المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر العراقي معروف الرصافي أصدق مترجم عن آلام شعبه واحزانه



غريب
06-14-2004, 01:55 PM
معروف الرصافي
ولد الشاعر معروف الرصافي في سنة 1875 ببغداد حيث اكمل دراسته فيها ، ثم انتقل الى القسطنطينية والقدس ، وبعد اتمام دراسته عاد الى العراق . يمتاز اسلوب الرصافي بمتانة لغته ورصانة اسلوبه ، وله آثار كثيرة في النثر والشعر واللغة والآداب اشهرها ديوانه (الرصافي) حيث رتب الى احد عشر بابا في الكون والدين والاجتماع والفلسفة والوصف والحرب والرثاء والتاريخ والسياسة وعالم المراة والمقطعات الشعرية الجميلة ، وقد جاء في وصفه لعظمة الخالق قائلا:
انظر لتلك الشجرة
ذات الغصون النظره
كيف نمت من حبة
وكيف صارت شجره
فابحث وقل من ذا الذي
يخرج منها الثمره
وانظر الى الشمس التي
جذوتها مستعره
فيها ضياء وبها
حرارة منتشره
وفي مكان آخر من ديوانه يصف مشاهدته لأرملة وبنتها الصغيرة توفي زوجها وتركهما بين الفقر والبؤس حيث ‏بلغ القمة في الوصف قال:
لقيتها ليتني ما كنت القاها
تمشي وقد اثقل الاملاق ممشاها
اثوابها رثة والرجل حافية
والدمع تذرفه في الخد عيناها
بكت من الفقر فاحمرت مدمعها
واصفر كالورس من جوع محياها
مات الذي كان يحميها ويسعدها
والى آخر القصيدة

غريب
06-14-2004, 01:56 PM
لقد شارك الرصافي في قضايا امته السياسية والاجتماعية ، ودعا الى بناء المدارس ونشر العلم والتي ينبغي لطالب العلم ان لا يكون طلبه للعلم وحسب بل أن يحث نفسه للعمل
جودوا عليها بما درت مكاسبكم
وقابلوا باحتقار كل من بخلا
لا تجعلوا العلم فيها كل غايتكم
بل علموا النش‏ء علما ينتج العملا
وعندما احتل الانكليز العراق سنة 1920م وسرعان ما نصبوا فيصل ملكا على البلاد واصدروا دستورا وانشاؤا برلمانا مزيفين واصحبت امور البلاد بايديهم ثار الشعب العراقي وثار الرصافي معهم حيث انشد قصيدته
علم ودستور ومجلس امة
كل عن المعنى الصحيح محرف
اسماء ليس لنا سوى الفاظها
اما معانيها فليست تعرف
من يقرا الدستور يعلم انه
وفقا لصك الانتداب مصنف
فكان الدستور الذي سن في نظره ليس الا وثيقة جديدة للانتداب الذي فرضه الانكليز على العراق دستور مزيف وعلم الدولة مزيف هو الآخر ، وحتى المجلس الذي يسمى بمجلس الامة ايضا كان مزيفا فهو يصرخ ساخرا
يا قوم لا تتكلموا
ان الكلام محرم
ناموا ولا تستيقضوا
ما فاز الا النوم
وتاخروا عن كل ما
يقضي بان تتقدموا
ودعوا التفهم جانبا
فالخير ان لا تفهموا
اما السياسة فاتركوا
ابدا والا تندموا
ومن وجهة نظر شاعرنا أن المرأة تستحق منا كل تقديرعرفاناً منا بجهود ها فهي صانعة الأجيال قال معروف الرصافي بحقها
الأم مدرســة إذا أعــددتها أعددت شعباً طيب الأعراقَِ
الأم أستاذ الأساتذة الأولى شغلت مآثرها مـدى الأفـاقِِ
وقد سجَّل شاعر العراق معروف الرصافي قصيدة عن مدينة الفلوجة البطلة ومقاومة أهلها الشجعان للإستعمار عام 1941 كتب عن الأحداث مصوراً كبرياء وعزة أهل الفلوجة في قصيدة بعنوان: "يوم الفلوجة"
قائلآ:
أيها الإنكليز لن نتناسى
بغيكم في مساكن الفلوجة
أدرتم فيها على العُزّل كأساً
من دماء بالغدر كانت مزيجه
حلها جيشكم يريد إنتقاماً
و هو مُغر بالساكنين علوجه..
فالقصيدة نوع من الشعر السياسي منددآ فيها بالإنكليز يوم أقدموا على احتلال الفلوجة بالعراق، وهي من البحر الخفيف والشاعر يتوعَّد المعتدين بأنَّ بغيهم وظلمهم وعدوانهم لن ينساه أهل الفلوجة وأنَّ الرد الوحيد على هذا البغي والعدوان لن يكون إلا بحمل السلاح الذي عبر عنه الشاعر بـ "المواضي" وهي السيوف

غريب
06-14-2004, 01:57 PM
ومن قصائده قصيدة رسالة ...
سِرْ في حياتك ســـــــــيرَ نابِهْ ولُمِ الزمــــان ولا تُـــحـــــــــابه
وإذا حــــــــــــللتَ بــمـــوطــنٍ فاجعل محــــــــلك في هضابه
واخـــــترْ لنفــســــــكَ مـــنزلاً تهفو النجـــــــــــومُ على قِبابه
ورُمِ العــــــــلاءَ مُـــخـــــــــاطراً فيما تُحــــــــــــــــاول مِن لُبابه
فـــالمـــجــــــــــــد ليس ينالهُ إلا المُخـــــــــــــاطرُ في طِلابه
ان نهضة الشعر في العراق قد ارتبطت بظهور شاعرين هما جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وأليهما يرجع الفضل في التخلص الي حد كبير القصيدة العمودية التقليدية وما آلت اليه من جمود في مضمونها وشكلها . أن كل القصائد تشهد بوفاء الرصافي لقيم العروبة من المحيط الي الخليج، وعمق تجاذبه مع ما يحدث في الاجزاء المختلفة من الوطن العربي.. وله كتاب رسائل الرصافي حيث ضم مائة رسالة تبادلها مع رجالات عاصره حينذاك كالملك فيصل الأول,عبد القادر المغربي, محمد كرد علي, بشارة الخوري, العلامة الكرملي,جميل صدقي الزهاوي,محمد بهجت الاثري, يونس بحري, زكي مبارك, رشيد عالي الگيلاني,محمد مهدي الجواهري , و أمين الريحاني وغيرهم.
والرسائل وثائق ذات أهمية كبيرة لشاعر ثائر وأحد كبارممن دافعوا عن الحق والعدل من دون ان يخشي او ينحني رأسه، ودفع شاعرنا ثمن كل هذا راضياً فقراً وعوزاً ونكراناً ولنا في قصائده الشعرية خير شاهد علي قوته وثباته وعروبته ..فلشاعرنا الرصافي لمحات حقيقية في الحكم والاوصاف والاقاصيص الحزينة التي تجسد بؤس وفقر الامة ومقاومتها للاستبداد وظلم الاجنبي أضافة الى آرائه في السياسة وانتقاد السلطة فهو يدعو الى الثورة الاجتماعية والسياسية والتغيير ويطالب أن يعم الرخاء وتنعم البلاد بالحرية والمساواة .
توفي شاعرنا الرصافي سنة 1945م
شكرآ لمتابعتكم وأستسمحكم عذرآ للأطالة ولكن شاعر وطني مثل معروف الرصافي يستحق منا وقفة تقدير لأرثه الأدبي وتأريخه النضالي

منى عجاجي
06-14-2004, 04:55 PM
أخي الفاضل غريب

جميل ماتقوم به من جهد

لإثراء الدرب بالمعرفة والفائدة الممتعة

شكرا لك..

تحياتي.
ودمتم بخير

أبو ميشال
06-15-2004, 08:10 AM
أخي غريب أحيي فيك هذا العشق الادبي و محاولتك ابراز مكنون العراق الشقيق الثقافي و الحضاري
أتمنى الا تنقطع عن الدرب لاننا بحاجة ماسة لامثالك
تحياتي

غريب
06-16-2004, 12:28 PM
تحية عطرة
سلمت يداك على أحرف رسمتها يمناك
جميل أن تطرز موضوع الرصافي
مشاركة من صاحب الحرف والكلمه وأجمل من نبض قلمه
أنه الأخ المبدع جورج
تمنياتي أن يبقى درب الياسمين مرسى لكل الطيبين
تقبـــّــل تقديري

غريب
06-16-2004, 12:37 PM
سيدتي الفاضلة
روعة
أحتار بالفعل من أنتقاء القوافي والجمل
في حضورك
أشكر لك تواصلكِ
تحياتي وتقديري أبعثها لكِ
مع حزمة من خيوط الشمس كل صباح
أخوك

غريب
10-16-2006, 06:07 PM
12 12
شكرا

sarmad1960
10-25-2006, 03:26 PM
معروف الرصافي (1875 - 1945 م) هو شاعر عراقي من أب كردي و أم تركمانية من عشائر القرغول والتي يرجع أصولها إلى قبيلة الشاة السوداء التركمانية التي حكمت العراق و قسماً من إيران زمناً ما قبل العثمانيين, عاش في مدينة بغداد حيث درس فيها وسافر إلى القسطنطينية والقدس حيث أكمل دراسته هناك.


له تمثال في الساحة المقابلة لجسر الأحرار عند التقاطع مع شارع الرشيد المشهور قرب سوق السراي والمدرسة المستنصرية الاثرية.

يمتاز اسلوب الرصافي بمتانة لغته ورصانة اسلوبه ، وله آثار كثيرة في النثر والشعر واللغة والآداب اشهرها ديوانه (الرصافي) حيث رتب الى احد عشر بابا في الكون والدين والاجتماع والفلسفة والوصف والحرب والرثاء والتاريخ والسياسة وعالم المراة والمقطعات الشعرية الجميلة ، وقد جاء في وصفه لعظمة الخالق قائلا:

انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النظره

كيف نمت من حبة وكيف صارت شجره

فابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الثمره

لقد شارك الرصافي في قضايا امته السياسية والاجتماعية ، ودعا الى بناء المدارس ونشر العلم ، والتي ينبغي لطالب العلم ان لا يكون طلبه للعلم لذاته بل لغايات اجتماعية وذلك من خلال ربطه بالعمل فهل وفى اللفظ بهذا المعنى لذلك نجده يقول:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا

حتى نطاول في بنيانها زحلا


وعندما احتل الانكليز العراق سنة 1920م ، وسرعان ما نصبوا فيصل ملكا على البلاد واصدروا دستورا وانشاوا برلمانا مزيفين واصحبت امور البلاد بايديهم ثار الشعب العراقي وثار الرصافي معهم حيث انشد قصيدته ، ومما جاء فيها:

علم ودستور ومجلس امة

كل عن المعنى الصحيح محرف

فكان الدستور الذي سن في نظره ليس الا وثيقة جديدة للانتداب الذي فرضه الانكليز على العراق ، دستور مزيف وعلم الدولة مزيف هو الآخر ، وحتى المجلس الذي يسمى بمجلس الامة ايضا كان مزيفا ، ثم نلاحظ الشاعر الرصافي يصرخ ساخرا ويقول:

يا قوم لا تتكلموا

ان الكلام محرم

فلشاعرنا الرصافي مشاهد كثيرة في الحكم والاوصاف والاقاصيص الحزينة التي تظهر بؤس وفقر الامة ومقاومتها للاستبداد وظلم الاجنبي ، بالاضافة الى آرائه الحدية في السياسة وانتقاد السلطة ، فهو يدعو الى الثورة الاجتماعية والسياسية ليعم الرخاء ولتنعم البلاد بالحرية والمساواة .

عاصر معروف الرصافي الشاعرَ العراقي جميل صدقي الزهاوي وقد دعى كلاهما إلى تحرير المرأة ونزع الحجاب (العباءة) التي كانت مستخدمة من قبل عامة نساء العراق. ولكن كانت المنافسة والعدواة بينهما شديدة حيث قال الرصافي اشياء كثيرة في النيل من الزهاوي.




__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:27 PM
ابنوا المدارس




ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا

حتى نطاول في بنيانها زحلا

جودوا عليها بما درت مكاسبكم

وقابلوا باحتقار كل من بخلا

لا تجعلوا العلم فيها كل غايتكم

بل علموا النش‏ء علما ينتج العملا

ربوا البنين مع التعليم تربية

يمسي بها ناطق الدنيا به المثلا

فجيشوا جيش علم من شبيبتنا

عرمرما تضرب الدنيا به المثلا

انا لمن امة في عهد نهضتنا

بالعلم والسيف قبلا انشات دولا

sarmad1960
10-25-2006, 03:28 PM
معروف الرُّصافي: شاعر الحرية والإنسانية

1875-1945



في حيّ القراغول

ولد معروف بن عبد الغني المشهر بلقب (الرُّصافي) سنة (1875 م) في حي من أحياء بغداد، يدعى حيّ القراغول، وهو ينتمي من جهة أبيه إلى عشيرة (جبارة)، وهي عشيرة كردية تدعى بالكردية (جباري)، لكن يذكر أدهم آل جندي في كتابه (أعلام الأدب والفن، الجزء الثاني) أن الرصافي من العشيرة الكردية (بَرزنْج)، والأرجح أنه من عشيرة جباري. وجاء في كتاب (العشائر الكردية) أن عشيرة جباري تسكن لواء (محافظة) كركوك، وهي تمتهن الزراعة، وقد وقفت إلى جانب الشيخ محمود الحَفيد خلال ثورته ضد الإنكليز سنة (1919) في كردستان العراق.

وكان عبد الغني والد معروف يعمل في سلك الجَنْدِرْما (الدَّرَك)، كما أنه كان كثير التنقل بحكم وظيفته، ويبدو أنه توفّي مبكّّراً، فتلقّى الصبي معروف الرعاية الكاملة من أمـه فاطــمة بنت جاسم، وهي من بنات حيّ (القراغول)، وكذلك من جدّه جاسم، وهو من أصل عربي بدوي، ولّما بلغ معروف الثالثة من عمره أرسلته أمه إلى الكُتّاب، ليتعلم تلاوة القرآن والكتابة، طبقًا للعادة المتبعة في تعليم الصبية حينذاك.

وبعد أن أنهى معروف دراسته في الكُتّاب، وختم القرآن الكريم، انتقل إلى كُتّاب آخر كان يعتبر من أرقى الكتاتيب ببغداد في ذلك الوقت، وكان من شروط قبول التلميذ فيه أن يكون قد ختم القرآن، وكانت الدروس التي تُدرَّس في هذا الكُتّاب أرقى من التي كانت تُدرَّس في الكتاتيب الأخرى؛ سواء أكان ذلك من حيث الكمّ أم النوعية، ولذلك كان لهذا الكتّاب امتياز خاص، وهو أن الطالب الذي يُنهي دراسته فيه يحق له التسجيل في الصف الأول من صفوف (المدرسة الرشيدية العسكرية).

وهكذا أصبح معروف من طلبة المدرسة الرشيدية العسكرية، لكنه جابه فيها مشكلتين لم يكن في مقدروه تحمّلهما:

- الأولى هي صعوبة الدراسة؛ إذ اقتصر التدريس في المدرسة الرشيدية على اللغة التركية، تلك اللغة التي يجهلها معروف، سوى ألفاظ متناثرة وتعبيرات بسيطة، شأنه في ذلك شأن الغالبية العظمى من الكرد والعرب حينذاك.

- والثانية هي التنافر الشديد بين الطبع الأدبي المتأصّل في شخصية معروف، وروحه الشاعرة من ناحية، وبين صرامة نظام الجندية، وقسوة الحياة العسكرية، والطاعة العمياء المطلوبة على الدوام، من ناحية أخرى.

لقب الرُّصافي

وأمضى معروف سنتين في المدرسة الرشيدية بجهد جهيد، واستطاع بصعوبة أن يجتاز الصفين الأول والثاني، وكان مضطراً إلى حفظ نصوص المواد الدراسية عن ظهر قلب، دون أن يفهم مضامينها، ولما انتقل إلى الصف الثالث لم تُسعفه طريقته هذه في التغلّب على الموادّ الدراسية الجديدة، وعجز عن النجاح، فاضطر إلى ترك المدرسة الرشيدية، وانصرف إلى الدراسة الحرة، يقرأ ما يميل إليه طبعه، ثم توجّه نحو المدارس الدينية، فدرس فيها العلوم الدينية والأدبية واللغوية، واختار من تلك المدارس مدرسة العلاّمة محمود شكري الآلوسي، صاحب الكتاب الشهير (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب)، فلازمه أكثر من اثنتي عشرة سنة، درس خلالها علوم اللغة العربية وآدابها، كما درس علوم الفكر والمنطق.

ونظراً لنبوغ معروف في دراسته أصبح موضع اهتمام أخواله، فكانوا يقدّمون له ما يحتاجه من نفقات، على أن معروفاً كان كريم الطبع، جواداً، إذا رأى زميلاً له في المدرسة من غير جبّة خلع جبّته وأعطاه إياه، بل إنه كان يخلع حذاءه من رجله ويعطيها لمن يجده بحاجة إلى حذاء، مع أنه كان لا يملك غيره، وكان كثير المواظبة على الصلاة، ويمشي في طريقه مرتدياً الجبّة، والعمامة على رأسه، وعيناه في الأرض لشدّة ورعه، فلقّبه أستاذه الآلوسي بـلقب (الرُّصافي)؛ نسبة إلى شيخ قديم معروف بالتقوى والصلاح في محلّة الرصافة ببغداد.

ومن مدرسة شيخه محمود شكري الآلوسي التحق الرصافي بمدرسة جديدة، هي مدرسة الملاّ البغدادي، واستمر في استكمال تعليمه، مواظباً على الدروس دون كلل أو ملل، يساعده ذكاء وقّاد وفطنة نيّرة، وتشجيع من شيخه الملاّ البغدادي الذي لمح فيه النجابة والنبوغ، وكان ذلك من العوامل المساعدة على أن يسير بخطوات ثابتة في التحصيل العلمي، وأن يكون متميّزاً ومتفوّقاً على أقرانه من الطلبة.

في ميادين الحياة

استكمل الرصافي دراسته، وتسلّح بعلوم تجعله أهلاً لأن يتحوّل من طالب علم إلى معلم، فحصل على وظيفة معلم بمدرسة ابتدائية في إحدى قرى العراق النائية، وبعد سنة عمل معلّماً في مدرسة ابتدائية ببغداد، ومنها نقل إلى المدرسة الإعدادية ليصبح مدرّساً للغة العربية، وفي سنة (1908 م) أُعلن الدستور العثماني، فاستدعاه صاحب جريدة (إقدام) التركية في إستانبول، ليكتب في جريدته التي عزم على إصدارها باللغة العربية، فسافر إلى هناك ليتولّى عمله في الجريدة ، لكنه لم يقم في إستانبول طويلاً، وعاد ثانية إلى بغداد.

وما إن استقر به المقام في بغداد فترة من الزمن حتى استُدعي إلى إستانبول ليدرّس اللغة العربية في المدرسة الملكية الشاهانية، إضافة إلى الكتابة في مجلة (الإرشاد)، فسافر إلى إستانبول من جديد، وأثناء وجوده فيها تم انتخابه نائباً عن لواء (المنتفق) العراقي. واندلعت الحرب العالمية الأولى، فعُهد إليه تدريسُ الخطابة في مدرسة الواعظين التي أسستها وزارة الأوقاف، وبقي في عمله إلى أن أُعلُنت الهدنة، فقرر العودة إلى العراق، ولم يكن السفر إلى العراق ميسوراً، فتوقف في دمشق وبقي فيها سبعة أشهر، ومن دمشق رحل إلى القدس، فتولّى تدريس آداب اللغة العربية

sarmad1960
10-25-2006, 03:36 PM
بدار المعلمين فيها.

وفي سنة (1921 م) تألّفت الحكومة الوطنية بالعراق، فعاد إلى بغداد، فعيّن نائباً لرئيس لجنة (الترجمة والتأليف)، وقضى في عمله هذا نحو عام ونصف العام، انتقل بعده إلى العمل في القطاع الخاص، فأصدر جريدة سياسية تحت اسم (الأمل). لكن الضائقة المالية لم تسمح له بأن يصدر أكثر من ثمانية وستين عدداً.

ولما حلّت سنة (1924 م) عيّن مفتشاً للغة العربية بوزارة المعارف، وانتقل من هذا المنصب إلى دار المعلمين العالمية ليتولّى تدريس اللغة العربية وآدابها. وبعد أن أمضى في مهنة التدريس أربعة أعوام استقال، واكتفى بالمقعد النيابي الذي شغله خمس مرات متتالية خلال ثماني سنوات، ترك العلم بعدها في وظائف الدولة ومجلس الأمة، وكان ذلك سنة 1933 م.

الرصافي مفكّراً وكاتباً

إرث الرصافي زاخر بالعطاء، فقد ترك وراءه سبعة عشر مؤلفًا طُبع بعضها، وبعضها الآخر ما زال مخطوطًا؛ إذ لم يستطع أن يدفع إلى الطباعة بكل ما كتب، لضيق ذات يده، وتولّى بعض أصدقائه دفع تكاليف طباعة بعض كتبه، وتولّت الحكومة العراقية طباعة بعضها الآخر.

ومن أقدم مؤلفاته كتابه (الرؤيا)، ويُعدّ أول مؤلفاته، وهي رواية كتبها الأديب التركي (نامق كمال)، ونقلها الرصافي إلى العربية بعد إعلان الدستور العثماني، وأهم ما جاء فيها هو النداء الذي وجّهه المؤلف إلى الشعب في السلطنة العثمانية، يستنهض هممهم، ويطلب إليهم العمل لتحقيق المجد والسؤدد.

واتجه الرصافي إلى أدب الأطفال فكان لديه اهتمام بتنشئتهم تنشئة كريمة، وإذكاء الروح القومية والوطنية فيهم، فلما كان في القدس وعمل فيها أستاذاً للغة العربية وضع كتابه الثاني باسم (الأناشيد المدرسية)، وطبع هذا الكتاب ووزّع على المدارس، فكان الطلاب يبدؤون يومهم الدراسي بإنشاد هذه الأناشيد التي ترددت في مختلف البلدان العربية.

وبعد كتابه هذا وضع كتابه الثالث (تمائم التعليم والتربية)، وضمّن هذا الكتاب عدداً من الأناشيد القومية والوطنية ومكارم الأخلاق والسعي لطلب العلم، وغيرها من التوجيهات اللازمة لتربية التلاميذ تربية صالحة، وقد ذاعت هذه الأناشيد في البلاد العربية، وحفظها طلاب المدارس، وكانوا يرددونها في كل يوم.

والكتاب الرابع للرصافي كان بعنوان (دفع الهُجْنة في ارتضاخ اللُّكْنة)، وقد جمع فيه كلمات عربية ردّها إلى أصولها في المعجم، إذ كانت هذه الكلمات تستعمل في اللغة التركية، وكان يرمي من وراء تأليف هذا الكتاب إلى حماية المتكلمين بالعربية من اللُّكْنة.

أما الكتاب الخامس فهو (نفحُ الطِّيب في الخطابة والخطيب)،وقد ألّفه الرصافي عندما عهدت إليه الدولة العثمانية بتدريس الخطابة العربية في مدرسة الواعظين بالأستانة مع بدء الحرب العالمية الأولى.

ثم وضع الرصافي كتابه السادس (دروس في تاريخ آداب اللغة العربية)، ويتألّف من الدروس التي ألقاها على طلبته في دار المعلمـين بالعراق، ونشرها سنة (1928 م) بمجلة (التربية والتعليم) التي كان يصدرها ساطع الحصري، ثم جُمعت ونشرت في كتاب بعنوان دروس في تاريخ آداب اللغة العربية.

ولم يترك الرصافي كتاباً وقع نظره عليه فقرأه إلا علّق عليه، مما يدل على سعة اطلاعه وعمق ثقافته، ولما توفي ترك كثيراً من المخطوطات التي حالت الفاقة من إرسالها إلى المطابع، ومنها: (الأدب الرفيع في ميدان الشرف)، و (خواطر ونوادر)، و(الرسالة العراقية)، و(آراء أبي العلاء)، و(الآلة والأداة)، و(دفع المَراق في كلام أهل العراق)، و(الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدس).

الرصافي .. شاعرًا

اشتهر الرصافي شاعراً أكثر من اشتهاره كاتباً، وله ديوان في جزءين، ويعـدّ شعره سجلاً تاريخيًا صادقًا لما كان عليه العراق منذ أواخر العهد العثماني حتى نيله استقلاله في ظل النظام الملكي، إنه شارك أبناء وطنه مرارة البؤس وآلام الحرمان، فكانت قصائده تصدر عن شعور صادق وضمير يقظ وحس مرهف أصيل.

وكان الرصافي بحق من أبرع الشعراء الذين صوروا بؤس الشعب ومآسيه، وكان أصدق من ترجم آمال الجماهير وأحزانها، فكان- رحمه الله- إذا صوّر لوحة من تلك اللوحات الحزينة لا يكتفي بمجرد التصوير، بل يستخلص منها ما يراه مفيداً لاستنهاض الشعب وإيقاظه من سباته، والتنديد بركوده وجموده، وفي معظم قصائده نراه يهيب بالجماهير كي تتطلّع إلى حياة أعز ومنزلة أسمى، وهذه الحقيقة ماثلة للعيان في معظم أشعاره.

وإذا دققنا في شعر الرصافي وجدنا أنه اتخذ من الكون كله غرضاً له، وقد أعانه على بلوغ ما أراد بيان ناصع، وأسلوب بليغ، وألفاظ مختارة منتقاة، وقريحة ثرّة، وديباجة مشرقة، ولغة واضحة لا حشو فيها ولا تعقيد، وهذا يظهر جليّاً في ثروته الشعرية التي أبدعها، تلك الثروة التي تمتاز بمعانيها الفياضة والتبويب الرائع.

كما أن الرصافي تأثّر بأفكار جمال الدين الأفغاني، وأسهم بشعره في رفد الحركة الفكرية- الاجتماعية بكثير من القوة والحيوية؛ سواء أكان ذلك في مجال تحرير العقول من الأوهام، أم في تحرير النفوس من العبوديات، أم في مقاومة الجمود وتعليم المرأة، حتى إن عبد اللطيف شرارة يقول في كتابه الرصافي:

" إن الفضل فيما توصّلت إليه المرأة العربية، والعراقية خاصة، من حرية وثقافة، إنما يعود إلى بضعة أفراد، بذلوا غاية الجهد في هذا المضمار، وعلى رأسهم قاسم أمين في مصر، والزُّهاوي والرصافي في العراق ".

sarmad1960
10-25-2006, 03:37 PM
ونرى الرصافي في هذا المجال يدعو إلى تعليم المرأة، مندّداً بحجب المعرفة عنها باسم الدين الإسلامي:

لقد كذَبوا على الإسـلام كِذْباً تزولُ الشُّمُّ منــه مُزلزَلاتِ

أليس العلمُ في الإسلامِ فرضاً على أبنائه وعلى البنـاتِ؟!

بل يرى الرصافي أن البناء الخلقي القويم للإنسان يبدأ من الأم، لذا من الضروري الاهتمام بتعليم المرأة وتربيتها تربية حسنة، كي تكون قادرة على تنشئة الأجيال تنشئة فاضلة:

هي الأخـلاقُ تَنبتُ كالنباتِ إذا سُقيتْ بماء المَكْرُماتِ

ولم أرَ للخـلائق من محلٍّ يُهذّبُها كحِضنِ الأمّهـاتِ

فحِضنُ الأمّ مدرسةٌ تَسامتْ بتربية البنـينَ أو البناتِ

وأخلاقُ الوَليدِ تُقاسُ حُسناً بأخلاق النسـاء الوالداتِ

والرصافي عاشق للحرية، ومدافع مخلص عن كرامة الإنسان، لذلك نجده يعبّر عن سخطه على سياسات الدولة العثمانية الاستبدادية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فيقول:

عجبتُ لقـومٍ يَخضعون لدولـةٍ يَسوسهمُ بالمُوبقـاتِ عميدُها

وأعجـبُ من ذا أنّهـم يَرهبونها وأموالُها منهمْ، ومنهمْ جنودُها

وكم كان سروره كثيراً بحدوث الانقلاب على النظام الاستبدادي الذي مارسه عبد الحميد، وإعلان الدستور في العشر من شهر تموز/يوليو سنة (1908)، لقد قال:

أَكرِمْ بتمّــوزَ شهراً، إنّ عاشرَهُ قد كان للشرق تكريـماً وتعزيزا

شهرٌ به الناسُ قد أضحتْ محرَّرةً مِن رِقِّ مَن كان يَقْفو إثرَ جنكيزا

هي المسـاواةُ عمّتْنا، فما تركتْ فضلاً لبعضٍ على بعضٍ وتمييزا

ودعا الرصافي الأجيال إلى عدم الانغلاق على النفس، واجترار الماضي، فلا يكفي أن يكون الماضي مشرقاً، وإنما لا بد من التشمير عن سواعد الجدّ، وبناء الحاضر على أسس راسخة:

أرى مستقبَلَ الأيــام أولى بمَطمحِ مَن يحاولُ أن يسودا

فوجّهْ وجهَ عزمكَ نحو آتٍ ولا تُلفتْ إلى الماضـين جِيدا

وهل إنْ كان حاضرُنا شقيّاً نسودُ بكونِ ماضيـنا سعيدا؟َ!

والرصافي صاحب نفس أبيّة، يحب الطموح والمجد، ويشجّع الآخرين على ذلك:

سِرْ في حياتِكَ سيرَ نابِهْ ولُمِ الزمـــانَ ولا تُحابِهْ

وإذا حَلَلْتَ بموطـــنِ فاجعــلْ محلّك في هِضابهْ

واخترْ لنفســك مَنزلاً تَهفو النجـومُ على قِبـابِهْ

فالمجدُ ليس يَنـــالُه إلا المُخاطِـــرُ في طِلابِهْ

وإذا يُخاطبــك اللّئيـ ـمُ فصُمَّ سَمعَك عن خِطابِهْ

وإذا انبرى لك شــاتمٌ فاربَأْ بنفسكَ عن جــوابِهْ

فالروضُ ليس يَضـيرُهُ ما قد يُطنْطِنُ من ذُبــابِهْ

وسبق القول بأن الرصافي عانى اليتمَ والفاقة وبؤس العيش، لذا كان كثير الاهتمام بالفقراء والأيتام والأرامل، شديد التعاطف معهم، ونجد في شعره لوحات كثيرة تجسّد عمق تأثّره بمشاهد البؤس والشقاء، إن تلك المشاهد كانت تهيج عاطفته وتثير شاعريته، فقال في حديث له: " كانت مشاهد البؤس أشد الدواعي عندي إلى نظم الشعر ". وله قصائد عديدة في هذا المجال، منها قصيدة بعنوان (أم اليتيم)، وأخرى بعنوان (الأرملة المرضع)، وثالثة بعنوان (اليتيم في العيد)، ورابعة حول مأساة أمّ حُكم على ولدها الوحيد بالسجن ظلماً، وغير ذلك كثير.

والرصافي هو الابن المخلص للبيت الحضاري الكبير وها هو ذا يدعو إلى التعايش، بعيداً عن العصبيات العرقية والدينية والمذهبية، مندّداً بتعصّب الجهلة من المسلمين والمسيحيين، ومشجّعاً على التآخي بين أبناء البيت الحضاري الواحد:

أما آنَ أنْ تُنسى من القومِ أضغانُ وتُبنى على أُسّ المؤاخاة بُنيانُ؟!

علامَ التَّعــادي لاختلاف ديانةٍ؟ وإنّ التعـادي في الديانةِ عُدْوانُ!

وما ضَرَّ لو كان التعــاونُ دينَنا فتَعمُرَ بُلـدانٌ، وتأمنَ قُطّــانُ؟!

إذا القـومُ عمّتْهـمْ أمـورٌ ثلاثةٌ لسانٌ، وأوطــانٌ، وباللهِ إيمـانُ

sarmad1960
10-25-2006, 03:39 PM
فأيُّ اعتقـادٍ مانعٌ من أُخـــوّةٍ بها قال إنجيـلٌ كما قال به قرآنُ؟!

أنَشقى بأمر الدين وهو سـعادةٌ؟! إذاً فاتّباعُ الدِّين يا قـومُ خُسْرانُ؟!

تحوّلات كبرى

بقدر ما تعرف تتألّم.

وبقدر ما تتألّم تصبح أكثر وعياً.

وتصبح حياتك عرضة لتحوّلات أعمق.

وهذا ما يتجلّى في حياة الرصافي، فهو مثقف واسع الرؤية، وشاعر مرهف الحس، ثم إن الفاقة خيّمت على حياته في البدايات، وواكبته في النهايات، فكيف ينجو من الألم، وكيف تكون حياته بمنأى عن التحوّلات الكبرى؟! هذا عدا أنه عاصر أحداثاً عالمية وإقليمية جساماً، أبرزها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وزوال السلطنة العثمانية، وتداعيات اتفاقية سايكس- بيكو في شرقي المتوسط. إن جميع هذه العوامل والظروف كانت كافية لأن تُدخل التحوّلات في فكر الرصافي وفي رؤيته وقيمه وحياته. ولنستمع إلى أمين الريحاني يتحدث عن الرصافي قائلاً:

" إذا لم يكن معروف بدوي المولد، فهو بدوي الإرث، إني أذكر اجتماعنا الأول سنة (1910)، يوم كان يلبس العباءة والعقال، ويلقي الشعر بلهجة بدوية ساحرة، ثم سافر إلى الأستانة، ولبس هناك الجبّة والعمامة، وانضم إلى الأتراك في نهضتهم المدمّرة، فحمل اللواء والمصحف ليلاً ونهاراً، ثم وثب وثبة واحدة من المسجد إلى الحانة، خلع معروف الجبّة والعمامة وكل ما ترمزان إليه، وجعل المقاهي محطّ رِحاله، فنظم من الشعر ما يفصح عن المحطة الجديدة في حياته ".

ويقول عبد اللطيف شرارة، متحدّثاً عن الانعطافات الشديدة في حياة الرصافي:

" إن هذا الرجل الذي يصفه الريحاني على تلك الحال عام (1910)، ينقلب بعد عشر سنوات إلى (راضٍ) عن الحياة والناس، ثم ينقلب بعد فترة وجيزة إلى ثائر...، ثم يخوض الحياة الرسمية ووظائفها،... ثم ينصرف عن السياسة في فترة يأخذ خلالها في نشر الآراء والأفكار المتطرفة التي تخالف المألوف حول الدين والإيمان والشريعة، فيثير حول اسمه ضجة تستكّ لها الأسماع ".

ويذكر عبد اللطيف شرارة أن الرصافي اتُّهم بالمروق من الدين لأنه قال:

أحبُّ صراحتي قولاً وفِعـلاً وأكرهُ أن أَميـلَ إلى الرِّياءِ

ولستُ من الذين يَرَون خيراً بإبقاء الحقيقة في الخَـفاءِ

ولا ممّن يَرى الأديان قامتْ بوحيٍ مُنزَلٍ للأنبــــياءِ

ولكنْ هـنّ وضعٌ وابتـداعٌ من العقــلاء أربابِ الدّهاءِ

وإن الفاقة التي خيّمت عليه وهو في ريعان الشباب حدّت من مخالطة من هم في سنه، ممن كانوا ينعمون بالمال الوفير، فلجأ إلى التدخين ينفث في سيجارته همومه، وارتاد المقاهي ليحتسي كوباً من الشاي أو فنجاناً من القهوة، لقد كان الشاعر في صراع مستمر مع نفسه، وكان قوياً في الحدّ من شهوته، وقد قال في هذا:

وأَقنعُ بالقـوت الزهـيدِ لطيبهِ حِذارَ وقوعي في خبيث المطاعمِ

وأتركُ ما قد تشتهي النفسُ نيلًه لِما تَشتهـيه قــلّةٌ في الدراهمِ

وكان الرصافي طيّب القلب رحيماً، شديد العطف على الفقراء، إذا سمع عزاء في بيت بكى، وكان ذا كرم وأنفة، يرفض الظلم، ويندّد بالظالمين وأتباعهم، وقد تزوّج حينما أقام في استانبول بامرأة تركية، لكنه طلّقها لعجزه عن توفير أسباب الحياة المناسبة لها، ولم يتزوّج بعدئذ، وعاش وحيداً.

وابتلي الرصافي بالخمرة، ينفق فيها ما يملك، وعانى الفقر في أواخر عمره، حتى إنه اضطر إلى بيع السجائر في حانوت صغير، ليكسب قوت يومه، على أن السيد حكمت سليمان رئيس الوزارة العراقية حينذاك علم بذلك، فأقال عثرته، وكذلك فعل كل من شقيقيه مراد وخالد سليمان، وأحاطه الشيخ مظهر الشاوي بعطفه أيضاً، فخصّص له مبلغ أربعين ديناراً كل شهر، يكفيه للعيش بعيداً عن الفاقة.



وفي صباح يوم الجمعة الموافق السادس عشر من شهر آذار/ مارس (1945 م) انتقل الرصافي إلى منازل الخلود، وطويت صفحة مشرقة من صفحات الشعر في العراق وفي البلاد العربية وفي البيت الحضاري الكبير. إنه كان الشاعر الفذ الذي يدرس شعره في المدارس، ويتغنى بشعره الأحرار، وقد أوصى بأن يدفن في أرض بِكر لم تفلح، فدفن في مقبرة الأعظمية، بجوار صديقه ومنافسه الشاعر جميل صدقي الزُّهاوي، رحمهما الله رحمة واسعة.

sarmad1960
10-25-2006, 03:40 PM
معروف الرصافي



رســـــــــــــــــــــــــــــالــــــــــــــــه





سِرْ في حياتك ســـــــــيرَ نابِهْ
ولُمِ الزمــــان ولا تُـــحـــــــــابه

وإذا حــــــــــــللتَ بــمـــوطــنٍ
فاجعل محــــــــلك في هضابه

واخـــــترْ لنفــســــــكَ مـــنزلاً
تهفو النجـــــــــــومُ على قِبابه

ورُمِ العــــــــلاءَ مُـــخـــــــــاطراً
فيما تُحــــــــــــــــاول مِن لُبابه

فـــالمـــجــــــــــــد ليس ينالهُ
إلا المُخـــــــــــــاطرُ في طِلابه

وإذا يـــخـــاطـــــبـــك الــلــئـيـ
ــمُ فَصُمّ سَمعكَ عن خِــــطابه

وإذا انـــبـــرى لكَ شـــــــــاتماً
فاربأ بنفســـــــــــك عن جوابه

فالروضُ ليس يضـــــــــــــــيرهُ
ما قـــــد يطـــنطــــن من ذُبابه

ولَـــــــــرُب ذئـــــبِ قــــــــد أتا
ك من ابن آدم في إهــــــــــابه

مــــا امــــتاز قـــــــط عن ابن آ
وى شـــــــــخصُهُ بسوى ثيابه

وإذا ظــــفرتَ بذي الوفـــــــــــا
ء فــــــحُطّ رحلكَ في رحــــاله

فأخـــــــــــوكَ مَنْ إن غاب عنْــ
ـك رعـــــــى وِدادك في غيابه

وإذا أصـــــــــــابكَ ما يســـــــوء
رأى مُــــصــــــابكَ من مُصابه

وتراهُ يـــيـــجــــعُ إن شــــكـــوْتَ
كــــأن مــابكَ بعضُ مـــابــه

sarmad1960
10-25-2006, 03:42 PM
قرأتُ وما غير الطبيعة من سِفرِ




قرأتُ وما غير الطبيعة من سِفرِ صحائفَ تحوي كل فن من الشعر
أرى غرر الاشعار تبدو نضيدة ً على صفحات الكون سطراً على سطر
وما حادثات الدهر الاَّ قصائد يفوه بها للسامعين فم الدهر
وما المرء إلا بيت شعر عروضه مصائب لكن ضربه حفرة القبر
تنظّمنا الايام شعراً وانما تردُّ المنايا ما نَظمن إلى النثر
فمنا طويل مُسهب بحر عمره ومنا قصير البحر مختصَر العمر
وهذا مديح صيغ من أطيب الثنا وذاك هجاء صيغ من منطق هُجر
وربَّ نيام في المقابر زرتهم بمنهلّ دمع لا يُنهنهُ بالزجرِ
وقفت على الاجداث وقفة عاشق على الدار يدعو دارس الطلل القفر
فما سال فيض الدمع حتى قرنته إلى زفرات قد تصاعدن من صدري
أسكان بطن الأرض هلا ذكرتم عهوداً مضت منكم وأنتم على الظهر
رضيتم باكفان البلى حللاً لكم وكنتم أولى الديباج والحللِ الحمر
وقد كنتم تؤذِي الحشايا جنوبَكمْ أمين أبي التدليس في القول حاكياً
ألا يا قبوراً زرتها غير عارف بها ساكن الصحراء من ساكن القصر
لقد حار فكري في ذويك وانه ليحتار في مثوى ذويك أولو الفكر
فقلت وللأجداث كَفى مشيرة ألا ان هذا الشعر من أفجع الشعر
وليل غُدافيَّ الجناحين بته أسامر في ظلمائه واقع النسر
وأقلع من سفن الخيال مَراسياً فتجري من الظلماءِ في لُجَج خُضرِ
أرى القبة الزرقاء فوقي كأنها رواق من الديباج رّصع بالدر
ولولا خروق في الدجى من نجومه قبضت على الظلماء بالانمل العشر
خليليَّ ما أبهى وأبهج في الرؤى نجوماً بأجواز الدجى لم تزل تسري
إذا ما نجوم الغرب ليلا تغورت بدت أنجم في الشرق أخرى على الإثر
تجوّلت من حسن الكواكب في الدجى وقبح ظلام الليل في العرف والنكر
إلى أن رأيت الليل ولَّت جنوده على الدُهم يقفو إثرها الصبح بالشُّقْر
فيالك من ليل قرأت بوجهه نظيم البها في نثر أنجمه الزهر
فقلت وطرفي شاخص لنجومه ألا إن هذا الشعر من أحسن الشعر
ويوم به استيقظت من هجعة الكرى وقد قدّ درعَ الليل صمصامهُ الفجر
فأطربني والديك مُشج صياحه ترنمُ عصفور يزقزق في وكر
ومما ازدهى نفسي وزاد ارتياحها هبوب نسيم سَجْسَج طيّب النشر
فقمت وقام الناس كلٌّ لشأنه كأنا حجيج البيت في ساعة النفر
وقد طلعت شمس النهار كأنها مليك من الأضواء في عسكر مَجر
بدت من وراء الافق ترفل للعلى رويداً رويداً في غلائلها الحمر
غدت ترسل الأنوار حتى كأنها تسيل على وجه الثرى ذائب التبر
الى أن جلت في نورها رونق الضحى صقيلا وفي بحر الفضاء غدت تجري
وأهدت حياة في الشعاع جديدة إلى حيوان الأرض والنبت والزهر
فقلت مشيراً نحوها بحفاوة ألا ان هذا الشعر من ابدع الشعر
وبيضة خدر ان دعت نازح الهوى أجاب ألال لبيك يا بيضة الخدر
من اللاء يملكن القلوب بكلمة ويحيين ميت الوجد بالنظر الشزر
تهادت تريني البدر محدقة َ بها اوانس إِحداق الكواكب بالبدر
فلله ما قد هجن لي من صبابةة ألفتُ بها طيَّ الضلوع على الجمر
تصافح احداهن في المشي تربها فنحر الى تحر وخصر الى خصر
مررن وقد أقصرت خطوي تأدُّباً وأجمعت أمري في محافظة الصبر
فطأطأنَ للتسليم منهنَّ أرؤساً عليها أكاليل ضُفرن من الشعر
فألقيت كفي فوق صدري مسلّماً وأطرقت نحو الارض منحني الظهر
وأرسلت قلبي خلفهن مُشيعاً فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري
وقلت وكفى نحوهن مشيرة

ومائدة نسجُ الدِّمقس غطاؤُها بمحلس شبان همُ أَنجم العصرْ
رقى من أعاليها الفنغراف منبراً محاطاً باصحاب غطارفة غُر
وفي وسط النادي سراج منوّر فتحسبه بدراً وهم هالة البدر
فراح باذن العلم يُنطق مقولاً عرفنا به ان البيان من السحر
فطوْراً خطيباً يحزن القلب وعظه وطوراً يُسرُّ السمع بالعزف والزمر
يفوه فصيحاً بالُّلغا وهو أبكم ويسمع ألحان الغنا وهو ذو وقر
أمين أبى التدليس في القول حافظاً تمر الليالي وهو منه على ذُكر
فيالك من صنع به كل عاقل أقر لا ديسون بالفضل والفخر
فقلت وقد تمت شقاشق هدره ألا إن هذا الشعر من أعجب الشعر
وأصيد مأثور المكارم في الورَى يريك اذا يلقاك وجه فتى حر
يروح ويغدو في طيالسة الغنى ويقضي حقوق المجد من ماله الوفْر
تخوَّنه ريب الزمان فأُولعت باخلاقها ديباجتيه يد الفقر
فأصبح في طُرْق التصعلك حائراً يجول من الاملاق في سملٍ طمر
كأن لَم يُرح في موكب العز راكباً عتاق المذاكي مالك النهى والامر
ولم تزدحم صِيدُ الرجال ببابه ولم يَغْمُرِ العافين بالنائل الغَمْرِ
فظل كئيب النفس ينظر للغنى بعين مُقِلٍّ كان في عيشة المثرى
إلى أن قضى في علة العُدم نَحْبه فجهّزه من مالهم طالبو الاجر
فرُحتُ ولم يُحفَل بتشييع نعشه أشيّعه في حامليه إلى القبر
وقلت وأيدي الناس تحثوا ترابه

ونائحة تبكي الغداة وحيدها بشجو وقد نالته ظلماً يد القهر
عزاه الى احدى الجنايات حاكم عليه قضى بُطلاً بها وهو لا يدري
فويل له من حاكم صُبَّ قلبه من الجوْر مطبوعاً على قالب الغدر
من الروم أما وجهه فمشوَّه وَقاح وأما قلبه فمن الصخر
أضرَّ بعفّ الذيل حتى أمضَّه ولم يلتفت منه الى واضح الغدر
تخطّفه في مخلب الجور غيلة ً فزجَّ به من مظلم السجن في القعر
تنوء به الأقياد إن رام نهضة فيشكو الأذى والدمع من عينه يجري
تناديهِ والسجانُ يُكثر زجرها عجوز له من خلف عالية الجُذْر
بُنَى َّ أظنّ السجنَ مسِّك ضُرُّه بنيَّ بنفسي حلَّ ما بك من ضرّ
بُنى َّ استعن بالصبر ما أنت جانياً وهل يخذل الله البريء من الوزر
فجئت أعاطيها العزاء وأدمعي كأدمعها تنهلّ مني على النحر
وقلت وقد جاشت غوارب عَبرتي ألا إن هذا الشعر من أقتل الشعر

sarmad1960
10-25-2006, 03:43 PM
الرصافي شاعر التحرر... يحاول إيقاظ الرقود





هادي فريد التكريتي

كثر هم شعراء العراق المعاصرين ، وكثر ، أيضا ، هم الذين وقفوا إلى جانب الشعب في مختلف مراحله ، يشاركونه همومه وطموحاته ، وما ابتلى به من حكم حكام ، أجانب وعراقيين ، أذلوه بعسفهم وجورهم عليه . إن ما أوقعه الحكام الجائرون بالشعب من مظالم ، على مختلف العصور ، تصدى لها الكثير من المثقفين ، وفي الطليعة كان الشعراء .
قبل تأسيس الحكم الوطني ، في العهد العثماني ، بزغ نجمان للشعر في وادي الرافدين ، هما الزهاوي والرصافي ، إلا أن الرصافي تميز بكونه أكثر التصاقا بهموم الشعب ، وأكثر مداومة على طرح ما يأخذ بيد العراق والعراقيين من أسباب التقدم والتطور ، متجاوزا كل ما من شانه أن يلحق به من ضرر شخصي ، فراح يستنهض الشعب ويبث فيه العزم والإقدام لتغيير واقعه ، وبجرأة متناهية ، أقدم ليس على كشف ما يحجب رؤى المجتمع من سجف الجهالة والتخلف ، بل عراها ومزقها ، علانية أمام الملأ وبصراحة متناهية ، طارحا البديل لها.
ومنذ أن كان العراق خاضعا لحكم الأمبراطورية العثمانية ، طالب بتنحية السلطان عبد الحميد ، وهذا موقف له لم يسبقه إليه شاعر عربي من قبل ، استمر في نقد الحكم وفضح الحكام ، بجرأته المعهودة حتى بعد أن نال العراق استقلاله ، أو ما يسمى بالحكم الوطني ، وأثناءه وحتى وفاته في منتصف الأربعينات لم يهادن الحكام أ وفساد حكمهم ، وإن كان ضاق ذرعا بجمود وتحجر الفكر الديني وموقفه المناهض للتطور ، واضعا إصبعه على الأسباب الحقيقية التي تعيق نهوضه وتطوره ، فالخلاص من المحتل ، والتحرر من الحكم الأجنبي ، ضرورة للتقدم والرقي ، لا يقل تأثيره على واقع المجتمع العراقي وتخلفه ، نتيجة المغالاة في الدين والتعصب له .
فمنذ قرن من الزمان ، والمرأة وتحررها تشغل حيزا كبيرا في معالجات الرصافي ، فالتضييق على المرأة وإلزامها الحجاب ، وانعدام حريتها ، وعدم تعليمها ، والإنتقاص من حقوقها ، وإلزامها البيت ، من الأسباب الحقيقة في تخلف المجتمع وعدم تطوره ، لذا فالموقف عنده من المرأة ، سلبا أم إيجابا ، من الأسباب الجوهرية في التخلف أو التقدم ، فقصائده غنية بمعالجاته من هذا النوع ، وهذا ما أثار عليه حفيضة المتخلفين فكريا ، من حراس التخلف والرجعية .
والفقر آفة ، عند الرصافي ، تعاني منه أغلبية المجتمع ، سببه الفساد والنهب والنقص في الكفاءة ، وجمود في أساليب التعليم ، وسوء الإدارة. والرصافي يعتقد جازما أن من أسباب انحطاطنا ، انعدام الحريات العامة وعدم وجود صحافة حرة ونزيهة ، ومجلس نيابي مزيف ، وحكومات غير وطنية ، ونقص في سيادتها ، كل هذه ، وغيرها من أسباب تكمن وراء تخلفنا ، عالجه وشخصه شاعرنا الوطني الكبير معروف الرصافي ، فالمتصفح لدواوينه لم يجد جرأة الطرح ، وغزارة المعرفة ، وسعة الأفق ، وعمق المعالجة في قصائده فقط ، بل هناك جزالة في اللفظ وغزارة في المعنى وتعددا في أغراض شعره .
وما نجده عنده دون الآخرين ، هو أن هم العراق وأهله لم يفارقه ، في كل قصيدة بارز وظاهر ، بغض النظر عن غرض القصيدة والموضوع الذي تعالجه ، وهذا أحد الأسباب التي تجعل من الرصافي ضمير الشعب وشاعر الوطن بلا منازع ، في تلك الحقبة الزمنية، قبل سقوط الحكم العثماني وبعده ، خلال الحكم الوطني وحتى وفاته .
لم يكن الغرض من مقدمتي هذه سوى أن أثير اهتمام القراء من الشباب للإطلاع على ما خلفه لنا هذا الشاعر الفحل من دواوين شعر ، كل بيت من قصائده يحمل الهم العراقي ويشكوه ، وكأن القارئ يعتقد ما يقرأه ، هو لشاعر يعيش لحظته بيننا ، يراقب وضعنا وحالنا عن قرب ، يستغيث من حكامنا وسوء فعالهم ، كما يقرعنا لتخاذلنا وعدم قدرتنا على المواجهة تارة ، وتارة أخرى ، يستثير حفيظتنا ، محاولا تأجيج نار وطنيتنا ومستفزا قدراتنا للنهوض من واقعنا المزري ، لمشاركة الأمم المتقدمة في نهضتها وتطورها ، خصوصا ونحن أصحاب مجد غابر.
فقصيدته " إيقاظ الرقود " هي بعض ما حاول أن يستنهضه فينا من همم للتغلب على واقعنا الذي سئمت عيشه قرود الغاب ، أنشدها قبل قرن من الزمان تقريبا، وهي لا زالت تحتفظ بكل أغراضها التي قيلت من أجله ، بما فيها من روعة في السبك والمعنى ، وسمو في الغرض ، كما هي تتماهي ووضعنا السياسي في ظرفنا الحالي ، أتمنى أن أكون قد أحسنت الاختيار ، تعريفا بشاعرنا العظيم الرصافي .

sarmad1960
10-25-2006, 03:44 PM
إيقاظ الرقود




إلى كم أنت تهتف بالنشيد
وقد أعياك إيقاظ الرقود
فلستَ وإن شددت ُعرى القصيد
بُمجد في نشيدك أو مفيد
لأن القوم في غي بعيد

إذا أيقظتَهم زادوا رقادا
وإن أنهضتهم قعدوا وئادا
فسبحان الذي خلق العبادا
كأن القوم ُخلقوا َ جمـادا
وهل يخلو الجماد عن الجمود

أطلتُ وكاد يعييني الكـلام
ملاما دون وقعته الحسام
فما انتبهوا ولا نفع الملام
كأن القـوم أطفـال نيـام
تُهز من الجهالة في مهـــــــود

إليكِ إليك يا بـغـــداد عنًي
فإني لسُتُ منـكِ ولسـتِ مني
ولكني وإن كَبـــــــُر التجني
يعز عليَ يـا بغــــداد أنــــي
أراك علــــــى شفا هول شديد

تتابعت الخطوبُ عليكِ تترى
وُبدِل منكِ حُلوُ العيش مُرًا
فهلا ُتنجبين فتى أغرَا
أراكِ عقمتَ لا تلدين حُرا
وكنت لمثله أزكى ولودِ

أقام الجهل فيكِ له شهودا
وسامكِ بالهوان له السجودا
متى تُبدين منـك له جُحوُدا
فهلا عُدتِ ذاكرة " عهودا
بهن رَشُدْت أيام الرشيدِ

زمانَ نفوذُ حكمك مستمرُ
زمان َسحابُ فيضكِ مستدر
زمانَ العلمُ أنت له مقـــرُ
زمانَ بناءُ عزك مُشمخِرُ
وبدرُ علاك في سعدِ السعودِ

برَحتِ الأوجَ ميلا للحضيضِ
وضقتِ وكنت ذات عُلىً عريضِ
وقد أصبحت في جسمٍ مريضِ
وكنتِ بأوجه للعٍزِ بـيـض
فصرت بأوجهٍ للذل سُودِ

ترقَى العالمون وقد هبطنا
وفي َدَرك الهوان قد انحططنا
وعن سَنَنِ الحضارة قد شَحطْنا
فقَطْنا يا بني بغداد قَطْنـا
إلى كم نحن في عيش القُرود

ِ ألم تكُ قبلنا الأجدادُ تبني
بناءً للعلوم بكل فــــنِ
لماذا نحن يا أسرى التأني
أخذنا بالتقهقرَ والتدني
وصرنا عاجزين عن الصعودِ

كأن زحلٌ يشاهدُ ما لدينا
إذاك احمرَ من حَنَقٍ علينا
فقال موجها لوما إلينا
لو أني مثلكم أمسيتُ هيْنا
إذن لنضوتُ جلباب الوجودِ

رَكدتم في الجهالة وهي تمشي
وعشتم كالوحوش أخس عيشِ
أما فيكم فتى للعز يمشي
تبارك من أدار بنات َنعشِ
وصفدكم بأصفاد الركودِ

حكيتم في توقفكم جُدَيا
فصرتم كالسها شَعبا خفيا
ألا تجرون في مجرى الثريا
تؤمُ بدورها فلكا قصيا
فتبرز منه في وضع جديد
*******
حكومة شعبنا جارتْ وصارتْ
علينا تستبد بما أشارت
فلا أحدا دعته ولا استشارت
وكل حكومة ظلمت وجارت
فبشرها بتمزيق الجُدوِد

حكومتنا تميل لباخسيها
مُجانُبة طريقَ مؤسسيها
فلا يغرُرْك لين مُلابسيها
فهم كالنار تحرِقُ لامسيها
وتحسنُ للنواظر من بعيد

لقد غصَ " القصيمُ "بكل نذلِ
وأمسى من تخاصمهم بشغل
فريقا خُطتي غَيٍ وجهل
كلا الخصمين ليس بأهلِ
ولكن َمن لتنكيل المريد

إليهم أرسلت بغداد جُندا
ليهلك فيه من عبثٍ وُيفَدى
لقصدي ابن الرشيد أضاع قصدا
فلا يا بن الرشيدِ بلغت ُرشدا
ولا بلغ السعودَ ابنُ السعودِ

مشوا يتحركون بعزمِ ساكن
ورثة حالهم تبكي الأماكن
وقد تركوا الحلائل في المساكن
جنود أرسلت للموت لكن
بفتك الجوع لا فتك الحديد

قد التفعوا بأسمال بوال
مُشاة في السهول وفي الجبال
ُيجدُون المسير بلا نعال
بحال للنواظر غير حالِ
وزيٍ غيرَ ما زي الجنودِ

مشوا في منهجٍ جهلوه نهجا
يجوبون الفلا فجَا ففجَا
إلى حيث السلامة لا ترجى
فيا لهفي على الشبان تزجى
على عبث إلى الموت المبيدِ

وكلٌ مُذ غدوا للبيت أمًا
فودع أهله زوجا وُأما
وضم وليده بيد وشما
بكى الولد الوحيدُ عليه لمًا
غدا يبكي على الولد الوحيدِ

تقول له الحليلة وهو ماشِ
روُيدا" لا برحت أخا انتعاش
فبعدك مَنْ يُحَصِل لي معاشي
فقال ودمعه بادي الرشاش
وكلتكم إلى الرب الودودِ

عساكر قد قضوا عُريا وجوعا
بحيثُ الأرض ُ تبتلع الجموعا
إلى أن صار أغناهم رُبوعا
لفرط الجوع مرتضيا قنوعا
ِ بِقِد لو أصاب من الجلودِ

هناك قضوا وما فتحوا بلادا
هناك بأسرهم نفدُوا نفادا
هناك بحيََرةٍ عدموا الرشادا
هناك لروعهم فقدوا الرقادا
هناك عُروا هناك من البرودِ

أناديهم ولي شجنٌ مهيجُ
وأذكرهم فينبعثُ النشيجُ
ودمع محاجري بدمٍ مزيجُ
ألا يا هالكين لكم أجيجُِ
ذكا بحشايَ محتدمَ الوقودِ

سكنا من جهالتنا بقاعا
يجور بها المؤمر ما استطاعا
فكدنا أن نموت بها ارتياعا
وهبنا أمة هلكت ضياعا
تولى أمرها عبد الحميد

أيا حرية الصحف ارحمينا
فإنا لم نزل لك عاشقينا
متى تصلين كيما تطلقينا
عدينا في وصالك وامطلينا
فإنا منك نقنع بالوعود

فأنت الروُح تشفين الجروحا
يُحرَج فقدك البلد الفسيحا
وليس لبلدة لم تحوِ روحا
وإن حوت القصور أو الصروحا
حياةٌ ُتستفاد لمستفيد

أقول وليس بعضُ القول جِدا
لسلطان تجبر واستبدا
تعدًى في الأمور وما استعًدا
ألا يا أيها الملك ُالُمفدى
ومن لولاهُ لم نكُُ في الوجودِ

أِنمْ عن أن تسوسَ الملك طرفا
أقم ما تشتهي زمرا وعزفا
أِطْل نكرَ الرعية ، خلِ ُعرفا
سُمِ البلدان مهما شئت خسفا
وارسلْ من تشاء إلى اللحودِ

فدَتكَ الناس من ملكٍ مُطاعِ
أبن ما شئت من طُُرق ابتداع
ولا تخشَ الإلهَ ولا تراعِ
فهل هذي البلادُ سوى ضياع
ملكت ، أو العبادُ سوى عبيدِ ؟

تنعم في قصورك غير دار
أعاش الناس أم هم في بوارِ
فإنك لن تطالب باعتذار
وهَبْ أن الممالك في دمار
أليس بناء " يلدزَ " بالمشيدِ؟

جميع ملوك هذي الأرض فلكُ
وأنت البحر فيك نَدى وُهلكُ
فأنى يبلغوك وذاك إفكُ
لئن وهبوا النقودَ فأنت ملكُ
وُهوبٌ للبلاد وللنقودِ

sarmad1960
10-25-2006, 03:46 PM
الرياضة




قصدوا الرياضة لاعبين وبينهم كرة تراض بلعبها الأجسام
وقفوا لها متشمرين فألقيـــــــت فتعاورتها منهم الأقدام
يتراكضون وراءها في ساحــــــة للسوق معترك بها وصـــــدام
وبرفس أرجلهم تساق وضربها بالكف عند اللأعبين حـــــــرام
ولقد تحلق في الهواء وإن هوت شرعوا الرءوس فناطحتها الهام
وتخالها حينا قذيفة مدفـــــــــــع فتمــر صائبـــــة لـــــــها أرزام
ولربما سقطت فقام حيالهـــــــا للضرب عبر الساعدين همـــام
فتخالها وتخاله كفريســـــــــــة سقطت فزمجر دونها الضرغام
لاتســــتقر بحـــالة فكأنهـــــــــا أمل به تتقاذف الأوهـــــــــــــام
تنحو الشمال بضربة فيردهـــــا نحو الجنوب ملآعب لطـّـــــــام
وتمر واثبة علــي وجـــه الثري مـــــرّا كمــا تتواثـــــــب الآرام
وتدور بين اللأعبين فمحجــــــم عنها وآخر ضارب مقـــــــــــدام
وكأنها والقوم يحتوشونهــــــــا قلب عليه تهاجـــــــــــــم الآلام
راضوا بها الأبدان بعد طلابهــم علما تراض بدرســـه الافهــــام
أبناء مدرسة أولاء وكلهـــــــــم يفع غرير المرفقيـــن غــــــــلام
لابد من هزل النفوس فجدهــــــا تعب وبعض مزاجها إستجمـــام
فإذا شغلت العقل فألهو سويعـــة فاللهو للعقل الطليــــح جمــــــام
والفكر منهكـــــة فبأستمــــــراره تهن العقــــول وتهزل الأجسام
ورياضة الأبدان ملعبـة بهــــــا حفظت نشاط جسومها الأقــــوام
إن الجسوم إذا تكون نشيطــــــة تقوي بفضل نشاطها الاحـــــــلام
هذي ملاعبهم فجسمك رض بها وأسلك مسالكهم عداك الــــذام
__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:48 PM
اسمعي لي



اسمعي لي قبل الرحيل كلاما
ودعيني أموت فيك غَراما
هاك صبري خذِيه تذكرة ً لي
وامنحي جسمي الضنى والسقاما
لست ممن يرجو الحياة إذ فا
رق أحبابه ويخشى الحِماما
لك يا ظبية َ الصريمة طرفٌ
شدَّ ما اوسع القلوبا غراما
حبّ ماء الحياة منك بثغر
طائر القلب حول سمطيه حاما
شغل الكاتبين وصفك حتى
لا دوياً ابقوا ولا اقلاما
كلما زاد عاذلي فيك عذلا
زدت في حسنك البديع هُياما
أفأحْظى بزَوْره منك تشفِي
صدع قلبي ولو تكون مناما
رب ليل بالوصل كان ضياء
ونهار بالهجر كان ظلاما
قد شربت السهاد فيه مداماً
وتخِذتُ النجوم فيه ندامى
ما لقلبي اذا ذكرتك يهفو
ولعيني تُذرِي الدموع سِجاما
إن شكوت الهوى تلعثمتُ حتى
خلتني في تكلمي تمتاما
__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:49 PM
النزعة الإنسانية في شعر معروف الرصافي




معاوية كوجان

زخر شعرنا العربي على امتداد عصوره بأشعار تطفح بالمشاعر الإنسانية النبيلة الصادقة طارت لها شهرةٌ في الآفاق وأولاها الباحثون والدارسون اهتماماً وعنايةً خاصين. وإحصاء تلك الأشعار أمرٌ عسيرٌ نظراً لكثرتها، ولعلَّ ضرب بعض الأمثلة كافٍ للإشارة إلى تلك النزعة الشعورية الراقية. أذكر في هذا المضمار قصيدة (خطَّاب بن المعلى) المشهورة التي يقول فيها:

وإنما أولادنا بيننا



أكبادنا تمشي على الأرض



لو هبَّت الريح على بعضهم



لامتنعت عيني عن الغمض





وقصيدة ابن الرومي في رثاء ولده التي يقول فيها:

بنيَّ الذي أهدتْه كفَّايَ للثرى



فيا عزَّةَ المهدى ويا حسرةَ المُهدي!



عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطر له



ولو أنه أقسى من الحجر الصَّلد





وفي هذا السياق نتذكر رثاء المتنبي جدته، ورثاء جرير زوجته، ورثاء محمود سامي البارودي أم أولاده، ورثاء شوقي جدته أيضاً، وهكذا بيد أن تلك الأشعار في أغلبها كانت صادرةً عن نفسٍ مفجوعةٍ بقريب لها ذي رحم. أما الأشعار التي تتناول الإنسان كائناً له منزلته، تصور آلامه وتبلور أحلامه وتبرز إحساسه، فأشعار قليلة بالمقارنة مع بقية ضروب النظم وأغراضه في شعرنا العربي لاسيما الحديث كقصيدة (الشريد) لعلي الجارم وقصيدة إيليا أبي ماضي (النفس الشقية). ولعل الشاعر العراقي الكبير [معروف الرصافي- 1875-1945م]، واحدٌ من قلّة من الشعراء الذين نزعوا في شعرهم هذه النزعة الإنسانية الصادقة الفياضة بالتعاطف والتألم والتفجع بمآسي أولئك المعذبين البائسين والتطلع إلى تخليصهم من آلامهم ومواساتهم في محنهم وأزماتهم، نجد ذلك النزوع بارزاً في قصائده (أم اليتيم، المطلقة، الأرملة المرضعة، اليتيم في العيد، دار الأيتام، الفقر والسقام، اليتيم المخدوع، ثالثة الأثافي، أم الطفل في مشهد الحريق). تتبلور في رأيي نزعة الرصافي في شعره في أربعة أساليب أتناولها تترى:
1-الوصف الخارجي للشخصية المعذبة:
ينجح الرصافي نجاحاً جلياً في رسم الشخصية المتألمة من الخارج فيصور تلك الشخصية، ملابسها، شحوبها، دموعها، إهابها، صوتها، مسكنها، عويلها..، وصفاً دقيقاً كأنه الصورة الفوتوغرافية. من ذلك وصفه الخارجي لليتيم في قصيدته (اليتيم في العيد) :

وقفتُ أُجيلُ الطرفَ فيهم فراعني



هناك صبيٌّ بينهم مترعرعُ



صبيٌّ صبيحُ الوجهِ أسمرُ شاحبٌ



نحيفُ المباني أدعجُ العينِ أنزعُ



عليه دريسٌ يعصر اليتْمُ رُدْنَهُ



فيقطرُ فقرٌ من حواشيه مدقِعُ


/يردُّ ابتسام الواقفينَ بحسرةٍ



تكاد لها أحشاؤهُ تتقطَّعُ



ويرسل من عينيه نظرةَ مُجْهِشٍ



وماهو بالباكي ولا العينُ تدمع



له رجفةٌ تنتابه وهو واقفٌ



على جانبٍ والجوُّ بالبرد يلسع





2-الوصف الداخلي للشخصية المعذبة:
وهنا يلج الشاعر بطاقاته الشعورية فينفذ إلى أعماق تلك الشخصية البائسة المنكسرة المحزونة؛ يبلور ما تحسُّ به ويستخرج ذلك الركام من الأحاسيس المفعمة بالمرارة والكآبة والألم والضنك والأسى في سياق شعوري متناغم مع ذلك الوصف الخارجي.. نقرأ شاهداً على ذلك المقطع التالي من قصيدة (أم الطفل في مشهد الحريق)، إذ يسمعنا الشاعر آنات وعويل أم احترق طفلها في حريقٍ شبَّ فلم تبق ناره ولم تذر، فما كان منها إلا أن أخذت تولول وتصرخ وتلطم خديها وحق لها ذلك في حالٍ أقرب إلى الجنون وهي تقول:

إنِّي تجرَّدتُ من دنيايَ حاسرةً



مالي سوى طفليَ الباكي بها مالُ



أي امرئٍ بعد هذا اليوم ذي جِدةٍ



يَعُولُني حيث لا زوج ولا آلُ



أودى الحريقُ بدارٍ كنتُ أسكنها



وكنت من بعضها للقوت أكتالُ



واليوم أصبحتُ لا دارٌ ولا وزَرٌ



آوي إليه ولا عمٌّ ولا خالُ



ياربِّ قد ضقْتُ ذرعاً بالحياة فما



أدري حنانيكَ ربي كيف أحتال

sarmad1960
10-25-2006, 03:51 PM
النزعة الإنسانية في شعر معروف الرصافي

-السرد أو القص في سياق مأساوي:3
يبرع الرصافي في طرح تلك المشكلات الملحة والمؤلمة والتي تشكل في حقيقتها مأساة الإنسانية جمعاء في صراعها مع الفقر والبؤس والمرض والتشرد والجوع والخوف والاضطهاد، يبرع شاعرنا في تصوير معاناة أولئك البائسين في قالب قصصي سرديٌّ مشوق تتوافر فيه عناصر القصة كاملة من بداية وتطور ونهاية وحلٍ، محتفياً بأدق التفاصيل والجزئيات التي تقترب من عتبة الحشو أحياناً، وفي شعره على ذلك أمثلة كثيرة منها قصيدة (الفقر والسقام). التي يروي لنا فيها قصة فقيرٍ معدمٍ يدعى بشيراً كان يعمل أجيراً ليله ونهاره ليس له في هذه الدنيا إلا أختٌ حنون اسمها فاطمة، أصيبَ بمرض القلاب (مرض القلب) الذي سرعان ما ازداد سوءاً حتى أصبح داءً عضالاً أنهكه وآلمه وعذبه وأقض مضجعه وبعد طول مكابدة وضع نهاية مأساويةً لحياته البائسة. في هذه القصيدة المحكمة يصور لنا معاناة ذلك المسكين في صراعه مع المرض في تدرج منطقي لتطور دائه العضال واصفاً معاناته تلك من الخارج ومن الداخل فضلاً عن وصف تفجع أخته المسكينة برحلة شقائه المرير وما بذلت من جهدٍ ووقتٍ وما ذرفت من دموعٍ في تعاطفها مع أخيها الهالك لا محالة، تنبض هذه القصيدة بكثيرٍ من المشاعر الإنسانية الصادقة وتتجلى فيها رقة الشاعر وإحساسه المفعم الفياض والصادق بآلام المعذبين المقهورين المحرومين. تتألف القصيدة من حوالي ستين نتفة مختلفة القوافي تنتهي كلٌّ منها بشطر ذي قافية على روي واحد، أجتزئ ثلاث نتف تدخلنا في دائرة تلك المأساة: ارتاعت فاطمة لما رأت أخاها في هيئة ميتٍ أو محتضرٍ فما كان منها إلا أن هُرعت تستنجد جارتها التي وقفت حائرةً كيف ستخبرها بموت أخيها:

قالت الأختُ: أمَّ سلمى انظريه


ثكلتْ روحُ أمِّهِ وأبيهِ


قرأتْ منه إذْ دنتْ نحوَ فيهِ


نفَساً مبطئَ التردُّدَ فيهِ


ثم قد غاله الردى باقتضاب
وجمتْ حيرةً وبعد قليلٍ


رمقت فاطماً بطرفٍ
كليلِ



فيه حملٌ على العزاءِ الجميلِ


فعَلا صوتُ فاطمٍ بالعويلِ


وبكتْ طولَ ليلها بانتحابِ


بعد أن اجتمع الجيران على صراخها وعويلها وبعد أن أمضت ليلتها منتحبةٌ باكية قالت مخاطبةً جيرانها:

أيها الواقفون لا تهملوهُ


دونَكم أ دمعي بها فاغسلوهُ


ثم بالثوبِ ضافياً كفّنوهُ


وادفنوهُ لكنْ بقلبي ادفنوهُ


لا تواروا جبينَهُ بالترابِ




موقف الشاعر أو حل المشكلة:
يعمد الرصافي بعد أن ينتهي من عرض شخصيات أبطال قصائده المأساويين وسرد الموقف الذي جمعه بها والتنويه بالمشكلة أو المعضلة أو الأزمة التي تعصف بها يعمد إلى الإعراب عن موقفه من تلك الشخصيات فنراه يأسف لها ويحزن لحزنها ويألم بألمها ويشجن بشجنها ويأسى لأساها وكثيراً ما يدعو المجتمع إلى إنقاذ تلك الشخصية الأسيانة ويطالب بوضع حلٍّ ناجعٍ لمعاناتها، مؤكداً منزلة الإنسان وسمو مكانته وضرورة معاملته بما يجدر به ويليق. ويدفعه ذلك التعاطف إلى تعقب حال هذه الشخصية المسكينة ومشاهدة معاناتها في المكان الذي تعيش فيه وتفحصه وتحرِّي مدى البؤس الذي تكابده ليس هذا فحسب بل إنه يستنكر ويؤنب كل متقاعسٍ عن أداء معروف أو صادفٍ عن تقديم عون ومساعدة. فلنتحسس هذا كله في الأمثلة التالية:

-أ-
إذا بعثت لي أنةً عن توجُّعٍ


بعثتُ إليها أنَّةً عن ترحُّمِ


تقطع في الليل الأنين كأنها


تقطّع أحشائي بسيفٍ مثلَّمِ




-ب-
أيها الأغنياء كم قد ظلمتمْ


نِعَمَ الله حيث ما إنْ رحمتمْ
سَهِرَ البائسون جوعاً ونمتمْ


بهناءٍ من بعد ما قد طعمتمْ


من طعامٍ منوّعٍ وشرابِ


-ج-
<كم بذلتم أموالكم في الملاهي


وركبتم بها متونَ السفاهِ

وبخلْتم منها بحقِّ الإلهِ


أيها الموسرون بعضَ انتباهِ


أفتدرون أنكم في تبابِ


خاتمة:
كانت هذه السطور محاولةً لتقصِّي معالم النزعة الإنسانية في شعر شاعر العراق الكبير (معروف الرصافي) الذي هو بحق شاعر الرقة والنبل الذي يكاد يصل بنبل نفسه وطهارة أحاسيسه وشعوره بآلام الآخرين إلى شفافية ورقة الملائكة وحسبه خلوداً أن كان شاعراً صادقاً وكفى بالصدق طريقاً تلقائياً إلى قلوب الناس، وليكن الشعر كما أراد رسالةً للبشرية جمعاء تدعو إلى الخير والحب والصلاح والسلام والتعاون والوئام، فلا سدوم همِّ تؤرِّق بالاً ولا إسارَ حرمانٍ يهصر مُهَجاً ولا دكونَ ألمٍ يمنع انبلاجَ مسرَّة.

sarmad1960
10-25-2006, 03:52 PM
النزعة الإنسانية في شعر معروف الرصافي

-السرد أو القص في سياق مأساوي:3
يبرع الرصافي في طرح تلك المشكلات الملحة والمؤلمة والتي تشكل في حقيقتها مأساة الإنسانية جمعاء في صراعها مع الفقر والبؤس والمرض والتشرد والجوع والخوف والاضطهاد، يبرع شاعرنا في تصوير معاناة أولئك البائسين في قالب قصصي سرديٌّ مشوق تتوافر فيه عناصر القصة كاملة من بداية وتطور ونهاية وحلٍ، محتفياً بأدق التفاصيل والجزئيات التي تقترب من عتبة الحشو أحياناً، وفي شعره على ذلك أمثلة كثيرة منها قصيدة (الفقر والسقام). التي يروي لنا فيها قصة فقيرٍ معدمٍ يدعى بشيراً كان يعمل أجيراً ليله ونهاره ليس له في هذه الدنيا إلا أختٌ حنون اسمها فاطمة، أصيبَ بمرض القلاب (مرض القلب) الذي سرعان ما ازداد سوءاً حتى أصبح داءً عضالاً أنهكه وآلمه وعذبه وأقض مضجعه وبعد طول مكابدة وضع نهاية مأساويةً لحياته البائسة. في هذه القصيدة المحكمة يصور لنا معاناة ذلك المسكين في صراعه مع المرض في تدرج منطقي لتطور دائه العضال واصفاً معاناته تلك من الخارج ومن الداخل فضلاً عن وصف تفجع أخته المسكينة برحلة شقائه المرير وما بذلت من جهدٍ ووقتٍ وما ذرفت من دموعٍ في تعاطفها مع أخيها الهالك لا محالة، تنبض هذه القصيدة بكثيرٍ من المشاعر الإنسانية الصادقة وتتجلى فيها رقة الشاعر وإحساسه المفعم الفياض والصادق بآلام المعذبين المقهورين المحرومين. تتألف القصيدة من حوالي ستين نتفة مختلفة القوافي تنتهي كلٌّ منها بشطر ذي قافية على روي واحد، أجتزئ ثلاث نتف تدخلنا في دائرة تلك المأساة: ارتاعت فاطمة لما رأت أخاها في هيئة ميتٍ أو محتضرٍ فما كان منها إلا أن هُرعت تستنجد جارتها التي وقفت حائرةً كيف ستخبرها بموت أخيها:

قالت الأختُ: أمَّ سلمى انظريه


ثكلتْ روحُ أمِّهِ وأبيهِ


قرأتْ منه إذْ دنتْ نحوَ فيهِ


نفَساً مبطئَ التردُّدَ فيهِ


ثم قد غاله الردى باقتضاب
وجمتْ حيرةً وبعد قليلٍ


رمقت فاطماً بطرفٍ
كليلِ



فيه حملٌ على العزاءِ الجميلِ


فعَلا صوتُ فاطمٍ بالعويلِ


وبكتْ طولَ ليلها بانتحابِ


بعد أن اجتمع الجيران على صراخها وعويلها وبعد أن أمضت ليلتها منتحبةٌ باكية قالت مخاطبةً جيرانها:

أيها الواقفون لا تهملوهُ


دونَكم أ دمعي بها فاغسلوهُ


ثم بالثوبِ ضافياً كفّنوهُ


وادفنوهُ لكنْ بقلبي ادفنوهُ


لا تواروا جبينَهُ بالترابِ




موقف الشاعر أو حل المشكلة:
يعمد الرصافي بعد أن ينتهي من عرض شخصيات أبطال قصائده المأساويين وسرد الموقف الذي جمعه بها والتنويه بالمشكلة أو المعضلة أو الأزمة التي تعصف بها يعمد إلى الإعراب عن موقفه من تلك الشخصيات فنراه يأسف لها ويحزن لحزنها ويألم بألمها ويشجن بشجنها ويأسى لأساها وكثيراً ما يدعو المجتمع إلى إنقاذ تلك الشخصية الأسيانة ويطالب بوضع حلٍّ ناجعٍ لمعاناتها، مؤكداً منزلة الإنسان وسمو مكانته وضرورة معاملته بما يجدر به ويليق. ويدفعه ذلك التعاطف إلى تعقب حال هذه الشخصية المسكينة ومشاهدة معاناتها في المكان الذي تعيش فيه وتفحصه وتحرِّي مدى البؤس الذي تكابده ليس هذا فحسب بل إنه يستنكر ويؤنب كل متقاعسٍ عن أداء معروف أو صادفٍ عن تقديم عون ومساعدة. فلنتحسس هذا كله في الأمثلة التالية:

-أ-
إذا بعثت لي أنةً عن توجُّعٍ


بعثتُ إليها أنَّةً عن ترحُّمِ


تقطع في الليل الأنين كأنها


تقطّع أحشائي بسيفٍ مثلَّمِ




-ب-
أيها الأغنياء كم قد ظلمتمْ


نِعَمَ الله حيث ما إنْ رحمتمْ
سَهِرَ البائسون جوعاً ونمتمْ


بهناءٍ من بعد ما قد طعمتمْ


من طعامٍ منوّعٍ وشرابِ


-ج-
<كم بذلتم أموالكم في الملاهي


وركبتم بها متونَ السفاهِ

وبخلْتم منها بحقِّ الإلهِ


أيها الموسرون بعضَ انتباهِ


أفتدرون أنكم في تبابِ


خاتمة:
كانت هذه السطور محاولةً لتقصِّي معالم النزعة الإنسانية في شعر شاعر العراق الكبير (معروف الرصافي) الذي هو بحق شاعر الرقة والنبل الذي يكاد يصل بنبل نفسه وطهارة أحاسيسه وشعوره بآلام الآخرين إلى شفافية ورقة الملائكة وحسبه خلوداً أن كان شاعراً صادقاً وكفى بالصدق طريقاً تلقائياً إلى قلوب الناس، وليكن الشعر كما أراد رسالةً للبشرية جمعاء تدعو إلى الخير والحب والصلاح والسلام والتعاون والوئام، فلا سدوم همِّ تؤرِّق بالاً ولا إسارَ حرمانٍ يهصر مُهَجاً ولا دكونَ ألمٍ يمنع انبلاجَ مسرَّة.

sarmad1960
10-25-2006, 03:53 PM
الشاعر والسياسة




صاحب الربيعي

يعود تعدد أوجه التخصص في الشعر لاختلاف ميل وتوجهات الشعراء أنفسهم، فهناك من يختص نتاجه الشعري بالعاطفة أو الهجاء والذم، أو المديح أو السياسة والمجتمع.....ويفرض الاتجاهان الأخريان موقفاً على الشاعر مع أو ضد الحاكم وغالباً ما يكون شاعر السلطة منبوذ اجتماعياً وانتهازي يسخر موهبته للدفاع عن الطغاة لقاء الكسب المالي وعلى حساب المجتمع.
في حين أن الشاعر المناهض للحاكم بالضرورة تكون توجهاته متوافقة وتوجهات ومطالب المجتمع، وبالتالي فإنه يسخر إبداعه لخدمة الإنسان وينال لقاء ذلك السجن والتعذيب والإساءة وبالمقابل يحظى باحترام وتقدير أبناء شعبه.
إن طريق الرذيلة متاح أمام النفس الدنيئة الساعية أبداً وراء تحقيق مصالحها الخاصة وطريق الفضيلة لاتسلكه سوى النفس السوية المتعاطفة أبداً مع محيطها الاجتماعي، وهي مؤمنة بعدالة قضيتها وتوجهاتها بالرغم من أنها لاتحصد سوى العذابات لقاء مواقفها.
لاتقاس موهبة الشاعر فقط بآليات وتقنيات الشعر، وإنما بتوظيفها في خدمة الإنسان. وحين يكون هذا التوظيف ذاتياً ومتعارضاً مع الإنسان فإنه يلحق الأذى والضرر بالمجتمع، ويتوجب أن يجابه صاحبه بالاحتقار والنبذ الاجتماعي كونه خالف مهامه الأساس باعتباره مثقفاً يعكس مطالب المجتمع لا الطغاة الذين يحتكمون إلى العنف والاستبداد.
إن فعل القصيدة الشعرية في التحريض الاجتماعي ضد الحاكم، يفوق عشرات المرات فعل البيانات والمذكرات الحزبية ضد الحاكم. لذا تسعى معظم الكيانات الحزبية لاستمالة الشعراء وتجيير خطابهم السياسي لصالح مواقفها الحزبية، فهي تعي مدى التأثير العاطفي والوجداني الذي يتركه الشعر السياسي على الأفراد في المجتمعات المقهورة.
يعبر ((معروف الرصافي)) عن موقفه السياسي ضد الحكومة قائلاً:
"لـم تسـتفد إلا سـقوط وزارة.............وتأليف أخرى مثل تلك بلا فرق
ألم يبصروا للعدل غير طريقهم..............فإن طريـق العدل أوضح الطرق
ماذا عسى يجدي سـقوط وزارة............إذا لم تقم أخرى على العدل والصدق
ولكـن وراء السـتر كف خفية...........تزحزح من شاءت عن الأمر أو تبقي".
تعرض العديد من شعراء الكلمة الصادقة للسجن والتنكيل على مدى العصور نتيجة مواقفهم وتوجهاتهم المساندة لشعوبهم وبالمقابل فإنهم نالوا من التقدير والاحترام والمكانة الاجتماعية ما لم يناله شعراء السلطة بالرغم من النعيم والمال والمكانة والحظوة عند الحاكم.
ولاتغفل المجتمعات الحرة على مدى تاريخها مكانة وحظوة الشاعر المساندة لحقوقها وغالباً ما تستشهد بأشعاره ومكانته في منعطافاتها التاريخية، فتأثير شعره يمتد عبر الأجيال ويطال كافة حكام الاستبداد والقهر لأنه ينهل من توجهاته ومطالب المجتمع مفرداته وحسه الإنساني.
والإرث الثقافي ركيزة الشعوب نحو المستقبل، وهو الهوية الشخصية المعبرة عن الذات والانتماء عبر الأجيال وبالتالي فإنه سجل تاريخي لايغفل مزايا وسيئات مجريات الأحداث عبر العصور.
إن الأحكام والتقييمات الاجتماعية لشاعر السلطة وشاعر المجتمع لايغفلها سجل التاريخ، وإنما يخضعها للمزيد من المراجعة والتقييم لإدانة شاعر السلطة ونتاجه الشعري في كل محطة من محطات المستقبل. وإن تجسيد حس ومعاناة المجتمع في الخطاب الشعري، يعني بكل المقاييس صياغة خطاب سياسي مناهض للسلطة ومعبراً عن مصالح ومطالب المجتمع.
لـ ((معروف الرصافي)) خطابه السياسي ضد السلطة حيث يقول:
"من أين يرجى للعراق تقدم..............وسبيل ممتلكيه غير سبيله؟
لاخير في وطن يكون السيف...........عند جبانه والمال عند بخيله
والرأي عنـد طريده، والعلم...........عند غريبه، والحلم عند دخيله
وقـد اسـتبد قليله بكثيـره............ظلمـاً وذل كثـيره لقليـله".
لايفقد الخطاب السياسي المتبني للمطالب الاجتماعية في القصيدة الشعرية بريقه وحجته ومدلوله باختلاف الأنظمة والحكام والأزمنة لأنه خطاب ضمير ينهل مفرداته وصياغته من منظومة قيم الخير والشر الناظمة لشبكة العلاقات بين البشر.



__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:54 PM
تيقَّظ فما انت بالخالد

تيقَّظ فما انت بالخالدِ
ولا حادث الدهر بالراقدِ
فخلَّد بسعيك مجداً يدومُ
دوام النجوم بلا جاحد
وأبق لك الذكر بالصالحات
وخل النزوع إلى الفاسد
وردْ ما يناديك عنه الصدور
ألا دَرَّ درُّك من وارد
وسر بين قومك في سيرة
تميت الحقود من الحاقد
فان فتى الدهر من يدّعي
فتأتي اعاديه بالشاهد
ولا تك مرمى بداء السكون
فتصبح كالحجر الجامد
وكن رجلاً في العلى حُوَّلا
تفنن في سيره الراشد
اذا اطَّردتْ حركات الحياة
ومرت على نسق واحد
ولم تتنوع افانينها
ودامت بوجه لها بارد
ولم تتجدد لها شملة
من السعي في الشرف الخالد
فما هي إلا حياة السَّوام
تجول من العيش في نافذ
وما يرتجي من حياة امرىء
كماءٍ على سَبخة راكد
وليس له في غضون الحياة
سوى النفس النازل الصاعد
يغضُّ على الجهل اجفانه
ويرضى من العيش بالكاسد
فذاك هو الميت في قومه
وان كان في المجلس الحاشد
وما المرءُ إلا فتى يغتدِي
إلى العلم في شَرَك صائد
سعى للمعارف فاحتازها
وصاد الانيس مع الآبد
وطالع أوجه أقمارها
يعين بصيرٍ لها ناقد
فأبدى الحقائق من طيها
وألقى القُيود على الشارد
اذا هو اصبح نادى البدار
وشمرَّ للسعي عن ساعد
فكان المجلَّى َ في شأوه
بعزمٍ للسعى عن ساعد
وإن بات بات على يَقظَة
بطرف لنجم العلى راصد
واحدث مجداً طريفاً له
واضرب عن مجده التالد
وما الحمقُ الا هو الاتكالُ
على شرفٍ جاء من والد
فذاك هو الحيُّ حيَّ الفخارِ
وان لحدتهُ يدُ اللاحد
__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:55 PM
أَقول لَهـم




أَقول لَهـم وقـد جـدّ الفـراق
رويدكـم فقـد ضـاق الخنـاق


رحلتـم بالبـدور ومـا رَحَمتـم


مشوقـاً لا يبـوخ لـه اشتيـاق


فقلبِـي فـوق ارؤسكـم مطـار


ودمعي تَحـت أرجلكـم مـراق


أقـال الله مـن قـودٍ لِحـاظـاً


دمـاء العـاشقيـن بِهـا تـراق
وأبقـي أعينـاً للغـيـد سـوداً


ولو نسيـت بِها البيـض الرقـاق


متى يصحو الفـؤاد وقد أديـرت


عليه من الـهوى كـأس دهـاق


وليـس النَّـاس إلاّ مـن تصابِـي


وإلاّ مـن يشـوق ومـن يشـاق


مررنـا بالـمنـازل موحشـاتٍ


لِهوج الرامسـات بِهـا اختـراق


كأن لَـم تُصبنِـي فيـها كعـاب


ولَـم يُضـرب بسـاحتـها رواق


فعجت على الطلـول بِهـا مكبّـا


أسائلـها وقـد ذهـب الرِّفـاق


كأنِّـي بيـن أطـلال المغَـانِـي


أسيـر عـضّ ساعـده الوثـاق
حديـد بـارد فِي اللَّـوم قلبِـي


فليـس لـه إذا طـرق انطـراق

sarmad1960
10-25-2006, 03:57 PM
في رثاء عبدالمحسن السعدون


هكذا يُدرك في الدنيا الكمالُ
هكذا في موتها تحيا الرجالُ
هكذا يشرف موت المبتغي
شرفاً ليس إذا ريم ينال
من كـ عبدالمحسن الشهم الذي
حفّه بالموت عزٌّ وجلال
ما بـ عبدالمحسن السعدون إذ
رام قتل النفس مسٌّ أو خبال
بل رأي أوطانه يرهقها
من بنى الغرب انتدابٌ واحتلال
فانتضى الهمّة كي ينقذها
كانتضاء السيف ما فيه كلال
مارس الأحوا ل حتى أنّه
شاب في إصلاحها منه القذال
أعمل الرأي، وقد جادله
فيه بعض القوم، واشتدّ الجدال
خذلوهُ، فاغتدت آراؤه
كسهامٍ كسرت منها النصال
كم غدا ينصحهم حتى إذا
راءَ أنّ الداء في القوم عضال
ورأى أنّ الذي يرجوه من
طلب استقلالهم شيءٌ محال
جاد للأوطان منه بدمٍ
لسوى أوطانه ليس يُسال
والفتى الحّر له في موته
سعةٌ إن ضاق بالنفس المجال
إنّه لمّا أرادت نفسه
ميتة حمراء ما فيها اعتلال
ميتة الأبطال فيها شممٌ
طأطأتْ من دونه الشمُّ الجبال
نال بالموت حياةً ما لها
أبد الدهر فناءٌ وزوال
هو حيٌّ أبد الدهر، فما
ضرّه من هذه الدنيا انتقال
إن يكن قد زايل القوم، فما
لمساعيه عن القوم زيال
أو يكن عن أعين القوم اختفى
فله في أنفس القوم خيال
وإذا التاريخ أجرى ذكره
أخذ التاريخ بالفخر اختيال
فاندبوا يا قوم منه بطلاً
هو للأبطال حُسنٌ وجمال
واقتفوا منه نصيحاً مخلصاً
هو للإخلاص في الدنيا مثال
واقيموا عالياً تمثاله
فهو للأوطان عزٌّ وجلال
واقصدوا مرقده حجّاً فلا
غرو إن شدّت لمثواه الرحال
واتركوا الغرب وأهليه، ولا
تسمعوا منهم إلى ما قد يقال
وعلى أنفسكم فاتّكلوا
خاب من فيه على الغير اتّكال
فالمواعيد التي قد وعدوا
كلّها منهم خداعٌ واحتيال
كلّما قال لنا ساستهم
نقضت أقوالهم منهم فعال
هكذا كونوا وإلاّ فاعلموا
أنّما استقلالكم شيءٌ محال



__________________


في رثاء عبدالمحسن السعدون


شبّ الأسى في قلوب الشعب مستعرا
يوم ابن سعدون عبدالمحسن انتحرا
يومٌ به كلّ عين ٍغير مبصرةٍ
إذ كان إنسانها في الدمع منغمرا
يومٌ به البرق رجّ الرافدين أسى
غداة أدّى إلى أقصاهما الخبرا
فلو ترى القوم قاموا في ضفافهما
واستنزفوا من شؤون الدمع ما غُزرا
خلْت العراقين خدّي ثاكلٍ، وهما
سطران للدمع في الخدين قد سُطرا
لله يومٌ فقدنا فيه مضطلعاً
بالأمر يُمعن في تدبيره النظرا
يومٌ قد انهلّ فيه الشعر منتظماً
كما قد انهلّ فيه الدمع منتثرا
فبالدموع بكت في يومه شيعٌ
وبالقوافي بكت في يومه الشُّعَرا
فالشعر قد قرّط الأسماع مندفقاً
والدمع قد قرّح الأجفان منحدرا
والدمع والشعر ممّن قد بكى بهما
كلاهما حكيا في يومه الدررا
كلاهما انسجما حتى كأنّهما
تسابقا في انسجامٍ عندما انهمرا
بالشعر من هذه الأكباد بلَّ صدى
والدمع من هذه الأوطان بلَّ ثرى

أبو عليٌّ قويٌّ في عزائمه
لو رام بالعزم دحر الجيش لاندحرا
أخلاقه كالخضمّ الرهو تحسبه
سهلاً، ولكنّه صعبٌ إذا زخرا
إذا أتاه شكيُّ القوم قابله
بكالنسيم جرى في روضةٍ عطرا
ويهزم الجمع مجتثّاً مكايده
بكالعواصف هبّت تقلع الشجرا
لما رأى الوطن المحبوب محتملاً
من الأجانب ما قد عمّه الضررا
سعى لإنقاذه بالرأي مجتهداً
بالعزم متشحاً، بالحزم مؤتزرا
كم بات سهران في تحقيق منيته
وفي الأمانيّ ما يستوجب السهرا
وكم سعى راجياً تخليص موطنه
والشعب كان لما يرجوه منتظرا
حتى إذا لم يجد للأمر متّسعاً
ولم يجد عن بلوغ العزّ مصطبرا
أرمى مسدسه في صدره بيدٍ
لا تعرف الضعف في المرمى، ولا الخوَرا
فيا لها رميةً حمراء داميةً
قد مات منها، ولكن بعدها نُشرا
قد كان يحيا حياةً غير خالدةٍ
واليوم يحيا حياةً تملأ العُصُرا
لو نقتري صحف التاريخ نسألها
عمّن يساويه في الدهر الذي غبرا
لما رأينا كبيراً مات ميتته
ولا وجدنا وزيراً مثله انتحرا
ما كان أشرفها من ميتةٍ تركتْ
في نفس كلّ فتى من غبطةٍ أثرا
كنّا نقاسي ضلالاً قبلها، فإذا
بها الطريق إلى استقلالنا ظهرا

يا أهل لندن ما أرضت سياستكم
أهل العراقين لا بدواً ولا حضرا
إنّ انتدابكمُ في قلب موطننا
جرحٌ نداويه لكنْ لم يزل غبرا
وللمشورة في أوطاننا شبحٌ
تُخيف صورته الأشباح والصورا
يجول في طرقات البغي محتقباً
للغشّ خلف ستار النصح مستترا
لم يكفهِ أنّه للحكم مغتصبٌ
حتّى غدا يقتل الآراء والفكرا
إذا رأى نهضةً للمجد أقعدها
وإن رأى فتنةً مشبوبةً نعرا
فكم ضغائن بين القوم أوجدها
وكم بذورٍ من التفريق قد بذرا
في كلّ يومٍ لنا معكم معاهدةٌ
نزداد منها على أوطاننا خطرا
جفّت بها سرحة استقلالنا عطشاً
حتى إذا ما مسسنا عودها انكسرا
تقسو قلوبكمُ لمّا نفاوضكمْ
كأنّما نحن منكم ننقر الحجرا
أمّا مواعيدكم فهي التي انكشفت
عن مين من مان أو عن غدر من غدرا
لا تفخروا أن كسرتم غرب شوكتنا
لا فخر للصقر في أن يقتل النغرا
لا تستهينوا بنا من ضعف قوّتنا
فكم ذبابة غابٍ أزعجت نمرا
هذي البلاد اغرسوا فيها مودّتكم
ثمّ اقطفوا من جناها ودّنا ثمرا
نكن لكم حلف صدقٍ في سياستكم
نمشي إلى الموت من جرّائكم زُمُرا
لسنا بقومٍ إذا ما عاهدوا نكثوا
ولو جرى الدمُ حتى أشبه النهرا
ولا نحالف أحلافاً، فنخذلها
ولو لبسنا المنايا دونهم أُزُرا
فنحن أوفى الورى بالعهد شنشنةً
ونحن أرفعهم في المكرمات ذُرا

سعدٌ وسعدون محمودٌ مقامهما
هذا بمصر، وهذا ههنا اشتهرا
كلاهما قد فدى بالنفس أمّته
لكن سعدون لا سعداً قد انتحرا
فكان بينهما بونٌ، وإن غدوا
في الشرق أعظم مذكورين ما ذكرا
فإنّ سعدون دانى الشمس منزلةً
وإن سعداً بمصر قارن القمرا
هذا هنا قد سعى للمجد مبتدراً
وذا هناك سعى للمجد مقتدرا
يا أهل مصر، وأنتم مثلنا عربٌ
ما قلتمُ عندما أعلمتمُ الخبرا
إن كان قد أرخص الأموال سعدكم
فإنّ سعدوننا قد أرخص العمرا

نمْ أيّها البطل الفادي بمهجته
أوطانه نومةً تستيقظ العبرا
نمْ نومةً تجعل التاريخ مختفياً
بها لنهضة أهل الشرق مدّكرا
فليعتبر بك هذا الشعب مفتدياً
إن كان شعبك بعد اليوم معتبرا
فسوف تحمدك الأوطان شاكرةً
ماذا ستفعله من بعدك الوزرا
أ يتركون الذي قد كنت تطلبه
أم هم سيقضون من مطلوبك الوطرا؟
فالشعب منهم مريدٌ ما أردت له
وليس يقبل عذراً ممن اعتذرا
يا من له ميتةٌ بكرٌ معظّمةٌ
لا غرو أن قلت فيك الشعر مبتكراً



__________________

sarmad1960
10-25-2006, 03:58 PM
أيــــا ســائــلاً عــنــا بـبـغــداد

أيــــا ســائــلاً عــنــا بـبـغــداد إنــنــا بهـائـم فــي بـيـداء أعَـوزهـا الـنـبـت
علت أمة الغـرب السمـاء وأشرفـت علينا فظلَنـا ننظـر القـوم مـن تحـت
وهم ركضوا خيل المساعي وقد كبا بنا فَرَس عن مِقَنب السعـي مُنَبـت
فنحـن أنـاس لـم نــزل فــي بَطـالـة كـأنــا يـهــود كـــل أيَـامـنــا ســبــت
خضعـنـا لحـكـام تـجــور وقـــد حـــلا بأفواههـا مـن مالنـا مَـأكـل سُـحـت
وكـم قامَرتنـا ساسـة الأمـر خُـدعـةً فتَـمّ عليـنـا بالـخِـداع لـهـا الـدَسْـت
لـمــاذا نـخــاف جُـبـنـاً فــلــم نــقــم إلى الذَّب عنا من أمور هـي المـوت
إذا كنت لا ألقـى مـن المـوت مَوْثـلاً فـهـل نافـعـي إن خِفـتـه أو تهَيَّـبـت
ولَلمـوت خـيـر مــن حـيـاة تَشوبـهـا شوائب منها الظلم والـذُل والمقـت
_________________

sarmad1960
10-25-2006, 04:00 PM
كريم الوائلي
.
.
ويسلم معروف عبد الغني الرصافي« 1875ـ 1945 م »على نحو العموم بالتعريف العروضي القديم للشعر، الذي يرى أن الشعر« كلام ذو وزن وقافية » إلا أنه يميل إلي تحديد آخر للشعر ينسجم إلي حد كبير مع طبيعة المرحلة الإحيائية العربية فالشعر « مرآة من الشعور تنعكس فيها صور الطبيعة بواسطة الألفاظ انعكاسا يؤثر في النفوس انقباضا أو انبساطا » ويتجلى في هذا التعريف ثلاثة أركان :أولها يتصل بـ « صور الطبيعة» والمقصود به يشمل « صور ما في الطبيعة فيشمل المعاني الخفية والخيالات الوهمية والموجودات الصناعيةالتي صنعتها يد البشر أيضا»وتمثل هذه الصورة علىالرغم من غموض بعض جوانبها « المثير» الذي يتحدد في ضوئه الإبداع الشعري . وثانيها : مرآة الشاعر التي تنعكس فيها صور الطبيعة هذه، ويتم ذلك من خلال الألفاظ، وعلى الرغم من أن مرآة الرصافي مرآة من الشعور فإنها لاتقربه من التفكير الرومانسي الذي يغير من صور الأشياء، فالمرآة ـ هنا مرآة صقيلة لا تؤدي سوى وظيفة الانعكاس الذي يحافظ على ملامح الصور الخارجية، وليس بقادر على التعبير عنها، ويضعنا هذا التصور في إطار مفهوم المحاكاة التي تعني نقلا ووصفا للواقع، ويعطل فيه العالم الداخلي للشاعر، لأن المرآة التي هي صورة المحاكاة إنما هي أداة يوجهها الشاعر نحو صور الطبيعة فتنعكس عليها هذه الصور، وهذا يعني أن دور الشاعر دور المراقب الكسول لمعطيات الواقع الخارجي، وهو دور لا يتدخل فيه عالمه الداخلي، ولا يوظف فيه خياله.

إن استخدام المرآة بوصفها عاكسا يؤكد « ثبات الأدب إزاء موضوعه، ومن ثم ثبات صورة المرآة إزاء ما تعكسه ((الذات المدركة وموضوعات إدراكها، أ ي يتصل بالكيفية التي يحاكي بها الأدب العالم، لتماثل أعماله صور المرآة» ويتصل الثاني «بمغزى المحاكاة نفسها من حيث التأثيـر الذي تخلقه، عنـدما تلفت الانـتباه إلي ما ينطـوي عليـه مـوضـوعها مـن ثبـات وانتظـام ».

ولا يغفل الرصافي الألفاظ بوصفها الوسيط الذي تتحقق من خلاله محاكاة الطبيعة وكيفية وصفها، وهو يؤكد في هذا السياق، ليميز بين الشعر وبقية الفنون باختلاف وسائط محاكاتها، فالرسم والنحت والموسيقى « تشارك الشعر في كونها منعكسا لصور الطبيعة، ولكن لا بواسطة الألفاظ بل بواسطة الخطوط والألوان في الرسم، والأشكال البارزة في النحت والألحان والأنغام في الموسيقى» ، أما ثالث الأركان فهو التأثير بالمتلقي انقباضا وانبساطا، ويذكرنا هذا بمقولة التطهيرالأرسطية في أثناء تعرضه لتعريف التراجيديا، لأن التراجيديا تنقي النفوس من خلال خوف المتلقي مما يحدث لبطل المسرحية وشفقته عليه، يقول آرسطو : فالمأساة ـ التراجيديا ـ )) هي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزوّدة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتؤدي إلي التطهير من هذه الانفعالات » وإذا كان هذا يشير إلي مقولة التطهير الآرسطية فإنه يلمح إلي فكرة التحسين والتقبيح في تراثنا النقدي، حين يتحول النص الأدبي إلي وسيلة يراد منها ترغيب المتلقي أو تنفيره من أمر ما من الأمور« وتتحقق هذه الغاية عندما يربط البليغ المعاني الأصلية التي يعالجها بمعان أخر مماثلة لها، لكنها أشد قبحا أو حسنا، فتسري صفات الحسن أو القبح من المعاني الثانوية إلي المعاني الأصلية، فيميل المتلقي اليها أو ينفر منها تبعاً للمبدأ القديم الذي يرى أن ما يجوز على أحد المتماثلين يجوز على الآخر». ومن الجدير بالذكر أن معروف الرصافي لم يتخلص تماما من شكلية الحد التراثي للأشياء والموضوعات، إذ لا يزال يتكئ على الجنس والفصل ليقدم حدا جامعا مانعا، فهو يقول : « فقولنا بواسطة الألفاظ قيد احترازي يخرج به قسماء الشعر من الفنون الجميلة المسماة عند القوم بالآداب الرفيعة كالرسم والنحت والموسيقى».

ويتعرض معروف الرصافي لنشأة الشعر العربي في ضوء قانون يشمل الكون وكلام الإنسان، فهو يرى أن كل شيء إنما يتم تطوره بارتقاء طبيعي، وهو خاضع لمشيئة الله، أي أنه يتدرج « من الصغر إلي الكبر ومن البساطة إلي التركيب، فكل شيء منحط في بدأته ثم يرتقي وناقص في أول نشأته ثم يتكامل وبسيط في مبتدأ وجوده ثم يتراكب». وكذا الأمر في كلام البشر فانه هو الآخر يخضع للناموس الطبيعي الذي يتدرج من البسيط إلي المركب، فلقد كان « الكلام بسيطا ساذجا خاليا من كل تفنن في أسلوبه وتصنع في ألفاظه بحيث لا يكاد يعرب عما في ضمير المتكلم تمام الإعراب ».

إن نشأة الشعر عند الرصافي قد مرت بثلاثة أدوار : الدور الأول : مرحلة التعبير البسيط الساذج الخالي من أشكال الصياغة المقصودة، والدور الثاني : مرحلة التعبير بالسجع، وهو الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روي واحد والدور الثالث : مرحلة التعبير بالوزن، إذ يرى الرصافي أن مرحلة التعبير بالسجع استمرت قرونا عديدة، وأن التعبير بالوزن قد تولد من السجع، وقد أسهم السجع في تحديد القافية في الشعر، أما الغناء فهو الذي « يزيد احتمال وقوع الوزن فيه بطريقة الاتفاق والمصادفة زيادة أكثر إذا كان غير مقترن به».

ويختلف احتمال وقوع الوزن بطريقة المصادفة باختلاف الأوزان الشعرية، لأن الرصافي يرى أن بعض الأوزان الشعرية تتميز بالبساطة والتركيب « فما كان من الأوزان أبسط كان ذلك الاحتمال فيه أكثر وأقوى والعكس بالعكس، ونعني ببساطة الوزن هنا سهولته على القريحة وخفته على الطبع وقرب مأخذه من الكلام المنثور بحيث يكون انطلاق اللسان به سهلا وجرى الطبع عليه هينا» ويضرب لذلك مثـلا بالـرجز الذي يعتبـره أسهلها على القـريحة وأقـربها من النثـر، بل يعده أول مولود من الشعر.

sarmad1960
10-25-2006, 04:01 PM
سيوف لحاظ





سيوف لحاظ أم قسي حواجب تَريشُ إلى قلبي سهامَ المعاطبِ
ورُبَّ كعاب أقبلت في غلائل وقد لاح لي منها حُلِي الترائب
لها جيد ظبى واعتدال وشيحة وعين مَهاة وائتلاق الكواكب
ولا عيبَ فيها غيرَ أن أولى الهوى ينادونها في الحسن بنت العجائب
نضتْ عن محياها النقاب عَشية فاسفر صبح الحسن من كل جانب
ومذ نشرب سودَ الذوائبِ أولجت نهار محياها بليل الذوائب
تناسبَ فيها الحسن حتى رأيتها تفوق الدمى في حسن ذاك التناسب
مفترة الاجفان تدمى بلحظها قلوبَ أُسودٍ مدمياتِ الكتائب
فلم انسها والله يوم تعرضت لنا بين هاتيك الظباء السوارب
وما كنت أدري ما الصبابة قبلها ولا هِمت يوماً في الحسان الكواعب
فأصبحتُ فيها ذا غرام ولوعة ووجد وتهيام وهم مواظب
وما الصبر إلا غائب غير حاضر وما الشوق إلا حاضر غير غائب

sarmad1960
10-25-2006, 04:03 PM
نزلت تجر إلى الغروب ذيولا






نزلت تجر إلى الغروب ذيولا صفراءُ تشبه عاشقا مَبتولا


تهتز بين يد المغيب كأنها صب تململ في الفراش عليلا
ضحكت مشارقها بوجهك بكرة وبكت مغاربها الدماء اصيلا
مذحان في نصف النهار دلوكها هبطت تزيد على النزول نزولا
قد غادرت كبد السماء منيرة تدنو قليلا للافول قليلا
حتى دنت نحو المغيب ووجهها كالورس حال به الضياء حيولا
وغدت باقصى الافق مثل عرارة عطِشت فأبدت صفرة وذبولا
غَرَبت فأبقت الشُّواظَ عَقيبها شفقا بحاشية السماء طويلا
شفق يروع القلب شاحب لونه كالسيف ضمخ بالدما مسلولا
يحكى دم المظلوم ما زَجَ أدمعاً هملت به عين اليتيم همولا
رقت اعاليه واسفله الذى في الأفق أشبِعُ عُصفراً محلولا
شفق كأن الشمس قد رفعت به ردنا بذوب ضيائها مبلولا
كالخود ظلت يوم ودّع إلفها ترنو وترفع خَلفه المِنديلا
حتى توارت بالحجاب وغادرت وجه البسيطة كاسفاً مخذولا
فكأنها رجل تخرم عزه قرع الخطوب له فعاد ذليلا
وانحط من غُرف النباهة صاغراً وأقام في غار الهوان خمولا
لم انس قرب الاعظمية موقفي والشمس دانية تريد افولا
وعن اليمين أرى مُروج مَزارع وعن الشمال حدائقا ونخيلا
وتروع قلبي للدوالي نعرة في البين يحسبها الحزين عويلا
ووراء ذاك الزرع راعي ثلة رجعت تؤم الى المراح قفولا
وهناك دون برذونتين قد اثنى بهما العشيَّ من الكراب نحيلا
وبمنتهى نظري دخان صاعد يعلو كثيرا تارة وقليلا
مد الفروع الى السماء ولم يزل بالارض متصلا يمد اصولا
وتراكبت في الجوِّ سُود طباقه تحكي تلولا قد حملن تلولا
فوقفتُ أرسل في المحيط المدَى نظرا كما نظر السقيم كليلا
والشمس قد غربت ولما ودعت ابكت حزونا بعدها وسهولا
غابت فأوحشتِ الفضاء بكدرة سقِم الضياء بها فزاد نحولا
حتى قضت رُوح الضياء ولم يكن غير الظلام هناك عزرائيلا
وأتى الظلامُ دُجنة فدجنة يُرخي سدولاً جمة فسدولا
ليل بغيهبه الشخوصُ تلفعت فظَلِلت أحسِب كل شخص غولا
ثم انثنيت اخوض غمر ظلامه وتخِذت نجم القطب فيه دليلا
إن كان أوحشني الدجى فنجومه بعثت لتؤنسني الضياءَ رسولا
سبحان من جعل العوالم أنجما يسبحن عرضا في الاثير وطولا
كم قد تصادمتِ العقول بشأنها وسعت لتكشف سرها المجهولا
لا تحتقر صِغر النجوم فإنما ارقى الكواكب ما استبان ضئيلا
دارت قديما في الفضاء رحى القوى فغدا الاثير دقيقها المنخولا
فاقرأ كتاب الكون تلق بمتنه آيات ربك فصلت تفصيلا

ودع الظنون فلا وربك انها لم تغن من علم اليقين فتيلا

sarmad1960
10-25-2006, 04:07 PM
لقد احببت ان اعمل مداخلة في الموضوع فعذرا منكم
لاني احببت ان افي هذا الشاعر حقه في الذكر مع احترامي للجميع



نقلت الموضوع من هنا وهناك وفيما بينهما
تحياتي للجميع