المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شـاعرة مغلوبـة علي أمرهـــا‏



شهرزاد
04-12-2005, 03:17 PM
شـاعرة مغلوبـة علي أمرهـــا‏!

قصة لقاء الشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوي طوقان‏1917‏ ـ‏2003‏ بالزعيم الراحل جمال عبدالناصر بعد لقائها مع وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي ديان هي قصة لا تزال فيها بعض السطور التي تضع لها النهاية والخاتمة‏.‏ وقد كانت هذه القصة بفصولها المختلفة مصدر قلق وحزن عميقين في الشاعرة الكبيرة نفسها‏.‏ فقد هاجمها البعض‏,‏ ومنهم فلسطينيون من أهل بلدها‏,‏ واتهموها بأنها رضيت بأن تكون مندوبة أو مبعوثة لموشي ديان إلي القاهرة وإلي جمال عبدالناصر بالتحديد‏.‏ وكان هذا هو الاتهام السياسي‏,‏ أما الاتهامات الشخصية فكانت أسوأ وأضل سبيلا‏,‏ إذ أنها كانت تدور في همس مسموم وفاجر وملفق من الألف إلي الياء حول ميل عاطفي عند الشاعرة الفلسطينية الكبيرة إلي الجنرال الإسرائيلي المشهور بقسوته ودمويته وأستاذيته لشارون وهو موشي ديان‏.‏
وهنا تعود بي الذاكرة إلي الفترة التي كنت فيها رئيسا لتحرير مجلة الدوحة من سنة‏1981‏ إلي سنة‏1986,‏ فقد كنت أسمع وأقرأ ما يقال عن فدوي طوقان‏,‏ ولأنني كنت أعرفها وأعرف براءتها وتعففها وطهارة يدها وضميرها وسيرتها العامة والخاصة من أي تهمة وطنية أو شخصية فقد كتبت إليها أطلب منها أن تروي القصة بنفسها وأن تشرح للرأي العام ما حدث بالتفصيل‏,‏ فاستجابت وكتبت روايتها لما كان بينها وبين موشي ديان من لقاء اضطرت إليه لأنها كانت تعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد‏1967,‏ في مدينتها نابلس بالضفة الغربية‏.‏ وكتبت فدوي أيضا روايتها لما كان بينها وبين عبدالناصر‏,‏ وهو لقاء لم تسع الشاعرة إليه‏,‏ وإنما تحقق بالصدفة‏,‏ وقد سعدت فدوي باللقاء واعتبرته من أحسن ما حدث لها في حياتها كلها‏.‏ فقد كانت من المحبين لعبدالناصر والمؤمنين بوطنيته وصدقه وصلابته‏,‏ وكانت تجد فيه الأمل في تحرير فلسطين وتحرير العرب جميعا رغم نكسة‏1967.‏ هذا ما كانت تراه فدوي في عبدالناصر‏,‏ وقد ظلت علي عقيدتها تلك حتي وفاته في‏28‏ سبتمبر سنة‏1970,‏ حيث كتبت بعد موته في مذكراتها تقول‏:‏

بعمق كبير أحسست بموت جمال‏,‏ وبعمق كبير تألمت‏.‏ لم أستطع احتمال أن ينساب جمال إلي عالم الظلمات والفناء الشامل‏,‏ هو الذي نشر ضياء الحرية في السماء العربية‏.‏ كنت أقول دائما إن وجوده علي الأرض العربية هو الأمل‏.‏ الله في السماء والأمل علي الأرض‏.‏ جمال الأمل‏.‏ جمال العظمة والرمز والمعني بكل المقاييس‏.‏ بذل من نفسه للآخرين‏.‏ أنكر علي نفسه الراحة فيما هو يعاني حالة مرض خطير انتهي به إلي الموت‏,‏ مقتولا من التعب‏.‏
تلك هي المشاعر والأفكار التي كانت تملأ نفس فدوي طوقان حول عبدالناصر‏.‏ ويمكن للبعض أن يختلفوا معها في نظرتها إلي عبدالناصر وثقتها به وأملها فيه‏,‏ فعبدالناصر كان في حياته وبعد رحيله شخصية يختلف الناس فيها بين مؤيد له يراه ضحية مؤامرة دولية‏,‏ ومعارض يكرهه وينسب إليه ما أصاب العرب من خسائر وهزائم‏.‏ فالخلاف حول عبدالناصر حقيقة قائمة‏,‏ ولا مجال لإنكارها‏.‏ وقد كانت فدوي حتي آخر يوم من حياتها تقف إلي جانب المؤيدين لعبدالناصر والمحبين له والحريصين علي أن يذكروه دائما بالخير والإعجاب والتقدير‏.‏

هل أراد الذين يكرهون عبدالناصر ويعارضونه أن ينتقموا منه في شخص الشاعرة فدوي طوقان‏,‏ المحبة له والمعترفة بفضله ومكانته في تاريخ العرب الحديث؟‏.‏ ربما‏.‏ فبعد لقاء فدوي بعبدالناصر في أواخر سنة‏1968‏ بدأت الاتهامات تنهال علي رأسها‏,‏ وكان أسوأ هذه الاتهامات أنها تعمل لحساب موشي ديان وزير دفاع إسرائيل في ذلك الوقت‏,‏ وأنها كانت متعاطفة معه وفي نفسها ميل إليه‏,‏ وأنه من جانبه استطاع تجنيدها للعمل بتوجيه منه‏.‏ وهذه الاتهامات لم تتردد إلا بعد لقاء فدوي بعبدالناصر‏,‏ مما يرجح أن هذه الاتهامات كانت هجوما غير مباشر علي عبدالناصر نفسه‏,‏ وكانت محاولة لإلحاق الأذي والعقاب بفدوي‏,‏ لأنها تعلن عن تأييدها الدائم لعبدالناصر وإعجابها به‏.‏
والاتهامات التي تعرضت لها فدوي كانت باطلة‏,‏ ولكنها علي بطلانها كانت جارحة‏.‏ ولو أدرك الناس جميعا أن الكلمات يمكن أن تجرح كما تجرح الخناجر أو السكاكين الحادة المسنونة‏,‏ لترددوا كثيرا وراجعوا أنفسهم طويلا قبل أن يطلقوا كلمات تحمل اتهامات إلي الناس بغير برهان ولا دليل‏.‏

وقد أشرت في الأسابيع السابقة إلي وجهة نظر فدوي في بعض ما تعرضت له من اتهامات‏,‏ وكان دفاعها عن نفسها منطقيا وصادقا‏,‏ ولا يستطيع أحد أن يرفضه إذا كان حسن النية وليس لديه غرض يريد أن يخدمه علي حساب الحقيقة والصدق‏.‏
عندما طلبت من فدوي أن تكتب قصة لقاءيها مع ديان وعبدالناصر استجابت‏,‏ وكتبت القصة فعلا ونشرتها كما وصلتني منها في مجلة الدوحة في عدد يناير‏1986.‏ وقد أعادت فدوي نشر هذا الفصل في الجزء الثاني من مذكراتها الذي يحمل عنوان الرحلة الأصعب وقد صدر في طبعته الأولي سنة‏1993.‏

ومع الفصل الذي أرسلته لي فدوي طوقان تلقيت منها رسالة شخصية اعتقد أن نشرها الآن يلقي ضوءا علي ما أثير حول فدوي من اتهامات‏,‏ وما كان لهذه الاتهامات من تأثير شديد القسوة علي نفسية الشاعرة الكبيرة حيث تقول فدوي في رسالتها‏:‏
الأخ الكريم ـ تحياتي الطيبة ـ تلقيت رغبتك في أن أكتب مقالا لمجلة الدوحة عن لقائي بالزعيم الخالد جمال عبدالناصر رحمه الله‏,‏ وها أنذا وقد فعلت أوافيك بالمقال مع الاعتذار عن اضطراري للحديث المطول عن اجتماعي بوزير الدفاع السابق ديان لما لذلك الاجتماع من علاقة بالموضوع‏,‏ إذ لا مفر لي من توضيح وقائع القصة التي راح بعض الغوغائيين والمزايدين ينسجون حولها شبكة من الشائعات نشرتها الصحف وصدقها الناس ورددوها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة‏,‏ مما أقنعني في النهاية بأن الصحافة هي لعنة هذا الزمن‏,‏ إذ سرعان ما يصدق العاديون من الناس ما تزودهم به من أقاويل وتهاويل مثيرة يتم نشرها لاجتذاب القراء علي حساب الحقيقة‏,‏ ألم يقولوا عني‏,‏ إفكا وزورا‏,‏ إنني سافرت إلي القاهرة مبعوثة من ديان؟‏.‏ ولست أنسي تلك الحملة الرهيبة التي شنها علي وعلي الصديق سميح القاسم المرحوم معين بسيسو عفا الله عنه‏,‏ وما كنت أنا يومئذ إلا ضحية خصومة مريرة كانت بينه وبين سميح‏.‏ هذا الحديث الخاص والمتعلق بقصتي مع معين لا أدري لماذا يدفعني الآن إلي موافاتك بقصيدة كتبتها في تلك الفترة العصيبة تحت عنوان مطاردة تنعكس فيها حالة الأزمة النفسية التي
أصابتني آنذاك‏.‏ هناك من القصائد ما لا يتم للقارئ تذوقها وتفسير ما تتضمنه من إشارات ودلالات إلا إذا عرف الدوافع الخفية لنظم هذه القصائد‏.‏
تلك هي رسالة فدوي التي تلقيتها منها عندما كنت رئيسا لتحرير مجلة الدوحة وهي تحمل تاريخ‏25‏ نوفمبر سنة‏1985,‏ وقد كتبتها من عمان‏.‏

أما قصيدة فدوي التي كتبتها تعبيرا وتصويرا لأزمتها النفسية بسبب ما تعرضت له من شائعات واتهامات فهذا بعض ما جاء فيها‏:‏

لأنك عارية القلب
والوجه عار
لأنك‏,‏ لا أنت حوت‏,‏
ولا أنت ثور صراع
لأنك أنت‏,‏ لأنك أنت الحزينة
تظلين عزلاء في غابهم
مطاردة في ملاعب صيدهمو‏..‏
تولول فيك البراءة
ترجف ـ مفجوعة ـ تحت أنيابهم
وتظمأ فيك الحقيقة
تظمأ حتي جفاف العروق
وتصرخ من قاع معبدها‏:‏
يا رجالي‏,‏ افتدوني‏,‏ افتدوني‏,‏
افتدوني‏,‏ بقطرة ماء
فتسقي بخل التشفي
وتذبح فوق صليب العقوق
لأنك عارية القلب
في ليل هذا الضياع
لأنك أنت الحزينة
تظلين في غابهم
أنت وحدك
كبش الفدا‏..‏ في الصراع

تلك هي أهم مقاطع قصيدة فدوي طوقان المتألمة وفيها كما هو واضح عزف حزين علي أوتار من الإحساس بالقسوة المحيطة بحياة الشاعرة وسمعتها وقلبها‏,‏ وفي القصيدة تتكرر صور المطاردة والضياع والظمأ والجفاف والصراخ والغابة والصليب وما إلي ذلك مما تتكون منه قطعة موسيقية شعرية مليئة بالأسي والحزن وعذاب النفس‏.‏

وهكذا تبدو فدوي طوقان شاعرة موهوبة في فنها‏,‏ ولكنها في الحياة مغلوبة علي أمرها‏,‏ سواء كان ذلك في الجانب الشخصي‏,‏ أو في الجانب العام الذي يتصل بالمجتمع والعلاقات العملية المختلفة‏,‏ أما في الميدان السياسي فإن فدوي تبدو بعيدة كل البعد عن النجاح فيه‏,‏ لأنها لا تتقن أساليب العمل السياسي ولا تنتمي إلي تنظيم أو حزب‏,‏ بل تنتمي فقط انتماء مباشرا‏,‏ ودون أي واسطة‏,‏ إلي وطنها وقضيتها‏..‏ وللأسف فإن هذا النوع من الانتماء المباشر‏,‏ ودون الاحتماء بمنظمات ومؤسسات‏,‏ وإنما يتيح الفرصة لبعض الأشرار أن يطلقوا الاتهامات وينهشوا الأعراض ولا يجدون من يردعهم ويردهم إلي الحق والصواب‏.‏

علي أن الإنسان المغلوب علي أمره إذا كان صاحب موهبة فنية عالية مثل فدوي طوقان‏,‏ فإن هذه الموهبة تحقق لصاحبها الانتصار في النهاية رغم خسائره‏,‏ فالفن الجميل الصادق هو ـ في حد ذاته ـ انتصار للإنسان علي هزائم الحياة‏,‏ حتي لو كانت هذه الهزائم كبيرة وقاسية‏.‏ وقد انتصرت فدوي طوقان بفنها وقصائدها الجميلة الصادقة المتألمة علي كل ما لحق بها من خسائر‏,‏ حيث كانت في حياتها العملية مغلوبة علي أمرها ولكنها بفنها حققت نصرها الذي لا شك فيه‏.‏ ولا أحد يذكر الآن هؤلاء الذين اتهموا فدوي وأساءوا إليها وجرحوها‏,‏ أما فدوي وقصائدها الجميلة الصادقة فهما حديث الناس‏,‏ وسوف يبقيان قوة محركة ضد الظلم‏,‏ ومن أجل الحق والعدالة وحماية الكرامة الإنسانية من العدوان المستمر عليها‏.‏
////

عن الأهرام المصرية
رجاء النقاش

أبو ميشال
04-12-2005, 05:10 PM
العزيزة شهرذاد
شكرا على هذه المقالة التي استمتعت و تألمت في آن واحد و انا اقرأ سطورها النابضة بعاطفة كانت لشاعرة عظيمة مثل الشاعرة فدوى طوقان التي أثرت المكتبة الشعرية و الادبية العربية بروائع شعرية خالدة

منى عجاجي
04-13-2005, 03:39 PM
الرائعة شهرزاد

مقالة مفيدة جدا ..عرفتنا بما كنا نجهل
عن الشاعرة العظيمة رحمها الله ..فدوى طوقان
فأنا احب كل ماتكتب من كلمات معبرة بمشاعرها النبيلة واحاسيسها
المرهفة.بنضالها وكفاحها وانتماءها لوطنها الجريح
وكم تألمت وذهلت كثيرا ..لاني لا اتصور ان شاعرة كفدوى طوقان
تتطالاها الالسن بهذا الظلم والاجحاف..ومن من ..! من ابناء وطنها..!!
:
الف شكر عزيزتي شهرزاد
:
خالص تحياتي ومودتي

12

شهرزاد
05-29-2007, 08:33 AM
لكن هناك إشكالية لا زالت رائجة بين مدافعي الشاعرة وبين مناوئيها

أي أن القضية لم تحسم بعد .. على الرغم من وفاة الشاعرة - رحمها الله -