المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سمير الفيل يكتب عن الحرب من منظور إنساني ..



سمير الفيل
10-07-2004, 10:16 AM
بقلم : د. محمد ابراهيم طه . * *

ما يلفت انتباهك لأول وهلة فيما يسمى بأدب الحرب، تلك السمة المميزة والبغيضة في آن وهي المبالغة والتهويل في وصف الحرب والانفجارات والمبالغة في حب الوطن وطلب الشهادة بشكل يصرفك عن متابعة هذه الأعمال لأنك تعرف النهاية مسبقا، والمبالغة في ذكاء الجندي المصري في مقابل جبن الخصم رغم أن كل المعارك لم تكن غالبا في صالح الجندي المصري، وتلك التيمة المفرطة في السذاجة والتي دائما ما تضع مقابل الجندي وهو يموت .. صورة حبيبته، او يوم زفافه مع الفارق البين والذي يأبى معه أن تأتي هذه الصورة في مقابل تلك وتجتمع معها في آن. وأخيرا تلك النوعية من الكتابة التي ترعاها الدولة أو الشئون المعنوية للقوات المسلحة والتي ترصد الجوائز ومن ثم يتوقع المبدعون الذين يفصلون أدبا مصنوعا أن تكون الجوائز للأعمال التي تمجد وترفع الروح المعنوية، فيبالغون في هذا الاتجاه طمعا في قيمة الجائزة المادية، والتي لولاها لما كتبوا في هذا المجال.
كان لابد من هذه المقدمة قبل أن أتناول قصة سمير الفيل( الهدف) ذلك أن سمير الفيل يركز دائما حين يكتب عن الحرب علي الإنسان، الذي يكره الحرب دائما، ولا يحبذها إلا للدفاع عن النفس حيث يكون مضطرا لذلك، وهذه سمة هامة في قصص سمير الفيل، ومجموعته القصصية (خوذة ونورس وحيد)، لم يصور فيها مشهدا واحدا عن الحرب، ولم يصور فيها مشهدا لقذيفة تطلق إنما صور فيها مواقف عادية جدا من حياة جنود ما بعد الحرب، أو ما قبلها، أو جنود مكلفون في دشم أو خنادق، وعلي أكثر تقدير تبدو هناك في البعيد دبابة " سنتوريون " محطمة من بقايا الحرب، أو بعض ذكريات لأحد أبطال القصص عن زملاء حرب فقدوا في أكتوبر، إنما كان التركيز بشكل أساسي علي أبناء الشهداء أو تسليط الضوء علي ماسح أحذية بعكاز تحت إبطه في مقهى كان محاربا وزميلا للراوي.
سمير الفيل كما يبدو من أول وهلة في قصة (الهدف) ، يركز علي طبيعة هذا البطل الذي لا يرحب بالحرب، ولا يفرح لأنه سيطلق النار في ميدان الرماية، لأنه يعلم أن هذا الفعل ضد براءة وفطرة جبل عليها الإنسان، ولأنه يرى أن علي الإنسان أن يعمر ويصلح ويؤدى أعمالا في صميم الحياة، وتدمع عينا البطل لأنه بإطلاقه النار يفقد البراءة ويصير شخصا آخر لا يحب أن يكونه فيما يبدو.
اختار سمير الفيل إذن أن لا يكتب عن الحرب، وكتب أشياء إنسانية يحس بها المجند، وكتب عن أبناء الشهداء بعد عشرين عاما وهم في الجامعة وكتب عن إحساسه بيوم الإجازة الرسمي وذكرياته وطقوسه غير المعتادة والتي يقضيها في هذا اليوم.
بعيدا عن البناء في " خوذة ونورس وحيد " المجموعة ذات البناء التقليدي، والذي لا يتعدى عملية سرد عادية أو استرجاعات، مع تقديم وتأخير، فإن البطل الحقيقي في هذه المجموعة هو الحكاية، وهو الإنسان وهو الموضوع، والذي يحمل داخله ملامح أساسية لا يمكن للقارئ أن يتجاهلها:

1ـ خفة الظل المصرية التلقائية:

وهي خفة ظل تؤكد أن المصري بن نكتة فعلا، وفي أقسى اللحظات يجذب الابتسامة، وهي سمة قل أن توجد في أعمال جادة تتكلم عن أدب الحرب. فالجندي المصاب في قدمه من جراء الحرب وفي انتظار الرفت الطبي في قصــــــــة" إجراءات" حين يركب في صندوق سيارة ميرى، يصدر بيده وفمه صوتا فيظن السائق أن الإطار فرقع، فينزل ويتفحصها، عندئذ يضحك الجندي ويقول: عليك واحد!
وهو نفس الجندي الذي يخوف الجنود من الشاي أو الأكل فيقول : فيها كافور يا أولاد! وحين يسأله الراوي: يعني إيه؟ يقول له ضاحكا: إسأل المتجوزين يا دغف! ويضحك.
هو نفسه حين تتم أوراقه وتنتهي إجراءات الرفت، يبكي بصوت عال علي العشرة، ويقيم له زملاؤه حفلة، يصفقون فيها ويرقص، وبينما دموعه تسقط والضابط ينهرزملاءه كي يكفوا، فإنه هو ذلك الجندي الذي كان يبكي يتوقف عن الرقص قائلا بهزار للضابط: إيه ؟ دي جلسة إجراءات!
وفي قصة " عزومة" يسرق أحد الجنود من الصول فرغلي بعض الأرز والعدس ويختبئون في مخبئهم لإعداد الطبيخ في عزومة بعد أن كرهوا المعلبات، وكانت سيارة التعيين قد تعطلت فقرر القائد أن يأكلوا الوجبات الجافة والمعلبة، يطبخ الجنود في سرية تامة ويشعلون أرانيك الذنب ويضعون فحل بصل في هذه الخلطة لكن رائحة الطبيخ تعبق في أرجاء السرية وتخرج فيدفع الصول فرغلي بنفسه أمام الملجأ صارخا: حضراتكوا عاملين طبيخ يا نمر؟ إجمع السرية الوقت حالا بالأمر، فيأكل الجنود من الطبيخ بشراهة قبل ان ينضج وقبل أن يخرجوا إلي طوابير الذنب.
لقطة إنسانية تعبر عن الضجر من حياة الجندية واعتبارها حياة استثنائية ومؤقتة ، ولا ضير من ارتكاب بعض المخالفات البسيطة التي تنم عن أن هنا إنسان أكثر من أن هنا آلة، أو استحضار خفة الظل في وسط القسوة.
وفي قصة:" عريس السرية" تبدو حلاوة الحياة المدنية من إقامة عرس لمغاوري الذي سيدخل دنيا، وتطوع عبد الرحمن مخيمر بأن يكون العروسة، وأن يضعوا له علبتين من المعلبات ليكون له صدر عروسة ويتأبط ذراع مغاوري ويغني الجنود: " وصلي صلي " أغنية الفرح والزفاف وهم يعطون مغاوري النقوط والسجائر والصابون، كم هو الحنين إلي حياة السلم والهدوء، وكم هي خفة الظل التي تجعلهم يفعلون ذلك، وكم يبدو قاسيا صوت الأومباشي وهو يدعوهم إلي الطابور الثاني، بمعنى استدعاء الغائب عبر الحاضر، وجعل الغائب هو البطل، فالغائب هو حياة المدنية والحاضر حياة الالتزام والقسوة والانضباط. وهي مرة أخرى سمة مخالفة لسمات أدب الحرب التي تسير عكس طبيعة الإنسان فتقدس القسوة والتقشف وتبالغ فيها.
وفي قصة: " لدغة عقرب" بينما الجندي الذي كان يتمنى أن يرى شيئا من رائحة اكتوبر فذهب إلي الدبابة المحطمة فلدغه عقرب واختفى بها، فيسعفه زملاؤه ويهزرون بخفة دم ويربتون كتفه: عقرب يعض في عقرب؟ تيجي ازاى دي!
وفي قصة:" بلديات" يتعثر أحد المجندين المستجدين ضعاف النظر والمنتظرين العرض علي مستشفى القصاصين، ويسقط في فوهة خندق فيقع علي أروانة الأكل بينما زملاؤه يأكلون ويتبادلون الحديث ويكتشفون أنه بلديات أحدهم فيقدمون له مشروبا وهميا، زجاجة مياه غازية، ويضحكون وحين يقوم في نهاية الجلسة ليوصله أحدهم إلي المكان الذي كان يبغيه قبل أن يتعثر، يزعق أحدهم: ألا تكمل مشروبك!
وفي قصة:"جندي مؤهلات" يسألهم السائق الذي توقف لهم ليركبوا في الطريق: معاكم سجاير؟ ولأنهم مستجدون فإنهم وجموا، ولأنه يعرف أنهم مستجدون فإنه يمد يده ضاحكا بعلبة سجائره قائلا: ـ ولا يهمكوا.. عفروا!
وحين يتوزعون ويأتي مكانه بما أنه مؤهلات فيمسك دفتر الخدمة، وحين يؤمروا بحفر خنادق وملاجئ، فإن الجنود الآخرين يعرفون ما يفعلون، يحفرون ويشيلون الرمل بعيدا ويسقطون أطواق الحديد إلي الخنادق ولا يجد صاحبنا شيئا يفعله سوى التقريب في المسافات بين أكياس الرمل فيزعق الشاويش : بتهبب إيه، فيصرخ الآخرون من بين حبات العرق: أصله عسكرى مؤهلات ويضجون بالضحك.

2ـ الحالات الإنسانية:

والتي هي من نسيج مجتمع له مشاكل وبه عيوب كما به مميزات، جنود لهم خلفية إجتماعية، ليس في طبعهم شراسة الحرب، طيبون يسعون إلي العيش في سلام، لكنهم في حالة تعرضهم للظلم فإنهم يصيرون شيئا آخر، فمسعد والذي يسمى مسعد بنزين أسير وضع اجتماعي معين، ترك أبوه أمه وذهب إلى الإسكندرية خلف امرأة ثرية ليتزوجها، وربته أمه، وحين تموت أمه يأخذ إجازة أسبوعين ليعود إلي السرية متورم العينين بكاء علي أمه وقد وجد أبوه يحضر العزاء فيسلم عليه مثله مثل أي شخص آخر، لكنه يرى في يد أبيه قطعة القطن المبللة بالبنزين، تماما كما أن مسعد يجلس طول الوقت في السرية متشمما قطنة صغيرة مبللة بالبنزين.
ليعذرني صديقي سمير الفيل علي هذه القراءة المرتجلة والمحبة لفنه وشخصه الجميل.




الدكتور محمد ابراهيم طه :

ـ عضو اتحاد كتاب مصر.
ـ عضو نادي القصة بالقاهرة .
ـ حاصل علي جائزة الدولة التشجيعية في القصة القصيرة عام 2001.
ـ حاصل علي جائزة الشارقة في الرواية، المركز الأول 2000.
ـ صدر له:
ــــ توتة مائلة علي نهر:
قصص قصيرة طبعة أولي هيئة قصور الثقافة 1998، وطبعة ثانية مكتبة الأسرة 2002
ـــــ سقوط النوار:
رواية طبعة أولي دائرة الثقافة والأعلام : الشارقة 2001، وطبعة ثانية بالهيئة العامة
لقصور الثقافة 2002 وطبعة ثالثة بمكتبة الأسرة 2004
ـ له تحت الطبع:
ــــــ العابرون: رواية عن دار الهلال
ــــ ا لركض في مساحة خضراء : قصص قصيرة هيئة الكتاب
ـ مؤسس جماعة العابرون .. جماعة الإبداع الجميل.


.

صفاء الياسمين
10-08-2004, 08:12 AM
أخــي سمير الفيل

انني أعتز كثيرا بقرأتي لهذه الحروف

مهما قلت فلن اوفي هذا الحرف مكانه

ولكن يكفي معانقتي لها بالقراءة


مــع تـحـيـاتـي

AlWa7eD
10-08-2004, 09:42 AM
1ـ خفة الظل المصرية التلقائية:

ياخي هادي النقطه مابختلف انا وياك عليها ابدا
ويعطيك الف عافيه
ويسلمو

تحياتي

منى عجاجي
10-09-2004, 06:40 PM
أخي الفاضل سمير الفيل

ماكتب هنا
وبقلم .د. محمد ابراهيم طه
وما قمت بنقله
ٌجميل جداً وبلا حدود
لتحريكِ ما تماثلَ فينا من سكون
هنا وجدت شيء مختلف جدا
الإحساس خصب عميق
لغة بسيطة قاطعة
ربما ما عاد متاح لنا إلا
!الأنتظارالذي بات يقتل أوردة الانسانية بغير رحمة




http://www.onaizah.com/1/fgody/b/4.gif


http://www.alsareha.net/vb/images/smilies/shosho.gifروعــةhttp://www.alsareha.net/vb/images/smilies/shosho.gif

سمير الفيل
05-30-2005, 04:16 PM
روعة ( هديل الروح )..
صفاء الياسمين ..
AlWa7eD

شكرا لكم مروركم الكريم ..
ممتن جدا بهذا الاهتمام ..
لكم خالص الود والتحية .