المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا تصـــــالح



الحالم
07-04-2004, 07:13 PM
هذه القصيدة من روائع الشاعر الكبير امل دنقل

اطلقها قبل وفاته في 21 مايو 1983م
القصيدة تتمحور حول رفض فكرة الصلح مع العدو الإسرائيلي ، وتدور حول الإصرار على الثأر ، وقد إستعار الشاعر الموقف الشعري و الإستراتيجي من قصة الملك كليب ووصاياه العشر التي كتبها بدمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ليحمل أخاه الأمير سالم الزير مسئولية الثأر له حتى لا تذهب دماؤه هدراً .


وسوف تظل هذه القصيده متعاليه عن الواقع ، وما يكتنفه من تغيرات نرها الان
لا الفن باق والحياة قصيرة على حد قول هوراس !

لا تصالح


(1)

لا تصالحْ !

.. ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك،

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..:

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..

وكأنكما

ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

صوتانِ صوتَكَ

أنك إن متَّ:

للبيت ربٌّ

وللطفل أبْ

هل يصير دمي - بين عينيك - ماءً ؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..

تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب ؟

إنها الحربُ !

قد تثقل القلبَ ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ ..

ولا تتوخَّ الهرب !


(2)

لا تصالح على الدم .. حتى بدم !

لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك ؟!

أعيناه عينا أخيك ؟!

وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك ؟

سيقولون :

جئناك كي تحقن الدم ..

جئناك . كن - يا أمير - الحكم

سيقولون :

ها نحن أبناء عم.

قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

وأبًا،

ومَلِك!


(3)


لا تصالح ..

ولو حرمتك الرقاد

صرخاتُ الندامة

وتذكَّر ..

(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)

أن بنتَ أخيك "اليمامة"

زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا -

بثياب الحداد

كنتُ، إن عدتُ:

تعدو على دَرَجِ القصر،

تمسك ساقيَّ عند نزولي..

فأرفعها - وهي ضاحكةٌ -

فوق ظهر الجواد

ها هي الآن .. صامتةٌ

حرمتها يدُ الغدر:

من كلمات أبيها،

ارتداءِ الثياب الجديدةِ

من أن يكون لها - ذات يوم - أخٌ !

من أبٍ يتبسَّم في عرسها ..

وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها ..

وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،

لينالوا الهدايا..

ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)

ويشدُّوا العمامة ..

لا تصالح!

فما ذنب تلك اليمامة

لترى العشَّ محترقًا .. فجأةً ،

وهي تجلس فوق الرماد ؟!


(4)

لا تصالح

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ..؟

وكيف تصير المليكَ ..

على أوجهِ البهجة المستعارة ؟

كيف تنظر في يد من صافحوك..

فلا تبصر الدم..

في كل كف ؟

إن سهمًا أتاني من الخلف..

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم - الآن - صار وسامًا وشارة

لا تصالح ،

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

إن عرشَك : سيفٌ

وسيفك : زيفٌ

إذا لم تزنْ - بذؤابته - لحظاتِ الشرف

واستطبت - الترف

(5)

لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدامْ

" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."

عندما يملأ الحق قلبك:

تندلع النار إن تتنفَّسْ

ولسانُ الخيانة يخرس

لا تصالح

ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟

كيف تنظر في عيني امرأة ..

أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟

كيف تصبح فارسها في الغرام ؟

كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام

- كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام

وهو يكبر - بين يديك - بقلب مُنكَّس ؟

لا تصالح

ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام

وارْوِ قلبك بالدم..

واروِ التراب المقدَّس ..

واروِ أسلافَكَ الراقدين ..

إلى أن تردَّ عليك العظام !


(6)

لا تصالح

ولو ناشدتك القبيلة

باسم حزن "الجليلة"

أن تسوق الدهاءَ

وتُبدي - لمن قصدوك - القبول

سيقولون :

ها أنت تطلب ثأرًا يطول

فخذ - الآن - ما تستطيع :

قليلاً من الحق ..

في هذه السنوات القليلة

إنه ليس ثأرك وحدك،

لكنه ثأر جيلٍ فجيل

وغدًا..

سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

يوقد النار شاملةً،

يطلب الثأرَ،

يستولد الحقَّ،

من أَضْلُع المستحيل

لا تصالح

ولو قيل إن التصالح حيلة

إنه الثأرُ

تبهتُ شعلته في الضلوع..

إذا ما توالت عليها الفصول..

ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)

فوق الجباهِ الذليلة !


(7)

لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم

ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..

كنت أغفر لو أنني متُّ..

ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .

لم أكن غازيًا ،

لم أكن أتسلل قرب مضاربهم

أو أحوم وراء التخوم

لم أمد يدًا لثمار الكروم

أرض بستانِهم لم أطأ

لم يصح قاتلي بي: "انتبه" !

كان يمشي معي..

ثم صافحني..

ثم سار قليلاً

ولكنه في الغصون اختبأ !

فجأةً:

ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..

واهتزَّ قلبي - كفقاعة - وانفثأ !

وتحاملتُ ، حتى احتملت على ساعديَّ

فرأيتُ : ابن عمي الزنيم

واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم

لم يكن في يدي حربةٌ

أو سلاح قديم،

لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ


(8)

لا تصالحُ ..

إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:

النجوم.. لميقاتها

والطيور.. لأصواتها

والرمال.. لذراتها

والقتيل لطفلته الناظرة

كل شيء تحطم في لحظة عابرة:

الصبا - بهجة الأهل - صوتُ الحصان - التعرف بالضيف
- همهمة القلب حين يرى برعمًا في الحديقة يذوي - الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي
- مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة

كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة

والذي اغتالني: ليس ربًّا

ليقتلني بمشيئته

ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته

ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة


لا تصالحْ

فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ ..

(في شرف القلب)

لا تُنتقَصْ

والذي اغتالني مَحضُ لصْ

سرق الأرض من بين عينيَّ

والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة !

(9)

لا تصالح

ولو وَقَفَت ضد سيفك كلُّ الشيوخ

والرجال التي ملأتها الشروخ

هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد

وامتطاء العبيد

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم،

وسيوفهم العربية، قد نسيتْ سنوات الشموخ

لا تصالح

فليس سوى أن تريد

أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد

وسواك .. المسوخ !

(10)

لا تصالحْ

لا تصالحْ


تحياتي

منى عجاجي
07-05-2004, 08:46 AM
اخي الفاضل الحالم...

شكرا لك هذه الرائعة .ومااعدته من ذكريات..

واذكر هنا بالمناسبة اني قرأتها سابقا مساهمة من اختي الحبيبة شهرزاد

http://www.d-alyasmen.com/vb1/show.php?MainID=17&SubjectID=1910

تحياتي..
12

الزهراء
07-05-2004, 06:39 PM
لا تصالح.. فما ذنب تلك اليمامة..

أن لا ترى وجه أبيها في ليلة عرسها وهو يضحكُ...

ما ذنب تلك اليمامة أن لا ترى أخاً لها تسعد معه وتفرحُ..

لا تصالح..

فإن اليمامة هناك ترقدُ..

والطائر فوق قبرها يصرخُ..

لا تصالح..لا تصالح..



ليس ربًّا ...ليقتلني بمشيئته

ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته

ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة


لو فقه العرب معنى هذه الكلمات.

وفهموا ما تدور حوله..

لو أصبحوا يداً واحدة ضد كل معتدٍ آثم..

لو عرفوا أن القوة بالوحدة.. والضعف بالتفرق..

لو فقهوا ان ذاك العدو الأثيم.

ليس أنبل منهم ولا أقوى منهم..

ليس له هدف وليس له معنى في هذه الحياة.

وأنهم هم المنتصرون إذا استعانوا وجهادوا في سبيل الله..

ورفضوا الصلح والهدنة مع أي أحد.

وكان العقل والفكر والسيف سلاحهم ..(للــــــــــعرب)..

لتحررت الأمة العربية منذ زمن...

ولأصبح العرب هم سادة العالم..والزمن..

أذكر هنا ما قال المتنبي..
يا أمة ضحكت من جهلها أممُ..
هل هذا البيت ينطبق على حالنا في هذا الوقت؟؟


فلا تصالح..

ولا تصالح..

فغداً..

في زمنٍ ما..

سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

ويوقد النار شاملةً، ويطلب الثأرَ،

ويستولد الحقَّ، من أَضْلُع المستحيل

لا تصالح

ولو قيل إن التصالح حيلة ..

فلا تصالح..

وأطلب الثأر..

إنه الثأرُ


فإما العار..

وإما الثائر..

إما النصر..

وإما الهزيمة..

إما العيش حراً..

أو الموت كريماً..
1

أخي الحالم..

أحييكَ تحية كبيرة من أعماق القلب..


على هذه القصيدة الرائعة التي تفجر الأحاسيس..

على هذه الكلمات الرائعة للشاعر امل دنقل..



لا تصالح..

فإن الشرف والنصر لا يباع ولا يشترى..

فإن الوطن لا يباع ولا يهدى..

تحياتي لكَ أيها الرائع. بإنتظار المزيد والمزيد..

تحياتي..

الصغيرة..الزهراء..

12 12

1

الحالم
07-07-2004, 04:27 PM
اشكر الاخت الفاضلة روعة
على مرورها الكريم وكلماتها النديه
كذلك اشكر الاخت شهرزاد على ذكرها للقصيده سابقا والتي جعلتها في حله من الصور التي كانت بلا شك صراخ مدويا من نشيج القلب والوجع

تحياتي

الحالم
07-07-2004, 04:30 PM
اشكر الرائعه دوما و المتألقه الزهراءفي هذا المنتدى الجميل

على كلماتها الجميلة
وارجوا ان اكون دائما عند حسن ظنك بي

تحياتي

علي بخوش
07-08-2004, 02:43 PM
لا تصالح كلمات قالها الشاعر الراحل أمل دنقل منذ مدة فلم يستمع إليها أحد ، كلمات صادقة من شخص ابى أن يكون شاعر البلاط ـ وقد عرضت عليه كل الاغراءات ـ وقبل ان يعيش حياة صعلكة ( لقب بالشاعر الصعلوك ) وتمرد وثورة واباء حتى ان الجميع كان يخشى سلاطة لسانه ..شخص تميز ـ حتى آخر لحظات عمره ـ بالكلمة المتحدية والقوية وتميز بالرفض الفني والجمالي ....
امل عاش صادقا مع الكلمة في حياته ، فعاشت الكلمة صادقة بعد وفاته ، وهذا هو الفن الصادق الاصيل الوفي لصاحبه.
بارك الله فيك اخي الكريم "الحالم" على تذكيرنا بشاعر كبير راحل.
دام هذا القلم الطيب .

الحالم
07-13-2004, 09:32 AM
اشكر الاخ الكريم على بخوش على تعقيبه الضافي
والذي اسعدني كثيرا
التمرد هو نوع من الفردانيه والتميز وعدم الارتهان الى واقع معاش يستلزم منا او يريد منا الخضوع لمسلمات قبليه على اثرها نتكيف ونغدو نحن بدلا من ان نكون انا
وشاعرنا الكبير كما ذكرت كان من هولاء ومن هنا تنبع فرادته وتميزه العميق
وتاتي قصيدته تلك في تبيان الفراده والتميز والوقوف ضد ثقافة الهزيمه والخنوع
مما جعله صادقا مع نفسه ولذلك بقيت كلماته صادقه خالدة بعد مماته .


تحياتي لك