المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مثالية الشاعر عروة بن الورد



سالم
11-06-2004, 08:16 PM
عروة بن الورد العبسي .. قراءة في مثاليته
بزغ في سماء الجزيرة فرسان عظام ظل ذكرهم العطر عالقًا في أذهان العرب بارزًا كبروز سهيل في سمائهم، منهم ذلك الفارس السمح الكريم عروة بن الورد العبسي.
عاش في كنف والده الذي يعد من أشراف عبس وفرسانها المعدودين له دور بارز في حرب داحس والغبراء.
رأى عروة بأم عينيه أهوال الحرب وما جنته من ويلات على الضعفاء والفقراء وبرؤيته الثاقبة التقط الخيط الذي سار عليه هرم بن سنان والحارث بن عوف في بذلهم وعطائهم، تخرج في مدرسة عنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى مسلحًا بالمروة والكرم والشجاعة وحصافة الرأي. اختط لنفسه خطاً واضح المعالم يتمثل في الثورة على الأغنياء الأشحاء يجود بأموالهم على الفقراء والضعفاء وعابري السبيل في أسلوب عجيب يرقى إلى مستوى التكافل الاجتماعي. عاش عروة في قبيلته معززًا مكرمًا مهيوب الجانب بعكس غيره من الصعاليك. يُعد من أسرع عدائي العرب حتى قيل: إنه يسابق الريح ويتجاوز فرسه "قرمل" عدوًا، يحمل نفسًا كريمة جعلته مهذبًا في ثورته لا يغزو للنهب والسلب وسفك الدماء، بل يعمد في غارته على من عرف بالشح والبخل، يمد يد العون للضعفاء والفقراء ولا يؤثر نفسه بشيء فهو مثال للبذل والعطاء، قبيلته تأتم به في سيرته العطرة، وأصبح مضرب المثل في أحياء العرب، جعل من الصعلكة منحى مثاليًا حتى إن معاوية بن أبي سفيان قال: لو كان لعروة ولد لأحببت أن أتزوج إليهم، وعبدالملك بن مروان يقول: من زعم أن حاتمًا أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
له ديوان شعر مطبوع فيه قصائد تعبر بصدق عن مثالية تعامله مع الضعفاء والفقراء، فهو يعمد في كثير من الأحيان إلى إيثارهم بكل طعامه على الرغم مما به من جوع، ويكتفي بشرب الماء البارد القراح. عابه بعض أصحابه على ضعفه وهزله فأجابهم بأن له نفسًا تسمو به إلى المجد وأنه يؤثر الآخر على نفسه:
إني امرؤ عافى إنائي شركه
وأنت امرؤ عافى إناؤك واحد
أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى
بجسمي شحوب الحق والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
ونجد زوجه سلمى ابنة المنذر تلومه على كثرة مخاطراته ومغامراته بالغزوات والغارات مخافة أن يلقى حتفه، لكنه يرد عليها بقوله: إن ذلك من أجلها حتى تعيش حياة كريمة سعيدة وأنه لم يركب المخاطر إلا لأهداف نبيلة جليلة:
تقول لك الويلات هل أنت تارك
ضبؤاً برجل تارة وبمنسر
اقلي عليَّ اللوم يا ابنة منذر
ونامي فإن لم تشته النوم فاسهر
ذريني ونفسي أم حسان إنني
بها قبل أن لا أملك البيع مشتري
أحاديث تبقى والفتى غير خالد
إذا هو أمسى هامة تحت صيري
ثم يعرج بنا إلى منحى آخر يرسم لنا من خلاله صورة واضحة عن ذلك الصعلوك الذي لا هم له إلا نفسه ولا يقوم بحقوق من يلزمه فهو عالة على قبيلته ومجتمعه وجديرًا بأن ينبذ:
لحا الله صعلوكًا إذا جن ليله
مضى في المشاش آلفًا كل مجزرٍ
يعد الفتى من دهره كل ليلة
أصاب قراها من صديق ميسرٍ
ينام عشاء ثم يصبح قاعدًا
يحت الحصى عن جنبه المتعفرٍ
يعين نساء الحي ما يستعنه
فيضحى طليحًا كالبعير المحسر
ثم ينتقل بنا إلى صورة مغايرة لذلك الصعلوك إلى صعلوك وجهه يضيء كشهاب، وإن يمت تظل ذكراه عطرة خالدة:
فلله صعلوكاً صحيفة وجهه
كضوء شهاب القابس المتنورٍ
مطلأ على أعدائه يزجرونه
بساحتهم زجر المنيح المشهرٍ
وإن يعدو لا يأمنون اقترابه
تشوف أهل الغائب المتنظرٍ
فذلك إن يلق المنية يلقها
حميدًا وإن يستغن يومًا فاجدر
إنه يركب المصاعب ويقتحم حمى القبائل المجاورة له في نجد لكي يكرم أضيافًا أماجد حلو بساحته في ليل قر، وتوزيع ما تبقى على الفقراء ولا يبقى بيده شيء ويصبح حاله حال الفقير.
أيهلك معتم وزيد ولم أقم
على ندب يومًا ولي نفس مخطر
سنُفزع بعد اليأس من لا يخافنا
كواسع في أخرى السوام المنفر
نطاعن عنها أول القوم بالقنا
وبيض خفاف وقعهن مشهر
ويوما على غارات نجد وأهله
ويومًا بأرض ذات شث وعرعر
يريح على الليل أضياف ماجد
كريم ومالي سارحًا مال مقتر
إن عروة قد جعل للصعلكة مكانًا ساميًا عبر رؤية يستشعر من خلالها أحوال الآخرين، فمن أجلهم نجده قد ارتكب المصاعب واقتحم المخاطر ليجعل للصعلكة أهدافًا ومرامي نبيلة.
ــــــــــــــــــــ
إحالات:
(1) ابن قتيبة، الشعر والشعراء.
(2) د.علي الجندي، في تاريخ الأدب الجاهلي.
(3) ديوان عروة بن الورد، ط 1966م.
(4) د.يحي الجبوري، الشعرالجاهلي خصائصه وفنونه.
(5) يوسف خليف، الصعاليك في الشعر الجاهلي، ط مصر، 1955م.
(6) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ط مصر، 1960م

منى عجاجي
11-07-2004, 09:50 AM
أخي سالم

هنا تحليق الى السحاب هنا عطاء لا محدود
تجلى في هذه المقالة الرائعة والفائدة الثمينة
ففي كل يوم نكتشف ان نبض قلمك لا يشبهه سوى نبض الياسمين

:*’:،*:*,’:*:

شكرا لرقي وجمال في محيط لايقرأه سوى العابرون
وبصمت فوق مجاديف الحياة


http://www.arabcastle.net/vb/uploaded/LONE.gif

الحالم
11-07-2004, 05:00 PM
ما اجمل ان توظف الروح بتجلياتها المعرفية والفنية والادبية واقفة بجمال آسر مع الانسان والذوذ عن حياض حريتة ونصرته من اجحاف العالم والوجود .

ان تكون مثاليا اي ان تكون ضد سلطه واقع هش لا يرتكن الا الى الجاهلية الاولى وغطرسه انسانيه قديمة ربما !
طامحا الى انعتاق بني الانسان
منقذا بالفن والعمل سقوط الانسان الى الدرك الاسفل من عبودية بعضهم البعض

أنه التصارع الازلي بين الجميل والقبيح الذي لا زال ممتد الافق
والقلوب وحدها المملؤة بالضوء
هي التي نراهن عليها كما عروة بن الورد !

اخي الكريم سالم شكر لك على هذه المقالة الضافية

لا عدمنا قلمك وقلبك النبيل

تحياتي لك

سالم
11-08-2004, 12:14 PM
أخي الراقي بفكره وعقله وحضوره الحالم

شكرا قراءتك ووجودك قرب الجمال ...

**

أخيتي الروعة روعة .....
تحية لك عميقة كالياسمين
والحقيقة وجودكم وإعجابكم يهبنا المضي في الإبداع ..

وإكراما لحضوركم سأتابع معكم في سيرة هذا الشاعر الإنسان ..............

21

سالم
11-08-2004, 12:16 PM
نسبه وحياته:
هو عروة بن الورد الغطفاني القيسي المضري.
أبوه: الورد بن حابس بن زيد بن عبدالله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن أشجع بن الريث بن غطفان بن قيس ابن عيلان بن مضر بن نزار.

أمه: لا يعرف لها اسما وإنما نعرف أنها غريبة عن عبس. وهي من بني نهد وهي قبيلة مهجورة ليست بذي أمجاد.

إذا ينتهي نسب عروة إلى قبيلة عبس ، فهو عروة بن الورد بن زيد ( )
و كانت عبس تتشائم منه لأنه هو الذي أوقع الحرب بينها وبين فزارة بمراقبته حذيفة( )
أما أمه فليس فيما أيدينا من أخباره ما يشير إليها ولكن عروة نفسه قد كفانا مشقة البحث عنها ، فهو يذكر في شعره أنها من نهد ( ) من قضاعة( )
ولكن الشيئ الذي يلفت النظر في حديث عروة عن أمه أنه دائم السخط على هذه الصلة التي ربطت بين أبيه وأمه ( ) بأنه يهجو أخواله هجاء مراً( ) أو ربما كانت هناك أسباب أخرى لم تصل إلينا أخبارها .
ولعل هذا الإحساس الذي سيطر على نفس عروة بأن أمه أقل شرفاً من أبيه الذي جعله ينسب كل ما يحسه من عار إلى تلك الصلة التي تربطه بأخواله النهديين ( ) . ومعنى هذا أن عروة قد وضع منذ نشأته الأولي بين شقي الرحى ، فأبوه تتشائم منه قبيلته وأمه من قبيلة أقل شرفاً. وليس لدينا عن نشأة عروة الأولي سوي خبر واحد ولكنه قوي الدلالة على تلك الظروف الأولى التي يجعله يشعر بالظلم شعوراً قوياً سيطر عليه في كل مراحل حياته بعد ذلك كما أنه قوي الدلالة على قوة نفسه التي بدأت براعمها في الظهور منذ وقت مبكر .
ففي الأخبار أنه كان له أخ أكبر منه وكان أبوه يؤثره عليه فيما يعطيه ويقر به ( فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه ؟ قال : أترون هذا الأصغر ؟ لئن بقي مع ما أرى من شدة نفسه ليصيرن الأكبر عيالا عليه( )
ومعنى هذا أن عروة تفتحت عيناه في الحياة على صورة مختلفة التوازن من صورها . صورة الأخ الأكبر الذي يؤثره أبوه مع غناه عنه، وإلى جانبها صورة الأخ الأصغر الذي يهمله أبوه مع ضعفه وحاجته إليه أليست هذه الصورة هي التي شاهدها عروة بعد ذلك في المجتمع الذي يعيش فيه في مجال أوسع 0.؟
الأغنياء الذين تؤثرهم الحياة بكل شيء مع غناهم وإلي جانبهم الفقراء الذين تحرمهم الحياة من كل شيء مع شدة حاجتهم وضعفهم ؟
وهكذا بدأت براعم فلسفة عروة الاجتماعية والاقتصادية في الظهور في هذه السن المبكرة .
وما أن تتقدم الأيام بعروة حتى تتفتح هذه البراعم عن فلسفة ناضجة يؤمن بها كل الإيمان ثم يأخذ في تنفيذها والدعوة إليها بكل قوة وحماسة. ومن الطبيعي أن تجد دعوته آذاناً صاغية وقلوباً مؤمنة وأنصاراً مخلصين بين أولئك الفقراء المستضعفين الذين أجهدهم الفقر وأهزلهم الجوع وأذلتهم الأوضاع الاجتماعية وسدت الحياة في وجوههم سبل العيش الحر الكريم فالتفت حوله طوائف من الصعاليك يخرج بأقويائهم فيغير ثم يوزع الغنائم على من أغار بهم وعلى من تخلف عنه من المرضى والضعفاء أيضاً فربما عاد كل منهم إلى أهله وقد استغنى ( ) .

سالم
11-08-2004, 12:21 PM
عروة الصعلوك:
كان عروة بن الورد يسمى عروة الصعاليك ، لأنه كان يجمع الفقراء في حظير فيرزقهم مما يغنم ،من هذا النص اللغوي الذي سجله ابن منظور في لسان العرب ، والذي سجل مثله مثل غيره من علماء اللغة في معاجمهم نستطيع أن نتبين أصلاً عاماً للمادة تشترك فيه معانيها المختلفة ، وتدور حوله ،وهو عندي الضمور والانجراد ونستطيع في سهولة ويسر أن نرد كل معاني المادة إلى هذا الأصل العام.

التعريف بالصعلكة:
في اللغة : في لسان العرب ( ) ( الصعلوك الفقير الذي لا مال له ، زاد الأزهري ولا اعتماد .وقد تصعلك الرجل إذا كان كذلك . قال حاتم الطائي:
عنينا زمانً بالتصعلك والغني
...................................... فكلاً سقاناه بكأسيهما الدهر .
أي عشنا زماناً. وتصعلكت الإبل: خرجت أوبارها، وانجردت، وطرحتها. ورجل مصعلك الرأس : مدوره ورجل مصعلك الرأس:صغيره ، وأنشد:
يخيل في المراعي لهن بشخصه
.......................................مصعلك أعلى قلة الرأس نقنق.

وقال شمر : المصعلك من الأسنمة : الذي كأنما حدرجت أعلاه حدرجة،
كأنما صعلكت أسفله بيدك ، ثم مطلته صعداً أي رفعته على تلك الدملكة، وتلك الاستدارة( )
وقال الأصمعي في قول أبي داوود يصف رجلاً:
قد تصعلكن في الربيع وقد
.......................................قرع جلد الفرائض الأقدام
وصعلك الثريدة : جعل لها رأساً ، وقيل : رفع رأسها.والتصعلك :الفقر وصعاليك العرب :ذؤبانها .
فالإبل تتصعلك إذا انجرت أوبارها وطرحتها . والخيل إذا دقت وطار عفائها عنها .والبقل يصعلك الإبل أي يسمنها ، وهذا السمن يجعلها تطرح أوبارها وتتجرد منها .والمصعلك من الأسنمة الذي يبدو كأنما فتلت أعلاه وأضمرت وهو يصعلك الثريدة أي يجعل لها رأساً أو يرفع رأسها كأنما أضمر أعلاها.وهو مصعلك الرأس أي الرأس صغيره وضامره.

في الاستعمال الأدبي لكلمة الصعلكة :
تتردد هذه المادة في أخبار العصر الجاهلي وشعره صورة واسعة وتقابلنا كثيراً علي ألسنة شعرائه ورواة أخباره فيراها أحياناً تدور في هذه الدائرة اللغوية التي تحدثنا عنها علي نحو ما نرى في بيت حاتم الطائي الذي يتخذ منه اللغويين موضوعاً للاستشهاد اللغوي للكلمة فالمقابلة في هذا البيت بين التصعلك والغنى تدل في وضوح لا لبس فيه على أنه يستعمل التصعلك في معنى الفقر وهو استعمال يؤيده ذكر الفقر في البيت التالي مرادفاً للتصعلك :
فما زادنا بغياً علي ذي قرابة
..........................................غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
ونراها أحياناً أخرى ترد في بعض المواضع ولكن مفهومها الذي يتفق مع السياق لايتفق تماماً مع مفهومها اللغوي .فهذا عمرو بن براقة الهمداني يغير علي إبله وخيله رجل من مراد فيذهب بها فيأتي عمرو فيغير علي المرادي فيستاق كل شيء له ويقول .
تقول سليمي لاتعرض لتلفة
...................................وليلك عن ليل الصعاليك نائم
وكيف ينام الليل من جل ماله
..................................حسام كلون الملح أبيض صارم
ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم
...................................قليل إذا نام الخلي المسالم( )
فمن الواضح أن جو القصة وسياق الأبيات لا يدلان على أن الصعاليك هنا هم الفقراء .- وهكذا كادت المسألة أن تكون دوراً – كما يقول المناطقة لولا هذه الزيادات القليلة التي أضافها هؤلاء اللغويين إلي تعريفاتهم . ومن هذه الزيادات عرفنا أن هؤلاء الصعاليك كانوا (يتلصصون)( ) وأنهم كانوا (شطاراً)( )

كما عرفنا أنهم سموا هكذا لأنهم كانوا كالذئاب . ولكننا لانريد أن ننتهي من هذا البحث اللغوي دون أن نشير إلى أن أبا زيد القرشي صاحب جمهرة أشعار العرب قد تنبه إلى أن هناك جانبين لهذه المادة واستطاع أن يميز بينهما تمييزاً واضحاً حيث يقول ( ) الصعلوك الفقير وهو أيضا المتجرد للغارات) وهذا التعبير عن مفهوم المادة الاجتماعي بالتجرد للغارات يجعلنا نسجل لهذا العالم المتقدم على أصحاب المعاجم التي بين أيدينا أنه كان أدق من عرف معنى الصعلوك.

في المجتمع الجاهلي :
حين نرجع إلى أخبار هؤلاء الصعاليك نجدها حافلة بالحديث عن فقرهم فكل الصعاليك فقراء لانستثني منهم أحد حتى عروة بن الورد سيد الصعاليك الذي .كانوا يلجئون إليه كلما قست عليهم الحياة ليجدوا عنده مأوى لهم حتى يستغنوا . فالرواة يذكرون أنه( كان صعلوكاً فقيراً مثلهم)( )

صفاء الياسمين
11-09-2004, 11:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

أستاذي سالم

سعدت بقراءة الموضوع

والمقالة الرائعه جدا ....
فدوماً يشدني شذى حرفك للقراءة بصمت


تقبل جلّ تقديري

مع تحياتي