المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نبشٌ في ذاكرة الحصار/ قصة قصيرة/ لفكري داود



منى عجاجي
08-12-2004, 06:49 PM
حقيقة لقد اثريتنا بهذه القصص الجميلة والتي أبدعت في صياغتها

فكل قصة تحتاج الى وقفة طويلة لسبر البعد الانساني فيها
وعمق الحصار النفسي لكل سقوط روح فينا.

وبالتأكيد سنستمتع بكل مايقدمه كاتبنا المتميز

فتقبل جزيل الشكر

تحياتي

فكري داود
08-12-2004, 07:35 PM
نبشٌ في ذاكرة الحصار

مداولات...
أخذ ٌورد... ردٌ وأخذ...
واستقر الرأي، على أن نبدأ به- ذلك التمثال الأجرب-، ومن بعده سننال من أبدان الجميع :
موسى الأعور..
زعتر الفحل ألفة الفصل ..
وأولاد القرود تلاميذ الكفر.
أجل، لابد من جمع الحصى..
لابد لعينه السليمة أن تلحق بأختها، التي فُقدت في زمن مجهول، سيكون عبرة لكل الأصنام.
في داخلنا ينطرح السؤال المريب:
لأيّ من المهمين يكون؟!
ترتفع أكفنا الواجفة يوميا،- تعظيم سلام- ، وكأنها تخصه بالتحية...
ثمّة تماثيل أخرى، تتناثر في أركان الفناء، ولوحات فوق صدر السور تنام، ويبقى هو في المواجهة : صدر عار، وعين ماكرة وحيدة، كعين الولد موسى، تصوب نحونا، خطاً من حقد مبهم.
والولد موسى الأعور، يحتل ناصية السكة الوحيدة للمدرسـة، إلى جواره عصاه، من شجر السَّنط هي، تشير سـبّابته، إلى جوار العصا نصنع - أنا وعُمـر وعصـام - صـفاً مرتبكاً، تجوس أصابعه، ببطون حقائبنا الحُبـْلَى، تحصد الأرغفة الملطخة، بالمِشّ منزوع الدود، وكُرات الـبصل الصغيرة، تنغرس في نفوسنا الغُصَّـة، والعصا تُشهر (سلَّها) كالإبَر، في مواجهة أيّ تبرُّمٍ يلوح، تهزأ بنا نظرة عينه المُحْمَرَّة.
نحمل أبداننا الهزيلة مسرعين، تلهث قلوبنا كسيرة، نذوب في طابور الصباح، نمنح التمثال التحية، يخرج لسانه، وتغمز عينه ساخرةً!
تتابع عيوننا وَجِلة، أعواد الخيزران المُتحفزة، في أيْدِي المعلمين.. ، تفرُّ بنا الأقدام نحو الفصول، كفئران تعدو أمام قِطّ بريّ.
فوق الصدور، يجثم زعتر- الفحل - أَلْفَةُ الفصـل، تنجح ألاعيبُه، في دسِّ أعوان له من بيننا، أنفاسنا معدودة، تنحطَّ أسماؤنا- التي كرهناها-، في قائمة المشاغبين، بتـشـفٍّ عجيـب، يتراقص لسانه الطويل أمام فمه، وأيدينا تتحسَّـسُ
مؤخراتنا، في محاولة، لتخفيف وَقْع الخيرزان الحارق عليها.
تحمل المدرسة اسم قريتنا، إلاَّ أنَّها ـ دون سبب مفهوم ـ، إلى كل القرى المجاورة أقْرب، يحيطها سورٌ مرتفع، فتبدو كسجن كبير، وأولاد الكَفر جماعات يقدمون، يغريهم - دائماً- التَّحَرُّش بنا، ما من مرََََََّةٍ، إلاَّ وأَذاقونا، مرارة الهزيمة.
انتـفخ صـدر عُمر، كديكٍ روميّ حِمِش، زعق- في تحدٍّ- :
لابد من عمل رهيب؛
غداً سنأتي على التمثال، فموسى الكلب،.. والفحل زعتر،..ثم يأتي أشنع ختام، بتلاميذ الكفر أولاد الـ ... ،..
لا .. لن يدوم هذا الوضع!
ودبَّ تصميمٌ غريبٌ في النفوس...
في الغد، أخفتْ طَيَّاتُ ملابسنا، بعض الأرغفة، قلت:
لو اكشف موسى الحيلة، سـنبدأ به..، وأصابنا فشله بزَهْوٍ عجيب، صاح عصام منتشياً:
فاتحة خير.
تسابقت أيدينا في جمع الحصى، في الطابور رَبَتَتْ كلُّ يدٍ، على حقيبتها المنتفخة، كأمٍّ تطمئن على جنينها، آخر شهور الحمل.
بالفصل، تلقينا حصة اليوم من الضرب،... دقَّ ـ أخير ـ جرس الرحيل، أشار عُمر بالاخْفاء تحت المقاعد, طار المنصرفون، كعصافير حبيسة، فُتِحَتْ لها الأقفاص، نبقى ـ راضين ـ من أجل ما في الرؤوس، يشغلنا ـ فقط ـ اشتباك ممكن، لبعض الرفاق، مع تلاميذ الكفر العفاريت.
مرت الدقائق قلقة، تباعدت أصوات المغادرين، أراحنا الاصطكاك الحديدي، لبوابة الخروج.
تحررت أجسادنا من المقاعد، انفتحت أفواه الحقائب، دَنَتْ أقدامنا من التمثال،
همس عصام :
هذه أوّل عملية، الهِمّة يا شباب.
تتابع إطلاقها الحصوات، على سائر أعضائه.
فَنَتْ الذخيرة.
لملمنا أنفاسَنا اللاهثـة، قلوبنا تُسرع دقاتها، ثارت زوبعة ترابية قصيرة،التصق الغبار بثيابنا، المشبعة بالعرق، وبالوجوه...
اعترانا الضيق، نظرة عينه الوقحة، كما هي لا تزال، و كُرَة رأسه الماكرة، فوق عنقه لم تهتز.
زعق عُمر، في تحد جديد:
غداً نُكمل الـ..
قاطعْـتُه مشيرا، نحو جهة الخروج ..
فاجأنا قفلٌ صدئ كبير، ينام فوق صدر البوابة ..
توتر ما يحاول أن يتسلل...
تحولتْ أنظارنا إلي الجهات الأخرى،اصطدمت بالسور المرتفع.
خرج صوت عُمر جافا ًكلعابه:
بسيطة ...
تعلقَّ بأسياخ البوابة، حاولت قدماه العبور، انفلتت إحدى يديه، بين أرجلنا، جاء ارتطام جسده العنيف، باح بأَنَّةٍ مكتومة.
بدأت الشمس، في مراودة المغيب عن نفسه، بدا الأفق مهجوراً، ومن فوق السور، تطل شامتةً، بومة سوداء، بوجه قميء.
لم تُجدِ دعواتُ عصام ، لمعت عيناه، بطبقة دمعية شفيفة، لم تكن محاولته للعبور، أفضل حالا من سابقه...
عمَّتْ عتمةٌ كابية...
حاولتْ يداي المرتجفتان، عَلِقَت ثبابي، بسيخ معقوف، تعلق جسدي
للحظات، قبل السقوط، تحسَّستْ أناملي، خطين من دمٍ، على جانبيّ الفم.
لاحت لعيوننا، أشباحٌ عديدة..
وتنبهت آذاننا، لحصارُ المكان، بعواء ذئاب جائعة.
............................................
القصة، من مجموعة جديدة، تحمل نفس الاسم/ تحت الطبع.

فكري داود
08-16-2004, 08:46 AM
الشكر لكِ أيتها العزيزة / روعة
أتمنى أن أساهم في إثراء الموقع..
تقبلي تحيتي، فأنت اسم على مسمى
فكري