المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الضحكة الأخيرة ..



باسمة
03-27-2003, 11:38 AM
عندما وصلنا نبأ وفاته ، لم يعن لنا الأمر شيئا..
قد مات في قلوب الأسرة كلها قبلها بكثير ..
هو الشقيق الأصغر لجدي لأبي .. عاش و مات وحيدا .. لا زوجة و لا ولد ..
و رغم أن تاريخ النفور بينه و بين الجميع يرجع إلى فترة لم نكن فيها ، كجيل متأخر ، قادرين على فهم ما يجري حولنا من أحداث ؛
إلا أن برودا في مشاعرنا تجاهه قد جعل اكتراثنا بمسألة وفاته أمرا غير وارد أبدا .

لم يكن ثريا ، لكنه كان ميسور الحال .
عاش طوال عمره في بحبوحة أمنتها له وظيفة قديمة قبض تقاعدها حتى يومه الأخير ، و بعض قطع الأراضي الصغيرة التي كان يملكها .
ما زلت أذكر بعض قصص متناثرة عنه ثبتت في ذهني الانطباع السائد عنه لدى الجميع .
لم يكن يحب مساعدة أحد .. و لم يكن يقدم لأي محتاج لمساعدته إلا الانتقاد و التهكم .
و رد كل من قصده ، بلا استثناء ، خائبا ، غاضبا ، محملا بكلماته اللاذعة ، و ضحكته الساخرة .

مع هذا ، فصورته في ذهني ما زالت طازجة كأنها وليدة البارحة
بمشيته الفريدة التي تحمل من الكبرياء ما تحمل ..
رجل جميل الهيئة .. طويل القامة ، تفوح منه رائحة كولونيا الليمون دائما ..
بشرة بيضاء سرعان ما يكسوها أي انفعال أو جهد بحمرة قانية
في لباسه الدمشقي التقليدي :
القنباز الأبيض ، و الزنار الطويل الملفوف على الخصر ، و طبعا . الطربوش الخمري بزره الأسود و خيوطه السوداء اللامعة ..
عكازه كان للزهو أكثر منه للضرورة ، كان امتدادا آخر لجسده ، ليده أو رجله ..
حتى أنه ليصافح به أحيانا ساخرا .. أو يبعد به ما يصادفه من عوائق في مسيره ..
لكن عيناه أكثر ما علق في ذاكرتي لسبب لا أفهمه ..
عينان زرقاوان صغيرتان و جميلتان بنظرات حادة ..
عيناه كانتا ، هما أيضا ، امتدادا لجسده ، كانتا لسانا آخر ..
و هما .. إلى جانب لسانه ، و مشاعره الفاترة ، كانتا سبب انفضاض العائلة من حوله قبل سنين طويلة .

أن تكون دمشقيا يعني أن عليك أن تخفي عند الضرورة الكثير من المشاعر .
الواجب يحتم علينا وضع ماضينا مع الرجل وراء ظهورنا حتى تنتهي مراسم العزاء .
فـ " الميت ما بتجوز عليه غير الرحمة "
و هكذا كان ..
في بيته القديم ، اجتمعت الأسرة كلها ، تقوم بالإجراءات المعتادة ، بشيء من فتور و شيء من وجوم .
الجميع كان يعلم ، بطريقة ما ، أنه قد بدد خلال حياته ثروته الصغيرة و لم يبق له منها سوى بيت قديم متهالك شملته مخططات توسعة المدينة .
فالأمر لا يخرج إذن عن نطاق الواجب و العادات .. اسم العائلة و صورتها الآن .. هما الدافع الأهم .

عزاؤه كان حدثا غريبا مثله ..
جموع الرجال الذين شاركوا في تشييعه إلى مثواه الأخير ، و الذين حضروا مساء ليقدموا العزاء أثارت استغرابنا و فضولنا ..
رجال لا نعرفهم ، و رجال نعرفهم و لم نعرف أبدا صلتهم به ..
و مع فناجين القهوة المرة ، و أصوات المقرئين رأت الأسرة لأول مرة الرجل الذي تأخذ فيه العزاء ..

و فهمنا ، متأخرين جدا ..
أنه كان وراء تحول دكان أبي للخياطة الرجالية التي نادرا ما طرقها الزبائن إلى ورشة لصنع الملابس الموحدة للمدارس و المشافي و المعامل .
و أنه كان وراء زواج ابنة عمتي الأرملة من زوجها الثاني .
و وراء عملية زراعة الكلية التي أجراها زوج عمتي ..
و إنهاء ابن عمي لدراسته العليا ..
و ذلك المشتل الصغير الذي شكل نواة نجاح ابن عمي الآخر ..
و أنه من مول سرا .. الكثير من مشاريع صغيرة ، متواضعة ربما ، و إنما ... كافية لتضع عشاء على كل طاولة ، و تؤمن كساء لكل ظهر .. و توفر الكرامة للعائلة كلها ..

أدهشنا .. أنه استطاع أن يخدعنا طوال هذه السنوات ، فيلبث متخفيا وراء التهكم و السخرية و الانتقاد اللاذع حينا ،
و وراء عدم الاكتراث و التجاهل حينا آخر ..
و أننا .. لم نستطع يوما .. أن نفتح لهذا الرجل قلوبنا .. أو أن نحاول معرفة ما يختفي في ذلك الصدر المغلق على ما فيه كصندوق من حديد ..
في الوقت الذي يحل هو فيه ، من وراء الستار، كل ما استطاع حله من المشاكل و الأزمات ، بطريقة عصية على التصديق ..
لم يكن ممن يقدمون المساعدات و الهبات ..
لم يكن ممن تنتفخ أوداجهم سرورا و هم يعلنون عن أفضالهم على الآخرين ..
كان يقدم حلولا تنهي المشكلة و تحلها من جذورها ..
و يكتفي لنفسه بدور العجوز البخيل المتبلد المشاعر ..
فهمنا جميعا هذا ، متأخرين جدا ..
و فهمت أنا ، متأخرة جدا أيضا ..
لماذا كلما تأملت في ذاكرتي وجه ذلك الرجل ، بعينيه الزرقاوين الحادتين ...
كنت ألمح وراء ذلك القدر الكبير من السخرية و العبث ..
قدرا كبيرا من الحنان .

تحياتي

سالم
03-27-2003, 12:24 PM
أنت كنت تقرئين العيون بقلب الإنسانة
كنت تتلمسين روحه بعيون صافية بعيدة عن انتظار شيء ما سوى الحب ..
لهذا كنت تقرئين الحنان

هذا يا بسووم يسمى رجل ..
ولذلك قيل ( الرجال قليل)

رحمه الله ..
كم هو جميل .. هذا الإنسان.

أشكر ما لمحت له من جميل الخصال في هذا الإنسان والواجب توفرها دوما في مجتمعنا ..