المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كرنفال اللون الأسود ..



باسمة
02-23-2003, 07:47 PM
برد ...
و دمشق تلتحف الغيوم الثقيلة الواعدة بمزيد من المطر .
و يهطل المساء على المدينة منذرا بمزيد من البرد .
شوارع المدينة تزدحم بالسيارات غير العابئة ببرودة الجو .
المارة حمر الأنوف يخفون اكفهم في جيوب ثيابهم و تعابير وجوههم ترسم الألم .
ألا يحتوي الشعور البرد شعورا بالألم ؟

لثلاثة أشهر كاملة لم أسر في شوارع دمشق .
كنت أطل عليها كل عدة أسابيع .
أراها من خلف زجاج السيارة ، و لا أراها .
سرعان ما تختطفني منها فكرة
أو ذكرى
أو شعور مباغت يطل من مكان لا أعرفه و يقسرني على التدقيق فيه .

بدت المدينة غريبة .
مغطاة تماما حتى الاختناق باللوحات التي تحمل أسماء المرشحين للانتخابات النيابية و صورهم .
هي اللوحات نفسها و الصور ذاتها و الأسماء ذاتها ..
كل التغيير انحصر في زيادة العدد و كبر الحجم .
و أيضا في تطور الصنعة عند المصورين الذين أجهدوا أنفسهم في إظهار المرشحين في صور أريد لها أن توحي بما ليس فيها .. بالطيبة .. بالصدق .. بالأمانة .. بالاهتمام .. و ... بالشباب أيضا ..
بعض النتائج جاءت مقبولة .. بعضها الآخر جاء مثيرا للاشمئزاز .
النتيجة المبتغاة تحتاج فنانا يستطيع رسم الطيبة في العيون الباردة الميتة .
تحتاج من يستطيع أن يخترعها من العدم .

المدينة تتسول ..
بدت من بعيد ..
كمهرج بالغ في رسم الابتسامة و الضحكة .
ألوان فاقعة .. و ملابس فضفاضة .. و عينان كحلتا بالسواد ..
لكن نظرة العين .. بقيت حزينة ..
تنظر إلي من تحت الأقنعة الرخيصة تستجدي شيئا من النظافة .. و الأصالة .
شيئا من الدفء .

كل ما في المدينة يتسول .
الأسواق مترعة حتى الثمالة بمعروضات تتكدس في المحلات .
الواجهات الزجاجية تتوسل الزبائن بالإعلان عن تنزيلات مغرية .
رواد السوق يقفون على الواجهات بأعين تشبه أعين متسول جائع يستكفي برائحة الشواء و منظره
و أصحاب المحلات يقفون على أبوابها .. في مواجهة زبائن يرفضون الشراء .
نظرات عيون الباعة تشبه نظرات عيون رواد السوق ..
يائسة و حزينة ..
المشاعر .. متشابهة ..
و البرد يطغى على كل شيء ..

سائقو سيارات الأجرة يتسولون بدون مواربة ..
قال لي : لم أعد في سن صغيرة تسمح لي بقذف نفسي في أي عمل ..و لولا خشيتي من أن يراني من قد يعرفني لقصدت باب الجامع و مددت يدي للناس ..
و قال : كان الناس يتصدقون علينا .... لم يعد هناك من خير في هذه الدنيا .
قلت : الخير موجود .. لكنه لم يعد يملك ما يركب به سيارة أجرة ..
و من يملك .. لن تراه .. سيركب سيارته و لن يراك أو يسمعك أو يحس بك .

برد شديد ..
و الشام كوردة زرعت في حقل من ثلج .
الثلج يحيط بها من جهاتها الأربعة و يوشك أن يطبق على أنفاسها .
و مع هذا ..
الخيام منصوبة و المضافات مفتوحة ..
و الهوارة تهور .. و العراضات الشامية تبدو مبتذلة ..
حلقات الدبكة تقطع مسير السيارات في الشوارع و تعطله
و المناسف مكللة بلحوم الخراف .. و الشاي و القهوة يقدمان لكل من يريد .
و الملايين تسفح كل ليلة في مضافات السادة المرشحين لمجلس الشعب ..
الممتلئين حماسا و رغبة في خدمة هذا الشعب العزيز .. المسكين ..
يملؤون الهواء بوعودهم التي لم يعد هناك من ينصت إليها ، فيزداد برودة ..
و تترك في نفوس المستمعين فهما مختلفا ..
كل هذا الإسراف يعني أن الثمن يجب أن يكون مضاعفا لمرات عديدة ..
ثمن سيدفعه من سيأكل اللقمة و يضع في جيبه الليرة .. مضاعفا لمرات و مرات ..
اللعبة مكشوفة حد الشعور بالغثيان ..
المرشحون يتسولون الأصوات .
و يتسول المنتخبون لقمة و ليرة .
سائق آخر قال لي : ولدوا و في أفواههم ملاعق من ذهب .
كيف سيعرفون ما نحس به و هم لم يعرفوا له طعما ؟
قلت .. في نفسي .. و من عرفه منهم يصر أكثر على نسيانه و نسيان كل ما يذكره به .
لو كان الفقر رجلا لقتلته .
لن يكون الفقر رجلا أبدا ..
لكن الطمع له رجال .. و الفساد له رجال .. و السرقة لها رجال ..
و ليس للشرف ما يكفي من الرجال .


تبدو المدينة سكرى .. من برد و من فقر ..
و من خوف .
رائحة الدماء القادمة من الجارة المحكومة بالإعدام تزكم أنوف الناس ..
شبح الموت البائس الذليل مقيم في المدينة
و يتسلل إلى الناس حتى في مخادعهم ، حتى في أحلامهم .

البرد قاس
و الفقر يزيده قسوة
و الخوف يوقف الانفاس في الصدور ..
و الذل يستل آخر معالم الحياة .
و دمشق تئن تحت وطأة الألم ..
تحت وطأة السواد
بين الحياة و الموت .



تحياتي

سالم
02-24-2003, 11:28 AM
كرنفال يبعث الأسى في القلب

عين الكاتبة بمالمشاعر والأحاسيس تنقلنا للوطن
تحكي لنا الآه والعذاب

موضوع جدير أن أبحر معك في سواده باسمة الدرب

سأقرأ .. الوطن من خلالك ..

علي بخوش
02-24-2003, 11:56 AM
يظهر ان المدن العربية ـ رغم اختلافها ـ تئن بصوت واحد وتتالم بالم واحد...
ابدعت اختي باسمة وابدعت كلماتك ونطقت عن جرح تعيشه كل المدن العربية...
اخوك علي

باسمة
02-25-2003, 12:41 PM
العزيز سالم

الوطن .. و انت وطني بأكثر من معنى
شكرا لمرورك
و تعال نقرأ الوطن معا
من خلال عيوني و احساسك

تحياتي

باسمة
02-25-2003, 12:43 PM
العزيز علي
نعم صدقت
كلنا في الهم شرق
و كلنا نمتلك في القلب جرحا
يتشابه
مهما اختلف

اهلا بك يا ابن العم
مرحبا بك يا ابن الاوراس
يا ابن الجزائر
بلدي التي أحمل اسمها و لم ترها عيني

تحياتي

علي بخوش
02-25-2003, 01:56 PM
وعندما نلتقي في هم كهذا يسعد المرء رغم جراحه...وعندما نلتقي على الصدق في الكلمة يتحول هم الانسان إلى سعادة...فثمة من يشاركه الهموم ...
فلنشارك كلنا ـ كفريق متحد ـ في بعث الحياة للكلمة ونشحنها بكل انواع الصدق والتحدي والاباء ...لربما تحرك فينا شيء من الاحساس ولربما بلغنا منطقة أكثر إشراقا وأكثر أضاءة ...
اتمنى مخلصا أن يقفز هذا الدرب خطوات إلى الأمام في زمن الانتكاسات...لربما استطعنا
ان نتجاوز خلافاتنا وصراعاتنا واللون الأسود الذي يغشانا و الذي يأبى الزوال.. فتصبح مدننا مضيئة مشرقة ...
اخوتي في الدرب إننا في زمن الخيانة ...فلنحاول أن نخلص للكلمة ...آخر الأسلحة التي لم تحظر علينا بعد ...
رغم كل الجراح والآلام ...أجدني سعيدا جدا في هذا الجو وفي هذا الدرب...
أخوكم علي

باسمة
02-25-2003, 08:32 PM
معك حق يا أخ علي .
يبقى حزننا المشترك عامل قوة و دفء و ارتياح
يصبح شجنا ..
حزن لمسه حنان .

الكلمة .
هي كل ما تبقى لنا كمان قلت
سنحاول ما استطعنا
سنجعلها تقيم في قلوبنا و تخرج منها .
هي ما نعول عليه
هي كانت في البدء
و هي ستبقى

كل الشكر يا ابن العم لمرورك العطر

تحياتي

سالم
04-12-2009, 02:46 PM
نحتاج لتلك الذاكرة الموجوعة أن نجدد لها الذكريات ... كي لا تتداعى

هل يمكن أن نستعلم مجددا عن معالم المدينة ؟؟

كيف هي ؟؟
كيف عيونها ؟
كيف غيومها ؟
كيف هي عرائش الياسمين ؟؟

بسووم !!

أبوشام
04-23-2009, 09:26 AM
نعم أخي الغالي ...

هنا ...وأكثر مانحتاجه وجود بسووم ...فهي نقلت لنا ذكريات لاتنسى عن معالم المدينة ...

وكثيرة هي الصور التي نقلتها لنا وبحرفية قل نظيرها ...

بسووم ...أعلم مدى أنشغالك ...وأعذر ضيق وقتك ...

ولكنها دعوة المحبين لعاشقة الشام ...

فهل تتردد محبة الشام في منح معشوقتها بعضا من وقت ؟؟؟

كل الشكر لسالم الياسمين ...فالموضوع يستحق الرجوع إليه !!!