم" إن الإلغاء للآخر واضح في قوله" أرقى من جيلي الذي أنت أحدهم" فأخرج ذاته، وأفردها من الجيل، وحدد الآخر بـ(أنت) ليحقق اختلافه. لكن ما هو المحمول الذي يدفع نفسه فيه إلى أجيال أخرى ويحقق فيه اختلافه؟ يقول مقللا من شأن الشاعر الذي لا يلم بما حوله من علوم" الشاعر الجاهل لعلوم عصره، لا تعلو روحه فلا يعلو شعوره"، ويعبر عن حبه للعلم بقوله" لأني أجد فيه لذة لا تضاهيها لذة ولأني أجد لنفسي تفوقا على من لا نصيب له منه، والإنسان يحب بالطبع نفسه ويريد لها التفوق، بدرجة الأنانية الممقوتة لإفراطها"، فلما كان اهتمامه بالعلم خاص به، رأى مثال نفسه هو ما يجب أن يكون عليه كل شاعر، بل قلل من شأن الأخير عندما نعته بالجهل، وهو اختلاف لا يقوم على وجه حق أن تلغي غيرك وتقصيه، وقد وجد ارتفاعه عن الآخر، وما زال حديثا بالعلوم، بأن أعلن مبررا ذلك التعالي بأنه طبع إنساني، على الرغم من أن الثقافة هي التي تدفع إليه، لكن أيرتفع الإنسان فيما يمتلكه أم فيما يعطيه؟ لقد أعطى الزهاوي في ذلك الاصطراع أقصى ما يمتلكه، فكتب المقالة والبحث العلمي والشعر، وأسهم في الكتابة في موضوعات كحرية المرأة وحقوقها، والفقر والتطرف الديني، ولعل أهم موضوعة ظل لصيقا بها وكتب فيها ديوانا كاملا هي(موضوعة الإلحاد)، وهو في كل هذه المشكلات التي عالجها طرح وجهات نظر مغايرة مجسدا الاختلاف الذي كان من الممكن أن يؤلب عليه العامة أو يسوقه إلى حتفه، لكن السيف الذي ظل يخافه من العامة والسلاطين، لا يرى حرجا في أن يحمله ليواجه به الآخرين، إذ دعا في كتابه(الفجر الصادق) الناس للسير تحت راية العثمانيين واعتبر من لا يسير تحت هذه الراية " ملحدا أو باغيا كافرا"، على أن ملمحا آخر نرصده هو النكوص أو تغيير الموقف ونجده يطغى كلما طغى الزبد حوله بالضد من رأيه، ففي الحين الذي يصرح بـ"أن مبدأي مادي يخالف مبدأ الآخرين الروحي" وهو اختلاف واضح في التصنيف الفلسفي نجده في موضع آخر بعد الضجة التي أثيرت حول قصيدته(الدمع ينطق) كتب يقول" إذ لم يكن من قصدي– أني أنظم في علم الكلام– وليس ما أوردته إلا رأي من الآراء العلمية، لا يوجب كل هذا الحنق"، فيكون الذي يقوله محض رأي علمي وكأن العلم لا يعارض الدين في بعض قضاياه وهو الذي صنف نفسه ماديا إزاء أهل الروح.

في وصفه لديوان نزغات الشيطان يذكر هلال ناجي"إن الديوان اسمه كما كتبه الزهاوي (النزغات أو الشك واليقين) وليس نزغات إبليس كما ذكر(سلامه موسى)، أو نزغات الشيطان كما ذكر أغلب مؤرخي الزهاوي وحتى الزهاوي نفسه في رسائله إلى احمد عيش. ومادام الديوان يتأخر نشره بعد وفاة الشاعر كما طلب من(سلامه موسى) وهو يودعه لديه، فإن المؤرخين عرفوا أن للشاعر ديوان( نزغات الشيطان) من تصريحاته والذي أفيده من هذا أن الشاعر قد اطلع على دراسة مقارنة للفيلسوف التركي(رضا توفيق) عن عناصر فلسفة(عبد الحق حامد) وعن مقارنة شعره بما جاء في ديواني(فكتور هيجو) (الله) و(نهاية الشيطان) يبدو أن الزهاوي أفاد على الأقل من عنوان هيجو الأخير، إذ أن من معاني النَزَغ، الطعنة والنخسة فيكون بين العنوانين مجاورة ولكن هل بين مضموني الديوانين تقارب، ليس لدي اطلاع على ديواني(هيجو) لكن أعرف أن الزهاوي أفاد من كتب غوستاف لوبون باعترافه وخاصة كتابيه(جوامع الكلم، وسر تطور الأمم) وضمّن أفكار رباعياته الكثير من آراء لوبون وسمى إحدى مجموعاته(الكلم المنظوم )، أريد أن أقول هنا أن جزءا من اختلاف الزهاوي كان يمتد إلى مرجعية ثقافته التي تجد امتدادها في الغرب، لكنه لم يسلم بقوة بمركزية الغرب، وهو إن امتدح الغرب في بعض قطعه في النزغات حين مقابلته للشرق بالغرب، فانه قد عده في موضع آخر عيبا، فيعلق على الشعراء المهجريين وآرائهم في الشعر بأنهم "تشربت أدمغتهم بالشعور الغربي لكثرة ما مارسوه من أدب الأمريكيين". يقدم الشاعر لديوانه بقوله" اختلف في صاحب هذا الشعر فمن قائل انه لجماعة من الفلاسفة كالرئيس أبي علي بن سينا وابن رشد وابن كمونه البغدادي، وقائل إنه لفيلسوف كان في زمن الغرور من حياته ماديا فقال ما قال من شعر كله شك ثم ظهر له الحق فعاد روحيا، وقال ما قال من شعر كله يقين"، وهو بنحله شعره إلى فلاسفة إسلاميين سابقين، وطد انتماءه إلى نسق في الفكر العربي الإسلامي، فيكون الاختلاف في الزمن يعطي شرعية أن يكون في الآن، لكن هل كان الزهاوي فيما قاله من شعر، فعلا، نسقيا؟ إن فحص الديوان يؤكد أن إطاره المرجعي يتحرك وفق رغبة في صياغة فهم اختلافي أفاد من قضايا تناولها التراث تجدها في أفكار المعتزلة، وبعض الشعراء المتفلسفين كأبي العلاء المعري، وأخرى تناولتها الفلسفة الإسلامية وبعض المتصوفة فيما يخص الدين، لكن مرجعية الزهاوي لا تقف عند هذا الحد بل تجاوزته إلى بون شاسع، فأفادت من العلم كنظرية دارون، والفلسفة الحديثة كنيتشه وفكرة موت الإله وعلم النفس ومنجزات فرويد وخاصة نظريته عن الوهم التي قرنها بالإله، والزهاوي باختلافه هذا، يكون بالمواجهة إزاء هوية نمطية ظلت متحكمة بسلطتها التي تستمد ثبات نمذجتها من القدسية والمطلق، إذن الزهاوي كان متسقا مع ما استحدث من علوم عصره، لكنه لم يكن بالنسق الذي أراده أو ادعاه في تقديم الديوان. القضية الثانية التي شغل بها التقديم، إن هذا الشعر قيل على قسمين الأول في الشك والثاني في اليقين، ونحن نقابل التحول من الإلحاد إلى الإيمان بقوله(فعاد روحيا)، فانه يرتد ثم يعود فكان عودا إلى الفطرة، لكن هل من السهل العودة من مرجعيات الشك إلى بدئيات المعرفة(الفطرة) بالنسبة لمتفلسف، ذلك ما نرصده من خلل يظهر في أن شعر الإلحاد أغزر من شعر الإيمان– (370) بيتا للأول و(184) بيتا للثاني– هذا بتقسيم الشاعر لكن الإحصائية تكون أكبر لصالح الشك، لو لاحظنا التداخل الذي شاب النصوص في القسمين، فصنفت بعض نصوص الشك في قسم اليقين والعكس كان أقل، وهذا يحيلنا إلى اضطراب الشاعر، فضلا عن أن الشعر يستغلق على الشاعر عندما ينتقل إلى الإيمان، وهو ما نجد امتدادا له في الشعر العربي القديم، فشعر حسان بن ثابت مثلا يضعف– في تقييم النقاد- في الإسلام، في حين يعيا الشعر على آخرين فيسكتون وذلك واضح في شعر أغلب المخضرمين، فضلا عن أن القضايا التي أثارها في قسم الشك لم يرد عليها في قسم اليقين مفندا لها، بل كان في الشك حجاجيا محاورا باختلاف واضح وبإلغاء غالبا للآخر وبمرجعية متسقة مع المنجز العلمي في حين يقينه كان تسليميا مثل إيمان عوام الناس، وهو ما عابه على الناس في أخذهم دينهم في أبيات الشك. قد يبدو أننا بعد الذي قلناه نريد أن نخلص إلى أمرٍ وهو: هل كان الزهاوي ملحدا وهل العود للروح كان محمولا على رغبة صادقة فيلغي بهذا اختلافه؟ لا يعنينا ذلك كثيرا أن يكون الزهاوي مؤمنا أو ملحدا، لكن نحاول أن نفسر شيئا من هذا التناوح بين طرفين الإيمان والإلحاد ونستنبطه من قوله" وليس من الحق أن يطالب الشاعر بتصوير أفكاره غير عابئ بإحساس الجمهور"، فيكون قد حقق شروط الاختلاف، وان كان بنكوص عن شيء من آرائه، فهل كان اليقين، بعد ذلك، مع ضعفه قد دُبّج احتراما للجمهور، ويعادل التطهير الإرسطي في الدراما، قد يبدو هذا الاحترام أبويا متعاليا في مثل إقراره جهل الآخرين الذي يحتاج التعلم، فيخاطب الحكومة الدستورية العثمانية بعد الضجة التي أثيرت حول مقالة(المرأة وحقوقها في الإسلام) " لا تقتص من الصابغين أكفهم بدمي. . . بل تعنى بتعليمهم وإنقاذهم من الجهل لئلا تمتد أيديهم في المستقبل إلى منكد آخر مثلي في كل كتاباته إصلاحا اجتماعيا"، فتكون حياته بعد ذلك مجملة بنفي وغربة كان وراءها الاختلاف.


__________________

sarmad1960
10-26-2006, 04:37 PM
مرثية عبدالمحسن السعدون 1




نطقتْ حشاشة محسنٍ تتبرّمُ
حتى إذا سكتتْ ونىً نطق الدمُ
لله.. تلك النفس كيف تمزّقتْ
برصاصةٍ وثّابةٍ لا ترحم
ضحّى الرئيس بنفسه لبلاده
لما رأى أنّ السياسة تغشم
ضحّى بأغلى ما لديه لأجلها
والليل مسدول الذوائب أسحم
بعد الرجاء عراه يأسٌ مثلما
عقب النهار يجيء ليلٌ مظلم
فمشت به نحو الحتوف جريئةً
رجلٌ إذا ما صمّمت لا تحجم
هذا لعمري في البطولة فوق ما
في الحرب يفعله الكميّ المعلم
للجرح فوق القلب منها فتحةٌ
تحكي فماً في صدره يتكلّم
أبلغ بما أدلى به من حجةٍ
لما تكلّم دامياً ذاك الفم
جود الرجال بمالهم عظمٌ
لهم والجود بالنفس العزيزة أعظم
غيرَ الذي فعل الرئيس بنفسه
ماذا عسى أن يفعل المتبرّم؟
في كلّ بيتٍ للرئيس مناحةٌ
في الرافدين، وكلّ يومٍ مأتم
حملوه يبغون القبور، وخلفه
سيلٌ من البشر المشيّع مفعم
فمضى يعج وراء موكب نعشه
جيشٌ من المتفجّعين عرمرم
لم تشهد العُصُرُ القديمة موكباً
ضخماً كموكب نعشه يتقدّم
يا مطلقاً في صدره لرصاصه
سرْ في طريق الموت، فهو الأسلم
تالله إنّك بانتحارك يائساً
عن كلّ أبناء العراق تترجم
ليلٌ، وزوبعةٌ، وبحرٌ ثائرٌ
أنا لا أرى أنّ السفينة تسلم

وفي القصيدة نفسها صياغة شعرية للوصية التي تركها عبدالمحسن السعدون, والأبيات على لسان عبدالمحسن:

أنا إن سكتُّ عن الذي قد غمّني
فدمي الذي أهرقتهُ يتكلّم
لا يُنكرُ الأعقاب صدقي بعد ما
في صفحة التاريخ سجّلهُ الدم
ولقد تحمّلتُ المصائب كلها
من أجل أوطاني التي هي تظلم
تلك التي فيها مآثر أسرتي
وربوعهم، وقبورهم، والأعظُم

sarmad1960
10-26-2006, 04:38 PM
مرثية عبدالمحسن السعدون 2
بعد اليأس






آثرتْ حتفك بعد اليأس تنتحرُ
في حين كان إليك الشعب يفتقرُ
ضحّيت بالنفس، والأقدار واجمةٌ
من هول ما جئته، والليل معتكر
بقيت في الحزب مثل النجم مؤتلقاً
لا كالذين اختفوا من بعد ما ظهروا
ما كان يرنو إلى ما كنت تنفذه
إلاّ السماء وإلاّ الأنجم الزهر
فهل سئمت حياة طال شقوتها
حتى قذفت إليها النار تختصر
وقرّ بعد قليلٍ كلّ نابضةٍ
إلاّ دماً عربياً كان ينفجر
وما انتحارك بدعٌ في جراءته
فطالما يئس الأحرار فانتحروا
وكنت هاديهمُ فيما به اختلفوا
تقيلهم كلّما في سيرهم عثروا
وكنت للشعب رأساً في حكومته
والرأس فيه الحجى والسمع والبصر

sarmad1960
10-26-2006, 04:39 PM
الزهاوي




مرصد الحضارة





اسم تربع على عرش الأدب العربي خلال حقبة من الزمن ، اشتد به الوجة والهيام حتى مات في أوائل عام 1936م جميل صدقي الزهاوي ، شاعر العراق العظيم الذي آثر البلاد بالالتجاء الى سماء حبها ، وقد ظل محتفظا بحيويته القوية وذهنه الخصب ، وفنه الرفيع الى آخر حياته.

هكذا قال عنه الاستاذ أحمد الصاوي محمد صاحب ومحرر (مجلتي) في الأول من مارس عام 1936م.

(قد كنت واثقا بالعهد بيننا من ذا أضاعه أ.أنت أم انا)

الزهاوي شاعر رقيق ولرقته سمة تراها في قصائده وفرائده وأثرا لحسه وأي أثر...أونا يهيجه الحديث..وحينا تشغله الفتنة فاذا النظم البديع والشعر الوديع ، يتدفق تدفق الاحلام..ويسيل رفيقا الى شاطئ الدنيا.

عاش الزهاوي فنانا يتعشق الجمال والكمال ، وبكل فنان قصة الهبت حواسه ، وأرهفت طبعه وجعلته يردد في شعره خوالج الألم ، واحاسيس الرضا ونزعات النفس.

الزهاوي شاعر عربي عبقري ،يعده اناس رأس الشعر واماما للشعر الحديث.

نفس الشاعر ابدا عاشقه ، يستويها من الحياة كل جميل فهي تنزع للحسن وتصبو اليه وتطلق الفن تصوغ التراتيب وتصور نوازع الروح ، ورغائب القلب ويرسم للوجود لوح الخلود الزهاوي له قلب ،(لا كالقلوب) لان لقب الشاعر لونا آخر يخالف منهج الناس ويباين من الطبائع الجامدة ، فقد يسع الدنيا وقد تضيق به يشجيه نغم الروح ويبكيه حزن الألم.

نزع الزهاوي للحب ، وتاق قلبه لعذراء تملؤه وتتربع في قصائده الصدر ،جدها ليلى..ترنو اليه ، وتحادثة مقلقاها وتناديه شفتاها وتقيدة الاحداق كالأطواق فاذا العابد واجد والشكاء بكاء ، والمنى ضنى .

لعل ليلى مثله عاشقة واقعه ، ولعلها تأسو لا تقسو فقسوة ان تحتمل الأرض دمع الشاعر ودم القلب الجريح الذبيح شبب وتعذب ، وتمنى لو تلاقيه فتناجيه ، ورجاها لحظة فيها يراها.

والليل ساج ، والقمر نور في كبد السماء ، وتململت وتدللت وتمنعت تغريه فاقبل يتوسل ويترسل ، فان جاءت ثم ولت انشد يتوجع.

ظفرت بالمنى في ليلة هنا

في ليلة بدت بيضاء بالسنا

كانت سعادة فلم تدم لنا

ان كان ساكبا لنوره القمر

وكان تحته يحلو لن السمر

أراد الزهاوي سعادة دائمة قائمة ، تبقى على الزمن ، ويفنى عندها الزمن ، وتمر بها الأجيال مرور طيف او اقامة ضيف شغلته عواطفه وآنسته ليلى الدنيا ، الا القمر القمر الذي يذكرة بياضةه ببياض حبه وقلبه ، وهذا النور الذي يملأ الليل سنى ومنى ويضفي عليه سحرا.

عندما ينقبض الليل ، تقلقه الهواجس ويواتيه الماضي ، وتتدفق عليه الذكريات والذكرى عندما تتيقظ تقسو وقليلا تشفق ولربما الحسرة انفذ نبالها تحرق وتمزق.

ليلى تنيليني أو أجتني انا

اجني لذاذة ما أطيب الجنى

فيضمك الرضى وتبسم المنى

يالهفتي على عيشي الذي عبر

وحسرتي على أوقاته الغرر

وجميل صدقي الزهاوي عربي المنبت ، انسان سمت انسانيته وفنان بفطرته يخلص في حبه لاعتقاده برسالة القلب ، وان الهوى الصادق الاخلاص الصادق وقليل عذر كفيل وان يجتث الحب ويميته ومن منا يحتمل ان يسعى في جنازة نفسه ويشيع اخلاقه الى قبر لا ينبت فوقه الورد.

ويشتد بالزهاوي الحزن ، وتبرح ربه العلة ، وتتكالب عليه الوجيعة وتتبدى له الحياة عارية ، تجردت كتجرد الفقر ، أمحله الدهر ، وخلت الا من الألم يتجرعه ويستقيه كاسا بعد كأس.

آه من الأسى أه من الضنى

الموت راعني في الليل اذا رنا

من ذا يرده من بعد ما دنا

هكذا عاش الزهاوي طموحا ، لا تقنعه اللقيا ولا تكفيه فهو يخاف رهبة الفراق ورغبة الشوق ، ويتعلق بأمانيه ومراميه ويسأل (ليلاه) مناه ، لتسعد أوقاته وتصفو لحظاته ويعيش الى رضاها سعيدا قانعا بوداعة الدنى وبسمة الليل هاجرته التي يذكر وقتها الدابر ، وعيشها الغابر ، وأزمانها والحانها وحنينه اليها ، ورغبته فيها ونبتت في انقاضها بنفسجية.

هكذا كتب عنه / بهاء الدين شرف

مجلتي مارس عام 1936

sarmad1960
10-26-2006, 04:40 PM
الزهاوي





صور مكانة المرأة في المشرق العربي وكان من أوائل من دعا الى السفور
جميل صدقي الزهاوي واستلهام الموروث التنويري





نعيم ناصر

شهدت بدايات وأواسط القرن الماضي استشراس التيار المحافظ سواء كانت تركية أو عربية، في معاداة المصلحين .
يبدو أن السجال بين دعاة سفور المرأة وحجابها، الذي يثار بين الفينة والأخرى هذه الأيام، هو امتداد للسجال الذي كان يدور في بدايات القرن الماضي، وان اختلفت الأزمان والوسائل، وتعددت وسائل التعبير.. وتشير معطيات التاريخ الى أنه كلما شهد العالم ثورة علمية نهضوية، وخصوصاً في أوروبا، برزت فئات دينية إسلامية محافظة تحرم التعاطي مع تداعيات هذه النهضة وخصوصاً في جانبها الاجتماعي، بحجة أنها بدعة غربية تتنافى مع الشرع والعادات والتقاليد، وتزيد من تمسكها بالبالي من الموروث العربي. ولا يجد هؤلاء المحافظون من متنفس لحقدهم الا صب جام غضبهم على أضعف الفئات الاجتماعية، ونقصد النساء.
فأي دعوة لتحرر المرأة ونبذ كل ما يكبلها، بما فيه الحجاب، كانت تواجه بردة فعل عنيفة تتعدى السجال الكلامي الى التحريض والتهديد، وربما الاعتداءات بأنواعها. وشهدت بداية وأواسط القرن الماضي استشراس التيار المحافظ، مدعوماً من الفئات الحاكمة، سواء كانت تركية أو عربية، في معاداة المصلحين ودعاة مساواة المرأة بالرجل.
ومع ذلك صمد دعاة التنوير وواصلوا أداء رسالتهم التي نذروا لها أنفسهم.. ومن هؤلاء الرواد جميل صدقي الزهاوي (1863 – 1936) الشاعر والفيلسوف العراقي المعروف.
فإلى جانب كونه من الشعراء العرب المرموقين، عرف بآرائه الفلسفية التقدمية، ومنهجه الاجتماعي الداعي الى التحرر واحترام المرأة وتقدير دورها في بناء الوطن.
وقد اكسبته مواقفه وثقافته هذه حضوراً بارزاً في الأوساط الثقافية والأدبية والنهضوية في معظم الدول العربية، وخصوصاً في بلاد الشام ومصر. وقد قال فيه طه حسين: "لم يكن الزهاوي شاعر العراق، فحسب، بل شاعر مصر وغيرها من الأقطار.. لقد كان شاعر العقل.. وكان معري هذا العصر.. ولكنه المعري الذي اتصل بأوروبا وتسلح بالعلم".
وكما أورد الدكتور مفيد السواح، كان الزهاوي نصيراً عنيداً للمرأة، وكتب في حريتها ومساواتها بالرجل الكثير من النثر والشعر. وعده الدكتور علي الوردي أول من دعا الى تحرر المرأة في العراق، عندما نشر مقالاً في مجلة "المؤيد" المصرية عام 1910 بعنوان: "المرأة والدفاع عنها" وأعادت نشره مجلة "تنوير الأفكار" العراقية في صفحاتها، ما أدى الى حصول حالة هياج عامة في بغداد، بتحريض من المحافظين والمتزمتين، حيث خرجت التظاهرات الصاخبة مطالبة بإنزال العقوبة الرادعة على الكاتب "الزنديق". بل إن أحد رجال الدين العراقيين ذهب الى والي بغداد التركي ناظم باشا، وأوضح له ما يترتب على هذه المقالة المكتوبة "من أحد المارقين عن الدين من مفاسد مخلة بالشريعة". فلم يكن من الوالي الا أن أصدر أمره بعزل الزهاوي من وظيفة التدريس، التي كان يشغلها في مدرسة الحقوق في بغداد.


***

ونظراً للسخط العارم، الذي رافق صدور المقالة، فقد اضطر الزهاوي الى الاعتزال في بيته خوفاً من الاعتداء عليه، الا أن اعتكافه لم يغنه شيئاً، فروي أن مجموعة ممن يسمون بـ "حراس الفضيلة" ذهبوا الى داره ليلاً، وطلبوا منه اخراج زوجته لتذهب معهم الى المقهى، ولما استنكر الزهاوي ذلك منهم، قالوا له: كيف اذن تطلب من بنات الناس أن يرفعن الحجاب ويختلطن بالرجال! وفي نهاية الأمر تركوه وشأنه، بعد أن أخذوا عليه العهود بأنه لن يعود الى مثل هذه الكتابة "الفاسدة" وهددوه بالقتل في حال عودته اليها.
وفحوى مقالة الزهاوي المذكورة، كما يقول السواح، أنه عبر فيها عن اعترافه الكامل بدور المرأة المهم في الأسرة والمجتمع، وتطرق الى المفاهيم السائدة، التي تحط من قدرها وتظهرها كمتاع يمتلكه الرجل، ويفعل به ما يشاء، ويحق له التخلي عنه أو استبداله متى رغب في ذلك.. تلك المفاهيم، التي لا تعترف للمرأة بمقوماتها كإنسان، وبالتالي بحقوقها البشرية.. واستشهد بأمثلة من نمط الحياة الأوروبية، التي تتمتع المرأة في ظله بحريتها، ما جعلها عنصراً فعالاً في بناء المجتمع والحضارة، ويوفر لها الكرامة الإنسانية.
وعلى الرغم من ردة الفعل العنيفة على تلك المقالة، الا أنها أتت أكلها، كما يقول الكاتب العراقي أحمد الناجي "فبعد 14 سنة من حادثة الزهاوي، أثيرت ضجة حول موضوعة السفور والحجاب عند وصول الأمير غازي بن الملك فيصل الى بغداد في الخامس من تشرين الثاني 1924 قادماً من الأردن، حيث جرى له استقبال كبير، وارتسمت دهشة في وجوه الناس حينما وجدوا من جملة المستقبلين فرقة كشافة مؤلفة من فتيات سافرات طالبات في مدرسة البارودية للبنات.. ولم تكتف مديرة المدرسة، واسمها معزز برتو، بذلك، بل صارت تقوم بإخراج فرقة الكشافة عصر الاثنين من كل أسبوع تسير في الشوارع وفيها الفتيات سافرات...".


***

وعن حجاب المرأة وتسترها أمام الرجال تحدث الزهاوي مبيناً أن فيه امتهاناً فظيعاً لها، وتكريساً لثقافة الخوف والضعف وانعدام الثقة، محدداً سلبيات الحجاب على الصعد كافة، وايجابيات السفور التربوية والاجتماعية، وانعكاسه على قدرة المرأة على تطوير المجتمع الى جانب الرجل:
قال هل في السفور نفع يَرجى
قلت خيرٌ من الحجاب السفورُ
انما في الحجاب شلٌّ لشعب
وخفاءٌ وفي السفور ظهورُ
كيف يسمو الى الحضارة شعبٌ
منه نصفٌ عن نصفه مستورُ
ليس يأتي شعبٌ جلائلَ ما
لم تتقدم اناثه والذكورُ
ان في رونق النهار لناساً
لم يزُلْ عن عيونها الديجور

وفي قصيدة أخرى يقول:
كان الحجاب يسومها خسفاً ويرهقها عذابا
إن الأُلى قد أذنبوا هم صيروه لها عقابا
وسيطلب التاريخ من ناس لها ظلموا الحسابا

ودعا في قصائد عديدة المرأة العراقية الى الثورة والخروج من أسار الحجاب منها الأبيات الآتية:
مزقي يا ابنة العراق الحجابا
واسفري فالحياة تبغي انقلابا
مزقيه واحرقيه بلا ريث
فقد كان حارساً كذابا

وهو في الوقت الذي يرى في بلاد العرب استهانة بقدر المرأة وتهميشاً لها خارج العمل والعطاء الى جانب الرجل، لبناء الوطن، فانه يقارن الحال بما هو عليه في الغرب، حيث للمرأة احترامها ومكانتها، واسهامها بالعمل والبناء يداً بيد مع قرينها الرجل:
في الغرب حيث كلا الجنسين يشتغلُ
لا يَفْضلُ المرأة المقدامة الرجلُ
كلا القرينين معتزٌ بصاحبهِ
عليه إن نالَ منه العجزُ يتكلُ
وكلّ جنس له نقصٌ بمفرده
أما الحياة فبالجنسين تكْتملُ
أما العراق ففيه الأمر مختلفٌ
فقد ألمّ بنصف الأمة الشللُ

وكثيرة هي القصائد التي نظمها الزهاوي في وصف معاناة المرأة من قبل سلطة الأب، وبخاصة عندما يزوجها غصباً عن ارادتها برجل أكبر سناً منها، غير عابئ بانسانيتها وحريتها في اختيار شريك حياتها.. وهنا في هذه الأبيات صورة عن المأساة التي يعيشها هذا النوع من النساء:
كم قد تزوج ذو الستين يافعةً
والشيبُ في رأسه كالنار يشتعلُ
يقضي لبناته منها الى أجل
وقد يكون قصيراً ذلك الأجلُ
ولا يُبالي بحبل الود بعدئذ
أكان متصلاً ام ليس يتصلُ
تزوجت وهي لا تدري لشقوتها
أَزَوْجُها أحدُ الغيلان أم رجلُ
يسبها لا لذنب ثم يركُلها
بالرجل منه مهيناً وهي تحتملُُ
وبعد ذلك يعدو كالنعام الى
أصحابه وهو مما جاءه جَزِلُ
ولم تكن أربع يشبعن نهمته
والذئبُ يُشبعْهُ من جوعه حملُ

هكذا صور الزهاوي مكانة المرأة، ليس في المجتمع العراقي، فحسب، وانما في عموم المشرق العربي، أيضاً.. ومع ذلك لم ييأس، ولم يكن متشائماً، بل كان متفائلاً، اذ رأى أن الخلاص من هذا الواقع الذي كبل المرأة وبالتالي المجتمع ممكناً، بشرط التخلص من أسباب الظلم والتمييز الواقع على النساء..
لقد كان لشعر ونثر الزهاوي، وبخاصة المقالة، السالفة الذكر، في العام 1910 صداه لدى مجايليه من الشعراء الكبار من أمثال معروف الرصافي وولي الدين يكن وبدوي الجبل، فوظفوا شعرهم ونتاجهم الثقافي، الى جانب الزهاوي في الدعوة الى تحرر المرأة، من قيود الحجاب وانطلاقها نحو الآفاق المشرقة المفعمة بالأمل..
ولعل أبيات الرصافي الآتية التي قيلت في منازلة شعرية مع الشاعر العراقي عبد الحسين الأزري عام 1922 حول الحجاب أكبر مثال:
لقد غمطوا حق النساء
فشددوا عليهن ألا خرجت بغطاءِ
ألم ترهم أمسوا عبيداً لأنهم
على الذل شبوا في حجورِ إماءِ
أقولُ لأهل الشرق قَوْلَ مؤنّبٍ
وان كان قولي مسخط السُّفهاءِ
ألا إنّ داء الشرقِ من كبريائهِ
فبعداً لهم في الشرق من كبراءِ
واقبح جهل في بني الشرق أنهم
يسمون أهل الجهل بالعلماءِ

وعودة على بدء نقول ان التجاذب بين دعاة التنوير في العالمين العربي والإسلامي، وغيرهم من دعاة التشدد والتمسك بالموروث الثقافي الظالم، وخصوصاً في موضوع حجاب وسفور المرأة، سيبقى قائماً، ما دام الذكور هم صاحب القول الفصل في هذا الشأن، وكلا الجانبين يستفيد من تقنيات النهضة العلمية والتقنية الحالية، التي أبدعها الغرب، وإن سخِّرت في أغلبها للمحافظين، ويلاحظ ضعف اسهامات الشعراء في هذا الموضوع، على عكس من تبني شعراء القرن الماضي لقضية المرأة وتحررها ومساواتها بالرجل.


__________________

sarmad1960
10-26-2006, 04:41 PM
أسرار تنصل الزهاوي من مقال كتبه عن المرأة


From this aliraqi thread, by The Sniper




معركة أدبية ... انحنى للعاصفة وفقد عمله في مدرسة الحقوق
أسرار تنصل الزهاوي من مقال كتبه عن المرأة


..snip...

وخشي الزهاوي عاقبة هذه الثورة، فكتب إلى ناظم باشا والي بغداد يومئذ يقول: “أسمع أن أحد المشايخ المتلبسين بالتقوى في بغداد -هذا البلد الذي يسيطر عليه حكم الدستور وعدلك الواقي- أخذ يدير رحى فتنة، فقام يحرض الجاهلين على الإيقاع بي باسم الدين البريء من الظلم جزاء مقالة اجتماعية نشرت بإمضائي في “المؤيد” كما في “تنوير الأفكار” دفاعا عن المرأة، وهي عدا كونها شبهات ضعيفة استفهامية تزول من نفسها، لم يتعين بعد أكاتبها أنا، أم هي مزورة على لساني من عدو لي في العراق، الذي أرجو من الحكومة الدستورية ألا تقتص من الصابغين أكفهم بدمي إذا كان ما يريده المحرضون -أظنهم أكثر من واحد- بل تعني بتعليمهم وإنقاذهم من الجهل لئلا تمتد أيديهم في المستقبل إلى منكد آخر على مثلي، يتمنى في كتاباته إصلاحا للأمة اجتماعيا”.

فقد تنصل الزهاوي من مقاله بعد أن خشي عاقبتها، وتملكه الرعب فقبع في بيته ينتظر مرور الأزمة بينما زاد هذا الموقف نفسه قاسما من قبل إصرارا على رأيه، وجمع حجج المعارضين ثم فندها في كتابه “المرأة الجديدة”، غير أن الأزمة لم تمر، وبدأت الغيوم تتلبد في سماء حياة الزهاوي منذرة بالخطر، فقد ثار مع الثائرين العلامة مصطفى نور الدين الواعظ، وقابل الوالي، وبين له أثر المقالة الخطير في المجتمع وخروج صاحبها على أحكام الشرع، ولم يُجد الزهاوي ذلك التنصل المشبوه، وكانت النتيجة أن عزله الوالي من وظيفته بمدرسة الحقوق.

ولم تهدأ المعركة عند هذا الحد، بل ارتفع غبارها في العراق حتى وصل إلى مصر، فشارك بعض أدبائها في المعركة، وشرعوا سيوفهم يتنازعون الموقف بين مؤيد ومعارض، نثرا وشعرا.

أما في العراق فقد سكتت الأصوات إلا صوت رجال الدين، مثل محمد سعيد النقشبندي مؤلف كتاب “السيف البارق في عنق المارق”، وفي مصر تردد صدى المعركة القومية في كتاب “المرأة في الإسلام” لمحمد حمدي النشار الشاعر، وقد أسمى مقالة الزهاوي “العراقية” بعد أن حاول شاعرنا التنصل منها، وسمى صاحبها “الأستاذ العراقي”.

ولكن إذا كانت هذه المعركة قد هزت الزهاوي وجعلته يحاول التنصل من المقالة أمام الناس، فهل غير رأيه؟ الواقع أنه ثبت على رأيه بعد ذلك، والذي يقرأ ديوانه المطبوع عام 1924 يجد عدة قصائد في المرأة كلها تدور حول تمسكه بهذا الرأي.

ولم تدم المعركة طويلا، فقد هدأ غبارها بعد عام واحد، وبدأ الشاعر يضمد جراحه التي خرج بها من المعركة، ويقول الشعر الذي ثبت فيه على رأيه والذي هجا فيه الوالي، عام واحد عزل بعده الوالي نفسه، وجاء والجديد هو جمال باشا، فأعاد الزهاوي إلى مدرسة الحقوق، ونفض الشاعر عنه غبار المعركة.

sarmad1960
10-26-2006, 04:43 PM
الزهاوي


ثورة أهل الجحيم 1
1929 /تشرين الأول/ 25


بعد أن مت واحتواني الحفير
جاءني منكر وجاء نكير
ملكان اسطاعا الظهور ولا أدري
لماذا وكيف كان الظهور
لهما وجهان ابتنت فيهما الشرَّةُ
عشا ً كلاهما قمطرير
ولكل ٍ أنفٌ غليظ ٌ طويل
هو كالقرن بالنطاح جدير
وفم ٌ مهروس ٌ يضاهي فم الليث
يريني نابا ً هو العنقرير
وبأيديهما أفاع ٍ غلاظ ٌ
تتلوى مخيفة وتدور
وإلى العيون ترسل ناراً
شرها من وميضها مستدير
كنت في رقدة ٍبقبري إلى أن
أيقظاني منها وعاد الشعور
فبدا القبر ضيقاً ذا وخوم
ما به للهواء خرم صغير
إن تحت الأرض إلا قليلاً
منزل المرء ذي الطموح الأخير
ألمن ْ خاب حفرة ٌ ذاتُ ضيق ٍ
ولمن فاز روضة ٌ وغدير
أتيا للسؤال فظين حيث الميتُ
بعد استيقاظه مذعور
عن أمور كثيرة قد أتاها يوم كان
في الأرض حيا ً يسير
نظرة ٌ صيحة ٌ ثم حوارٌ
بين أقساهما وبيني يدور
واقفا ً لي كأنما هو نسرٌ
وكأني أمامه عصفور
خار عزمي ولم أكن أتظنَّى
أن عزميَ يوماً لشيء يخور
ولقد كنت في البداية أشحى مثلما
يشحى للخشاة الذًَّعور
ثم إني ملكت نفسي كأني لست
أخشى شيئا ً وإني جسور
مظهرا ً أني كنت أحمل نفْساً
لم يكن للشكوك فيها خطور
غير أني صدعت بالحق في الآخر
حتى التأثتْ عليَّ الأمور
في الأديب الحر ِّ النفاق ذميمٌ
وهو ما لا يرضاه مني الضمير
فألمَّت ْ بي َ الرزيَّة ُ حتى
ضجرت ْ من ضجيج قبري القبور


حوار

قال من أنت وهو ينظر شزراً
قلت شيخ ٌ في لحده مقبور
قال ماذا أتيت إذ كنت حياً
قلت كلُّ الذي أتيت حقير
ليس في أعمالي التي كنت آتيها
على وجه الأرض أمر خطير
قال في أي ٍّ من ضروب الصناعات
تخصصت إنهن كثير
قلت مارست الشعر أرعى به الحق َّ
وقد لا يفوتني التصوير
قال ما دينك الذي كنت في الدنيا
عليه وأنت شيخ ٌ كبير
قلت كان الإسلام دينيَ فيها
وهو دين ٌ بالاحترام جدير
قال من ذا الذي عبدتَ فقلت
اللهَ ربي وهو السميع البصير
قال ما ذا كانت حياتك قبلاً
يوم أنت الحرُّ الطليق الغرير
قلت لا تسألني عن حياة
لم يكن في غضونها لي حبور
كنت عبداً مسيراً غيرَ حرٍّ
لا خيارَ له ولا تخيير
ما حبوني شيئا ً من الحول والقدرة
حتى أديرَ ما لا يدور
كان خيرا ً مني الحجارة تثوى
حيث لا آمرٌ ولا مأمور
قال هلا كسبت غير المعاصي
قلت إن لم اكسب ْ فربي غفور
كان إثمي َ أني إذا سألوني
لم أقل ما يقوله الجمهور
إنهم من أوهامهم في إسار
ولقد لا يرضيهم التحرير
وإذا لم يكن هنالك رأي ٌ
لي َ أفضي به فلا أستعير
رب أمر يقول في شأنه العقل
نقيض الذي يقول الضمير
ثمرات الأحراث لا تتساوى
هذه حنطةٌ وهذا شعير
وقشور ٌ وما هناك لباب ٌ
ولباب ٌ وما هناك قشور
يتبع الجاهل الهوى أخاه
مثلما يتبع الضرير َ الضرير
قال هل صدَّقت النبيين فيما
بلغوه ولم يعقك الغرور
والكتاب َ الذي من الله قد
جاء فأدلى به البشير النذير
قلت في خشية بلى وفؤادي
من شعاع به يكاد يطير
إنه منزل ٌ من الله يهدي الناس
طرا ً فهو السراج المنير
قال هل كنت للصلاة مقيما ً
قلت عنها ما أن عراني فتور
إنما في اقتناء حور حسان
بصلاة ٍ تجارة ٌ لا تبور
قال هل صمت الشهر من رمضان
قلت قد صمته وطاب الفطور
قال هل كنت للزكاة بمؤتٍ
قلت ما كان لي بها تأخير
قال والحج ُّ ما جوابك فيه
قلت قد كان لي بحجي سرور
قال هل كنت للجهاد خفيفا ً
قلت إني لبالجهاد فخور
قال هل كنت قائلا ً بنشور
قلت ربي على النشور قدير
فإذا شاء للعباد نشوراً
فمن السهل أن يكون نشور
قال ماذا تقول في الحشر والميزان
ثم الحساب وهو عسير
والسؤال الدقيق عن كل شيء
والصراط الذي عليه العبور
والجنان التي بها العسل الماذيُّ
قد صفوه وفيها الحور
وبها البان تفيضُ ولهوٌ
وأباريقُ ثرَّةٌ وخمور
وبها رمانٌ ونخلٌ وأعنابٌ
وطلحٌ تشدو عليه الطيور
ليس فيها أذىً ولا موبقاتٌ
ليس فيها شمسٌ ولا زمهرير
والجحيم التي بها النار تذكو
في دهور وراءهنَّ دهور
إنما المهلُ ماؤها فهو يغلي
والهواء الذي يهبُّ الحرور
تلك فيها للمجرمين عذابٌ
تلك فيها للكافرين سعير
إن من كان كافراً فهو فيها
وإن اعتاد أن يبرَّ خسير
هو في نارها الشديدة حرَّانُ
وفي زمهريرها مقرور

قلت مهلاً يا أيها الملك الملحف
مهلاً فإن هذا كثير
كان إيمانيْ في شبابيَ جماً
ما به نذرة ولا تقصير
غير أن الشكوك هبت تلاحقني
فلم يستقر مني الشعور
ثم عاد الإيمان إلى أن
سله الشيطان الرجيم الغرور
ثم آمنت ثم ألحدت حتى
قيل هذا مذبذبٌ ممرور
ثم دافعت عنه بعد يقين
مثلما يدافع الكميُّ الجسور
وتعمقتُ في العقائد حتى
قيل هذا علاّمةٌ نحرير
ثم أني في الوقت هذا لخوفي
لست أدري ماذا اعتقادي الأخير


الصراط
لم يربنيَ أمرُ الصراط مقاماً
فوق وادٍ من الجحيم يفور
غير أني أجلُّ ربك من إتين ما يأباه
الحجى والضمير
فإذا صحَّ أنه كغرار السيف
أو شعرةٌ فكيف العبور
لا تخلْ أنْ عبرَ جسرٍ دقيقٍ
ذرعه آلاف السنين يسير
أنَّ ألفاً من صعود وألفاً
ذو استواء سمحٍ وألفاً حدور
أنها شقة تطول فلا يقطعها
إلا البهمة المحضير
ولعلَّ الذين ضحوا بأكباش
عليهم بهذا يهون المرور
أنا لو كنت بالبعير أُضَحي
سار بي مرقلاً عليه البعير
ولو أني ركبت صهوة يعفور
مضى بي يستعجل اليعفور
ولو أني هويت-لا سمح الرحمن-
منه فيها لساءَ المصير
لا يطيب الخلود في لجج النار
فإن الخلود شيء كثير
ربنا لا ترسل علينا عذاباً
ليس فينا على العذاب صبور
ربنا ارفق بنا فإنا ضعافٌ
مالنا من حول وأنت القدير

__________________

sarmad1960
10-26-2006, 04:44 PM
الزهاوي



ثورة أهل الجحيم 2
1929 /تشرين الأول/ 25




الملائكة والشياطين
قال ماذا رأيت في الجن قبلاً
ومن الجن صالح شرير
ثم في جبريلَ الذي هو بين الله
ذي العرش والرسول سفير
ثم في الأبرار الملائك حول العرش
والعرش قد زهاه النور
فتدوي السماء في السمع من تسبيحهم
مثلما يدوي القفير
ثم في الخناس الذي ليس من سواه
في الحياة تخلو الصدور
والعفاريت ذاهبين عراةً
تجفل الوحشُ منهمُ والطيور
والشياطين مفسدين بهم قد
ضلَّ ناسٌ همُ الفريق الكبير
قلت لله ما في السماوات والأرض
وما بينهن خلق كثير
غير أنيَ أرتاب في كل ما قد
عجز العقل عنه والتفكير
لم يكن في الكتاب من خطأ كلا
ولكنْ أخطأ التفسير

السفور والحجاب
قال هل في السفور نفع يرَجى
قلت خير من الحجاب السفور
إنما في الحجاب شلٌ لشعب
وخفاءٌ وفي السفور ظهور
كيف يسمو إلى الحضارة شعبٌ
منه نصف عن نصفه مستور
ليس يأتيَ شعبٌ جلائلَ مالم
تتقدم إنأثه والذكور
إن في رونق النهار لناساً
لم يزلْ عن عيونها الديجور



الإله
قال ماذا هو الله فهل أنت
مجيبي كما يجيب الخبير
قلت إن الإله فوق منال العقل منا
وهو العزيز الكبير
إنما هذه الطبيعة ذات اللاتناهي
كتابه المسطور
إنها للإله سفرٌ قديمٌ
ذو فصول والكائنات سطور
ولقد قال واصفوه هو العالم
هنا بما تكن الصدور
إنه في الجبال والبر والبحر
من الأرض والسماوات نور
فله الأرض ما لها من سكون
والسماوات ما بهن فطور
كل حيٍّ به يعيش ويردى
ليس إلا كما أراد الأمور
إنه واهب الوجوه فلولاه
لما كان للوجود ظهور
إنه واجب الوجود فقد كان
ولا عالمٌ ولا دستور
عرشه في السماء وهو عليه
مستوٍ ما لأمره تغيير
وهو يهتز للمعاصي كما
يهتز في زرقة الصباح السرير
وهو إن قال كنْ لشيء سيكون
الشيءُ من فوره فلا تأخير
إن هذا ما قد تلقنته والقلب
من شكه يكاد يخور
قلتُ ما قلتُ ثم إنك لا
تدري أحقٌ ما قلته أم زور
وأرى في الصفات ما هو لله
تعالت شؤونه تصغير
ما عقابي من بعد ما صح نقلاً
إن ما قد أتيته مقدور
ليس في ما جئته من خيار
إنني في جميعه مجبور
وإذا كان منه كفري وإيماني
فإن الجزاء شيء ٌ نكير
أللهوٍ والله ليس بلاهٍ
أم لجورٍ والله ليس يجور
أمن الحق خلقُ إبليس وهو
المستبد المضلل الشرير
إنه يلقي في النفوس شكوكاً
ذاتَ أظفارٍ نزْعُهن عسير
إنما في الدارين عسفٌ وحيفٌ
غير أن السماء ليست تمور
فلناسٍ تعاسةٌ وشقاءٌ
ولناس سعادةٌ وحبور
قال ما ذاته فقلتُ مجيباً
بلسان قد خانه التفكير
إنني لا أدري من الذات شيئاً
فلقد أُسدِلتْ عليها الستور
إنما علميَ كله هو أن الله
حيٌ وأنه لا يبور
ما لكل الأكوان إلا إلهٌ
واحد لا يزول وهو الأثير
ليس بين الأثير والله فرقٌ
في سوى اللفظ إن هداك الشعور
وبحسبي إني صدعتُ بما أدري
على علمي أنه سيضير

استمرار التحقيق والإعراب عن الملل
وإذا لم أردْ لأبسطََ رأيي
في جوابي فإنني معذور
أمن السهل أن أغيرَ قلبي
بعد ما في فؤاديَ بان القثير
قال إني أرى بخدك تصعيراً
فهل أنت يزدهيك الغرور
قلت من مات لا يصعر خداً
ليس بالموتى يُخلق التصعير
إنني أخشى الظالمين فلا أفتي
إليهم بما برأسي يدور
أي ذي مشكة يقول صريحاً
وعليه سيف الأذى مشهور
لا تكونا علي فظين في قبري
فإنيَ شيخ بعطف جدير
إن قول الحق الصراح على الأحرار
حتى في قبرهم محظور
فدعاني في حفرتي مستريحاً
أنا من ضوضاء الحياة نفور
أتعبتني الأيام إذ كنت حياً
وأنا اليوم للسكون فقير
اتركاني وحدي ولا تزعجاني
بزيارات ما بهنَّ سرور
اتركاني ولا تزيدا عنائي
بسؤال فإنني موتور
لم تصنْ من جرأة المستبدين
على الهالكين حتى القبور؟؟
كيف أفضيتما إلي َّ بقبري
وعليه جنادلٌ وصخور
قلت لما هبطتُ أعماقَ قبري
ليس خيراً من البطون الظهور
فإذا القبر ضيق ٌ بذويه
وإذا القبر فيه كربٌ كثير
إنما الدائرات في كل وقت
ومكان على الضعيف تدور

قال هذا هو الهراء وما أن
لاحتجاج تلغو به تأثير
قلت في غصة إذن فاصنعا بي
ما تريدانه فإني أسير
عذباني هنا إذا شئتما أو
ألقياني في النار وهي تثور
كنت لا أدري يوم كنت علىالأرض
طليقاً أن الحياة تدور
وسأمشي إلى جهنم مدفوعاً
وخلفي كالسيل جمعٌ غفير
إنما سألتماني عن أمور
هي ليست تغني وليست تضير
ولماذا لم تسألا عن ضميري
والفتى من يعفُّ منه الضمير
ولماذا لم تسألا عن جهادي
في سبيل الحقوق وهو شهير
ولماذا لم تسألا عن زيادي
عن بلادي أيام عزَ النصير
ولماذا لم تسألا عن وفائي
ووفائي لمن صحبت كثير
ولماذا لم تسألا عن مساعي
لإبطال الشر وهو خطير
عن دفاعي عن النساء عليهن
من الشقوة الرجالُ تجور
وسلاني عما نظمت من الشعر
فبالشعور يرتقي الجمهور
وسلاني عن نصريَ الحق وثاباً
به وهو بالسؤال جدير
إنما الشعر سلَّم ٌ للمعالي
ثم فيه لأمة تحرير
إنه تارة لقوم غناءٌ
ليناموا وتارة تحذير
وسلاني عن جعليَ الصدقَ كالصخر
أساساً تبنى عليه الأمور
إنما الصدق فاسألاني عنه
خير ما تنطوي عليه الصدور
وسلاني عن حفظيَ الفن من أن
يعتريه قبل التمام الدثور
أسكوتٌ عن كل ما هو حقٌ
وسؤالٌ عن كل ما هو زور؟!

قال كل الذي عرضت علينا
أيها الشيخ الهم شيءٌ حقير
نحن لسنا بسائلين سوى ما
كان حول الدين المبين يدور
فإفدنا إذا ما كنت ذا صلة بالدين
واذكر ماذا هو التقدير
ثم زد ما تقول في جبل القاف
أحقٌ فحواه أم أسطور
جبلٌ من زمرد نصف أهله
ذوو إيمان ونصف كفور
جبلٌ إن أرسلت طرفا ًإليه
رجع الطرف عنه وهو حسير
وبيأجوج ثم مأجوج والسد
وإنكار كل هذا غرور
وبهاروت ثم ماروت والسحر
الذي أُسدلتْ عليه السور
قلت مالي بكل ذلك علم
فبجحدي عقلي عليَّ يشير
كنت حياً فمتُّ والموتُ حقٌ
شاهدات بما هناك القبور
كنت فوق التراب بالأمس أمشي
وأنا اليوم تحته مقبور
إنما الموتُ وهو لا بدَّ منه
سنة ُ الله ما لها تغيير
قال دعْ عنك ذا وقل ليَ مَنْ
ربك قبل أن يسوء المصير
قلت أمْهلني في الجواب رويداً
إنني الآن خائفٌ مذعور
لا تكنْ قاسياً عليَّ كثيراً
أنا شيخٌ مهدَّمٌ مأطور
كان ظني أنَّ الأثير هو الرب
كريماً يمدُّني ويجير
لم تزلْ لي ذات العقيدة حتى
حال من هول القبر فيَّ الشعور
إنك اليوم أنت وحدك ربي
بك أحيا في حفرتي وأبور
إنك الجبار الذي سوف تبقى
تحت سلطانك العظيم القبور

sarmad1960
10-26-2006, 04:46 PM
الزهاوي



3ثورة أهل الجحيم
1929 /تشرين الأول/ 25




رحلة العذاب والإذلال
قال ما أنت أيها الرجْس إلا
ملحدٌ قد ضلَّ السبيل كفور
ما جزاء الذين كفروا إلا
عذابٌ برْحٌ وإلا سعير
ثم تلاني َ للجبين وقالا
ليَ ذقْ أنت الفيلسوف الكبير
قلت صفحاً فكل فلسفتي قد
كان مما يمليه عقلي الصغير
ثم قولي من بعدها "أنت ربي"
هو مني حماقة وقصور
لم تكن أقوالي الجريئة إلا
نفثات يرمي بها المصدور
قد أسأت التعبير فالله ربي
ماله في كل الوجود نظير
فأجاباني قائلين بصوت
لا يسر الأسماع منه الهدير
قضي الأمر فاستعد لضرب
منه تدمى بعد البطون الظهور
لا يفيد الإيمان من بعد كفر
وكذا جد الطائشين عثور
وأمضاني بالمقامع ضرباً
كدت منه في أرض قبري أغور
لم يكن فيهما يثير حناناً
جسدٌ ليَ دامٍ ودمعٌ غزير
ولقد صحت للمضاضة أبغي
لي مجيراً وأين مني المجير
ثم صبا بقسوة فوق رأسي
قطراناً لسوء حظي يفور
فشوى رأسي ثم وجهي حتى
بان مثل المجدور فيه بثور
ثم أحسست أن رأسي يغلي
مثلما تغلي بالوقود القدور
وقد اشتدت الحرارة في قبريَ
حتى كأنه تنور
وأطالا في عذابي إلى أن
غاب وعيي وزال عني الشعور
ثم لما انتبهت ألفيت أني
موثقٌ من يدي وحبلي مرير
ثم طارا بي في الفضاء إلى الجنة
حتى يغرى بلومي الضمير
وأسرَّا في أذن رضوانَ شيئاً
فأباح الجواز وهو عسير
لمست إذ دخلتها الوجهُ مني
نفحةً فاح عطرها والعبير
أخذتني منها المشاهد حتى
خلت أنيَ سكرانُ أو مسحور
جنة عرضها السماوات والأرض
بها من شتى النعيم الكثير
فطعامٌ للآكلين لذيذٌ
وشرابٌ للشاربين طهور
سمكٌ مقليٌ وطير شويٌ
ولذيذ من الشواء الطيور
وبها بعد ذلكمْ ثمراتٌ
وكؤوسٌ مليئة وخمور
وبها دوحة ٌ يقال لها الطوبى
لها ظلٌ حيث سرتَ يسير
تتدلى غصونها فوق أرض
عرضها من كل النواحي شهور
وجرت تحتها من العسل المشتار
أنهارٌ ما عليها خفير
ومن الخمرة العتيقة أخرى
طعمها الزنجبيل والكافور
ومن الألبان اللذيذة ما يشربه
خلقٌ وهو بعد غزير
ثم للسلسبيل يطفح والتسنيم
ماءٌ يجري به التفجير
وجميع الحصباء درٌ وياقوتٌ
وماسٌ شعاعه مستطير
كل ما يرغبون لهم حلال
كل ما يشتهونه ميسور
وعلى أرضها ذرابي َ قد بثت
حساناً كأنهن زهور
وعليها أسرَّةٌ وفراش
مثلما يهوى المؤمنون وثير
وعلى تلكم الأسرة حورٌ
في حلي لها ونعمَ الحور
ليس يخشين في المجانة عاراً
وإن اهتزَّ تحتهنَّ السرير
كل من صلَّى قائماً وتزكَّى
فمن الحور حظه موفور
ولقد يعطى المرء سبعين حوراءَ
عليهن سندسٌ وحرير
يتهادين كالجمان حساناً
فوق صرح كأنه البلور
حبذا أجيادٌ تلِعنَ وأنظارٌ بها
كل ُّ مُبصر مسحور
وخصورٌ بها ضمورٌ وأعجازٌ
ثقالٌ تعيا بهن الخصور
وكأن الوالدان حين يطوفون
على القوم لؤلؤ منثور
إئتِ ما شِئتَ ولا تخشَ بأساً
لا حرامٌ فيها ولا محظور
إن فيها من الحدائق غاباً
تتغنى من فوقهن الطيور
أن فيها جميعُ ما تشتهيه
النفس والعين واللهى والحجور
فإذا ما اشتهيت طيراً هوى
من غصنه مشوياً وجاء يزور
طينها من فالوذج لا يملُّ
المرء منه فهو اللذيذ الغزير
وإذا رِمتَ أن يحالَ لك التينُ
دجاجاً أتاك يطير
أو إنك إذا أشئت أن تصير لك
الحصباء دُرَّاً فإنها لتصير
إن فيها مشيئة المرء تأتي
عجباً عنه يعجز الإكسير
ليس فيها موتٌ ولا موبقاتٌ
ليس فيها شمسٌ ولا زمهرير
لا شتاءٌ ولا خريفٌ وصيفٌ
أترى أن الأرض ليست تدور؟
جنةٌ فوق جنة فوق أخرى
درجاتٌ في كلهن حبور
وحياضٌ قد أترعت ورياضٌ
قد سقى الطلُّ زهرها وقصور
كلُّ هذا وكل ما فوق هذا
منه طرف الأقوام فيها قرير
ولقد حلوا فوق ذلك فيها
فضةٌ في أساور تستنير
ولهم فيها نعمةٌ بعد أخرى
ولهم فيها لذةٌ وسرور
ولقد رُمتُ شربةًً من نمير
فتيمَّمته ففر النمير
وكأن الماء الذي شئتُ أن
أشربه بابتعاده مأمور
وتذكرت أنني رجلٌ جيء
به كي يُراعى منه الشعور
أي حق في أن أنال شرابي
بعد أن صح أنني مثبور؟
قلت عودا من حيث جئتماني
إنما هذه لهمي تثير
أنا راضٍ من البيوت بقبر
يتساوى عشيه والبكور
أيها القبر إرحم طوالع شيبي
أنا في كربتي إليك فقير





عودة إلى الجحيم

أخرَجانيَ منها وشدا وثاقي
بنسوع كما يُشد البعير
ثم قاما فدلَّياني ثلاثاً
في صميم الجحيم وهي تفور
وأخيراً في جوفها قذفا بي
مثلما يقذف المتاع الحقير
لست أسطيع وصفَ ما أنا
قد قاسيت منها فإنه لعسير
ربي إصرف عني العذاب فإني
إن أكن خاطئاً فأنت الغفور
لكأن الجحيم حفرة بركان
عظيم لها فمٌ مغفور
تدلع النارُ منه حمراءَ تلقي
حمماً راح كالشواظ يطير
ثم أني سمعت لها حثيثاً
فاقشعرت منه برأسي الشعور
خالطته استغاثة القوم فيها
كهدير إذا استمر الهدير

إنها في أعماقها طبقاتٌ
بعضُها تحت بعضها محفور
وأشدُ العذاب ما كان في الهاوية
السفلى حيث يطغى العسير
حيث لا ينصر الهضيمَ أخوه
حيث لا ينجد العشيرَ العشير
الطعام الزقوم في كل يوم
والشراب اليحموم واليحمور
ولقد يسقى الظامئون عصيرٌ
هو من حنظل وساء العصير
ولها من بعد الزفير شهيق
ولها من بعد الشهيق زفير
ولهم فيها كل يوم عذاب
ولهم فيها كل يوم ثبور
ثم فيها عقارب وأفاعٍ
ثم فيها ضراغم ونمور
يضرع المجرمون فيها عطاشى
والضراعات ما لها تأثير
ولهم من غيظ تأجج فيهم
نظرات شرارها مستطير
وُقدتْ نارها تئز فتغلي
أنفسٌ فوق جمرها وتخور
ولقد كانت الوجوه من الضالين
سوداً كأنهن القير
ولقد كانت الملامح تخفى
ولقد كانت العيون تغور
لست أنسى نيرانها مائجات
تتلظى كأنهن بحور
ولقد صاح الخاطئون يريدون
نصيراً لهم وعز النصير
وتساوى أشرافهم والأداني
وتساوى غنيهم والفقير



لقاء ليلى التي نالت عقابها بسبب الحب
كنت أمشي فيها فصادفت ليلى
بين أتراب كالجمان تسير
فوق جمر يشوي ونار تلظى
وأفاع في نابهن شرور
وعيون الحسناء مغرورقات
بدموع فيها الأسى منظور
قلت ماذا يبكي الجميلة قالتْ
أنا لا يبكيني اللظى والسعير
إنما يبكيني فراق حبيبي
وفراق الحبيب خطبٌ كبير
هو عنيَّ ناءٍ كما أنا عنه
فكلانا عمن أحبَّ شطير
فرقوا بيننا فما أنا أرى اليوم
سميراً و لا يراني سمير
قذفوه في هوة ليس منها
مخرج للمقذوف فيه قعور
آهٍ إن الفراق أصعب من
كل عذاب يشقى به الموزور
ولو أننا كنا جميعاً لخف الخطب
في قربه وهان العسير
لا أبالي ناراً وعندي حبيبي
كلُّ خطب دون الفراق يسير
قلتُ ماذا جنيتِ في الأرض حتى
كان حتماً عليك هذا المصير
فأجابت قد كان لي وسميراً
قبل أن نردى للجحيم نكور
جهلنا للجحيم أوجب أنا
بعد أن نردى للجحيم نزور

sarmad1960
10-26-2006, 04:47 PM
الزهاوي

أنماط ومرايا :قراءة في مفهوم الشعر في النقد العربي الاحيائي
.
.
.
أما جميل صدقي الزهاوي «1863 ـ 1936 م» فيحلو له أن يتباهى بنـزعته التجديدية في الإبداع والتأصيل، ويبدو متمردا على القديم وقيمه ،آخذا بالروح العصرية وداعيا إلي التجديد، وكأن الزهاوي ينـزع جلده التراثي بتمرده على التعريف العروضي الذي يتحدد بالخصائص الشكلية متمثلة بالوزن والقافية، ويرى أن هذا التعريف لا يمكن أن يدل على شعر، ولا يمكن أن يتبناه شاعر، ولذلك فإنَّ الزهاوي ينعى على أولئك المتمسكين بأهداب القديم المحافظين على قيمه ومبادئه، ولذلك فإنهم لا يروق لهم الشعر إلا إذا كان« سائلا للربوع وباكيا على الطلول وذاكرا للإظعان ».
وفي الوقت الذي ينفى فيه الزهاوي عن الشعر الخصائص الشكلية العروضية، ويحاول أن يردها إلي خصائص نوعية، يتكئ على مجموعة من المعطيات الرومانسية، إذ يرجع الشعر إلي «القلب» وهو منطقة كثيرا ما تبناها الرومانسيون، واعتبروها حكرا عليهم دون سواهم، وان ما يتدفق منه من احساس وشعور وانفعال إنما يمثل أوليات الإبداع الشعري، إذ إن الانفعال يسبق التشكيل اللغوي، وإن التشكيل اللغوي يمثل صورة متناغمة مع طبيعة الانفعال المتخلق في أعماق الأديب.

وينحصر الانفعال لدى الزهاوي بالشعور القار في القلب ـ فرحاً أو حزناً ـ وان تدفق الشعور يواكبه بناء لغوي إيقاعي، وبذا ينتقل الشعور من مرحلة التوقد والخلق إلي مرحلة التشكيل بوجود مادي، ويتمثل هذا بوسيط لغوي قوامه المفردات اللغوية التي تم صياغتها وفقاً لإيقاع معين، ويتحدد الشعر بأنه «شعور الشاعر قد خرج من مخدعه وهو قلبه متحدا اتحادا أثيريا بشعور آخر هو النغمة التي نسميها وزنا وقد ركبا أجنحة الألفاظ الخفيفة ليطيرا معا مرفرفين رفرفة الفراش الجميل على زهر الرياض فيصلا إلي الأسماع بعد أن يحدثا في طريقهما أمواجاً خفيفة في الهواء ومنها إلي مخادع أخر هن قلوب أصحاب تلك الأسماع ويثرا ما هنالك من الاحساسات الراقدة ».

إن تعريف الزهاوي للشعر يميل هو الآخر إلي الإغراق في لغة أدبية كما فعل البارودي، مما دفع باحثا إلي القول بأن تعريف الزهاوي للشعر وكذا أضرابه من أدباء العراق ونقاده في هذه المرحلة يتلفع بدوامة « )من العبارات الغامضة والخلط الغريب ما بين « فن الشعر » وتحديد الماهية والوظيفة والقالب». ويمس الزهاوي بتعريفه هذا ثلاثة موضوعات في النظرية النقدية، منها ما يتصل بعملية خلق الانفعال وتوقده، ومنها ما يتصل بالتشكيل اللغوي للنص، ومنها ما يتصل بالتأثير بالمتلقي، ويمثل القلب والشعور المتدفق منه لحمة الشعر وسداه.

ويذكرنا تعريف الزهاوي ببعض المقولات الأفلاطونية التي تؤكد أنَّ « الشاعر كائن أثيري مقدس ذو جناحين لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم فيفقد صوابه ووعيه » كما أنَّ تعريف الزهاوي لا يعنى بمفهوم الشعر بقدر ما يعنى بمراحل تخليق النص وتأثيره بالمتلقي. وعلى الرغم من الدعوات الجريئة التي يصدح بها الزهاوي فإنه في الحقيقة يلجم ذلك كله بثوابت لا يجوز الخروج عليها، ومن ثم توضع مقولاته تلك في إطار الرؤية الإحيائية .

ويتحدد الشعور عنده من حيث أنواعه : إلي شعور فردي، وشعور جماعي يعبر عن الأمة ووجدانها، وشعور انساني تشترك فيه الأجناس كلها، ويؤكد الزهاوي أمرين في هذا السياق، أولهما : ثبات الشعور لدى كل أمة من الأمم، وثانيهما : تغايره لدى الأمم المختلفة . أما ثبات الشعور فإنه يمثل صفة قارة في الأمم تسري في عروقها ويتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد « فإنَّ شعور الغربيين تراث آبائهم وأجدادهم من عصور أوغلت في القدم وامتدت عروقها في أعماق الماضي كما أن شعور العرب اليوم هو إرث منتقل اليهم من آبائهم الأولين، ولم يتولد هذا الشعور إلا من العادات المتأصلة في الأقوام بتعاقب الدهور» وهذا الثبات للشعور يحول مفهومه من كونه خاصا ومتغيرا إلي عام وثابت، ومن ثم يكون فهمه على أن له دلالة رومانسية، موهما أن الشاعر سيلجأ إلي معين واحد يغترف منه في ضوء تصورات عقلية .

إنَّ هذه الأنماط المختلفة من الشعور لا تخرج عن أطر الثبات عند الزهاوي، فالشعور العام يمثل فكرة عامة مشتركة تؤكد التماثل بين الأفراد، وليس الأمر مقتصرا على ثبات الشعور بل يتعداه إلي ثبات اللغة ذاتها، وهو الوجه الآخر للشعور الثابت، وان كل لغة من اللغات إنما وجدت لتعبر عن هذا الشعور، وليست بقادرة على التعبير عن شعور آخر مختلف« وقد خلقت كل لغة للتعبير عن شعور أهلها، فلا تستطيع أن تعبر تعبيراً صادقاً عن شعور غير أهلها إلا إذا كان ذلك الشعور مشتركا بين الأمتين ».

ونخلص من هذا كله إلي أن الشعور لدى الزهاوي لا يدل على خاصية ذاتية متغيرة تقربه من المفاهيم الرومانسية ،وإنما هو مفهوم عام ينطوي على الثبات والعموم أكثر مما يشتمل على التغير والتفاوت، ومن الجدير بالذكر أن جميل صدقي الزهاوي قد أكد في مواطن عديدة أن الفكر والعقل هما اللذان يتحكمان في القصيدة وإبداعها، فهو يؤكد أن « الشعر في القصيدة اندفاعات في الفكر كالأمواج يعقب بعضـها بعـضا». ويـؤكد مـرة أخـرى أن حـد الشعـر عنـده « ما استند الـى الحقائق أكثر من العواطف والخيال البعيدين عنها فكانت حصة العقل فيه أكثـر من حصتـهما » وأخطـر مـا في هذا قـوله« أرفـع مافي الإنسـان هو العقـل، وأرفـع ما في العقــل هـو الفكـر وأرفـع مـا في الفكـر هــو الشعـر ».

وفي ضوء هذا فالشعر يخرج من كونه تعبيراً عن عاطفة فردية إلي شعور عام يشتمل على شعور شعب أو أمة، كما أنه يتجاوز الخاص إلي العام، ويبتعد ٍٍٍعن التعبير عن المتغير إلي التعبير عن الحقيقة، لأن « الشعر الخالد هو ما انطبق على الحقائق ». فالشاعر فرد في بناء اجتماعي، وتعبيره بالنتيجة ليس تعبيرا عن خصائص فردية، وإنما هو تعبير عن شعور الأمة، وأخيرا فإنَّ خلود الشعر لا يرجع إلي الانفعال الخاص، وإنما لأنه يعبر عن الحقائق، والحقائق ثابتة وعامة . اذن فالثابت يحكم الخاص والمتغير، وإذا كان الأمر كذلك فلسنا في إطار نظرية التعبير الرومانسية، وإنما نحن في إطار نظرية المحاكاة الإحيائية))الكلاسيكية((، ومن ثم يصدق القول بأن هذا الموقف « يقنع العقل بتناول جوهريات الحياة وكلياتها الدائمة الثابتة في كل بيئة وفي كل زمان، لأن هذه الكليات والجوهريات يدركها كل عقل، وتشارك فيها كل نفس، وهو ينفر من الشاذ والفريد كما ينفر من العادي والجزئي».

وإذا كان ما سلف حديث عن كيفية تخليق القصيدة ابتداء من توقدها تجربة وانفعالا في أعماق الشاعر ومن ثم تحولها إلي تشكيل لغوي في نص أدبي، ومن ثم تأثيرها في المتلقي فإنَّ الزهاوي من ناحية أخرى يؤكد العلاقة بين شعور المبدع والواقع الذي يعيش فيه، لتأكيد ما كان يصطلح عليه « الشعر العصري» الذي يمثل« شعور الشاعر المتولد من فعل للمحيط كبير التأثير في روحه فيبرزه في صورة ألفاظ موزونة تعرب عنه، فلا يكون الا صادقا لا تشينه مبالغة، وسهلا ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته، وهذا هو الشعر الحقيقي في كل عصر ».

ويتصل الشعر العصري بهذه هذه الدلالة من ناحية بمعطى خارجي متمثل بالواقع، وتأثيره في الشاعر الذي يقود إلي الشعور، ويتصل من زاوية أخرى ويتحدد بما بعثه الشاعر العربي من نصوص شعرية قديمة، ومحاكاته لها، وتكرار لخصائصها، وتتجلى في الشعر العصري ثلاثة أركان : أحدها : يتصل بالشعور الذي يمثل جوهر الإبداع الشعري في كل زمان ومكان، وثانيها : يتصل ببعث الشعر العربي القديم، وضرورة أن يكون الشعر العصري محاكيا له في ألفاظه وإيقاعه وصوره، ومتأثرا بالبيئة والعصر، وثالثها : أن يصور طبيعة الحياة المعاصرة، وأن يكون اجتماعيا، وتتجلى اجتماعيتة من خلال التحسين والتقبيح، أي أن يشاهد الشاعر الجوانب السلبية « فيصورها في شعره داعيا بذلك الأمة إلي إزالتها وعدم تكرر أمثالها كما يفعل الغربيون في رواياتهم، أو يرى عادة شائنة للمجتمع فيقبحها بتصوير ما يلحقه من الأضرار بسببها، وهذا أيضا مما وفاه حقه الروائيون الاخلاقيون في الغرب» ويتصل الشعور من ناحية أخرى بالطبيعتين المادية والاجتماعية اللتين يعيشهما الشاعر، فيعجب بجوانب منها، أويتألم بسببها، ولا يبعد هذا عما يستمده الشاعر من حياة الآباء والأجداد.

ولايتسم الشعور هنا بخاصية فردية ولا يوحي بخصائص رومانسية، فالشعور الذي هو جوهر الشعر عند الزهاوي تابع لشعور أشمل وأعم هو شعور الشعب، وهذا يعني أن الشاعر يتجاوز الفردي ويعبر عن هذه العام يقول « وما الشعر إلا شعور الشاعر التابع لشعور الشعب الذي هو فرد منه، وأكبر الشعراء هو القادر بشعره على تحـويل شـعور الشعب وهـو في كل أمة نادر . والشعر الخالد هو ما انطبق على الحقائق فهو وحده الذي يلاقي في كل عصر اقبالا من أهله».

وفي ضوء هذا يكون لكل أمة شعورها الذي تتميز به، وذوقها الذي تنفرد به، وان الشاعر يعبر عنهما بوصفهما عنصرين ثابتين في الأمة، لأنهما ينتقلان من الآباء إلى الأبناء ويتأسس على هذا في تصور الزهاوي تفاوت الإبداعات الأدبية، عربية وأجنبية، رافضا، من ثم، أن يعبر الشعراء عن شعور أجنبي لأنهم يأتون بشعر « لا يعيش في أرض لا تلائم نبتته ».

ويمثل الشعور العنصر الجوهري الذي يتحكم في تحديد مفهومي التجديد والتقليد، فالشعور العربي هو قوام شخصية الشاعر العربي، والمحافظة عليه تعني محافظة على الملامح التي تميز الأمة وتفردها، ولذلك فالزهاوي لا يعد من الجديد محاولات الشعراء الذين يقلدون فيها شعراء الغرب، لأن تقليد شعور أمة أخرى يعني تقليدا لأن « لكل أمة شعورا خاصا بها لا تحس به أمة أخرى كالموسيقى ألم تر أن كلا من الشعر الغربي والشعر العربي إذا ترجم إلي الآخر فقد كثيرا من روعته، اللهم الا إذا تصرف فيه المترجم فقربه من شعور قومه أوكان الشعور الذي يترجمه مشتركا بين الأمتين ». ولم تكن محاكاة الشعر الغربي سوى تقليد عند الزهاوي يناظره محاكاة الشعر العربي القديم، واذاكان تباين الشعور العربي عن الشعور الغربي مدعاة للقول بتقليدية الشعر الذي ينسج على غرار ما يفعله الغربيون، فإنَّ الشعور القديم والشعور العصري يمثلان الفارق الأساسي الذي يميز بين التجديد والتقليد في الشعر العربي فالتجديد « أن ينظم الشاعر عن شعور عصري صادق يختلج في نفسه لا عن تقليد » ويقترن بالشعور أمران آخران يحددان طبيعة التجديد في الشعر العربي، أولهما : أن يكون الشعر العربي ـ إضافة إلي كونه مشبعا بالعصرية ـ له تأثير في شعور الآخرين وثانيهما : أن يكون الشعور العصري متميزا باتساع معارف أهله، وهو بخلاف الشعور العربي القديم الذي يتسم بضيق معارف أصحابه.

ويضفي جميل صدقي الزهاوي على نـزعته التجديدية أبعادا شكلية فهو يفسح المجال رحبا للتجديد في الجانب الشكلي للقصيدة، من حيث الوزن والقافية، إذ يجيز للشاعر أن ينظم على أي وزن شاء، سواء أكان من أوزان الخليل أم غيرها كما لا يمانع الزهاوي في« تغيير القافية بعد كل بضعة أبيات من القصيدة عند الانتقال من فصل إلي آخر لا دفعا لملل السامع من سماع القافية في كل بيت كما يدعـي بعضهم... بل إراحة للشاعر من كد الذهن لوجدانها، فإنَّ الإتيان بها متمكنة ليس في قدرة كل شاعر ». ان الزهاوي بدعوته هذه يرى « أنَّ الالتزام بالقافية الموحدة، وضرورة الالتزام بحركة الروي من ضمة أو كسرة أو فتحة، أمر ضار بالشعر العربي، لأنه يؤدي إلي أن يصرف الأدباء أذهانهم إلي القافية وينشغلوا بها عن مشاعرهم ».

ويؤكد الزهاوي في مواطن عديدة عدم إصراره على التزام القافية وهو يتباهى بأنه أول من نبذها، وأشار إلي أنه أكد هذا في مقالة له نشرت قبل إعداد الدستور العثماني بسنوات، ويؤكد فيها عدم تحجره وجموده على الأوزان الشعرية المعروفة، وعدم إصراره على الالتزام بالقافية، ولكنه يصر على الالتزام« بالمحافظة على الجزالة العربية والأسلوب والشعور العربيين لنبقى عربا، وأن لا نـزخرف الشعر بما لا طائل تحته فنـزعم أنا جددناه وبعد ذلك سواء علينا أبقينا على ولائنا للقافية أم وأدناها » ويؤمن الزهاوي بالتغيير المرحلي، فهو لا يرى ترك القافية مرة واحدة، ويرجع ذلك إلي الذوق الأوربي الذي اعتاد القافية لمئآت السنين إن « الذوق العربي يستقبح اليوم تعطيل أرجل غانية الشعر من خلاخيل القافية مرة واحدة، وقد ألفها منذ أكثر من ألف وخمس مائة سنة، وعندي أن خير طريق للخلاص من عبئها هو أن يحافظ الشاعر في قصيدته على البحر سواء أكان من بحور الشعر القديمة أم الجديدة، وأن ينتقل بعد كل بضعة أبيات إلي روي جديد فإنَّ القصيدة لا تخلو من مطالب مختلفة مع مناسبة بعضها لبعض فيجعل لكل مطلب رويا » . وقد قاد هذا إلي الدعوة إلي الشعر المرسل الذي يتخلص من قيد القافية مع التزامه بقيد الوزن، وهي دعوة ليست جديدة فقد تأثر فيها الزهاوي بالتصورات الشائعة التي كان يبثها السوريون واللبنانيون إضافة إلي الحركة التجديدية.

وعلى الرغم من دعاوى التجديد التي يصدح بها الزهاوي فانه لايزال ينهل من التراث النقدي، ويكرر أفكار النقاد العرب القدامى، وبخاصة في صنعة الشعر، ويؤدي الزهاوي دورا تعليميا فهو يرى أن «أحسن طريقة لتعليم النظم هو أن يلقي المعلم البيت الجيد من الشعر على المبتدئين منثورا، ويطلب منهم أن ينظموه بعد أن يعين لهم الوزن والقافية، ثم ينظر فيما نظموه ويظهر لهم خطيئاتهم وضعف تراكيبهم، ثم يريهم البيت منظوما كما هو في الأصل، فإنهم يتعلمون مع الوقت صوغ الألفاظ والأداء الصحيح عن المعنى المراد نظما بعد أن يكونوا قد عرفوا قواعد العربية ».

sarmad1960
10-26-2006, 04:49 PM
الزهاوي

الزهاوي بين العقاد والزيات


في سنة 1927 سئل الأستاذ العقاد أين يضع الزهاوي بين الفلاسفة والشعراء, فكان زبدة جواب العقاد (إنه صاحب ملكة علمية, من طراز رفيع, وأنه يصيب في تفكيره ما طرق من المسائل التي يجتزئ فيها بالاستقراء والتحليل, ولا تفتقر إلى البديهة والشعور, فمن ينشده فلينشده عالما ينظم, أو يجنح إلى الفلسفة, فهو قمين بإصغاء إليه وإقبال عليه في هذا المجال, وإن خير مكان له هو بين رجال العلوم, ورادة القضايا المنطقية, فهو لا يبلغ بين الفلاسفة والشعر مثل ذلك المكان).

ولو أن صاعقة انقضت على رأس الزهاوي لكانت أهون عليه من هذا الحكم القاسي, الذي ظاهره فيه الرحمة, وباطنه فيه العذاب, مدح في ظاهره, ولكنه في باطنه تجريد من أهم أمرين أو صفتين يعتز بهما الزهاوي وأحب لقب يحب أن ينادى به الشاعر الفيلسوف, وذلك قبل أن كان الناس يضفون على الشعراء (الكبير) أو (الأكبر).

والعقاد رحمه الله كان يقدر وقع كلامه على نفس الزهاوي, وربما تعمدها, وجاءت (البلاغ) تحمل مقالة العقاد في وقت كانت المعركة الأدبية على أشدها بين أنصار الرصافي وأنصار الزهاوي, فزادت كلمة العقاد الطين بلة كما يقال, واتخذ منها خصومه حجة وشهادة بأيديهم للهجوم على الزهاوي.

وقرأ الزهاوي ذلك وهو المغيظ المحنق, فكتب يرد على العقاد وفحوى رده (أن الشاعرية, والفيلسوفية لا تثبتان لإنسان بدعواه إن كان خلوا منهما, ولا ينفيان عنه بإنكار منكر كان له منهما نصيب, وليس ذوق المتنافسين في شيء بأولى أن يتخذ مقياسا من ذوق الآخر, بل الحكم العدل في مثل ذلك هو الرأي العام لجيلهما والأجيال الآتية...) ومقالة الزهاوي على هدوئها كانت تدمى بالألم وتندى بالحزن, وظلت تعتلج في صدره الهموم من جرائها فقال من رسالة لصديق له (محمد يعيش):

(وقرأت قبل ذلك مقالا للأستاذ العقاد يطردني فيه من حظيرة الشعراء والفلاسفة) (1) ونشر الزهاوي أبياتا ندد بتلك الحملات الظالمة في نقدها, وكان الزهاوي يظن الرصافي وراءها قال فيها:

ملأوا صدور الصحف حقدا والحقد قد سموه نقدا
أني ألتفت أرى أما مي من رجال السوء ضدا
قالوا: (دخيل في القريـ ـض, فما أجاد, ولا أجدا).
قالوا: (صغير لا يعد من الفحول ولا أجدا).
قالوا: (إلى الإحسان منـ ـه غيره في الشعر أجدا
وله جراءة فيلسو ف يوسع الأديان جحدا)
كذبوا فإني شاعر وأدين بالإسلام جدا.



وكتب في رده (كنت أحسب أن هناك نقدا نزيها يراد به خدمة الحقيقة, ورفع شأن الأدب, فإذا النقد حقد, وإذا النقد سب وشتيمة, وإذا النقد تشويه لسمعة العراق).

ودامت هذه المعارك الأدبية حقبة امتدت إلى السنة التي رشح فيها العقاد للتدريس بكلية (دار المعلمين العالية) ببغداد وشاع خبر ترشيح العقاد وأوشك أن يزمع السفر إلى العراق فكان الهم والأسى يلازم صدر الزهاوي, وراح يحسب أنه بمجيء العقاد سيلتف حوله الخصوم وسيخلقون للزهاوي متاعب, وباتت تساوره الأحزان, ويتمنى على الله ألا يتحقق تعيين العقاد للمنصب, وفي الكنانة أدباء يحسنون تدريس الأدب. وقد هبت رياح العقاد رخاء حيث أصاب النجاح والفوز بالانتخابات النيابية بفوز قائمة الوفد الذي هو من أبرز أعضائه ومن كتابه البارزين وكان موضع ثقة رؤساء الوفد, ففضل النيابة وهو بطبعه لا يميل إلى التغرب ولم يبرح مصر إلا مرتين مرة إلى فلسطين والثانية إلى السودان وللرحلتين دواع.

ورشح العقاد مكانه للتدريس الأديب الأستاذ أحمد حسن الزيات فانفرجت أزمة الزهاوي وهدأ باله.

وفرح بمقدم الزيات وخف لزيارته في اليوم الثاني من وصوله بغداد وإن لم يكن بينهما معرفة, ولكن رابطة الأدب خير رابطة, والزهاوي سخي النفس سهل الخلق يحب السبق في زيارة ضيوف بغداد ولاسيما إن كانوا من الشعراء والأدباء أو المغنين المشهورين, ويشارك في استقبالهم ويضع القصائد الطوال في الترحيب بهم, يرى ذلك من أوجب واجباته.

وكتبت جريدة البلاد لصاحبها رفائيل بطي في ديسمبر سنة 1929 خبر وصول الأستاذ الزيات وقالت: (وصل بغداد أخيرا حضرة الأديب الكبير الأستاذ أحمد حسن الزيات الذي ذكرنا خبر تعيينه أستاذا للأدب العربي في دار المعلمين العالية ببغداد).

وكتبت (السياسة) المصرية في توديعه (ولسنا في حاجة لأن ننوه بتوفيق الحكومة العراقية في هذا الاختيار. فالأستاذ الزيات من أعلام المدرسة الأدبية الجديدة, وله طرافة في النقد الأدبي يشهد بها مؤلفه المعروف في (تاريخ الأدب العربي) وبيان ساحر يذكره كل من قرأ ترجمته (آلام فرتر) و(رفائيل).

والأستاذ الزيات إنما يذهب إلى العراق رسولا للثقافة المصرية الجديدة التي يبدو أثرها اليوم واضحا في جميع البلاد العربية, وسوف يكون له من مهمته في عاصمة العراق وسيلة لتقوية الروابط الفكرية بين القطرين الشقيقين).

وحل الزيات بفندق (كارلتون) وهو من الفنادق ذات الدرجة الأولى وكانت قلة, واجهته تطل على شارع الرشيد وواجهته الخلفية تشرف على دجلة بجوار الجسر الوسط (جسر الأحرار) وفي وسطه باحة مفتوحة واسعة ووسطها حديقة تعمرها أشجار الليمون والنارنج وشتلات الورد.

ولم يمض على قدومه غير ليلة واحدة لم يأخذ قسطه فيها من وعثاء السفر في سيارات (نيرن) حتى خف الأستاذ جميل صدقي الزهاوي في الصباح الثاني ليزور الزيات قبل أن يقابله أحد من الناس, فقال الزيات يصف هذا اللقاء (كنت جالسا في بهو كارلتون) صباح اليوم الثاني لقدومي بغداد أروض قلبي على روعة الفراق, وأذني على لهجة العراق, وعيني على غرابة الصور وإذا بأحد الندل, يلقي إلي بطاقة كتب عليها (جميل صدقي الزهاوي) ولم تكد تلوح في مخيلتي صورة الشاعر التي صورها السماع والقراءة حتى رأيت على باب البهو شيخا في حدود الثمانين (1863 - 1936) قد انخرع متنه, وثقلت رجله ورعشت يده, فلا يحمل بعضه بعضا إلا جهدا.

أقبل علي يتخلع على ذراع غلامه, وقد انبسطت أسارير جبينه العريض, وانفرجت شفتاه الذابلتان عن ابتسامة نضرة عذبة, ثم سلم تسليم البشاشة بيد مرتجفة, ورحب بي ترحيب الكرم, بصوت متهدج, ثم انطلق يشكو جحود الأمة, وإغفال الدولة, وكيد الخصوم, وإلحاح المرض, وتطرق إلى خصومته عامئذ مع الأستاذ العقاد, فذكر - والأسف المر يكسبه لهجة المظلوم, وهيئة الشهيد - كيف استغلها في العراق من سدد خطاهم في الشعر, وأرجف بها من تولاهم بالرعاية, وحمدا لله على أنني جئت بغداد بدل العقاد, فقد كان وجوده تأليبا متصلا على فضله, وإزعاجا مستمرا لسكينته).

عرفنا رأي العقاد في شاعرية الزهاوي وفلسفيته, وقرأنا رد الزهاوي, فلما أصدر العقاد ديوانه اهتبلها الزهاوي فرصة لينتقم من العقاد بنقد ديوانه ولو من وراء ستار, فقد نشرت مجلة (لغة العرب) لصاحبها الأب انستاس الكرملي سنة 1928 مقالات متتابعة, نقد كاتبها ديوان الأستاذ العقاد,وكانت خلوا من التوقيع لا تصريحا ولا تلميحا, فانصرف ذهن القراء إلى أن الناقد هو صاحب المجلة, وانصب هجوم العقاد على الأب انستاس لأنه المسئول عن المجلة, وظلت حقيقة كاتبها سرا مخفيا حتى كشف عنه البحاثة عبدالرزاق الهلالي, فقد عثر على مسودات المقالات التي بلغت (110) صفحات نشر منها (51) صفحة ولم تنشر المجلة الباقي, وإذا هي بخط الزهاوي, وقد فعل مثل ذلك حين نقد ديوان شوقي ونقد شعر الجواهري, والتمس أديبا من إخوانه يوقع النقد.

هذه طبيعته ولك أن تسميها (الجبن) أو تسميها (نشدان السلامة), وهكذا تحمل الأب الكرملي وهو بريء قسوة قلم العقاد.

(غيري جني وأنا المعذب فيكم
فكأنني سبابة المتندم).

ظهرت الحلقة الأولى من نقد الزهاوي تحت عنوان - ديوان العقاد - في العدد الرابع من السنة السادسة من مجلة (لغة العرب) الصادر في ابريل 1928 قال في مستهلها.

(العقاد كاتب كبير, وكنا نعتقد أنه كذلك شاعر كبير, حتى جاءنا ديوانه الجديد حافلا بما نظمه قديما وحديثا, فإذا هو دون ما أكبر تصورنا, وإذا هو مشحون بالأغلاط, والضرورات القبيحة, وإذا هو في كثير من قصيده يخرج من الموضوع فلا تبقى فيه الوحدة المتوخاة منه, وإذا هو يبالغ أو يغرق في كثير من أبياته, وإذا هو يقلد القدماء, فليس فيه ما يمت إلى الشعور بواشجة, إلا أبياتا قليلة متفرقة هنا وهناك).

وشرع ينقد الأبيات التي يرى فيها ما يستوجب النقد من ناحية اللغة والشرح والوزن والمعنى وهو نقد يمثل وجهة نظره ومماحكاته, واستمر ينشر نقده فنشر الحلقة الثانية في الجزء الخامس من المجلة في شهر مارس 1928 والثالثة نشرها في الجزء السادس الصادر في يونيو من السنة نفسها.

وصدر رد الأستاذ العقاد بعد أن كتب إليه صديق للزهاوي ومن أنصاره ينفي فيها للعقاد أن يكون للزهاوي صلة فيما نشر في لغة العرب عن ديوانه وأن أناسا في المدينة يمشون في الدسيسة ليوقعوا الشر بينه وبين الزهاوي قال العقاد.. (وليس من شأني أن أعزو هذا الكلام إلى أحد غير صاحب المجلة المكتوب اسمه على غلافها, فإن النقد هو الذي يعنيني, وليس الكاتب, ولا من أوعز لها أذن وهي راضية عنه, موافقة عليه, غير أني أعجب والله لصدور نقد كهذا في مجلة يقال عن صاحبها إنه كثير الاشتغال بالعربية, واسع الاطلاع على قواعدها النحوية والصرفية, فإن في نقده لغلطا فاحشا لا يقع فيه من له إلمام بهذه القواعد, واطلاع ولو كاطلاع التلاميذالمبتدئين, ولست أعرف معرفة اليقين (ما) الأب انستاس الكرملي صاحب المجلة المكتوب اسمه على غلافها. ولكني سمعت من صاحب لي أديب انه راهب دير, أدمن الاشتغال باللغة العربية, حتى تريب رؤساؤه به لهذا نقلوه إلى دير ينقطع فيه عن خدمة هذه اللغة زمنا لا أدري ما قدره? فإن صح ما رواه صاحبي الأديب فهم قد أطلقوه الآن, لأنهم رجعوا إلى الصواب في أمره, وعرفوا أن البلية على العربية في اشتغاله بها, لا انصرافه عنها, وتركها وشأنها.

وأخذ يرد على أخطاء الزهاوي.

وقرأ أديب من أنصار الرصافي تعقيب العقاد وما استهل من الهجوم العنيف على الأب انستاس فكتب في جريدة العراق يوم 1 يوليو 1928 في باب على هامش السجل كلمة بعنوان (المؤاخذ بذنب غيره) وذكر أن كاتبا غير الكرملي, انتقد العقاد, وغيره أساء إلى العقاد, وهو الذي عوقب على تلك الإساءة وهو الذي أخذ بتلك الفعلة هذا مجمل ما كان بين الزهاوي والعقاد يوم راح يشكو للزيات ظلم العقاد له وهو البادئ.

قال الزيات: (لم يدع لي الزائر الكريم فرصة بين كلامه الدافق, أدخل عليها منه بالتخفيف, فإن الزهاوي كما علمت - بعد - ديدنه أن يتكلم, كالبلبل خاصته أن يغرد, أو كالزهر طبيعته أن يفوح, فهو في مجلس الصداقة شاك أو شاكر, وفي مجلس الأدب محاضر أو شاعر, وفي مجلس الأنس مفاكه أو محدث, كان الشيخ يتكلم أو ينشد, ونبراته المؤثرة, وقسماته المعبرة, ولحيته الخفيفة المرسلة, ووجهه المسنون الأعجف, وشاربه النائم على فمه الأهرث, وعينه البراقة ترأرأ من خلف المنظار, وشعره الأشمط يتهدل على نتوء الصدغ - كل أولئك كان يخيل إلي أن طيفا من أطياف الجدود, أو نبيا من أنبياء اليهود قد انشق عنه حجاب الزمن فجأة في هذا المكان الصامت, والنور القاتم, والجو الغريب, ولكن الجدية التي تفيض من كلماته والعزيمة التي تضطرم في نظراته, كانت تطرد هذا الخيال, وتجعلني وجها لوجه أمام كتلة من الأعصاب القوية المشدودة, تتكلم وتتألم, وتثور وتهدأ, وتسخط وترضى, وموضوع مقالها وانفعالها لا يخرج أبدا عن (الأنا) إذا صح التعبير) وقال أيضا: (دأبت (عربة) الشيخ بعد ذلك على أن تقف أمام منزلي صباح يوم الجمعة من كل أسبوع فكنت أستقبله استقبال العابد المتحنث للكاهن الملهم, ثم نقضي ضحوة النهار معا يحدثني فأعجب, أو ينشدني فأطرب, وقد تكون أذني إلى فمه وليس معنا ثالث ولكنه يجاهر بالإلقاء, ويصور المعني بالصوت والإيماء, حتى يدهش المنزل, وينصت الشارع, وهو بين الفترة والفترة يعود إلى الشكاة, وشكواه لا تنقطع, وأظل أنا أمام هذا الجَيَشان الروحي ساهما حالما, أفكر في الذهن الذي لا يكل, واللسان الذي لا يفتر, والزهو الذي لا يتقاصر, والقلق الذي لا يسكن, والتمرد الذي لا يهن, والشباب الذي يلبس رداء الشيخوخة, والحياة تأخذ هيئة الموت, ويقول لي:

انظر كيف أذيب عمري في شعري والأمة تقذفني بالبهتان, والحكومة تخرجني من الأعيان).

sarmad1960
10-26-2006, 04:50 PM
الزهاوي... في ذكرى رحيله الشاعر الذي هاجم وهوجم



عبد الله الحسيني




تمر في هذا الشهر (23 شباط) الذكرى التاسعة والستون لرحيل شاعر العراق الكبير (جميل صدقي الزهاوي)، الذي وافاه الاجل - في المستشفى الحكومي العام - سنة 1936 وبقربه رفيق العمر الشاعر معروف الرصافي والزميل محمد رضا الشبيبي... هذا الشاعر الذي كتب عن شعره وادبه وفلسفته الشيء الكثير، سواء كان ذلك في حياته او بعد وفاته، وحتى يومنا هذا، واهم ما ظهر خلال مدة حياته الثلاثة وسبعين عاما ومواقفه التي هاجم به الملوك و استفزازه رجال الدين واغضابه واثارته للشعراء والادباء و الدفاع عن قضايا تحرير المرأة..
مهاجمة الملوك: لما تمادى “السلطان عبد الحميد الثاني” بظلمه واستبداده لاسيما بعد ايقافه العمل بالدستور وحل البرلمان رأى - احرار تركيا - العمل من جديد لايقافه عند حده ولذلك شكلوا الاحزاب السرية، ولما كان الزهاوي في - استانبول - فقد انضم الى احدى الخلايا السرية العاملة في هذا السبيل، وفي احــــدى اجتماعات هذه الخلية القى قصيدته التي عنوانها “حتى م تغفل” وهي التي يخاطب فيها السلطان عبد الحميد، قائلا:
ألا فأنتبه للامر حتام تغفل
اما علمتك الحال ما كنت تجهل؟
لقد عبثت بالشعب اطماع ظالم
يحمله من جوره ما يحمل!
ولمـا سمـع السلطــان عبــد الحميـد هذه القصيدة، بواسطة جواسيسه غضب على الزهاوي فنفاه الى بغداد، على ان لا يعود الى استانبول، ولكنه خصص له راتبا قدره (15 ليرة ذهبا) شهريا لكي لا يندد بسياسته الخرقاء، فرد على ذلك بهذه القصيدة:
تأن في الظلم تخفيفا وتهوينا
فالظلم يقتلنا والعدل يحيينا
يا مالكا امر هذي الناس في يده
عامل برفق رعاياك المساكينا
اما موقفه الثاني فهو ذلك الموقف الذي وقفه مع احد امراء (آل عثمان) فإنه عندما كان نائبا في مجلس - المبعوثان العثماني - سنة 1914، ونوقشت في احدى جلساته لائحة ضرائب السكن وقف خطيبا وقال: لماذا تجبى الضرائب من الفقراءعن دورهم، ولا تؤخذ عن قصور ومضيفات آل عثمــان وسائر املاكهم، مع انهم يتقاضون رواتب ضخمة من خزينة الدولة؟، انا اطلب المساواة التامة، ومنه:
قست قلوب ولا انت مرسلهم
كأنما الله لم يخلق بها لينا
تراهم اغبياء عند مصلحة
وفي المفاسد تلقاهم شياطينا
اما موقفه من الملك فيصل الاول فقد كان الزهاوي في مقدمة الشعراء العراقيين الذيــن رحبـــوا بترشيح الامير فيصل بن الحسين ملكا على العراق، إذ انشد قصائد عدة قبل تتويجه وبعده، ولكنه لما طبع رباعياته في بيروت/ 1944 وديوانه في القاهرة، حذف تلك القصائد وفيه يقول:
قد مدحت الذين لم يستحقوا مدائحي
احسبوها على ضروراتها من قبائحي؟
كما انه سمي تلك القصائد - بالمفردات - اي انه طردها من ديوانه اما السبب الذي حمله على فعل ذلك، فهو خيبة امله إذ ان الملك لم يحقق رغبته وطموحه، فيعينه (وزيرا للمعارف) في وزارة النقيب الثانية والثالثة، ولذلك غضب وقرر ان يهجر وطنه ويغادر الى مصر:
قضت السياسة ان اعيش بشقوة
وفي جنب دجلة شاكيا لاوامي
ولقد ارى شبح المنون بأعيني
يمشي ورائي تارة وامامي
ولما سمع الملك فيصل الاول، رغب في ترضيته ورأى ان يعينه شاعرا في- البلاط الملكي - غير ان الزهاوي رفض ذلك العرض.. ولهذا لما سافر الى دمشق الشام في طريقه الى القاهرة، واحتفى به المجمع العلمي العربي فيها، القى قصيدته (ما اغنى) ومطلعها يقول:
ظننت بأن الشعر يغني فما اغنى
وكم شاعر في موقفي اخطأ الظنا
يريدون مني ان اغني بأسمهم
فأي هضيم بأسم اعدائه غنى
ولما يئس الزهاوي من عودته الى عضوية مجلس الاعيان، اراد اغاظة الملك فيصل، فنظم قصيدة مدح بها الملك عبد العزيز ال سعود (ملك نجد والحجاز) قال فيها:
لا تعجبوا بالله اكباري له
أنا لي بأبطال الزمان غرام
وابن السعود له الامامة انه
الذي يقوى به الاسلام
ثانيا: استفزازه رجال الدين.
للزهاوي مواقف كثيرة مع رجال الدين في تركيا والعراق، وردت تلك المواقـــف في مقــــالات كتبها او خطب ألقاها في مجلس المبعوثان العثماني وقصائد نشرها ومنها مقالة “البواخر تسير بالبخار”،حول ميزانية البحرية الباهظة...وخطبة“ان الارض يرثها عبادي الصالحون”،وقف الزهاوي تحت قبة مجلس المبعوثان، فتسنم المنبر واخذ يطيل الكلام عن تأخر مدارسنا العلمية وما هي عليه من الانحطاط المخزي وعن العلوم الوهمية التي تدرس فيها، ويبين وجوب ادخال العلوم العصرية لعباد الله الصالحين...فأغاظ كلامه هذا القسم الجاهل من اعضاء البرلمان، واخذوا يرفسون بأرجلهم ويضربون على الموائد ويجلبون ليسكتوه، فلم يسكت، حتى اضطر الرئيس الى تعطيل الجلسة مؤقتا، وهو المؤمن القائل:
عبدتك لا ادري ولا اجد دري
اسرك ام صدر الطبيعة اوسع؟
عبدت اسمك - المحمود - في الليل والضحى
اذ الشمس تستخفي اذ الشمس تطلع
وقد اثارت ملحمته الشعرية التي سماها بـ (ثورة في الحجيم) والتي نشرها في مجلة الدهور اللبنانية عام / 1931، اثارت ضجة عظيمة ضده في بغداد، في مساجدها واضرحتها وقد اشار الى هذه الضجة في مقدمة “ديوان الاوشال” قائلا: ولما نظمت قصيدتي - ثور في الجحيم - اخذ الخطباء والمشايخ يلعونني! فقلت في نفسي، تساوي قصيدتي كل هذا اللعن ثمنا لها، وستذهب لعناتهم وتبقى “ثورة الجحيم خالدة” مع هذه الابيات.. فقال:
فايقنت ان الكون بالله قائم
وأيقنت ان الله للكون مبدع
وانك معنى والحقيقة لفظة
وانك نور والحقيقة برقع!
ثالثا: موقفه من الشعراء والادباء: للزهاوي بعد ذلك مواقف اغضب فيها الشعـــراء والادبـــاء! وجعلهم يثورون ضده، وضد شعره وأدبه وعلمه وفلسفته، ولذلك كانت له معارك حامية منها:
نقد شعر احمد شوقي: الزهاوي كما هو معلوم عنه لا يعترف بإمارة شوقي للشعر بل انه يعتبره شاعرا غير مجدد “متقولب” ولذلك كان يتحين الفرص للحط من شعره، على الرغم من كونه من فحول الشعراء في عصره، ولما رثا شوقي زميله اسماعيل صبري باشا في 1923، تصدى الزهاوي لنقدها بيتا بيتا وعلى صفحات (جريدة العراق - 31/ 5/ 1923) فثارت مشاعر الادباء، والرد القبيح على ذلك الشاعر المجهول.. فرد الزهاوي في جريدة الاستقلال - 17 / 5/ 1923:
ملأوا صدور الصحف حقدا
والحقد قد سموه نقدا
وقال ايضا: قالوا دخيل في القريض
مما اجاج ولا اجدا
ثم: من ذا يصدق انني
في جنب دجلة صرت اصدى
الشعر المرسل: يعتبر الزهاوي في طليعة الشعراء الذين حملوا لواء التجديد في الشعر كما انه اول من هاجم القافية اذ اعتبرها قيدا ثقيلا في رجل الشعر العربي ولهذا ابتدع طريقة الشعر المرسل للتخلص من هذا القيد، منظزم في جريدة المؤيد/ 1907 ما قاله:
لموت الفتى خير له من معيشة
يكون بها عبئا ثقيلا على الناس
وانكد من قد صاحب الناس عالم
يرى جاهلا في العز وهو حقير
ولما قرأ ادباء بغداد وشعراؤها ما كتب ثاروا ضده وضد ما ذهب اليه حول القافية.
نقد شعر الرصافي: بعد فتنة عام 1925 من قبل الاستاذ احمد حامد الصراف، قال الرصافي يهجو:
قل للزهاوي اني كنت لاقيه
مقاله كان فيها بادي الحذر
لقد بلعت علوم العصر قاطبة
بلعا تضيق به بالوعة القذر
نقد شعر العقاد: وقال كله اخطاء لغوية ومعنوية، في مجلة (لغة العرب) عام/ 1928.
رابعا/ المرأة والدفاع عنها: كتب الزهاوي مقالا في جريدة (المؤيد) القاهرية عام 1910، مقال جريء هاجم فيه الحجاب ومضاره الاخلاقية ودافع عن حقوق المرأة بقوله (اسفري يا ابنة فهر...).
لقد كان الزهاوي مظلوما الى يومنا هذا فهو بسبب هذا الطموح وتلك الجرأة وذلك الاندفاع قد خلق له جبهات عدة من الخصوم الالداء لا فرق في ان يكون ذلك في آخر العهد العثماني او الملكي ولذلك تكاثرت عليه وعلى شعره سهام النقد من كل جانب، من رجال الدين والسياسة والادباء، ولكنه مع كل هذه اللهجات لم يلق سلاحه او يسكت.

sarmad1960
10-26-2006, 04:53 PM
الزهاوي تفكّرٌ فلسفي لاتحجر عقائد




خلدون جاويد

تألق الشعر وهو يتغلغل فلسفيا ً في ثنايا صيغة ايمانية ، معبراً عن فكر بعض الآيات القرآنية ، على يد الشاعر جميل صدقي الزهاوي ، فراح يربط مابين مفردتي الدنيا متاع : " وما الحياة الدنيا الاّ متاع الغرور" ، وبين الحياة بوصفها " دوحة فينانة ، غصونها مبثوثة في كل صوب " ، وهي كما يشير البيت الأخير من القصيدة ، مدفوعة ( أي الحياة ) بيد ٍ، ومستمرة في طاقاتها الحركية بسبب ومسبب ... ها هي قطعة مجتزأة من قصيدة " الحياة والطبيعة " :

أجد الحياة من الطبيعة تنبعُ
والى الطبيعة بعد حين ٍ ترجعُ
وكأنما هي دوحة فينانة ٌ
منها الغصون الى الجهات تفَرّعُ
تبدو وتخفي في الطبيعة نفسها
فكأنما منها لها مستودع ُ
ان الطبيعة في جميع شؤونها
كالله عن أعمالها لاتهجع
تمتد في كل الجهات وتملأ
الأبعاد حتى ليس يخلو موضع ُ
فهي المكان وكل ماهو يحتوي
وهي الزمان وكل ماهو يجمع
هي في حياتي جنتي وجهنمي
فيها نعيم ٌ لي ونار ٌ تلذع
ما في الطبيعة أرضها وسمائها
غير الطبيعة مايضر وينفع
هي مظهر لله جل جلاله
والله تطلبه العقول فترجع
ليست بحادثة ولكن صورة
قدمت كمبدعها فجلّ المبدع
أما محاسنها فتلك كبيرة
اني بهن من القديم لمولع
تسع المجرة في السماء عوالما ً
أما الطبيعة فهي َ منها أوسع ُ
وكأنما تبغي الكواكب مخرجا ً
منها فتعدو في الفضاء وتسرع
مدفوعة فيه كأن يدا ً لها
من خلفها في كل حين ٍ تدفع ُ " .

الحياة هنا في نظر الشاعر جزء من الطبيعة التي هي مظهر كما يفيد النص أعلاه ، " لله جل جلاله " ، واليه ترجع العقول و " الله عنده حسن المآب " ، والطبيعة هنا قديمة كمبدعها وليست محدثة ! . ولكنها في طرح آخر محدثة ودلالة حدوثها انها تدفع بيد المُحْدِث . وهنا مكمن هاجسين ورؤيتين وتأملين واعتقادين . أي بتلخيص ما ، ووفق ماورد، لابأس أن نفكر بكونها قديمة لاعدم قبلها – الطرح المادي – وأيضا من حق من يشاء ان يقول بحدوثيتها على يد خالقها . لقد طرح الزهاوي الموضوع من جهتيه ، وهنا براعة اللعب او المشاكسة او تثنية الأفكار باتجاهين وهذا روح وروعة الرياضة الذهنية وأفضليتها حضاريا على التلقين القسري والاقناع والاقتناع خوفا او الموافقة على كل مايُملى .

ولعله من المفيد التعريج على المفردتين بشكل سريع للتنويه بمعنى القدم والحدوث ، يقول محمد جواد مغنية في شرح مبسّط : " كل موجود ان كان لوجوده اول سمي حادثا ً ، وان لم يكن لوجوده أول سمي قديما ً : فالقديم موجود في الأزل ، ولم يسبق بالعدم ، والحادث لم يكن ثم كان " .
وبما أن الشاعر الزهاوي يشير الى أن الحياة مظهر للخالق فلابد من الإحالة الى معنى الدفعة الاولى المسببة للحركة . هل كان الكون ساكنا ثم تحرك بدفعة أي بفعل ام انه يكتسب حركته
من ذاته ؟

لدى ارسطوطاليس في كتابه العبارة قول يؤكد فيه على وجود قدمية للفعل :" وقد ظهر مما قلنا ان ماوجوده واجب ضرورة فهو بالفعل فيجب من ذلك ان كانت الاشياء الازلية اقدم ان يكون ايضا الفعل اقدم من القوة فتكون بعض الاشياء بالفعل دون القوة ومثال ذلك الجواهر الأُوَل وبعضها مع قوة وهذه الاشياء هي بالطبع اقدم فاما بالزمان فانها اشد تأخرا وبعضها ليست في حال من الاحوال بالفعل انما هي قوى فقط ". وقد عقب الشيخ ابو نصر محمد بن محمد الفارابي بالشرح : " وقوله : بعض الاشياء بالفعل دون القوة ومثال ذلك الجواهر الاول ، فهذا ايضا من الاشياء الغامضة . ومثاله أغمض جدا . غير ان معنى الجواهر الاول كانت كانها مشهورة عند جمهور اهل زمانه . فان اوليك كانوا يعتقدون الهة كثيرة ".

وهنا وارتباطا مع قصيدة الزهاوي تحسم الرؤية الاسلامية الموقف ايمانيا مؤكدة بان الفعل والقوة المسببة للوجود انما ، ومثلما أشارت القصيدة ، انعكاس لإرادة الهية ، واستنادا الى تأكيد الآية الكريمة : " ولله غيب السموات والأرض واليه يرجع الأمر كله " .

ومادمنا نطارد مقولة الفعل الاول ومنطلق الحركة الاول ، فلا بأس أن نرى ماهو على الطرف المغاير ... تقول الرؤية المادية على لسان بودوستنيك وياخوت : " لم تكن أبدا ً حالة كانت فيها المادة بلا حركة . لذا يقولون ان الحركة هي شكل بقاء المادة ، شكل وجود المادة . ان الحركة خاصية ملازمة للمادة . ولاوجود للمادة بلا حركة ، وهي لاتوجد الا في الحركة " . وتشير أذهان اخرى قد تفكرت عبر التاريخ بالفاعل الأول لسبب الوجود . يقول ابن طفيل في " حي بن يقظان " : " فلما تبين له انه ان الكون كله كشخص واحد في الحقيقة وانه محتاج الى فاعل مختار تساءل : هل هو شئ حدث بعد أن لم يكن ، وخرج الى الوجود بعد العدم ؟ أم هو أمر كان موجودا فيما سلف ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه ؟ .

رأى نموذج ابن طفيل ، انه ان اعتقد قدم العالم وان العدم لم يسبقه وانه لم يزل كما هو فانه يلزم عن ذلك ان حركته قديمة لانهاية لها من جهة الابتداء ، وكل حركة لابد لها من محرك ضرورة ، وعلى ذلك لابد ان يكون المحرك لامتناهيا ، ولزم لذلك ان يكون بريئا ً من المادة .

وان اعتقد حدوث العالم وخروجه الى الوجود بعد العدم يلزم عن ذلك ضرورة انه لايمكن ان يخرج الى الوجود بنفسه ، وانه لابد له من فاعل يخرجه الى الوجود ، وان ذلك الفاعل لايمكن ان يدرك بالحواس ، وانه لو كان جسما ً من الاجسام لاحتاج الى محدث وتسلسل ذلك الى ما لانهاية . واذن فلابد للعالم من فاعل برئ عن المادة " .

أما الشهيد محمد باقر الصدر فيقول : " ان سبب الحركة التطورية للمادة في صميمها وجوهرها ، ليس هو المادة ذاتها ، بل مبدأ وراء المادة ، يمدها بالتطور الدائم ، ويفيض عليها الحركة الصاعدة والتكامل المتدرج " .

ولعل الشاعر الزهاوي يعود مرة اخرى الى معاناته اللآمجدية في الوصول لوحده واستنفادا ً لطاقاته الانسانية التأملية الفردية ، يعود الى القول بأن الليل داج والتأمل حسب مايشير المقطع الآتي من الشعر من ديوان الزهاوي ص 43 لايفضي الى ملموسية سوى الخوف والضلال لولا مناجاة واحدة هي أمله وخلاصه :

" أرسلت ُ طرفي في الفضاء فلم يقف
فعلمت ان البعد فيه سحيق ُ
ياطرف أرجو في سراك الى العلى
أن لايعوقك عنده العيّوق ُ
بين النجوم به وأنفسنا التي
تنوي الرحيل من الأثير طريق ُ
الليل داج ٍ والطريق مخوْفة ٌ
فضللت ُ لولا الله والتوفيق ُ ".

ان الزهاوي هنا يستهدي برؤيته الدينية ويعول على التوفيق واحتمال النجاح بالمعرفة الممكنة عبر الركون الى الايمان .

وما الحياة مرة اخرى الاّ ابداع رباني حسب الزهاوي ذاته واستنادا لقصيدة له بعنوان فزع الى الله ، والتي يذكر فيها انه يهرع من دواجي الليل وخطوب الدنيا ليتضرع بقلب مفزوع مروع ، فقرأ اسم الاله في توالي الليل والنهار واستخفاء وطلوع الشمس فشكل ذلك يقينا بأن الله مبدع للكون :

اليك الهي في بكاء ٍ أجيده ُ
قصيدا اذا مانابني الخطب ُ أضرع ُ
اليك بداجي الليل في البحر ان طغى
اليك اذا ماريع قلبي أفزع ُ
عبدتك ما أدري ولا أحد ٌ درى
أسرك أم سر الطبيعة أوسع ُ
قرأت اسمك المحمود في الليل والضحى
اذا الشمس تستخفي اذا الشمس تطلع ُ
فأيقنت ان الكون بالله قائم ٌ
وأيقنت أن الله للكون مبدع ُ .

ان الشاعر هنا يستند الى فلسفة القرآن الكريم ، منطلقا من : " ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاُلي الألباب " .

ويذكرنا الزهاوي هنا بالمتصوفة الذين يرون تجلي الله في الظواهر المادية او الحسية ، يقول عمر فروخ في كتاب التصوف في الاسلام وفي معرض الحديث عن ابن الفارض : " وقريب من الحلول القول بالاتحاد ( أو وحدة الوجود اذا شئت ) ، وذلك ان مظاهر الوجود المختلفة ترجع كلها الى حقيقة واحدة . فكل نوع من العبادة تجد الله وراءه ، وكل شكل من الحب يقصد به الله ، وكل مظهر طبيعي يمثل صفة من صفات الالوهية ( من شعر ابن الفارض ) :

بدت باحتجاب ٍ واختفت بمظاهر ِ
على صيغ التلوين في كل برزة ِ
وتظهر للعشاق في كل مظهر ٍ
من اللبس في اشكال حسن ٍ بديعة ِ

ويعقب عمر فروخ قائلاً : " وهذا الاتحاد لايظهر في الاشخاص فقط ، بل في مظاهر الطبيعة المختلفة ، فالله يتجلى في كل شئ " ويستشهد بهذه الأبيات لابن الفارض أيضا ً :

" تراه –ان غاب عني – كل جارحة ٍ
في كلّ معنى لطيف ٍ ، رائق ٍ بهج ِ
في نغمة العود والناي الرخيم اذا
تآلفا بين ألحان ٍ من الهزَج ِ
وفي مسارح غزلان الخمائل في
برد الأصائل في الإصباح في البلَج ِ
وفي مساحب أذيال النسيم على
بساط نور ٍ من الأزهار منتسج ِ
وفي مساحب أذيال النسيم اذا
أهدى اليّ سحيراً أطيب الأرج ِ
وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفا ً
ريق المدامة ِ في مستنزه ٍ فرج ِ
لم أدر ماغربة الأوطان وهو معي
وخاطري أين كنا غير منزعج ِ

لقد كانت الشمس وأحوالها شذرة تأملية آلت الى ايمانية نابعة من حنين معرفي دفع بالزهاوي الى أن يقول قصيدته ، ولا يخفى أن قلبه المفزوع قد مازج تأملاته ، وهذا مايخرج النص من الصفاء المكرس شعريا او ذهنيا بموضوعة وحدة الوجود مثلما هو الحال عند ابن الفارض وسواه ، ويرحله ( أي النص الزهاوي ) الى الايمان خشية او خشوعا لكن ، مرة اخرى يقع النص في اطار القصائد المعبرة عن الايمان بالخالق كحجر اساس في فلسفة القرآن الكريم . وبذا يقترب من روح الآية الكريمة : " من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ".

ولابد ان نشير الى ان كلمة الحياة وردت في القرآن الكريم لإحدى وسبعين مرة . وتستند فلسفته بالنظر الى الحياة ، الى مكانة معبر عنها بالآيات الكريمة التالية " وما الحياة الدنيا الاّ متاع الغرور " . " ذلك متاع الدنيا والله عنده حسن المآب ". " ياقوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار " .

ان تفكر الزهاوي وغيره من الشعراء- الفلاسفة بالحياة ، يمنح الشعر طاقة حركية هائلة ينعش الذهن البشري باختلاف الرؤى، ولكن ذلك احيانا مشوب بالخوف والحيطة والحذر مادامت مستويات العقلية الحضارية متراوحة ، ففي دول ما او ترسانات فكرية متشددة يكون مجرد التنفس الفلسفي حرام ! ، والقول بالجديد جريمة ، وعدم الايمان بالفكر السائد كارثة . ان ايمانية الزهاوي هنا واضحة للغاية وهي مطلوبة ولاضير بأن ترافقها آراء وتصورات ومحاورات ، والأّ غدا المشهد احاديا ً لا يخرج عن منبر وعمامة وسيف رقراق !

كل ايمانية الزهاوي هذه ، وهناك من يستسهل رجمه ، ولا أدل على ذلك مما اشير له في مقالة سابقة اذ يعلق الاستاذ محمد فريد وجدي فيقول : " انا اعترف بأن الاستاذ الزهاوي كان شاعرا ، ولشعره طلاوة وانسجام في كثير من موطن ، ولكني أنكر بأنه كانت له فلسفة ! وكل مايؤخذ مما كتبه في كتبه أنه افتتن بمقررات العلم الطبيعي ، وشغف حباً بالفلسفة المادية ، فخلعته عن العقائد الدينية ولم يستطع ان يتغلب على عقائده الوراثية فيعلن انه اصبح ماديا ، فوقف حائرا لايدري بأي فريق يلتحق : أبفريق الذين يؤمنون في الغيب ، أم بفريق الذين يؤمنون بالواقع ، فاعتراه من الهم مايعتري كل واقف بين طرفين في الوحشة والذعر ، فهذا الذي أقوله يؤخذ من شعره صريحا بغير تأويل ، فقد قال :

رأيت الهدى في الشك والشك لايهدي
كأني في الظلماء قد كنت أستهدي
فطورا أقول الروح كالجسم هالك
وطورا أقول الهلك عنه على بعد ِ
فيا لك من شك يبرح بي ولا
يبارحني حتى اوسد في لحدي .

ان الذي فات على الاستاذ وجدي هنا ، ان طريق العالِم هو التفكر والوجع والحنين اللآعج الى الحقيقة والعلم والمعرفة ، وطريق الجاهل هو التوقف عند عتبة علمية واحدة لايريد ان يطلع على سواها كإلتصاقه بالناقة والدرع والسيف بينما اخذ التفكر البشرية الى عصر الألكترون . وهنا لنا الحق أيضا بأن نسير الى امام او القهقرى او نثني الرؤى او نمسطرها ! . لكن يبقى مع احترامنا الشديد لثوابتنا الأيمانية بأن هناك من يصلح قوله فلسفيا ً ألا وهو الشاعر محمد مهدي الجواهري :

على الموائد اكواب واخيلة
من شاء يحترّ ُ او من شاء يبتر ِدُ .

ان للعالِم موائد متعددة بأكواب واخيلة مختلفة وللجاهل المتزمت اناء واحد ولون واحد وحزب واحد . العالِم يترك لك الخيار بالتنقل بين الموائد . ذو النظام الديكتاتوري التوتاليتاري الاوتوقراطي العسكريتاري لا يرى فينا الاّ بشرَ الفوتوكوبي الذين لابد من ان نُطمس في نقيع صبغة واحدة وفي سطل جماعي ، وبذلك نتشح بلون أبدي لامتناه ٍ هو لون الخرّيط ! .

sarmad1960
10-26-2006, 05:00 PM
تحياتي لكم
علما ان الموضوع قدنقل
من هناااااااااااااااااااك وهنااااااااااااااااااااااااا