المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقنيات التجريب الروائي في رواية فتنة الأسرد0أيمن تعيلب



صلاح والي
08-16-2004, 10:04 AM
ِ تقنيات التجريب الروائى عند صلاح والي
فتنة الأسر : أنموذج
ا
أصدر صلاح والي إلي الآن خمس روايات هي على الترتيب حسب تاريخ صدورها " نقيق الضفادع 1988 ـ ليلة عاشوراء 1992 ـ عائشة الخياطة 1997 ـ كائنات هشة لليل 2000 ـ الرعية 2002" وتبقي روايته " فتنة الأسر " التي بين أيدينا سادسة العقد الروائي الجميل الذي أبدعه هذا الكاتب المميز، ولعل روايته الأخيرة التي بين أيدينا الآن (1) تفصل بينها وبين أعماله السابقة مسافات ليست بالقريبة ولا بالمألوفة علي مستوي الوعي الجمالي والمعرفي معا فالكاتب يحاول أن يجرب شكلا روائيا جديدا يكون قادرا علي احتواء تجربته الفكرية والجمالية إزاء ذاته والعالم المحيط به بما يمثل نقلة جمالة نوعية وكيفية على مستوى سردياته الروائية
وإذا كان القالب الروائى الغالب علي صلاح والي في معظم أعماله الروائية السابقة وكما لحظ الدكتور محمد غنيم هو "المزج بين التخييل الواقعي (التاريخ) وبين السيرة الغيرية أو الذاتية حيث التركيز علي شخصية رئيسية واحدة أو قصة حياة شخص" (2) فإن الكاتب في روايته الأخيرة سوف يدفع بنا إلي جهد وكفاح شديدين في قراءة روايته كفاء ما بذل فيها من عرق إبداعى جهيد وصل به إلي حد الغرابة الجمالية علي ما اعتاده القارئ المعاصر من ألفة سردية فيما يعالج من روايات معاصرة، ولعل هذه الجدلية الخصيبة بين الغرابة والألفة وإخراج السرد الروائي غير مخرج العادة هو ما حدا بي إلي الإلقاء بنفسى في هذا العالم الروائي الصعب الجميل، القريب البعيد، بما يخايلني به من غواية الممكن والمستحيل المعقول واللا معقول في آن علنى أكون قادرا على فك بعض شفراته الجمالية ومراودة بعض غواياته السردية وربما جرنا الكاتب من الغرابة إلي التغريب بمعني الإلغاز بما يبعدنا قليلا عن همومنا ومشاغلنا الحالية. ولكن دائما يعيننا بعد كدح منا وإسماح منه علي فك اللا معقول بالمعقول، وفتح المستغلق البعيد باليسير القريب وتعرف المعنى الغامض بمجمل الدلالة الكلية لروايته إذ "من خلال العلاقة الجدلية بين الألفة والغرابة يكمن سر التأثير الذي يحدثه الخطاب" (3)
والكاتب يخطو في روايته "فتنة الأسر" نحو الرواية الرمزية الفكرية التأملية ذات الطابع الوجودى بالمعني الإنساني وليس بالمعني الفلسفي المحدد بأطر فلسفية خاصة،فالكاتب يحاول أن يجرب معاناته اللاهثة في شكل جديد خارج الأطر السابقة لرواياته الآنفة الذكر، ولكن سيظل شيطان الشعر متلبسا فيه في كل الأحوال، ولكن تلبس الشاعر بالروائي في هذه الرواية سيكون له نكهة جمالية مغايرة عن رواياته السابقة
و سيختلف الأمر جذريا فى هذه الرواية مع ما أو مأ إليه بعض النقاد من أن الشاعر سيبقي مختفيا في ثوب الروائي (1) ذلك أن النص الأدبي ـ الشعري والروائي ـ يهدف أن يغير عبر بنائه الجمالي والفكري من طبيعة التعامل مع اللغة ومن هذا المنطلق يمكننا القول مع (باختين) بأن "الخطاب الروائي خطاب شعري لكنه لا يندرج عمليا ضمن التصور الراهن للخطاب الشعري"(2) وبصرف النظر عن الخطاب الروائي فأي خطاب أدبي لا يمكن أن يتحقق من أدبيته ما لم يكن صاحبه قادرا علي أن يمارس جماليا( عنفا منظما ضد لغة الخطاب العادي. فالأدب يغير اللغة العادية ويكثفها، ويخرج خروجا منهجيا علي لغة الخطاب اليومي" (3) ذلك أن علاقة المتخيل الجمالي بالواقع ـ سواء كان شعرا، رواية، قصة قصيرة، أيا كان الشكل ـ هي علاقة عدول وانزياح بالمعني الفكري الفلسفي والمعني الجمالي معا، فكل عدول علي مستوي الرؤية الفكرية والمعاناة الشعورية يوازيه عدول إلى المستوى الجمالى والفكرى معا ومن ثمة الدخول إلي تخوم المغايرة والمغامرة أي الدخول إلي عالم الشعرية والأدبية فالروائي المعاصر لم يعد معنيا بوصف الواقع أو تسجيله أو عكسه عكسا مرآويا بقدر ما يعنيه الكشف عن العلاقات التي تحكم الذات بالواقع وبالعالم ومن هنا ستصير الشعرية في رواية صلاح والي الجديدة إلي معني جديد مختلف عما لحظه نقاده السابقون (4) بمعني أنها ستكون ملمحا روائيا تجريبيا بنائيا وتعبيريا فى آن ،وستكمن الوظائف الجمالية والبنائية لهذا الثراء السردى ـ وكما سنبين في قابل هذه الدراسة ـ في مراودة الروائىلأصقاع شعورية ونفسية ووجودية جديدة تركز علي الكشف عما هو جوهري وإنساني وخالد في المعاناة الإنسانية موظفا فى ذلك شتى التكنيكات السردية لرواية تيار الوعى وتكنيك الحكى الصوفى العرفانى بحثا عن الحرية فى مواجهة القيد وإجلالا للعقل فى محاكمة الجنون وتمسكا بالذات وسط تسلط قهر المؤسسة المحيط بها من كل جهة فالقصة الجديدة كما يقول عبد الرحمن أبو عوف ملخصا وجهة نظر الروائيين الشبان الجدد  ليست ما يكتبه معظم كتابنا الكبار المعاصرين لنا، بل هى ما نحاول كتابته لمعالجة فوضى الأشياء وعبثها بوحدة العقل الخلاق وبرؤية تتخطى وتفارق الواقع المعطى أو الطبيعة الجامدة)
ونظرا لأن الكاتب صلاح والى ينتمى لهذا الجيل فقد صدر عن هذا التصور الجديد للكتابة الروائية واستتبع ذلك توظيف الكاتب تقنيات روائية جديدة تاخم بها حدود التجريب الروائي ومن هنا كان معنى الخروج علي معهود البلاغة السردية في كافة مكوناتها الروائية لدى صلاح والى من شخصيات وأحداث ومواقف وزمان ومكان وحبكة بما يمثل نوعا من الانزياح السردىعن أوجه الاتصال اللغوى السردى المعهود فى الرواية التقليدية ومحاولة الاتصال بالحقيقة الحدسية الجمالية، وتوظيف الحكي العرفاني الصوفي واللغة السردية الرمزية وغيرها من المكونات الأساسية للبنية الروائية في الرواية.
وجميع ذلك يؤكد ماقلناه آنفا من أن الرواية "تنحو باتجاه الرواية الجديدة التى تحمل سمات الروايةالفكرية الرمزية ذات المنحي الوجودي ـ ولا نقصد بالوجودية هنا المعني الأيديولوجي الفلسفي للكلمة ولكن المعني الإنساني الباحث عن هويته وذاتيته وسط عالم يموج بالزيف والتسلط وخلع الإنسان من أصالته، فالوجودية هنا كما يقول (فينسنت مونتاي) بصدد دراسته عن تأثر الروائيين العرب المعاصرين بالوجودية: "تعنى القوة التي تفضي بالكاتب إلي الالتزام بقضايا المجتمع والسياسة كما تفضي به إلي اليأس والعدمية، أو تؤدي إلي التمرد" (1) وبهذا المعني تصبح الوجودية سمة إنسانية أكثر منها مذهبا فلسفيا حيث تكون أسلوبا في التفكير ومنحي في الرؤية قبل أن تكون مذهبا فلسفيا أو تصورا أيديولوجيا
والحقيقة أن أدب الفكرة قد كان منذ أن درج الإنسان يلهث علي مدارج المعاناة والوعى والممارسة الحياتية، إلا انه صار ملمحا رئيسا من ملامح القرن العشرين كما يقول (جون كروكشانك) " لقد أسفرت الكتابات التي كان لها التأثير الأقوى خلال العشرين عاما الماضية أو نحوها ـ عن أدب يطغي عليه طابع فلسفي، وهذا مرده إلي سبب ذي شقين: ففي المقام الأول كان هناك الكتاب الوجوديون، وكان هنالك طائفة من الكتاب الأفراد من أمثال (البيركامية) أولئك الذين يؤكدون الطبيعة الفردية أو العينة لكل ما يرونه تفكيرا فلسفيا مجردا وهم كتاب يتجنبون التعميمات اللازمانية ويفتشون عن الصدق في التجربة الآنية "الإنسانية" (2)
ورواية الفكرة بدأت تتنفس أنفاسها الأولى لدي صلاح والي في رواية "الرعية) كما لحظ ذلك بحق الدكتور محمد غنيم "ففي الرعية يحاول صلاح والي أن يقتحم … رواية الفكرة والرواية السياسية إذا جاز التعبير بيد أن محاولته تعود القهقري إلي عالمه القديم مرة أخري" (2) ولكن الكاتب فيما أري سيستطيع السيطرة علي أدواته الروائية بصورة أكثر نضجا في روايتة الجديدة "فتنة الأسر"
والفكرة المركزية أو الحالة الفكرية والشعورية المسيطرة علي الكاتب فى روايته هي فكرة الأسر وفتنته الطاغية علي كافة المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية وقد تمكن الكاتب في تجسيد هذه الفكرة المركزية عبر مكونات السرد القصصى لديه من شخصيات وأفعال وحوادث وزمان ومكان وحبكة واستطاع تجسيد ذلك عبر المستوى الجمالي والفكري معا، وذلك في إطار الواقع الاجتماعي السياسي الخاص به، وعلى المستوي الواقع الإنساني العام، فالكاتب بقدر ما حدق في واقعه السياسي الاجتماعي الحضارى المحيط به بقدر ما حلق في الأفق الإنساني بشكل عام، وقد استطاع الكاتب ـ فيما أري ـ انجاز ذلك من خلال تقنيات سردية تجريبية استطاع السيطرة عليها أحيانا وتفلتت من بين يديه في بعض الأحيان،
إن عنوان الرواية كعتبة أولي للولوج إلي عالم البناء الروائي يوضح لنا مدي تخلل هذه الفتنة جميع أنسجة البناء الروائي حتى لتصير محنة الأسر كالشبكة العنكبوتية اللاصقة التي تغرز خيوطها المعقدة في جميع مكونات البناء السردي من حدث وشخصية وزمان ومكان وفضاء روائي، ولقد أولت الدراسات السميولوجية الحديثة العنوان فى الأدب أهمية كبيرة باعتبار العنوان أحد المرتكزات الجمالية الدلالية للولوج إلى عالم النص واستنطاق أعماقه ومنهم من عرف العنوان على أنه مفتاح تأويلى ومنهم من رآه علامة سيميائية ومنهم من عول عليه كعتبة أولى من عتبات النص ومنهم من التفت إلى أن العنوان هو عبارة عن رسالة مسكوكة حمالة أوجه كما التفتوا أيضا لأنواع العناوين من بسيطة إلى مركبة إلى رئيسية إلى فرعية إلى تعيينية وغير ذلك من الاهتمامات الجمالية للعنوان ولكن فى النهاية نرى دائما هذا الهم الجمالى بالعنوان فى الأعمال الأدبية روائية أو شعرية أو مسرحية وأنا أرى أن عنوان رواية صلاح والى هو من العناوين التعيينية بتعبير ( جيرار جينت) بمعنى أن عنوان (فتنة الأسر) يعين البنية الكلية للرؤية المركزية للرواية فكأن النص الروائى كله مسند والعنوان مسند إليه وهو ما سوف نراه على طوال معالجتنا الجمالية للمكونات السرية للرواية
ولعل التفكيك الجمالي لبنية العنوان يؤكد ذلك إذ جاء تركيبا إضافيا مكون من مضاف (فتنة) ومضاف إلية (الأسر) وهما معا يكونان محتوي الشكل الروائي كله إذ تأتى الفتنة متعددة الوجه على المستوى السياسى والاجتماعى والحضارى ولكنها دائما مجندلة بقيد الأسر الشامل ومن هنا كان العنوان هو القطرة التي لخصت واختزلت بصورة استعارية جميع صفات المحيط الروائي في الرواية ولعل مجئ كلمة "فتنة" نكرة مضافة إلي "الأسر" المعرف بالألف واللام يشير إلي هذا التفشي الطاغي للفتنة في عدة اتجاهات سردية جمالية وسياسية واجتماعية وحضارية وتظل جميع هذه الفتن الكئاد مشدودة بأمراس شداد إلي جبروت الأسر وطغيانه وما سيحدثه من أزمات عديدة علي كافة البناءات السردية في الرواية. ونظرا لجدة السرد الروائي فى هذه الرواية كما ألمحت من قبل واسشراف مكوناته تخوم التجريب واصطناع تكنيك تيار الوعى بما يمثل اتجاها تجريبيا على الأقل لدى الكاتب بالنسبة لأعماله الروائية السابقة، رأيت أن أعالج التقنيات التجريبية السردية الآتية من خلال البناء السردي للرواية:

1. التجريب في الحـــدث

2. التجريب في الشخصـية

3. التجريب في اللغـــة

وقبل أن نعالج هذه التقنيات التجريبية لدي الكاتب لنري هل كان الكاتب بحاجة حقيقية لممارسة هذا الشكل الجمالي التجريبي لبناء فكرته المركزية؟!! فكما يقول (هربرت ريد) : (إن الأسباب التى تدفع الفنان (والفنان الكامن فينا) إلى أن يعبر عن نفسه فى شكل من الأشكال دوافع غامضة رغم انه لاشك فى إمكانية توضيحها على أساس فسيولوجي ولكن الغريزة التى تدفعنا إلى أن نضع إزارا لاضرورة لها على ملابسنا وأن نطابق بين ألوان جواربنا وأربطة عنقنا أو قبعاتنا… هى نفسها الدوافع التى تدفع الفنان إلى أن يرتب دوافعه فى شكل من الأشكال) إذن الشكل ضرورة حتمية للهاجس الوجدانى والفكرى الذى يأخذ بأكظام الكاتب حتى يسرب جميع شحناته الداخلية من خلال معادل سردى جمالى له جمال التصميم ودقة البناء.وتكمن قوة الروائى كما يقول (الآن روب جرييه)( فى أنه يخلق بكل حرية وبدون نموذج) وقد كان جرييه من كبار رواد الرواية الجديدة فى فرنسا الذين قادوا الحركة التجريبية الساعية إلى التحرر مما هو مفروض ومصطلح عليه وميت والمتجه نحو ما هو حر وصادق وحي) ومن هنا يتضح لنا أن الرواية التجريبية ههى رواية الجسارة والخروج على المؤسسات الرسمية التقليدية وهى إذ تخرج على العقد المؤسسى الرسمى تؤسس لعلم جمالى بديل ولرؤية فكرية جديدة للعالم.

نود أن نشير بصورة عامة إلي أن رواية (فتنة الأسر) تنتمي في بنائها السردي ومحتواها الفكري إلي جنس الرواية الجديدة، التي طورت كثيرا من طرائق سردها بصورة أكثر تعقيدا عن تقاليد الرواية التقليدية ومن المعلوم أن ثمة أعلام روائية عالمية استطاعت أن ترسي تقاليد سردية جديدة نمت في إطار الجدل الجمالي المثمر مع التقاليد الروائية التقليدية "فلقد استطاع الكاتب الأمريكي هنري جيمس (Henry James ا) انجاز الأعمال الأساسية الأولي المتجهة نحو البحث المباشر عن عالم الوعي، وإلي التقديم لمنظور الرؤية باعتباره العنصر المحدد لبنية الرواية ففي روايتيه "السفراء" The Ambassadors 1903، و "الإناء الذهبي" The Golden Bound (1914) أمثلة علي كيفية افقار الحدث لحساب التصوير التفصيلي لردود الأفعال الروحية، لقد كان زعماء هذه "الثورة الأدبية" التي تواصلت حتى النهاية هم، مارسيل بروست وجيمس جويس وكافكا .. ويتمثل اكتشاف بروست الاساس في "الذكري" (أي الذاكرة أو التذكر والاستدعاء) متحالفا في ذلك مع الفلسفة اللاعقلانية Iroac Ional Izmus للعصر باعتبارها (الذكري) الاكتشاف المستقبل ـ عن أي نوع من المعني والمنطق ـ للمشاعر والحالات الروحية وباعتبارها كذلك الحقيقة الأكثر مصداقية (1) ثم تحقق الرواية الجديدة نقلة موضوعية في تقاليدها السردية بعد "بروست" الذي جعل الحدث هو التذكر نفسه، و ذلك علي يد (جيمس جويس) الذي جعل مركز الثقل السردي هو الانتقال من الموضوعي إلي الذاتي. ولا يخفي علينا اكتشافات علم النفس بكافة فروعه وتغيير مفهوم الزمن في العلم المعاصر وتأثيرهما علي هذه التحولات الفكرية والجمالية (2) فقد استطاع جويس في عمله "ناس من دبلن" جعل المونولوج الداخلي المستدعي للمشاعر والأفكار غير المرتبة هو الذي يحدثنا عن عالم الوعي لدي الشخصيات وعن صورة المكان الروائي وليس مجرد المكان الخارجي.
لقد أرست الرواية الجديدة تقاليد سردية جديدة تتطابق ووعي الإنسان المعاصر وجوهر معاناته المعقدة فظهرت صورة البطل المسحوق أو(اللا بطل) وشاع الإحساس بعدم اليقين سواء الوجودي أو الحياتي والإحساس بأن ثمة ماردا جبارا يسكن خوافي العالم المحيط بنا يناوئ الإنسان ويسحقه ويحول دون تحقيقه لذاته. ولقد كان كاتبنا صلاح والي علي وعي بهذه التصورات الفلسفية قبل كتابته روايته "فتنة الأسر" إذ أن الراوي نفسه يعالج فكرة التنظير الروائي في روايته إذ يقول علي لسان محاوره المجهول والذي يرمز به إلي المؤسسة التي تسحقه وتطارده "هل تعرف من أنت؟ إذا كنت قد جئت إلي هنا بخمس شخصيات إلي الآن لا أعرف من أنت فيهم ؟ فما جدوى وجودك" (1)وبصدد فكرة انسحاق الفرد وتصوير اللابطل يقول الراوي علي لسان محاوره إيهاما بحقيقة مايحدث: "تريد أن تكون أنت العارف بكل شيء والقادر والمهيمن والذي تسبق الحوادث وتعرف ما سيحدث لسنوات قادمة / أنت بذلك تفسد الرواية / فلم يعد المؤلف هو ذلك القادر المهيمن صاحب الأحكام الكلية الجازمة" (2) ثم يرد عليه المؤلف ـ الراوي نفسه: " أنا لست المؤلف" (3)
إن هموم الراوي سواء علي لسان شخوصه أو علي لسانه كسارد أو علي لسانه مضمنا في الأحداث والمواقف تعكس وعيا تنظيريا فائقا سواء علي المستوي التنظيري الروائي أو علي مستوي نظرية المعرفة نفسها، لقد تحولت الرواية في بعض مقاطع منها إلي أبحاث في نظرية الجنس الروائي أي ما يسمي بتعرية ميكانيزمات السرد (4)، وإلي مناقشات في نظرية العلم نفسه وهذا من ملامح التجريب الروائي في السرديات الجديدة
لقد وظفت رواية "فتنة الأسر" تقنيات تيار الوعي في بناء الأحداث والشخوص والزمان والمكان ولغة السرد والفضاء السردي إلي آخر مكونات النص الروائي في الرواية. ومن هذا المنطلق الفني لدي الكاتب في بناء روايته وجدناه قد تحرر من منطقية الأحداث وخطية الزمن وتقليدية البناء الفني للشخصية أو البناء التقليدي للحبكة، فالرواية لا تحتوي علي حدث هام بالمعني التقليدي كما أنها ليست بها مغامرة بالمعني المتداول في السرد الروائي، أو الحبكة بالمفهوم التقليدي فهي غائبة تماما في الرواية وليس هناك برنامج سردي وبرنامج سردي مضاد بمعني الصراع التقليدي ، ولكن الحدث الوحيد- مع تجوز اطلاق مفهوم الحدث هنا - يكمن في الولوج للعالم الذاتى الجوانى للشخصية واصطناع اللغة السردية الصوفية و إيراد التفاصيل الدقيقة والكثيفة لحالات الشعور والتذكر ومستويات الحلم ورصفها فيما بينها بصورة كثيفة متتابعة منسجمة لتقوم كالمعادل الموضوعي للسرد الغائب.

ويجب هنا ألا تتصور أن مفهوم " اللاحدث" الذي يعتمد عليه الكاتب يعني نفي صفة الحدث بصورة قطعية عن نصه السردي وإلا لما قام البناء الروائي أصلا وأصابه التناثر والانفراط ، ولكن نقصد من "اللاحدث" نفي الصفة التقليدية للحدث المسرود، وتجريب تقنية حدثية مغايرة ذلك "أنه يخطئ من يدعي بأنه لا شئ يحدث في الرواية الجديدة ، فكما أنه من الضروري ألا تنتهي إلي فكرة اختفاء الإنسان من الرواية الحديثة بحجة أن البطل التقليدي قد اختفي، لا يجب أيضا أن نخلط بين البحث عن بناءات جديدة للرواية. والمحاولات الساذجة لمحو الحدث والعاطفة والمغامرة" (1)
لقد اختفي البطل هنا بالمعني التقليدي الذي يتسلسل فيه من بداية متصاعدا ناميا تجاه الذروة وحل محله شكل سردي ساكن في سطحه السردىالخارجي غير أنه متحرك نشط ودال من دواخله العميقة وهذا الشكل السردي الجديدهو الموازي السردي الجمالي لفكرة (اللابطل) فالكاتب معني بخلق تفاصيل "معينة تضيق الوصف إلي كثافة ذهنية وكأن القصة عملية عقلنة للنظر، يتسربل خيوطها فيض الشعور الانساني الذي يعول عليه القاص كثيرا في محاورة كائناته" (2)
وفىالفصل الأول من الرواية نرى الراوي السارد يصور عتبة نصه من خلال السرد الماضى من خلال الفعل الماضي (كان) الذي يخبر عن (هو) الآخر الذي يوهم بحقيقة ما حدث وكأن ما حدث لم يكن حادثا من الراوي نفسه، ولعل ظهور الراوي بأشكال وصيغ متعددة داخل النص الروائي من أهم تقنيات القصة التجريبية ذلك أن تعدد صيغ حضور الراوي تعادل المستويات الشعورية المعقدة لدي الشخص الراوي، مما ينم عن تعقيد الشخصية الروائية وفي ذلك يقول الروائي يوسف الشاروني:"استخدام الضمائر الثلاثة: الغائب والمخاطب والمتكلم مجرد زوايا مختلفة لرؤية الشخصية في تعقيدها" (3)هذه التقنية التجريبية في توظيف الضمائر لدي الراوي ستكون معنية بوصف الحالة القصصية بصورة دقيقه أكثر مما يعنيها نقل الأحداث ـ الشخصيات والزمان والمكان من الخارج فقط، يقول السارد مصورا بضمير الغائب بدايات الحدث:

"كان يقف علي باب الكون يمسك في يده زهرة جميلة بساق طويل لها تويج كبير كثير الألوان ولها رائحة مستقبلية، وكان ينظر إلي البعيد ويبتسم لشىء ما ، بينما تدوي خلفه طبول الآخرة علي بوابات جهنم بدوي مدبب يدخل في عمق كل شيء باختراق عظيم مؤلم ، بينما الفراغ الذي ينظر إليه يموج بدخان كثيف يتشكل عوالم وهو ينتظر ما يلائمه ليهديه زهرته، كنت أظن ذلك ولكن كان غير ذلك وربما أيضا كان كذلك" (1) ونلحظ هنا التداخل الزمى السردى بين الفعل الماضى ( كان) والفعل المضارع ( ينظر) ورائحة المستقبل فى ( رائحة مستقبلية) وهو بناء زمنى فى الرواية سيخرج بها عن حدود الزمن الخطى التقليدى إلى البناء الزمنى النفسى الرمزى الذى يتخلق خارج حدود الآنات الزمانيه وينسج زمنيته داخل العلاقات النفسية والفكرية للشخصية الروائية وباقى مكونات البناء السردى
ومن خلال وصف الراوى للحدث بالفعل الماضي يكون الحدث مستجلبا من خارج الفضاء النصي للرواية وهو ما يؤكد خلوها من الحدث بالمعنى التقليدى ، بل كان الحدث هو وصف نواتج ما حدث من خلال اللوحة التصويرية السردية السابقة، إن الكاتب ـ الراوي لا يفعل شيئا ولا يفسر ولا يحلل أنه غائب تماما ولكنه حاضر من خلال قدرته علي الوصف والترتيب والتنظيم وتتبع التفاصيل الدقيقة التي نستطيع من خلال قراءة رموزها التحتية تتبع الحدث رويدا رويدا حتى يتخلق وترتسم ملامحه ويستوي قواما سرديا رمزيا. ولعل الراوي قد استهلك الفصول الأربعة الأولي من روايته في تخليق هذا الحدث وذلك من خلال تقنيته المونولوج ففي " رواية تيار الوعي نري المونولوج يقدم حاله الإنسان قبل أن يصل إلي النتائج العقلية المنطقية المنظمة، فرواية تيار الوعي تنتقل إلي عالم غير مرئي وتقع الأحداث في عقل الشخصية المحورية، انطلاقا من أن الشعور هو المحرك الرئيسي للإنسان " (2)
ومن خلال وضع المشاهد الروائية المتعددة بعضها بإزاء بعض، وبعضها يتوالد عن بعض يبدأ معني الحدث في الإبانة عن ذاته ولعل المشهد السابق الذي أوردناه قد أبان عن طبيعة حدث يعلو علي الزمان والمكان يتواشج به المعقول واللامعقول، الشعوري واللاشعوري يتضح هذا في قول الراوي "كنت أظن ذلك، لكن غير ذلك، ربما أيضا كان كذلك" ثم ينتقل الكاتب إلي رصد هذه المشاهد الروائية المتعددة لخلق الحدث وبدايات ظهور اللابطل: "كان في ملابسه الكاملة ربما خارجاإلي سهرة ما، وكان العرق يتصبب من سرواله علي الأرض، ربما كان دهنه يسيل، … كان ينظر في البعيد ربما لا ينظر إلي شيء ، ولكنك لا تستطيع أن تتجاهله لأسباب كثيرة منها أنه وحيد وحدة مطلقة وثابت ويغمره الأمل… ولديه ثقة عالية ربما، أو يأس قاتل ربما… وهو يشبه كل آدمي في تكوينه ولكن غريب… وربما كان جميلا، لكنه مختلف، وغير معني بالآخرين لأنه ببساطة مكتفي بذاته" (3)
والمتأمل في المشهد الروائي السابق من خلال سرد الراوي عما حدث بضمير الماضي وتتبع نواتج الحدث من خلال ضمير "هو" يلحظ إفادة الراوي من توظيف ضمير الآخر(هو) في التعبير عما حدث وذلك ليوهم بحقيقة الفعل الروائي وأنه لا يروي شيئا يمكن أن يحدث بل شىء حدث بالفعل كما يلحظ أيضا صفات جوهرية لحقيقة الحدث حيث نراها أقرب إلي أمشاج فكرية وشعورية منه إلي كيان جسدي مألوف مثل ما يحدث في واقع الحياة فالشخصية التي يروي عنها الراوي تتسم بهذه الصفات
(ربما كان ينظر إلي البعيدولا ينظر إلي شيء
ربما لديه ثقة عالية أو يأس قاتل هو يشبه كل آمي
هو غريب
هو مكتف بذاته)
ومن خلال هذه الأوصاف للشخصية التي قامت بالحدث يتضح لنا جوهر الحدث والشخصية معا إذ هما من نطفة الواقع وفوق الواقع من طين الأرض ونور الروح من المعقول واللامعقول، يتكلم من الداخل أكثر من الخارج هو ينتمى إلى بطل الحساسية الجديدة التى أشار إليها (ادوارد الخراط) فى كتابه( الحساسية الجديدة) حيث تنتمى رواية صلاح والى إلى جماليات الحساسية السردية الجديدة ولندع الروائى إدوارد الخراط يوضح لنا أسس الحساسية الجديدة فى أنها ( تقوم على كسر الترتيب السردى الطردي،فك العقدة التقليدية، الغوص إلى الداخل لا التعلق بالخارج،تحطيم سلسلة الزمن السائر فى خط مستقيم، تراكب الأفعال معا: المضارع والماضى والمحتمل معا، تهديد بنية اللغة المكرسة ورميها نهائيا خارج متاحف القواميس، توسيع دلالة الواقع لكى يعود إليها الحلم والأسطورة والشعر،مسائلة – إن لم يكن مداهمة الشكل الاجتماعى القائم، تدمير سياق اللغة السائد المقبول، اقتحام مغاور ما تحت الوعى واستخدام صيغة ا( الأنا) للتعبير عن العاطفة والشجن بل لتعرية أغوار الذات وصولا إلى المنطقة الغامضة المشتركة التى يمكن أن أسميها مابين الذاتيات والتى تحل الآن محل 0موضوعية مفترضة وغيرها من التقنيات وليست هذه تقنيات شكلية، ليست مجرد انقلاب شكلى فى قواعد الإحالة على الواقع بل هى رؤية وموقف) وجميع هذه التصورات السردية الجديدة نراها قد تحققت فى النص الروائى لدى صلاح والى فى روايته، نستطيع أن نتبين ذلك فى الفضاء السردى بكافة مكوناته السرية
إن مجيء الكاتب بحرف الربط ـ ربما ـ الدال علي الوقوع في منطقة المابين وعدم الحسم وعدم القدرة على التيقن ـ فى تصويره لبطله بين الارتداد إلي الوراء وبين الاستباق للمستقبل في تعبيره عن البطل والحدث
"ربما كان ينتظر رسائل من الماضي أومن المستقبل، بالتأكيد لايرانى ولكنه على الأقل يسمع ويحس ربما بوقع خطواتي أو تنفسي (1)
ويظل الراوي مستطردا في وصف تفاصيل ما حدث عبر لوحات تصويرية سردية متجاورة تتناثر في عالم اليقظة ولا تتماسك وتتكامل عند النظر والتحقيق في عالم اللاوعي، ذلك أن التعبير المرهف الخفي عن العالم العميق لهذه الشخصية كان يتطلب من الراوي هذه التقنيات،وهذا الأسلوب السردى فى تصوير البطل على طوال الرواية له ما يبرره معرفيا وجماليا :" فالفنان ينطلق من التعارض بين الأضواء كي يصل إلي إعادة امتصاصه وتأليفه" (2) ولعل هذه الجمع بين ما تناثر وتضاد على مستوى الواقع الحياتى لتحتويه الوحدة المنسجمة ضن تيار الوعى السردى ـ جعل الكاتب الراوي قادرا علي صنع شخصية غير تقليدية بل شخصية تجريبية قادرة على الجمع بين العقل والجنون وبين الحلم والكابوس وبين التجسيد والتجريد فهذا البطل الذي يجمع بين الصفة الآدمية والصفة العلوية وبين الزمن الماضي فى الوردة التى كان يمسكها والمستقبل فى رائحة الوردة المستقبلية يجعله موجودا في كل اتجاه بالمنطق السردى الروائي، ولا يوجد في أي مكان بالمعنى الواقعى الحياتى
هذا البطل سيكوٍّن حدثا يحمل نفس سماته السابقة، وهذا قد ساعد الكاتب الراوي علي أن يمد من أفق عالمه الروائي اقصد منظور الرؤية الروائية لديه والتي ستنداح في فضاءات جوانية رحيبة تحتمل الفلسفي المجرد والإنساني المحدد والعقلي، واللاعقلي معا، يقول الكاتب في وصف الحدث علي لسان البطل:
" تخيلت أنني سمعت شيئا ولكنه كان كمن يفكر بصوت عال، كانت صفحات راسه مفرودة أمام الأكوان تعرض كشاشات العرض محتويات من أفلام كبيرة، رأيته فيها وهو موظف في الضرائب…" (1)
ويظل الكاتب الراوي يحكي الحدث في أجواء أثيرية اطلاقية تنساب تحت تيار الشعور واللاشعور ليقربنا من طبيعة البناء الروائي للحدث وطبيعة الرؤية المركزية التي ستتخلق في عمله الروائي منذ توصيف الأحداث بهذه الصورة الروائية التي ألمحنا إليها
وعلينا أن نعي منذ الفصل الأول في الرواية فصاعدا وحتى نهايتها أن الكاتب الراوي سيوظف تقنيات رمزية متعددة ليرينا الحدث والشخصية من منظورات متعددة ، مثل منظور الحلم والمرض والكوابيس ـ والهذيان، والوحدة والشعر والتصوف ولعل إيراد الكاتب الراوي هذه العبارة علي لسان البطل في الفصل الأول من الرواية :
"الحمد لله الذي خلق العبقري وألهمه اختراع المورفين والبنج" (2) بل وتكرارها مرتين في الفصل نفسه ـ لعل ذلك ما يوحي لنا ببداية تخدير الوعي وانقسامه وظهور مستويات عديدة من الشخصيات الروائية الخارجية والتي عبر عنها الراوي الكاتب بضمير الغائب (هو ـ هم) في حين كانت جميع هذه الشخصيات ممثلة لحالات شعورية وفكرية عديدة لدى الكاتب ومعبرة عن أزمته المعقدة المتشعبة والتي أودت به إلي أسوار الجنون ودخوله المستشفي فيما بعد وبداية دخوله في جو كابوسى سريالي وستتم إدارة الأحداث والمواقف وتوصيف الأزمنة والأمكنة وتتالي الرؤى من خلال هذا الجو الكابوسي الجنوني السريالي وسوف تنسحب تقنيات رواية تيار الوعى من الآن فصاعدا على جميع المكونات السردية بالرواية وتشكيل فضائها الروائى
وقبل الخوض في عرض المكونات الروائية وكيفية تجسيدها للرؤية المركزية لدي الكاتب يجب أن نعى أن:" الكتابة السريالية تختلف عن الكتابة الفنية المألوفة في أنها لا تخضع لسيادة الأحكام العقلية أو النفسية أو الجمالية البحتة، ولا تخضع لرقابة العقل الخارجية الغريبة عن أغوار النفس اللاشعورية وهي تختلف عن الهذيان الصراح في أن الوعي يهديهما من داخل مناطق ما تحت الشعور، وأنه يضئ تلك الأعماق التي تنبعث منها رسالة اللاوعي، وأنه يركز هذا الأسلوب الجديد من أساليب الذهني النفسي في وحدة فوقيه يمتزج فيها الحلم بالتيقظ ويقوى فيها الشعور مضمونات اللاشعور "(3) ونرى الكاتب على لسان الراوى يشير إلى حقيقة هذه التقنيات السريالية من خلال رصده لحالة البطل التى هى جزء من الواقع و فوق الواقع ، و صورة من العقل غير الشائع بل المقارب لحافة الجنون ، نراه يتساءل (هل أنا مريض "(1) وعلى قدر ما يوهم الكاتب الراوى من خلال تنقلة من الحكى عن( هو) _ البطل إلى "الأنا" الراوى بصفة مشاهدا _ على قدر ما يوهم _ بحقيقة ما حدث ومحاولة مشاركة القارئ للرواية معه علي محاولة فهم ما حدث
والكاتب دائما ما يشير على لسان بطله بأنه ليس مريضا بالمعنى الحرفى للمرض ولكنه يعانى من مرض مختلف ويدخل بنا الكاتب فى سلسلةحوارات ثقافية تنظيرية عميقة حول حقيقة المرض فى الطب وفى نظرية العلم المعاصر، والكاتب إذ يفعل ذلك يدخل بروايته تخوم الرواية التنظيرية التي هي كتابة علي طرق الكتابة نفسها بل تصير كتابة على الكتابة وكتابة ضد الكتابة ومساءلة نظرية المعرفة نفسها يقول الراوي بخصوص ذلك علي لسانه
"هل أنا مريض؟ يعني لا (عبد الله عسكر) ولا (لا كان) ولا (الحاج محمد عبد الحميد فرويد) ولا (صفوان) ولا أي مخلوق في العالم قال كلمة في هذا الاتجاه ـ حتى تصير لكلماته المدونة دلالة معرفية تتعانق مع هذه الحالة وتفسرها أو حتي تدمرها،) قلت في نفس صبرك علي يا علم النفس"(2) ويظل هذا القلق المعرفي محاصرا للراوي حتى الفصل الثاني من الرواية فنراه يحاور الدكتور قائلا: "هل بالضرورة يا دكتور أن يكون كل من يشتكي من حالة مرضية أو عرضية أن يكون مريضا؟ أليس هناك افتراض ولو واحد في المليون أن يكون كاذبا؟ لماذا هذه الثقة التي تشبه ثقة الجراحيناىثقة هذه التى لتجعل ما هو متعارف عليه يغير أحواله، ثم يرد عليه الدكتور( إذا كان المريض كاذبا فعلي نفسه، ويمكن تدارك ذلك بسهولة من مقارنة أقواله جلسة بعد أخري، أما موضوع الجراحات فهذا ما استقر عليه الطب من آلاف الحالات، والحالات المخالفة تم رصدها فلماذا لا تكون هناك ثقة ؟ وهل سنجعل كل حالة حقلا تجريبيا ؟
فيرد الراوي قائلا: هل تفعلون غير هذا ؟
ثم يتركه الدكتور بعدما يتبين له أن الراوي من طينة فكرية وفلسفيه مختلفة عنه تماما أنت (تحتاج أن تشغل الآخرين معك (3)
هذه التقنية السردية عن المرض والجنون، والتي بدأ الكاتب في توظيفها في روايته من خلال هذه المناقشة التنظيرية عن المرض والجنون والوعي ـ هذه التقنية ستمثل البداية الفنية في دخول الشخصية الروائية عالمها السريالي التعبيري من جهة، كما ستمثل مستوي الوعي المثقف المتسائل لدي البطل علي طوال روايته من جهة ثانية ،وذلك من خلال التحامه بالجو الثقافي والسياسي والحضاري المحيط به ذلك العالم الذى يقع الراوى أسيرا له وسيفيد الراوى كثيرا من تقنية الجنون وعلاقتها بتقنية الحلم فهو بطل ينتمي إلي رتبة المثقفين أصحاب الرؤي الخاصة للعالم، ولعل المساءلة التنظيرية للراوى لمعنى المرض ومعنى الحلم من خلال مناقشته فى سرده الروائى لهؤلاء العلماء المميزين في علم النفس بكافة توجهاته تفتح الباب واسعا في هذه الرواية لمساءلة العلاقة المأزومة بين النظرية والتطبيق في نظرية المعرفة المعاصرة سواء كانت هذ ه النظرية علي المستوي العلمي التطبيقي (1) أو علي المستوي العلمي الإنساني ـ أي العلوم الإنسانية (2)، فقد قرأنا الكثير من الجهود العلمية الإنسانية المعاصرة بصدد التطويرات النوعية الحاسمة لنظرية العلم في شتي فروع المعرفة وثمة كتب رائدة تناولت هذه الأزمة العلمية في شتي التخصصات لعل أهمها خطورة فيما نري كتب الفيلسوف الأمريكي المعاصر " فيرا أبند " الذي حاول أن يدخل الجانب الاجتماعي والإنساني معيارا أصيلا في الحكم علي علمية العلم وموضوعية المعرفة حتي في أدق العلوم التطبيقية بما فيها الرياضيات البحته (3)
إن الراوي عندما يفتح هذا الباب في حواره علي لسانه بينه وبين الدكتور كان يؤسس تصورا فكريا فلسفيا لما يمكن أن نسميه جدلية بين أدب النظرية ، وأدب الواقع، أدب الاصطلاح وأدب الجسارة، أدب الإحاطة والشمول وأدب الاختزال والثبات ومن ثمة فهو يطرح رؤية فكرية أكثر تطورا ورحابة وبالتالي أكثر حرية وموضوعية في تناول زاوية الرؤية إلي العالم وهو الأمر الذي سينعكس علي طوال الرواية علي المستوي الجمالي البنائي التجريبي والمستوي الفكري الرؤيوي. ولعل إقامة هذا الحوار عن الجنون والمرض والعلم مع الدكتور من جهة الرواى ومسائلة نظرية المعرفة نفسها كان حيلة روائية طريفة كل الطرافة يرسلها الراوي في بداية روايته بذرة أولى ولكن سيتم تخلقها علي طوال البناء الروائي ولنا أن نعلم أن الروائي عندما ساءل "لا كان ـ صفوان" كان يسائل مفكرين كبيرين رائدين علي مستوي العالم في تناول العلاقة بين النظرية والتطبيق أما إشارته الساخرة إلي فرويد بتغير اسمه إلي "الحاج محمد عبد الحميد فرويد" فلعلها إشارة إلي إسقاطات وعى النظرية العربية فى الفهم والتحليل على النظرية الغربية بما يعس نزعة تقمصية جامدة يحركها اليقين المنغلق ولا يحركها الحوار المنفتح . ولقد أشار الراوي في إشارة ذكية من خلال محاججته لهؤلاء الأعلام إلي أن النظرية دائما هي وثوقية ثابتة مختزلة للواقع ومن ثمة فهم يتكلمون عن المرض فقط، بينما الراوي من خلال مساءلتهم وعدم استنامته التامة لنظرياتهم ـ يحاول أن ينحاز للصحة وليس المرض أو للواقع الذي هو أكبر من النظرية ـ أو ربما يريد الراوى أن يقول لنا أن الركون إلى الواقع المؤسسى مرض والقدرة على الحلم هى الصحة أو بتعبير محمود درويش ( الحلم أكثر واقعية)
ولعل الرجوع إلي أستاذ كبير في علم النفس مثل يحي الرخاوي يعاضد من أزر رؤية الراوي بصدد رؤيته فى تعريف العلم، إن العلم هو "فعل العلم وليس مجرد النظر العلمي فيقول" حقل العلم هو فعل إنساني كلي يتميز أساسا بفلية نوع من التفكير يتصف بالتسلسل المنظم من الملاحظة إلي الغرض إلي التحقق إلي المراجعة إلي التكذيب إلي فرص التوسيع إلي. إعادة صياغة الفرض (الفروض) وهكذا باستمرار، وكثيرا ما يسمي فعل العلم باسم" التفكير العلمي" وقد قصدت استعمال كلمة " فعل" هنا قصدا، حتى أنفي أنها عملية تنظيرية معقلنة فقط" (4)
إذن لم تكن تقنية المرض والجنون سوى نوعا من التجريد البلاغى بالمعنى البلاغى القديم ليتمكن الراوى من خلق حدثه من خلال الحفر فيما تحت تيار الشعور وسيمثل الحدث مجموعة تفاصيل دقيقة متعددة من الشعور والأفكار والتصورات والرموز بما يؤكد (سمة اللاحدث) في الرواية التي تقدم لنا كما سبق أن شاهدنا المحتوي الذهني للشخصية الروائية
ومن الآن فصاعدا عبر مكونات الرواية كلها سينساب هذا التيار النفسي الذهني في أعماق الشخصيات والمكان والزمان والأحداث، ودائما سوف يرمز الراوي للبطل صاحب الوردة الحمراء كأحد مستويات وعيه هو والكاتب الراوي يصرح أن شخصية صاحب الوردة الحمراء والكتاب الجلدي الملفوف "يخدمنا باعتباره "شاشة" تعرض عليها المادة في هذه الروايات (1) " وهذا مايقرره روبرت همفري بخصوص توظيف رمز الشاشة فى عرض رواية تيار الوعى.

1. اللاحدث والجو الكابوسي:

2. ينقل الكاتب الراوي في الفصل الثالث من الرواية إلى المستشفى وهو مكان خاص سوف نيقله الراوي من حدوده الجغرافية الخارجية ليكون امتلاءا رمزيا لحدود المكان النفسي الكابوسي الذي يتيح للأحداث التفصيلية أن تتري ذرافات ووحدانا عبر جو كابوسي مفزع ومنذ اللحظة الأولي يفصح الراوي عن هذه، المفارقة بين الخارج المستشفي "ذلك المبني الذي هو الهدوء"(1) وبين الداخل النفسي للراوي السارد المشارك " كان داخلي يغلي من معرفة قديمة لا أساليب إخضاع المريض بالعنف"(2) ومن خلال تسلط الخارج (المستشفي) القادر علي الربط والتعليل والتفسير وكل ما هو عقلي غليظ ينكمش صوت الداخل الرهيف الأثيرى لدي الراوي الذي يصير "خرقة مبلولة مفروشة أمام هذا السطو الداخلي) كما يصور الراوى وما تلبث أن تنفجر الذاكرة لدي الكاتب الراوي وتبدأ التداعيات الحرة والمنولوج الداخلي بنوعيه المباشر وغير المباشر في تصوير الحدث الكابوس.

ومن المعروف أن التعبير الكابوسى اتجاه أدبي ظهر بصورة عميقة لدي الكاتب التشيكي" فرانزكافكا" وبدأ ينتشر في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين وهو يعني " تصوير الجو غير الواقعي بصورة تبدو واقعية للغاية. وهذا أشبه بما يحدث في الكابوس حيث نعاني أحداث لا يمكن تحملها لغرابتها ومع ذلك تقع فعلا وهذا الجمع بين النقيضين هو ما يميز الكابوس" (3) إذن يخرج الجو غير الواقعي مخرج الواقعي ويكن بمنطقه النص السردي في الرواية نفسها إذ يظل المنطق الفني الجمالي مغاير للمنطق الواقي العقلاني. ونري الراوي يرسم الحدث في جوكابوسي خانق:
" دخلت المستشفي …. صوت ذلك المبني من عمق الأشياء ليقطع حبل اتصال التفكير ولكن يفجر مناطق كثيرة بالذاكرة … تركت الموظفة وهممت خارجا ولكن اليد التي امتدت وشدتني من ملابسى بالتأكيد لم تك يد شيطان، ولكنها يد آدمي أدمىأنف الشيطان وكسر عظامه في منازعاتهم / سحبني من قفاي كلعبة في يده … ( دوتصيم كلا خم لعسق براشوت) (4)
… (بعد خلع الملابس وقبل الاستحمام أدخل كل واحد منا فى حلقة وسط متحلقين لا وجه لهم لكن لهم أيدى بها كرابيج، وبدأ الجلد، و لا أى صوت منى و لا من غيرى حتى كفوا وحدهم حسب الأوامر التى تسير المكان"(5)
هنا التركيز على التفاصيل الصغيرة فى مشاهد خالية من الحدث يؤدى إلى توجيه مسار النص السردى إلى رغبة الراوى فى نقل البطل من الجو الخارجى و كل ما له علاقة بالمتبع و الشائع و المتفق عليه و هو هنا ما يمثل المؤسسة المستشفى والقائمين عليه والمخزن رموز التسلط و العنف و الاعتداء_ و يتم دخول
البطل إلي العالم النفسي الداخلي من أجل إقامة جدل خصب ومثير مع كل ما هو شائع ومألوف لنكشف مدي زيفه وجبروته وكابوسيته المريعة التي تصل حد " الفانتازيا" المتحررة من قيود المنطق والشكل والمطلقة لسراح الخيال العنان يندفع كيف يشاء بما يناسب المنطق البنائي الجمالي للحدث والشخصية.
ثم يمعن الراوي ليصور الحدث عبر زاوية أخري ليدفع به إلي الحد الأقصى من كابوسيته ودلالته في آن واحد فنراه يوظف تقنية " التداعي الحر" وعن طريق هذه التقنية سيستطيع الراوي المشارك عبر ضمير الأنا أن يترك نفسه كمريض في المستشفي لتداعي الأفكار والصور والحوادث الشخصية بما يتيح له أن يصل إلي سبر أغوار النفس البشرية، ذلك أن تقنية التداعي الحر تسمح للراوي بأن يفتت مستوي الوعي المألوف لينغرس في أسرار الوعي اللاشعوري القادر علي تعميق الدلالة المركزية للرواية عبر بنية الحدث والمكان الزمان فالراوي في أسر شديد من الجهات الرسمية والمعنية التي يرمز لها بالمستشفي والمؤسسة والمخزن وسوف يطلق لبطله العنان جموحا عتيا ليكشف عن طبقات المخزون النفسي المتراكم فى قاعه الروحى وما يراه من رؤى وما تسترسل به أفكاره دون قيد أو شرط ودون توجيه أو إشراف من سلطة العقل الواعى ونستطيع أن نلحظ مدي توفيق الراوي في اختيار اللوحات اللاشعورية والتصورات الفكرية النفسية القادرة علي إنماء الحدث بصورة بها كثير من الجدة والطرافة يقول الراوي علي لسانه مصورا ما حدث "
أنا عبد العال ياكلاب، كلما تعاملت مع الناس زاد احترامي لكلابي … الميدان خاو تماما وتباشير الفجر في الطريق سرت معها في مثل هذا الوقت في شارع كورنيش النيل، وكانت تبكي أغني لها والباعة السريحة يقعون في شباك النوم فيمسكونهم من أنوفهم بعناوين الجرايد وأخبار الصباح فيغطون في قاع الشبكة غارقين في النوم " (1)
ثم ينتقل الكاتب / الراوي ليصور في صفحتين أعمق لحظات الهذيان والهلوسات الخالية من أي معني في الصفحة الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين ـ لنفهم من خلال هذه اللغة الكابوسية أن ما تم من أحداث كانت كشفا عن المحتوي النفسي والفكري للبطل المجهول الواقع في اسر فتنة لا تطاق ونري اللغة فى هذا المشهد تنحل عن منطقها في الترابط وتتخلى عن أبسط قدراتها فى الإفهام والتوصيل ونري المجاز في أعلي صوره كثافة من الكلمة فالجملة فالتركيب بما يتيح للراوي القدرة على الكشف العميق عن زيف وعبث المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية الآسرة للمكان والزمان والبطل والحدث نفسه، ففي وسط هذا الجو الخانق تفقد الحواس قدرتها علي الاستيعاب والفهم ويطيش العقل في فهم ما جري ويجري، وتصاب اللغة بالشلل الإفهامي بمعني إنها تصير عاجزة عن التوصيل والتواصل وهذا ما نراه عبر مقاطع كثيرة في الصفحات التي أشرنا إليها آنفا، ليصير الشلل الحياتي الاجتماعي موازيا للشلل اللغوي بل يلمح الراوي بنفسه إلي تعطل اللغة عن الإفهام والتواصل والإبانة فهو كثير النقدات الذكية لهذه الفكرة الجوهرية من خلال الجوالعبثي الكابوسي، حيث تتحول اللغة بصفتها معادلا للوجود الإنسانى تتحول إلي كابوس قاهر معادلا للفراغ والسحق والتدني والسطو الثقافي علي أجمل ما في وجودنا الفكري والنفسي، وإذا كانت اللغة "كنظام من الكلمات" تتجلي لدي روائيين آخرين كبطل حقيقي كما في رواية "اللجنة" لصنع الله ابراهيم و"المحاكمة" لفرانز كافكا، فإن اللغة تتجلى في "فتنة الأسر" هي صانعة الحدث والبطل والمكان الزمان بصفتها تمثل تيارين متناقضين بين الدلالة الظاهرة والباطنة من خلال انقسام الوعى لدى الراوى ومن خلال هذا الجدل الدائر بين ما هو خارجي زائف مدشن علي الخداع وما هو داخلي ثائر حقيقي استطاع الكاتب تفكيك المنظومة اللغوية الثقافية بصفتها سلطة أيديولوجية قادرة علي أسر الإنسان وأسر جميع محتويات روحه وفكر" لصالحها إن المحامي في رواية "المحاكمة" لكافكا استطاع أن يوقع (ك) في خسارة فادحة لأنه خسر قضيته لغويا بعد أن فشل في إقناع المحكمة ببراءته، ومن ثمة ينسحق البطل أمام الحجج التي قدمتها المحكمة مما جعله يعيش في حالة من الاستلاب اللغوي، والراوي في "فتنة الأسر" نراه يقع في حالة مماثلة بل هي أشد فداحة من حالات الضياع الوجودي اللغوي حيث يتم ممارسة أقسي ألوان التعذيب ضد ذاكرته حتى يصاب بالجنون وانفصام الوعى ويتم أخذه إلي المستشفي يقول الراوي في الفصل الثالث من الرواية علي لسان البطل المجهول وهو المعادل النفسي للراوي ـ بعد إفاقته وعودته من المستشفى
"كنت أثناء العودة غارقا فيما حدث فأزاح السائق الستارة قليلا حتى يشاهد الناس الرعاعُ الكبارَ ـ والكاتب يتعمد ضبط الفاعل والمفعول منعا من الالتباس الدلالى فى الجملة ولكنه يؤكد هذا الالتباس فى الوقت نفسه فدائما الفن قادر على تحرير الدلالة من حرفيتها ويكون النفى اثباتا وتكون الرغبة فىعدم الالتباس على المستوى اللغوى التركيبى فى عبارة الكاتب وحرصه على الضبط الإعرابى كل ذلك يعرب عن لغة لاتعرب بل كفت عن الإبانة والإعراب وانشغلت بالطمس والتدليس والتشويش يؤكد ذلك التركيب اللغوى للجملة السابقة إذ يأتى الناس الرعاع فى سياق ( الفاعل)) والكبار يأتون فى سياق المفعول هذا على المستوى التركيب النحوى الظاهرى ولكن ما تقوله لغة الفن أعمق وأخصب مما تقوله لغة النحو الحرفى إذ ينقلنا الكاتب من نحو الفن إلى فنية النحو حيث تنقلب المعانى والمقاييس والمعايير ويكون من هو فاعل فى الظاعه مفعول به ومنسحق على وجه الحقيقة ومن هم مفعول بهم على مستوى الظاهر هم القاهرون الآسرون المتسلطون وتلعب الستارة التى تغطى السيارة رمزا جميلا دالا وسط هذا العالم القائم على الخداع والتسلط وكان الكاتب يزيح الستارة ( حتى يشاهد الناسُ الرعاع الكبارَ) ـ الذين يفكرون لهم صباح ومساء ولا يجدون وقتا للراحة ـ ثم نراه يضع بين معقوفتين ـ عرفت هذا من السائق بالتكرار / كما أنه ليس سائقا لكن (سائق) بمعني يدير الأمور ويتحكم فيها أي يسوقها، فالكل مساق (والتفت الساق بالساق إلي ربك يومئذ المساق) (1) وسنقف هنا وقفة قصيرة عند تحليل الكاتب للفعل "ساق" ومشتقاته (سائق) ثم التداعيات النفسية والروحية في آي الذكر الحكيم: " والتفت الساق بالساق" محاولين ربط هذا التهديم اللغوي في نهاية الفصل الثالث من الرواية بما جاء في بداية الفصل من تهديم لغوي مماثل في كلمة (المحلل) الذى يشم الكاتب منه رائحة (الزنا) والتآمر هذا المحلل الذي زج به إلي المستشفي لتلقي العلاج الكيماوي حيث يقول الراوي المشارك بضمير " الأنا": بينما التقابل مع المحلل/ لفظ غير محترم له رائحة الزنا والتآمر/ وجها لوجه … يتلقي إجابات من خلال أسئلة… يكون هو القادر علي الربط والتفسير والتعليل والتحليل) (1) فإذا حاولنا ربط هذين التهديمين أو قل التفكيكين بتفكيك لغوي ثالث جاء في الفصل الثالث نفسه عن معني المؤسسة التي يعمل بها الراوي علي طوال قصته في قوله: " وافتتحت ووضعت حجر الأساس رغم أن اسمه " سمل" الأساس " (2) هذا التهديم اللغوى من وجهة نظر الكاتب هو من المظاهر التجريبية فى الإبداع اللغوى وأستطيع أن أطلق عليه مصطلح0( الهدمبنائى) لأن الكاتب إذ يهدم اللغة المتسلطة للمؤسسة يعيد بناء لغته الحميمة القادرة على التواصل مع ذاته والعالم من حوله
إن الكاتب الراوي بضمير الأنا بصفته مشاركا فعالا فى المشهد الروائى السابق من خلال الحدث ـ حدث أخذه إلي المستشفي بصفته مجنونا ـ يحاول تسليط الضوء الروائي كاشفا عن إشكالية السلطة "كجهاز تنظيمي" في علاقتها باللغة وبالتنميط اللغوي وهو تنميط وجودي فكري في المقام الأول ويحاول البطل تفكيك العقل اللغوي السلطوي ممثلا في "المؤسسة " ليعيد للغة المبعثرة المحنطة المؤدلجة حياتها الحية بصفتها حاضنة للوجود الإنساني وليس بصفتها مغربة له ومقولبة إياه، ولنحاول مع الراوي تبين مقاصده الجمالية المبدعة من خلال مناقشته التنظيرية للغة داخل السياق الروائى إذ دائما تبدأ اللغة كما يقول هيدجر علي أيدي الفنانين فهى بيت الكينونة والهوية ومعني تبدأ هنا أي تنمو بحق وتغني بحق علي يد الفنان القادر علي مساءلة مألوفاتها الشائعة التي صارت بحكم الإلف والرتابة ، في رتبة الحقائق غير المختلف عليها فما يلبث الفنان بأن ينهض إليها ثانية ليحطم الحق الذي شاع بسلطة شيوعه فقط ليعيد إلي اللغة الحق الذي يتأسس بسلطة الحقيقة وجوهرها العميق. إن الراوى يعلمنا كيف نفرق بدقة بين الفهم والاقتناع هذا هو الدرس الجمالي اللغوي الدقيق لدي الراوي والذي يحاول أن يوصله لنا وهذا الدرس اللغوي الجمالي هو درس جمالى وأخلاقى بالمعني الفلسفي الواسع لكلمة الأخلاق فدائما الحق والجمال والخير منظومات متداخلة متجانسة متفاعلة في وقت واحد، وإذ يحاول الراوي من خلال حدث دخوله المستشفي أن يقسم وعيه شقين فقد انتفع إلي حد كبير من تقنية تيار الوعي وتوظيف آلية التداعي الحر في الكشف عن جوهر الزيف في اللغة الرسمية بصفتها عنفا رمزيا مقيتا وإذ ينسحب الراوي إلي داخل المستشفي فهو ينسحب من عالم العقلاء كما شاع وهما إلي عالم المجانيين كما خطط ودبر ظلما، والكاتب هنا يشير إلي أن ذواتنا في كافة عملياتها المعرفية والنفسية والفكرية هي محاصرة رمزيا حيث " إن كل ما يحس ويسمع ويطرب له، ويلذ به، كل لوحة وتمثال ووقفة وموقف وحالة نفسية وفعل فكر هو حالة رمزوية فالألم والكره والحسد والتذكر والخيال والعاطفة هي رموز معاشة … وتفريغ الذات من اللغة الرمزية صعب … حتى لو خفف الذات إلي القمع والتعذيب الشديد وجعلناها تنسي وتفقد ما تعلمته (غسل الدماغ) من رموز لغوية " (1)
والكاتب إذ يناقش الأصول اللغوية في السياقات الروائية في روايته من خلال الأفعال (ساق ـ أسس ـ حلل) ليفككها كاشفا عن معكوساتها الدلالية تماما إذ "أسس" يساوي (سمل) وإن كان السمل هنا لإفقاد البصر وهو أمر له دلالته ليكون معكوسا لأسس ، والفعل (حلل) يساوي (زنا وتآمر) والفعل (ساق ـ يساوي دجن) فهو يؤكد أن ما اتفق الجميع عليه (لأمه الهبل) إن هو إلا أساطير الحاكمين والمتواطئون آنفا وهو تخرص شاع واستحكم وعلينا أن ننتبه إلي أن " الطبقة السائدة تحاول أن تستخدم الأدوات الرمزية في تكوين المعني بحيث تبدو لغة موضوعية كإجماع بين مختلف الأفراد، وترسخ هذا المعني الموضوعي شرطا لقيام التواصل في المجتمع الواحد وتؤسس بذلك سر سيسولجية الأشكال الرمزية، وبذلك تسهم السلطة الرمزية في النظام المعرفي وتتحول السلطة الرمزية ـ من خلال الإجماع ـ إلي سلطة أيديولوجية تمارس العنف الرمزي لتؤكد موقفها التقليدي من قمع باقي الأشكال الرمزية للفئات الأخري في المجتمع " (2) والكاتب الراوي من خلال توظيفه تقنيات تيار الوعي والتداعي الحر ولعبة الجنون / العقل في تعميق الحدث ـ حدث دخوله المستشفي علي طول الرواية كان موفقا في الكشف عن الأعماق الفكرية والنفسية القابعة في جعبة الحدث والشخصية وطبيعة المكان المحيط بها واستطاع في ذات اللحظة أن يعمق لدينا دلالة الأسر لتنداح دلالتها في جبروت صامت ينسرب كسم افاعى داخل مسام الحدث والشخصية والموقف حتى ليكون الأسر هو الدلالة الكبرى التي تنساب داخلها جميع الدلالات الجزئية في البناء الروائي كما كشف الكاتب أيضا من خلال رصده لهذا الانفصال الفاجع بين البطل وعدم قدرته علي ممارسة شيء وبين الحدث وعدم دلالته علي إحداث شيء وبين اللغة وانفصالها المخاتل عن الإفصاح والدلالة ـ كشف من خلال رصده لجميع هذه الانفصالات البنائية عن تجربة اغترابه العميق من حيث هي "هوة فادحة بين الواقع والماهية، بين الواقع والإمكان حيث تقف الذات حائرة علي تخوم عالمين ، عالم متبرمة به ومغتربة فيه وملزمة أن تحياه، وعالم تصبو إليه ولا تلحقه " (3)

3. التجريب في الشخصية:


يري " دعاة الرواية الجديدة أن الشخصية التقليدية في الرواية الكلاسيكية تنتمي إلي الماضي أما عصرنا علي حد تعبير( جرييه) فهو عصر الرقم.—[ وعلينا أن نلاحظ أن الكاتب لم يذكر اسما واحدا على طول روايته لأحد من شخوصه بل كان يقدم نقاطا فارغة لتحدد هيئتهم- ]وليس الاسم" (1) إذن الشخصية في الرواية الجديدة تعبر عن واقع جديد، من الممكن أن نطلق عليه واقع الأسر حتى الامحاء إن صح التعبير فالجميع إما آسرا أو مأسورا نائمون فى الجحيم مشدودون إلي هذه العجلة العصرية الآلية التي تسوق الجميع، فلا بد إذن أن تأخذ الشخصية الروائية سمة هذا العصر شكلا ومضمونا، فهي شخصية مغتربة علي كافة المستويات أو قل كما عند راوينا في روايته (فتنة الأسر) شخصية مأسورة علي كافة المستويات أو بتعبير المؤلف علي لسان الراوي
"وتذكرت أنني أعيش في الحي رقم 27 المربع (نسيت) / بمعني مأسور بما أنا فيه أي واقع تحت أسره" (2) ولا يخفي علينا تفرقة الراوي علي لسانه بضمير " الأنا" بين الفعل المضارع أعيش بمعني التدفق الحي لدماء الحياة في شرايين الكائن الحي الفاعل المنتج وبين (مأسور) اسم المفعول فاقد الفاعلية والمنزوي في رقم (27) وليس بيت بصفة البيت شكل الكينونة والاستقرار
إذن نحن أمام شخصية مأزومة وليست شخصية تقليدية تعاني أزمة عارضة تعاركها لتستشفي منها بل هي شخصية مأزومة متأزمة تمارس حل وجودها داخل المستشفي الذي يعد رمزا روائيا كبيرا يرد هو والمخزن والصحراء والرغبة فى التبول والميل إلى العري علي طوال الرواية مومئا إلي طبيعة المجتمع وحدوده المكانية والزمانية التي تتغلب عليه فى صورة الهذيانات والهلوسات والأحلام الكابوسية والإصابة بالجنون تم الاغتراب علي كافة الأصعدة وهو الموازي لفعل الأسر وفتنة الطاغية طوال الرواية.
والكاتب سوف يقدم لنا شخصيته الروائية التجريبية من خلال ثلاثة أنماط هي: النمط التعبيري والنمط الكابوسي والنمط المريض وكل هذه الأنماط له علاقة جمالية وفكرية بالأخر ، وإذا لا حظنا أن الكاتب يصرح علي لسان محاوره المجهول ـ وهو غالبا صوت السلطة القاهرة ـ موجها الخطاب للراوي
: "المهم عشت أو مت لن تكون بطلا ، فأنت عشقت السلطة أنصحك بالرجوع إليها / فهم سيتخلصون منك بمعرفتهم " (3) ثم لنتأمل هذا الحوار المكثف الذي أورده الكاتب من خلال تقنية السرد الكثيف الذي يفيد من تقنيات سرديةعدة أهمها اختفاء السارد وتواريه إلي أقصي حد لصالح الحكاية وتوالي الأحداث عرض نفسها بنفسها دون أن يشعر المتلقي بوجود الوسيط السردي" (4) يقول الكاتب مصورا الحكاية علي لسان الأخر ـ ربما يكون السلطة ـ أو المؤسسات الرسمية :

- (أنت لن تترك المستشفي أنك لم تكن في منصب ما طوال حياتك ولم تكن صاحب سلطة.
- لا أنا كاشف أشياء لابد أن يعرفها الناس
- ناس من ، أمازلت تتذكر (يارب بلدي وحبايبي) والمجتمع والناس هؤلاء ماتوا منذ زمن طويل
- أنت لا تفهم أي شيء وتريد أن تعكنن علي.
- هل تعرف من أنت ؟ إذا كنت قد جئت إلي هنا بخمس شخصيات إلي الآن لا أعرف من أنت فيهم ؟ فما جدوي وجودك، ثم إن ما تعرفه يعرفه من بقي علي قيد الحياة بعد التجارب الذرية واليوارانيوم المخصب الملقي في العراق بأموالنا علي أراضينا غضبنا أم رضينا.
- تريد أن تكون أنت العارف بكل شيء والقادر والمهيمن والذي تسبق الحوادث وتعرف ما سيحدث لسنوات قادمة / أنت بذلك تفسد الرواية / فلم يعد المؤلف هو ذلك القدر المهيمن صاحب الأحكام الكلية الجازمة (1)
في هذا المشهد الروائي يرسم الكاتب ملامح بطله بصوره تنظيرية مما يجعل الرواية ـ كما قلنا أنفا ـ تدخل في إطار الرواية الجديدة "التي لا تقوم علي عنصر السرد الخالص، ولكنها تجمع داخل مساحة النص السردي العناصر الحكائية إلي جانب التنظير" (2)
ومن واقع هذا الحوار نلحظ بأن البطل في الرواية يقوم بدور "اللابطل" ويعكس هذا "اللابطل" وكما يصوره الكاتب علي طوال ممارساته ومواقفه وأحداثه وتنظيريا في المشهد السابق، يعكس "اللابطل" طبيعة الشخصية في هذه الرواية فهي شخصية تعبيرية نابعة من طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية والحضارية المحيطة بها، واقع مغترب وشخصيات مغتربة مأزومة مقهورة تعاني الانقسام والجنون اقصى حدود زمانها أن تقهر وأقصى حدود مكانها المستشفي وأقصى حدود فعلها وممارساتها الحلم وجميع هذه الملامح لصورة اللابطل تعكس كما يري" ألان روب جرييه" " الشخصية ـ الرقم حيث تراجع البطل / الفرد عن دوره الأساس في صنع الأحداث فبدلا من أن تصبح الحوادث من صنعه ـ يصير هو مادة قابلة للتشكيل عن طريقها. بصورة يغدو فيها البحث عن طرائق سردية جديدة هو الحل الوحيد لبقاء الرواية معبرة عن أفرادها الذين تحكي عنهم. فالرواية ـ اليوم ـ تبدو آيلة للسقوط بعد أن "تخلي عنها سندها الكبير ـ البطل فإذا لم تتماسك من جديد فذلك لأن حياتها كانت مرتبطة بحياة مجتمع انتهي تماما، أما إذا استطاعت أن تتماسك فإن هناك طريقا جديدا يعدها باكتشافات جديدة" (1) وقد استطاعت الرواية الجديدة أن تعبر عن مجتمع مغاير تنقد مؤسساته ، وتقلب مسلماته، وتندس في خفاياه حارثة الزوايا الداخلية فيه بطنا لظهر، وكان معظم ذلك عن طريق البطل "اللابطل" وهو الفرد المغمور الذي يعاني من أزمة طاحنة
وفي روايتنا "فتنة الأسر" وجدنا الكاتب صلاح والي يرسم شخوصة المريضة الوحيدة عبر تقنية تيار الوعي والتداعي الحر ليكشف عن مكنون هذه الشخوص، أو مكنون بطله نفسيا وفكريا وكانت فكرة المرض والجنون أداة فنية في يد الرواي استطاع بها أن يشرخ وعي بطله فاضحي متخبطا بين وعيه ولا وعيه على السواء يري الحقيقة فى جدلها مع الزيف والوهم ويرىالواقع بكافة زيوفه عبر وجهي الظاهرو الباطن، وصورتي العقل والجنون وطبيعتي الرمز وما يرمز إليه إن هذا البطل المنقسم هو من زمرة المثقفين الذين لا ينتمون إلي الواقع الاجتماعي المحيط بهم في صورته المؤسسية بل هم خوارج العصر الحديث لا بالمعني الديني ولكن بالمعني الفني والفكري هم خارجون عن الشائع والعام وكل ما هو مؤسسي، وهم لا يصدرون عن رؤية الثقافة والرسمية وإنما يصدرون عن ضمائرهم الثقافية المشحوذة بالوعي والاغتراب انهم يحاولون أن يفارقوا الفهم إلي الاقتناع، والمعرفة إلي اليقين والواقعي إلي الحقيقي، وبطلنا في هذه الرواية يعاني من جميع هذه المحن والفتن النائمة علي خطوط المتشابهات، هل يندغم مع الواقعي أم ينسجم مع الحقيقي ؟ هل تنغلق ذاته في حدود المفهوم والشائع أم تنزلق إلي رحاب المساءلة والاقتناع ؟ إنها الفتنة بل هي "فتنة الأسر" بالمعني الفلسفي العميق وفي كافة الاتجاهات الوجودية ، هل كان الكاتب يريد أن يقول لنا من خلال بطله إننا نعيش الوجود المقلوب فأراد أن يفقد بطله الوعي العام الشائع ويدخله في رحاب الوعي الخاص المحير الصعب من خلال تقنيات روائية متعددة ؟ ‍‍!
هذا ما حدث فعلا علي لسان البطل المجنون، ولننظر إلي طبيعة جنون هذا البطل الذي يقول مناجيا نفسه: " أنا أحب أن أسير في الشارع وحدي وأعمل مع نفسى جلسة صلح" (2) ثم ينتقل الحوار من التعبير بالأنا إلي التعبير با "الانت" بعد أداة الاستدراك
"لكن هل بالضرورة يا دكتور أن يكون كل من يشتكي من حالة مرضية أو عرضية أن يكون مريضا ؟ (3) فإذا أضفنا إلى ذلك أن البطل مصاب بعقدة اشتهاء المحارم فهو يشتهي عمته، ثم يعود البطل متسائلا مرة ثانية "لم أعد قادرا علي زيارة الدكتور، لماذا يريد أن يجعلني مجنونا أو كاذبا علي احسن حال" (1) ثم يدخل المستشفي رغما عنه بدعوى أنه مجنون وعندما وصل للمستشفي يسأله أحد المسئولين به ـ والكاتب دائما لا يحدد أي شخصية من الشخصيات المتحاورة لا اسما ولا مضمونا ـ
- ما هي المشكلة التي هربت منها هنا ؟
فيرد البطل علي لسان الراوي (أنا مريض فعلا)
وعندما يدخل البطل المستشفي يسرد علينا طبيعة وحقيقة هذا المكان "قد عثرت بالصدفة علي مكان يكاد يكون من وضوحه أنه لا يري ، وعليه حركة قليلة له باب له صفة العقلاء، كان الباب صامتا جدا وعاقلا جدا" (2)
ثم يقول في موضع آخر عن نفسه:
"وجدتني بالمستشفي كمريض كما قال لي الشخص الذي انحني علي لحظة الإفاقة " (3)
من واقع هذه المشاهد والصور التي قدمها الكاتب علي لسان بطله مستخدما تقنية " الشكل التراكمي" أي حشد الصور وترتيبها علي نحو يذكرنا بالمونتاج السينمائى نلحظ هذه الجدلية المربكة بين العقل والجنون لدي البطل فهو في البداية يستنكر أن يكون مجنونا عندما قال له الدكتور إنك لمجنون ، ثم ينتقل إلي المستشفي قهرا ويعترف هو بأنه مجنون فيقول (أنا مريض بالفعل) ثم عندما يفيق مما حدث له يقول عن نفسه أنه وجد نفسه بالمستشفي "كمريض" ولنتأمل هذا التعبير التشبيهى (كمريض) الذي صدر عن أحد أفراد المؤسسة الذين زجوا به إلي المستشفي وكأن مرضه وجنونه قد قصد اليهما قصدا بفعل فاعل ومن خلال هذا الارتباك في الموقف يفتح الكاتب أمامنا التفكير واسعا أمام هذا القلق الباحث عن حقيقة الموقف وحقيقة هذا الجنون العاقل ـ إن صح التعبير ـ ولكن ألا ينطبق علي بطلنا الذي هام بحبيبته الحقيقة حبا قول الشاعر القديم :
أعيا الهوى كل ذي عقل فلست

تري إلا صحيحا له أفعال مجنون

أو قول نزار:
لو كنت يا صديقي بمستوي جنوني
رميت ما عليك من جواهــــر
ولعنت ما لديك من أســــاور
ونمــــت فـي عـــيـوني

وربما كانت هناك هذا الرابط الوجودى العميق بين الحب والجنون فقديما قال قيس بن الملوح فى حواره مع حبيبته لبنى:

قالت: جننت على رأسى فقلت لها الحب أعظم مما بالمجانيـن
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون فى الحين

فالكاتب ينتمى إلى تراث عريق فى الجنون الجميل ودلالاته الفياضة بالرموز، التى تتدرج من ذرى الجريد إلى أنهار التجسيد

ونري الراوي يحكي عن حبيبته : " كلما اشتقت لها خاتلني ظلها أخرجتها اسما من القلب، وكومتها كومة جواهر فوق سريري أو في سريرتي فيضيء الليل والنهار وتنكسف الشمس وينخسف القمر، فيجمع الشمس والقمر وتقوم قيامتها فتحتل الكون فأسبح باسمها وأنادي (فذ لكن الذي لمتنني فيه) ارحمني منها، فقط أريد أن أنام" (1)

أتصور بعد قراءة هذا السرد الشعري البللوري الصافى الذي يسبح فى عوالم الحكي العرفاني الصوفي ـ أتصور أن تهمة الجنون الموجهة للبطل أو الذي اعترف بها البطل يجب أن نسوقها في نسق فكري متعدد العلاقات والتصورات، فقد أورد الكاتب صفة الجنون للبطل ومعها أجواء أخري كالتوابع اللصيقة بها كالجو الكابوسي والجو الاغترابي وأجواء القهر والمناجاة والتحليق الصوفي ـ أورد جميع ذلك ضمن سياق الجنون إذن شخصية البطل هنا واقعة تحت اجبار وأسر سياسي وحضاري هائل كان من جرائه أن تحولت إلي حالة لا أقول متردية في جنونها بل مختلفة في جنونها فدائما الجنون في الفن يعكس وعيا عميقا بالاختلاف ولا يكون ناتجا عن التردي في حالة الوعي كما هو الجنون بالفعل في العالم الواقعي والجنون والكابوس والانعزال والاغتراب هذه الصفات التي تشابكت ودشنت حتى أسست جنون البطل ـ تدفقا كل هذه السياقات السردية تجعلنا لانأخذ هذا الجنون مأخذا قريبا سهلا فنضعه في علاقة سطحية عكسية مع نقيضه / القاعدة / العقل بل أري مع "فوكو" أن المقابلة بين العقل والجنون عبر التاريخ البشري تمثل أحد مبادئ استبعاد ونبذ الخطاب من قبل المؤسسة ، وبرغم أن خطاب الجنون لم يعتد به علي مر العصور ولا يزال يعامل حتى الآن كخطاب مهمش وكحالة خاصة يجب عزلها عن المجتمع وإيداعها المؤسسات الطبية فإن هذا الخطاب " كان قابلا لان تنسب إليه هذه القوة الخبيئة للتنبؤ لأنه يقول ببراءة وسذاجة ما لا يستطيع العاقلون أن يدركوه فى المستقبل،وآلية الاستعباد-كما يوضحها فوكو-كانت تعمل أما على تجاهل هذا الخطاب واعتباره غير موجود،أو تفسيره وإخضاعه لمنطلق العقل"(2)
بهذا التصور نستطيع أن نرى هذا الجنون الخاص الفريد، هذا الجنون المتعمد كما يقول الراوى نفسه بأنه مريض فعلا فكما هو مطارد من قبل المؤسسة ملقية عليه بتهمة الجنون فقد كال لها الصاع صاعين فأنحى هو الآخر عليها بالتهميش والمساءلة وعدم الاعتراف بلغتها السائدة وسوف نجد الراوى يوظف مستويات عدة فى لغة السرد تقوم على تقنية التناقض والتضاد التى يبنى بها مكونات البناء الروائى من حدث وشخصية وطبيعة الزمان والمكان أما بالنسبة للمستوى الشعرى والمستوى الصوفى فقد كانا لاستجلاء الكنه النفسي والرؤيوى لبطل الرواية وذلك فى مقابل المستوى اللغوى العادى بل الذى يتدنى بتعمد من الراوى تشوبه كدورة الركاكة المتعمدة وغثاثة التعبير البليد ليكون مقابلا بنائيا للمستوى اللغوى السابق وبذلك تصبح اللغة السردية فى هذه الرواية وسيلة تعبيرية وبنائية لا تقف خارج أسوار الحكى فتصف فتكون وعاءا أو مجرد مظهر خارجى لمضمون داخلى أو قشرة الموز التى تغلف الثمرة من الخارج، بل أكثر من ذلك فإن الرواية ليس بها مخطط هندسى بنائى فى ناحية ولغة تعبر عن هذا المخطط البنائى فى ناحية ثانية. بل كانت رواية متسقة فى شكلها الجمالى بفضل هذه اللغة السردية الجيدة التى استطاعت أن تدغم المخطط الروائى بكافة مكوناته فى التعبير النبائى فكان شكلها هو مضمونها المتجلى فى هذه المستويات اللغوية المتعددة، وقد كان المستوى الصوفى والشعرى بصفتهما مفارقين للغة الواقع هما القادرين على خلق وتجسيد جدلية العقل والجنون على طوال الرواية مجسدة فى البطل والزمان والمكان والفضاء الروائى، وليس ببعيد عنا صفة الجنون التى لحقت بالشعراء قديما كما أن شياطين الشعراء وما اكتنفها من عالم أسطورى مفارق لعالم العقل، كل ذلك ليس ببعيد من فكرة الاختلاف والمفارقة عن المعتاد والشائع أو قل عن العقل الجمعى المتبع ومحاولة خلق عقل جمالي فكري بديل يضاد الأول ويسائله ، ومن هنا استطاع الكاتب أن يجسد من خلال بطلة فكرة الجنون بصفته خلقا والاغتراب من خلال مغايرته لعالم المؤسسة المحيط به رمز التسلط والحصار الاجتماعي والسياسي

في بداية الفصل الرابع من الرواية وعنوانه (لقاء الحديقة (الحقيقة) ما يستدعي لدينا من الأدبيات الصوفية التراثية وتشبيه عالم الحقيقة بعالم الحديقة أو كما يقول أحد المتصوفة في كتبهم (حدائق الحقائق) ثم يصور الراوي علي لسان بطله هذه المفارقة الموجعة بين عالم الواقع / العقل وعالم الحقيقة / الجنون قائلا:

"هل كنت مخلوقا سماويا لم يخلق كي يدوم طويلا علي هذه الأرض ؟ كيف لي أن أصعد إلي السماء وليس لي جناحان … وكيف لي أن اختفي عن أعين الناس، وهل قدر لي ألا أراهم مرة ثانية وكيف أعيش بدونهم مهما كانوا أندالا أو يحرصون علي مكاسب صغيرة تليق بمتسول… وهم ليسوا فقراء ولكن فقراء من الداخل ، داخلهم خرابات تبول فيها الفئران" (1) وكان الكاتب قد مهد لهذه المفارقة بينه وبين عالم الواقع من خلال التضاد بين عالمي العقل الزائف والجنون الخالق في ص 12 من الرواية حيث قال في نثر صوفي جميل
" الصمت درجة من درجات الصعود إلي علو الهمة واختصار الوقت ومحو مدونة الكلام وترفع فوق كل شيء حتى يبدو كل شيء أنه صغار" (2) وعلي طوال الرواية لن تتركنا هذه المفارقة الفاجعة الخلاقة بين العقل / الجنون وموازيها اللغوي الصوفي / الواقعي وفي المشهد الروائي السابق يصير البطل مثل الصوفي أجنبيا عن الخلق وعن ممارساتهم السلوكية والفكرية والسياسية وبالكلية عن لغتهم الموازي الوجودي لكينونتهم ووجودهم، وعندما يصير مغتربا عن الخلق ـ المؤسسة ـ العقل الاجتماعي المتبع ـ أجنبيا تتعطل فيه آليات العقل وتتطلق فيه فاعليات القلب والرؤي والحدوس الصوفية إنه اللامنتمي الحالم الخلاق وبذلك ينجح صلاح والي في محاولة تطويره لشكله الروائي من الغنائية الرومانسية التي لحظها عليه بعض النقاد (3) إلي الغنائية الدرامية الإيجابية القادرة التحليق والتحديق في آن وكما يري كولن ويلسون "أن الفرق الحقيقي بين اللامنتمي الرومانسي واللامنتمي الواقعي هو أن الأول يريد أن يرتفع بالأرض إلي الجنة بينما الأول يريد أن يهبط بالجنة إلي الأرض" (4) هذا ما نراه جليا في المشهد الروائي السابق ( لقاء الحديقة – الحقيقة) ودائما نري هذا الجدل الدائر علي لسان الأشخاص أو بين البطل والواقع مجسدا في مستويين لغويين متمايزين كل التمايز / المستوي الصوفي والشعري اللذين يمثلان ويجسدان الحلم/ الجنون والمستوي الواعى الحرفى بل المبتذل أحيانا ليجسد مكنون شخوص الواقع المؤسس الزائف وبما أن لغة التصوف هي لغة الرمز والإشارة والتلميح فهي لغة باطنية سرية والكاتب يشير منذ الفصل في روايته إلي سرية وباطنية بطله الذي يحمل كتابا هذه صفته "فالكتاب جلدي الغلاف وغير مكتوب عليه إلا (الكامن في العمق)… وعندما تتأمل الكتابة تجد أنها ربما تتحرك أو تتماوج … الجزء الأول مكتوب تحت عنوان / عبر المرأة في الداخل / انتشاء بالان العليا ودحضا للعقل أو أي عقال يعقل الأمور فيجعل المتكلم جبانا خائفا علي شيء ما " (5)

ثم نري الكاتب واضعا ثنائية العقل والجنون في سياق روائي آخر من خلال هذا الحوار بين بطله وبعض رجال المؤسسة المجهولين:
- لم يكن يعنينا الأمر وظنناك عاقلا، تقيم علاقات صداقة ، ولكن وجدناك تحفر وتمزج دما بدم (1) والكاتب يشير هنا من خلال هذا المشهد الروائي إلى الاختلاف الجذري بين مفهومين للكتابة أحدهما يراها تصف الأشياء من الخارج وتتعامل مع قشورها وتهادن زيوفها وذلك ما تتغياه منه المؤسسة المحيطة به فهى تريد كتابة مزيفة براقة، كتابة _ كما يصفها الكاتب فى حواره السابق_ تقيم علاقات صداقة وهو رمز كبير يلمح إلى التناقض الجوهرى بين مستويين من الرؤية للحياة أحدهما المستوى الزائف الهلامى المغترب الذى تمارسه المؤسسة وهو يتمثل فى إقامة علاقات صداقة مع الأشياء والثانى يتبناه الكاتب الجديد فى الرواية الجديدة حيث يمزج فى الكتابة بين دماء الحروف الملتهبة ودماء الروح الطامح للكشف والرؤيا من الداخل وليس الخارج
ومن واقع توظيف الكاتب للغة الصوفية يتضح لنا أن الكتابة الصوفية الموازي الجمالي للجنون الخلاق العاقل هي "كتابة بالأعصاب والارتعاشات والتوترات الجسمية والروحية … إنها كتابة لا تخضع لأية طريقة ثابتة أو مسبقة، وهي نقيض لكل ما هو مؤسسي. إنها الكتابة اللأمعيارية" (2) ومن ثمة يصير الكاتب في روايته من خلال تجسيده لجدلية العقل والجنون ـ يصير مؤسسة ضد المؤسسة، مؤسسة خلاقة متسائلة أو مجنونة بمعيار الواقع الآسن ماؤه ضد المؤسسة العاقلة الهادئة هدوء الموت والتي تستمد عيارها والحياتى والسلوكى من عقل القطيع وروح الاتباع الأعمي بحكم ما شاع والكاتب دائما حريص على أن يجسد في بطله هذا التصور علي طوال الفضاء الروائي يقول الكاتب علي لسان بطله مصورا هذه المعاناة المحتدمة بينه وبين المؤسسة
" لابد من هدم هذا المستشفي / المورستان / من أساسه حتى تفني هذه الطائفة ، آه لو تسلق أحد الحبل الواصل بين الإدارة والمستشفي ليصل إلي الجهة الأخرى ليعرف فقط ما يدور هناك وماذا يراد بنا" (3)
ثم يسرد على لسانه واقعات اغترابه ووحدته وعزلته جراء اغترابه عن هذه المؤسسة
: " لن ينفد أحد بجلده من تلك المبولة التي انهارت أرضيها فانزلقنا في خرائها

" وكم مرة ضبطني وأنا أرتب الأفراح والقهقهات وأرصها وأرتبها وأكومها بجوار الحائط في كومات حتى أخرجها متي احتجتها "
" كنت أرانى وأنا ادخر المعجزات لأيام أخري قادمة وليس ضنا بالمعجزات علي الأيام، فالمعجزات كثيرة ولكننا نأمل في أن تكون هناك أيام أخري قادمة "
" فكثيرا ما كنت أجلس في الشرفة الدائرية الواسعه ذات الأعمدة التي يعلوها التاج وتتصل ببعضها بمقرنصات من عصر / ماذا سيفيدك من العصور كلها مثل كلها / " (4) ربما يذكرنا هنا بقول الشاعلر بلند الحيدرى فى مطولته ( حوار عبر الأبعاد) واللوحة ذات اللوحة منذ العصر التركى
الملك أساس العدل وليس العدل أساس الملك
أو لشاعر أمل دنقل فى قوله مناجيا محمود حسن اسماعيل بعد وفاته مغتربا عن أرض مصر
أناديك من زمن الشعراء المماليك إلى زمن الشعراء السجاجيد
ومن واقع هذه المشاهد الروائية التي وظف فيها الكاتب علي لسان بطله تقنية المونولوج الداخلي نراه يحاول أن يفرغ المحتوي الذهني والنفسي لشخصية البطل الوحيد / المغترب / المقهور من خلال سرد ما يدور في حناياه من صراع ومشاعر وأفكار تجاه ما يراه في الواقع المؤسسة ثم نراه ينتقل عبر لغة مجازية كثيفة موغلة في تجريدها الصوفي ومحلقة في أفق شاعريتها كمقابل يضاد عقلانية الواقع المقيت

" مشاكسات الصباح بيني وبين المحبوب عنب النهدين وشهد النور ومشاكسات طائرة حمامات اللوعة والرغبة المكبوتة تخرج تخرج مقطوعة الحروف غير مكتملة … تهل البشارة من جبال الطهارة مغتسلة في ماء نهر الجوي، فارفع لواء القبائل المعترضة وأوحدها قبيلة واحدة بينما صوت الكمان يعلو بشجوه فوق كل الأشياء وتسقط في غابات الشجن، فعندما يسري صوت الكمان في العروق قطعا مدببة من الزجاج تحس بها … لانك لاتتحمل سريان صوت الكمان الطفل الذي يحمل صوت الغريب والمجروح والمأنون" (1) هذا الدفق اللغوي السابح في أجواء الصوفية وسماوات الشعر وآفاق المجاز يفتح البطل قلبه منخرطا في مناجاة نفسية شفيفة من أجل استقطاب الحقيقة ـ المواجهة مع هذا العقل والفعل المؤسسى الذي يرين بكلكله علي قلب البطل ضاربا أسداف الظلمة على الوجود كله فلا حياة ولا حيوية ولا وجود في إطار المجتمع المؤسسى يقول الراوي علي لسان أحد أفراد المؤسسة واصفا حال البطل الراوى
" أعرف أنك مشغول باكتشاف شيء ما، وكنت قبل ذلك مبهورا بانجازات العلم … ثم أفلت العقل قليلا من تحت زمام العقال، الحق أنك علوت وسافرت فاختلفت فصرت غيرهم فجئت هنا لتحمي نفسك من المجتمع"(2)
ثم يصف أفراد هذا المجتمع بقوله فى مشهد روائى آخر: (هؤلاء لا ينهارون ولا يحدث عندهم اكتئاب ولا يحضرون إلي هنا / اليسوا مجانين فعلا / لكل هذا قررت أن اصارحكم بما يحدث هنا وما حدث لي من بداية لقائي بالشخص الوردة "(3)
دائما الكاتب يتابع مشاهده الروائية مشهدا من وراء مشهد علي لسان بطله وعبر لقطات تصويرية تراكمية من خلال المفارقة بين لسان الجنون الخلاق لدي البطل، ولسان العقل الأسن البليد لدي المؤسسة ، أو بتعبير أدق لدي الأسر المؤسسي الذي يمتد عبر الرواية كلها في صور متعددة أشبه بتجليات الدنيا وصور فتنتها اللانهائية كما يقول الكاتب في سرده ببداية الفصل الخامس
" الدنيا امرأة عارية تغمز لك فتتبعها وكلما هممت ابتعدت متقلبة بفصولها الأربعة ويألف وجه، وعندما يغمرك اليأس وتكاد تلامس قرارك بالتوقف ، تكشف لك جزء من مفاتنها وتمنحك علي البعد القليل" (4) فعلي مدار الفصول الروائية السبع في الرواية سنري الوجوه المتعددة للأسر السياسي والاجتماعى والحضاري والثقافي من خلال لقطات تصويرية متراكمة بعضها فوق بعضها و بعضها يتوالد من بعض وفق تقنية المونتاج السينمائي، التى تراكم البعد التصويري ليتجسد من خلاله حركة البطل والحدث وطبيعة الزمان والمكان بما يخلق تعبيرية السرد من جهة وبنائية الرواية من جهة ثانية وتكامل الفكرة المركزية التي يطمح الروائي إلي إيصالها لنا من جهة ثالثة


4. التجريب في طرائق السرد:


النص القصص هو السرد، ولا يمكن تصور نص قصصى بدون سرد، إذ كيف نري الروح إلا متلبسة في حيوية جسدها الحي فلا وجود للروح بدون جسد لا علي سبيل علاقة الوعاء بما فيه ولكن علي سبيل تجليهما في صورة واحدة كوجهين لعملة واحدة، ولعل من البديهي أن نقول أن ثمة طرائق سردية بعدد ما في العالم كله من نصوص قصصية ، كما أن القصة الواحدة من الممكن أن تحكي بصور سردية متعددة تبعا لوجهة النظر وزاوية الرؤية التي يراها الروائي، ويتحقق السرد بكل الآليات والحيل الفنية القادرة علي بلورة وجهة نظر الروائي من جهة والقدرة علي إيصال التأثير المطلوب علي القارئ بحيث يكون " كل شكل بلاغىأو كلمة مجازية قد استخدمت لجعل السرد أكثر تأثيرا " (1) وتتسع آليات السرد لتشمل الراوي والمروي له والأشكال البلاغية وتعدد أشكال الضمائر وحشد كل ما من شأنه أن يحقق التوازن والتكامل الوحدة والانسجام والاستمرار في البناء الروائي. ودائما هناك هذا الجدل العميق بين المؤلف وشخوصه داخل البناء الروائي بمعني أن الكاتب رغم كونه صانع شخصياته إلا أنها تظل في استقلال فني ووجودي عنه، ورغم أن المؤلف هو البطل لكننا لا نستطيع أن نقول أنه يطابق بطله في الرواية كل المطابقة فالفن دائما يحمل الواقع وما فوق الواقع، وهو ما يخلق هذا الخصب الدلالي والثراء التأويلي للرواية بصورة تجعل كلا من المؤلف والبطل والقارئ في تحاور جدلي كثيف لا يكف عن الأخذ والعطاء والدلالة في نفس اللحظة التي لا يكف كل منهم عن الاستقلالية " فبعض الضمائر التي تحيل عليها الشخصية تميل في الحقيقة علي ما هو ضد الشخصية ، أي علي ما هو ليس بشخصية محددة. فضمير الغائب ليس إلا شكلا لفظيا وظيفته أن يعبر عن اللاشخصية ، لان القارئ نفسه يستطيع أن يتدخل برصيده الثقافي وتصوراته القبلية ليقدم صورة مغايرة عما يراه الآخرون في القصة"(1) وهذا التفاعل والتشابك وهذا الاستقلال والتنائي يعد من سمات السرد التجريبي الساعي نحو " التفاعل مع الجمهور وتشريكه ـ إن أمكن ـ في العمل الأدبي" (2) بل يجب ألا نعد دعوة البناء القصصي لمشاركة القارئ في فهمه ووعيه هو قوام التجريبية في الأدب فالحقيقة أنه ليس من أدب جاد خلاق وإلا كانت به هذه الدعوة الأصيلة دعوة القارئ ليكون جزءا من المعنى فيه ، ولكني أري أن قدرة البناء الروائي علي دعوة القراء للمشاركة في العمل الروائي هي دعوة بنائية وليس مجرد دعوة شعورية أو لفظية ، لان الكاتب المعاصر يصدر عن تصورات فلسفية وجمالية مغايرة في إبداعه فهو يري أن الحقيقة ناقصة دائما عندما نراها وحيدين فهي من التعدد والشراء والانفتاح والاستمرارية إلي درجة دعوة الكون كله إلى مائدة فهمها وخلقها وهو ما دعاه الكاتب الروائي الإيطالي"ايتالو كالفينو " بالتعددية في كتابه (ست وصايا للألفية القادمة) حيث يقول: " المعرفة بوصفها تعددية هي الخيط الذي يربط بين الأعمال الكبيرة لكل ممن يدعي الحداثة وما اتخذ اسم (ما بعد الحداثة) …. إن ما يميل إلي الابثاق في روايات القرن العشرين هو فكرة موسوعية مفتوحة … فهي نتاج احتشاد وتصادم تعددية المناهج التفسيرية وأمزجة الفكر في اساليب التعبير " (1)
هذه التعددية التي تظهر الكاتب متلبسا بكل شيء في ذاته وخارج ذاته هي رؤية فكرية وبناء جمالي في آن ومن ثم كنا نري دائما هذا الثراء الجمالي المتعدد الأداء في السرد لدي مؤلف " فتنة الأسر" وهي سمة تجريبية تنمو نحو الجدل والانفتاح والثراء في بناء النص، بل كان بطل الرواية نفسه علي وعي عميق بهذا التصور التنظيري داخل الرواية نفسها فقد اشرنا من قبل أن الرواية تتحول من الكلام على الكلام إلى الكلام ضد الكلام فنراه يقول علي لسان محاوره " لم يعد المؤلف هو ذلك القادر المهيمن صاحب الأحكام الكلية الجازمة ، لأنه ببساطة ليست هناك أشياء يقينية حتى الموت بعده حياه " (2) ويوظف الكاتب تقنية المونولوج الداخلي ليكشف عن الهموم الداخلية لبطله بصدد هذه المسألة النص الروائي والتجريبي وصعوبة تواصله مع الآخرين ، بل وصعوبة التواصل بين المؤلف وتجربته ووجهة نظره من خلال اللغة التى تتأبى عليه فنراه في الفصل الخامس من الرواية يورد هذه المناجاة الطويلة " رابطا بين دال الجنون ودال الإبداع بصفتها خروجا علي المؤسسة بمعناها الشامل سواء السياسية والاجتماعية أو الفنية والجمالية بمعني الذوق الجمالي الشائع
" لم تختلط الرؤيا عليّ ولم يعترك الشك بصدري لأنك أنت هناك ، كذلك لم أكن مجنونا كما يقولون ، ولكن بطيئا واثقا عدلا تجئ لي، مالئا كل الوجود تأخذني علي جواد الخيال مترف النعيم بثوب من البلايا ، فأتدفق علي الدنيا نورا ونوارا وأريجا سائلا ويبقي مني بعد المعركة كومة عظم مسحوقة ولسانا لا هجا باسمك"
والكاتب هنا يصور محنة الكتابة علي طرائق الحكي الصوفي العرفاني بصفتها واردا يأتيه فيرتقي به في منازل الخيال والحال الجمالى منازل بعد منازل خالقا هذا الجدل المشتعل بين تراب الأرض وفتنة أسرها الموحش لوجوده وبين نور السماء وقدرتها علي أن تفكه من أسر الضياع وعدم التحقق، فالكاتب هنا علي وعي عميق بهذا الجدل في عملية الخلق الفني والنص الحداثي القادر على جدل الرؤيا بين الواقع والحلم والمعاناة حيث لا يمثل هذا النص " الرؤيا الفائقة جدا ـ عند الثيوصوفيين مثلا ـ بل لا يتخلي أبدا عن ارتباطاته الحقيقية بالأرض، بالخلفية الإنسانية، بالبعد الحضاري وبطبيعة اللغة وإمكانية اللغة ولكنه يريد في الوقت نفسه الوقت الذي يدرك فيه … تفاهة تصور القطيعة الكلية عن العالم ـ أن يمارس نوعا ما من حريته " (1) حيث تنتقل اللغة على يد الكاتب من لغة الوعي الجاهز إلى لغة الوعى الإبداعى ومن خلال هذه الانتقالة الجسورة يعانى الكاتب ما يعانى وهو ما ألمح إليه الكاتب الكبير ( كازنتزاكى) بقوله ( إن المبدع يصارع مع مادة قاسية غير مرئية، مادة أسمى منه بكثير . وحتى أعظم المنتصرين يظهر مهزوما، وذلك لأن أعمق أسرارنا السر الوحيد الذى يستحق أن يعبر عنه يظل دون إفصاح ولا يخضع للإطار المادي للفن أننا نخننق داخل كلمة وعند رؤية شجرة مزهرة أو بطل أو امرأة أو نجمة صبح نطلق (آه) لاشىء غيرها يمكن أن يتلاءم مع غبطتنا وعند هذه (الآه) نتمنى لو نعيدها إلى فكرة وفن لكى نمنحها للبشر وننقذها من فنائنا الشخصى فكم ترخص عندها وتصبح الكلمات ضعيفة متبرجة مليئة بالهواء والخيال) وشاهد ما يقوله ( كازنتزاكى) نراه عند الراوي وهو يحكي علي لسان بطله في مونولوجه الداخلي قوله
"هذه قبضة التراب تعود إلي الأرض والباقي لك فما شأني بالآخرين ؟ ، صاروا حولي غريبي الأطوار، قالوا هجرت عملك ونسكت في كتبك وجننت " (2) هنا يمثل الجنون وغرابة الأطوار والتعلق بوارد الإبداع والمغايرة عن القطيع، وانتقال المؤلف بين الضمائر الثلاثة في هذه المناجاة بين "ألانا" و"الانت" و"الهم" ضافرا منهم جدلية الإبداع والاغتراب والتجاوز ومحنة التجريب ـ كل ذلك يمثل تقنيات فنية لحل هذه التناقض بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين العقل المقيت بوصفة مؤسسة متبعة والعقل الخصيب بوصفة جنونا عاقلا قادرا علي إرجاع العقل إلي رحابه الطبيعي وردم هذه الفجوة الفاجعة بين عالمي الغيب والشهادة عالم الواقع والإبداع بمعني تمزق الإنسان والمجتمع والنظريات والممارسات بين المظهر المستعلي ، والجوهر المستخفي ، ويؤكد الكاتب هذه الفكرة المركزية علي طوال بنائه الروائي موظفا لها جميع آليات السرد والقص فنراه في الفصل السادس قبل الأخير يقول في مناجاة داخلية مصورا ممارسة هذه القطيعة عن اسر المؤسسة بمعناها الشامل ليمارس جنونه أو قل حريته طالقا لخياله عنان التأسيس الجمالى بديلا عن مؤسسة "تسمل" التأسيس أصلا لبنائها إياه علي شفا جرف هار
والكاتب إذ يمارس هذا الجنون العاقل وهذا الفرار من الأسر المقيت علي أجنحة الخيال فهو لا يفعل هذا ليحمي نفسه من الواقع هربا أو خوفا وليست مجرد مضاربة يقدم عليها سعيا وراء نتائج عملية قصيرة النفع كما كان الراوي يردد دائما علي طوال روايته بل كانت ممارساته تمثل عبورا جريئا إلي ما وراء حدود العقل الاجتماعي الشائع ووراء وجوده الشخصي المجمد عبر المواصفات الاجتماعية والسياسية المأسور فيها،إن عبوره الصوفي عبر تجليات الخيال الخالق لديه هو مغامرة جمالية ومعرفية تشق اللحم العفن لجثة العقل العانس وفتنة الأسر الرامس اللذين لا خلاص منهما بدون إخصاب الحدوس الصوفية واطلاقها كفيض تلقائي قادر علي مناجزة المؤسسة في صورتها الشاملة وفي هذا الصدد نستطيع أن نصف هذا المونولوج الطويل للكاتب: " صارت الكتابة بعد التفكير فيه ،حياتي، نزف دمي، وبراح هو الجنون الذي أكابد حتى ألامس حدوده، أجنحة الخيال بعدي بكثير، كنت مشفقا عليها لأنها تبتعد كثيرا بائسة فقيرة، في هذه الحالة بالضبط يلتهمني الحريق، ويذيب عظامي وتلك منطقة جديدة " (1) ثم يعاود منولوجه الداخلي في الفصل قبل الأخير قائلا:
" ماذا لو تركوني سائرا في وغل التذكر والوحشة الحميمة ، لا ابصر إلاها طيفا، أقع ما بين الرؤيا والتصديق واقعا ومنغمسا في دوامة الشك وخندق البين بين " (2)
ويظل الراوي البطل المجنون الحالم المريض العفي يكدح في سفر ملكوت الرؤيا الصوفية ويجتاز أفق من بعد أفق وهو الموازي الجمالي لوجدان وعقل الكاتب الراوي نفسه ومن خلال تقنية المونتاج السينمائي ومراكمة المشاهد الروائية مشهد وراء مشهد استطاع الراوي أن يجسد رؤيته المركزية عبر الرواية كلها وكأني بالكاتب الراوي قد استبدل تقنية السرد " سير ذاتي " الذى ألمح إليه الدكتور محمد غنيم آنفا بالسردخيالي الذاتي كدحا في ملكوت الرؤيا بدل الكدح في سراديب الذات، إن ما يريده البطل هو : " فقط اتركوني سائرا في دغل أحزانى ومفتتحا أمام الوجد بابا بعد باب " (3)
لقد كان الكاتب الراوي هو البطل المشارك في جميع المشاهد الروائية السابقة وقد ساعدته هذه السرديات الذاتية علي استبطان نفسية بطله بشكل مباشر وقد تعددت مشاهد السرد الذاتي علي لسان الراوي المشارك عبر البناء الروائي مما أسهم إسهاما فعالا في تنمية الرؤيا المركزية للعمل وتنمية بناء القصة من داخل شخصية البطل والأحداث التي يمر بها وفيها ومنها إلي سائر مكونات البناء الروائي وقد أتاح هذا للقارئ أن يكون مشاركا أيضا مع الراوي المشارك.

ولقد تنقل الكاتب الراوي من المشهد الجنوني الصوفي إلي المشهد الشعري الرؤيوي إلي المشهد الكابوسي بوصفه الوجه الآخر لأزمته وسط الأسر المؤسسي الشامل، فقد وضحت وجهة نظر الراوي البطل في الإبانة عن وعيها ووجهة نظرها تجاه الأسر الشامل الذي تخبط فيه ، وهنا تظهر سمة "اللابطل" علي لسان الراوي يوازيها سمة الشخصيات المعدومة الهوية ( الاسم ) على طوال الرواية هذه الشخصيات المجهولة التي تناوره في لعبة الأسر وفتنته الطاغية، فنري أحد رجال المؤسسة وهو مجهول الاسم يحاور الراوي قائلا له:
- لا مكان لك، مازالت ذاكرتك تعمل نحن لا نحب ذلك
كان يرتب علي كتفي
- ارحل
ـــ0000
ثم يضع الراوي علي لسان يطله هذه النقاط الطباعية لتوازي الفراغ التام من الفصل والحركة والعقل حتى قوة التذكر فقدت لديه والحق أن الرواية تحتاج إلى دراسة جماليات الشكل الطباعى دراسة مستقلة لأنه مثل دالا جماليا بنائيا موفقا على طوال الرواية وبعد أن يضع الكاتب علامات الفراغ نراه يدخل عالم الكوابيس والأشباح الغرائبية حتى لندخل عالما أسطوريا عجيبا يذكرنا بمسخ الكائنات لدى أوفيد وروايات التحول العجائبية فى ألف ليلة وليلة وبصورة تذكرنا أيضا بالخيال الجامح لجورج أورويل في روايتيه " العالم عام 1984 " "وحظيرة ـ أو مزرعة الحيوانات " يقول الراوي في فتنة الأسرعلي لسان بطله :
" أشباحنا لا تشبه أشباحكم ولا تظهر دون إذن ولا تلبس الشيلان البيضاء، ولا تأتي تحت بطون الخيل بجوارهن الفرسان، الأجيال الموجودة تم برمجتها في أرحام أمهاتهم ووضع شريحة بها موصلات وأشباه موصلات فائقة الجودة ، بها كل ما يراد في فترة زمنية محددة لها جلود سميكة، عميان القلب، من اختير للمهام الخاصة ينامون في خيمة الأكسوجين وينقل إليهم شهريا أربعة لترات من دم بنات عذارى يبلغون من العمر سبعة عشر عاما به اكبر كمية من ألا ستروجين، فيعودون فتيان بلا ذاكرة من جنس واحد متحد " (1)

إن الواقع المؤسسي المحيط بالبطل يصل إلي درجة كابوسية فادحة تشارف تخوم الأسطورة ، إن العمق النفسي للبطل وما يعانيه في كابوسه يكشف عن عمق الموت والسيطرة والتسلط والأسر في واقعه حتى لينال الأسر الذات والذاكره وخيالها حتى خيال الذين مازالوا نطفا في عالم الغيب وهو خيال أورده الكاتب يذكرنا بقول أبي نواس ولكن في سياق مختلف حيث يمدح خليفته بقوله:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه لتخافك النطف التي لم تخلق.
ويدخل الراوي البطل المنسحق في كابوس أشد
" وجدتني في صحراء هائلة عليها ركامات بيوب وأنقاض، آدميون وكنت كلما تقدمت ينبت الدم من تحت أقدامي ، تعثرت إبهامي في عين جمجمة فصرخت …كانت الصحراء تنبت من حولي بملا يبين الهياكل العظمية التي دفنت فيها من زمن، وتخرج من باطنها مخلفات النفايات الذرية من تربة راشحة بالدم وكل شيء يتشح بالأسود من أول الرعب حتى الموت مرورا بالخوف " (1) ومن خلال هذه المشاهد الروائية الكابوسية نري الكاتب في المقابل وتحت وطأة هذا الأسر المدمر للذات وأشواقها وانهيار البناء النفسي للبطل من خلال عمق تحديقه في وصف واقعه وإفراطه في هذا التحديق نراه وقد استنبت الحلم من تشققات روحه، وانصداعات فكره، ذلك أن التأمل العميق في حركه الواقع السياسي والاجتماعي المحيط به قد أحيا الأمل / الحلم من جهته ثانية وسيلة من وسائل الدفاع المواجهة ضد الموت المؤسسي الشامل إنه كاتب يقاتل بالحلم فنراه يقول علي لسان البطل في حلم شعري رفاف مشع بالأمل كمواز جمالي للكوابيس السابقة :
" كأنها فتحت عليّ طاقات من الضياء أو سرب بنات حملنني منطرحا علي صدورهن متلمسا نعومة أجساد جرحها لمس الحرير وأدمتها أصابعي، ربما أنّات حيوانات تحولت إلي إناث ولكن لست ادري شيئا ، صاروا حور عين كاعبات ثيبات وأبكارا متدفقا من بين أصابعهن ماء الحياة، أكفهن الرحيمة روح تتراءى لاعمي فتبرؤه فيري، وهن يرفعن أكفهن البيضاء ليرفعن خصلات ذهبية من فوق جباههن فيذبن في الضياء" (1) أتصور أن مراكمة المشاهد الروائية والصور الفكرية والشعورية الحلمية والكابوسية بعضها بإزاء بعض يجسد لدي الروائي ـ فكرته المركزية وهو هذا الشعور العميق بالاغتراب الذي يحسه البطل المنسحق تحت وطأة أسر لا يطاق وتعد لغة الأحلام الرفافة هي البديل الجمالي لهذا الواقع، وكما يقول كولن ويلسون عن المغترب اللامنتمي بأنه لا بد أن يري رؤى فاللامنتمين "ينمون في أنفسهم قابليتهم علي رؤية "الرؤى" من أجل إيجاد حلول لمشاكلهم الاجتماعية والذاتية" (2)


5. التجريب في اللغة



يجب أن نكون علي وعي بأن أهم ما يميز الرواية القصيرة ـ ورواية صلاح والي من هذا النوع الروائي ـ هو لغتها المركزة المعبرة عن المواقف الأشخاص في تركيز بالغ دال فاللغة " تشكل في كثير من الروايات القصيرة جزء أساسيا في البناء الروائي وهنا اللغة ـ تدخل في إطار التجربة الإبداعية ذاتها " فاللغة في الشكل الأدبى ليست وعاء للنص بمكوناته السردية أو مجرد حاوله بل هي النص السردي نفسه بمكوناته وبدلالاته وإيحاءاته ولكن في تقطير فني دقيق " فالشكل هو وظيفة لانه يمكننا من طريقة عرض المحتوي والأساليب الفنية المرصودة،وذلك في لغة وتشكيل أدبي وبناء تعبيري وموقف من العالم كما أنه في الوقت ذاته دلالة لأنه يشير إلي تقاليد أدبية معينة وإلي فترة تاريخية محددة وإلي نموذج ثقافي وحضاري مخصوصين " (1) إذن اللغة هي كل شيء في البناء السردي للرواية لا بمعني الانفصال عما تشير إليه من دلالات خارج النص ولكن علي معني أن الفكرة المركزية في الرواية هي مضمون مجسد في شكل وليس أمام الناقد غير المضمون الظاهر أمامه أعني الشكل المتجسد في البناء الروائي وسوف ننظر إلي عناصر التجريب الروائي اللغوي لدي الكاتب صلاح والي من خلال روايته والكاتب يلفت نظرنا للوهلة الأولي إلى مستويات لغوية جمالية متعددة نبعت من الشكل الجمالي لتجربته الروائية ومنها:

البنية الشعرية في الروايـــــــــة


0شعرية الواقـــــــــــــــع
0تجاوز المتناقضـــــــــــات
0إسقاط حروف العطـــــــــف
0اللازمة اللغويــــــــــــة
0جماليات المحظوران اللغويـــــة


إن شعرية السرد الروائي لدي صلاح والي تكاد تكون خصيصة جوهرية في جميع رواياته بما يحقق للكاتب مستوي دلاليا خصيبا ، وبخصوص روايته التي بين أيدينا (فتنة الأسر) تصبح السردية الشعرية وسيلة شعرية تعبيرية و بنائية في وقت واحد علاوة علي أن الكاتب الجاد دائما يغامر في اللغة ليخلق لغته الخاصة القادرة علي تجسيد معاناته وتشكيل رؤيته بما يحقق له شعريته الخاصة غير أن السرد الشعري يصير إلي جانب ذلك ذا دلالة نبائية حيث تقع الرواية ضمن روايات تيار الوعي القائمة علي جعل أحداثها وشخوصها وزمانها ومكانها مجردات نفسية وفكرية تبين عن توجهات هموم الكاتب وجميع التقنيات الفنية الموظفة في هذا النوع الروائي مثل المرض ـ الجنون ـ الحلم ـ الكابوس ـ المونولوج الداخلي ـ التداعي الحر ـ إلي آخره لا يستطيع تشكيلها بصورة أدق وأعمق سوي البناء الجواني للغة ومن ثم كان لجوء الكاتب للغة الشعرية واللغة الصوفية ضرورة بنائية في روايته وقد ألمحنا إلي ذلك بصورة مسهبة في صدد هذه الدراسة ، ويبلغ المستوي السردي الشعري ذري بللورية شفافة نافذة في الكشف عن طبيعة الشخصية لدي الكاتب في مثل قوله محاورا الحقيقة الغائبة التي ينتظر بلوغها:
" كأن ملايين الخليقة الحسنة قد اختصرت فيك فتخمر فيك الجمال وتقطر منك الجمال ندي يشف الروح فتهتز جراحاتها لهبا مقدسا حارقا ملقيا بي في أنهار الشطح فأكابد غيابك في وجودك فلا أحد يراك إلاى، ربما كنت البذرة النقية من النور الخالص للنور وسلالات الطهر والملائكة" (1) وقد صرح الكاتب مرارا علي لسان بطله بأنه مكتشف رؤى وبأنه يكتب بالدم ويحفر في الروح هذا التصور الشعري الشفيف في سرده الروائي كان المستوي اللغوي الوحيد القادر علي تجسيد تقنيات سردية كالحلم والخيال والتجربة الروحية


- شعرية الواقع :


- ومن المعلوم أن التصوير الجمالي للتجربة له أنماطه الجمالية المتعددة ، وقد رأي علماء الجمال بعض الأنماط التعبيرية الجديدة البالغة الروعة والنفاذ في تصوير التجربة والإمساك بجوهر الواقع في أسلوب بللوري صاف عفوي خال من الصور الخيالية النمطية ، هذا النمط الجديد من التصوير يمكن أن نطلق عليه " شعرية الحقيقة" ومن هذا القبيل مثلا قول الشاعر المعري :
-
وأزهد في مدح الفتي عند صدقه

فكيف قبولي كاذبات المدائح
أو قول إيليا أبى ماضي

أيهذا الشاكي وما بــك كيف تغدو إذا غدوت عليــلا
أيهذا الشاكي وما بك راء كن جميلا ترى الوجود جميــلا

أو قول أبو تمام :

دنيا معاش للوري حتى إذا
حل الربيع فإنما هي منظر

أو قول المعري :
تشتاق أيار نفوس الورى وإنما الشوق إلي ورده


وربما اتضح المصطلح النقدي الذي سككناه أنفا " شعرية الحقيقة " من خلال الأنماط الشعرية السابقة وكاتبنا استطاع بدقته اللغوية واستقطار روح اللغة ـ استطاع أن يمسك بهذه اللحظات الشعرية الحقيقية في حياة أبطاله أو في تصوير الأحداث يقول الكاتب علي لسان البطل: " كم مرة ضبطتني وأنا أرتب الأفراح والقهقهات وأرصها وأرتبها وأكومها بجوار الحائط في كومات حتى أخرجها متى احتجتها " (1) وهو تصوير صاف خال من الصور ولكنه تعبير عميق الدلالة علي مدي الاغتراب الذي يعيشه البطل وفي سياق أخر يصف تسلط أسر المؤسسة علي أفراد شعبه فيصف ذلك في أسلوب تهكمي ساخر :
" ليس جميلا أن ننفي تلك الجهور المضنية لتوفير الغذاء الذي فاض عن الحد حتى تجد المزابل في كل الأحياء الراقية مليئة بالطعام ولا يمنع الفقراء من أخذه ، أليس هذا توفيرا وحدا من استهلاك الأغنياء " (1)
ويقول عن رمز الحقيقة " علمتها أن أقبلها مغمضة العينين حتى أستطيع أن اتنفسها " (2)

أو قوله فى مناجاة ذاته:
( وسيتسع بساط الحب يسع الجميع، وكلما تنازلت عن شىء وودعته أبديا ارتقيت درجة حتى تودع الحياة وأنت فيها)
ويصف لحظة موت الحبيبة رمز الحقيقة قائلا:
لماذا ازدادت جمالا وصارت مكتملة فى الموت،هل لأنها ذاهبة إلى باريها ولايقبل أن تمر من بوابته إلا قوافل الطيب المعتق بالجمال)
ويصف الراوى جوهر معاناته فى مناجاته ذاته قائلا
( فعندما تهتز أضلعى كنت أثبت أضلعى بأوتاد من الصبرواللامبالاة متوقعا أن تفتح كوة بالليل)
وفى مشهد سردى يبلور من خلاله الراوىلحظة الخروج من مؤسسات الأسر من خلال توظيفه رمز الناى الموازى الجمالى للذات المغتربة يقول الراوى على لسان بطله:
(وعندما تتوقف معترضة فى مسرى الدماء، تمد يدك وتعد له فى مسراها ليتدفق صوت الكمان عاليا لأنك لاتتحمل سريان صوت الكمان الطفل الذىيحمل صوت الغريب والمجروح والمأنون)

تجاوز المتناقضات :


وهي وسيلة لغوية جمالية هدف إليها الكاتب كثيرا في بناء الأحداث والشخصيات والمواقف ، وقد استطاع من خلال شحن الموقف ونقيضه أو الكلمة وعكسها أو التركيب ونقيضه استطاع أن يعبر عن مكنونات نفسية وفكرية لن يمكن التعبير عنها إلا بهذه الألفاظ وهذه التراكيب، ولقد كان الكاتب من رهافة الآداء اللغوي الدقيق مما مكنه من النفاذ إلي مكنونات الشخصيات والأحداث، ولعل الكاتب يطالعنا منذ بداية روايته بهذه الوسيلة الجمالية فيقول واصفا بطله " وكنت أتوقع أن يقع من ملابسه أو يتلاشى أو يغير ابتسامته التي لا تعني شيئا وتعني كل شيء ، كان ينظر في البعيد ربما لينظر إلي شيء ولكنك بالتأكيد لا تستطيع أن تتجاهله … ربما كان ينتظر رسائل من الماضي أو من المستقبل " (3) وهذا التصوير يقر بنا كثيرا من هذه الشخصية الكلية المطلقة التي تنداح في رحاب الأفق الكلي، أفق الحقيقة وليس مجرد إنسان محدد من لحم ودم ، بل هو شخص ينتمي إلي نور السماء وطين الأرض معا.أو هو الراوى الفنان الذى يصور واقعه ويحلم له فى آن، وعندما يصف الراوي صوت بطله المريض وهو يصرخ في آسريه كان يصف صوته بـ " كان الصوت عندما ينطلق لا تعرف من أين يأتي ولكنه يمر من صدرك ، ينطلق في أوقات غير محددة ولكن في حينها ومناسبتها" (1) وهذا الوصف علي قدر ما يحدق في قسمات محددة للبطل علي قدر ما يحلق في أفق إنساني رحيب غير محدد بعلائم معينة، وهذا له دلالة دقيقة علي أن عذاب البطل هو عذاب كلي شامل ينطلق من جميع الصدور ويعبر عن جميع عذابأتنا وهمومنا نحن القراء.
إسقاط حروف العطف : ـ
من المعلوم أن حروف العطف هي روابط لغوية دلالية تربط بين المعاني في الجمل وفق طرق دلالية مخصوصة، وقد حاول الكاتب أن يوظف تقنية إسقاط حروف العطف من بعض مشاهده الروائية وذلك لغايات جمالية متعددة وذلك للكشف عن خبيئة نفسية بطلة، أو للكشف عن سرعة الزمن الخاطف في حالة الحلم وتداعي الوعي وهو أسلوب لغوي يتكافأ وسقوط حواجز العقل وروابطه لدي الشخصية في حالة حلمها أو حالة كابوسيها. نري هذا في هذا المشهد الروائي الذى يجسد الحلم الكامن في وجدان البطل " لماذا في غمرات الجمال أجدني مقتحما أسوار الجلال كاسرا سدا من العزلة مخرجا القلب من قفص الروح داخلا ملكوتك في عمائي الأزلي سابحا في بحرك سابرا غورا بعيدا أكاد أغرق من عمق لجنك الأولي" (1) وهذا الانسياب التعبيري الخالي من الروابط اللغوية والتعالق النحوى العقلى المنتظم فى بناء العبارة يوازي الجو الأثيري الشفاف للحلم السابح عبر ديمومة حياتيه خالية من فواصل الزمن النثري فتواتر أسماء الفاعل( مقتحما- كاسرا- مخرجا- داخلا- سابحا) يمنح أسلوب الراوى هذه الخفة الرشيقة التى يراها الكاتب الإيطالى (إيتالو كالفينو) فى جماليات الكتابة لدى (ميلان كونديرا) من خلال روايته ( خفة الكائن التى لاتحتمل) المضاد الجمالى لثقل الحياة الذى لايحتمل حيث ( إن ثقال العيش متضمنا في البنى أساسا فى الشبكة المكثفة للبنى العامة والخاصة التى تطوقنا بإحكام اكثر وأكثر) فمنح الكتابة هنا هذه الخفة والرشاقة من خلال جو الحلم يكثف المحتوى ويختصر المسافات بين حالة نفسية وأخرى وكأن الكاتب هنا يكدح فى مراقى الحلم والخيال كدحا جماليا ليلاقى ذاته الحرة في مقابل ذاته الأسيرة فى سجون المؤسسة المحيطة به وكأن تصفية الكتابة من ثقل المادة فى الحلم وتصفية التراكيب والجمل من ثقل اللواحق النثرية هو الموازى الجمالى لتصفية وجود البطل نفسه من أسر المؤسسة والقيود


ونلحظ أيضا إسقاط الحروف العواطف في تصوير الراوى الجو الكابوسي الذي يعاني منه البطل الذى ألصقت به تهمة الجنون و الذي زج به إلي المستشفي ، حيث نري هذا المشهد : " تمهيدا لاشتباك الشباك في شبكات المشبك المشبوك بشبابيك المشربيات المبشنقة بالبشانق التي تدور منكشفة علي محور الساقيه خط مرج 38 ، 97 مع خط أفق الإقليم السابع 123 سيجما لمدة نصف ساعة لان من يملك .. كبير " (1) ولعل الكاتب يصور لنا وعي بطله من خلال هذه الانسيابية الكابوسية التي انفلت فيها الوعي من عقاله تاركا تداعياته الحرة في تدهور نفسي بالغ الدلالة علي فقدان عالم العقل في عالم مؤسس مد شن علي أسر العقل وملاحقة الحالمين وإيداعهم المستشفيات الرمز الدال علي القمع والتغريب ولعل حذف الروابط هنا يكون رمزا علي فقدان قوة العقل علي التواصل في مجتمع قائم علي العنف الرمزي والقهر اللغوي الذي يغرب الناس عن لغات وجدانهم وأشواق عقولهم وقد عانى الراوى من ذلك في صدر هذا البحث وما يؤكد رؤيتنا قول الراوي علي لسان بطله " أشواقي للإنسان الذي أوحشني طاغية وغير محدودة بحدود أقطع من عزلتى وأمد جسرا من التواصل ولكن لا جدوى فلغاتنا مختلفة تماما كأنما هبطت من مكان آخر، رغم امتداد جسور تواصلي مع الحيوان والنبات والجماد الكل في وحدة مطلقة " (2) وهو مشهد روائي عميق الدلالة عما أنبأ عنه آنفا من الإحساس الحاد بالاغتراب اللغوى الموازى الرمزى لوجوده العقلى والنفسى مما يشير إلى عدم التواصل الذي يعانيه البطل في جدران المؤسسة / المستشفي رموز القهر والقمع واللاتواصل

اللازمة اللغوية :

رغم أن اللازمة مصطلح موسيقي إلا أنها قد انتقلت إلي جميع الفنون تقريبا ، ولكل كاتب لوازمه للغوية التي اعتيدت عنه وارتبطت به وصارت ملمحا من ملامحه بما يبين عن أصالته التعبيرية الخاصة ، أما في حالة روايتنا فقد كانت اللازمة اللغوية فيها كما يقول (روبرت همفري) : "صورة متكررة ، أو كلمة تحمل ارتباطا ثابتا بفكرة معينة أو بموضوع معين " (1) وقد استخدم صلاح والي علي طوال روايته عبارة فيها كثير من الابتذال اللغوي وربما نراها نوعا من جماليات القبح والعبارة هي :
( أنا عبد العال يا كلاب) صفحة 28
( أنا عبد العال يا كلاب ، سأظهر لكم من كل مكان ) صفحة 30
( أنا عبد العال يا كلاب ، كلما تعاملت مع الناس زاد احترامي لكلابي ) صفحة 33
( أنا عبد العال يا كلاب ، أمامكم ووراءكم ومن فوقكم ومن تحت أرجلكم يا بهائم ) صفحة 36
مرحبا بالكلاب ، أنا عبد العال يا وساخة ، عبد العال في كل مكان الحصار الحصار يا شعب عبد العال ) صفحة 38

( أنا عبد العال يا كلاب ) صفحة 57
(صدقتم أنكم كلاب وعرفتم أننى عبد العال يا كلاب) صفحة 60
(اعتدل ، صرت كلبا مثلهم ، الكل قبض الريح باطل ، لكن أنا عبد العال يا كلاب ، عبد العال الذي لم ينحن ضاربا كل الظروف الحذاء ، ففزت بكرامتي وحريتي والعراء والجنون لكني رغباتكم المكبوتة يا كلاب ) صفحة 82
والواقع أن الكاتب قد ردد هذه اللازمة اللغوية كما رأينا علي مدار روايته وغالبا ما تأتي الجملة في المواقف الروائية الكثيفة المعاني والمأزومة سواء علي مستوي الأشخاص أو الأحداث والمواقف ولكني أتساءل هل إذا بلغت الفجيعة حد المأساة يرخص للكاتب هذا الانحدار اللغوي للتعبير عن أزمته ؟ إن هذه المفردات ـ وجدنا كثيرا مثلها لدي كتاب وشعراء كثيرين من لدن امرئ القيس وأبو نواس وبشار بن برد وابن سكرة وحتى الشاعر أحمد مطر ومظفر النواب ونزار قباني ولكن فيما أري فإن الراوي عندما كان يعاني قهر الكبت ولوعة التعذيب كان يجنح إلي تطرف مماثل في هذا السباب اللغوي المبتذل فهو يفرغ انفعالاته في " طرطشات" انفعالية غير منضبطة والفن هو القدرة على السيطرة اللغوية وكان علي الراوى أن يفرق بحسه اللغوى بين الواقعية اللغوية التى هى استقطار لروح الواقع وبين الوقائعية الحسية الفجة المختمرة فى شوب الواقع وغواشى المادة ، فليس باسم واقعية الفن أن يبتذل الفنان لغته لتصير مثل لغة الشارع ولكن الواقعية نفاذ بصيرة وعمق إحساس ونضج موهبة بحيث يتمكن الفنان من استصفاء جوهر الألم المحيط به ويجسده في شكله الجمالي وإلا فما الفارق بين لغة الفن وأي سباب فاحش يرغي ويزيد في لغوه كما يريد ؟! وكما يقول كلايف بل( أن يقفز المرء ويصيح ذلك تعبير عن النفس وإن لم يشف غلة ولكن أدخل فكرة الشكلية تجد فى الرقص والغناء بهجة مشبعة الشكل هو الطلسم وبالشكل تتحول الانفعالات الغامضة والعصية وغير الأرضية إلى شىء محدد ومنطقى ومتجسد فوق الأرض)
وكان في طوق صلاح والي وهو كاتب متمكن من لغته أن يناور لغته بصورة اكثر نضجا حتى تصفو له وترق وترخي له القياد أما أن تستقحم عليه وتناوئه وتفتنه عن نفسه فهو شىء من فتنة اللغة التى استعاذ منه أديبنا العظيم الجاحظ عندما قال( وأعيذك من فتنة القول) وما وقع فيه الكاتب صلاح والى اسميه نوعا من بغي الكلم علي التجربة الشعورية، وذلك يحدث حين يتهاوى الشكل الجمالى عن استيعاب التجربة .
ولعلنا إذا انتقلنا إلي مشاهد لغوية أخرى فى الرواية وجدنا لدى الكاتب مشاهد من التجريب اللغوي تعوضه عن عدم توفيقه السابق. وهذا ما سنجتليه فى جماليات المحظورات اللغوية فى البنية السرد ية فى الرواية
جماليات المحظورات اللغوية :
تقابلنا علي مدار رواية صلاح والي تعبيرات صادمة للذوق الاجتماعي والذوق الجمالى أيضا،بل تكون موغلة في (قرفها التعبيري) إن صح التعبير وهي دائما تأتي عند ما يصل الكاتب في وصفه لأحد شخوص روايته أو أحد حوادثها إلي درجة عالية محتقنة من الانفعال ولنتأمل بعضا من هذه التعبيرات .
فبعد أن يصور الكاتب أزمة بطله الذي يحس بالوحشة وسط واقعه الآسر في لغة شفافة عالية نراه ينحط في وهده لغوية غائرة مصوراالمآل الذي سيصير إليه واقعه إذا لم يغير ما فيه من قبح فيقول الراوي علي لسانه :
" لن ينفد أحد بجلده من تلك المبولة التي انهارت فانزلقنا في خرائها ) (1) لكن هل نستطيع أن نقول أن الواقع المؤسسي القبيح يحتاج إلي مثل هذا النوع من قوة الإثارة التي تصل إلي حد الوقاحة اللغوية لأن الوخز الخجول أوصلنا إلي ما نحن فيه لكن الدكتور مندور يري : " أن الأدب المكشوف يغلب أن تنفر منه النفس لان الحياء جمال والتبذل قبح" (2) فالوقاحة فى هذا المجال تهديم وتشويه للفكر وتحطيم لقيمته لأن "الإحساس المسرف والعاطفة المطرطشة خليقتان بأن تصرفا النفس عما تقرأ والتبذل حتى فى الإثم يذهب بالشعر"(1)
هل قبح الواقع قسا على الكاتب فأراد أن يكيل له الصاع صاعين ؟!! ويبادله قساوة تسلطية بقساوة لغوية تساويه؟!! هل الفن انعكاس آلى مرآوى للواقع؟ أم اندغام فى عمق الواقع وتجاوز له فى آن؟ المعلوم أن النص الجمالى لا يساوى الواقع ولا يطابقه بصورة ميكانيكية بل هو يوازى الواقع جماليا ويتجاوزه، ومن ثم كنا نقبل من صلاح والى هذا التعبير لو كان مثلا على لسان بطل يعانى واقعا كابوسيا فى غياب سلطة العقل، أو أثناء ممارسة التعذيب ضده بتهمة الجنون فى المستشفى وهى مشاهد تكررت كثيرا على مدار الرواية وكان فيها مندوحة لهذا الترخص اللغوى
ولكن الكاتب يوفق فى مواقع روائية أخرى حيث يصور اغتراب بطله عبر تواريخ المؤسسة جميعها فهو مأسور فيها يحس قهر العزلة والأسر فنراه يقدم هذا التصوير
:"كانت أياما طويلة نعيش فيها داخل قفص القرود تنحني باستمرار في الخنادق في الهناجر ، في الملاجئ … قليلة هي أيام الفرح بلقاء من تحب " (2)
وفي وصف مماثل لأفراد المؤسسة بما يكشف عن جوهر شخصياتهم يقول الكاتب :
" إذا كانت كل امرأة قد اختارت خرابة وحفرت فيها ودفنت الضمير ووضعت فوقه ملابسها الداخلية وردمت عليهم وأقامت فوق كل هذا ناطحة سحاب من المحكمات عن الشرف والأخلاق والضمير أيضا دون أن يهتز لها جفن قد ترتعد خشية نقل الموتى من كل هذا ، لكن الرجال والنساء هؤلاء لا تهتز لهم شعرة واحدة " (3) وهو وصف يستجلي بعمق جوهر هذه الشخصيات القاسية الفظة ومدي أسرها وتسلطها وملاحقتها لشخص مثل الراوي في رقة شعوره ونبل مقصده ، كما أن التصوير السابق تصوير أصيل مستمد من مفردات الحياة اليومية البسيطة بما يضعنا أمام جماليات تجريبية جديدة مغيرة للفخامة التقليدية الجامدة والطهر التقليدي الفج وفي هذه الجماليات الجديدة تستخدم الألفاظ العادية والثرثرة اليومية ومعهود أقوال الناس وتصوراتهم في الحياة اليومية. فإذا انتقلنا إلى مشاهد أخرى وجدنا عديدا من الرموز المحظورة التى تكشف عن جماليات القبح فى الرواية
فثمة رمز لاحق الراوي في مواضع كثيرة في روايته خاصة في الفصول الأخيرة وهو رمز الرغبة في " التبول" و(الاستحمام) و(العرى) ونحن لن نستطيع أن نتصور جماليات هذا القبح ما لم تكن مندرجة في سياقها الروائي الكلى الدال وفي علاقاتها بالشخوص والمواقف والأحداث فهي رموز ذات دلالة كبري علي مستوي الفكرة المركزية للرواية كلها ولنتتبع هذا الرمز فقد جاء في تصوير الراوي لنفسية البطل بعد أن كشف زيف المؤسسة والمستشفي رموز الأسر والقهر ثم يتبع ذلك بمقاطع شعرية خالصة وكأنها انتشاء بعالم آخر مما يذكرنا بكلام الراوى عن بطله حامل الكتاب والزهرة بأنه يحمل كتابا به الأجزاء التالية( عبر الداخل فى المرآة- انتشاء بالأنا العليا- دحضا للعقل ) :

:لا ممرض ولا ممرضة ، وحدي مع اللاشيء مسلوبا وصامد
السماء لدي السماء تسربلت خلف العمائر والمعابد
لم يبق من أحد تصادف أوتعاهد
لم تبق عمائر أو معابد
وبعد أن يصعد البطل لذرة الشعر اللبلورية المتلئلئة نراه ينغمر فى وحل الواقع ولنتأمل المشهد التالى:
ثم يتابع البطل : كنت قد أزحت الغطاء ونزلت من علي السرير متجولا بالحجرة ثم خرجت فوجدته أمامي.
- أي خدمات
- دورة المياه (1)
ألا يعكس هذين المستويين اللغويين المتناقضين كل التناقض صور التناقض بين البطل وواقعه من جهة واغتراب اللغتين لغة البطل ولغة واقعة بصورة فادحة !!
إذن الرمز هنا للتطهر من أرجاس المؤسسة في كافة صور أسرها وكنه تطهر باللغة وفى اللغة وهذه وظيفة الفن التطهير والبناء والحرية ( فالخلق والابتداع فى النشاط اللغوى أهم بكثير فى دلالته على الحرية، لأننا هنا نقوم بإنشاء عالم جديد ابتداء من اختيار عناصر معينة اختيارا متفردا متميزا، والحرية هى فى النهاية إقامة قصدية لجديد إن النشاط اللغوى دليل عظيم على قيام الحرية بالفعل لأنه مجلى للتغير والتعدد والاختيار والخلق جميعا)

ثم ينتقل الراوي في سرده في الفصل الأخير مصورا ذات الرمز قائلا :
" احتجت دورة المياه بشدة فلم أجد … وأصبحت قدرتي علي مقاومة التبول أمرا مشكوكا فيه ، أحسست أننى أغرق في دوامة عميقة " (2)
ثم يعاود مرة أخيرة الرمز من خلال وصف وضعيته في المكان الضيق فيحاور المسؤولين عن ذلك :
" عندما خرجت لقضاء حاجتي سالت الذي اصبح مشفقا عليّ متى تنتهون منى ؟ قال : عندما لا تصدر لنا الأوامر بالمرور عليك " (3)
إن المتتبع لحياة الرمز( البولى) لدى الراوى فى المشاهد الروائية السابقة يستطيع قراءة مدلولات جمالية كثير حيث يصير رمز التبول كمن يتخلص فى حياته من بقايا فاسدة علي المستوي الشخصي الخاص وهو الموازي الجمالي للتخلص من أسر المؤسسة ورموز المستشفي والمخزن وألوان التعذيب المتعددة وهو أمر يؤكد مدي التشويه الكبير الذي يصاب به المقهورين علي المستويين النفسي والجسدي معا سواء كان المقصود بذلك هو الكاتب أو من يكتب لهم وهو ما يتسق فى النهاية وعنوان الرواية ( فتنة الأسر) والفكرة المركزية المجسدة علي طوال بنائها السردي.


دكتور / أيمن تعيلب فى27/7/‏2004‏
drtealip@hotmail.com

منى عجاجي
08-16-2004, 07:10 PM
أخي الفاضل صلاح والي

وهكذا دوما تشدنا لمتعة القراءة

شكرا لك نقل هذه الدراسة الرائعة

والدخول بنا إلى ساحة من الابداع والادب الراقي

تحياتي

http://www.alsareha.net/vb/images/smilies/shosho.gifروعةhttp://www.alsareha.net/vb/images/smilies/shosho.gif