المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسات في الشعر الحديث- الأسلوب وفرادة الأداء في شعر أمل دنقل



درب الياسمين
02-03-2005, 06:59 PM
الأسلوب وفرادة الأداء في شعر أمل دنقل:

لحظ فيما مضى- أن عدداً كبيراً من الباحثين رأى أن الأسلوب يتجسد, أكثر ما يتجسد, من خلال ظاهرة الانحراف, ولحظ أيضاً, أن هذا الاتجاه يصطدم في تحديد معيار هذا الانحراف,

ورأى بعض الباحثين تبعاً لذلك أن "القول بإن الأسلوب انحراف عن معيار يولد مشكلات متعددة, فالمعيار يخضع لمستويات مختلفة, وهي تتعدد على حسب زمنية النص, وعلى مستوى ثقافة المحلل الأسلوبي, ومن ثم فلا مخرج سوى الاعتماد على ثقافة المحلل الأسلوبي وخبراته, مما يعني خدشاً في الموضوعية ولو بصور ما"(البحث الأسلوبي/رجاء عيد:185).


أضفْ إلى ذلك أن اللغة المنحرفة قد لا تكون ذات دلالة أسلوبية بالضرورة, فليس كل انحراف يولد إبداعاً فنياً(انظر بعض الاعتراضات على أسلوبية الانحراف في:-علم اللغة والدراسات الأدبية-برندشبلنر: 72- 74).

فثمة نصوص كثيرة تتحل من ظاهرة الانحراف, لكنها تكتسب إبداعها وإيحاءها من (فرادة أدائها الفني), ومن خصائصها التشكيلية الخاصة, دون أن تدخل في دائرة الانحراف الأسلوبي, أو الاستخدام المجازي للكلمات, أو تحطيم مواضعات الإلف والعادة, سواء على مستوى الحياة, أو على مستوى الفن,
كما نلحظ في المقطع الثالث من قصيدة (فقرات من كتاب الموت), مثلاً:
أعود مخموراً إلى بيتي
في الليل الأخيرْ
يوقفني الشرطيُّ في الشارع..للشبهة
يوقفني..برهة!
... ... ...
توقفني المرأة
في استنادها المثير
على عمود الضوء:
(كانت ملصقات "الفتح" و"الجبهة"
تملأ خلق ظهرها العمود!)
تسألني لفافة:
(لم يترك الشرطيّ
واحدةُ, من تبغها الليليّ
تسألني إن كنتُ أمضي ليلتي.. وحيداً
وعندما أرفع وجهي نحوها:
سعيداً
أبصر خلف ظهرها: شهيداً
معلقاً على الحائط, ناصعَ الجبهة(الديوان:198- 199).

يمثل هذا النص (الدرجة الصفر) للانحراف, لكنها ليست الدرجة الصفر للشعرية, إذ أنه يفيض بإيحاءات ودلالات شعرية بالغة الفنية, تولّدها (المفارقة التصويرية) التي اعتمدها الشاعر, كأساس بنائي لنصه, فأبرز من خلالها حدة التناقضات التي تعيشها أمته, من خلال توزعها بين واقعين متناقضين؛ الأول واقع الفساد والانحدار والسقوط, ممثلاً بالشرطي المرتشي, والشاعر المخمور, والراشي في الوقت نفسه, والفتاة الساقطة, أما الواقع الآخر, فهو واقع النضال والمقاومة من خلال الملصقات النضالية والشهيد المعلق, وما إلى ذلك, ويظل الشاعر –كغيره من أبناء أمته- موزعاً وحائراً بين هذين الواقعين المتناقضين, غير أنه يحسم أمره في نهاية المقطع ويختار واقع النضال.

وهكذا فقد استطاع الشاعر أن يجسد واقع أمته, بكل حرارته وتناقضاته, بتشكيل لغوي بسيط, ينأى عن الانحراف والمجاز, ويقوم على (المفارقة) المشحونة بالإيحاء والدلالة الشعرية.ومن هنا يستمد الأداء الشعري (فرادته) وجماليته الشعرية.

فالشعرية ليست بالضرورة أن تكون مرهونة بالانحراف, لكنها قد تتحقق في الخصائص التي تصنع (فرادة) الحدث الأدبي, أي أدبية الدرب (أنظر: الشعرية/طود وروف, ترجمة, شكري المبخوت, ط, 1978: 23.).

من هنا يكون مجال التحليل الأسلوبي هو مجال الكشف عن هذه الفرادة الأدبية وتفسيرها(أنظر: النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق/ عدنان بن ذريل, دمشق, 1989, 174).

وفي قصيدة (صفحات من كتاب الصيف والشتاء) نرى في المقطع الثاني من القصيدة أداءً لغوياً فريداً, يقوم على توظيف (السرد القصصي) في بناء النص الشعري, وهو توظيف يبرز حساسية الشاعر الخاصة تجاه لغته, وتشكيلها بطريقة فريدة قادرة على شحنها بالبث الإيحائي والدلالي المنتج للمعنى الشعري العام فيها:
في الفندق الذي نزلت فيه قبل عامْ
شاركني الغرفة
فأغلق الشرفة
وعلق (السترة) فوق المشجب المقام
وعندما رأى كتاب (الحرب والسلامْ)
بيد يديّ: اربدَّ وجهه
ورفّ جفنه.. رَقَّة
فغالب الرجفة
وقصّ عن صبيّة طارحها الغرام
وكان عائداً من الحرب... بلا وسام
فلمُ تطقْ ضعفه
ولم يجد..حين صحا- إلا بقايا الخمر والطعام!
. . . . . . . . .
وعندما تحشرجَ الصوتُ به, وطالت الوقفةَ
أدرتُ رأسي عنه
حتى لا أرى دمعتَه العفة
ومن خلايا جسدي: تفصّد الحزنُ
وبلل المسام
وحين ظن أنني أنام
رأيته يخلع ساقه الصناعية في الظلال
مصعّداً تنهيدةً
قد أحرقت جوفَهْ(الديوان: 206- 208).

فالشاعر يقدم نصاً يخلو من الانحرافات الأسلوبية, ويقوم على استلهام روح القصة, فيقدم مكوناته الشعرية بطريقة واضحة مباشرة, لكنها فيّاضة بالإيحاء والجمال.
فالشاعر يقدم نموذجاً للمواطن العربي الذي عاد من الحرب, بعد أن فَقَدَ كلَّ شيء, حتى إنه فقد حقه الطبيعي في مواصلة الحياة الطبيعية مع المرأة, لأنه أصيب بالعاهات الجسدية التي تعوقه من مواصلة الحياة, بأي شكل من أشكالها.
وتنجح لغة الشاعر- على بساطتها- في تصوير الحالة النفسية التي يعانيها هذا المواطن, والصراعات الداخلية التي تعتوره, من خلال تصوير وضع هذا الشاب الذي فقد قدمه في الحرب, واستعاض عنها بساق صناعية, أصبحت لديه مبعث الألم والعذاب, والقهر النفسي, حتى أنه بات يخجل من نفسه معها, ويتستر بالليل لمواراتها, ومواراة عذاباته وآلامه النفسية المدمرة.

وهذا ضرب من الأداء الشعري ينائي الانحراف اللغوي, ويقارب الاستخدام المعياري للغة, كما أنه يفارق التصوير المجازي ويلاقي ( التصوير بالحقيقة), ولكنه التصوير الموحي المحمّل بالدلالات الشعرية, التي تدعو القارئ لاستنكناهها.


أية ذلك كله أن النص يظل –كما قيل- (حمّال أوجه) سواء اتكأ في بنائه على الانحراف, أم اتكأ على سواه, من الوسائل اللغوية الأخرى, ويظل المتلقي عنصراً مهماً من عناصر الظاهرة الأسلوبية, فهو القادر على إظهار الانحرافات الأسلوبية, أو تغييبها, وهو القادر, أيضاً, على استكناه أوجه النص المختلفة, واستشفاف طاقاتها الإيحائية, أو قراءتها قراءة مباشرة لا جمال فيها أو إيحاء.

ريم
02-19-2005, 03:56 PM
موضوع جدير بالقراءة والتعمق

إن استعمال شعر الكبير دنقل بحد ذاته سمو وتفوق

تابع اخي درب الياسمين ونحن نتابع معك

علي بخوش
06-02-2005, 02:38 PM
أخي الكريم درب الياسمين :

ادرجت موضوعا نقديا متقنا صيغ بلغة موضوعية هادئة ومقنعة ـ وهذا هو المطلوب من النقد الموضوعي ـ وزاد من جمالية الموضوع ان اختار نص امل دنقل نموذجا تطبيقيا له.
واحب في أن اشاركك الراي في ان الانحراف لا يمكن ان يشكل هدفا في حد ذاته،فالامر متعلق بحرفية وقدرة المبدع لا باستخدام الانحراف في حد ذاته.
بارك الله فيك اخي الكريم.

درب الياسمين
06-17-2005, 11:45 AM
شكرا أخت ريم المتابعة والقراءة

****

أخ الغالي علي

رأيك موضع اعتزاز وفخر

لا زلنا ننتظر ما تتحفنا به قريبا من هذا الموضوع

وفقك الله 12