المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علامة الشام ( محمد كرد علي )



سالم
08-07-2006, 09:22 AM
توطئة:

كان الشرق العربي، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، غارقاً في بحر من الظلم والظلام، حين أبصر النور..

وكان من يتقن الكتابة والقراءة، شبيهاً بعالم الذرة، في يومنا هنا.
كان الجهل مفروضاً على الشعب في ظل الحكم العثماني، فلا مدارس بالمعنى الصحيح، ولا معاهد للعلم، ولا كليات ولا جامعات.. بل كتاتيب صغيرة، تدرس بعض آيات القرآن الكريم، وبعض فرائض الصوم والصلاة.. اللهم إلا إذا استثنينا عدداً ضئيلاً منها.

ورغم هذا كله ولد الطفل محمد كرد علي، وعشق الكتابة والصحافة، وأولع بمطالعة الكتاب وجمعه.

كان يقرأ ما يستطيع الحصول عليه، وهو في الثالثة عشر.

كان يسهر حتى الهزيع الثاني من الليل، وهو يقرأ في جريدة أو كتاب، حتى ضعف بصره، وساءت صحته، ونصح له الأهل والصحب، بالاعتدال، ولكنه رفض هذا النصح، ولم يكن ليترك القراءة، إلا حين يطفئ أهله مصباح الزيت، الذي كان الناس يستضيئون به يومذاك.

كان منظر الكتب يغريه ويفتنه، ورؤيا الصحف يسكره، ويسحره، فيندفع يغب من ألوان المعرفة، ويعب من بحور العلم

كان إذا رأى عالماً أو أستاذاً، تمنى أن يصادقه، وحلم في أعماقه، أن يكون في المستقبل مثله.

وشجعه أبوه – رغم أميته – على اقتناء الكتب، وقد له المساعدة الكافية على الفوز بها، فكانت الكتب ثروته التي لا تفنى، وكان كنزه الذي لا يعد له كنزل ولا مال.

وحين اشتد ساعده بالعلم والمعرفة، أخذ يقرأ الصحف والمجلات بالفرنسية والتركية والعربية، فزادته المطالعة تعلقاً بالصحافة، وعشقاً للمعرفة والعلم.

وعندما كان يحبو نحو السادسة عشرة، كان يكتب الأخبار والمقالات، ويدفع بها إلى الصحف،

ولم تقف هواياته عند هذا الحد، بل أحب الشعر العربي، والسجع المنمق، وعكف على شيوخه – كما يقول الدكتور سامي الدهان -

وأخذ ينهل من علمهم وأدبهم، وهو من مشهوري عصره في بلده، أمثال: سليم البخاري، والشيخ محمد مبارك، والشيخ طاهر الجزائري".

وتلاقت ثقافة القديم والجديد في نفس الفتى، فأحب الكتب الصفر القديمة، ذات الهوامش والتعليقات والشروح الكثيرة، وعشق الصحف والمجلات الأجنبية، التي تحمل أنباء العالم، على شاطئ البوسفور والسين.

جمع محمد كرد على العلم من أطرافه، فعاش في مدرسته الثانوية، ينهل من العربية على أيدي شيوخه، ودرس في "العازارية" فنون العلم... ومن أجل ذلك قيل أن علامتنا العظيم سبق عصره.

وفي العام 1897م، أي عندما كان في ربيعه الحادي عشر، كانت تصدر في دمشق جريدة تدعى "الشام" لصاحبها مصطفى الشقللي، وهو مدير مطبعة الولاية، ومدير إطفاء الحريق، فعهد إليه أمر تحريرها.

ولبث الأستاذ محمد كرد علي يحرر "الشام" ثلاث سنوات، أخذ بعدها يراسل مجلة "المقتطف" المصرية، فانتقلت شهرته إلى مصر، بعد الشام، وذاع صيته في البلدين.

ورحل محمد كرد على إلى القاهرة، ولبت فيها شهوراً عشرة، عمل خلالها في صحافتها، وتعرف على علمائها، وأدبائها، ورجال الفكر فيها، فاتسع أفقه، وذاع صيته، وباتت شهرته في مصر، لا تقل عن شهرة أدباء تلك الفترة وعلمائها الأعلام.
وعاد ثانية إلى مصر، وعمل في تحرير بعض الصحف، وأصدر مجلة "المقتبس" الشهرية، ونشر فيها البحوث العلمية والأدبية والتاريخية.

وكان ينقل عن مجلات الغرب أحداث وأنباء العلم والحضارة والاحترام والتقدم، كما ترجم عدداً من الكتب المخطوطة والنادرة، فجمع بين القديم والحديث.

وعاد محمد كرد علي إلى دمشق، وقد لجم به الشوق إلى غوطتها وقاسيونها وبرداها.

عاد إليها وأصدر "المقتبس" جريدة يومية، بالتعاون مع أخيه أحمد، بعد أن أسس لها مطبعة خاصة، غير أن السلطة العثمانية ضايقته، وحاربته، ولاحقته، وأغلقت جريدته.. ولا يلاحق الأحرار، ولا يغلق الصحف، إلا كل عدو للفكر والكلمة الحرة، فاضطر للفرار إلى فرنسا.

وفي باريس زار مجمعها العلمي، ووقف في بهوه وساءل نفسه:

"هل يكتب لنا في المستقبل تأليف مثل هذه المجامع، فنعمل فرادي ومجتمعين كالغربيين، أم نظل كما نحن، لا نعمل فرادى، ولا مجتمعين؟".

وكان هذا بدء تفكيره في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق.

وحين سقطت دمشق في أيدي الحلفاء، وزالت عهود العثمانيين، وقام العهد الفيصلي الهاشمي، وجد العلامة الراحل الفرصة سانحة لتحقيق الحلم الذي طالما رادوه، ألا وهو إنشاء مجمع علمي عربي، على غرار ما تفعله الأمم المتحضرة، لحفظ تراثها، وصون لغتها، ونشر آدابها وعلومها، وعرض الفكرة على الحاكم العسكري رضا باشا الركابي، ووافقه على ذلك رئيس ديوان المعارف،

وقد تم ذلك في الثامن من حزيران عام 1919م، وظل "الأستاذ الرئيس" رئيساً للمجمع، إلى أن أغمض جفنيه.

يعرف محمد كرد علي في المكانة الأدبية والعلمية، بين أنداده الأعلام العرب: طه حسين، وعباس محمود العقاد، والإمام محمد عبده.

فقد بلغت مؤلفاته التي تركها اثنين وعشرين كتاباً، جاوزت صفحاتها عشرة آلاف صفحة، عدا مجلته العملية الراقية "المقتبس"، التي جاوزت صفحات أجزائها ستة آلات صفحة.

كان له حركة لا تهدأ في الكتابة والتأليف، وظل حتى سنوات عمره الأخيرة، يتمتع بنشاط أبناء العشرين، وذكائهم، وحيويتهم، وذاكرتهم.

جمع بين الصحافة والجامعة، والوزارة، والمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللغوي في مصر.

وكان يعشق دمشق ويهيم بغوطتها... وقد وضع عن الغوطة كتاباً يعتبر خير ما كتاب عنها حتى الآن.

أما المجمع العلمي، فقد كان عنده أغلى من فلذة كبده.. وهبه كل حياته، وكل نشاطه، ووهب مجلته كل جهده وعبقريته، ولم يكن ليتخلف عن التردد على المجمع إلا لسفر، أو مرض، أو أمر طارئ..

ومن أجل ذلك ظل المجمع – رغم تبدل العهود والظروف – الصرح العلمي الراسخ، الذي ينحني أمامه جميع الحكام ويفخرون برعايته، ودفع رسالته إلى الأمام.

كان محمد كرد علي إماماً في الصحافة، وحجة في التحقيق، وعلماً في الكتابة والتأليف، وزعيماً من زعماء القلم والفكر في الوطن العربي. وكان أول من إنشاء جريدة أو مجلة راقية في دمشق. وكان أول من أسس مجمعاً علمياً في بلاد العرب، ثم تلاه مجمع اللغة العربية في مصر، ثم بعض المجامع الأخرى في عدد من بلدان الوطن العربي.

أما أسلوبه، فهو الذي وصفوه بالسهل الممتنع.. إنه رقيق في التعبير، بليغ باللفظ، الكلمات فيه على قدر المعاني، والجمل تطول حيناً، وتقصر حيناً آخر، وهو في جمع الأحول لا يتكلف، ولا يتصنع، بل يرسل كلماته على سجيتها، ويهدف إلى التركيز على المعنى، دون أن يعطي كبير اهتمام للمبنى. إنه نثر العالم المفكر، لا الأديب الذي تغريه الصنعة، ويسيطر عليه الأسلوب والمظهر.

ويتجلى أسلوبه هذا في جميع ما كتبه ومقالاته.. غير أنه القلم يجمح به، فيشتط الخيال، ويطيب له أن يعنى بالصنعة والعبارة، فيكثف جمله وعبارته، ويختصر في ألفاظه وكلماته، ومثل هذا فعله في كتابه "المذكرات" ولا سيما حين يتحدث عن الشباب، ويصف الشيخوخة، ويتوقع الرحيل، فيحاسب نفسه دون هوادة، لنستمع إليه يقول:

"يا نفس لا تغضبي، ولا تعتبي، فقد عمرت طويلاً، ومتعت كثيراً، وفتنت بجمال الوجود، وجلال الطبيعة، وهمت بصنع الخالق والمخلوق، واستكثرت من الخلان والمعارف، وسعدت، إذا كانت أقرب إلى التفاؤل من التشاؤم، وإلى الرجاء أدنى من القنوط، وإلى السرور أكثر من الغم. وعشت في سلطان الرضى طيبة الطعمة، لا يد لأحد عندك".

ويعتبر كتابه "خطاط الشام" أبرز آثاره، وأضخم أعماله، وفقد أنفق في تأليفه خمسة وعشرين عاماً، طالع خلالها نحو ألف ومئتي مجلد، بالعربية والفرنسية والتركية، وقد تحدث فيه عن تاريخ الشام وحضارتها على مر العصور والأزمان.

وقد أحب علامة الشام غوطة دمشق، أحبها حتى العشق والهيام، وأقام فيها ستين سنة في أرضه التي ورثها عن أبيه في قرية "جسرين"، وعاشر أهلها وألفهم، حتى قيل أنه كان فلاحاً منهم، إذ كان يشاركهم حزنهم وفرحهم، وباتت الغوطة بالنسبة إليه – كما يقول – "أحب بقة إلى قلبه في الأرض".

ومن أجل ذلك وضع كتابه النفيس "غوطة دمشق"، فأرخ الغوطة، وتحدث عنها، وتغزل بها غزل عاشق هيمان، فكساها ثوباً من الجمال، إضافته إلى سحرها. ورد الجميل إلى الأرض الطيبة، التي أحالت دمشق من صحراء قاحلة، إلى جنة وارفة الظلال.

وحين توقف القلب الكبير، قلب العلامة محمد كرد علي عن الخفقان، يوم الخميس الثاني من نيسان 1952م، خرجت دمشق بشيبها وشبانها في مأتمه.. وشيعه علماؤها، ورجال القلم والفكر فيها، ودفن بجوار قبر معاوية بن أبي سفيان الذي أحب دمشق أيضاً، وعمل من أجلها، وأسس دولة بني أمية فيها، ورفع رايتها خفاقة عالية.

وعلى القبر، وقف الأديب العالم الدكتور منير العجلاني، ورثاه، وقال كلمته المشهورة:

"إن ثمة إمارتين معقودتين في العالم العربي، إمارة الشعر، وكانت معقودة اللواء للمرحوم أحمد شوقي، وإمارة العلم، وكانت معقودة اللواء لفقيدنا العلامة محمد كرد علي".

زهرة الشام
08-07-2006, 03:12 PM
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/005.gif
21 http://zahrtalsham.jeeran.com/baby1.gif21 ..عاشق الياسمين .. 21 http://zahrtalsham.jeeran.com/baby1.gif21

هالني هذا التمرد الثائر
على كل ما للظلمة من وجود..
هالني هذا الفكر الذي سافر
بطاقات عقله وحلق بسماءات
خياله وسمح لأسراب المعرفة
أن تحط على خمائل دهشته
وتلبسها حلي العلم والأدب الراقي

*

*

ما هالني أكثر

أنني لم أسمع بهذا العلامة
إلا منك!

فلماذا علامة كهذا لم يأخذ صيته
ما يستحقه من حجم مفخرة قدمها لوطنه وأمته..؟!


*


*

سالم

شكرا ً .. وإن كنتم
من كل شكر ٍ أعمق21






http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/000.gif

عقيلة
08-07-2006, 04:44 PM
أخي الكريم : سالم ..

كما تفضلت شاعرتنا الياسمينية ..
فأنا لم أتعرف بوجود اسم كهذا ( العلامة )
إلا من خلال سطورك .. ومقالك ..
وهذا أمر غريب ..

جمال اللقاء والتعرف به ..ممتع في سردك ..
لجوهر ما كان ..

كل الشكر لك

أرق التحايا

سالم
08-08-2006, 08:21 AM
http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/005.gif
21 http://zahrtalsham.jeeran.com/baby1.gif21 ..عاشق الياسمين .. 21 http://zahrtalsham.jeeran.com/baby1.gif21

هالني هذا التمرد الثائر
على كل ما للظلمة من وجود..
هالني هذا الفكر الذي سافر
بطاقات عقله وحلق بسماءات
خياله وسمح لأسراب المعرفة
أن تحط على خمائل دهشته
وتلبسها حلي العلم والأدب الراقي

*

*

ما هالني أكثر

أنني لم أسمع بهذا العلامة
إلا منك!

فلماذا علامة كهذا لم يأخذ صيته
ما يستحقه من حجم مفخرة قدمها لوطنه وأمته..؟!


*

سالم

شكرا ً .. وإن كنتم
من كل شكر ٍ أعمق21



http://www.asmilies.com/smiliespic/FAWASEL/000.gif




شاعرة الياسمين أشكر لك هذا الإعجاب
والغيرة الأدبية الوطنية

ربما لم تسمعي بهذا الأديب لأنك درست في الكويت

ما أذكره أننا في مادة الأدب العربي في المتوسطة والثانوية (في سورية) كانت لدينا ترجمة وافية وشاملة عن هذا الأديب المجد المجتهد .. وأذكر أنني أثناء اختبار الثانوية كان هناك سؤال عن أدب محمد كرد علي وأثره في النهضة العربية .. (رجعتينا لذكريات قديمة .. )

شكرا حضورك وتماهيك وعطرك

سالم
08-08-2006, 08:40 AM
أخي الكريم : سالم ..

كما تفضلت شاعرتنا الياسمينية ..
فأنا لم أتعرف بوجود اسم كهذا ( العلامة )
إلا من خلال سطورك .. ومقالك ..
وهذا أمر غريب ..

جمال اللقاء والتعرف به ..ممتع في سردك ..
لجوهر ما كان ..

كل الشكر لك

أرق التحايا


يا أهلا وسهلا
جميل أن تتعرفي به ...
وهذه روابط على الإنترنت تسرد شيئا من سيرته

محمد كرد علي (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%83%D8%B1%D8%AF_%D8%B9 %D9%84%D9%8A)

محمد كرد علي مؤسس أول المجامع العربية وعلامة الشام (http://www.islammemo.cc/culture/one_news.asp?IDnews=298)

سالم
08-08-2006, 08:50 AM
أخي الفاضل / سالم

سرني كثيرا ان تتناول سيرة هذا العلامة الكبير
و أن تلقي الضوء على ذلك الجانب الرائع
من حياته و تجربته العلمية وكفاحه الجميل

اذ من خلال ما قرأته هنا
وجدتُ انه اسم ورمز إنساني عظيم يستحق الوقوف
كثيرا عند انجازاته العظيمة بالاشادة والاجلال

ولكل لما حمله للعالم العربي من ثراء فكري وادبي
يستوجب اسهابا اكثر ونشرا واسع النطاق
لعل وعسى نكفر عن ظلما لحق به من اقلام اعلامية
بخسته حقه في البروز والتقدم بين قمم المبدعين
وحقنا في التعرف به والتزود روحا وفكرا من إمارته العلم






سيدة الدرب

سلمك الله

دوما للثقافة بارق بعيد يحتاج جهد واجتهاد من قبل الإنسان

وكي نصل لحد الثقافة ونشعر بها علينا أن نقرأ للآخرين ونطالع ما لديهم
\
ولعل البحث في أعمال الآخرين ونتاجهم هو من أفضل طرق التزود بالثقافات والمعارف

اشكر حضورك وقراءتك

وكل الياسمين سيدتي

منى عجاجي
08-08-2006, 11:09 AM
أخي الفاضل / سالم

سرني كثيرا ان تتناول سيرة هذا العلامة الكبير
و أن تلقي الضوء على ذلك الجانب الرائع
من حياته و تجربته العلمية وكفاحه الجميل

اذ من خلال ما قرأته هنا
وجدتُ انه اسم ورمز إنساني عظيم يستحق الوقوف
كثيرا عند انجازاته العظيمة بالاشادة والاجلال

ولكل لما حمله للعالم العربي من ثراء فكري وادبي
يستوجب اسهابا اكثر ونشرا واسع النطاق
لعل وعسى نكفر عن ظلما لحق به من اقلام اعلامية
بخسته حقه في البروز والتقدم بين قمم المبدعين
وحقنا في التعرف به والتزود روحا وفكرا من إمارته العلم

:

استاذي الكريم..سالم

أقف لك احتراماً .. ككل المرات التي اشعلت
لنا فيها قناديل معرفة.. أضأت بنورها مساحات
العقل المعتمة
:
دمت بخير ..وبأنتظار المزيد

مع اطيب التحايا

عقيلة
08-09-2006, 12:57 PM
أخي الكريم سالم :

شكراً جزيلاً إفاضة التعريف ..

و ربما باعتقادي أن السبب في الجهل بمثل هؤلاء العلماء ..
الاحتفاظ ببعض الخصوصية للدول ..
وحكر المعلومات على نطاق معين ..دون الانفتاح ..
خاصة فيما تعلق بدول الشام ..

أرق التحايا