المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقاصيص



بسمة
07-16-2004, 06:04 PM
(هاجس)
عادَ مجدداً، "الهاجس" الذي كان يسكنها قبلَ سنواتٍ ثلاث: (انتقال أي شيء، وكل شيء منه، إليها، مهما كان!)، وذلك حين أمسكتْ ما تساقط من شعرها بين أصابعها المرتجفة، متذكره رأسه الخريفية العارية من الشعر لكثرة احتكاكها بالخيبات المنتصرة!!


(درج)
كان يبتسم كلما تذكر اضطراره نزول ما يزيد عن مائة وعشرين درجه معها، بسبب خوفها من المصاعد الإلكترونية، و لكنه امتنع عن ذلك حين شعر بقلبه كاد يتوقف هلعاً حين نزل تلك الدرجات، وحده... ذات اشتياق إثر فراق!


(أفق)
نظرتْ عبر النافذة، وعندها فقط أدركتْ أنه وضع الأفق في جيب قميصه، حين غادرها..!


(كتب)
صدمه حرقها الكتب التي أمضيا سنين في جمعها، وحين سألها السبب، صرخت في وجهه وعيناها تقدح شرراً وسَكَنْ النار يلطخ وجهها :"علّك تجد شيئاً آخر تحدثني عنه..!!"


(رأسي)
لا تقلق، أعدك أن أقرأ لأجلك "الفاتحة"، عذراً عليّ أن أدفنك كي أنام قليلاً..!

(بنادول)
تُعلِّبُ الشِّعْرَ كأقراص الـ "بنادول"، تتجرّعه كل عددٍ من الساعات، ليخدِّر من صُداع روحها، يدها باردة.. تحتاجه الآن.. كيف تُعلِّب أمان دفء يده في الغياب؟!


(حليب بارد)
تقلَّب في فراشه ذات اليمين، وبعدها ذات الشمال، أمسك لحافه بأسنانه وشده حتى أعلى صدره، ألقى بوسادته وأرخى لرأسه السبيل.. لكنه أخيراً استقر على بطنه، ممسكاً مَوْضِع معدته وصرخ:"كاذب من قال أن الحليب البارد يساعد على النوم..!"


(إسفنجة)
كان بينهم، يبتسم دون أن ينفرج فمه، ينظرون إليه، أذنه تمتص أحرفهم، ألستنهم تجف من كثرة السؤال: "كيف..متى.. أين.. لماذا.. نهاراً أم ليلاً، فقد النطق..؟!"، وحده فقط كان يعلم أنه كلما حزن، أمتص بعضاً من صمت، حتى غرق تماماً..!


(نصيحة مرتدة)
كلما تقابلنا، نصحتني –بزهو- بضرورة الزواج، و عدم السماح لقطاره المغادرة دوني، فأغدو بذلك عانساً، لكنها اليوم سألتني نصحها أثناء بكائها بـ " دليني كيف أقنعه أنني لست فقط من نشّى ياقة قميصه بعد غسله، وأنني ذلك الفراش الذي يعتليه كل ليلة..؟!"


(ذات أربعاء)
أعادت تشغيل موسيقى (فاطمة).. مرة أخرى..أمسكت ديوان شعرٍ، أغرتها قصيدة بعنوان .."قل ما تشاء"...
أن تفعل..
لاح أملٌ.. ابتسمتْ.. شقَّت فمها.. أعادت إغلاقه مرة أخرى...
لم تجد ما تقوله.. من سرق صوتها؟!



(تطفٌّل؟)
حمقاء بلا شك، بأنفاسها التي كانت تتسابق مع عجلات السيارة البيضاء المجنونة خلفها والتي لم تكن تَنْوي على خيرٍ مطلقاً، ويديها اللتين كشرطي مرور في ساعة الظهيرة تحذرانه قط المزابل ذلك بشعره المتسخ وذيله المرفوع كالألف، والذي خاف من خوفها عليه ومن تحذيراتها ليركض إلى أحضان العجلات المجنونة غير عابئٍ بلون دمه الذي سيملأ يومها بالبكاء عليه وبشعور التَّطفُّل!


(إنْترفيو)
أكبر من حقيبة يد أنثوية عادية كانت تحمل على كتفها، وضعتها الأرض، ضمّت ساقيها المرتجفتين، واحتضنت يديها في حجرها بعد أن أعادت خصلة من شعرها وراء أذنها اليمنى، حين كان ينظر إليها من أسفل نظارته تارة، ومن فوقها تارة أخرى، أخرج كتاباً من درج مكتبه الأول، وقال لها اقرئي بصوت عالٍ وإياكِ والتَّسكين..!
رَمَشتْ مرتين .. تلعثمتْ.. بلعتْ ريقها.. مُرّاً كان ، تذكرتْ إعلان التوظيف: "مطلوب سكرتيرة تجيد استخدام الكمبيوتر" .. تناولت الكتاب، فتحت الصفحة المطلوبة، قرأت..تلعثمتْ.. نَهرَها أول مرة.. الثانية.. الثالثة شَخَطَ في وجهها.. تراقصتْ دمعةٌ في محجري عينيها، مدّت يدها إلى حقيبتها، أخرجت كتاباً أصغر من الذي أعطاها إياه.. قدمته له.. حدّق في الكتاب واسم كاتبته أول مرة.. الثانية في ورقة طلب التوظيف.. الثالثة فيها.. وقال لها.. هي أنتِ؟!



(أمومة)
دخلتْ مكتبنا واضعةً يدها على رأس بطنها المنتفخِ بالصراخ المؤجَّل والمملوء بالمُستهلِك اللاحق لفوط البامبرز، متشنّجةً غيظاً: "كاد أن يُجنّني..! إن صاح أصيح بابنتي اتركيه.. أنا سأحمله، وإن لم تذعن لأوامري أصيح بصوتٍ أعلى .. احمليه برفق.. إياكِ أن يقع من بين يديك، لم نفرح بقدومه بعد! .. وإن جاع أركض لأجله، حتى يبقى بكامل نشاطه، وويلي إن غاب عن عيني أموت رعباً .. خشيتُ من أولادي عليه.. لم نفرح بقدومه بعد.. والله ما فَرِحنا!"
دار رأسي، واستقرّتْ عيناي على بطنها المدوّرة بشهرها الثامن: "يا امرأة لم تلدي بعد.. متى حدث كل هذا؟! عن من تتحدثين؟!"
نظرت إليّ وصاحت صياح أمٍ مكلومة: بالأمس .. بِعتُ موبايلي.. جنّني .. والله ما فرحنا به بعد..!


(همهمة بريئة!)
طبولُ حربٍ تضرب قلبها، رفعت عينيها سنتيمتر واحد أو اثنين بلا مبالاة -مُقنِعة, للأعلى صوب الواقِف حيث الباب، وقالت بصوتٍ باردٍ:
-كم أكرهك... ما الذي أعادك!؟
ارتدى وجهه الشحوب، تربَّع الخوف في عينيه.. تشنّجت أصابع يده أثناء محاولة تصديق ما تقول، وبما كان عليه أن يُبرِّر.. بينما حاول عاموده الفقاري الانتصاب مدافعاً عن نفسه شارحاً أسباب الغياب، لكن سرعان ما أَعْلى راية إخفاقه، وأجهض أمله وحاجته بزرع رأسه في حضنها والبكاء، حين أكملت...
-عد من حيث أتيت...

مثقلة خطواته بـ (عد من حيث أتيت...)، وما زال رأسه يلفُّ ويلفّ، أثناء بكائه صحراء حضنها.
.
..
عجباً
كيف لم يفهم أن ما قالته كان فقط همهمةً بريئةً، صادرةً عن عَطْشى وَجَدتْ –أخيراً- عَين الماء..!!؟



(جودي أبوت)
مرّت السنون سريعة، بعيدة ذكرى جلوسها فاغرةً فاهها محدقةً بشاشة التلفاز وهي تشاهد "جودي أبوت" كانت تصدمها الفكرة: " أشبهها..؟ تشبهني؟ لا .. لا، فهي لا تلبس نظارة وإن كانت تملك مرح الحزن ذاته!"
ظله الطويل أخبرها مرةً أنها تشبه "جودي أبوت"، احمرت وجنتاها.. ابتسمت.. حملت قلمها وخطّت على الورقة : "عزيزي يا صاحب الظل الطويل، أخبَرَني اليوم أنني أشبهها، سأتمهّل قليلاً حتى أنشر مجموعتي القصصية، لأخبره أنني هي ولستُ شبيهتها حتى لو لم تكن تلبس نظارة!"



(دحض)
دروس الجغرافيا التي لازمتهما مرغمين منذ الطفولة وحتى اللحظة لم تفسح لهما مجال نسيان أن كل منهما في قارة، يجلسان على كرسيين خلف شاشتين مربعتين إشعاعيتين، تسمح لهما تبادل الابتسامات في اللحظة ذاتها، واقتطاف وروداً سيبيرية كهدية لحظتهم العامرة، والرسم معاً يداً دافئة بيدٍ رقيقة ناعمة حتى ترشح ملابسهما بالألوان المتعانقة، وتسيح مدامعها على لوحة اللقاء... لم يعلما أنهما بذلك دحضا فكرة أن الأطفال وحدهم من يرسم الأحلام!



(شفقة!)
كانت تمسح عرقها الهاطِل من جبينها وخدّيها المتَّقدين حمرة بعد أن شربتْ كأس الماء البارد الذي ناوله إياها على دفعةٍ واحدة،حين أخبرته وهي تحاول التقاط أنفاسها: أشفقتُ على الشمس، لا أحد يدري ماذا رأتْ بليلتها أمس لتستيقظ والجَمْرة موقَدة في قلبها!

تحياتي الخالصة
12

منى عجاجي
07-17-2004, 07:34 PM
قد وقفت هنا حائره لعذوبة وقوة كلماتك ..
فأمام مثل تلك (الاقاصيص) المتقنة تخجل الكلمات وتتواري العبارات ...


وها أنتي تلملمين باقة من أجمل الكلمات لأيصالها لعين المتلقي
بأعذب الأحساسيس وارقاها ... وبأصدق مايكون من التعبير ..

عجباً ... كيف يكون الجمال بهذا السخاء
وتبخل علينا عصفورة الدرب بالمزيد.....!

عزيزتي..قرأت تلك الاقاصيص مرات ومرات
وحاولت جاهده ان ابحث عن مايناسبها من الفاظ ...
فلم اجد امامي سوى ان اسجل اعجابي بقلمك...
ومايسطره لنا من ابداعات....


تحياتي وتقديري ..

سالم
07-18-2004, 04:28 PM
حين نتناول .. أجزاء الحياة كمقتطفات .. ننثرها .. ونسجل توقيعنا عليها .. لأنها تعنينا ....
هذا يعني أننا نقتطع أجزاء من القلب ... نقصصها
شظايا من الروح .. نرسلها...
بسمة الجرح .. عصفورة الدرب ..
اسمحي لي أن أقرأ أقاصيص الذات .. بروح الشجن ...
اسمحي لي أن أشارك حروفك مطر الدمع ..

أما زال ذلك ( الهاجس ) الذكرى ..

آه من يأخذ معه ( الأفق) كيف نتمكن أن ننظر الغروب .. وجمال االشروق حينها ..

كيف لموسيقا ( الصمت) أن تدع نسمات (فاطمة) فقط هي الكلام ..... من يحدث الضحجيج في الروح حينذاك ..

آه يا وحدة .. النزول .. كم هو رهيب أن نهوي ولا يد حنون تترفق ساعدنا ..

الحالم
07-20-2004, 01:42 PM
جميل ان تقتنص تلك اللحظات والاجمل هو صياغتها بهذا الجمال


اشكرك على امتاعنا بهذه االاقاصيص وفي انتظار الاجمل منك دوما

تحياتي

بسمة
08-02-2004, 02:43 PM
الغالية روعة..
هل تصدقيني إن قلتُ لك بأن من أسباب تأخري في الرد.. روعة ردكِ؟!
صدقاً لا أدري بماذا أشكركِ، أنا الفاشلة الفاشلة.. في الشكر والتعبير عما بداخلي .. ماذا أقول؟
سلمتِ غاليتي.. سلمتِ


أخي الغالي سالم
ماذا أقول؟ أشكرك؟ لا تصلح.. لأنها غير قادرة على نقل ما أريد..!
دمتَ شفافاً مدهشاً


أخي الحالم
سعيدة بمرورك وكلماتك.. دمتَ بكل كل الخير

أختكم بسمة فتحي