المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قطرات من نبع الزهراء



عقيلة
07-20-2004, 03:00 PM
حينما نرنو بعين مبهورة لمثل سامٍ .. تعجزنا اللغة .. ونتخبط في البحث عن
كلمات وجمل ترقى لمفهوم أسمى من رقي الكلمات ..
ويبقى دوماً ما نكتبه وما نورده عاجزاً بخجل تام .. لكننا نأبى إلا الحديث ..
لذا سيكون من أورده .. بعضاً من نبع فياض .. لا يمكن سبر غوره ..
هي فاطمة الزهراء عليها السلام .. ابنة نبينا الأعظم محمد صلوات الله عليه
وسلامه .. لذا ما سيكون منه ليس إلا قطرات من فيض الزهراء ..
فهي المجهولة قدراً ..و الزاهرة في كل محفل ..
هي آخر أبناء النبي من السيدة خديجة (ع) ..
ولدت بمكة في العشرين من جمادى الثانية بعد النبوة بخمس سنوات ..
حين وُلدت.. كانت المعركة بين الكفر و الإيمان في أشدها ..
أزهرت بها السماوات .. فسميتْ الزهراء .. وسميت فاطمة لأن فطم الله ذريتها
و محبيها من النار أو فطمت بالعلم أو فطمت عن الشر أو فطم الخلق عن معرفتها ...
والبتول لأنها بُتلت ( قطعت ) عن النظير .. عدا أسماءها الأخرى .. الصديقة ..
الزكية ...الرضية .. المرضية .. الطاهرة ..
وهي أصغر بنات الرسول و أحبهن إليهن وانقطع نسله إلا منها (أخرج الطبراني عن ابن عمر: أن النبي (ص) قال: كل بني أُنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم.)
في عام الحزن توفيت عنها السيدة خديجة (ع) وهي صغيرة السن .. نتيجة الحصار في شعب أبي طالب بعد مقاطعة قريش لبني هاشم المعروفة .. كانت تلوذ برسول الله (ص) وتدور حوله سائلة : يا رسول الله أين أمي ؟ فكان النبي (ص) لا يجيبها , وهي تبحث عمن تسأله.. فنزل جبريل عليه فقال : إن ربك يأمرك أن تقرأ على فاطمة السلام وتقول لها : أمك في بيت من قصب , كعابه من ذهب , و أعمدته من ياقوت أحمر , بين آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران .. فقالت فاطمة : إن الله هو السلام ومنه السلام و إليه السلام .
عاشت في كنف أبيها .. فشاركته (ص) آلامه خاصةً بعد اشتداد أذى قريش عليه بعد وفاة عمه أبا طالب وزوجه خديجة (ع) ..

مما يروى عن عبداللّه بن مسعود قال: كان رسول اللّه (ص) يصلّي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه.
فانبعث أشقاهم، فلما سجد (ص) وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، وأنا قائم أنظر، ولو كان لي منعه طرحته عن ظهر رسول اللّه (ص).
فانطلق منطلق إلى فاطمة ، فأقبلت تسعى، وثبت النبي (ص) ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تؤنّبهم...
شاهدت تعذيبهم ومحاربتهم لرسول الله (ص) فكانت الابنة الحنون كالأم العطوف .. تبكي إذ شاهدت التراب يهال على رأسه , فينفضه قائلاً : لا تبكي بنية إن الله مانع أباك ..
فكانت بذلك أم أبيها ..
وهاجر رسول الله (ص) إلى المدينة ..
وبقيت فاطمة تنتظر اللحاق به , مع الفواطم وهن ( فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت الزبير بن عبدالمطلب ) تحت حماية علي بن أبي طالب (ع) .

زواجها
خطبها الصحابة , فاقتضت الحكمة الإلهية أن تُزّوج من ابن عمها علي بن أبي طالب (ع)
فولدت له الحسن (ع) في السنة الثانية للهجرة ,, والحسين (ع) في السنة الثالثة , وزينب الكبرى (ع) في السنة الخامسة للهجرة .. و أم كلثوم (ع) في السنة السابعة للهجرة ..
والمحسن وقد أسقطته جنيناً بعد وفاة أبيها ..
روي عن الإمام علي ( ع) أنه قال لرجل : ألا أحدثك عني وعن فاطمة , أنها كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه ( الرسول ) .. و أنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها , وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها , و أوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها , فأصابها من ذلك ضرر شديد , فقلت لها : لو أتيت أباك فسألتيه خادماً تكفيك ضر ما أنت فيه من هذا العمل , فأتت النبي (ص) فوجدت عنده أناس فاستحت وانصرفت , فعلم النبي بمجيئها .. فجاءها وقال : يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد ؟
فقلت أنا والله أخبرك يا رسول الله ( فأخبره بحاجة الزهراء للخادم )
فقال النبي (ص) : أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ ..إذا أخذتما منامكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا ثلاثاً وثلاثين فقالت فاطمة : رضيت عن الله ورسوله )
وما علمها رسول الله (ص) هو المشهور والمعروف بتسبيحة الزهراء (ع) .. وهي أغلى هدية من أب لأغلى ابنة في الوجود ..
وبعد مدة بعث لها رسول الله (ص) بخادمة ( فضة ) فقسمت العمل بينها وبين الخادمة كإحدى نساء البيت ..
كانت تقوم بأعمال المنزل مع جلالة قدرها , وكان علي (ع) يعينها , ومما يروى عن علي (ع) قوله : دخل علينا رسول الله (ص) وفاطمة جالسة عند القدر و أنا أنقي العدس , قال يا أبا الحسن , قلت لبيك يا رسول الله .. قال اسمع مني , وما أقول إلا من أمر ربي : ما من رجل يعين امرأته في بيتها إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة , صيام نهارها وقيام ليلها ......)

و أما حياتها مع الإمام علي (ع) .. فقد كانت الحياة المثالية , بعيدة عن الخلاف أو الشجار
أو حتى عن بعض الروايات الضعيفة التي ذكرت أن علياً كلن عازماً على الزواج من ابنة أبي جهل .. فهذا الأمر يتنافى مع وصية رسول الله (ص) له يوم زفافه عليها : يا علي , هذه وديعتي عندك .. يا علي نعم الزوجة فاطمة .. ويا فاطمة نعم الزوج علي ..
وما كان علي (ع) ليقدم على أمر دون رأي رسول الله (ص) ..
جاء في أخبار الرضا .. عن الإمام الحسين , أنه سئل عن هذا الأمر فأجاب .. أنه
جاءت جماعة نساء لفاطمة الزهراء (ع) قائلة : إن علياً قد خطب ابنة أبي جهل ..
فقالت : أحقاً فعل ؟! فكررتها ثلاث مرات وكان يرد عليها بنعم .. فأخذت الحسن في يمينها و الحسين في يسارها .. وتوجهت إلى بيت أبيها .. وحين عاد علي (ع) إلى بيته .. لم يجدهم فكره بقاءه فيه بدونهم وكان الوقت متأخراً فاستحى أن يتوجه لبيت رسول الله (ص) .. وتوجه للمسجد ونام فيه .. وجعلت فاطمة تتقلب في ليلتها على فراشها .. وكان رسول الله (ص) يراها ..
فأمر بدعوة بعض الصحابة إليه .. و أخذ بيد فاطمة وذهب معهم إلى المسجد , وهناك وجد علياً نائم , والتراب عليه فقال : قم يا أبا تراب .. فجعل يقول له : أن فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أغضبها فقد أغضبني .. فقال علي (ع) : أعوذ بالله أن أغضبها أو أغضب رسول الله ) .. فابتسمت فاطمة ..

ويذكر ذلك الإمام علي (ع) : " فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل , ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً .. لقد كنتُ أنظر إليها فتنكشف عني الهموم و الأحزان ) ..
ومما يذكر عنه أنه عليه السلام , كان إذا أراد الخروج من بيته لم يولها ظهره أبداً
فكان يتوجه للباب خارجاً ووجهه إليها .. حتى إذا ما خرج أولى الباب ظهره .. تعظيماً و إجلالاً لها ..

عبادتها
عن عبادتها يعجز الحرف ويحار القلم .. فقد كانت تقف بين يدي الله سبحانه و تعالى حتى تتورم قدامها .. تنتفض خوفاً من الله تعالى وهي الصديقّة سيدة نساء العالمين .. سيدة نساء الجنة ( أخرج الترمذي عن حذيفة: أنّ رسول الله (ص) قال: إن هذا مَلَك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن حذيفة: أن النبي (ص) قال له: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل ذلك هو ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربّه عزّ وجلّ أن يسلّم عليَّ ويبشرني أنّ الحسن والحسين سيّدا أهل الجنّة وأنّ فاطمة سيّدة نساء الجنّة.
أخرج أبو بكر في الغيلانيات عن أبي أيوب: أن النبي (ص) قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط، فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق.

أخرج أيضاً عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ من بطنان العرش: أيها الناس غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة الجنة.)
يقول الإمام الحسن (ع) : رأيت أمي فاطمة ليلة الجمعة وقد وقفت للعبادة وما زالت بين ساجدة وراكعة وقائمة وقاعدة حتى أسفر الصبح , وهي تدعو للمؤمنين والمؤمنات , وتسميهم بأسمائهم .. فقلت لها : يا أماه , لماذا لم تدعي لنفسك , و إنما دعوتِ لسائر المؤمنين ؟
قالت : يا بني الجار ثم الدار ..

حياتها الزوجية وفضائلها :
كانت حياتها كانت مثالاً للعاطفة والمودة .. والاحترام والتقدير .. ففاطمة ابنة رسول الله .. وعليٌ كفؤها ..
و كانت مثالاً للبساطة والزهد .. لم يعكرها الفقر , أو تضطرب بها الفاقة ..
لم تدخر شيئاً في بيتها إلا و أنفقته في سبيل الله .. دلالة على ذلك الحادثة التي رواها جابر بن عبدالله الأنصاري عن الأعرابي الذي جاء طالباً طعاماً وكسوة ومالا من رسول الله (ص)
فقال له (ص) : ما أجد لك شيئاً ولكن الدال على الخير كفاعله .. انطلق لبيت فاطمة
وقال : يا بلال قف به على منزل فاطمة ..
فلما وقفا على الباب نادى بأعلى صوته : السلام عليكم يا أهل بيت النبوة , ومختلف الملائكة , ومهبط جبرائيل الروح الأمين بالتنزيل , من عند رب العالمين , فقالت فاطمة : وعليك السلام , فمن أنت يا هذا ؟ قال : شيخ من العرب أقبلت على أبيك سيد البشر مهاجراً و أنا يا بنت محمد عاري الجسد , جائع الكبد , فواسيني يرحمك الله , وكان لها ولعلي (ع) ثلاثاً ما
أكلوا طعاماً .. فأخذت فاطمة جلد كبش مدبوغ كان ينام عليه الحسن والحسين فقالت : خذ هذا أيها الطارق ..قال : يا بنت محمد شكوت إليك الجوع فناولتني جلد كبش , ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب ..
فما سمعت قوله , أخذت من عنقها عقد كانت قد أهدته لها بنت عمها حمزة و أعطته للأعرابي قائلة : خذه وبعه عسى الله أن يعوضك به ما هو خير منه
فأخذ الأعرابي العقد و انطلق إلى مسجد رسول الله وقال : يا رسول الله أعطتني فاطمة هذا العقد فقالت بعه فعسى الله أن يصنع لك ..
فقام عمار بن ياسر (رض) فقال : يا رسول الله أتأذن لي بشراء هذا العقد ؟
قال : اشتره يا عمار , فلو اشترك فيه الثقلان ما عذبهم الله بالنار ,, فقال بكم العقد يا أعرابي ؟قال بشبعة من اللحم والخبز , وبردة يمانية أستر بها عورتي و أصلي فيها لربي .. ودينار يبلغني إلى أهلي .. وكان عمار قد باع سهمه الذي نفله من خيبر فقال : لك عشرون ديناراً
ومائتا درهم وبردة يمانية وراحلتي تبلغك أهلك وشبعك من خبز البر واللحم ..
فقال الأعرابي : ما أسخاك بالمال أيها الرجل..
وعاد الأعرابي إلى رسول الله (ص) فقال له الرسول (ص) : أشبعت واكتسيت ؟
قال الأعرابي : نعم واستغنيت بأبي أنت و أمي .. قال : فاجز فاطمة بصنيعها , فقال الأعرابي : اللهم إنك إله ما استحدثناك , و لا إله نعبد سواك و أنت رازقنا على كل الجهات
اللهم أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ..
وعمد عمار إلى العقد فطيبه بالمسك , ولفه في بردة يمانية ودفع العقد إلى مملوك له قائلاً :
خذ هذا العقد وادفعه لرسول الله و أنت له فأتى المملوك رسول الله (ص) و أخبره بقول عمار , فقال النبي : انطلق لفاطمة فادفع إليها العقد و أنت لها ..
فجاءها المملوك بالعقد و أخبرها بقول رسول الله (ص) , فأخذت فاطمة (ع) العقد و أعتقت المملوك , فضحك الغلام , فقالت ما يضحكك يا غلام ؟ فقال : أضحكني عظم بركة هذا العقد
أشبع جائعاً , وكسى عرياناً , و أغنى فقيراً , و أعتق عبداً ورجع إلى ربه ) ...
وموقف آخر لذلك .. وهو ما شهدت به الآية الكريمة (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً و أسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً * إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً* فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسروراً ) .. وكانت قد نزلت في الزهراء وعلي والحسن والحسين (ع) .. وقد كان الحسن والحسين مريضين , فنذرا لله صيام ثلاثة أيام إن منّ عليهما بالشفاء ..
فوجب النذر , وكان في يوم صومهم الأول قد أتاهم مسكين فتصدقوا بطعامهم له .. وباتوا على الماء , وكان اليوم الثاني فمر بهم يتيم فأعطوه طعامهم كاملاً وباتوا كما يومهم الأول
وكان اليوم الثالث فمر بهم أسير يطلب طعاماً , فأعطوه طعامهم .. فنزلت الآية الكريمة ..

وموقف ذلك الأعرابي صاحب الضب .. والذي أسلم بعد نطق الضب وشهادته برسول الله (ص) .. وكان فقير الحال .. فذهب سلمان الفارسي (رض) إلى تسعة أبيات من بيوت رسول الله (ص) فلم يجد شيئاً .. فقرع باب فاطمة , فأجابته من وراء الباب : من بالباب ؟ فقال لها : أنا سلمان الفارسي .. فقالت له : يا سلمان وما تشاء ؟
فشرح لها قصة النبي(ص) و الأعرابي والضب .. فقالت له : يا سلمان , والذي بعث محمداً (ص) بالحق نبياً إن لنا ثلاثاً ما طعمنا , و إن الحسن والحسين قد اضطربا علي من شدة الجوع ,, لكن لا أرد الخير إذا نزل ببابي ..
خذ درعي هذا وامض به إلى شمعون اليهودي وقل له : تقول لك فاطمة بنت محمد : أقرضني عليه صاعاً من تمر وصاعاً من شعير أرده عليك إن شاء الله تعالى
فأخذ سلمان الدرع ثم أتى به إلى شمعون اليهودي فقال له : يا شمعون هذا درع فاطمة بنت محمد (ص) تقول لك أقرضني عليه صاعاً من تمر وصاعاً من شعير أرده عليك إن شاء الله سبحانه و تعالى..
فأخذ شمعون الدرع ثم جعل يقلبه على كفه و يذرف الدمع قائلاً : يا سلمان هذا هو الزهد في الدنيا , هذا الذي أخبرنا به موسى بن عمران في التوراة .. أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله .. فأسلم وحسن إسلامه ..
ثم دفع له صاعا من تمر وصاعاً من شعير فأتى به إلى فاطمة فطحنته بيدها وخبزته ثم أتت به إلى سلمان قائلة : خذه وامض به إلى النبي (ص) , فقال سلمان : يا فاطمة خذي منه قرصاً تعللين به الحسن والحسين , فقالت : يا سلمان , هذا شيء أمضيناه لله عز وجل لسنا نأخذ منه شيئاً ...
فأخذه سلمان إلى النبي (ص) , فلما رآه النبي (ص) قال : يا سلمان من أين لك هذا ؟
قال من منزل ابنتك فاطمة .. وكان النبي لم يطعم منذ ثلاث .
فذهب النبي إلى حجرة فاطمة , فقرع الباب وكان إذا قرع النبي (ص) الباب لا تفتح له إلا فاطمة .. فلما فتحت له الباب , نظر النبي (ص) إلى صفار وجهها وتغير حدقتيها , فقال لها : يا بنية ما الذي أراه من صفار وجهك وتغير حدقتيك ؟ فقالت يا أبه .. إن لنا ثلاثاً ما طعمنا طعاماً و إن الحسن والحسين قد اضطربا علي من شدة الجوع ثم رقدا كأنهما فرخان منتوفان .
فنبههما رسول الله (ص) من نومهما و أقعدهما في حجره وفاطمة بين يديه واعتنقوا النبي , فدخل علي فاعتنق النبي من خلفه , فرفع النبي طرفه إلى السماء فقال : الهي وسيدي ومولاي
هؤلاء أهل بيتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) .

ولما نزلت الآية ( و إن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم )
بكى النبي (ص) بكاءً شديداً وبكت صحابته لبكائه ولم يدروا ما نزل به جبريل (ع)
ولم يستطع أحد من صحابته أن يكلمه .
وكان النبي (ص) إذا رأى فاطمة (ع) فرح بها , فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعير تطحن فيه وتقول ( وما عند الله خير و أبقى ) , فسلم عليها و أخبرها
بخبر النبي وبكائه ..
فنهضت والتفت بشملة لها قد خيطت في إثني عشر مكاناً , فلما خرجت نظر سلمان الفارسي
إلى الشملة وبكى قائلاً : إن بنات قيصر و كسرى لفي السندس والحرير وابنة محمد (ص) عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً !.
فلما دخلت فاطمة على النبي (ص) قالت : يا رسول الله , إن سلمان تعجب من لباسي , فوالذي بعثك بالحق مالي و لعلي منذ خمس سنين إلا مسك كبش , نعلف عليها بالنهار بعيرنا
فإذا كان الليل افترشناه , و إن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف .. فقال النبي (ص) : يا سلمان
إن ابنتي لفي الخيل السوابق ..
ثم قالت : يا أبت فديتك , ما الذي أبكاك ؟
فذكر لها ما نزل به جبريل من الآيتين الكريمتين ..
فسقطت فاطمة على وجهها وهي تقول : الويل ثم الويل لمن دخل النار .

مكانتها عند رسول الله (ص) :
لا يجدر بي القول هنا .. فمكانتها عند رسول الله (ص) فوق الحديث
ومن الصعب أن توصف .. فقد كانت محبةً كبيرة مشوبة بالكثير من التعظيم
و الإجلال .. يدل على ذلك الآتي :
عن عائشة بنت طلحة عن عائشة (رض) : ما رأيتُ أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة , كانت إذا دخلت عليه رحب بها وقبل يديها و أجلسها مجلسه )
وفي دخائر العقبى عن عائشة (رض) : قبّل رسول الله (ص) نحر فاطمة . وفي رواية
فقلت : يا رسول الله فعلت شيئاً لم تفعله ؟ فقال : يا عائشة إني إذا اشتقت إلى الجنة قبلت نحر فاطمة .
ومنها ما رواه البخاري والترمذي وابن أحمد وابن ماجة والسجستاني والنسائي و أبو الفرج وابن عساكر وابن حجر والبلاذري وغيرهم بألفاظ متنوعة :
-أن رسول الله (ص) قال: فاطمة بضعة مني , يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها .
-فاطمة بضعة مني , يقبضني ما يقبضها , ويبسطني ما يبسطها ..
-يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك , فمن عرف هذه فقد عرفها , ومن لم يعرفها فهي بضعة مني , هي قلبي وروحي التي بين جنبي , فمن آذاها فقد آذاني .

وروى أحمد بن حنبل في مسنده : عن عائشة (رض) قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها
مشية رسول الله (ص) فقال : مرحباً بابنتي , ثم أجلسها عن يمينه , أو شماله , ثم أنه أسر لها حديثاً فبكت , ثم أسر إليها حديثاً فضحكت , فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن , فسألتها عما قال : فقالت ما كنت لأفشي سر رسول الله (ص) ..
حتى إذا قبض رسول الله (ص) : سألتها , فقالت : إنه أسر إلي فقال : إن جبرائيل كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة , و إنه عارضني به هذا العام مرتين ولا أراه إلا قد حضر أجلي , و إنك أول أهلي لحوقاً بي ونعم السلف أنا لكِ .. فبكيتُ لذلك , ثم قال : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين ؟ قالت : فضحكت .

وفاتها :
كانت أصعب ساعة في حياة الزهراء (ص) , هي ساعة نظرها لجسد رسول الله (ص) وهو مسجى لا حراك به ..
وكانت من جملة المصلين عليه في المرة الدفعة الأولى ..
و إلى أن دفن رسول الله (ص) كان بكاء الزهراء مستمراً متواصلاً .. فعادت لبيتها واجتمعت عندها النساء فقالت : إنا لله و إنا إليه راجعون , انقطع عنا خبر السماء .. ثم ذكرت أبياتا لها ترثيه :
ماذا على من شم تربة أحمد *** أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها *** صبت على الأيام صرن لياليا .
وقالت لأنس بن مالك : أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب ؟
روت فضة خادمة الزهراء تصويراً لحال الناس عند وفاة رسول الله (ص)
قالت : ولما توفي رسول الله (ص) افتجع له الصغير والكبير وكثر عليه البكاء , وعظم رزؤه على الأقرباء و الأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ..
ولم تلق إلا كلٍ باكٍ وباكية , نادب ونادبة .. و لم يكن فيهم أشد حزنا و أعظم بكاءً من السيدة فاطمة الزهراء (ع) وكان حزنها يتجدد ويزيد وبكاؤها يشتد فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين , ولا يسكن منها الحنين
وكل يوم كان بكاؤها أكثر من الذي قبله ..
فلما كان اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن , فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت , وضج الناس بالبكاء
فتبادرت النساء و أطفأت المصابيح لكيلا تتبين وجوه النساء .
كانت السيدة فاطمة تنادي وتندب أباها قائلة :
وا أبتاه , وا صفياه , وامحمداه , وا أبا القاسماه , وا ربيع الأرامل واليتامى .
من للقبلة والمصلى
ومن لابنتك الوالهة الثكلى ؟

وما رُأيت فاطمة (ع) ضاحكة مستبشرة مذ قبض رسول الله (ص) حتى قبضت ..
إلا يوماً افترت بطرف مبسمها ..
وعن عمران بن دينار : إن فاطمة لم تضحك بعد النبي حتى قبضت لما لحقها من شدة الحزن على أبيها.

فما كانت حتى 75 يوماً .. فما أسرع لحوقها به ..
توفيت في الـ 13 من جمادى الآخرة ..
وارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء يوم فقدها ..فكان تجديداً للحزن وتذكيراً بفقد رسول الله ...
كانت حين دنت منها الوفاة , قد اغتسلت , ولبست ثياب الكفن .. و أوصت ألا تنزع عنها ..
فتولى غسلها ودفنها علي (ع) ..
فما كان أعظم حزنه ومصابه
فكان من قوله ( أما حزني فسرمد , و أما ليلي فمسهد , وهم لا يبرح قلبي , أو يختار الله لي دارك
التي أنت فيها مقيم , كمد مقيح , وهم مهيج , سرعان ما فرق الله بيننا , و إلى الله أشكو ...)
وكان مما رثاها به :
فراقك أعظم الأشياء عندي *** وفقدك فاطم أدهى الثكول
سأبكي حسرةً و أنوح شجواً *** على خلٍ مضى أسنى سبيل
ألا عين جودي واسعديني *** فحزني دائم أبكي خليل

=
حبيب ليس يعدله حبيب *** وما لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن عيني وجسمي *** وعن قلبي حبيبي لا يغيب
=
مالي وقف على القبور مسلماً *** قبر الحبيب فلا يرد جوابي
أحبيب ما لك لا ترد جوابنا *** أنسيت بعدي خلة الأحباب

أما قبرها فمغيب .. فمن قائل في البقيع , ومن راوٍ أنها دفنت بجانب أبيها في الروضة الشريفة ..
جزاء محبيها :
روى جابر بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن علي الباقر (ع) في حديث طويل لما يكون يوم القيامة .. ( حتى يصيروا فاطمة على باب الجنة , فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت , فيقول الله تعالى : يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي ؟
فتقول : يا رب أحببت أن يُعرف قدري في مثل هذا اليوم ..
فيقول تعالى : يا بنت حبيبي , ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحد من ذريتك
خذي بيده فأدخليه الجنة ..
يقول الإمام محمد الباقر (ع) : والله يا جابر إنها لتلتقط محبيها كما يلتقط الحب الجيد من الحب
الرديء .. فإذا صاروا معها عند باب الجنة , يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا .. فإذا التفتوا
يقول تعالى : يا أحبائي ما التفاتكم , وقد شفعتُ فيكم فاطمة بنت حبيبي ؟
فيقولون : يا رب أحببنا أن يُعرف قدرنا في مثل هذا اليوم ؟
فيقول عز وجل : يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة , انظروا من أطعمكم لحب فاطمة , انظروا من كساكم لحب فاطمة , انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة
انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة , فخذوا بيده و أدخلوه الجنة )

إن كان الموت قد غيب ذكر الكثير .. فهيهات أن يغيب العظماء ..
فهم الخالدون الباقون مناراً لكل باحث ..


سلامُ الله عليك وعلى بعلك وبنيك .. وصلواته على أبيك
طبتِ وطهرتِ ..
وبذلتِ و أعطيتِ ..
وكنتِ في نساء الأمة الكاملات الأربع..
سيدةَ نساء أهل الجنة .. وسيدة نساء العالمين .. وسيدة نساء الأمة

هلاّ قبلتِ مني هذا رغم قلته ؟ !

منى عجاجي
07-21-2004, 08:32 AM
الحبيبة عقيلة.

تحية معطرة بحُب محمد وآل محمد ..لــ.( قطرات من نبع الزهراء )

نحن بحاجة لوقفة تأمل ولحظة تعجب نستوعب فيها عطاءها اللامحدود.
ونعي حقيقة موقفها الخالد المسطر على جبين الزمان الراسخ في عمق الأذهان نتعجب من صبرها الغريب، ومن صمودها العجيب، فلقد غلبت طوفان القهر وتحدت رياح الدهر بكل إيمان وصبر.

فقد ضربت لنا الزهراء نموذجا فريدا ومثلا أعلى في حياتها ، فقد كانت مثال الزوجة الصالحة الصابرة وكانت مثلا في حسن علاقتها مع جارتها وقريباتها وكانت مرجعا يقتدى به.وكانت قدوة في رسالة الأمومة حتى كان من ذريتها ما كان. فرحم الله الزهراء ريحانة سيد ولد آدم وزوجة سيد الفرسان وأم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأم زينب بطلة كربلاء.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « لو كان الحُسن شخصاً لكان فاطمة ، بل هي أعظم . فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً »

وعن الإمام الحسن العسكري عليه السلام انه قال :** نحن حجج الله على الخلق وجدتنا فاطمة حجة الله علينا **

ومهما انصرمت السنين، وانطوت القرون ستبقى سيدة نساء العالمين وأم الأبطال حكاية سطرها الزمن بحروف من ذهب.

سيدتي ومولاتي لن تموت روحك بعدما ضربت أروع الأمثلة في الفداء والتضحية.
لتفوح عبيراً وعبقاً تزيد حياتنا ألقاً وتوهجاً..


الف تحية حب وتقدير لقلبك عقيلة..ودمتي لدرب شعاعا من نور الايمان


12

ابتسامة جرح
07-21-2004, 04:04 PM
رائعة هي الكلمات في سيدة تحار في وصف روعتها الكلمات
جوزت خيرا اختاه لنقلك النور عبر سيرتها الطيبة
اكرر الشكر اختاه 12

سالم
07-22-2004, 04:47 PM
عقيلة الدرب ..

الحقيقة لقد ارتقيت عاليا بحديثك عن سيدة النساء

من مثل فاطمة في السيادة
من مثل الزهراء في المكانة ..
من كأبيها
من كزوجها
من كأولادها ..

سيدتنا الزهراء .. يعجز القلم ويشح المداد في فضلك .. ومزاياك ..
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الرفقة وحسن الاقتداء ..

شكرا عقيلة ما قدمت لنا من جميل الكلام .......

اشعة الشمس
08-10-2004, 07:25 PM
الأخت عقيلة

جزاكِ الله كل خير على هذا الموضوع الرائع.



تحياتى
اشرف

علي بخوش
08-20-2004, 06:27 PM
آل البيت القدوة للمسلمين وفاطمة الزهراء رضي الله عنها ضربت مثلا رائعا كأم وبنت وزوجة .
بارك الله فيك اختي الكريمة عقيلة على منحنا هذه الصور العظيمة .