المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجرد حلم



عقيلة
03-31-2004, 12:56 PM
هذه أول قصة قصير كتبتها .. شو رأيكم دام ظلكم 3



الشتاء ينشر أثوابه البيضاء على شوارع المدينة ومنازلها، والثلج يتساقط ويكسو الشوارع والمنازل بفرش أبيض، والشوارع خالية من الناس، فهم في منازلهم بجانب المدافئ، والليل يطوي الأرض بسكونه الهادئ الذي يبعث على الراحة والهدوء و الاطمئنان، والرياح تصدر صوتاً موسيقياً رائع ترتاح لسماعه النفوس، لكن هناك.. في تلك الشقة المتوسطة الحال حيث كانت زينب تفتح ملف الذكريات وتنهمر دموعها على خديها.. ولا تجد بجانبها سوى صديقتها كوثر، وهي تهدئ من روعها:

- زينب، ما بكِ!!.. تصبري لستِ أول النساء ولا آخرهن، كوني قوية يا حبيبتي، فابنك الآن بحاجتك..لا تنسي بأنك ستكونين له الأم والأب.

- لا أستطيع يا كوثر صدقيني..حاولت العيش..لكن كل جزء في هذا المنزل يذكرني بزهير.. كل ركن..كل زاوية تذكرني به..إنني أعيش مع ذكرياته..أشعر بأنني في حلم وفي حقيقة، وليتك تعلمين كم هذا مؤلم.

- لا يا زينب..زهير الآن في قبره..فدعيه يستريح ويشعر بأنك بخير..لا تجعليه يتألم..كوني واقعية أرجوكِ!!!

- صدقيني لا أستطيع..كلما فكرت أنه الآن بعيد عني وأني سأبقى وحيدة..مع أننا تعاهدنا أن نظل معاً إلى الأبد، لا شئ يفرق بيننا.. وهاهو ذا الموت قد فرق..وجعلني أعيش بلا روح..روحي هناك دفنت معه..أشعر بأني ميتة..وأتساءل لمَ لمْ تختطفني هذه الحرب اللعينة وتجعلني ضحيتها.. ولا أخفي عليك بأني فكرت مرات عدة بالموت.

لكن كوثر لم ترد..كانت خائفة على صديقتها من أفكارها السوداء.. فكرت وقالت لنفسها "لا بد من أن أيقظها من هذه الكوابيس"..فاتجهت لها ورفعت يدها وصفعتها..حدقت زينب في صديقتها متعجبة..محاولة التعرف على السبب.. شعرت كوثر بما طرأ على صديقتها فبدأت في تفسير السبب قائلة بحنان:

- أنا آسفة يا زينب..لم أكن أقصد ذلك..ولكني أردت أن أنبهك إلى أن ما تفعلينه خطأ..أنت بهذا تدفنين نفسك وأنت حية.. أنا أعلم أنك تستطيعين التغلب على هذه المحنة..أنت قوية..أقوى مما تتوقعين..لا تستسلمي لليأس، لا تجعليه ينخر قواك..أرجوك لا تكوني ضعيفة..

اخترقت كل كلمة قالتها كوثر قلب زينب..بدأت تتفهم موقف صديقتها.. أدركت أنها مخطئة فبكت وارتمت في حضن صديقتها قائلة :
- أعدك بأني سأكون قوية مهما كانت الظروف..وسأتغلب على المصاعب بإذن الله..
لكن بكاء عادل أبعدها عن حضن صديقتها كوثر..فقالت لها:
- لقد استيقظ طفلكِ..هيا اذهبي له..وإياك أن تنسي ما قلته لكِ..
- أبداً لن أنسى.. "وذهبت لطفلها"

***********************

ابتلعت زينب آلامها وعاشت مع ابنها تحاول نسيان الماضي والتأقلم مع وضعها الجديد.. ومع كونها امرأة وحيدة.. فهي الآن تعيش لوحدها مع ابنها.. دون رجل أو قريب يحميها من غدر الزمان..فهي وحيدة والديها.. وزهير يعيش أهله في القرية.

عملت منذ أن اتجه زوجها للجهاد.. لاقت صعوبة كبيرة في البحث عن عمل..لكنها وجدت أخيراً، وأصبحت تعمل..

مرت الأيام وزينب تجد العزاء في ابنها وصديقتها..كانت تترك عادل لدى جارتها أم حسام عند ذهابها للعمل كل صباح لتعتني به مع أطفالها، كانت أم حسام امرأة طيبة، قدرت الظروف التي تمر بها زينب..فقالت لها: زينب؟! اتركي ابنك لدي، كثيراًٍ ما أغرقتمونا بإحسانكم أنتِ وزوجك، وأعتقد أن رعايتي لابنك سوف تسد جزءاً من هذا الإحسان.

لم تجد زينب مخرجاً غير هذا فوافقت على الفور.. وهكذا بقيت زينب بعد زوجها راضية كما وعدت صديقتها كوثر، حاولت زينب نسيان الألم وبدأت حياتها من جديد..لأنها أيقنت أن الحزن لن ينفعها إنما العمل ومجابهة الظروف هو من سيساعدها.. كانت تبتلع ألمها ووحدتها.. وتصب جل همها لابنها عادل، ازدادت تعلقاً به..كانت ضحكات ابنها تملأ حياتها سعادة وتنسيها أحزانها.. كانت ابتسامته بلسماً شافياً لجراحها، كانت حياته تسد الفراغ الذي كانت تشعر به..

ذات يوم سألها طفلها وهي تلاعبه "قائلاً":
-ماما..أين ذهب بابا؟!
نظرت ملياً إليه واختفت ابتسامتها وقالت: رحل إلى الأعلى يا حبيبي.
- متى سيعود يا أمي؟!
فقالت بنبرة حزن:هو لن يعود..أبداً..
- لمَ لمْ يأخذنا معه؟!
فاحتضنته وقالت: لأنه كان يؤمن بأنك ستكون إنساناً مهماً عندما تكبر ولا بد أن تعيش لكي تحققه.
- أجل.. سأكون مهماً..
- إن شاء الله.. قل إن شاء الله يا حبيبي..

***************************

استيقظت ذات صباح متعجبة، ابنها عادل لم يوقظها كالعادة، أيكون قد ذهب للجيران.. ربما، دارت بفكرها تساؤلات عديدة، قررت إيقافها بالنهوض من فراشها وإلقاء نظرة على فراشه.. رأته نائماً بسريره.. فقالت:
- ما الأمر يا عادل.. ألا زلت نائماً؟!!

لكن عادل لم يجب.. فشعرت بخوف كبير انقبض له قلبها، فحدقت به جيداً، كان العرق يتصبب من جبينه، وصدره يعلو ويهبط، وضعت يدها على جبينه.. فإذا هي تصعق بدرجة حرارته.. فقالت:

- عادل.. ما بك يا حبيبي.. أنت مريض..
هزته بلطف..لكنه لم يتحرك ولم يجبها..
اتجهت للهاتف.. وأدارت قرصه، انتظرت قليلاً ثم قالت: "ألو.. كوثر ساعديني أرجوك.. إنه عادل.. لا أعلم ما به.. إنه مريض.. مريض جداً.. تعالي وأحضري معك سيارة أجرة.. بسرعة أرجوك.. مع السلامة"، وأقفلت السماعة.. كان الفرق بين إغلاق السماعة ووصول كوثر خمسة عشر دقيقة، لمن زينب شعرتها كدهر..
قالت كوثر:مرحباً زينب..

-مرحباً..هل أحضرت سيارة أجرة؟!
- إنها واقفة بالباب.
إذاً هيا بسرعة.. واتجهت لابنها وحملته وخرجت هي وصديقتها واتجهتا للمستشفى..

في المستشفى حيث كان الطبيب يعاين عادل.. قالت له زينب: أرجوك يا دكتور.. أخبرني ما به.. هل حالته خطيرة..
وبعد أن انتهى من معاينة الطفل قال:

- من منكما والدة الطفل؟!
أجابت زينب: أنا يا دكتور.. ما الأمر؟! ماذا حدث له؟!!
- آسف يا سيدتي.. لقد تأخرت كثيراً.. ابنك يعاني من الحمى..الشوكية.
قالت بصوت ملئ بالخوف والرعب: ما معنى هذا يا دكتور.. هل سيموت؟!
- الموت والحياة بيد الله..سنقوم بعمل الواجب والبقية على الله.. إذا أفاق من غيبوبته فهو بخير..
- يا إلهي .."قالت زينب" واتجهت لطفلها وقالت:
- بني.. يا حبيبي.. يا قرة عيني، أرجوك.. لا تمت أرجوك.. ثم أخذت تبكي وتنوح وتناديه: قاوم هذه الحمى أرجوك.. يا إلهي..
اتجهت لها كوثر وقالت: زينب.. هذا لن ينفعكِ.. ادعي الله أن يساعده.. فدعاء الأم مستجاب في حق الأبناء..
نهضت من جانب طفلها ومسحت دموعها..

اتجهت إلى غرفة انتظار النساء.. ودعت ربها وأخذت تناجيه وتتضرع إليه تارة بوحدتها.. وتارة بلطفه ورحمته..

أخذت تحدث نفسها ثم خاطبت الموت…
أيها الموت.. لمَ تخطف مني أحبابي.. ألا يكفي كوني أرملة..حتى أكون فاقدة.. ولابني الوحيد..أيها الموت.. كم أكرهك..لمَ تجدد الأحزان عليّ..

ثم بكت وتوقفت لبرهة وقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أستغفر الله.. ربي.. وكلت أمري وفوضته إليك..

جاءت كوثر إليها وأمسكت بها قائلة :

- زينب تعالي الطبيب مع ابنكِ.
كم من الوقت مضى ... لا تدري .. لكنها
هبت واقفة..ثم قالت: ماذا قلتِ؟! هيا بنا.
وخرجتا مسرعتان واتجهتا إليه..لكنهما بقيتا في الخارج

قالت كوثر: اطمئني يا زينب، كل شئ سيكون بخير بإذن الله.

- إن شاء الله..

ولكنها لم تستطع أن تقاوم البكاء فاستجابت له بدموع قليلة، اتجهت إليها كوثر وقالت: ليكن إيمانك بالله قوياً.

-إنهم يقولون إن الأمل ضعيف.

مرت الدقائق كسنوات ثقيلة أثقلت كاهلها.. خرج الطبيب.. كان قلب زينب يرتجف وينبض بقوة.. شعرت بألم في أحشائها وكادت تسقط لولا تماسكها.. نظر إليها الطبيب قائلاً: آسف يا سيدتي..
وقعت زينب أرضاً في شبه إغماءه وتمتمت:

-لا يا رب..لا يا رب..

************************

لكن صوتاً غريباً تخلل إلى مسامعها.. مع هزات خفيفة جداً:

زينب.. زينب.. استيقظي.. ما بكِ.. هيا استيقظي…

فتحت زينب عينيها.. لتجد زوجها واقف بجانبها ويده تمتد لإيقاظها.. حدقت به جيداً.. لتتحقق من الأمر.. ربما هي في حلم.. وربما ما مرت به هو الحلم،.. إنها لا تعلم.. إنها حائرة..

نهضت قائلة بصوت ملئ بالدهشة: زهير؟!!
قال زهير: نعم؟!.. ما بكِ تنظرين لي هكذا.
لكنها لم ترد.. بل ارتمت بحضنه تعانقه قائلة:
- أنت حي يا زهير؟! الحمد لله…اصفعني.. لا أريد أن أكون في حلم..
- طبعاً أنا حي.. وأنتِ لستِ في حلم.. ماذا يحصل، أخبريني؟!
- أين عادل؟! ..
- إنه في فراشه.. ماذا تريدين منه؟ ..
- أريد أن أراه هل هو بخير ؟..
هرولت مسرعة إلى غرفته.. ونادت.. عادل.. عادل حبيبي.. واتجهت إليه وأخذت تقبله وهي تبكي..
استيقظ الطفل على قبلات أمه قائلاً:
- ماذا حدث يا أمي؟! ما بكِ؟ وارتمى في حضنها

تبعها زهير و الابتسامة تلوح على شفتيه وقال:
- زينب.. ألن تصلي.. قريباً ستطلع الشمس.
- كم الساعة الآن؟!!
- إنها الخامسة إلا ربع.
- حسناً……

واتجهت إلى ربها لتصلي.

سيف الدولة
03-31-2004, 01:54 PM
الحمد لله أنها كانت وساوس شيطان..
والحمد لله أن وقت الصلاة قد حان..
فلولا موعد الصلاة ... كانت ماتت في حلمها ألف ميتة...
قصة رائعة أختي عقيلة

أخيك سيف الدولة

حلبي مغترب
03-31-2004, 02:12 PM
ونايس تراي

والله يعطيكي العافية

أبو النور
30 28 30

عمر666
03-31-2004, 08:39 PM
مشكور عقيله على القصه الجميله

منى عجاجي
03-31-2004, 08:46 PM
اختي عقيلة..

اخدتني احداث القصة لدرجة اني نسيت عنوانها.((مجرد حلم))

وهذا إن دل على شيء فهو يدل على انها راائعة ومتقنة التفاصيل..

سلمت يمينك عقيلة على ماابدعتي..

ودمتي لنا فسحات من أمل..

لولو.. جعلتي دموعي تجري لمأساة هذه الزوجة


تحياتي.. 30