المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مــــــات جــــــــوعا



محمد دلومي
06-09-2005, 08:42 AM
في مقبرة بسيطة .....

الأول : مات .....

الثاني : كيف مات ....؟

الثالث : مات جوعا ..



الأول : يموت جوعا ... وقد أشبع رؤوس الكثيرين بفكره .. كان بإمكانه أن يعيش ملكا لو أراد

الثاني: الفكر في زمننا هذا لن يطعم خبزا ولا يستر جسدا.



الثالث بحصرة بالغة : كان عظيما مثل الجبل الأشم لم يشكو يوما الفاقة ولا الجوع .. لم أره في حياتي متذمرا أو ساخطا .. كان غير آبه بمباهج الحياة ، كل ما يهمه أن تنهل الأجيال من فكره



الأول : قيل أنه إشتهى تمرا قبل موته ومات ولم يذق منه شيئا ..

الثاني : على كل رحمه الله وأوسع قبره ، مات وقد أدّى واجبه بالكامل لم يطلب جزاء ولا شكورا ... على الأقل نقيم له قبرا يليق بمقامه ... أين ندفنه ؟

الثالث : ندفنه وحده فقد عاش وحيدا من غير زوجة أو ولد .

يعترض الثاني :أيكون في حياته وحيدا ووحيدا بعد موته .. هذا ليس عدلا.. أعطوه حقه ولا تبخسوه حتى في موته ..ألم يكن قلما منيرا للناس أجمعين ..ألم نستفد من فكره فلما نجعله وحيدا حتى في موته ؟فلندفنه مع الناس فيكفي أنه مات مظلوما فقيرا معدما لا يملك قوت يومه وتركناه يموت وحيدا بلا عون أو سند.

وكثر الجدل واللغط بين ثلاثتهم ، واختلفوا في شأن دفنه، حتى علا صوتهم أمام الجموع،وبعد أخذ ورد استقروا على أحكمهم رأيا بأن يدفنوه تحت النخلة لتكون لقبره ظلا وتمرها صدقة تضاف إلى ميزان حسناته وشهادة على شموخه وعظمته ...

فجأة صمت الجميع عندما اصطفت سيارات فارهة أمام باب المقبرة ، وتهامس الجميع عندما نزل السيد الوزير وتفرقت الجموع من حول النعش وهرولت صوب سيارة الوزير تستقبله . تاركين النعش وحيدا كما عاش من فيه...ترجل السيد الوزير من سيارته تحيطه حاشيته وحرسه الخاص وانفضت له الجموع نصفين وراح يتقدم بينهم آخذا مساره إلى النعش .توقف أمام النعش رفع كفيه إلى السماء متمتما بفاتحة الكتاب على روح الفقيد سرعان ما صعد إلى المنصة المعدة له لإلقاء خطبة لوداع عظيم الأمة.

أدخل يده في جيب سترته وأخرج خطابه ، وأنشأ يقول:

أيها الراحل عنا ، من يواسينا في مصابنا هذا ؟ إن المصاب لجلل ورحيلك خسارة عظيمة . من ذا الذي يخلفك في فكرك وأدبك ؟كنت شامخا مثل الطود العظيم، وها أنت اليوم تموت بعد مرض.ويعترضه صوت أحدهم .... لم يمت مريضا بل مات جوعا... تململ السيد الوزيروتنحنح وواصل خطابه : وإمارة الامتعاض بادية على وجهه وأردف قائلا : إن الرجال مثلك لا يموتون . ستبقى خالدا في القلوب . سنذكرك بفكرك . سنجعلك منهلا ننهل منه فكرنا كي نرقى إلى العلا. نم قرير العين أيها الكريم ، سنخلدك ونسمي بك الشوارع والممرات ، سنجعل اسمك عنوانا للمعاهد والجامعات ، سنخلدك بتمثال نزين به عتبة قبرك...

أيها العظيم سننشىء لك وساما خاصا بك نزين به صدر كل مبدع ومفكر كي تبقى حيا في القلوب.واعترضه الصوت نفسه :لكنه مات سيدي الوزير ... مات جوعا...

وراح الوزير يتصبب عرقا ،وواصل كلامه : نم قرير العين يا عظيما مثل الجبال سنفتقدك وقد كنت فينا العقل والفكر ، الرجال مثلك لا يموتون بل خالدون إلى الأبد، ويعود الصوت المشاكس من بين الجموع يردد : ولكن نسيتموه ، تركتوه يموت جوعا ، وبدت علامات الإحراج الكبيرة ترتسم على وجه الوزير ...وراح يتلعثم في الكلام ويخلط فيه .حتى أصبح يثير الضحك بين الجموع وانفجر الجميع ضاحكين عندم فعل عصفور فعلته جبين الوزير وعلى طقمه الإيطالي طوى الوزير ورقة التأبين ونزل من منصته .وبين الحين والآخر يتطلع إلى ساعته وكأنه يستعجل الرحيل ويريد الخلاص من مراسم الدفن بسرعة. وهمس في أذن مستشاره :

ألم يجد هذا ال....... الموت إلا في أوقات مقابلاتي الرسمية ورد عليه مستشاره هامسا: لسنا نحن من نختار الموت وأوقاته سيدي الوزير ؟ الموت هو الذي يختارنا . رد الوزير بغضب :أعرف ...ولست بحاجة لمواعظك . متى يدفنوه ونتخلص منه؟ عندي اجتماعات ومواعيد هامة.

دفنوه بسرعة وهالوا عليه التراب ، وقبل أن ينفضوا أيديه من قبره ويقرؤوا على روحه الفاتحة طفق الوزير راجعا فتبعته الجموع مشيعة سعادته وتركوا القبر وصاحبه بلا دعاء ولا ترحم . انصرفت الجموع كل إلى حال سبيله وبين صمت القبور همس صوت: لا تسقوا قبري خمرا فخمركم وتراب قبري طينا ، وماروى الطين قلب ضمآن.

هبت نسمات أواخر الخريف الباردة ، وتساقطت حبات من تمر على قبره ، فهجمت عصافير الدوري عليها . تلتقط رزقها من فوق قبره .
[ 11

[UploadFolder]/2-1118352185.jpg

منى عجاجي
06-10-2005, 09:08 AM
اخي الفاضل محمد دلومي

نص جميل يصف حقيقة مؤسفة بحق

فما اقسى ..ان نلتفت الى المبدع بعد موته جوعا
ما اقسى اللامبالاة بالعظماء..
ما اقسى وابشع عالم.. هوايته أن يقتل مبدعيه ويبكى عليهم
وليته كان بكاء على قدر ما قدم هذا المبدع..

والمشكلة أننا في الدول العربية ..في حاجه إلى تثقيف ووعي شامل
فكثير من المواهب والمبدعين.. يذهبون طي النسيان والتجاهل
و يعانون برغم ما قدموه من فن وإبداع في مختلف المجالات
دون أن يقابل ذلك بشئ من الإحسان والتكريم في حياتهم
وربما حتى بعد مماتهم!

ولكن متي تستفيق هذه الدول العربية
وتحترم مبدعيها قبل أن يطويهم الموت جوعا!!

:

تحياتي

ابوصلاح
06-10-2005, 10:51 AM
الاخ محمد دلومي
لا اعلم أشفقت علي نفسي وانا اقراء في هذه القصة.............
وللاسف الشديد دائماً يتم تكريم المبدعين والمفكرين عند مماتهم في كل( الوطن العربي) ...
لقد تطرقت لموضوع ذات اهمية لو يعلمون
مع تحياتي
اخوك ابوصلاح
79

سالم
06-10-2005, 07:08 PM
أهلا بحضرتك وقلمك أخي الحبيب

كما تفضل وسبقني العزيز أبو صلاح .. في نصك تطرق لأمر هام وهو كيف نتعرف الكرام قبل أن يمروا على ذاكرتنا مرور الكرام ..

كما أحيي قلمك ..
فهو ثري بالرؤية والأفق الواسع

وأظنني سأجد في رحاب نصوصك كثيرا من وقفات ...

محمد دلومي
06-24-2005, 07:37 PM
12 ابو صلاح نشفق على أنفسنا او نشفق على الآخرين فالأمر سواء فلم يعد للفكر في اوطاننا قيمة .. شكرا عزيزي لمرورك 12

محمد دلومي
11-05-2005, 07:43 PM
كل عام وانتم بخير 12

سالم
11-06-2005, 07:58 PM
وأنت بخير أخينا العزيز