المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو الدرداء حكيم أمتى



محمد غنيم
02-24-2004, 07:35 PM
أبو الدرداء (عويمر بن عبد الله ) حكيم الأمة

اشتهر هذا الصحابي الجليل بكنيته "أبو الدرداء" واختلف في اسمه واسم أبيه فقيل فيه عامر وعويمر وفى أبيه عامر ومالك وثعلبة وعبد الله وزيد , والأرجح عندنا في نسبه بعد الرجوع إلى مصادر مختلفة أنه : عويمر بن عبد الله بن قيس بن أمية بن عامر بن عدى بن كعب بن الخزرج الأنصاري .
أسلم أبو الدرداء يوم بدر وشهد أحد وبقية المواقع وقد أبلى في أحد بلاء لفت إليه أنظار النبي (ص) , فقال عنه : " نعم الفارس عويمر "
كان أبو الدرداء يعمل بالتجارة قبل إسلامه , يقول " كنت تاجرا قبل البعث , فلما جاء الإسلام جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا , فتركت التجارة ولزمت العبادة "
آخى الرسول (ص) بينه وبين قطب كبير من أقطاب الصحابة هو سلمان الفارسي والراجح أن أبا الدرداء وقد أوتي استعداد للعلم والحكمة , اقتبس بعض علمه من سلمان الفارسي ,ولعل القصة التالية تشير من قريب إلى ذلك , روي أن سلمان ذهب يوما ليعود أخاه أبا الدرداء , فوجد أم الدرداء متبذلة , فقال :
- ما شأنك ؟
قالت :
- إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار , وليس له شئ من الدنيا حاجة .
ثم جاء أبو الدرداء ورحب بضيفه وأخيه سلمان , وقرب إليه طعاما , وجلس دون أن يشاركه الطعام , فقال له سلمان :
- كل
قال :
- إني صائم
فقال سلمان :
- أقسمت عليك لتفطرن
فأفطر أبو الدرداء , ثم بات سلمان عنده , فلما كان الليل , أراد أبو الدرداء أن يقوم للصلاة والعبادة فمنعه سلمان وقال له :
- إن لربك عليك – عز وجل – عليك حقا , ولأهلك عليك حقا , ولجسدك عليك حقا , اعط كل ذي حق حقه , صم وأفطر وقم ونم وائت أهلك .
فلما كانا عند وجه الصبح , قال :
- قم الآن
فقاما معا وتوضأا , ثم خرجا إلى الصلاة , فلما صلى النبي (ص) , قام إليه أبو الدرداء فأخبره بما قال سلمان , فقال (ص) :
- يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا , مثل ما قال سلمان .
ولعل أبا الدرداء قد تعلم هذا الدرس جيدا من سلمان والرسول(ص) , فلم يفرغ للعبادة وحدها , فشارك دائما في الأحداث المهمة , وكان إذا شارك أخذ مكانه في مقدمة الصفوف , وأخلص في عمله كل الإخلاص , فيروى أنه شارك في وقعة أحد وأن الرسول (ص) أمره أن يرد من على الجبل , فردهم وحده , فنظر إليه رسول الله (ص) والأعداء يفرون من أمامه منهزمين , وقال : "نعم الفارس عويمر غير أفة " أي غير جبان ولا ثقيل .
وتولى عمر بن الخطاب الخلافة , وكان يعرف لأبى الدرداء فضله ومكانته , فلما أخذ في تقسيم العطاء وتدوين العرب ألحق أبا الدرداء بأهل بدر في العطاء , مع أنه لم يشارك في الموقعة , وإن أسلم بعدها مباشرة , كذلك عرف عمر لأبى الدرداء مدى علمه وحكمته فأرسله إلى الشام يفقه أهله في الدين والقرآن مع معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت , وقد استقر أبو الدرداء في دمشق يعلم أهلها ويفقههم في دينهم , وكان ذلك في السنة السادسة عشرة للهجرة .
وعندما خرجت جيوش الإسلام لفتح مصر كان أبو الدرداء واحدا من كبار القواد والصحابة الذين شاركوا في هذا الفتح , كما شارك في فتح الإسكندرية , فدخلها وأقام فيها وقتا في رفقة عدد من كبار الصحابة , ولكن يبدو أنه لم يقم بها طويلا و فقد ذكرت المصادر أن أبا الدرداء كان أحد المشرفين على بناء قبلة جامع عمرو بن العاص الذي بني في الفسطاط , والمعروف أن جامع عمرو بنى سنة 21 هجرية , بعد فتح الإسكندرية .
ويبدو أن أبا الدرداء لم يقم في مصر طويلا أيضا , فإننا سرعان ما نسمع أن معاوية عينه قاضيا لدمشق بأمر من عثمان في أرجح الروايات , ويرجح لدينا أن أبا الدرداء أحب دمشق وأحب الإقامة فيها , منذ بعث إليها معلما في عهد عمر بن الحطاب , فلم نسمع من أخباره في المدة الباقية من حياته إلا مقيما في دمشق , وقد كانت وفاته عام 32 هجرية .
لقد كان أبو الدرداء يستطيع وقد أقبلت الدنيا عليه و ولى المراكز الكبرى ،أن يبدل حياته ، فيطلق حياة الزهد إلى غير رجعة ،ويحيا حياة غنية مترفة،ولكنه ظل كما هو لم يتغير ولم يتبدل ،فنجده يرفض خطبة يزيد بن معاوية لابنته الدرداء ، مفضلا عليه رجلا من العامة ،وإذا ما عوتب في ذلك ,أفصح قائلا:
-إني نظرت للدرداء , ما ظنكم بالدرداء إذا قامت على رأسها الخصيان, ونظرت في بيوت يلتمع فيها بصرها ؟ أين دينها يومئذ ؟
ويبدو أن حياة الزهد هذه لم تكن تعجب أهل دمشق , لذلك نجده يوبخهم وينكر عليهم تكالبهم على الدنيا , فيقول لهم فيما روى عنه :
- "يا معشر أهل دمشق ألا تستحون ! تجمعون ما لا تأكلون , وتبنون ما لا تسكنون , وتأملون ما لا تبتغون , فقد كان القرون من فبلكم يجمعون فيوعون ويأملون فيطلبون , ويبنون فيوثقون فأصبح جمعهم بورا , وأملهم غرورا , وبيوتهم قبورا , هذه عاد قد ملأت ما بين عدن إلى عمان أموالا وأولادا , فمن يشتري مني تركة عاد بدرهمين "
وليس أبو الدرداء زاهدا فقط , بل هو عالم أيضا يدعو إلى العلم والعمل به , فمن أقواله :
- اطلبوا العلم , فإن عجزتم فأحبوا أهله , فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم .
ويحض العالم على طلب العلم والعمل به , فيقول :
- لا يكون عالما حتى يكون متعلما , ولا يكون عالما حتى يكون بالعلم عاملا .
وقد سئلت أم الدرداء :
- أي عبادة أبى الدرداء كانت أكثر ؟
فقالت :
- التفكير والاعتبار
وكما قال رسول الله (ص) :"أبو الدرداء حكيم أمتي " فقد فاضت حكمته والتمسها الناس في حياته , فجاءه رجل , فقال لأبى الدرداء :
- علمني كلمة ينفعني الله – عز وجل – بها .
فقال أبو الدرداء :
- واثنين وثلاثا وأربعا وخمسا , من عمل بهن كان ثوابه على الله عز وجل الدرجات العلا , لا تأكل إلا طيبا , ولا تكسب إلا طيبا , ولا تدخل بيتك إلا طيبا , وسل الله عز وجل يرزقك يوما بيوم , وإذا أصبحت فاعدد نفسك من الأموات , فكأنك قد لحقت بهم , وهب عرضك لله عز وجل , فمن سبك أو شتمك أو قاتلك فدعه لله عز وجل , وإذا أسأت فاستغفر الله عز وجل .
وهكذا كان أبو الدرداء في كل أعماله وأقواله ذلك الرجل العالم العامل الزاهد الناصح الحكيم , وقد لخص فلسفته في البيتين التاليين , ولم يؤثر عنه سواهما :
يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا
رحم الله أبا الدرداء ورضي عنه , وهدانا الله جميعا لترسم خطاه .

دكتور / محمد عبد الحليم غنيم
22/2/ 2004

mou
02-24-2004, 08:19 PM
شكرا على هذه المشاركة يا أخي محمد....

لقد ذكرتنا بالسلف الذين كانوا بشرا مثلنا
ذكرتنا بالسلف الذين خلقهم الله و خلقنا دون أن يخلق أي حواجز لنكون مثلهم تماما.



12 12

الزهراء
02-26-2004, 05:33 PM
شكراً لك أيها الكاتب الراائع...

كنت أنا أسمع بأبي الدرداء ولكن لا أعلم الكثير عنه

فشكراً جزيل لك يا أخي الكريم

تحياتي

الصغيرة,,,,,الزهراء