المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دراسة عن رواية فتنة الأسر



صلاح والي
07-05-2004, 05:17 PM
salahwaly@hotmail.com MSN Home | My MSN | Hotmail | People and Chat | Money | People & Chat
Web Search:












فتنة روائية لأسر صلاح والي
قراءة في رواية ( فتنة الأسـر )*

أحمد سامي خاطر

الكتابة مسوِّغٌ لحياة الكاتب ، وبرهانٌ مؤكدٌ علي وجوده
الحقيقي فوق سطح ليس أملس من أسطح الحقيقة التي تستمد
نسبيتها من مواقف الإنسان ومخاطباته مع ماضية وحاضره ،
من ثم يصبح المستقبل – ككيان مبهم وكتلة غامضة – هو
المتمم لحالة من حالات البحث عن الذات وسط ثالوث الفائت
( المعلوم ) ، والحاضر ( الممارس المتحول ) وأخيراً
المتبقي ( المجهول ) ، هذا المتمم أو هذه التتمة مهما
بلغت قوة الإبداع من تجسيد لوقائع الواقع نقلاً أو وصفاً
أو رصداً أو حتى مطابقة بتثبيت اللحظة التاريخية وكتل
الزمن وجغرافيا التحولات المرئية فإن قِبلة الجوارح تظل
دائمة الأسر بفتنة المنطقة المحظورة .. المنطقة الحرة ..
المنطقة المفخخة .. المنطقة النائية .. منطقة ألغام
اللاوعى الإبداعي المتفجرة بأرقي درجات الوعي بواقع
تتقاسمه بأنصبة عادلة تقريباً كل الأشياء بما فيها
الكائن الإنساني .

إنها إذن منطقة انطلاق رواية ( فتنة الأسر ) للكاتب صلاح
والي ، ربما تكون غير محسومة العواقب والمقدرات ، لكنها
على أية حال إطلالة برأسٍ متمرد ويدين متشبثتين بحافة
كون مفتوحٍ .. ، منتظرٍ .. ، موغلٍ في القِدم .. مبتسمٍ
كابتسامة هادئة لجمجمة أرهقها انتظار البعث ، لتعرف كل
شيء عن كل شيء ، إذ يتحول المجهول لمعلوم ويصبح اليقين
هو الحقيقة المطلقة للكون والوجود ، بدأت الرواية بالظن
لا باليقين من خلال مدخل كوني برصد ذلك الواقف على باب
هذا الكون يحمل في يده زهرة جميلة بساق وتويج وألوان
ورائحة مستقبلية ( .. وكان ينظر إلي البعيد ويبتسم لشيء
ما ، بينما تدوي خلفه طبول الآخرة على بوابات جهنم بدوي
مدبب يدخل في عمق كل الأشياء باختراق عظيم مؤلم )[
الرواية ص5 ] ثم بإقرار حالة الريبة والشكوك ممثلة في
مواضع كثيرة – خاصة في هذا الاستهلال الحر- : ( كنت أظن
ذلك ولكنه كان غير ذلك ، وربما أيضاً كان كذلك) ، ( كنت
أتوقع أن يقع من ملابسه أو يتلاشي أو يغير ابتسامته التي
لا تعني شيئاً وتعني كل شيء ، كان ينظر إلي البعيد ربما
لا ينظر إلي شيء ، ولكنك لا تستطيع أن تتجاهله لأسباب
كثيرة منها أنه وحيد وحدة مطلقة ، وثابت ويغمره الأمل
ولديه ثقة عالية ربما أو يأس قاتل ربما .. )[ الرواية ص
6 ] تري لمن يكون هذا الوصف ، ومن الموصوف ؟! إذن إن ميل
صلاح والي للدخول إلي عالم هذه الفتنة الروائية بهذا
الاستهلال الطقسي إنما يكمن في محاولته تدبيج كل عناصر
ومعطيات الحضرة التي تستشرف في زخمها عالم جواني قادم لا
محالة يقسم فيه الراوي شخصية الكاتب نفسه بين كلٍ من
المروي عليه والمروي له ، إنه عالم جمعوي شامل يأخذ
الروي فيه دوراً ( برولوجيَّاً ) تصمت فيه كل المعازف
إلا معزوفة الشتات وفوضي العالم والتبيين والرصد
والتعليق والشجب وتفريغ المكبوت ورفض المفروض ونبذ
المحتوم وأحادي الجانب من خلال ذلك الكتاب / ( الكامن في
العمق ) ، إنه عالم غيبي ينطلق من الفائت نفسه ليرتقي
للمكان المشفر غير المحدد بالضبط . فمن المدخل الكوني
المفتوح ، للرجل الموصوف الدال على ذاته ، لشبهة الواقع
/ الحلم في العلاقة مع " المرأة التي كانت تصعد السلم
وهو يتأمل مؤخرتها إلي أن يفشل معها بإقرار الراوي لأنه
أضعف من استكمال الخوض معها ، إلي إثبات حالة أخري من
حالات القهر الداخلي ، ثم التعلل بالخوف من حضور الزوجة
والأولاد غير الموجودين أساساً . ثم الانتقال لعلاقة
العمل والأستاذ عبد القادر الأسد ، ثم العلاقة مع قوت
القلوب .. ثم بالدكتور عبد الله ، والدخول إلي المستشفي
، ثم التنظيمات الطليعية ، والاتفاق والاختلاف في وجهات
النظر حول مفاهيم وقضايا كثيرة ، و المؤسسة العسكرية ،
والآراء الفلسفية ، ورصد نزعات الذات ، والإحاطة
بمرادفات ضعف الإنسان وعجزه وغيريته ، وحلوله ، ودونيته
في مختلف المواقف ، إنها بعض مشاهد هذا الكتاب الملم /
المحتوي الذي استله عبد العال من جيب سترة الرجل / اللغز
.. إن جاز الوصف : ( كانت تلك الصفحات الكثيرة التي مرت
أمامي في كتابه الجلدي قد جعلتني نزقا منزلقاً في فورة
من الغليان ومن الضيق ومن الإحساس بضياع الوقت ) [ ص 15
] إن صلاح والي لم يرد – في واقع الأمر – زيادة رصيد
رواياته بكتابة هذا العمل فحسب بل إنه – في زعمي – قد
باح بكل شيء برقت به ذاكرته عن أي شيء صادف فعل الكتابة
في قالب أقرب للروائية فأشار حتي عن سعاد حسني ، وعن نصر
حامد أبو زيد ، وعن حيدر حيدر وروايته الشهيرة ( وليمة
لأعشاب البحر ) ، فيمكن أن نقول أن رواية فتنة الأسر
تمثل المحتوي الذي تختلط فيه أمزجة العبث والواقع
والميتافيزيقي والفانتازي والتاريخي والتعبيري والتجريدي
والأسطوري ، والتصوفي ، فهي التقابل والتقابل الضد
للالتزام والانحلال / للجمال والقبح / للطموح واليأس /
للتفلت من إسار الجهم ، ودرأ الخطأ وإثبات الوجود ،
وترويع الآخر ، ومناهضة القميء ( أنا عبد العال يا كلاب
) [ ص 28] رجع صوتي لعالم هذا الـ عبد العال المتفاخر /
القوي / المعتز بماضيه وحاضره ، ( أنا عبد العال يا كلاب
.. سأظهر لكم من كل مكان ) [ ص 30 ] رجع صوتي يحذر
بالمراقبة والرصد وعلي المخطئ أن يحاذر ويحترس .. ( أنا
عبد العال يا كلاب .. كلما تعاملت مع الناس زاد احترامي
لكلابي ) [ ص 33 ] ، ( أنا عبد العال يا كلاب ، أمامكم
ووراءكم ومن فوقكم ومن تحت أرجلكم يا بهائم ) [ ص36 ] ،
( أنا عبد العال يا .. الحصار الحصار يا شعب عبد العال )
[ ص 38 ] ، أنا عبد العال يا كلاب . حذرتكم كثيراً يا
كلاب من الكلاب حتى صرتم كلاباً مثلهم ) [ ص 88 ] ، إن
هذه الرواية تمثَّل روحاً مختلفة ، روحاً ملَّكت صلاح
والي من الأطراف الأخري لكثيرٍ من خيوط الحقائق الملتبسة
، والبديهيات ، والحتميات القدرية ، والاضطرارات الجبرية
والواقع المفروض فرفض كل ذلك ببساطة شديدة من خلال
الصوت الواحد أو الشاهد الوحيد في الرواية وهو ( عبد
العال ) أو ذلك المنوط بالتحدث الرسمي عن شخص الكاتب
بعقد بروتوكول الإنابة عنه حتى فيما اقتضته فلسفة
المواقف أو إطلاق الأحكام القيمية من خلال وسائله
المرتبطة بالتقليب في تربة الوقت وفي خلق الجدليات ونكأ
جراح المفاهيم ذات الدلالات الثابتة والمضامين المغلقة ،
مشعلاً هذا العالم بذلك الترجيع الصوتي ، وارتداد الذات
، وتمثل عناصر الإيهام بأن ثمة عالم آخر يمكن أن يستدل
عليه بنفي أو رفض عالم ( فتنة الأسر ) بعد أن تساوى لدي
الراوي - الماضي والحاضر والمستقبل بفعل البنج و
المورفين على لسان الصوت القائل في مدخل الرواية : (
الحمد لله الذي خلق العبقري وألهمه اختراع المورفين
والبنج ) [ ص 7 ] فصار – بفعلهما - الزمن غير محدد
والمكان غير معلوم ، وزاد نسبة مشروعية الكلام في أي شيء
وبلا انتظام أو ترتيب أو تنميق أو تخطيط ، كما آنست
مداخلات الأصوات وحلول الشخصيات ، كما ارتفعت إيقاعية
اللغة واتسع بهو التداعيات ورنين الحلم وتشهي الفراديس .
وتأكدت مساحات أخري للجموح والتسكع والرغبة والموت
والشبق والعجز والحلول والفشل والكبرياء والعوز والقهر
والسعادة والإفلاس و الوحشية والتمرد والألم .. هذه
المعطيات العنيفة التي جاذبها والي أطراف الجدل وراودها
عن نفسها وحاورها في يقظته وفي إغمائه بصوت عبد العال ،
الطافي على سطح الوقائع ، والشاهد الراصد لمتابعات
الأحداث وتقلبات الزمن ( قلت لنفسي وأنا كثير القول
لنفسي لأني لا أجد مكاناً أضع فيه ثقتي فليس هناك بشكل
مطلق شيء واحد جيد ، ولكن كل شيء نسبي بدءاً بالحقيقة
وانتهاء بالشرف ) [ ص7 ] . هذا الجموح المطلق للحكم بنفي
وجود أي شيء موثوق فيه أو ثابت ، ينسحب إلي عالم هذه
الفتنة الروائية لأسر لصلاح والي داخل سجن الذات تارة
وداخل سجن المشاهدات وشرنقات الحلم والتشهي تارة أخري ،
إنه العجز عن قدرة خلق عالم مثالي ، ليناهض عالم هذه
الرواية التي أقصت شبهة انتمائها لمشروع والي الروائي
لصالح فكرة الانتصار لخطاب إصلاحي يحمل في طياته نخبة
كبيرة – غير مختارة – من المضامين ، وبروح روائية اختلفت
منتصرة لصالح المونولوج وأفق الإفضاء والإدلاء ، كما
اتفقت على الاختلاف مع النمط واستلهمت انعكاسات وقائع
الكون و المحيط البصري على نموذج السلوك البشري ورصد
عقدة الذات وفك شفرات النفس البشرية الغامضة إزاء
متغيرات هذا العالم ، ومن ثم صنع والي توافقاً بين مادته
الروائية ( كظواهر حية) وبين رصد هذه الظواهر داخل
الإنسان ( الاستجابة للفعل برد الفعل ) ، وإذا كان
الاختلاف في أسلوب عرض هذا العالم ( بنفي أساليب السرد
المعتادة ، وتغريب عنصر الزمن ، وغياب الحدث ، واعتماد
الصراع على نوعيه [ الساكن – الواثب ] وتأكد شبهة
السيرية على مساحات كبيرة ، إلا أن صلاح والي ككاتب واعٍ
متمرس استطاع تطويع ومعالجة هذا الاختلاف بجعله حالة
إبداعية لمستوي تلقي يكافئ المستوي الإبداعي في مقدار
الإيجاز بالحذف ، ففي الرواية عالم كبير محذوف يعرف
بالضرورة ، [ والقاعدة هي أن ما يعرف بالضرورة لا يذكر
بالضرورة ] ، وهو ما فعله صلاح والي بالضبط حيث قام
باختصار عالم الحدث المتراكم والصراع الصاعد وتتابع
التحولات وديناميكية الحركة داخل السياق ، وذلك كوسيلة
يراد بها عدة غايات ، وسبب لجملة نتائج مأمولة ، ووصولاً
لهذه النتائج بأقل الأسباب ، وإحرازاً لهذه الغايات دون
التكلف والإسراف في عرض وشرح الوسائل كان ذلك هو الشكل
الروائي الذي رأي والي أنه الأقدر على استيعاب تجربة
رواية شعرية قصير ة على الرغم من عمريتها وارتفاع مستوي
معالجتها بفلسفة خاصة وتحليلات لبعض المشاهد المنتثرة
على غير انتظام ، وربما يكون ذلك تمرداً أريد به تفرداً
ولكن بإعمال الموضوعية وإخضاع النص للتحليل والتحاور
الفاعل مع جزئياته وتفصيلاته نستطيع القول أن رواية فتنة
الأسر أحد الروايات المهمة ، التي اعتمدت على الانطلاق
من منطقة من مناطق اللاوعي الإبداعي ، وهي منطقة إن لم
يتوفر لها كاتب محنك فسوف يكون الفشل والوقوع في شركها
أمراً محتوماً ، فاللاوعي عالم مقيم فينا .. لا ينفصل ..
منتج .. يعكس الأفعال بردود الأفعال ، إنه الجغرافيا
المنتجة والمخلقة لأحداث مضمرة ووقائع خفية . وزعمي أن
صلاح والي لم يستغرق وقتاً طويلاً للتنسيق والعرض أو أنه
قد انشغل كثيراً بالبناء أو السرد بأكثر مما دخل مباشرة
إلي عالم رواية فتنة الأسر بجملة افتراضات مسبقة ومواقف
إنسانية ورؤى فلسفية ومرجعية تاريخية ونفسية متقلبة
بأمزجة مختلفة كانت جميعها هى القوة الدافعة والمحركة
لديناميكية الصراع الساكن في أعماق عبد العال الشاهد
والراصد ، الفاعل والمتماهي ، الراوي والمروي عليه ،
وربما كان كذلك نموذجاً للمروي له ، في عالم هذه الرواية
الخاص جداً والذي أدعو - من خلال هذه الرؤية السريعة
والإطلالة المتعجلة – لقراءتها للوصول معها إلي أحاسيس
ورؤى جديدة ، وقيم أخري مضافة .

أحمد سامي خاطر

(*) رواية ( فتنة الأسر ) الأديب صلاح والي / ط الأولي
2003 ميريت للنشر والمعلومات




__________________________________

منى عجاجي
07-06-2004, 04:32 PM
اخي الفاضل والأديب صلاح والي..

كالعادة لايسعنى ان اقدم لك إلا جزيل الشكر والامتنان
لهذا الإثراء القيم والذي يضفي على هذا القسم الكثير من الجمال والمعرفة....


تقبل خالص تحياتي وتقديري..