المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة تراجم الرجال/ الحسن البصري



سالم
02-25-2003, 02:21 PM
مقدمة

جاء البشير يبشر زوج النبي أم سلمة بأن مولاتها "خيرة" قد وضعت حملها وولدت غلاماً ، فغمرت الفرحة فؤاد أم المؤمنين رضوان الله عليها، وطفح البشر على محياها النبيل الوقور، وأرسلت من توها رسولا يحمل إليها الوالدة ومولودها، لتقضي فترة النفاس في بيتها . فقد كانت "خيرة" أثيرة لدى أم سلمة، حبيبة إلى قلبها . وكان بها لهفة وتشوق لرؤبة وليدها البكر.
وما هو إلا قليل حتى جاءت " خيرة " تحمل طفلها على يديها، فلما وقعت عينا أم سلمة على الطفل امتلأت نفسها أنساً به، وارتياحاً له..فقد كان الوليد الصغير قسيماً وسيماً بهي الطلعة، تام الخلقة، يملأ عين مجتليه، ويأسر فؤاد رائيه .
ثم التفتت إلى مولاتها وقالت : أسميت غلامك ياخيرة ؟
فقالت: كلا يا أماه .. لقد تركت ذلك لك لتختاري له من الأسماء ما تشائين .
فقالت : نسميه- على بركة الله " الحسن " ثم رفعت يديها ودعت له بصالح الدعاء .
بيد أن الفرحة بالحسن لم تقتصر على بيت أم المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها، وإنما شاركها فيها بيت آخر من بيوت المدينة هو بيت الصحابي الجليل زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن " يساراً " والد الصبي كان مولى له أيضاً، وكان من آثر الناس عنده وأحبهم إليه .

درج الحسن بن يسار الذي عرف فيما بعد بالحسن البصري في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربي في حجر زوجة من زوجات النبي هي هند بنت سهيل المعروفة بأم سلمة، وأم سلمة- إن كنت لا تعلم – كانت من أكمل نساء العرب عقلاً، وأوفرهن فضلا، وأشدهن حزماً ،كما كانت من أوسع زوجات الرسول الكريم علماً وأكثرهن رواية عنه، حيث روت عن النبي صلوات الله عليه ثلاثمائة وسبعة وثمانبن حديثاً ...وكانت إلى ذلك كله من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتبن في الجاهلية... ولم تقف صلة الصبي المحظوظ بأم المؤمنين أم سلمة عند هذا الحد، وإنما امتدت إلى أبعد من ذلك... فكثيراً ما كانت " خيرة " أم الحسن تخرج من البيت لقضاء بعض حاجات أم المؤمنين، فكان الطفل الرضيع يبكي من جوعه، ويشتد بكاؤه فتأخذه أم سلمة إلى حجرها، وتلقمه ثديها لتصبره به وتعلله عن غياب أمه، فكانت لشدة حبها إياه يدر ثديها لبناً سائغاً فيرضعه الصبي ويسكت عليه .
وبذلك غدت أم سلمة أماً للحسن من جهتين : فهي أمه بوصفه أحد المؤمنين...وهي أمه من الرضاع أيضاً ... وقد أتاحت الصلات الواشجة بين أمهات المؤمنبن، وقرب بيوت بعضهن من بعض للغلام السعيد أن يتردد قي هذه البيوت كلها وأن يتخلق بأخلاق رباتها جميعاً، وأن يهتدي بهديهن... وقد كان بحدث عن نفسه – يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة ويترعها بلعبه النشيط، حتى إنه كان ينال سقوف في بيوت أمهات المؤمنين بيديه وهو يقفز فيها قفزاً.
ظل الحسن يتقلب في هذه الأجواء العبقة بطيوب النبوة المتألقة بسناها...وينهل من تلك الموارد العذبة التي حفلت بها بيوت أمهات المؤمنين...

***
يتبع

سالم
02-25-2003, 02:29 PM
تلميذ الصحابة وربيبهم :

ويتتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم...
حيث روى عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس ابن مالك وجابر بن عبد الله وغيرهم وغيرهم،

لكنه أولع أكثر ما أولع بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
فقد راعه منه صلابته في دينه ، وإحسانه لعبادته، وزهادته بزينة الدنيا وزخرفها .خلبه منه بيانه المشرق، وحكمته البالغة، وأقواله الجامعة، وعظاته التي تهز القلوب هزاً .

فتخلق بأخلاقه في التقى والعبادة، ونسج على منواله في البيان والفصاحة، ولما بلغ الحسن أربعة عشر ربيعاً من عمره، ودخل في مداخل الرجال تنقل مع أبويه إلى البصرة واستقر فيها مع أسرته.

ومن هنا نسب الحسن إلى البصرة وعُرف بين الناس بالحسن البصري ، كانت البصرة يوم أمها الحسن قلعة من أكبر قلاع العلم في دولة الإسلام... وكان مسجدها العظيم يعج بمن ارتحل إليها من كبار الصحابة ، وجلة التابعين، وكانت حلقات العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومصلاه .

وقد لزم الحسن المساجد وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد، وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات ،كما أخذ عنه وعن غيره الفقه واللغة والأدب وغيرها وغيرها، حتى غدا عالماً جامعاً فقيهاً ثقة، فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير، والتفوا حوله يصيخون إلى مواعظه التي تستلين القلوب القاسية، وتسدر الدموع العاصية، ويعون حكمته التي تخلب الألباب. ويتأسون بسيرته التي كانت أطيب من نشر المسك.

ولقد انتشر أمر حسن البصري في البلاد، وفشا ذكره بين العباد، فجعل الخلفاء والأمراء يتساءلون عنه ويتسقطون أخباره... ،

حدث خالد بن صفوان قال: لقيت مسلمة بن عبد الملك في الحيرة فقال لي : أخبرني يا خالد عن حسن البصرة، فإني أظن أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك ، فقلت : أصلح الله الأمير، أنا خير من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته، وجليسه في مجلسه، وأعلم أهل البصرة به.
فقال: هات ما عندك.
قلت: إنه امرؤ سريرته كعلانيته، وقولهُ كفعله... إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به. وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له... ولقد رأيته مستغنياً عن الناس زاهداً بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده...
فقال مسلمة: حسبك يا خالد، حسبك!! ، كيف يضل قوم فيهم مثل هذا ؟!


ولما ولي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبر كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه، وجهروا بين الناس بسوء أفعاله، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه .من ذلك أن الحجاج بنى لنفسه بناء في واسط، فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه والدعاء له بالبركة ، فلم يشأ الحسن أن يفوت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه، وخرج معهم ليعظهم ويذكرهم ويزهدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عند الله عز وجل.

وكان في جملة ما قاله للناس : لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيد أعظم ومما شيد وبنى أعلي مما بني، ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنى وشيد... ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غروه... ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجاج فقال له: حسبك يا أبا سعيد! حسبك..
فقال له الحسن: لقد أخذ الله الميثاق على أهل ا لعلم ليبّينُنَّه للناس ولا يكتمونه..

وفي اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيظ وقال لجلاسه : تباً لكم وسحقاً...
يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجده فيكم من يرده أو ينكر عليه.
والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء .. ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفاً بين يديه .
ثم وجه إلى الحسن بعض شُرَطِه وأمرهم أن يأتوه به ،وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار، ووجفت عليه القلوب التي في الصدور.
فلما رأى الحسن السيفَ والنطع والجلاد حرك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلال المؤمن، وعزة المسلم، ووقار الداعية إلى الله .
فلما رآه الحجاج على حاله هذه هابه أشد الهيبة وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا، ثم ما زال يوسع له ويقول: ها هنا والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه .

ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت وبيان ساحر، وعلم واسع .
فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا يغالية، وطيب له بها لحيته وودعه .

ولما خرج الحسن من عنده تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك ، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك فماذا قلت ؟ فقال الحسن:
لقد قلت: يا ولي نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً وسلاماً علي كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم

*
يتبع

سالم
02-25-2003, 02:30 PM
مواقف الرجل الشديد الإيمان:

ولقد كثرت مواقف الحسن البصري هذه مع الولاة والأمراء، فكان يخرج من كل منها عزيزاً بالله محفوظاً بحفظه...من ذلك أنه بعد أن انتقل الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربه، وآلت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك، ولي على العراق عمر بن هبيرة الفزاري، ثم زاده بسطة في السلطان فأضاف إليه خراسان أيضاً . وسار يزيد في الناس سيرة غير سيرة سلفه العظيم...فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بالكتاب تلو الكتاب، ويأمره بإنفاذ ما فيها ولو كان مجافياً للحق... فدعا عمر بن هيبرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي وقال لهما : إن أمير المؤمنين زيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده، وأوجب طاعته علي الناس وقد ولاني ما ترون من أمر العراق ثم زادني فولاني فارس .وهو يرسل إلي كتباً يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته فهل تجدان لي في متابعتي إياه وإنفاذ أوامره مخرجاً في الدين ؟
فأجابه الشعبي جواباً فيه تقية للخليفة، ومسايرة له، والحسن ساكت، فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد ؟
فقال : يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزبد في الله...وأن يزيد لا يمنعك من الله... يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصى الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد يا ابن هبيرة انك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى وكلك الله إلى يزيد، واعلم يا بن هبيرة أن لا طاعة لمخلوق كائناً من كان في معصية الخالق جل وعز... فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته... ومال عن الشعبي إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه... فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين .
فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة قولاً أجهله...ولكني أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجه الله فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه...
عاش الحسن البصري نحواً من ثمانين عاما ملأ الدنيا خلالها علماً وحكمة وفقهاً . وكان من أجل ما ورثه للأجيال رقائقه التي ظلت على الأيام ربيعاً للقلوب، ومواعظه التي هزت وما زالت تهز الأفئدة، وتستدر الشئون، وتدل التائهين على الله، وتنبه الغارين الغافلين إلى حقيقة الدنيا، وحال الناس معها .
من ذلك قوله : تسألني عن الدنيا والآخرة!!
إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب متى ازددت من أحدهما قرباً ازددت من الآخر بعداً .
وتقول لي: صف لي هذه الدار!
فماذا أصف لك من دار أولها عناء، وآخرها فناء ؟...وفي حلالها حساب وفي حرامها عقاب .
من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن .
ويحنا ماذا فعلنا بأنفسنا ؟!! لقد أهز لنا دينناَ، وسمنا دنيانا، وأخلقنا أخلاقنا، جددنا فرشنا وثيابنا. يتكىء أحدنا على شماله، ويأكل من مال غير ماله، طعامه غصب وخدمته سُخرة يدعو بحلو بعد حامض، وبحار بعد بارد، وبرطب بعد يابس، حتى إذا أخذته الكظة تجشأ من البشم ثم قال :يا غلام ! هات هاضوماً يهضم الطعام...يا أُحيْمِقُ- والله- لن تهضم إلا دينك...

وفاته:

وفي ليلة الجمعة من غرة رجب سنة ماثة وعشر لبى الحسن البصري نداء ربه، فلما أصبح الناس وشاع فيهم نعيه ارتجت البصرة لموته رجا، فغسل وكفن وصلي عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضى في رحابه جل حياته عالماً ومعلماً، وداعية إلى الله .
ثم تبع الناس جميعاً جنازته، فلم تقم صلاة العصر في ذلك اليوم في جامع البصرة لأنه لم يبق فيها أحد يقيم الصلاة. ولا يعلم الناس أن الصلاة عُطلت في جامع البصرة منذ كان الإسلام إلا في ذلك اليوم .