المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عذاب الكشف ، محنة الاكتشاف ..قراءة في نص شعري ليحيى العبدلي .



سمير الفيل
11-24-2004, 03:56 PM
عذاب الكشف ، محنة الاكتشاف ..


قراءة في نص (أرصفةٌ ... برائحة العابرين ) للشاعر يحيى العبدلي..




رؤية نقدية : بقلم سمير الفــــيل.



(1)

لا أظن ان أية قراءة لشعر يحيى العبدلي يمكن أن تهمل إشارة أن هذا الكاتب الطموح كما هو واضح من نصوصه مازال في طور التشكل ، حيث تبدو نظرته إلى العالم مرتبكة بعض الشيء لا لأنه لا يعرف ، بل لأنه يعرف دون أن يتمكن من أن يقيم بنى جمالية نهائية تتسق مع ما حصله من تصورات حول الذات وعلاقتها الملتبسة بالعالم .
كما نجد في هذه النصوص التي حملت عنوان " أرصفةٌ ... برائحة العابرين " نوعا من التوجس في التعامل مع العالم ، وقدرا من الاستلاب الذي نشعر به في ثنايا النصوص التي هي أقرب إلى الإشارات العابرة ، كأنه ـ أي الشاعر ـ يريد أن يقول لك :
" حسنا . لقد عبرت من هنا . رأيت كل شيء . وسأخبرك بحقيقة موقفي. أرجوك ليس الآن . ربما في الغد لأنني مرهق ، متعب ، مثقل بالأحزان " .
ينطلق مفهوم البنية النصية من تجاهل تلك الخرافة التي تفصل بين الشكل والمضمون ، فالفن كما نعرف جميعا هو إدراك جمالي للواقع ، وهذا الواقع لا يمكن أن نعكسه آليا وإلا وقعنا في مظنة النقل الحرفي البليد ، حيث توجد طرائق تعبير مختلفة تتوسل بالمجاز لنبش القشرة الهشة للواقع والوصول إلى اللب ، وكشف أسرار ذلك الواقع عبر شفرة مرمزة ، وهذا يعلن عن وجود وشيجتين أساسيتين هما الموقف الشعري ، وطريقة تشكيله .


( 2)


الموقف الشعري يمكننا أن ننبش عنه في حفريات النصوص ، وعبر تنضيد مفردات معينة تم التشكيل بها ، ومن خلالها ، غير أننا نفضل أن نوارب باب اللغة قليلا ، ونتعامل مع المعنى في طرحه الواضح الصريح ، فالشاعر يقف وحيدا في مواجهة العالم ، لا يمكنه أن يغادره ، وفي نفس اللحظة ، ليس بمقدوره أن يتورط في شبكة علاقته .
هنا يتحول الكائن الهش الرقيق ـ ذات الشاعر في الغالب ـ إلى ضحية ، فينفصل بالجسد دون أن يملك ترف أن ينفصل باللغة ، وهنا يشتد الاحساس بمعضلة لم يتم تجاوزها أبدا ، وهي أن اللغة لا تسعفنا ،ولا هي بقادرة على أن تحمل أفكارنا بنفس النصوع الذي تعكسه النفس الحائرة .
لكننا لا نجرؤ على زحزحتها أو القفز من فوق أسوارها العالية ، فاللغة هي عماد الكتابة ، ، وهي كائن اجتماعي متطور ، والحادث أنه لأسباب تاريخية وأسباب أخرى أشد أهمية لا يمكن المساس باللغة ، وفيما عدا ذلك يمكن للشاعر أن يغامر ، فيخلع أقنعة الحكمة ، أويمارس تمرده ، لكنه في تلك اللحظة التي يتهيأ فيها لذلك يشعر بالإرتجاف ، ببرودة الموت ، فالزمن يراوغك والشعر نفسه يخذلك .
تتجسد أزمة الذات حين تواجه الحقيقة الدامية بمفردها ، فتتحول السطور الشعرية إلى قباب نصف دائرية تهيمن على المعني ، وتمنع النفاذ إلى حيوات أخرى ، فغربة الحروف هي في اشد حالا تها وخزا هجرا للغة .. هجرا جميلا لسطوتها التي تملك عليك ـ كشاعر ـ أقطار الأرض كلها .
وإن جاء الاعتراف أن الموتي (هم )، في حين أن الإشارات كلها تؤكد أن النعوش ( هنا ) فأي مفارقة تلك ؟ وكيف نحكم إغلاق الأقواس؟


وقفت هاهنا ..
ومن هناك يعبرون..
مسرعين
ويحملون كالقباب شعرهم
وحين طوح الزمان..
واستقاء
وشب ليلنا كضجة العويل
هاجرت بالحروف من هناك
وهم هنا
على مسالك النعوش واقفين

( غربة شاعر )


( 3)


تتمحور الذات حول حلمها البعيد ، وهي تقبل كل الأحتمالات ، وتنهض على ثنائية ضدية تتشكل وفق قانونها الخاص ، حيث يأخذ التقادم طبيعة اللزوم ، فالمرايا كاشفة ، وهي تأخذ سمات الحواس من بصر وسمع وتذوق ، وتمضي الحكايا ، رهينة بلحظات كشف مبهمة ، ومثل هذه الرؤية للأشياء تنفي الماضي دون أن تجرؤ على مد الخط حتى آخره ، فالمرايا التي تثبت الشكل للحظات دون أن يعني ذلك امتلاك الحقيقة ، تجيبك أن الصور تتراكم ، أو هي تتجاور مشكلة ً مشهدا نهائيا يعد نواة المعرفة .
جزء من مأزق الشاعر أنه لا يمتلك اليقين الذي يمكنه معه أن يقول :
" إني أعرف . أنا أمتلك اليقين . أنا متأكد من أن خطاي على الطريق السليم " .
المرايا بهذا التصور ماهي إلا الوجه الصقيل الذي يعكس حيرة النفس وذبذبات الوجع البشري اللانهائي :



مرايا
تظل في استدارة العيون كالظنون
وربما تفتقت عن حافّة الشفاه
فأصبحت حكايا
وربما
تراكمت على صفاء بعضها
وصارت نوايا.

( مرايا )



( 4)


وحدة الشاعر ، وعزلته تتبدى في صوته المفرد الوحيد الذي يتماهى مع مفردات الطبيعة حوله . الشاعر من جنوب شبه الجزيرة ـ في الغالب يمكنني أن أغامر بالحدس ـ فثمة مساحات شاسعة من الفضاء ، والجبال الشماء تتوزع هنا وهناك ، وثمة مراع يشعر معها بالضياع ، ولا يمكن أن يكون هذا التوقع مقطوع الصلة باللغة التي يعتمدها الشاعر في التعامل مع موضوعه ، فالجبال تحاصره ، وشآبيب المطر تغمره ، وصوته يتمدد في فراغات المكان ، ربما لأنه ينتظر وجه الحقيقة ، أو صورة الحبيبة ، أو حلمه المراوغ الذي يتناءى بعيدا عنه .
ليس بالضرورة أن يأتي ( بلبل الشجن ) من حلمه البعيد ، فالريش الذي يشكل جناحيه يتلون بالضوء ، في لحظة تكور/ تكون الظلام .
لننتبه لهذه الصورة الشعرية التي تتكيء على نفس الثنائية الضدية التي ستصادفنا كثيرا ، وسنتأمل صورة الركض التي تتعلق بالزمن .
مثل هذا التشكيل الشعري يشتبك مع عناصر طبيعية وموتيفات زخرفية ، وترديدات تغير وتبدل من طبيعة تخلق الصورة الشعرية التي يتعامل معها العبدلي.
وكم كان موفقا في تشكيل صورة العشبة التي تنبت على حدود خطوة .
إن للشاعر أداءه الخاص ، وهو يمتلك هارموني متميز في تشكيل النص ، وفي نسج خيوطه على مهل ، وعنده طموح على مستوى بناء الصورة الجزئية والرؤية الشمولية ، حيث لا نراه يتوقف عند مرحلة الاشتباك مع الموقف الوجودي ولا مع تفاقم الشعور بالعزلة بل يتجه بقوة نحو التفاعل مع واقعه ، فيحتشد بذكريات جنوبية موجعة . ذكريات يبدي من خلالها فرحه ، حزنه ، استياءه ، واعتراضه مقتحما دائرة الواقع الخارجي متجها في ذات الوقت إلى ثنايا ذاته المضرجة في عذاب الكشف ، ومحنة الاكتشاف :


ملأت بالأقاح صوتي البعيد
لكي أكون حين تشرقين بلبل الشجن
وحينما تكور الظلام..
في خواصر الجبال..
وانحنى بقطرة السماء..
مورق الفنن
أتيت تركضين كالعيون
وفي خطاك صرخة يغتالها الزمن
وذات موسمٍ ..
نبـتُّ عشبةً ..
على حدود خطوةٍ
لراكضٍ
مر في ذاكرتي
ولم يرنْ

( استقبال )


( 5)


ذات الشاعر تستوعب كل أبعاد الواقع الخارجي ، ، وهي لا تنفصل عنه ، أو بمعنى أدق لاينفصل وجدانه عن حقائقها وقوانينها ، والرغبة في أن يتماس مع الحقائق الكونية جزء من مزاج الشاعر الذي يمتزج قلقه برؤاه .
يفتت ( العبدلي) المحسوسات إلى عناصرها الأولية محاولا إقتحامها وإعادة تشكيلها من جديد ، حتى نظن أن الشاعر قد امتلك فهم العالم ثم نراه عبر تفصيلات كثيرة يتخلى طواعية عن هذا المعتقد لأنه لا يمتلك الحقيقة المطلقة ، ولا يمكن لتلك اللغة التي أسرته أن تكشف ستر العالم ، لكنها توالي تعرية العناصر الأولى ثم ترجها رجا ، فإذا الدنيا أكثر عتمة وغموضا .
هناك حتمية أن تؤدي الشروط التي يعيشها الشاعر في واقعه إلى نفس الضغوط التي يستشعرها ، فيكون الفزع ، والوحدة ، والتعب ، ولا يمكن أن نتخيل حياة تمس الحلم بعيدا عن الزمان و المكان ، وهو ما يعني أن الشاعر في كل أحواله يسعى إلى تخلص حلمه من هذا الانهيار المتوقع / التصدع الذي يغشى النفس ، ويحيط بروحه .
ولنتأمل المعنيين الذين جاءا في ترادف ( الانهيار ) ، ( اللهب ) ، كانت العرب تروي وتسمع عن طريق المشافهة ، وهو ما زال قابلا للتحقق مع جيل جديد أسقط حنينه إلى التراث ، ولا يزوره إلا متوجسا أن يسكن روحه فيزلزل قناعاته .
ربما كان يحيى العبدلي قادرا على أن ينفلت من الحداثة المطلقة ليدخل على استحياء حومة الوغى ( النص القديم بعنعناته ، وثقله اللغوي ) صانعا معاهدة ما ، وهدنة ممكنة . رغم أن نصه يتوشح بأسئلة ظنية تجرد النص من قدرته على استنبات الحكمة ، والتعامل معها في حالة من اليقظة والشرود معا :


لماذا نلت على الدروب عشقنا ؟ !
ليأكل التعب ؟!
ونشرع الأحلام دفقاً في اتجاهٍ واحدٍ
لربما
إلى انهيارٍ ساحقٍ
أو فورة اللهب !!
( اتجاهات )


( 6)

محاولة احتواء الزمن تتردد في نص العبدلي بقوة ، منذ أن كان للتراب لهجة ، ويالها من صورة تستوعب كل ضياع وتشتت ممكن لتنفتح على حقول معرفية ، وبساتين جمالية أخاذة .
الانسان يحاول أن يتغلب على الزمن بالفعل ، بالعمارة ، بالبناء الشامخ ، والكاتب ـ بالتحديد الشاعر أكثر من غيره ـ باللغة التي لها رنة الايقاع .
إن التغلب على ضعف الانسان ، وخواء حلمه هو تجل ٍ أكيد للوضعية البشرية التي تمثل مأزقا يتواتر باستمرار من جيل إلى جيل ، ولا شك أن الشاعر يملك من مفاتيح لغته ما يمكنه من تجاوز الأبعاد المنطقية للواقع المحض ، محاولا أن يشيد عمارته اللغوية ، متخلصا من كل ضعف أو تردد ، أو شك .
كان الشاعر القديم يقف على الأطلال محاولا أن يعود إلى الماضي ، مستعيدا وجوه من رحلوا ، مبديا حزنه وألمه الذي يعصف بالروح ويضني الجسد .
الأحفاد لم يفقدوا أدوات الطلل ، ولا هم تخلوا عن الحزن الموغل في قدمه ، فإذا تفاعلت أبعاد الزمان مع غيرها من عوامل لأمكن أن نستحضر حياة أخرى ، فالحروف تتفكك ، و( النوء ) يطل ممعنا في قهر الإرادة البشرية فيما تتجه الحركة الأفقية للنص كي تشتبك مع ذاكرة أجهدها النسيان .
التبدد والنسيان ، ورائحة الموت ( المنون ) ، واستدارة النون التي تشبه نصف دائرة ، أو قبة ، أو حدبة قبر تأخذنا من يدنا لنتفاعل مع هذا المقطع البديع الذي يتجاوب فيه أنين الألم مع أمشاج رومانسية راقصة تعلي من قيمة اللغة التي تحولت إلى معزوفة رقيقة من لحن سماوي يتصاعد في سموق إلى الأعالي .
تأتي ( أميرة الحنين ) فيخجل وعلى استحياء ، من الذكريات البعيدة ، ومن الحلم الذي تاق إلى التحقق في ( ملاءة الزهر ) ، فإذا رقصة الحب تبدأ في هدوء ، ويركض المحبون من كل زوايا الألم الصموت ليرقبوا المشهد .
تحتار أنت كمتلق : هل هذا مشهد النهاية المتصورة ، أم هو حلم يتحقق في مرايا الخيال التي حركها الشاعر على مهاد واقعي بحت ؟
إنه سؤال مشروع لا يملك أي ناقد منا مفاتيح الإجابة عنه ، وحسبنا أننا نختلس النظر في معية المحبين :


قفي
على انجراف أحرفي
واستوقفي!
ففي زمان سادرٍ
في مغلق القدم
ومنذ كان للتراب لهجةٌ
ثقيلة شديدة الورم
كتبت فيك ألف نون
وألف واو
وألف ألف همزةٍ
ثم انسكبت في حقيقة المنون
وجئت أنت يا أميرة الحنين
....... كأنما أتيت في ملاءة الزهر
ترفلين في رحيق يا سمين
........وتقطفين بالدلال وجنة القمر


( أطلال )


(7)

هي حركة تلقائية تستوعب المقدمات الشرطية لحب مستحيل ، ولأطلال مضى عليها أزمنة بعيدة ، فإذا بها تهبنا الرقصة المستحيلة ، والياسمين الذي نضب حرمانا وقدما وغضبا .
الواقع أن حالة الكشف التي أشرنا إليها تتحقق في هذا المفصل من مفاصل الزمن ، باعتباره الذي يمنحنا المعني المكتمل ، والوجود الحي ، والمواءمة بين حركة الذات في الزمن ، وايقاع الزمن في الواقع الذي نحياه .
هي الجراح نفسها ، والنزيف الراعف الذي يتساوى مع قريض الشعر : من اجل ذلك يبذل الكائن البشري جهده للتأقلم مع واقعه ، وردم الهوة التي تتسع باستمرار كي يمكنه التكيف حتى وإن لم يتناغم كليه مع مفردات هذا الواقع .
يترقب الشاعر هذه الحركة الفاعلة ، ويدخل طرفا أصيلا في نزع المخاوف والظنون كي يمكنه أن يتسق والحياة .
الحياة التي هي مخزون أسرار تتجلى في هذه الصورة التي تلخص كيمياء النبات( فلقة الحياة ) ، وعمق صرة الوجود الذي يتحول في سموقه إلى اكتشاف بالتداعي لحقائق قديمة مخبأة في رحم المرأة ، وفي جنين البذرة ،وفي البيضة ، وفي كل اشكال الحياة وصورها الباذخة الجمال والاكتمال :


ألا لديك في أواصر الجراح منزفي
وفي سريرك التحفتُ بالقريض الراعف
يا فلقة الحياة ..
هذي جثتي
ألا قفي
على شفير أحرفي
واذرفي
( أطلال )



(8)

اعتراض يسوقه الشاعر على هيئة سؤال هو يعرف قبل غيره إجابته ، فليس على الشاعر حرج أن يواصل تمرده ، وشغبه الجميل على اللغة والحياة ، ولا يكتفي أن يتجرد من قناع البطولة لينزل الأسواق ، ويخلع لغته الموشاة بالزخرف ، فتلك مهمة مؤجلة للاكتمال .
لا ينبغي أن يخلع عباءته مثلما فعل الحلاج فدفع ثمن فعلته ، يكفي أن يعلن تمرده ، وما الشعر الحق إلا تمرد على استقرار اللغة ، وإعلان العصيان على تكرار المجاز :


ويقفز السؤال
أهذه دوّامة !؟
أم شجّـة في بؤبؤ الطريق ؟!
أم احتفال ؟!
أم أنها في كوّة النظام
مجرد اختلال ؟!

( مظاهرات )


(9)


خيط التمرد في نص يحيى العبدلي يقابله قدرة ملموسة على التننظيم الحذر لايقونات الصورة المحدثة التي تأخذ زخمها من عنفوان الحياة حين تتشكل في أوعية الزمن . فرفقا يا شعراء بالأحرف التي أرادت أن تسجنكم في أقبيتها المعتمة ، فقيدتموها برفضكم المطلق !


القاهرة 21/11/ 2004.

منى عجاجي
11-25-2004, 09:58 AM
اخي الفاضل سمير الفيل
شكراً لهكذا ولووج في الابداع
وهكذا تعمقّ في محنة الاكتشاف
شكرا لك لأنك فرشت أرض الياسمين بكل هذا الجمال

:*’:،*:*,’:*:
دمت كاتبنا المميز


http://www.arabcastle.net/vb/uploaded/LONE.gif