المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة تسامح



عرين السفر
05-01-2005, 10:05 AM
رضا الظاهر
في ظروف تحاول فيه قوى شريرة فرض ثقافة العنف والانتقام في المجتمع العراقي وابعاد ثقافة السلام والتسامح، تمس الحاجة الى بحث موضوع التسامح، الذي سيظل، كقضية مثيرة للجدل، يستدعي نقاشاً واسعاً، ولن يجد اجابات سهلة.

واسهاماً في هذه القضية الخطيرة كنت قد تناولت، بايجاز، في عمودي الاسبوعي “تأملات” الذي أنشره في صحيفة “طريق الشعب”، هذا الموضوع، عبر اشارة الى جوانب من قصة التسامح في جنوب أفريقيا، وهي القصة التي أحاول هنا أن ألقي عليها أضواء تفصيلية من خلال كتاب، صادر مؤخراً، عن جلاد كان يشرف على الجرائم المرتكبة في عهد الأبارثايد، آملاً أن تكون هذه التجربة، الجديرة بالدراسة الانتقادية وتمثل دروسها الملائمة لواقعنا، نافعة في التعامل مع قضية التسامح، وهي من القضايا المعقدة والجديدة في مجتمعنا.

وفي هذا الكتاب، الذي يحمل عنوان “في تلك الليلة مات انسان: قصة تسامح في جنوب افريقيا”، تضع مؤلفته بوملا غوبودو ماديكيزيلا، أستاذة علم النفس في جامعة كيبتاون، القارئ امام ادلة مروعة على ما فعله الجلاد، وكذلك على ما اسماه الاسقف ديزموند توتو، الذي عملت معه المؤلفة في “لجنة المصالحة والحقيقة”، المشاهد “المقدسة” للتسامح من جانب عوائل الضحايا.

وفي مركز هذا الكتاب نجد مقابلات المؤلفة الشخصية مع السجين يوجين دي كوك الذي فرض “الدم والقتل” على مناهضي الأبارثايد. هل يشعر بالندم؟ وهل يمكن اغوبودو ماديكيزيلا أن تشعر بالعطف عليه؟ انها تؤكد أن تحوله الى شيطان وغول يساعدنا ويساعده على ممارسة العفو بيسر كبير.

ويقضي يوجين دي كوك، قائد فرق الموت الرسمية في النظام العنصري، والشخص الذي يلقب بـ “الشرير”، عقوبة بالسجن تبلغ212 عاماً لارتكابه جرائم ضد الانسانية.

وتصبح تجربة غوبودو ماديكيزيلا في التعاطف العميق مع ضحايا العنف الدموي، بمن فيهم اولئك الذين قتلهم دي كوك، وعوائلهم واصدقائهم، واضحة في المشاهد التي جسدتها جلسات الاستماع التي ادارتها لجنة المصالحة والحقيقة، التي توفرت فيها فرصة التعبير للمجرمين وضحاياهم. وفي اطار هذه الالية مارس جلادون التوبة، وطلبوا المغفرة امام ضحاياهم وامام المجتمع كله. غير ان هذا لا يعني، باي شكل من الاشكال، العفو غير المشروط عن مقترفي الجرائم او الانخداع بالتوبة الكاذبة، كما انه لايمكن ان يعني اللجوء الى عملية انتزاع البراءات المذلة، ولا الى السكوت عن الخطط الشريرة للمدافعين عن المجرمين والساعين الى تبرئتهم بشتى الوسائل والذرائع.

واذا كان التسامح يصون، كما ترى المؤلفة، الطبيعية البشرية لكل من الضحية والجلاد، فانه لا يمكن، اذا ما اريد له ان يكون عملية تطهير للآثام، ان يسمح للجرائم بأن تمر دون عقاب. ولا يعني التسامح، على أية حال، العفو عن المجرمين، بل وضع ضوابط وآليات تمنع اشاعة ثقافة العنف والانتقام، كما انه ليس حالة افراد وانما ممارسة ثقافية في المجتمع. وبدون ذلك فانه يبقى مجرد عفو عمن يستحقون عقاباً على جرائم بشعة اقترفوها.

وسيترك فهم الكاتبة العميق للغة وذاكرة العنف، وللقضايا شديدة التعقيد المحيطة بالعفو والتسامح في اعقاب المذابح الجماعية، اثره على البحث، وكذلك على حياة الناس العاطفية. وتضعنا رحلة المؤلفة مع دي كوك، التي نشهد خلالها الاستيقاظ الاستثنائي لندمه، وجها لوجه امام احد الاسئلة الكبرى لعصرنا: ما الذي يعنيه الامر عندما نكتشف ان تجسد الشر أمر بشري على نحو مروع؟

عندما حكم على الجلاد بدأ الناس السود خارج قاعة المحكمة العليا في بريتوريا يهللون ويرقصون. فلن يكون بوسع يوجين دي كوك ان يسير، ثانية، في الشوارع.

فذلك الشخص ذو الوجه الخالي من التعبير والانفعال، والذي يرتدي نظارات سميكة سيبقى اسيراً حتى اخر يوم في حياته. كان ذلك عام1996، وكان دي كوك ما يزال داخل عالم السجن المركزي في بريتوريا، يرتدي الزي البرتقالي، وتقيد اقدامه بسلسلة مربوطة بكرسي حديدي مثبت على الارض عندما يأتي الزوار.

ولكن دي كوك طليق بمعنى ما. فهو في الخارج يجول في ذهن جنوب افريقيا بأسئلة مربكة حول طبيعة الشر والتسامح، ولياقة امرأة سوداء قررت ان تخترق قلب الغول فوجدت كائناً بشرياً جديراً بالعفو والحرية. فقد ألفت بوملا غوبودو ماديكيزيلا كتاباً مذهلاً حول أحاديثها مع دي كوك.

ووصف الكتاب من جانب البعض بانه مقابلات مع مصاص دماء. والحقيقة انه بحث سريري دقيق حول كيفية وسبب تحول انسان عادي الى قاتل كبير في نظام وحشي.

انها تمعن النظر في جرائمه- التعذيب، الاعتقال، القتل، والتلذذ بمعاناة الاخرين- ولكنها تتوصل الى نتيجة مفادها ان “الشرير” يستحق التسامح معه.

وتقول المؤلفة “اجل، لو ان السلطات سألت عن رأيي لقلت انه يتعين العفو عن دي كوك. لقد زارته أرامل بعض ضحاياه. وهو مثال للكيفية التي يمكن بها الحوار”. وقد أقنعتها سلسلة مقابلات أجرتها في سجن سي ماكس استغرقت46 ساعة بأن دي كوك يشعر بندم حقيقي بشأن ما اقترفه وانه انسان تغير.

لقد تلقى هذا الكتاب، وهو من بين الكتب الاكثر مبيعاً في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا، الكثير من الثناء، وأشار جون كويتزي، الكاتب الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام2003، الى “التحليل البارع للكيفية التي يفقد بها الضمير الاحساس”, ورحبت صحف جنوب افريقيا بالكتاب باعتباره مساهمة جريئة في فهم الماضي وصياغة المستقبل.

وادت حالات الاستحسان الغالبة الى ارباك المؤلفة ذلك ان استنتاجها من انه يتعين اطلاق سراح دي كوك يمكن، كما هو متوقع، ان يكون مثيراً للجدل.

وتقول انه “بمعنى ما يقلقني ان يكون رد الفعل على هذا النحو الايجابي”. وفي معارض الكتب وفعاليات القراءة التي قدمتها كانت تسأل عن سبب تركيزها على المجرم أكثر من الضحية، وفي ما عدا ذلك لم تواجه أسئلة تكشف عن تحديها.

وربما أدى كونها سوداء ونشأت في مناطق السود الى نزع أسلحة بعض النقاد. ففي سن الخامسة كانت تختفي خلف سور حديقة أمها عندما كانت الشاحنات العسكرية تطارد، مثل غيلان هائلة، الناس في تلك المناطق. ويتميز باهمية خاصة صدقها الجلي: فهي لم تشرع بالتعاطف مع دي كوك، بل ان الامر حدث تلقائياً. وساعد في ذلك ان رئيس الاساقفة ديزموند توتو احب الكتاب، وان المصالحة هي الفكرة السائدة خلال العقد الماضي في جنوب افريقيا.

وتشبه زيارة غوبودو ماديكيزيلا الاولى الى سجن سي ماكس شيئاً ما من فيلم “صمت الحملان”. وحذرها حراس السجن من احتمال قيام دي كوك بتصرف غير لائق، غير ان ما حدث هو العكس.

لقد نشأ دي كوك في عائلة افريقية محافظة بينما بدأ حكم الاقلية البيضاء يواجه أزمة. وكان دي كوك يقود وحدة مكافحة التمرد في ناميبيا، حيث كانت تشن حرب قذرة أدت الى سجن البعض. وعندما تصاعدت اعمال الشغب في جنوب افريقيا اعيد الى البلاد في سنوات الثمانينات ليترأس المؤسسة التي اقيمت في مزرعة حيث كانت اجهزة الامن تجري التحقيقات مع المشتبه فيهم، وتطور اساليبها في القتل التي حصدت ارواح ما لا يحصى من المدنيين والمكافحين من اجل التحرير. وكان رجاله هم الذين لقبوه “الشرير”. وتقول غوبودو ماديكيزيلا انه كان “شريراً”، لكنه لم يكن مخبولاً على الاطلاق.. كان لديه حس بالقوة. وكان ينظر اليه من جانب البلاد باسرها باعتباره قادراً على حل النزاعات، وكان العنصر الرئيسي في ماكنة الدمار.

وفي عام1995، وبعد عام من الانتخابات الديمقراطية التي جاءت بالمؤتمر الوطني الأفريقي الى السلطة، احيل الى المحاكمة، وتعرف الجمهور المروع على كل التفاصيل المثيرة. وقد منحته لجنة المصالحة والحقيقة عفواً عن بعض الجرائم مقابل ادلائه بشهادة، لكن ذلك لم يؤثر على قرار المحكمة بسجنه، وزعم ان دي كوك قد انتهى اخيراً.

وتتميز لهجة غوبودو ماديكيزيلا بنزعة الحيادية المتأتية من السنوات التي قضتها في الخارج. وكانت قد ولدت في مدينة لانغا الفقيرة، الواقعة خارج كيبتاون. وكانت وحشية وعنصرية الشرطة واقعاً يومياً بالنسبة لها، ولكنها افلحت في الحصول على درجة في علم النفس السريري، والدراسة في الولايات المتحدة.

وبعد عملها مع ديزموند توتو في لجنة انتهاكات حقوق الانسان التابعة للجنة المصالحة والحقيقة، حفزتها قصص الضحايا والهمتها تاليف كتاب حول الانتقام والتسامح. وقد بدأت، بتأثير من طلب دي كوك اللقاء مع أرامل بعض ضحاياه والاعتذار لهن وقرار الارامل العفو عنه، زيارة سجن سي ماكس عام1997. وما كشف عنه في غرفة المقابلات الشاحبة اللون كان يمكن ان يؤلف مسرحية كبيرة، حيث الرجل الابيض يستكشف نفسيته مع احد افراد عرق اخر حاول ان يضطهده بشدة. وقد سألها ان كان قد قتل واحداً من اصدقائها او اقربائها، وبدا مرتاحاً عندما أجابت بالنفي.

وكان دي كوك يشعر بالانهيار عندما يتذكر لقاءه مع الارامل، وقال “اتمنى لو ان هناك وسيلة لاعادة ضحاياهن احياء. واتمنى لو انني استطعت القول: هؤلاء هم ازواجكن”.

وقد مست الاخصائية النفسية يده المرتعشة، وهو فعل انعكاسي سبب لها الانزعاج. وقالت “انه ملطخ بالدماء في كل مكان، وبالنسبة لي فان انجذابي على هذا النحو... جعلني ارتاب في احساسي بالتعاطف”. وعندما استيقظت في فراشها في اليوم التالي كانت عاجزة عن رفع ساعدها الايمن كما لو ان جسدها، حسب ما تقول، قد كان يثقله بسبب ممارستها فعلاً محظوراً. وقد حذرها اصدقاء من ان دي كوك ربما حاول استغلالها او اللعب على افكارها، وتعمقت مخاوفها عندما قال دي كوك، فيما بعد، ان اليد التي لمستها كانت يده الفاعلة. هل ابلغها بذلك لكي يستعيد بعض سلطته القديمة ليوقع في نفسها الرهبة؟

وقالت “لمست جذامه، وبدا انه يبلغني بذلك، رغم انني لم ادرك الامر في حينه، وكنت منذئذ مصابة بذاكرة مصافحة اليد التي كانت قد قتلت وشوهت ودمرت حياة اناس كثيرين”.

ولكنها قررت ان جانب دي كوك الذي كانت قد مسته كان ذلك الذي لم يسمح له بالانتصار على ذلك الجانب الذي جعله قاتلاً. وهكذا استمرت المقابلات، وحفزتها رغبة دي كوك الواضحة في فهم ما اقترفه والتكفير عن ذلك. وقالت غوبودو ماديكيزيلا “ان ما فاجأني هو وجهه المرعوب مثل وجه صبي صغير”، مضيفة انه كان شخصاً يائساً يسعى الى ان يؤكد لنفسه انه ما يزال ينتمي الى عالم البشر.

وتبين ان والد دي كوك كان مدمنا على تناول الكحول ويسيء معاملة امه. وكطفل كان يواجه السخرية بسبب التأتأة، مما ترك لديه شعوراً بالعار والعدوانية تعلم كيفية معالجته عبر عنفه الخاص، كما تقول المؤلفة التي تضيف ان ذلك لم يكن سوى جزء من التفسير.

واذا كانت اساءة المعاملة تفسد، حتى اليوم، نفسية شخص بريء وتدفعه الى الشر، فهل يستحق مثل هذا الشخص التعاطف معه؟ ام انه يجب ان يدان لانه لم يمارس الارادة الحرة لكبت دوافع الشر؟ ام ينبغي اتخاذ الموقفين؟ وتتساءل ايهما اسوأ: النازيون من امثال ادولف ايخمان الذي اقترف افعالاً شريرة دون ان يفكر بانها شريرة، ام دي كوك الذي اقترف افعالاً يعرف انها شريرة؟ وتشير الى ان الاخير لديه بوصلة اخلاقية اكثر طبيعية، وان تكن بوصلة يجري تجاهلها.

وتتساءل: ماذا عن الرعاع السود الذين وضعوا اطارات السيارات المحترقة حول رقاب الناس، القتلة الساديون؟ وماذا عن الجماعات الذين سمحوا لهم بالقيام بذلك؟

وتذكر غوبود وماديكيزيلا كيف انها شهدت حشداً شديد الابتهاج عام1990 وكان افراده يحتفلون بالقاء القبض على ضابط شرطة مشتبه في انه من ضباط النظام العنصري، وقد جرى، وبالتالي، تشويهه وقتله.

وتقول المؤلفة ان الخيط الفاصل بين الخير والشر ارفع مما نتصور، وهو احد الاسباب التي تجعل التسامح يتسم بقيمة كبيرة. وبدلاً من التغاضي عن اثم، فانه يسمو عليه ويمكن ان يمنح الضحية قوة. وتقول انه في اللحظة التي يبدأ فيها المجرم باظهار الندم... يصبح الضحية حارساً لبوابة ما يرغب به المنبوذ، اي السماح له بالعودة، ثانية، الى المجتمع البشري”. وتضيف ان التسامح يمكن، احياناً، ان يذل الضحية، مستشهدة بويني مانديلا، التي عانقت والدة ذلك الصبي البالغ14 عاماً، والذي انكرت قتله، ولكن في الظروف المناسبة يوقف التسامح استياء الضحايا وألمهم.

وفي مقابلة معها قالت المؤلفة “كانت التجربة مع دي كوك تثقل علي. وكان الكتاب وسيلتي للتوصل الى نوع من شفاء جروح عقلي وقلبي”.

وفي فصل يحمل عنوان “ابارثايد الذهن” تصف غوبودو ماديكيزيلا فكرة الجنوب افريقيين البيض” مرتادي الكنيسة المهذبين، وسكان الضواحي المتحضرين” حول العمل “المروع ولكن الجيد” لارهاب المواطنين السود.

وتقول المؤلفة ان “تجربة دي كوك تعكس فكرة الابارثايد بأسرها، وتجزؤ التفكير في جنوب افريقيا. فهناك نمطان من الجنوب افريقيين: بيض وسود. وهناك، على نحو مماثل، العالم العام والعالم الخاص، المنفتح والسري. وهما عالمان منفصلان على نحو صارم. وكان ما يحدث بشكل سري مقبولاً ما دام لا يظهر في العلن. ولم يكن العالمان يتصادمان. فقد كان المتفرجون البيض قادرين على التعايش مع الوحشية ضد السود لانها ترتكب بسرية نسبية، في ذلك العالم “الاخر”. وفقط عندما انكشفت الحقيقة في العلن شعر البعض بانهم غير قادرين على التعايش معها”.

وقد عقدت لجنة المصالحة والحقيقة محاكم واجه فيها الضحايا والناجون رجال شرطة ومسؤولين حكوميين واخرين ممن مارسوا اعمال تعذيب وقتل للسود في ظل نظام الابارثايد. وفي غضون ذلك توفرت للضحايا والناجين فرصة التعبير عن آلامهم وتوجيه اسئلة الى دي كوك واخرين -اذا ما اختاروا ذلك- من اجل توفير التسامح، وجرى الاعتراف بوجود شيء يجري التسامح معه.

غير ان فكرة التسامح جديدة -وغير مريحة- لكثيرين. وقالت غوبودو ماديكيزيلا “نحن نتوقع ردود فعل الانتقام والغضب والكراهية. ان فكرة العدالة الشافية فكرة جديدة تماماً بالنسبة للناس خصوصاً في جنوب افريقيا”. واضافت “ان الناجين يتمسكون بغضبهم تجاه اولئك الذين قتلوا احباءهم لتجسيد شعورهم بانهم مرتبطون مع احبائهم. وبالنسبة لهم يمكن لعملية التسامح ان تقلل، بشكل ما، من مكانة احبائهم، ولهذا فان العملية تسير ببطء شديد”. واكدت غوبودو ماديكيزيلا على انه بينما صان التسامح الطبيعة البشرية لكل من الضحية والجلاد، فانه لم يسمح للجرائم بان تمر دون علاج، ذلك انه اذا ما اريد للتسامح ان يكون عملية تطهير للآثام لا يمكن السماح بان تمر الجرائم دون عقاب.

وقالت انه “من الواضح ان لجنة المصالحة والحقيقة تدور حول المسؤولية. وانا ممن يعتقدون ان هناك مسؤولية في شيء مثل لجنة المصالحة والحقيقة اعظم مما هو في قاعات المحاكم التقليدية، حيث يعترف المرء باقل ما يمكن من الاثم”.

واضافت انه “في لجنة المصالحة والحقيقة جرت مكافأة مرتكبي الجرائم على اعترافهم بالجرائم التي اقترفوها. وكلما كان اعترافهم اكثر محدودية كانت فرص العفو عنهم اصعب. يجب على المجرمين ان يتحدثوا عن جرائمهم علناً، وان توثق هذه الاحاديث وتعرض على الناس. يجب ان لا يبقى المجرمون طلقاء”.

وقالت “ان لجنة المصالحة والحقيقة هي تجربة في الاستشفاء. والحقيقة هي انه من السابق لاوانه الحديث عن مدى التسامح الذي يمارسه الناس ممن واجهوا الكثير من المعاناة. ولكننا نعرف، في هذه المرحلة من التاريخ، اننا نحول احتمال حمام الدم في جنوب افريقيا الى شيء اخر”.

وبما ان المحاور الاساسية للكتاب تتركز في موضوعات: قيمة التسامح، وتقييم الشر الشخصي، والحكم على مرتكبي العنف، والفوارق بين جنوب افريقيا والمانيا النازية، وعملية التسامح، والندم والاعتذار، فمن المفيد ان نتعرف، بايجاز شديد، على جوهر آراء المؤلفة بشأن هذه الموضوعات المثيرة للاهتمام والجدل.

ففي ما يتعلق بقيمة التسامح تقول المؤلفة (ص117):

“على الرغم من ان التسامح غالباً ما يعتبر تعبيراً عن الضعف، فان قرار التسامح يمكن، على نحو مثير للمفارقة، ان يهذب الضحية ويرفعها الى موقع قوة، ليكون الشخص الذي يحمل مفتاح رغبة مقترف الجريمة. ذلك انه بالضبط في اللحظة التي يبدأ فيها المجرم باظهار الندم، والسعي الى سبيل لطلب المغفرة، يصبح الضحية حارس بوابة ما يرغب به المنبوذ، اي السماح له بالعودة، ثانية، الى المجتمع البشري. ويحتفظ الضحية بتلك المكانة المميزة طالما انه يتحكم بالاتجاه الاخلاقي، رافضاً ان ينحدر الى مستوى الشر الذي مورس ضده. وبالتالي فان التسامح بهذا المعنى هو نوع من الانتقام، لكنه انتقام يحدث على مستوى نقاء روحي. وقد يبدو التسامح تغاضياً عن الاثم، وبالتالي فانه يسلب الضحية القوة. لكن التسامح لا يتغاضى عن الفعل وانما يسمو عليه”.

وبشأن تقييم الشر الشخصي تقول المؤلفة (ص55):

“في ممارستي البحثية والمهنية وجدت، مراراً وتكراراً، موقفين اساسيين، جزئياً في اطار فلسفي، وجزئياً في اطار تجريبي، فيما يخص طبيعة وتقييم العنف والشر الشخصي. ويرى الموقف الاول ان افراداً معينين ينزعون باتجاه ان يصبحوا اشراراً نتيجة تجارب عنف في سنوات طفولتهم جعلتهم يعانون من العار والاذلال، وتركتهم مع غضب لم يجدوا حلا له.

أما الرأي الثاني في هذه القضية فيؤكد ان عمل الشر ليس نتيجة نزوع، ذلك ان معظم من عانوا من صدمات لا يمكن تصورها لا يتحولون الى اشخاص ممسوخين. وفي هذا الموقف، الفلسفي جزئياً، والتجريبي جزئياً، يمتلك الناس خياراً حراً. ان سلطة رغبة المرء منيعة اساساً.

واما موقفي فهو ان المسألة اكثر تعقيداً من اي من الموقفين. فاولئك الذين عانوا من جراح او صدمات هم عرضة للوقوع في حالة تكرار سايكولوجي للتعدي الذي عانوا منه. ويعتمد اتجاه الافراد في هذا السبيل او ذاك على طائفة معقدة من العوامل، بينها ما اذا كانوا قد “دربوا على العنف”، وبينها ايضاً ما اذا كانوا قد تعرضوا لتجارب ايجابية يمكن ان تساعد في اصلاح الاذلال الذي عانوا منه، واستعادة احساسهم بهويتهم”.

وعن الحكم على مرتكبي العنف تقول (ص58):

“اذا كانت اساءة المعاملة لا تؤدي الا الى تدمير نفسية الشخص، فهل يشبه هذا الشخص شخصاً مصاباً بمرض “وبالتالي يستحق تعاطف المجتمع”؟ او اذا كانت اساءة المعاملة تفسد نفسية شخص، فهل يعني ان الشخص -على الرغم من ان الخطأ ليس خطأه- سينشأ ميالاً الى ان يصبح شخصاً شريراً اخلاقياً؟ اذا كانت الحالة هي الحالة الاخيرة -اي ان اساءة المعاملة تجعل الابرياء عرضة لممارسة الشر “الاطفال او اولئك العاملون لصالح دولة شريرة”- فهل يستحق هؤلاء الاشخاص تعاطفنا على اساس ان الفساد جاء من مصدر خارجي وقد فرض عليهم فرضاً؟ ام انهم يستحقون الاحكام ذاتها التي وجهناها اتجاه الاخرين الذين -رغم انها حدثت- اصبحوا شريرين اخلاقياً، وليسوا اناساً بنفسية مخربة؟

ان المسافة بين الشر والمرض ليست مسافة كبيرة. وان عنصر الشر في الجرائم المقترفة ضد الانسانية هو الضعف الاخلاقي. اما ناحية المرض فهي الخلل في المنظور، والتشوه في العملية الذهنية، اللذان يسبقان الشر ويتكثفان عبره. ويجب ان يتحمل جنود المشاة شأن دي كوك ممن تكتسحهم ايديولوجيا انظمة الشر مثل نظام الابارثايد في جنوب افريقيا مسؤولية اخلاقية عن الشر الذي يقترفونه. ان اختيارهم ان يكونوا ضد اعمق ما في ضمائرهم لابد ان يستحق ادانتنا. ولكن في بعض الاحيان قد يحتاج بعضهم تعاطفنا، ذلك انهم كانوا يفتقرون، في ظل زعامة فاسدة، الى نماذج ملائمة تبعدهم عن طريق العنف”.

وحول الفوارق بين جنوب افريقيا العنصرية والمانيا النازية تقول المؤلفة (ص66):

“تطرح مقارنة تصريحات سياسي الابارثايد بتصريحات النازيين الذين حوكموا في محكمة نورنبيرغ اسئلة حول قضية الاثم والبراءة الاخلاقية مقابل القانونية. فالنازيون لم ينكروا تورطهم فيما كانوا قد امروا به او دعموه او شجعوا عليه. ان ما انكروه هو ان يكون ذلك من باب الجرائم. وعلى النقيض من ذلك لم ينكر سياسيو الابارثايد، ما ان انتزعت منهم السلطة ووضعوا امام منطق القانون الدولي والمحلي، ان قتل وتعذيب نشطاء التحرير كان من باب الجرائم. ان ما انكروه هو انهم شاركوا فيه او كانوا يعرفون اي شيء عنه.

ما الذي يقوله هذا الامر حول مسألة الضمير في كلتا الحالتين؟ اي نموذج من الزعامة يدلل على المستوى الاعظم من الفساد؟ هل السياسي الذي ينغمس، صراحة، بالسلوك الاجرامي والاسلوب النازي، ينكر، على نحو وقح، ان هناك اي شيء خطأ في ذلك هو منحط اخلاقيا الى هذا الحد او ذاك، من ذلك الذي يكذب بشأن السلوك الاجرامي من اجل تغطيته؟”

وعن عملية التسامح تقول (ص95):

من الصعب رفض الاستنتاج بان هناك شيئاً مقدساً بشأن التسامح الذي يجري التعبير عنه في سياق التراجيديا. والا كيف يمكن ان تفهم مثل تلك الكلمات التي تتدفق من شفاه شخص مظلوم على نحو يتعذر اصلاحه؟ يمكن لرئيس الاساقفة توتو ان يحث، كلما كنا شهوداً على مثل ردود الافعال الانسانية التي لا يمكن تفسيرها في جلسة استماع عامة للجنة المصالحة والحقيقة، على الدعوة الى الصمت “لاننا على ارض مقدسة”. ويبدو ان هناك شيئاً ما روحياً، بل ومقدساً، بشأن التسامح -وهو رمز يحرك ويمس اولئك الشهود على سلامته. اشك في انه عندما يمنح التسامح، فان التحديق يتجه الى خصوصيات الفعل، ان التسامح لا يبدأ بالفعل وانما بالشخص، دون ان يعني هذا تجاهل الفعل. ان التسامح يعترف بالفعل وتاثيره المعاش والذي ما زال يعاش من جانب الضحية، ولكنه يتجاوز ذلك ويسمو عليه. فالناس الذين يتوصلون الى نقطة التسامح لم يعيشوا فقط مع الالم الذي سببته تلك الصدمة وذلك الفقدان حسب، وانما ايضاً مع الغضب والاستياء من اولئك الذين سببوا الالم.

غير انه عندما يمنح التسامح، فانه خيار يمارسه الضحية من اجل ابعاد المرارة. وهذا يظهر عادة عندما يكون هناك تغير في الطريقة التي يرتبط بها الضحية بجراحه. ولا يقصد من التسامح، ببساطة، ان نفرج عن كربة مرتكبي الجرائم واثمهم، وجعل الامور اسهل بالنسبة لهم. ان مثل هذا التفسير يجعل من التسامح عبئاً اضافياً على الضحايا. ويمكن للتسامح، ايضاً، ان يفتح طريقاً جديداً نحو استشفاء الضحية.

أما فيما يتعلق بالندم والاعتذار فتقول (ص98):

“ما الذي يؤدي بالضحايا الى مكان متسامح، الى مكان حيث يستطيعون ان يسموا على الفعل ويتسامحوا مع الفاعل؟ عادة ما يبدأ التسامح مع الشخص الذي يحتاج الى التسامح. وهذا يعني انه يجب ان يكون هناك شيء ما في سلوك مقترف الجريمة، شيء من “دليل” يستدعي تسامح الضحية. والدليل الاكثر حسماً هو الندم. ويبدأ المرء بتقدير جاذبية التسامح عندما يكون “الاثم” الذي يقدم بسببه الاعتذار عملاً وحشياً.

وليست هناك مقارنة بين المذابح والنزاعات اليومية التي تظهر بين الاباء وافراد العائلة والزملاء. ولكن حتى المذابح تستدعي الاعتذار الذي هو اعتذار صادق غير مثقل بتفسير او تبرير.

ويركز الاعتذار الاصيل على احساس الاخر اكثر مما على الكيفية التي سيستفيد بها الشخص المعتذر في النهاية. فما من شيء يمكن ان ينقص المظالم التي اقترفها اخرون. ولكن الاعتذار الذي يجري التعبير عنه في سياق افعال مرعبة يتسم بامكانية التحويل. انه ينقي او “يصفي” الجو من اجل البدء باعادة اعمار الصلات المنقطعة بين كائنين انسانيين”.

سالم
05-01-2005, 05:17 PM
أخي عرين السفر

قضية حساسة جدا

وموضوع الكتاب مثير .. ومحفز للقراءة والإطلاع


موضوع التسامح موضوع إنساني كبير جدا ورائع جدا


وقد حض الإسلام على التسامح بكافة أنواعه ..

**

نقطة نظام من فضلك ...................

========== الكاتب في تعليقه هذا :: ========
في ظروف تحاول فيه قوى شريرة فرض ثقافة العنف والانتقام في المجتمع العراقي وابعاد ثقافة السلام والتسامح، تمس الحاجة الى بحث موضوع التسامح...

**
أحتاج أن توضح لي من يقصد بالقوى الشريرة التي تحاول فرض ثقافة العنف والانتقام ؟؟

هل يقصد المقاومة في وجه الاحتلال (الأمريكي- البريطاني - الصهيوني)؟؟

أم يقصد زمرة صدام وأتباع حزب البعث ؟؟

عرين السفر
05-02-2005, 12:17 PM
اخوي سالم
شكرا على مرورك واثراءك للموضوع
واما انا يأخي الكريم لااستطيع ان اوضح ماكتبه غيري ولااحبذ ان اشكك في النوايا او ان اسبر اغوار الكتاب وكل مانعرفه ان الحرب التي شنت ضد العراق كان هدفها
تنحية صدام واحلال الديموقراطية بدل الدكتاتورية واذا بنا نرى العراق مستنقع دماء وشلالات للاجساد المتطايرة
وان اردنا ان نعرف مقصد الكاتب فعلينا ان نقرأله بجدية وان نرصده
لنحول اصدقائه الى اعداء
واحبابه الى جواسيس
من اجل ان نعرف ماقصده في(القوى الشريرة....)
اما ان ياخوي سالم(ادخل على الله)لم افهم ماهي(القوى الشريرة)ولكني فهمت
قصص جنوب افريقيا
لك جزيل الشكر
18